الصفحة الأخيرة من النسخة (م)
صفحة العنوان من النسخة (ح)
الصفحة الأولى من النسخة (ح)
الصفحة الأخيرة من النسخة (ح)
صفحة العنوان من النسخة (ق)
الصفحة الأولى من النسخة (ق)
الصفحة الأخيرة من النسخة (ق)
صفحة العنوان من نسخة الجامع الكبير بصنعاء رقم (٤٧٣)
صفحة العنوان من نسخة الجامع الكبير بصنعاء رقم (٥٠٦)
﷽
وبه نستعين
هذه رسالة كتبها شيخنا الإمام العالم الحبر العلامة شيخ الإسلام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد، المعروف بابن قيم الجوزية، تغمده الله برحمته، إلى بعض إخوانه، وسماها "الكلم الطيب والعمل الصالح"، وهي كما سماها ١.
قال:
﷽
الله سبحانه وتعالى المسئول ٢ المرجو الإجابة أن يتولاكم في الدنيا والآخرة، وأن يسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ٣، وأن يجعلكم ممن إذا أنعم الله عليه شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر؛ فإن هذه الأمور الثلاثة هي عنوان سعادة العبد، وعلامة فلاحه في دنياه وأخراه، ولا ينفك عبد عنها أبدا، فإن العبد دائما يتقلب بين هذه الأطباق الثلاث.
نعم من الله تعالى تترادف عليه، فقيدها الشكر، وهو مبني على ثلاثة أركان: الاعتراف بها باطنا، والتحدث بها ظاهرا، وتصريفها في مرضاة
وليها ومسديها ومعطيها ١.
فإذا فعل ذلك فقد شكرها، مع تقصيره في شكرها ٢.
الثاني: محن من الله تعالى يبتليه بها، ففرضه فيها الصبر والتسليم ٣.
والصبر: حبس النفس عن التسخط بالمقدور، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن المعصية ٤، كاللطم، وشق الثياب، ونتف الشعر، ونحو ذلك.
فمدار الصبر على هذه الأركان الثلاثة، فإذا قام بها ٥ العبد كما ينبغي انقلبت المحنة في حقه منحة، واستحالت البلية عطية، وصار المكروه محبوبا؛ فإن الله سبحانه وتعالى لم يبتله ليهلكه، وإنما ابتلاه ليمتحن صبره وعبوديته، فإن لله تعالى على العبد عبودية في الضراء، كما له عليه عبودية في السراء، وله عليه عبودية فيما يكره، كما له عليه عبودية فيما يحب، وأكثر الخلق يعطون العبودية فيما يحبون، والشأن في إعطاء العبودية في المكاره، فبه تفاوتت ٦ مراتب العباد، وبحسبه
كانت منازلهم عند الله تعالى.
فالوضوء بالماء البارد في شدة الحر عبودية، ومباشرة زوجته الحسناء التي يحبها عبودية، ونفقته عليها وعلى نفسه وعياله عبودية، هذا والوضوء بالماء البارد في شدة البرد عبودية، وترك المعصية التي اشتدت دواعي نفسه إليها من غير خوف من الناس عبودية، ونفقته في الضراء عبودية، ولكن فرق عظيم بين العبوديتين.
فمن كان عبدا لله في الحالين، قائما بحقه في المكروه والمحبوب، فذلك الذي يتناوله قوله تعالى: ﴿أليس الله بكاف عبده﴾ [الزمر: ٣٦] وفي القراءة الأخرى (عباده) ١، وهما سواء؛ لأن المفرد مضاف، فيعم عموم الجمع.
فالكفاية التامة مع العبودية التامة، والناقصة مع الناقصة، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.
وهؤلاء هم عباده الذين ليس لعدوه عليهم سلطان.
قال الله تعالى: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ [الحجر: ٤٢].
ولما علم عدو الله إبليس أن الله تعالى لا يسلم عباده إليه، ولا يسلطه عليهم قال: ﴿فبعزتك لأغوينهم أجمعين (٨٢) إلا عبادك منهم المخلصين (٨٣)﴾ [ص: ٨٢، ٨٣]. قال الله تعالى: ﴿ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا
فريقا من المؤمنين (٢٠) وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك﴾ [سبأ: ٢٠، ٢١]، فلم يجعل لعدوه سلطانا على عباده المؤمنين؛ فإنهم في حرزه وكلاءته، وحفظه، وتحت كنفه، وإن اغتال عدوه أحدهم كما يغتال اللص الرجل الغافل، فهذا لابد منه؛ لأن العبد قد بلي بالغفلة والشهوة والغضب.
ودخوله على العبد من هذه الأبواب الثلاثة، ولو احترز العبد ما احترز، فلابد له من غفلة، ولابد له من شهوة، ولابد له من غضب، وقد كان آدم أبو البشر صلى الله عليه وآله وسلم من ١ أحلم الخلق، وأرجحهم عقلا، وأثبتهم ٢، ومع هذا فلم يزل به عدو الله حتى أوقعه فيما أوقعه فيه، فما الظن بفراشة الحلم ٣، ومن عقله في جنب عقل أبيه كتفلة في بحر؟!
ولكن عدو الله لا يخلص إلى المؤمن إلا غيلة على غرة وغفلة، فيوقعه، ويظن أنه لا يستقيل ٤ ربه عز وجل بعدها، وأن تلك الواقعة قد اجتاحته وأهلكته، وفضل الله تعالى ورحمته وعفوه ومغفرته
من ١ وراء ذلك كله.
فإذا أراد الله بعبده خيرا فتح له بابا من أبواب التوبة، والندم، والانكسار، والذل، والافتقار، والاستغاثة به ٢، وصدق اللجأ إليه، ودوام التضرع، والدعاء، والتقرب إليه بما أمكن من الحسنات = ما تكون تلك السيئة به سبب رحمته، حتى يقول عدو الله: يا ليتني تركته ولم أوقعه.
وهذا معنى قول بعض السلف: إن العبد ليعمل الذنب يدخل به الجنة، ويعمل الحسنة يدخل بها النار، قالوا: كيف؟ قال: يعمل الذنب فلا يزال نصب عينيه، خائفا منه مشفقا وجلا باكيا نادما ٣، مستحيا من ربه تعالى، ناكس الرأس بين يديه، منكسر القلب له ٤؛ فيكون ذلك الذنب سبب سعادة العبد وفلاحه، حتى يكون ذلك الذنب ٥ أنفع له من
طاعات كثيرة؛ بما ترتب عليه من هذه الأمور التي بها سعادة العبد وفلاحه، حتى يكون ذلك الذنب سبب دخوله الجنة.
ويفعل الحسنة فلا يزال يمن بها على ربه، ويتكبر بها، ويرى نفسه، ويعجب بها، ويستطيل بها، ويقول: فعلت، وفعلت؛ فيورثه ذلك ١ من العجب والكبر، والفخر والاستطالة، ما يكون سبب هلاكه.
فإذا أراد الله تعالى بهذا المسكين خيرا ابتلاه بأمر يكسره به، ويذل به عنقه، ويصغر به نفسه عنده.
وإن أراد به غير ذلك، خلاه وعجبه وكبره، وهذا هو الخذلان الموجب لهلاكه؛ فإن العارفين كلهم مجمعون على أن التوفيق: أن لا يكلك الله تعالى إلى نفسك، والخذلان: أن يكلك الله تعالى إلى نفسك ٢.
فمن أراد الله به خيرا فتح له باب الذل والانكسار، ودوام اللجأ إلى الله تعالى، والافتقار إليه، ورؤية عيوب نفسه، وجهلها، وظلمها، وعدوانها، ومشاهدة فضل ربه، وإحسانه، ورحمته ٣، وجوده، وبره، وغناه، وحمده.
فالعارف سائر إلى الله تعالى بين هذين الجناحين، لا يمكنه أن يسير إلا بهما، فمتى فاته واحد منهما، فهو كالطير الذي فقد أحد جناحيه.
قال شيخ الإسلام ٤: "العارف يسير إلى الله بين مشاهدة المنة،
ومطالعة عيب النفس والعمل".
وهذا معنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح، حديث "سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي، فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" ١.
فجمع في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي" بين مشاهدة المنة، ومطالعة عيب النفس والعمل.
فمشاهدة المنة توجب له المحبة والحمد والشكر لولي النعم
والإحسان، ومطالعة عيب النفس والعمل توجب له الذل والانكسار، والافتقار والتوبة في كل وقت، وأن لا يرى نفسه إلا مفلسا.
وأقرب باب دخل منه العبد على الله تعالى باب الإفلاس ١، فلا يرى لنفسه حالا، ولا مقاما، ولا سببا يتعلق به، ولا وسيلة منه يمن بها ٢، بل يدخل على الله تعالى من باب الافتقار الصرف، والإفلاس المحض، دخول من قد كسر الفقر والمسكنة قلبه حتى وصلت تلك الكسرة إلى سويدائه فانصدع، وشملته الكسرة من كل جهاته، وشهد ضرورته إلى ربه عز وجل وكمال فاقته وفقره إليه، وأن في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فاقة تامة، وضرورة كاملة إلى ربه تبارك وتعالى، وأنه إن تخلى عنه طرفة عين هلك، وخسر خسارة لا تجبر؛ إلا أن يعود الله تعالى عليه ويتداركه برحمته.
ولا طريق إلى الله تعالى أقرب من العبودية، ولا حجاب أغلظ من الدعوى!.
والعبودية مدارها على قاعدتين هما أصلها: حب كامل، وذل تام.
ومنشأ هذين الأصلين عن ذينك الأصلين المتقدمين، وهما: مشاهدة المنة التي تورث المحبة، ومطالعة عيب النفس والعمل التي تورث الذل التام.
وإذا كان العبد قد بنى سلوكه إلى الله تعالى على هذين الأصلين لم يظفر عدوه به إلا على غرة وغفلة، وما أسرع ما ينعشه الله عز وجل ويجبره، ويتداركه برحمته ١.
فصل
وإنما يستقيم له هذا باستقامة قلبه وجوارحه؛ ف