الحادية والستون: أن الذكر يعطي الذاكر قوة،
حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لا يطيق فعله بدونه، وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في مشيته (^٣)، وكلامه، وإقدامه، وكتابته، أمرا عجيبا؛ فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعة أو أكثر، وقد شاهد العسكر من قوته في الحرب أمرا عظيما.
وقد علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابنته فاطمة وعليا -رضي الله تعالى عنهما- أن يسبحا كل ليلة إذا أخذا مضاجعهما ثلاثا وثلاثين، ويحمدا ثلاثا
(^١) (ح): "إذ".
(^٢) (ت): "التي يجدها"، وفي (م): "كأن المخاوف يجدها أمانا له".
(^٣) (ت) و(ق): "مشيه"، وفي (ح): "سننه"، وهو خطأ.
الجزء: 1 - الصفحة: 185
وثلاثين، ويكبرا أربعا وثلاثين؛ لما سألته الخادم، وشكت إليه ما تقاسيه من الطحن والسعي (^١) والخدمة، فعلمها ذلك، وقال: "إنه خير لكما من خادم" (^٢).
فقيل: إن (^٣) من داوم على ذلك وجد قوة في بدنه مغنية عن خادم.
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يذكر أثرا في هذا الباب، وهو (^٤): أن الملائكة لما أمروا بحمل العرش قالوا: يا ربنا، كيف نحمل عرشك وعليه عظمتك وجلالك؟ فقال: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (^٥)، فلما قالوها حملوه (^٦)، حتى رأيت ابن أبي الدنيا قد ذكر هذا الأثر بعينه عن الليث بن سعد، عن معاوية بن صالح قال: حدثنا مشيختنا أنه بلغهم: أن أول ما خلق الله عز وجل -حين كان عرشه على الماء- حملة العرش قالوا: ربنا لم خلقتنا؟ قال: خلقتكم لحمل عرشي.
قالوا: ربنا، ومن يقوى على حمل عرشك وعليه عظمتك وجلالك ووقارك؟ قال: لذلك خلقتكم.
فأعادوا عليه ذلك مرارا، فقال لهم: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله.
فحملوه (^٧).
(^١) (ت): "ومن السعي".
(^٢) أخرجه البخاري (٣٧٠٥)، ومسلم (٢٧٢٧) من حديث علي رضي الله عنه.
(^٣) "إن" من (ح) و(ق).
(^٤) (ح): "ويقول".
(^٥) "العلي العظيم" ليست في (ح).
(^٦) انظر: "نقض التأسيس" (١/ ٥٦٨)، و"التحفة العراقية" (١٠/ ٣٣ - مجموع الفتاوى)، و"الرد الوافر" لابن ناصر الدين (٦٩).
(^٧) أخرجه عثمان بن سعيد الدارمي في "رده على المريسي" (١٠٤).
وأخرج الطبري في "التفسير" (٢٣/ ٥٨٣ - ٥٨٤) نحوه عن ابن زيد قال: =
الجزء: 1 - الصفحة: 186
وهذه الكلمة لها تأثير عجيب في معاناة الأشغال الصعبة، وتحمل المشاق، والدخول على الملوك، ومن يخاف، وركوب الأهوال.
ولها أيضا تأثير عجيب (^١) في دفع الفقر، كما روى ابن أبي الدنيا عن الليث بن سعد، عن معاوية بن صالح، عن أسد بن وداعة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من قال: لا حول ولا قوة إلا بالله مائة مرة في كل يوم لم يصبه فقر أبدا" (^٢).
وكان حبيب بن مسلمة يستحب إذا لقي عدوا، أو ناهض حصنا قول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
وإنه ناهض يوما حصنا فانهزم الروم (^٣)، فقالها المسلمون وكبروا، فانصدع الحصن (^٤).
= قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ". . . ." فذكره هكذا معلقا.
وأخرجه أبو الشيخ في "العظمة" (٣/ ٩٥٥ - ٩٥٦) من قول وهب بن منبه.
وهو من الإسرائيليات.
(^١) "عجيب" ساقطة من (ت) و(ح) و(ق).
(^٢) لم أقف عليه.
وهو على كل حال مرسل، وانظر:
"الترغيب والترهيب" للمنذري (٢/ ٤٤١)، و"عجالة الإملاء" للناجي (٣١٧)، و"ضعيف الترغيب والترهيب" للألباني (١/ ٤٨٦ - ٤٨٧).
(^٣) (ح): "ناهض يوما حصنا للروم فانهزم فقالها.
. ."، وفي (م): "ناهض حصنا فانهزم الروم فقالها.
. .".
(^٤) أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (٦/ ١١٣)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٢/ ٧٧).
الجزء: 1 - الصفحة: 187