مقدمة التحقيق
الحمد لله رب العالمين، "أحمده حمدا كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، وأستعينه استعانة من لا حول له ولا قوة إلا به، وأستهديه بهداه الذي لا يضل من أنعم به عليه، وأستغفره لما أزلفت وأخرت؛ استغفار من يقر بعبوديته، ويعلم أنه لا يغفر ذنبه ولا ينجيه منه إلا هو.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله" (^١)، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد؛ فهذه رسالة جليلة القدر، نبيلة المقصد، صادقة اللهجة، مشرقة المعاني، بعث بها عالم رباني إلى بعض إخوانه، ليحدثهم فيها -حديث الناصح الوجل، والمشفق الحدب- عن ذكر الله تعالى، وما يحصل به من حياة القلوب، وشفاء الصدور، ومتاع الأرواح، وبهجة الأنفس، وقرة العين، ونعيم الدنيا.
وليقص عليهم في سطورها منزلة هذه العبادة العظيمة، ورفيع مقامها، وجليل مكانها، ووافر هباتها وعوائدها على أهلها.
وليبصرهم في أثنائها موضع هذه الشعيرة من هذا الدين، وأنها منه بالمحل الأسنى، والمقام الأسمى، والدرجة العالية الرفيعة.
وليتلو عليهم من كتاب ربهم، وحديث رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بعض ما ورد بفضلها، ونطق بشرفها.
(^١) "الرسالة" للشافعي (٨).
الجزء: المقدمة - الصفحة: 5
وليعلمهم هدي نبيهم وقدوتهم صلى الله عليه وآله وسلم فيها، قولا وعملا؛ ليأتوا البيوت من أبوابها، ويقصدوا رضوان الله تعالى من سبيله الذي اختار لهم، ويبلغوا مراد الشريعة على جادة مأمونة.
ومن سلك الجدد أمن العثار.
وتلك -لعمر الله- غاية جليلة، وما يوفق للدعوة إليها، والدلالة عليها، إلا موفق ذو حظ عظيم.
ولمثلها سعى المصلحون، وتسابق أهل الحديث والسنة في التصنيف في أبواب الذكر والدعاء.
فها هو الإمام أبو القاسم الطبراني (ت: ٣٦٠) يستفتح كتابه "الدعاء" بقوله: "هذا كتاب ألفته جامعا لأدعية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حداني على ذلك أني رأيت كثيرا من الناس قد تمسكوا بأدعية سجع، وأدعية وضعت على عدد الأيام، مما ألفها الوراقون، لا تروى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا عن أحد من أصحابه، ولا عن أحد من التابعين بإحسان، مع ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الكراهية للسجع في الدعاء، والتعدي فيه،.
. ." (^١).
(^١) "الدعاء" (٢/ ٧٨٥). وانظر للاقتصار على الوارد من الأدعية والأوراد النبوية: "شأن الدعاء" للخطابي (١٦)، و"أحكام القرآن" لابن العربي (٢/ ٨١٦)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (٤/ ١٤٩)، و(٧/ ١٤٤)، و"قواعد الأحكام" للعز بن عبد السلام (٢/ ٣٣٣)، و"تلخيص كتاب الاستغاثة لشيخ الإسلام ابن تيمية" لابن كثير (١/ ١٣٣، ١٧٠)، و"التوسل والوسيلة" (١/ ٣٤٦ - مجموع الفتاوى) و"الفتوحات الربانية" (١/ ١٧)، و"الدعاء ومنزلته من العقيدة الإسلامية" لجيلان العروسي (٢/ ٥٦٩ - ٥٩٠).
الجزء: المقدمة - الصفحة: 6
وما زال الأئمة يوصون طلاب الحديث بكتابة أبواب فضائل الأعمال والأذكار، ويحثونهم على العناية بهذا الباب من العلم وتحصيله، كما يوصونهم ببثه ونشره.
قال عمرو بن قيس الملائي (ت: ١٦٤) -حاضا وناصحا-:
"وجدنا أنفع الحديث لنا ما ينفعنا في أمر آخرتنا؛ من قال كذا فله كذا" (^١).
وقال الخطيب البغدادي (ت: ٤٦٣):
"ويستحب أيضا إملاء أحاديث الترغيب في فضائل الأعمال، وما يحث على القراءة وغيرها من الأذكار" (^٢).
وقال الذهبي (ت: ٧٤٨):
"والعلم الذي في فضائل الأعمال مما يصح إسناده؛ يتعين نقله، ويتأكد نشره، وينبغي للأمة نقله" (^٣).
ورحلة الإمام المتقن شعبة بن الحجاج رحمه الله تعالى في طلب حديث فضل الذكر بعد الوضوء؛ شاهد ناطق، وصورة صادقة لهذه
(^١) أخرجه العجلي في "معرفة الثقات" (٢/ ١٨٣ - ترتيبه)، ورواه من طريقه جماعة.
(^٢) "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (٢/ ١٥١). وانظر: "أدب الإملاء والاستملاء" للسمعاني (١/ ٣١٣).
(^٣) "سير أعلام النبلاء" (١٠/ ٦٠٤). وانظر: (٣/ ٨٤ - ٨٦).
الجزء: المقدمة - الصفحة: 7
العناية (^١).
وبعد؛ فقد نشرت هذه الرسالة من قبل مرات، فأحيا الله بها قلوبا جدبا، وأنعش بها أنفسا مريضة، وبصر بها أعينا أظلمتها ظلمات المعصية، وأرقتها حسرات الذنوب.
وها هي اليوم تنشر إلى الناس مرة أخرى -معتنى بها على ما وسعه الجهد-؛ علها تنشر موات أفئدة أخرى ران عليها الهوى، وأسكرتها الشهوة، واستعبدتها لعاعة من دنيا زائلة.
(^١) انظرها في: "المحدث الفاصل" للرامهرمزي (٣١٣ - ٣١٥)، و"الرحلة في طلب الحديث" للخطيب (١٤٨ - ١٥٣).
الجزء: المقدمة - الصفحة: 8