الوابل الصيب من الكلم الطيبالخامسة والخمسون: أن جميع الأعمال إنما شرعت إقامة لذكر الله تعالى،

الخامسة والخمسون: أن جميع الأعمال إنما شرعت إقامة لذكر الله تعالى،

والمقصود بها تحصيل ذكر الله تعالى.

قال سبحاق وتعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكري (١٤)﴾ [طه: ١٤].

قيل: المصدر مضاف إلى الفاعل، أي: لأذكرك بها.

وقيل مضاف إلى المذكور، أي: لتذكرني بها، واللام على هذا لام التعليل.

وقيل: هي اللام الوقتية، أي: أقم الصلاة عند ذكري ٢، كقوله: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ [الإسراء: ٧٨]، وقوله: ﴿ونضع الموازين القسط

ليوم القيامة﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وهذا المعنى حق يراد بالآية ١، لكن تفسيرها به وأنه هو معناها فيه نظر؛ لأن هذه اللام الوقتية يليها ٢ أسماء الزمان والظروف، والذكر مصدر، إلا أن يقدر بزمان محذوف، أي: عند وقت ذكرى، وهذا محتمل.

والأظهر: أنها لام التعليل، أي: أقم الصلاة لأجل ذكري، ويلزم من هذا أن تكون إقامتها عند ذكره، وإذا ذكر العبد ربه فذكر الله تعالى سابق على ذكره، فإنه لما ذكره ألهمه ذكره، فالمعاني الثلاثة حق.

وقال سبحانه وتعالى: ﴿اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر﴾ [العنكبوت: ٤٥].

فقيل: المعنى: إنكم في الصلاة تذكرون الله، وهو ذاكر من ذكره، ولذكر الله تعالى إياكم أكبر من ذكركم إياه.
وهذا يروى عن ابن عباس، وسلمان، وأبي الدرداء، وابن مسعود، رضي الله عنهم ٣.

وذكر ابن أبي الدنيا عن فضيل بن مرزوق عن عطية: ﴿ولذكر الله أكبر﴾ قال: هو قول الله تعالى: ﴿فاذكروني أذكركم﴾، فذكر الله تعالى لكم أكبر من ذكركم إياه ٤.

وقال ابن زيد وقتادة: معناه: ولذكر الله أكبر من كل شيء ١.

وقيل لسلمان: أي الأعمال أفضل؟ فقال: أما تقرأ القرآن؟! ﴿ولذكر الله أكبر﴾ ٢.

ويشهد لهذا حديث أبي الدرداء المتقدم: "ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق..." الحديث ٣.

وكان شيخ الإسلام أبو العباس قدس الله روحه يقول: الصحيح ٤ أن معنى الآية: أن الصلاة فيها مقصودان عظيمان، وأحدهما أعظم من الآخر، فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي مشتملة على ذكر الله تعالى، ولما فيها من ذكر الله أعظم من نهيها عن الفحشاء والمنكر ٥.

وذكر ابن أبي الدنيا عن ابن عباس أنه سئل: أي العمل أفضل؟ قال: ذكر الله أكبر ٦.

وفي "السنن" عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إنما جعل الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ورمي الجمار؛ لإقامة ذكر الله تعالى".
رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح ١.

جارٍ التحميل