الفصل الثالث عشر: في الأذكار المشروعة بعد السلام، وهو إدبار السجود
في "صحيح مسلم" عن ثوبان رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا، وقال: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام" (^١).
وفي "الصحيحين" عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا فرغ من الصلاة قال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد" (^٢).
وفي "صحيح مسلم" عن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يهلل دبر كل صلاة حين يسلم بهؤلاء الكلمات: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون" (^٣)
(^١) "صحيح مسلم" (٥٩١).
وفي (ح): "استغفر الله ثلاثا"، والمثبت من (ت) و(م) و(ق)، و"صحيح مسلم".
(^٢) "صحيح البخاري" (٢٨٤٤، ٦٣٣٠، ٦٤٧٣، ٦٦١٥)، و"مسلم" (٥٩٣).
(^٣) "صحيح مسلم" (٥٩٤).
الجزء: 1 - الصفحة: 283
وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وكبر الله ثلاثا وثلاثين، وحمد الله ثلاثا وثلاثين، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر" (^١).
وفي "السنن" عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "خصلتان -أو خلتان- لا يحافظ عليهما عبد مسلم إلا دخل الجنة، هما يسير، ومن يعمل بهما قليل: يسبح الله في دبر كل صلاة عشرا، ويحمده عشرا، ويكبره عشرا، فذلك خمسون ومائة باللسان، وألف وخمسمائة في الميزان.
ويكبر أربعا وثلاثين إذا أخذ مضجعه، ويحمد ثلاثا وثلاثين، ويسبح ثلاثا وثلاثين، فذلك مائة باللسان، وألف في الميزان".
قال: ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعقدها بيده.
قالوا: يا رسول الله، كيف هما يسير ومن يعمل بهما قليل؟! قال: "يأتي أحدكم -يعني الشيطان- في منامه، فينومه قبل أن يقوله (^٢)، ويأتيه في صلاته فيذكره حاجته قبل أن يقولها" (^٣).
(^١) "صحيح مسلم" (٥٩٧).
(^٢) كذا في (ح) و(ق) و"سنن أبي داود"، وفي (ت) و(م): "يقولها".
(^٣) أخرجه أبو داود (٥٠٦٥)، والترمذي (٣٤١٠)، والنسائي (١٣٤٧)، وفي "عمل اليوم والليلة" (٨١٩)، وابن ماجه (٩٢٦) وغيرهم.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وصححه ابن حبان (٢٠١٢، ٢٠١٨).
وصححه ابن حجر في "نتائج الأفكار" (٢/ ٢٨٢).
الجزء: 1 - الصفحة: 284
وفي "السنن" عن عقبة بن عامر قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أقرأ بالمعوذتين دبر كل صلاة (^١).
وفي "النسائي الكبير" عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من قرأ آية الكرسي عقب كل صلاة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت" (^٢).
يعني لم يكن بينه وبين دخول الجنة إلا الموت.
(^١) أخرجه أبو داود (١٥٢٣)، والترمذي (٢٩٠٣)، والنسائي (١٣٣٥) وغيرهم.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".
وصححه ابن خزيمة (٧٥٥)، وابن حبان (٢٠٠٤)، والحاكم (١/ ٢٥٣) ولم يتعقبه الذهبي.
ولفظ الترمذي: "بالمعوذتين"، وعند الباقين: "بالمعوذات".
(^٢) أخرجه النسائي في "عمل اليوم والليلة" (١٠٠)، وضمن "السنن الكبرى" (٩/ ٤٤)، والطبراني في "الدعاء" (٢/ ١١٠٤)، وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" (١/ ٣٥٤) وغيرهم.
وصححه ابن حبان -كما في "النكت على ابن الصلاح" لابن حجر (٢/ ٨٤٩)، و"الترغيب والترهيب" للمنذري (٢/ ٤٤٨) -.
وعزاه بعضهم إليه في "صحيحه"، ولعله وهم؛ فإني لم أره فيه، وقد ذكر ابن حجر في "النتائج" (٢/ ٢٩٥) أنه إنما أخرجه في كتاب "الصلاة" المفرد، ولم يخرجه في كتابه "الصحيح".
وقال ابن كثير عن إسناده في "التفسير" (٢/ ٦٢٣):
"إسناده على شرط البخاري".
وكذا قال شيخه المزي -فيما نقل المصنف عنه هنا-.
وأورده ابن الجوزي في "الموضوعات" (٤٧٩)، فلم يصب.
قال ابن حجر في "نتائج الأفكار" (٢/ ٢٩٤ - ٢٩٥):
"هذا حديث حسن غريب،.
. . وقد أنكر الحافظ الضياء هذا على ابن =
الجزء: 1 - الصفحة: 285
وبلغني عن شيخ الإسلام ابن تيمية قال: ما تركته عقيب كل صلاة إلا نسيانا.
أو نحوه (^١).
قلت: وقد بالغ أبو الفرج بن الجوزي في إدخاله هذا الحديث في "الموضوعات"، وقال شيخنا أبو الحجاج المزي رحمه الله: إسناده على شرط البخاري (^٢).
= الجوزي، وأخرجه في "الأحاديث المختارة مما ليس في الصحيحين"، وقال ابن عبد الهادي: لم يصب أبو الفرج، والحديث صحيح".
وانظر: "المحرر" لابن عبد الهادي (١٢٤ - ١٢٥)، و"زاد المعاد" (١/ ٣٠٣ - ٣٠٤).
(^١) وانظر: "زاد المعاد" (١/ ٣٠٤).
وقال شيخ الإسلام -كما في "مجموع الفتاوى" (٢٢/ ٥١٦) -:
"وأما قراءة آية الكرسي فقد رويت بإسناد لا يمكن أن يثبت به سنة".
وقال -أيضا- في (٢٢/ ٥٠٨ - ٥٠٩):
"روي في قراءة آية الكرسي عقيب الصلاة حديث، لكنه ضعيف؛ ولهذا لم يروه أحد من أهل الكتب المعتمد عليها، فلا يمكن أن يثبت به حكم شرعي.
. .".
وهذا يبعد معه ما بلغ ابن القيم -رحمه الله تعالى- عن شيخه، ولعل الخلل من الواسطة.
والله أعلم.
(^٢) من قوله: "وبلغني" إلى هنا، من (م) فقط.
الجزء: 1 - الصفحة: 286