الخامسة والأربعون: أن أكرم الخلق على الله تعالى من المتقين من لا يزال لسانه رطبا بذكره،
فإنه اتقاه في أمره ونهيه، وجعل ذكره شعاره.
فالتقوى أوجبت له دخول الجنة والنجاة من النار، وهذا هو الثواب
= الأفكار" (١/ ٢١٩).
وأخرجه العقيلي في "الضعفاء" (١/ ٢١٣ - ٢١٤)، والبيهقي في "الشعب" (٨/ ٣٩٩) وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها مرفوعا: "أن نوحا عليه السلام لم يقم عن خلاء قط إلا قال:.
. ." فذكره، وإسناده ضعيف.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١/ ٢) عن إبراهيم التيمي "أن نوحا.
. ."، وهو أشبه.
(^١) أخرجه أبو داود (١٥١٧)، والنسائي (١٣٠٢)، وفي "عمل اليوم والليلة" (١٠٩)، وأحمد (٧/ ٣٨٠) وغيرهم.
وصححه ابن خزيمة (٧٥١)، وابن حبان (٢٠٢٠)، والحاكم (١/ ٢٧٣) على شرط الشيخين، ولم يتعقبه الذهبي.
الجزء: 1 - الصفحة: 165
والأجر.
والذكر يوجب له القرب من الله عز وجل والزلفى لديه، وهذه هي المنزلة.
وعمال الآخرة على قسمين: منهم من يعمل على الأجر والثواب، ومنهم من يعمل على المنزلة (^١) والدرجة، فهو ينافس غيره الوسيلة والمنزلة عند الله تعالى، ويسابق إلى القرب منه.
وقد ذكر الله تعالى النوعين في سورة الحديد في قوله تعالى: ﴿إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم (١٨)﴾ [الحديد: ١٨] فهؤلاء أصحاب الأجور والثواب، ثم قال: ﴿والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون﴾ [الحديد: ١٩] فهؤلاء أصحاب المنزلة والقرب، ثم قال: ﴿والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم﴾ فقيل: هذا عطف على الخبر عن ﴿والذين آمنوا بالله ورسله﴾، أخبر عنهم بأنهم هم الصديقون، وأنهم الشهداء الذين يشهدون على الأمم، ثم أخبر عنهم بخبر آخر، وهو قوله تعالى: ﴿لهم أجرهم ونورهم﴾؛ فيكون قد أخبر عنهم بأربعة أمور:
أنهم صديقون، وشهداء، فهذه هي المرتبة والمنزلة، ثم أخبر عنهم
(^١) من قوله "وعمال الأخرة" إلى هنا، ساقط من (ت).
الجزء: 1 - الصفحة: 166
بأن لهم أجرهم ونورهم، فهذا هو الثواب والجزاء (^١).
وقيل: بل تم (^٢) الكلام عند قوله تعالى: ﴿الصديقون﴾، ثم ابتدأ ذكر حال الشهداء فقال: ﴿والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم﴾ (^٣).
فيكون قد ذكر المتصدقين أهل البر والإحسان، ثم المؤمنين الذين قد رسخ الإيمان في قلوبهم وامتلؤوا منه، فهم الصديقون، وهم أهل العلم والعمل، والأولون أهل البر والإحسان، ولكن هؤلاء أكمل صديقية منهم.
ثم ذكر سبحانه الشهداء، وأنه تعالى يجري عليهم رزقهم ونورهم؛ لأنهم لما بذلوا أنفسهم لله تعالى أعاضهم عليها أن جعلهم أحياء عنده يرزقون، فيجري عليهم رزقهم ونورهم، فهؤلاء السعداء.
ثم ذكر الأشقياء فقال: ﴿والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (١٠)﴾ [المائدة: ١٠ و٨٦].
والمقصود أنه سبحانه وتعالى ذكر أصحاب الأجور والمراتب، وهذان الأمران هما اللذان وعد بهما فرعون السحرة إن غلبوا موسى عليه
(^١) من قوله "ثم أخبر عنهم" إلى هنا، ساقط من (ح).
(^٢) (ح) و(م): "وقيل: تم".
(^٣) وهذا هو ما مال إليه المصنف وذكر أوجه رجحانه في "طريق الهجرتين" (٥١٧ - ٥١٨).
الجزء: 1 - الصفحة: 167
الصلاة والسلام، فقالوا: ﴿أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين (٤١) قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين (٤٢)﴾ [الشعراء: ٤١ - ٤٢]، أي: أجمع لكم بين الأجر والمنزلة عندي والقرب مني.
فالعمال عملوا على الأجور، والعارفون عملوا على المراتب والمنزلة والزلفى عند الله، وأعمال هؤلاء القلبية أكثر من أعمال أولئك، وأعمال أولئك البدنية قد تكون أكثر من أعمال هؤلاء.
وذكر البيهقي عن محمد بن كعب القرظي رحمه الله تعالى قال: قال موسى عليه السلام: يا رب، أي خلقك أكرم عليك؟ قال: الذي لا يزال لسانه رطبا بذكري.
قال: يا رب، أي خلقك أعلم؟ قال: الذي يلتمس إلى علمه علم غيره.
قال: يا رب، أي خلقك أعدل؟ قال: الذي يقضي على نفسه مثل ما يقضي على الناس.
قال: يا رب، أي خلقك أعظم ذنبا؟ قال: الذي يتهمني.
قال: يا رب، وهل يتهمك أحد؟ قال: الذي يستخيرني ولا يرضى بقضائي (^١).
وذكر أيضا عن ابن عباس قال: لما وفد موسى عليه السلام إلى طور سيناء قال: يا رب، أي عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني (^٢).
(^١) "شعب الإيمان" (٢/ ٥٧٦ - ٥٧٧). (^٢) "شعب الإيمان" (٢/ ٥٧٥ - ٥٧٦). وأخرجه بنحوه الطبري في "التفسير" (١٨/ ٦٣)، و"التاريخ" (١/ ٣٧١)، =
الجزء: 1 - الصفحة: 168
وقال كعب: قال موسى عليه السلام: يا رب، أقريب أنت فأناجيك، أم بعيد فأناديك؟ فقال تعالى: يا موسى، أنا جليس من ذكرني.
قال: إني أكون على حال أجلك عنها.
قال: ما هي يا موسى؟ قال: عند الغائط والجنابة.
قال: اذكرني على كل حال (^١).
وقال عبيد بن عمير: تسبيحة بحمد الله في صحيفة مؤمن خير له من جبال الدنيا تجري معه ذهبا (^٢).
وقال الحسن: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم، أين الذين كانت ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون (١٦)﴾؟ [السجدة: ١٦]، قال: فيقومون فيتخطون رقاب الناس.
قال: ثم ينادي مناد: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم، أين الذين كانت ﴿لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾ [النور: ٣٧]، قال: فيقومون، فيتخطون رقاب الناس.
= والخطيب في "الرحلة في طلب الحديث" (٣٠). (^١) أخرجه أحمد في "الزهد" (٦٨)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (١٣/ ٢١٢)، وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٤٢)، والبيهقي في "الشعب" (٢/ ٥٧٥). (^٢) أخرجه ابن المبارك في "الزهد" (٣٢٧)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (١٠/ ٢٩٣)، و(١٣/ ٤٥٠)، وأبو نعيم في "الحلية" (٣/ ٢٧٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢/ ٥٨٢).
الجزء: 1 - الصفحة: 169
قال: ثم ينادي مناد: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم (^١)، أين الحمادون لله على كل حال؟، قال: فيقومون وهم كثير، ثم تكون التبعة والحساب فيمن بقي (^٢).
وأتى رجل أبا مسلم الخولاني فقال له: أوصني يا أبا مسلم، قال:
(^١) من قوله "أين الذين كانت لا تلهيهم" إلى هنا، ساقط من (ت).
(^٢) أخرجه معمر في "الجامع" (١١/ ٢٩٤ - مصنف عبد الرزاق)، ومن طريقه البيهقي في "شعب الإيمان" (٢/ ٥٨٢).
وروى مرفوعا من حديث أسماء بنت يزيد رضي الله عنها.
أخرجه هناد في "الزهد" (١/ ٢٦٥ - ٢٦٦)، وعبد بن حميد في "مسنده" (١٥٧٩ - منتخبه)، ومحمد بن نصر في "قيام الليل" (٣٦ - مختصره) من طريق ابن أبي الدنيا، وأبو يعلى في "مسنده الكبير" (٥/ ١٠٧ - المطالب العالية)، والخطيب في "موضح أوهام الجمع والتفريق" (١/ ٤٦٨)، والبيهقي في "الشعب" (٦/ ٤٢٨) وفيه ضعف.
لكنه ينجبر بشاهده الذي أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٩)، والحاكم (٢/ ٣٩٨ - ٣٩٩)، ومن طريقه البيهقي في "الشعب" (٦/ ٤٢٩ - ٤٣٠) عن عقبة بن عامر رضي الله عنه مرفوعا.
وروي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما موقوفا.
أخرجه ابن المبارك في "الزهد" (١٠١ - ١٠٢ زوائد رواية نعيم بن حماد)، والطبري في "التفسير" (٢٤/ ٤١٧ - ٤١٨)، والحارث بن أبي أسامة في "مسنده" (١١٢٢ - زوائده) (ووقع في طبعة الجامعة الإسلامية: "عن ابن عباس رفعه"، وهو خطأ، وصوابه في طبعة السعدني، و"المطالب"، و"الإتحاف"، و"الحلية")، ومن طريقه أبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٦٢).
وحسن إسناده ابن حجر في "المطالب العالية" (٥/ ١٠٩)، وتبعه البوصيري في "إتحاف الخيرة" (٨/ ١٦٢).
الجزء: 1 - الصفحة: 170
اذكر الله تعالى تحت كل شجرة ومدرة، فقال: زدني، فقال: اذكر الله تعالى حتى يحسبك الناس من ذكر الله تعالى مجنونا.
قال: وكان أبو مسلم يكثر ذكر الله تعالى، فرآه رجل وهو يذكر الله تعالى، فقال: أمجنون صاحبكم هذا؟ فسمعه أبو مسلم فقال: ليس هذا بالجنون يا ابن أخي، ولكن هذا دواء الجنون! (^١).