الوابل الصيب من الكلم الطيبفصل الخطاب في التفضيل بين الذاكر والمجاهد،

فصل الخطاب في التفضيل بين الذاكر والمجاهد،

فإن الذاكر المجاهد أفضل من الذاكر بلا جهاد والمجاهد الغافل، والذاكر بلا جهاد أفضل من المجاهد الغافل عن الله تعالى.

فأفضل الذاكرين المجاهدون، وأفضل المجاهدين

الذاكرون ١.

قال الله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (٤٥)﴾ [الأنفال: ٤٥]؛ فأمرهم بالذكر الكثير والجهاد معا، ليكونوا على رجاء من الفلاح، وقد قال الله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا (٤١)﴾ [الأحزاب: ٤١]، وقال تعالى: ﴿والذاكرين الله كثيرا والذاكرات﴾ [الأحزاب: ٣٥] أي: كثيرا.

وقال تعالى: ﴿فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا﴾ [البقرة: ٢٠٠].

فقيد الأمر بالذكر بالكثرة والشدة؛ لشدة حاجة العبد إليه، وعدم استغنائه عنه طرفة عين، فأي لحظة خلا فيها العبد عن ذكر الله عز وجل كانت عليه لا له، وكان خسرانه ٢ فيها أعظم مما ربح في غفلته عن الله عز وجل.

وقال بعض العارفين: لو أقبل عبد على الله تعالى كذا وكذا سنة، ثم أعرض عنه لحظة، لكان ما فاته أعظم مما حصله.

وذكر البيهقي عن عائشة رضي الله عنها وعن أبيها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه

قال: "ما من ساعة تمر بابن آدم لا يذكر الله تعالى فيها إلا تحسر عليها يوم القيامة" ١.

وذكر عن معاذ بن جبل يرفعه أيضا: "ليس يتحسر ٢ أهل الجنة إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله عز وجل فيها" ٣.

وعن أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "كلام ابن آدم كله عليه لا له، إلا أمرا بمعروف، أو نهيا عن منكر، أو ذكرا لله عز وجل" ٤.

وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أي الأعمال أحب إلى الله عز وجل؟ قال: "أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله عز وجل" ١.

وقال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: "لكل شيء جلاء، وإن جلاء القلوب ذكر الله عز وجل" ٢.

وذكر ٣ البيهقي مرفوعا من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقول: "لكل شيء سقالة ٤، وإن سقالة القلوب ذكر الله عز وجل، وما من شيء أنجى من عذاب الله عز وجل من ذكر الله" قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله عز وجل؟ قال: "ولو أن يضرب بسيفه حتى ينقطع" ٥.

ولا ريب أن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما، وجلاؤه بالذكر، فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء؛ فإذا ترك الذكر صدئ؛ فإذا ذكر جلاه.

وصدأ القلب بأمرين: بالغفلة والذنب، وجلاؤه بشيئين: بالاستغفار والذكر؛ فمن كانت الغفلة أغلب أوقاته كان الصدأ متراكبا على قلبه، وصداؤه ١ بحسب غفلته، وإذا صدئ القلب لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه، فيرى الباطل في صورة الحق، والحق في صورة الباطل؛ لأنه لما تراكم عليه الصدأ أظلم، فلم تظهر فيه صور ٢ الحقائق كما هي عليه.

فإذا تراكم عليه الصدأ واسود، وركبه الران، فسد تصوره وإدراكه، فلا يقبل حقا، ولا ينكر باطلا، وهذا أعظم عقوبات القلب.
وأصل ذلك من الغفلة، واتباع الهوى؛ فإنهما يطمسان نور القلب، ويعميان بصره.

قال الله تعالى: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].

فإذا أراد العبد أن يقتدي برجل فلينظر: هل هو من أهل الذكر، أو هو من الغافلين؟ وهل الحاكم عليه الهوى أو الوحي؟؛ فإن كان الحاكم عليه هو الهوى، وهو من أهل الغفلة، وأمره فرط = لم يقتد به ولم يتبعه؛

فإنه يقوده إلى الهلاك ١.

ومعنى الفرط قد فسر بالتضييع ٢، أي: أمره الذي يجب أن يلزمه ويقوم به، وبه رشده وفلاحه ضائع قد فرط فيه.

وفسر بالإسراف ٣، أي: قد أفرط، وفسر بالهلاك ٤.
وفسر بالخلاف للحق ٥.
وكلها أقوال متقاربة.

والمقصود أن الله سبحانه وتعالى نهى عن طاعة من جمع هذه الصفات، فينبغي للرجل أن ينظر في شيخه وقدوته ومتبوعه؛ فإن وجده كذلك فليبعد عنه، وإن وجده ممن غلب عليه ذكر الله تعالى واتباع السنة، وأمره غير مفروط عليه، بل هو حازم في أمره = فليتمسك بغرزه.

ولا فرق بين الحي والميت إلا بالذكر، فمثل الذي يذكر ربه، والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت.

وفي "المسند" مرفوعا: "أكثروا ذكر الله تعالى حتى يقال: مجنون" ٦.

فصل

وفي الذكر نحو من مائة فائدة:

إحداها: أنه يطرد الشيطان ويقمعه ويكسره.

جارٍ التحميل