أهل الأثرالأرشيف العلمي

محبطات الأعمال

ومفسداتها أكثر من أن تحصر، وليس الشأن في العمل، إنما الشأن في حفظ العمل مما يفسده ويحبطه.

فالرياء -وإن دق- محبط للعمل، وهو أبواب كثيرة لا تحصر.
وكون العمل غير مقيد باتباع السنة أيضا موجب لكونه باطلا، والمن به على الله تعالى بقلبه مفسد له، وكذلك المن بالصدقة والمعروف، والبر والإحسان والصلة مفسد لها، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤].

وأكثر الناس ما عندهم خبر من السيئات التي تحبط الحسنات، وقد قال تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون (٢)﴾ [الحجرات: ٢].

فحذر سبحانه المؤمنين من حبوط أعمالهم بالجهر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما يجهر بعضهم لبعض (^٣)، وليس هذا بردة، بل معصية يحبط بها العمل (^٤)

(^١) (ت) و(م): "ولا".
(^٢) (ح): "أو يمن به"، وفي (ق): "أو يمن فيه به".
(^٣) "بعضهم لبعض" ساقط من (ت) و(ح).
(^٤) (ح) و(ق): "تحبط العمل".

الجزء: 1 - الصفحة: 20

وصاحبها لا يشعر بها (^١).

فما الظن بمن قدم على قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهديه وطريقه قول غيره وهديه وطريقه؟! أليس هذا قد حبط عمله وهو لا يشعر؟!

ومن هذا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله" (^٢).

ومن هذا قول عائشة رضي الله تعالى عنها وعن أبيها لزيد بن أرقم رضي الله عنه لما باع بالعينة: "إنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إلا أن يتوب" (^٣).

وليس التبايع بالعينة ردة، وإنما غايته أن يكون معصية.

فمعرفة ما يفسد الأعمال في حال (^٤) وقوعها، ويبطلها ويحبطها بعد

(^١) "بها" من (ح) و(ق).
(^٢) أخرجه البخاري (٥٥٣، ٥٩٤) من حديث بريدة رضي الله عنه.
وانظر: "الصلاة وحكم تاركها" (٨٥ - ٨٧) للمصنف.
(^٣) أخرجه أبو القاسم البغوي في "الجعديات" (١/ ١٥٥)، وعبد الرزاق في "المصنف" (٨/ ١٨٤ - ١٨٥)، والدارقطني في "السنن" (٣/ ٥٢)، والبيهقي في "الكبرى" (٥/ ٣٣٠ - ٣٣١). وأعله الشافعي في "الأم" (٤/ ٧٤)، والدارقطني في "السنن" بجهالة امرأة أبي إسحاق.
وأجاب عن هذه العلة -وأحسن ما شاء- المصنف في "إعلام الموقعين" (٣/ ١٦٧ - ١٦٩)، و"تهذيب السنن" (٩/ ٢٤٠، ٢٤٦)، وابن التركماني في "الجوهر النقي" (٥/ ٣٣١ - سنن البيهقي)، وابن الجوزي في "التحقيق" (٢/ ١٨٤)، وجود إسناده ابن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق" (٢/ ٥٥٨). (^٤) (م): "وقت".

الجزء: 1 - الصفحة: 21

وقوعها من أهم ما ينبغي أن يفتش عليه العبد، ويحرص على علمه (^١)، ويحذره.

وقد جاء في أثر معروف: "إن العبد ليعمل العمل سرا لله لا يطلع عليه أحد إلا الله تعالى، فيتحدث به، فينتقل من ديوان السر إلى ديوان العلانية، ثم يصير في ذلك الديوان على حسب العلانية" (^٢)؛ فإن تحدث به للسمعة وطلب الجاه والمنزلة عند غير الله تعالى (^٣) أبطله، كما لو فعله لذلك.

فإن قيل: فإذا تاب هذا هل يعود إليه ثواب العمل؟

قيل: إن كان قد عمله لغير الله تعالى، وأوقعه بهذه النية، فإنه لا ينقلب صالحا بالتوبة؛ بل حسب التوبة أن تمحو عنه عقابه، فيصير لا له ولا عليه.

وأما إن عمله لله تعالى خالصا، ثم عرض له عجب أو رياء، أو تحدث به، ثم تاب من بعد ذلك وندم، فهذا قد يعود له ثواب عمله ولا يحبط.
وقد يقال: إنه لا يعود إليه، بل يستأنف العمل.

(^١) (ح): "عمله"، وكان في (م): "عمله" فضرب عليها وجعلها "علمه".
(^٢) جاء بمعناه من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه مرفوعا عند البيهقي في "الشعب" (١٢/ ١٨٥ - ١٨٦) ولا يصح، وقد بين البيهقي علته.
ومن حديث أنس رضي الله عنه عند الخطيب في "تاريخ بغداد" (٦/ ٦٣ - ٦٤) بإسناد ضعيف جدا، وضعفه العراقي في "المغني عن حمل الأسفار" (١/ ١٦٦). (^٣) (ت) و(م): "عند الناس".

الجزء: 1 - الصفحة: 22

والمسألة مبنية على أصل، وهو أن

فصول الكتاب · 161 فصل
فصول الوابل الصيب من الكلم الطيب
مقدمة الكتابمقدمة التحقيقدراسة الكتاب والتعريف بهاستقامة القلب بشيئين:تعظيم الأمر والنهيالخشوع في الصلاة،تفاضل الأعمال بتفاضل ما في القلوبمحبطات الأعمالالردة هل تحبط العمل بمجردها،علامات تعظيم المناهي:الترخص الجافيمن علامات تعظيم الأمر والنهي:الالتفات المنهي عنه في الصلاةالمقبول من العمل قسمان:مثل الصائم كمثل رجل في جماعة معه صرة من مسكفصل النزاع في المسألةفصل الخطاب في التفضيل بين الذاكر والمجاهد،السابعة: أنه يجلب الرزق.العاشرة: أنه يورثه المراقبةالحادية عشرة: أنه يورثه الإنابة،الثانية عشرة: أنه يورثه القرب منهالثالثة عشرة: أنه يفتح له بابا عظيما من أبواب المعرفة،الرابعة عشرة: أنه يورثه الهيبة لربه عز وجل وإجلالهالخامسة عشرة: أنه يورثه ذكر الله تعالى له،السادسة عشرة: أنه يورث حياة القلب،السابعة عشرة: أنه قوت القلب والروحالثامنة عشرة: أنه يورث جلاء القلب من صداهالتاسعة عشرة: أنه يحط الخطايا ويذهبهاالعشرون: أنه يزيل الوحشة بين العبد وبين ربه تبارك وتعالىالحادية والعشرون: أن ما يذكر به العبد ربه عز وجل من جلاله وتسبيحه وتحميده، يذكر بصاحبه عند الشدةالثانية والعشرون: أن العبد إذا تعرف إلى الله تعالى، بذكره في الرخاء = عرفه في الشدة،الثالثة والعشرون: أنه منجاة من عذاب الله تعالى،الرابعة والعشرون: أنه سبب نزول (^٣) السكينة،الخامسة والعشرون: أنه سبب اشتغال اللسان عن الغيبة والنميمة،السادسة والعشرون: أن مجالس الذكر مجالس الملائكة،السابعة والعشرون: أنه يسعد الذاكر بذكره،الثامنة والعشرون: أنه يؤمن العبد من الحسرة يوم القيامةالتاسعة والعشرون: أنه مع البكاء في الخلوة سبب لإظلال الله تعالى العبد يوم الحر الأكبر في ظل عرشه،الثلاثون: أن الاشتغال به سبب لعطاء الله الذاكر أفضل ما يعطي السائلينالحادية والثلاثون: أنه أيسر العبادات،الثانية والثلاثون: أنه غراس الجنة،الثالثة والثلاثون: أن العطاء والفضل الذي رتب عليه لم يرتب على غيرهالرابعة والثلاثون: أن دوام ذكر الرب تبارك وتعالى يوجب الأمان من نسيانه الذي هو سبب شقاء العبد في معاشه ومعادهالخامسة والثلاثون: أن الذكر يسير العبد وهو قاعد على فراشه،السادسة والثلاثون: أن الذكر نور للذاكر في الدنيا،السابعة والثلاثون: أن الذكر رأس الأمور،الثامنة والثلاثون: أن في القلب خلة وفاقة لا يسدها شيء ألبته إلا ذكر الله عز وجل،التاسعة والثلاثون: أن الذكر يجمع المتفرق،الأربعون: أن الذكر ينبه القلب من نومه،الحادية والأربعون: أن الذكر شجرة تثمر المعارف والأحوال التي شمر إليها السالكون،الثانية والأربعون: أن الذاكر قريب من مذكوره،الثالثة والأربعون: أن الذكر يعدل عتق الرقاب،الرابعة والأربعون: أن الذكر رأس الشكر،الخامسة والأربعون: أن أكرم الخلق على الله تعالى من المتقين من لا يزال لسانه رطبا بذكره،السادسة والأربعون: أن في القلب قسوة لا يذيبها إلا ذكر الله تعالى،السابعة والأربعون: أن الذكر شفاء القلب ودواؤه،الثامنة والأربعون: أن الذكر أصل موالاة الله عز وجل ورأسها،التاسعة والأربعون: أنه ما استجلبت نعم الله عز وجل واستدفعت نقمه بمثل ذكر الله تعالى،الخمسون: أن الذكر يوجب صلاة الله عز وجل وملائكته على الذاكر.الحادية والخمسون: أن من شاء أن يسكن رياض الجنة في الدنيا فليستوطن مجالس الذكرالثانية والخمسون: أن مجالس الذكر مجالس الملائكة،الثالثة والخمسون: أن الله عز وجل يباهي بالذاكرين ملائكته،الرابعة والخمسون: أن مدمن الذكر يدخل الجنة وهو يضحكالخامسة والخمسون: أن جميع الأعمال إنما شرعت إقامة لذكر الله تعالى،السادسة والخمسون: أن أفضل أهل كل عمل أكثرهم فيه ذكرا لله عز وجل،السابعة والخمسون: أن إدامة الذكر تنوب عن التطوعات،الثامنة والخمسون: أن ذكر الله عز وجل من أكبر العون على طاعتهالتاسعة والخمسون: أن ذكر الله عز وجل يسهل الصعب،الستون: أن ذكر الله عز وجل يذهب عن القلب مخاوفه كلها،الحادية والستون: أن الذكر يعطي الذاكر قوة،الثانية والستون: أن عمال الآخرة في مضمار السباق، والذاكرون هم أسبقهم في ذلك المضمار،الثالثة والستون: أن الذكر سبب لتصديق الرب عز وجل عبده،الرابعة والستون: أن دور الجنة تبنى بالذكر،الخامسة والستون: أن الذكر سد بين العبد وبين جهنم،السادسة والستون: أن الملائكة تستغفر للذاكر كما تستغفر للتائب،السابعة والستون: أن الجبال والقفار تتباهى، وتستبشر بمن يذكر الله عز وجل عليها.الثامنة والستون: أن كثرة ذكر الله عز وجل أمان من النفاقالتاسعة والستون: أن للذكر من بين الأعمال لذة لا يشبهها شيء،السبعون: أنه يكسو الوجه نضرة في الدنيا،الحادية والسبعون: أن في دوام الذكر في الطريق،الثانية والسبعون: أن في الاشتغال بالذكر اشتغالا عن الكلام الباطلالفصل الثاني الذكر أفضل من الدعاءمن فوائد الذكر والثناء، أنه يجعل الدعاء مستجابا.الفصل الثالث قراءة القرآن أفضل من الذكر،الفصل الرابع في الأذكار الموظفة التي لا ينبغي للعبد أن يخل بها؛ لشدة الحاجة إليها، وعظم الإنتفاع في الآجل والعاجل بهاالفصل الأول: في ذكر طرفي النهارالفصل الثاني: في أذكار النومالفصل الثالث: في أذكار الانتباه من النومالفصل الرابع: في أذكار الفزع في النوم والقلقالفصل الخامس: في أذكار من رأى رؤيا يكرهها أو يحبهاالفصل السادس: في أذكار الخروج من المنزلالفصل السابع: في أذكار دخول المنزلالفصل الثامن: في أذكار دخول المسجد والخروج منهالفصل التاسع: في أذكار الأذانالفصل العاشر: في أذكار الاستفتاحالفصل الحادي عشر: في ذكر الركوع والسجود، والفصل بينهما، وبين السجدتينالفصل الثاني عشر: في أدعية الصلاة، وبعد التشهدالفصل الثالث عشر: في الأذكار المشروعة بعد السلام، وهو إدبار السجودالفصل الرابع عشر: في ذكر التشهدالفصل الخامس عشر: في ذكر الصلاة على النبي ﷺالفصل السادس عشر: في ذكر الاستخارةالفصل السابع عشر: في أذكار الكرب والغم والحزن والهمالفصل الثامن عشر: في الأذكار الجالبة للرزق، الدافعة للضيق والأذىالفصل التاسع عشر: في الذكر عند لقاء العدو ومن يخاف من سلطان وغيرهالفصل العشرون: في الأذكار التي تطرد الشيطانالفصل الحادي والعشرون: في الذكر الذي تحفظ به النعم، وما يقال عند تجددهاالفصل الثاني والعشرون: في الذكر عند المصيبةالفصل الثالث والعشرون: في الذكر الذي يدفع به الدين ويرجى قضاؤهالفصل الرابع والعشرون: في الذكر الذي يرقى به من اللسعة واللدغة وغيرهماالفصل الخامس والعشرون: في ذكر دخول المقابرالفصل السادس والعشرون: في ذكر الاستسقاءالفصل السابع والعشرون: في أذكار الريح إذا هاجتالفصل الثامن والعشرون: في الذكر عند الرعدالفصل التاسع والعشرون: في الذكر عند نزول الغيثالفصل الثلاثون: في الذكر والدعاء عند زيادة المطر وكثرة المياه والخوف منهاالفصل الحادي والثلاثون: في الذكر عند رؤية الهلالالفصل الثاني والثلاثون: في الذكر للصائم، وعند فطرهالفصل الثالث والثلاثون: في أذكار السفرالفصل الرابع والثلاثون: في ركوب الدابة والذكر عندهالفصل الخامس والثلاثون: في ذكر الرجوع من السفرالفصل السادس والثلاثون: في الذكر على الدابة إذا استصعبتالفصل السابع والثلاثون: في الدابة إذا انفلتت وما يذكر عند ذلكالفصل الثامن والثلاثون: في الذكر عند القرية أو البلدة إذا أراد دخولهاالفصل التاسع والثلاثون: في ذكر المنزل يريد نزولهالفصل الأربعون: في ذكر الطعام والشرابالفصل الحادي والأربعون: في ذكر الضيف إذا نزل بقومالفصل الثاني والأربعون: في السلامالفصل الثالث والأربعون: في الذكر عند العطاسالفصل الرابع والأربعون: في ذكر النكاح والتهنئة به، وذكر الدخول بالزوجةالفصل الخامس والأربعون: في الذكر عند الولادة، والذكر المتعلق بالولدالفصل السادس والأربعون: في صياح الديكة والنهيق والنباحالفصل السابع والأربعون: في الذكر الذي يطفأ به الحريقالفصل الثامن والأربعون: في كفارة المجلسالفصل التاسع والأربعون: فيما يقال ويفعل عند الغضبالفصل الخمسون: فيما يقال عند رؤية أهل البلاءالفصل الحادي والخمسون: في الذكر عند دخول السوقالفصل الثاني والخمسون: في الرجل إذا خدرت رجلهالفصل الثالث والخمسون: في الدابة إذا عثرتالفصل الرابع والخمسون: فيمن أهدى هدية أو تصدق بصدقة فدعا له، ماذا يقول؟الفصل الخامس والخمسون: فيمن أميط عنه أذىالفصل السادس والخمسون: في رؤية باكورة الثمرةالفصل السابع والخمسون: في الشيء يراه ويعجبه ويخاف عليه العينالفصل الثامن والخمسون: في الفأل والطيرةالفصل التاسع والخمسون: في الحمامالفصل الستون: في الذكر عند دخول الخلاء والخروج منهالفصل الحادي والستون: في الذكر عند إرادة الوضوءالفصل الثاني والستون: في الذكر بعد الفراغ من الوضوءالفصل الثالث والستون: في ذكر صلاة الجنازةالفصل الرابع والستون: في الذكر إذا قال هجرا، أو جرى على لسانه ما يسخط ربه عز وجلالفصل الخامس والستون: فيما يقول من اغتاب أخاه المسلمالفصل السادس والستون: فيما يقال ويفعل عند كسوف الشمس وخسوف القمرالفصل السابع والستون: فيما يقول من ضاع له شيء ويدعو بهالفصل الثامن والستون: في عقد التسبيح بالأصابع وأنه أفضل من السبحةالفصل التاسع والستون: في أحب الكلام إلى الله عز وجل بعد القرآنالفصل السبعون: في الذكر المضاعفالفصل الحادي والسبعون: فيما يقال لمن حصل له وحشةالفصل الثاني والسبعون: في الذكر الذي يقوله أو يقال له إذا لبس ثوبا جديداالفصل الثالث والسبعون: فيما يقال عند رؤية الفجرالفصل الرابع والسبعون: في التسليم للقضاء والقدر، بعد بذل الجهد في تعاطي ما أمر به من الأسبابالفصل الخامس والسبعون: في جوامع من أدعية النبي ﷺ وتعوذاته لا غنى للمرء عنهافهرس مراجع ومصادر التحقيق
الوابل الصيب من الكلم الطيب
تأليف ابن القيم
تقدّمك في الكتاب: محبطات الأعمال — 8 من 161
جارٍ التحميل