من فوائد الذكر والثناء، أنه يجعل الدعاء مستجابا.
فالدعاء الذي يتقدمه الذكر والثناء أفضل وأقرب إلى الإجابة من
= (٧/ ١٢٥ - ١٢٦)، وابن ماجه (٣٨٥٧)، وأحمد (٧/ ٦١٩) وغيرهم.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب"، وصححه ابن حبان (٨٩١، ٨٩٢)، والحاكم (١/ ٥٠٤) على شرط الشيخين، ولم يتعقبه الذهبي، وقال المنذري في "الترغيب والترهيب" (٢/ ٤٨١):
"قال شيخنا أبو الحسن المقدسي: وإسناده لا مطعن فيه، ولم يرد في هذا الباب حديث أجود إسنادا منه".
(^١) أخرجه أبو داود (١٤٨٨)، والترمذي (٣٤٧٥)، والنسائي (١٢٩٩)، وأحمد (٤/ ٤٠٧ - ٤٠٨) وغيرهم.
وصححه ابن حبان (٨٩٣)، والحاكم (١/ ٥٠٣ - ٥٠٤) على شرط مسلم، ولم يتعقبه الذهبي.
الجزء: 1 - الصفحة: 225
الدعاء المجرد، فإن انضاف إلى ذلك إخبار العبد بحاله ومسكنته، وافتقاره واعترافه كان أبلغ في الإجابة وأفضل؛ فإنه يكون قد توسل إلى المدعو بصفات كماله وإحسانه وفضله، وعرض بل صرح بشدة حاجته (^١) وضرورته، وفقره ومسكنته، فهذا المقتضي منه، وأوصاف المسؤول مقتضي من الله، فاجتمع المقتضي من السائل، والمقتضي من المسؤول في الدعاء، فكان أبلغ وألطف موقعا، وأتم معرفة وعبودية.
وأنت ترى في الشاهد -ولله المثل الأعلى- أن الرجل إذا توسل إلى من يريد معروفه بكرمه وجوده وبره، وذكر حاجته هو، وفقره ومسكنته؛ كان أعطف لقلب المسؤول، وأقرب لقضاء حاجته.
فإذا قال له: أنت جودك قد سارت به الركبان، وفضلك كالشمس لا ينكر (^٢)، ونحو ذلك، وقد بلغت بي الحاجة والضرورة مبلغا لا صبر معه، ونحو ذلك = كان ذلك أبلغ في قضاء حاجته من أن يقول ابتداء: أعطني كذا وكذا.
فإذا عرفت هذا، فتأمل قول موسى عليه السلام في دعائه: ﴿رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير﴾ ﴿القصص: ٢٤﴾، وقول ذي النون عليه السلام في دعائه: ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (٨٧)﴾
(^١) (ت) و(م): "بشدة حاله".
(^٢) (م) و(ح): "لا تنكر".
الجزء: 1 - الصفحة: 226
[الأنبياء: ٨٧]، وقول أبينا آدم عليه السلام: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
وفي "الصحيحين": أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال: يا رسول الله! علمني دعاء أدعو به في صلاتي، فقال: "قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا (^١)، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من
(^١) وفي رواية عند مسلم، وأحمد (١/ ٤): "كبيرا".
قال النووي في "الأذكار" (١/ ١٩٦)، و(٢/ ٩٣٧):
"هكذا ضبطناه: "ظلما كثيرا" بالثاء المثلثة، في معظم الروايات، وفي بعض روايات مسلم: "كبيرا" بالباء الموحدة، وكلاهما حسن، فينبغي أن يجمع بينهما، فيقال: "ظلما كثيرا كبيرا".
وفيما ذهب إليه النووي رحمه الله تعالى من القول بالجمع بين هذين اللفظين في الذكر نظر بين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -كما في "مجموع الفتاوى" (٢٢/ ٤٥٨) -:
"ومن المتأخرين من سلك في بعض هذه الأدعية والأذكار التي كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقولها ويعملها بألفاظ متنوعة، ورويت بألفاظ متنوعة = طريقة محدثة، بأن جمع بين تلك الألفاظ، واستحب ذلك، ورأى ذلك أفضل ما يقال فيها.
مثاله: الحديث الذي في الصحيحين عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال:.
. . (فذكر الحديث)، ثم قال: قد روي "كثيرا"، وروي "كبيرا".
فيقول هذا القائل: يستحب أن يقول: "كثيرا كبيرا"،.
. . وأمثال ذلك، وهذه طريقة محدثة لم يسبق إليها أحد من الأئمة المعروفين.
. .".
وقال -أيضا- بعد أن ذكر أن بعضهم استحب الجمع بالصفة المتقدمة:
". . . فإن هذا ضعيف، فإن هذا أولا ليس سنة، بل خلاف المسنون، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقل ذلك جميعه جميعا، وإنما كان يقول هذا تارة، وهذا تارة -إن كان الأمران ثابتين عنه- فالجمع بينهما ليس بسنة".
"مجموع الفتاوى" (٢٤/ ٢٤٣). =
الجزء: 1 - الصفحة: 227
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وانظر: "مجموع الفتاوى" (٢٢/ ٦٦ - ٦٩، ٣٣٥، ٣٣٧، ٤٥٨ - ٤٦٠)، و(٢٤/ ٢٤٢ - ٢٥٢).
وقال ابن كثير في "تفسيره" (٦/ ٢٨٦٣) بعد إيراده هذا الحديث:
"واستحب بعضهم أن يجمع الداعي بين اللفظين في دعائه، وفي ذلك نظر، بل الأولى أن يقول هذا تارة، وهذا تارة".
وقال المصنف في "جلاء الأفهام" (٤٥٣ - ٤٦٢) في ذكر قاعدة في هذه الدعوات والأذكار التي رويت بألفاظ مختلفة، كأنواع الاستفتاحات، وأنواع التشهدات في الصلاة، وأنواع الأدعية التي اختلفت ألفاظها،.
. .:
"قد سلك بعض المتأخرين في ذلك طريقة في بعضها، وهو أن الداعي يستحب له أن يجمع بين تلك الألفاظ المختلفة، ورأى ذلك أفضل ما يقال فيها، فرأى أنه يستحب للداعي بدعاء الصديق رضي الله عنه أنه يقول: "اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا كبيرا".
. .، قال: ليصيب ألفاظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقينا فيما شك فيه الراوي، ولتجتمع له ألفاظ الأدعية الأخر فيما اختلفت ألفاظها.
ونازعه في ذلك آخرون، وقالوا: هذا ضعيف من وجوه:
أحدها: أن هذه طريقة محدثة، لم يسبق إليها أحد من الأئمة المعروفين.
الثاني: أن صاحبها إن طردها لزمه أن يستحب للمصلي أن يستفتح بجميع أنواع الاستفتاحات، وأن يتشهد بجميع أنواع التشهدات.
. .، وهذا باطل قطعا؛ فإنه خلاف عمل الناس، ولم يستحبه أحد من أهل العلم، وهو بدعة.
وإن لم يطردها تناقض وفرق بين متماثلين.
الثالث: أن صاحبها ينبغي أن يستحب للمصلي والتالي أن يجمع بين القراءات المتنوعة في التلاوة في الصلاة وخارجها.
قالوا: وهذا معلوم أن المسلمين متفقون على أنه لا يستحب ذلك للقارئ في الصلاة ولا خارجها إذا قرأ قراءة عبادة وتدبر، وإنما يفعل ذلك القراء أحيانا ليمتحن بذلك حفظ القارئ لأنواع القراءات،.
. . لا تعبد يستحب لكل قارئ وتال، ومع هذا ففي ذلك للناس كلام ليس هذا موضعه، بل المشروع في حق التالي أن يقرأ بأي حرف شاء، وإن شاء أن يقرأ بهذا مرة وبهذا
الجزء: 1 - الصفحة: 228
عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم" (^١).
فجمع في هذا الدعاء الشريف العظيم القدر بين الاعتراف بحاله، والتوسل إلى ربه عز وجل بفضله وجوده، وأنه المنفرد بغفران الذنوب،
= مرة جاز ذلك.
وكذلك الداعي إذا قال: "اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا" مرة، ومرة قال: "كبيرا" جاز ذلك.
الرابع: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يجمع بين تلك الألفاظ المختلفة في آن واحد، بل إما أن يكون قال هذا مرة، وهذا مرة، كألفاظ الاستفتاح.
. .، فاتباعه صلى الله عليه وآله وسلم يقتضى أن لا يجمع بينهما، بل يقال هذا مرة، وهذا مرة.
وإما أن يكون الراوي قد شك في أي الألفاظ قال، فإن ترجح عند الداعي بعضها صار إليه، وإن لم يترجح عنده بعضها كان مخيرا بينهما، ولم يشرع له الجمع: فإن هذا نوع ثالث لم يرو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فيعود الجمع بين تلك الألفاظ في آن واحد على مقصود الداعي بالإبطال؛ لأنه قصد متابعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ففعل ما لم يفعله قطعا!.
الخامس: أن المقصود إنما هو المعنى، والتعبير عنه بعبارة مؤدية له، فإذا عبر عنه بإحدى العبارتين حصل المقصود، فلا يجمع بين العبارات المتعددة.
السادس: أن أحد اللفظين بدل عن الآخر، فلا يستحب الجمع بين البدل والمبدل معا، كما لا يستحب ذلك في المبدلات التي لها أبدال".
وبنحو هذا تعقب ابن جماعة والزركشي النووي فيما ذهب إليه.
انظر: "الفتوحات الربانية" (٣/ ١٦).
وانظر -أيضا-: "القواعد" لابن رجب (١/ ٧٣ - ٩٠)، و"فتح الباري" لابن حجر (١١/ ١٦٢ - ١٦٣).
وإنما أطلت في نقل كلام أهل العلم حول هذه المسألة؛ لعلاقتها الوثيقة بموضوع الكتاب، ولحاجة القارئ إليها.
(^١) "صحيح البخاري" (٨٣٤، ٦٣٢٦، ٧٣٨٨)، و"صحيح مسلم" (٢٧٠٥).
الجزء: 1 - الصفحة: 229
ثم سأل حاجته بعد التوسل بالأمرين معا، فهكذا أدب (^١) الدعاء وآداب العبودية (^٢).
(^١) من قوله: "الذنوب، ثم سأل.
. ." إلى هنا، ساقط من (ت).
(^٢) من قوله: "فيهما بل القراءة" إلى هنا، ساقط من (ت).
الجزء: 1 - الصفحة: 230