السابعة والخمسون: أن إدامة الذكر تنوب عن التطوعات،
وتقوم مقامها، سواء كانت بدنية، أو مالية، أو بدنية مالية كحج التطوع.
وقد جاء ذلك صريحا في حديث أبي هريرة: أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى، والنعيم المقيم، يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم، ولهم فضل أموال يحجون بها، ويعتمرون، ويجاهدون.
فقال: "ألا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا أحد يكون أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم"؟ قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: "تسبحون، وتحمدون، وتكبرون خلف كل صلاة.
. ." الحديث.
متفق عليه (^٢).
فجعل الذكر عوضا لهم عما فاتهم من الحج والعمرة والجهاد، وأخبر أنهم يسبقونهم (^٣) بهذا الذكر، فلما سمع أهل الدثور بذلك عملوا به، فازدادوا -إلى صدقاتهم وعباداتهم بمالهم- التعبد بهذا الذكر، فحازوا
(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١٠/ ٣٩٢)، وأحمد في "الزهد" (٣٧٨ - ٣٧٩)، وأبو نعيم في "الحلية" (٣/ ٢٦٧ - ٢٦٨).
وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١٠/ ٣٩١ - ٣٩٢) -أيضا- عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بإسناد حسن.
(^٢) "صحيح البخاري" (٨٣٤، ٦٣٢٩)، و"صحيح مسلم" (٥٩٥).
(^٣) (ت) و(م): "يسبقون".
الجزء: 1 - الصفحة: 183
الفضيلتين، فنافسهم الفقراء وأخبروا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنهم قد شاركوهم في ذلك، وانفردوا عنهم بما لا قدرة لهم عليه، فقال: "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء".
وفي حديث عبد الله بن بسر قال: جاء أعرابي فقال: يا رسول الله، كثرت علي خلال الإسلام وشرائعه، فأخبرني بأمر جامع يكفيني.
قال: "عليك بذكر الله تعالى" قال: ويكفيني يا رسول الله؟ قال: "نعم، ويفضل عنك" (^١).
فدله الناصح صلى الله عليه وآله وسلم على شيء يبعثه على شرائع الإسلام والحرص عليها والاستكثار منها، فإنه إذا اتخذ ذكر الله تعالى شعاره أحبه وأحب ما يحب، فلا شيء أحب إليه من التقرب بشرائع الإسلام، فلذلك دله (^٢) صلى الله عليه وآله وسلم على ما يتمكن به من شرائع الإسلام، وتسهل به عليه، وهو ذكر الله عز وجل.
يوضحه: