المختصر الفقهي لابن عرفةصفحات 95-114

كتاب الوكالة

صفحات 95-114

وبرئا، فإن نكل المأمور غرم الأقل من القيمة أو الثمن، وإن نكل المشترى غرم الثمن، وإن نكلا وقد غرم المأمور لنكوله بتقدم طلب الآمر لم يرجع على المشتري؛ لأنه يقول لا وخاصمني كنت المبرأ بالحلف فأردده عليك وقد نكلت عنه، فلا يجب لك على شيءٌ، ولو غرم المشتري لبرأ الآمر به، كان له تحليف الوكيل إن نكل غرم له الثمن الذي أغرمه الآمر، وإن كانت العادة الإشهاد على الثمن غرمه، سلم السلعة له أم لا.
وإن كانت على العقد دون التسمية فإن لم يسلم السلعة لم يغرم شيئاً، وإن سلمها غرم الأقل من القيمة أو الثمن.
وإن قال المشتري: إنما اشتريت بأربعين، وقال المأمور: بخمسين مخالفاً، فإن نكل المأمور غرم المشترى أربعين فقط.
وفي غرم المأمور تمام الخمسين قولا ابن القاسم ومحمد، وثالثها لرواية يفسخ البيع وهو أبين لقول الآمر: لا يجوز على نكول المأمور، فلا تؤخذ سلعتي بغير ما أقر وكيلي أنه باع به، وعلى الفسخ يغرم الوكيل على قول محمد الخمسين، وعلى قول ابن القاسم: لا غرم عليه، ومحمل قول محمد على ترك الإشهاد.
وسمع ابن القاسم: من أمر من يبيع له غلاماً لم يسم له ثمنه فقال: بعثه بخمسين، وقال: مشتريه بأربعين تحالفاً، فإن نكل الوكيل حلف المشتري، وثبت قوله: فلا يقال للآمر احلف؛ لأنه لا علم له.
ابن رُشْد: معناه فوض له في ثمنه؛ لأنه لو لم يفوض له ولا سمى لوقف الآمر على رضاه ولوجب إن قال: بعته بخمسين، وقال المشتري: بأربعين، وقال الآمر: لا أرضى بيعه بالخمسين أن يأخذ عبده، وإن قال: لا أبيعه بدون الخمسين، قيل المشتري: إن شئت خذه بها وإلا فلا شيء لك ولا أيمان بينكما، ولو قال الآمر: لو باعه بأربعين رضيتها؛ ولكنه باعها بخمسين فأطلبها، كانت الأيمان بينهما كما ذكره؛ يريد: تكون الأيمان بينهما كاختلاف المتبايعين في الثمن.
فقوله: إن نكل الرسول لم يفسخ البيع صحيح، قوله: لا يقال للآمر احلف، معناه: لا يجب عليه إذا لم يل البيع، إنما يجب على من وليه ومن حقه إن ادعى معرفة الثمن أن يحلف إن شاء بدل الرسول فيفسخ البيع إن حلف المشتري، ولا يجب على

الوكيل شيء بنكوله؛ لأنه بحلفه أختار فسخ البيع على إمضائه بيمين المشتري ويضمن الرسول العشرة، وكذا إن حلف المشتري والرسول وانفسخ البيع لم يجب على الرسول شيء؛ لأن الإشهاد لا يجب عليه إلا عند دفع السلعة؛ لأنه إن لو قال بعته بخمسين فأنكر المشتري الشراء وحلف لم يجب على الوكيل شيء، ولو دفع العبد فجحد الثمن وأنكر، قبض العبد وحلف، ضمن الرسول الخمسين لا قيمة العبد، كذا قال في المدَوَّنة: يضمن الثمن، ووجهه أن الإشهاد بالثمن إنما يجب عند دفع العبد، وإن لم يحلف واحد منهما حلف المشتري وثبت قوله على ما قال في السماع، وتبع الآمر الوكيل بالعشرة التي أتلف بنكوله، رواه محمد، وكذا لو فات العبد عند المشتري وحلف لغرم الوكيل العشرة، رواه محمد أيضاً، ولم يتكلم في السماع إن نكل المشتري بعد نكول الرسول.
وقال فيه ابن حبيب: يلزمه البيع، يريد: بما قاله الوكيل، كقوله: إن نكل المتبايعان فالقول قول البائع، وقول أبي بكر بن محمد: إن نكل المشتري بعد نكول الوكيل غرم ما قال الرسول، بخلاف المتبايعين لا يصح بوجه، ولا فرق بينهما وبين المتبايعين ففي نكولهما القولان كالمتبايعين، وذكر كلاماً تقدم في اختلاف المتبايعين.
وفي الوديعة منها: أن أمر من باع ثوباً من رجل بدفعه ثمنه لمن يأتيه به فقال: قبضته وتلف، لم يبر دافعه إلا ببينة على دفعه.
قُلتُ: ما الفرق بينه وبين قول مالك: فيمن بعث بمال لرجل فقال: قبضته وتلف، قال: ليس ما في الذمة كالأمانة.
وسمع عيسى ابن القاسم: إن قال من أمر بدفع ثوب لصباغ دفعته له، فأكذبه الصباغ فالمأمور ضامن ولو صدق، وقال: ضاع وهو عديم، ضمنه الصباغ ولا شيء على المأمور.
ابن رُشْد: إن أكذبه ضمن اتفاقاً لتعديه إذ لم يشهد، ولو كان مفوضاً إليه، وقول بعض أهل النظر: معنى المسألة أنه أمره بدفه لصباغ معين، ولو كان غير معين صدق مع يمينه، وإن أنكر القابض كالمساكين الذين لا يلزمه الإشهاد عليهم، ويصدق في الدفع إليهم غير صحيح والإشهاد لازم له في المعين وغيره.

قُلتُ: قوله: قول بعض أهل النظر؛ يريد به: ابن دحونٍ؛ لأنه صرح بعزو هذه إليه في الأولى من رسم أوصى من سماع عيسى من كتاب الرهون، وفي براءة الدافع بتصديق الصباغ وهو عديم تأويلان، أحدهما الغسال ضامن تتبع ذمته بخلاف المؤتمن، الثاني: أنه على القول ببراءة المأمور بالدفع إذا كان أميناً بتصديق القابض، وإن كان مؤتمناً وادعى التلف، وهو قول ابن القاسم في الوديعة منها خلاف قوله في الموازيَّة.
وفي مختصر الأسدية لأبي زيد القولان: ففي براءة الآدمي الدافع بتصديق القابض قبض لأمانة أو ذمةٍ، وعدمه قبض لأمانة أو ذمة إذا كانت خربةً، ثالثها: لا يبرأ إن قبض إلى أمانة، ويبرأ إن قبض لذمةٍ وإن كانت خربةً.
قُلتُ: عزا الثالث في المقدمات لفضل قال: ومسائله أربع من ذمة لذمة أو لأمانة، ومن أمانة لأمانة أو لذمة، وتحصيلها في المقدمات.
قُلتُ: وقال فيها: دافع الأمانة لأمانة في براءته بتصديق، وأمر بدفعها له مدعياً تلفها، قول ابن القاسم فيها، وفي الموازيَّة: ولذمة خربة قولان في سماع عيسى في مسألة الصباغ مع أحد نقلي أبي زيد عنه، وثانيهما: ودافع ما في ذمة لأمانة لا يبرأ بتصديق من أمر بدفعه له إن ادعى تلفه، لا أعرف فيه نص خلاف إلا أن يتخرج فيه من الأمانة، وكذا إن أنكر قبضه وقد يدخله الخلاف من مسألة اللؤلؤ.
قُلتُ: وقال قبل هذا دافع الأمانة لغير اليد التي دفعت إليه عليه الإشهاد كولي مال اليتيم لا يصدق في الدفع إن أنكره القابض لا أحفظ فيه نص خلاف الأقوال.
ابن الماجِشُون: فيمن بعث بضاعة مع رجل لرجل أنه لا يلزمه إشهاد بدفعها ويصدق وإن أنكر القابض كانت ديناً أوصلةً، ويمكن أن يتخرج مثله من قول ابن القاسم فيها: من أمر من يشتري له لؤلؤاً من بلد، وينقد عنه فزعم أنه ابتاعه ونقد ثمنه ثم تلف حلف على ذلك ورجع عليه بالثمن؛ لأنه أمينه، فإذا وجب تعمير ذمة الآمر بقوله فعلت ما أمرني به، وإذا وجب أن تخلى ذمته بقوله ما أمرتني به، وإذ أوجب أن تخلي ذمته بقوله فعلت فإخلاؤه أمانته أوجب.
ومن سماع عيسى ممن اشترى ثوباً من ثوبين على أن أحدهما قد وجب عليه بخياره فيضيع أحدهما فيدعي أنه كان اختار هذا الباقي أنه يصدق، وإذا غرم الدافع ففي

رجوعه على القابض المدعي تلفه.
قولا مُطَرف: لتفريطه بعدم سرعة الدفع وابن الماجِشُون: إذ الأصل عدم التفريط، هذا إن ثبت توكيله ببينة أو إقرار الموكل، وإلا ففي كون القول قول الموكل فيحلف ما وكله ويضمن الوكيل، أو قوله لتصديق الدافع له قولان الآتي على ما في الوديعة منها مع قول أشهب وسماع سَحنون ابن القاسم في كتاب العارية وسماعه عيسى فيه، وعلى الأول إن رجع الآمر على الوكيل فلا رجوع له على أحد، وإن رجع على الغريم رجع على الوكيل، وعلى الثاني في رجوع الغريم عليه إن غرم ما تقدم من قول الأخوين.
وقول ابن الحاجب تابعاً لابن شاس: ولو قال: قبضت الثمن وتلف برئ ولم يبرأ الغريم إلا ببينة إلا في الوكيل المفوض إليه هو نص النوادر.
ومن نقل ابن حبيب عن رواية مُطَرف قال: والوصي كالمفوض إليه، وقاله ابن القاسم وابن الماجِشُون، وفي المديان منها بمثله.
ولو جحد الوكيل قبض ثمنٍ فأكذبته البينة، فقال: تلف أو رددته بموجب لم تقبل ببينة بذلك، وكذا من أقام بينته ببراءته من دين قامت به بينة بعد إنكاره إياه وتمامها في الوديعة.
والمذهب عدم قبول قول الوصي من أب أو قاض في دفع مال اليتيم إليه بعد رشده إلا ببينة أو دليل طول السكوت، وفي الوكالة منها: كالوصي يدعي الدفع للورثة فعليه البينة؛ لأنهم غير من دفع إليه، ولو زعم الوصي أنه تلف ما بيده لم يضمن؛ لأنه أمين، ومثله في الوصايا الأول منها.
الصقلي: لأنه وإن كان مؤتمناً فقد دفع لغير من ائتمنه.
وروى محمد: إلا أن يطول الزمان كعشرين سنة يقيمون معه لا يطلبونه فالقول قوله مع يمينه.
الصقلي: لأن العرف قبض أموالهم إذا رشدوا كالبياعات بغير كتب وثيقة إذا مضى من الزمان ما العادة عدم تأخير قبض الثمن إليه، قبل قول المشتري بيمينه.
المتيطي: الإشهاد لازم للوصي في دفعه مال اليتيم إليه إذا انطلق من ولايته، قبض

الوصي المال ببينة أو غيرها.
وروى أبو زيد عن ابن القاسم: إذا طال الزمان سنين كثيرة بعد انطلاقه، قبل قول الوصي مع يمينه.
قال ابن العطار: والقضاء بما تقدم، وقال القاضي أبو بكر بن زَرْب: إذا قام على وصيه بعد انطلاقه بالعشرة الأعوام أو الثمانية أنه لم يدفع إليه ماله فلا شيء له قبله؛ يريد: من المال وحلف لقد دفع إليه، ومقتضى النظر أن القول قول المدعي أنه ما قبض حتى يمضي من المدة ما يقتضي كذبه.
قُلتُ: ففي لغو دعوى الوصي دفعه ما ليتيمه له بعد رشده مطلقاً، وقبول قوله مع حلفه بعد طول سكوت اليتيم عشرين عاماً أو ثمانية، ثالثها: ما يقتضي العرف كذبه لابن العطار عن القضاء عندهم، ورواية محمد مع المتيطي عن أشهب وعن ابن زَرْب واختياره.
وفيها لمالك لو قال: أنفقت عليهم وهم صغار فإن كانوا بحجره يليهم فالقول قوله ما لم يأت بما لم يستنكر أو بسرفٍ.
الصقلي: روى محمد إن ادعى سدادا أو زيادة يسيرة صدق مع حلفه، وقال ابن القاسم، وفي سماع أشهب وربما قال: وله أن يشتري له بعض ما يلهو به، وفي المجموعة لابن كنانة: وينفق في عرسه بقدر حاله.
وفيها مع غيرها: إن كان اليتيم في حضانة غير وصيه لم يصدق في دفع النفقة إلا ببينة، وتمام هذا في الوصايا.
وفيها: والوكيل على بيع مصدق في دفع ثمنه للآمر؛ لأنه أمينه.
ابن رُشْد: في قبول قول الوكيل مع حلفه أنه دفع لموكله ما أمره بقبضه من مبيع أو غريم مطلقاً، أو إن كان بعد شهر ونحوه، وإن طال لم يحلف، ثالثها: إن كان بالفور كيسير الأيام يحلف، وإن طال لم يحلف، ورابعها: الوكيل على معين غارم مطلقاً والمفوض إليه يحلف في القرب لا في البعد لسماع ابن القاسم معها، ورواية مُطَرف وقول ابن عبد الحَكم مع ابن الماجِشُون وأَصْبَغ، وإن مات بحدثان قبضه كان في ماله وبعده ما فيه القضاء والدفع فلا شيء عليه.

وفي حمل الزوج في بيعه وشرائه لزوجه على الوكالة وإن لم تثبت أو حتى تثبت دليلاً، سماع ابن القاسم في كتاب المديان وسماع عبد الملك في كتاب الدعوى.
قال ابن الحاجب: والمصدق في الرد ليس له التأخير لعذر الإشهاد.
ابن عبد السلام: موضع هذا الفرع كتاب الوديعة.
ولما رأى المؤلف أن المشهور قبول قول الوكيل في دفعه لموكله ما قبضه أشبه المودع في دعواه رد الوديعة إذا قبضها بغير بينة، وينبغي أن يكون للوكيل والمودع مقال في وقف الدفع على البينة وإن كان القول قولهما في الرد؛ لأن البينة تسقط عنهما اليمين.
ابن هارون ونحوه، وذكر ابن شاس: وفي نظر؛ لأن بالبينة تسقط عنهما اليمين أعني الموكل والمودع.
قُلتُ: كلاهما حمل لفظ ابن الحاجب على دفع الوكيل للموكل وتعقباه بما ذكراه، وفيهما حملاه عليه نظر؛ لأن لفظ ابن شاء هو ما نصه: ومن يصدق في الرد إذا طلب به فليس له التأخير لعذر الإشهاد إذا تحقق الوكالة أو باشره المستحق ولمن عليه الحق بشهادة وقد دفعه لمستحقه أو وكيله على الإشهاد وإن اعترف به، فإن كان بيده تركه واعترف لإنسان أنه الوارث لا غيره لزمه دفعه إليه، ولم يجز له تكليفه البينة على أن لا وارث سواه.
قُلتُ: فقوله لمستحقه أو وكيله نص في أنها ليست بين الوكيل والموكل وجميع ما نقلناه لابن شاس لم أجده نصاًّ لأهل المذهب، بل هو نص الغزالي في الوجيز بزيادة خلاف عندهم؛ لأنه قال: ومن يصدق في الرد إذا طولب بالرد هل له التأخير بعذر الإشهاد؟ وجهان.
وقال المازري: قالوا: يعني: الشافعيَّة: إذا كان الدين بالإشهاد فمن حق المداين أن لا يدفعه إلا بالإشهاد إذ لا مخلص للمدين إلا بالإشهاد، ولو كان بغير بينة لم يلزم مستحقه الإشهاد بقبضه؛ لأن من هو عليه يمكن أن يبرأ منه بجحوده أصلاً فيصدق مع يمينه ولم يعتبروا مشقة الحلف.
والحق أن لا تعقب على ظاهر لفظ ابن الحاجب؛ لأنه يصدق بحمله على الصور التي يصدق فيها الدافع بغير يمين كالوكيل على قبض شيء يطلبه منه موكله بعد قبضه

منه بمدة طويلة يصدق فيها الوكيل دون يمين، وفيما ذكره ابن شاس عن المذهب نظر، ولا يجوز له أن ينقل عن المذهب ما هو نص لغير المذهب ولا سيما وأصول المذهب تقتضي خلافه حسبما أشار إليه المازري وشارحا ابن الحاجب، وكذلك قوله في مسألة التركة فاعلمه.
وفي نوازل عيسى: من وكل على خصومة أو وجه من الوجوه لا يوكل غيره عليه في حياته ولا مماته، إنما يجوز ذلك للوصي.
ابن رُشْد: لا أحفظ خلافًا في الوكيل على شيء مخصوص أنه لا يجوز توكيل غيره عليه، واختلف إن فعل في ضمانه ففي رسم الصبرة من سماع يحيى أنه ضامن إن خرج المال من يده لمن وكله إلا أن يكون لا يلي ذلك بنفسه وعرف ذلك موكله، وإن لم يعرفه فهو ضامن إن كان غير مشهور أنه لا يلي ذلك؛ لأن رضاه بالوكالة يدل على أنه يتولى حتى يعلم الموكل أنه لا يتولى، وفي غير المشهور محمول على أنه لم يعلم حتى يعلم أنه علم، والمشهور بأنه لا يتولى بنفسه لا يضمن والموكل فيه محمول على أنه علم.
وقال بعض العلماء: إذا فعل وكيل الوكيل ما يصنع الوكيل، ولم يتعد في شيء أنه جائز، يريد: لا يضمن من وكله، وقال أشهب: إن كان مثله في الكفاية لم يضمن.
المازري: إن علم الموكل حال المشهور أنه لا يتولى بنفسه لم يكن متعديًا بوكالة غيره اتفاقًا.
قُلتُ: ظاهر كلامه وكلام ابن رُشْد عدم تعديه بفعله، وهل يجوز له ابتداءً؟ ظاهر لفظها منعه، ومقتضى تعليلها بحاله يقتضي جوازه ابتداء.
وفيها: والوكيل على السلم إذا وكل غيره لم يجز.
الصقلي: يريد: ولا يجوز للآمر أن يرضى فعله إذ بتعديه صار الثمن دينًا في ذمته، فيصير فسخ دين في دين إلا أن يكون السلم حل وقبض، فلا بأس بأخذه لسلامته من ذلك وبيع الطعام قبل قبضه.
وقال سَحنون: إن كان المأمور مثله لا يتولى السلم بنفسه؛ جاز للآمر أن يرضى بفعله.
الصقلي: يريد: أنه فعل ما يجوز له فلا يتخلد في ذمته دينًا.

قُلتُ: فيجب حمل قوله: جاز للآمر أن يرضى بفعله على لزوم ذلك له.
قال ابن حبيب: روى ابن القاسم: إن وكل الوكيل غيره فللآمر أن يجيز ذلك، ويكون الطعام له أو يأخذ رأس ماله من الوكيل.
قال: وأنكر أَصْبَغ ومن لقيت من أصحاب مالك، وقالوا: إن فعل وكيل الوكيل ما ينبغي أن يفعل وتوثق لزم ذلك الموكل، ولا خيار له، وإلا غرم الوكيل ألول للآمر وبقي له الطعام، وبه أقول.
ابن رُشْد: والوكيل المفوض إليه في كل الأشياء لا أحفظ في جواز توكيله غيره نصًّا لأحد من المتقدمين، واختلف فيه الشُيُوخ المتأخرون، والأظهر أن له أن يوكل؛ لأن الموكل قد أنزله منزلته.
وقوله: يجوز ذلك للوصي في حياته وبعد موته هو نص مالك وأصحابه لا أعلم فيه خلافًا.
ابن شاس: علم الموكل عجز الوكيل بانفراده عما وكل عليه أو عدم مباشرته ذلك عادةً يجوز له توكيل غيره ولا يوكل إلا أمينًا.
قُلتُ: ظاهر لفظ ابن رُشْد أنه لا يوكل غيره ابتداءً لكنه إن فعل لم يضمن، ومقتضى علة نفي ضمانه يقتضي جوازه ابتداءً، ولفظ المازري كابن رُشْد، وظاهر قوله: أنه لا يوكل إلا أمينًا أنه لا يشترط مساواته في الأمانة.
ودليل لفظ المدَوَّنة في كتاب الإجارة: إن اكتريت فسطاطًا فأكريته من مثلك في حالك وأمانتك، فذلك جائز بشرط مساواته في الأمانة.
وإذا وكل الوكيل بإذن الموكل، ثم مات الوكيل الأول فقال المازري: الأظهر أن الثاني لا ينعزل بموت الأول، بخلاف انعزال الوكيل الأول بموت موكله، ولابن القاسم ما يشير إلى هذا وهو إمضاء تصرف من أبضع معه أحد الشريكين بعد تفاصلهما.
قُلتُ: هي مسألة كتاب الشركة.
ابن الحاجب: ولا ينعزل الوكيل الثاني بموت الأول ابن عبد السلام، لا يتخرج فيه الخلاف من وكيل القاضي لليتيم، فإن فيه خلافًا هل هو نائب عن القاضي أو عن

والد اليتيم؟ وأيضًا فإن القاضي الذي قدم ناظرًا لليتيم لو مات لم يكن موته عزلًا لذلك الناظر.
قُلتُ: في كلامه هذا تنافٍ، بيانه أنه نقل أولا القول بأن ناظر اليتيم نائب عنه القاضي لا عن الأب، ولازم هذا انعزال الناظر بموت القاضي، ثم قال على وجه الاستدلال: بأنه لو مات القاضي لم ينعزل الناظر، وظاهره اتفاقًا وهو خلاف لازم كونه نائبًا عن القاضي لا عن الأب، ولازم هذا انعزال الناظر بموت القاضي، والقول بانعزال ناظر اليتيم بموت القاضي ثابت في المذهب حسبما يذكر في كتاب الأقضية إن شاء الله تعالى، وبعد الإعراض عن هذا التنافي فالذي يتحصل من كلامه فرقًا مانعًا من التخريج كما زعم هو أن ناظر القاضي نائب عنه في قولٍ، ووكيل الوكيل نائب عن الموكل لا عن الوكيل، وهذا يرد بمنع انحصار نيابة وكيل الموكل عن الموكل؛ لأن الوكيل له عزل وكيله واستقلاله بفعل نفسه اتفاقًا، ولو لم يكن نائبًا عنه لما صح عزله عنه.
ويفرق بأن نيابة القاضي عن الأب أضعف من نيابة الوكيل عن موكله؛ لأن نيابة القاضي عن الأب إنما هي بأمر أعم وهو ولايته الصالحة له ولغيره فهو بالنسبة إليه كدلالة العام على بعض أفراده، ونيابة الوكيل عن الموكل إنما هي بتوليته إياه بعينه فهي كدلالة الخاص على نفس مدلوله وهي أقوى من دلالة العام اتفاقًا، ولا يلزم من نقض أثر الأضعف نقض أثر الأقوى.
والمعروف انعزال الوكيل بعلمه بموت موكله: ونقل اللخمي والمازري وابن رُشْد وغيرهم من مُطَرَّف: لا ينعزل به إلا بقيد كونه مفوضًا إليه.
ونقل ابن شاس وابن حارث عنه بقيد: كونه مفوضًا إليه، وعزاه ابن رُشْد في سماع سَحنون لابن الماجِشُون: وطرف مطلقًا لا بقيد تفويض، وكذا في المقدمات قال فيها: ولأَصْبَغ ينعزل بموته إن كان هو البائع ولا يقبض الثمن إلا بتوكيل الوارث، وإن كان الوكيل ولي البيع فهو على وكالته حتى يعزله الوارث.
قُلتُ: فالأقوال أربعة: المعروف، والنقلان عن مُطَرِّف، وقول أَصْبَغ.

قال ابن رُشْد: وقول محمد أجمع أصحاب مالك على انعزاله بعلمه بعزله أو موت موكله غير صحيح، ثم قال: ولم أعلمهم اختلفوا أن القاضي لا ينعزل بموت الإمام الذي قدمه، فانظر الفرق بينهما.
قُلتُ: الفرق عظم المفسدة بعزله بموته لعموم متعلق نيابته في أمور المسلمين، ولأنها في تغيير منكر؛ لأنها في رد ظلم الظالم عن المظلوم، وقاله عز الدين بن عبد السلام، وبأن الإمام إنما قدمه نائبًا عن المسلمين في حقهم لا عن نفسه في حقه، وفي تقرر انعزاله بنفس عزله أو موت موكله أو مع علمه ذلك ولو في حق مدين موكله، ثالثها: بعلمه فقط في حقه وفي حق المدين بعلمه، ورابعها: بنفس الموت فيه وبعلمه في العزل لابن رُشْد عن ابن القاسم في كتاب الشركة قائلًا: عليه حمله التونسي والشُيُوخ مع اللخمي عن ظاهر المذهب قائلًا عن ابن المنذر: الإجماع عليه، وابن رُشْد عن سماع سَحنون أشهب في المقدمات عن قول مالك: أول وكالتها مع ابن القاسم في الشريكين يفترقان فيقضي الغريم أجرهما إن علم افتراقهما، ضمن حظ من لم يدفع له ورجع على من دفع له بما غرم للغائب وإن لم يعلم لم يصحبه، ورواية اللخمي: وفي إجراء الخلاف على اختلافهم في اعتبار النسخ يوم نزوله أو بلاغه، ومنعه بالتفرقة بأنه لا يلزم من كونه يوم البلاغ في الحكم الشرعي كونه كذلك في فعل الوكيل؛ لأن الحكم السابق لا يجوز للمكلف ترك العمل به، وأمر الموكل جائزٌ للوكيل تركه، فجاز توجه الحكم الشرعي عليه بالنهي قبل بلوغه نقلًا.
المازري: وأخذ ابن رُشْد في المقدمات قول أشهب من قوله: إن علم الوكيل عزله دون المدين غرم بخلاف إن لم يعلمًا.
فإن قيل: قد ضمنه إن علم ولم يعلم الموكل الوكيل، قيل: إنه معزول في حقهما معًا بعلم أحدهما، قلنا لا نقوله ولا يصح؛ لأنه إنما ضمنه إن دفع وهو عالم والوكيل جاهل لتعديه بالدفع لا؛ لأن الوكالة انفسخت في حق الوكيل ألا ترى أنه لا يرجع على الوكيل إن تلف المال بيده لبقاء الوكالة في حقه فهو أمانة عنده، ولو انعزل بعلم لوجب الرجوع عليه بما غرم لرب الدين، وفي المسألة تأويلات كثيرة، جعل بعضهم قول ابن القاسم في كتاب الشركة كقول أشهب، فيتأول قوله على أن الوكيل علم بعزله ويجعل

مثله مسألة موت الموكل فيقول: إن لم يعلم الوكيل بموت موكله لم يضمن من دفع إليه إلا أن يعلم فيكون متعديًا، ومنهم من فرق بين مسألة عزله وموت الموكل فقال: إنما ضمن الدافع للوكيل في الموت إن لم يعلم الوكيل رعيًا للقول أن الوكالة لا تنفسخ بموت الموكل، ولو علم الوكيل فيضمن الغريم على هذا التأويل في العزل وإن لم يعلم أحدهما، ولا يضمن في الموت إلا من علم، وقال بعضهم: هو اختلاف قول فيدخل قول إحداهما في الأخرى فيأتي في مسألة الموت ثلاثة أوجه: أحدها: لا يبرأ الدافع للوكيل وإن لم يعلم هو ولا الوكيل.
والثاني: يبرأ بدفعه إن لم يعلم ولو علم الوكيل.
والثالث: يبرأ الدافع إن لم يعلم إذا لم يعلم الوكيل لا إن علم، وهذا أظهر التأويلات.
فالتأويلات خمس: أحدها: الموت والعزل سواء في الفسخ في كل منهما، فأحدهما مطلقًا أو بعلم الوكيل، ثالثها في حق العالم منهما فقط وقد مر عزوها.
الثاني: هما سواء في كل منهما الأخيران فقط.
الثالث: لا ينفسخ بالموت في حق أحدهما إلا بعلمه، وفي العزل قولان الفسخ في حقهما معا بالعزل، وقيل: بعلم الوكيل فقط.
الرابع: لا تنفسخ في الموت في حق أحدهما إلا بعلمه، وفي العزل بعلم الوكيل قولًا واحدًا.
الخامس: تنفسخ في الموت بعلم الوكيل في حقه وحق من عاملهن وفي العزل بوقوعه وإن لم يعلم أحدهما.
وفي البيان: أجمعوا أن من باع سلعة وكل على بيعها بعد بيع موكله إياها غير عالم به أنها للثاني وإن قبضها، وهذا يدل على عدم فسخ وكالته بنفس الفسخ حتى يعلم الوكيل ذلك أو المشتري، قاله في سماع سَحنون، والمسألة في سماع ابن القاسم قال فيها ابن رُشْد: لا خلاف في المذهب أنها للثاني إن قبضتها غير معالم ببيع الآمر إياها إلا ما حكاه ابن حارث عن المغيرة أنها للأول ولو قبضها الثاني.
اللخمي: وعلى انعزال الوكيل بنفس العزل أو الموت فبيعه بعد عزله كمستحق

لربه وشراؤه بعده إن بين لبائعه أنه وكيل، فللوارث أخذ المشتري أو ثمنه من بائعه إن كان حاضرًا، وإن غاب فليس له على الوكيل إلا أخذ ما اشتراه أو ثمن ما باعه؛ لأنه تصرف بشبهةٍ، وخصومته بعد انعزاله تثبت الحق للآمر لا عليه.
المازري: وجنون الوكيل لا يوجب عزله إن برئ، وكذا جنون الموكل وإن لم يبرأ، فإن طال نظر السلطان في كل أمره، وطلاق الزوجة لا يوجب عزلها عن وكالة مطلقها إلا أن يعلم أنه لا يرضى فعلها بعد طلاقها.
قُلتُ: والأظهر انعزاله عن وكالتها إياه بطلاقها قال: والردة لغو إلا أن يعلم أنه لا يرضى فعله بعد ردته، وفي الانعزال بطول مدة التوكيل ستة أشهرٍ وبقائه قول ابن سهلٍ: رأيت بعض شُيُوخنا يستكثر إمساك الوكيل على الخصومة ستة أشهر أو نحوها، ويرى تجديد التوكيل مع قول المتيطي في الوكالة: على الإنكاح إن سقط من رسمه لفظ دائمةٍ مستمرةٍ وطال أمر التوكيل ستة أشهر سقطت إلا بتوكيلٍ ثانٍ.
ونقل ابن سهل عن سَحنون: من قام بتوكيل على خصومة ستة أشهر أو نحوها، ويرى تجديد التوكيل مع قول المتيطي في الوكالة: على الإنكاح إن سقط من رسمه بعد سنتين، وقد أنشب الخصومة قبل ذلك أو لم ينشبها بعد مضي سنتين سأل الحاكم موكله على بقاء توكيله أو عزله فإن كان غائبًا فهو على وكالته.
ابن فتوحٍ: إن خاصم واتصل خصامه سنتين لم يحتج لتجديد توكيل.
ولابن رُشْد في نوازله: لا خلاف أن للموكل عزل وكيله متى شاء، وأن للوكيل ان ينحل عن الوكالة متى شاء إلا في الوكالة على الخصام، والوكالة على الخصام لمرض الموكل أو سفره أو كونه امرأةً لا يخرج مثلها جائزةٌ اتفاقًا.
المتيطي: وكذا لعذرٍ بشغل الأمير أو خطةٍ لا يستطيع مفارقتها كالحجابة وغيرها، وفي جوازها لغير ذلك ثالثها للطالب لا للمطلوب للمعروف مع نقل المتيطي هو الذي عليه العمل، ونقله عن سَحنون في رسالته إلى محمد بن زياد قاضي قرطبة وفعله، وعلى المعروف في جوازها مطلقًا أو بعد أن ينعقد بينهما ما يكون من دعوى أو إقرارٍ.
نقلا ابن سهلٍ قائلًا: وذكر ابن العطار: أن له أن يوكل قبل المجاوبة إن كان الوكيل حاضرًا، والصحيح عندي أن لا يمكن من ذلك؛ لأن اللدد فيه ظاههرٌ ومراده

أن يحدث عنه ما فيه شغبًا، ثم قال: الذي عليه العمل قديمًا وحديثًا قبول الوكلاء إلا من ظهر منه تشغيبٌ ولددٌ فواجبٌ منعه من التوكيل لأحدٍ.
المتيطي: للموكل عزل وكيله ما لم يناشب الخصومة، فإن جالس الوكيل خصمه عند الحاكم ثلاث مراتٍ فأكثر لم يكن له عزلا، ولأَصْبَغ في الواضحة: إن قاعده مقاعدةً تثبت فيها الحجج لم يكن له عزله، ومثله في أحكام ابن زياد، ولأَصْبَغ ما يدل أيضًا على أن له عزله ما لم يشرف على تمام الحكم وحيث لا يكون للموكل عزله لا يكون له هو أن ينحل عنه إن قبل الوكالة، وقال محمد: له حول وكيله ما لم يشرف على الحكم.
وإن ظهر من الوكيل تفريطٌ أو ميلٌ مع الخصم أو مرض فلموكله عزله ولمن خاصم لنفسه، وقاعد خصمه ثلاث مجالس وانعقدت المقالات بينهما لم يكن له أن يوكل من يخاصم عنه إلا لمرض أو سفر، ويعرف ذلك ولا يمنع أحد الخصمين من سفر إن أراده.
وله أن يوكل عنه.
ابن العطار: ويلزمه الحلف أنه ما استعمل السفر ليوكل غيره، فإن نكل منع.
وقال ابن الفخار: لا يمين عليه.
قُلتُ: الأظهر أنها كأيمان التهم.
قال محمد بن عمر: من حلف أن لا يخاصم خصمه؛ لأنه أحرجه أو شاتمه جاز أن يوكل غيره، وإن حلف لا لذلك فلا.
قُلتُ: في عطف شاتمه على أحرجه بالواو أو بأو اختلاف نسخ.
وفي طرر ابن عاتٍ عن ابن رُشْد: للموكل عزل وكيله، وللوكيل أن ينحل عن الوكالة متى شاء أحدهما اتفاقًا إلا في وكالة الخصام فليس لأحدهما ذلك بعد أن ينشب الخصام والمفوض إليه والمخصوص سواءٌ.
وسمع عيسى ابن القاسم: أن ادعاء شريكان على رجل حقا فقالا للقاضي: من حضر منا يخاصمه فليس لهما ذلك لقول مالك: من قاعد خصمه عند القاضي فليس له أن يوكل الآمر علة، وقال في ورثة ادعوا منزلًا بيد رجل لا يخاصمه كل واحد عن نفسه؛ بل يقدمون رجلًا يخاصمه.

ابن رُشْد: هذا كما لا يجوز للرجل توكيل وكيلين يخاصمان عنه إن غاب أحدهما خاصم له الآخر، ولذاك لم يكن لمن قاعد خصمه أن يوكل غيره إلا لعوز مرضٍ أو سفرٍ أو إساءة خصمه له فيحلف لا خاصمه أو يظهر من وكيله ميلٌ لخصمه ولا خلاف في هذا.
قُلتُ: ففي منع العزل بمجرد انتشاب الخصام أو بمقاعدته ثلاثًا، ثالثها بمقاعدته مقاعدةً يثبت فيها الحجج، ورابعها: ما لم يشرف على تمام الحكم، وخامسها: على الحكم لابن رُشْد مع اللخمي والمتيطي عن المذهب، وله عن أحد قولي أَصْبَغ وعن ثانيهما ومحمد.
المتيطي وابن الهندي: ولإعذار إلى الموكل من تمام الوكيل وإن لم يعذر إليه جاز.
ابن عات: لأن الشأن في القديم الإعذار ثم ترك.
قال: ويعذر أيضًا في الموت والوراثة.
ابن مالك: لا بد من الإعذار للموكل؛ لأن الوكيل يقر على موكله ويلزمه.
ابن بشير: إنما ترك الإعذار في الوكالة والموت؛ لأنه لابد أن يعزو إليه في آخر الأمر.
قال أبو الأَصْبَغ: هذه نكتة حسنة إذ لا بد للقاضي أن يقول للخصمين أبقيت لكما حجة، وفي أحكام ابن زياد: فيمن طلب أن يعذر إليه في توكيل خصمه السيرة أن يثبت التوكيل ثم ينظر في الطلب.
وعقد الوكالة غير لازم للموكل مطلقًا في غير الخصام والوكيل مخير في قبولها، فغن تأخر قبوله عن علمه بها، فقال المارزي: يتخرج على قولي مالك في قبول المرأة التمليك بعد انقضاء المجلس، وخرجه بعض أشياخي الفقهاء على خلاف الأصوليين في فور الأمر وتراخيه، فذكرته لإمامي في الأصول فلم يقبله، وقال: الأولى جريه على خلاف الأصوليين في ثبوت العموم في المعاني ونفيه؛ لأن قوله أقر لك بيدك لا زمن فيه بصيغة تتناوله، ومن حيث لم يقيد الخطاب بزمن حمل على العموم وعلى طريقة هذين الشَّيخين يتصور الخلاف في الوكالة، والتحقيق الرجوع لاعتبار القصد والعوائد في اقتضاء الجواب عاجلًا أو ولو مؤخرًا.

قُلتُ: تقدم الكلام فيه بأتم من هذا، فإن قيل: الوكيل بغير عوض ففي صحة عزله نفسه نقلا اللخمي عن مالك، مع عبد الملك وابن القُصَّار والبغداديين وغيرهم، مع المازري عن تخريجه بعض أشياخي: على عدم لزوم الهبة بالعقد قائلًا: ورواه بعض أشياخي نصًّا من رواية ابن نافع: قبول قول وكيل على شراء سلعة بعد شرائه إياها اشتريتها لنفسي، ولابن زرقون في كتاب القراض: المشهور أن الوكيل عزل نفسه، وقيل: ليس له ذلك.
قال: ومن وكل على شراء سلعة بعينها فاشتراها الوكيل لنفسه فلابن القاسم في الثمانية هي للآمر، وروى ابن نافع هي للوكيل، وقاله ابن الماجِشُون.
وقال مُطَرِّف: إن كان الآمر بالبلد فهي للوكيل وإلا فللآمر، وعلى أنها للوكيل روى ابن نافع يصدق أنه اشتراها لنفسه.
ابن الماجِشُون: ولا يصدق إلا أن أشهد عند الشراء أن ما يشتري لنفسه، وهذا بناء على جواز عزله نفسه ونفيه.
ابن رُشْد في أول رسم من سماع ابن القاسم في الشركة: في كونها للمأمور ولو قبض ثمنها بعد حلفه أنه اشتراها لنفسه أو للآمر ولو لم يدفع ثمنها، ثالثها: إن أشهد قبل الشراء أنه إنما يشتري لنفسه، ورابعها: إن لم يدفع له الآمر ثمنها لرواية لرواية السباتي وعيسى عن ابن القاسم في المدنيَّة مع أَصْبَغ، ونقله عنه في الثمانية، ولو أشهد أنه إنما يشتري لنفسه حتى يرجع للآمر فيبرأ من وعده بالشراء ولم يعز الأخيرين.
قُلتُ: ونقل اللخمي رواية ابن نافع بزيادة ويحلف إن اتهم.
قُلتُ: ففي كونها للمأمور أو للآمر، ثالثها: إن أشهد أن الشراء له، ورابعها: إن كان الآمر بالبلد وإلا فهي له لابن زرقون عن رواية ابن نافع، وعيسى عن ابن القاسم، وابن الماجِشُون عن مُطَرِّف، وخامسها: بعد حلفه أنه إنما اشتراها لنفسه ولو قبض الثمن، وسادسها: إن لم يدفعه له الآمر فهي له لابن رُشْد عن رواية السبائي وغيرها، وسابعها: بعد حلفه إن اتهم للخمي عن رواية ابن نافع.
ويجوز توكيل أكثر من واحد على غير الخصام.
قال ابن الحاجب تابعًا لابن شاس: ولأحد الوكيلين الاستبداد ما لم يشترط

خلافه.
ابن عبد السلام: يعني أن أمر الوكيلين مخالف للوصيين، فإنه لا يجوز لأحدهما الاستبداد ونحوه لابن هارون.
قُلتُ: لا أعرف هذا لغيرهم، وظاهر المدونَّة: خلافة في التخيير والتمليك منها ما نصه: لو أن رجلًا أمر رجلين يشتريان له سلعة أو يبيعانها له فباع أحدهما أو اشترى أن ذلك غير لازم للموكل في قول مالك.
وفي زاهي ابن شعبان: من وكل رجلين كل واحد على الانفراد يزوج ابنته فزوجاها جميعًا كان ذلك كالأب والوكيل، ولو وكلها معا فزوج كل واحد منهما بطل النكاح.
قُلتُ: فظاهره إن وكلها في عقد واحد لم يستغل أحدهما، وإن كانا منفردين استغل كل واحد منهما.
وسمع يحيى ابن القاسم: إن مات أحد وكيلين على تقاضٍ لم يتقاض الباقي دون إذن القاضي، وأحببت له أن يغرم معه ثقة مأمونا من أهل بلد الموكل يتقاضى معه إن خاف تلف الدين، وإن قرب منه ربه استوثق الباقي من الغرماء حتى يأتي منه توكيل جديد.
ابن رُشْد: هذه مسألة حسنة.
اللخمي: والوكالة بإجازة تلزم بالعقد.
ابن رُشْد: بأجر وأجل معلومين وعمل معروف، وفي الجعل عليه على إن أفلح فله كذا وإلا فلا شيء له قولاها في كتاب الجعل.
اللخمي: في لزومه لهما بالعقد أو للجاعل فقط، ثالثها: هما بالخيار ما لم يشرع العامل في العمل والعامل بالخيار ولو شرع.
وفيها: إن باع الوكيل السلعة، وقال: بذلك أمرني ربها، وقال ربها: بل أمرتك أن ترهنها، صدق ربها ولو فاتت؛ يريد: ويحلف ويأخذها إن كانت قائمةً؛ لأن فرض المسألة أن الآمر ثابتٌ ملكه لها وحق المشتري إنما هو متعلقٌ بدعوى الوكالة، فإن نكل فقال ابن عبد السلام: حلف الوكيل إن لم يقر المشتري أنه وكيلٌ.

قُلتُ: التحقيق هذا إن كان عدم إقراره بذلك بمعنى أنه لا علم عنده من صدق بائعه في دعواه وكالة ربها ولا كذبه، وإن كان بمعنى علمه كذبه كان لربها أخذها، ولا يحلف الوكيل؛ لأنه يحلف ليثبت حقا لمن يقر بنفيه، قال: وإن علم أنه وكيل حلف المشتري.
قُلتُ: ظاهره لغو حلف الوكيل، وفيه نظر والصواب أن يحلف أولا الوكيل؛ لأنه المباشر لعقد التوكيل وله حقٌ في عدم في عدم نقض فعله الذي فعله لمن لا يقر ببطلانه؛ فإن نكل الوكيل حلف المشتري، فإن فاتت السلعة فإن كانت قيمتها كالثمن فأقل أخذها ولم يحلف، وإلا فبعد حلفه إن أخذها.
وقال ابن عبد السلام: إن فاتت حلف مالكها ما أمره أن يبيعها ويغرمه الأكثر من الثمن أو القيمة.
قُلتُ: هذا يقتضي تحليفه مع أخذه الثمن وهو وهم؛ لأن أخذ الثمن ملزوم لإمضائه فعل الوكيل فلا موجب لحلفه، وإن نكل ربها حلف الوكيل إن كانت قيمتها أكثر من الثمن وإلا فلا، وفوت السلعة كفوتها في الاستحقاق، وإن جهل فوتها ولم يعلم إلا قول مشتريها احلف أن حقي ربها أنه حجرها وإن اتهمه فعلى أيمان التهم.
اللخمي عن ابن القاسم: من باع سلعة بعشرة قائلًا بوكالة ربها، فقال: إنما بعثها باثني عشر قبل قوله: بيمينه.
أَصْبَغ: يحلف أنها باعها منه ويأخذها أو قيمتها إن فاتت ما لم تفصل ما قاله من الثمن؛ يريد: بعد حلف بائعها ما اشتراها إن حلفا ردت، وإن نكل الوكيل وباعها بعشرة وثمن دعوى ربها اثني عشر غرم دينارين لربها، وإن نكل ربها أخذ عشرة فقط، وإن نكلا وقيمتها أحد عشر غرم الوكيل دينارًا فقط فاتت وحلفا فكذلك، فإن نكل الوكيل غرم دينارين، فإن نكل ربها أخذ عشرة فقط، والقول في ضمانها إن تلفت قول الوكيل يغرم قيمتها كذلك ما لم تنقص عن عشرة أو تزيد على اثني عشر وردها لبائعها مع ملزومية قوليهما صحة بيعها لاختلافها في تقرر عهدة مشتريها على الوكيل إذ قد يكون ربها عديمًا، وأشار إليه المازري: ومن باع بعشرة ما وكل على بيعه ببينة باثني

عشر ولم يفت فلربه أخذه، وفي تخييره في إمضائه بإغرامه المأمور الزائد قول ابن القاسم، ونقل اللخمي بناء على أنه ملتزم الزائد بتعديه أولا، وصوبه اللخمي وقال: إن أحلف أنه لم يلتزمه فحسن.
ولو فات ففي لزومه الأكثر من الاثني عشر أو القيمة أو هي فقط قولان، على قول ابن القاسم وغيره، وفي إلزام البائع رٍضى المشتري أخذها بغرم الزائد، نقلاه وصوب إلزامه إن كان ذلك قبل علم البائع بتعديه محتجًا ببقاء وكالته؛ لأنه لو رد بيع التعدي كان له بيعه بما أمر به.
قُلتُ: فمقتضى أصل التخيير في سقوط ما بيد المخير باختيارها غير ما جعل لها سقوط وكالته على بيعه، وعزى الشيخ في النوادر الأول لأشهب، والثاني لابن القاسم وإياه استحب محمد ومثله في تهذيب الطالب.
قال: والفرق بين هذه ومسألة المتبايعين يختلفان في الثمن والسلعة قائمة أن للمشتري قبل الفسخ الآخذ بما قال البائع أن المتبايعين مقران بالبيع واستقراره.
وفي مسألة الوكيل بيعه غير مستقر لتعديه وإن لم تكن بينة وأقر المأمور بالتعدي لم يصدق على المشتري.
وروى محمد: ويغرم للآمر الزا ولو كان عديمًا ولبا شيء على المشتري.
اللخمي: يريد: إن لم يحلف الآمر فإن حلف أخذ سلعته، فإن فاتت غرم المشتري تمام القيمة إن فضلت العشرة، فإن نكل مضت بالعشرة ولا يمين على المشتري إذ لا علم عنده، وحلف البائع له لتهمته فلا تنقلب ولا ترجع على الوكيل؛ لأنه إذا خلص المقال بين الآمر والمأمور كان القول قول المأمور، فإن نكل حلف الآمر واستحق، فإن نكل فلا شيء له وقد نكل عنها، وإن بان المشتري بها فالقول قول المأمور، فإن نكل حلف الآمر واستحق، فإن نكل فلا شيء له، وقيل: يتحالفان إن كانت القيمة إحدى عشرة ويغرم المأمور ديناران؛ لأن اختلافها كالمتبايعين، وقد قال أشهب: إن فاتت تحالفا وردت القيمة وإن أتى الآمر بما لا يشبه وأتى المأمور بما يشبه والسلعة قائمة، فعلى قول مالك: القول قول البائع يكون القول قول الآمر مع يمينه ويرد البيع، وبه

أخذ ابن القاسم، وقال مرة: لا يقبل قوله وهو أحسن؛ لأن ذلك دليل كشاهد للمأمور والمشتري على صدق المأمور، فإن فاتت فالقول قول المأمور مع يمينه ولا يغرم المشتري إلا ما حلف عليه المأمور، فإن غاب المشتري حلف المأمور وبرئ، فإن نكل والقيمة أكثر مما باع به غرم تمام القيمة.
وفيها لمالك: من باع جارية وكل على بيعها دون تسمية ثمنها بخمسة دينار وهي ذات ثمن كثير ردت، فإن فاتت غرم قيمتها ولو باعها بعشرة، وقال بها أمرت، وقال: ربها بل باثني عشر أمرتك حلف وأخذها، فإن فاتت حلف المأمور ولا شيء عليه.
ابن القاسم: يريد مالك: إذا كان ما باع به غير مستنكر.
وابن حارث: إن حلف الآمر ففي حلف المأمور قولا أَصْبَغ وابن القاسم قائلًا: فإن نكل الآمر فلا شيء له.
محمد: وعلى قول أصبغ يحلف المأمور.
قُلتُ: ظاهره إن حلف المأمور إنما هو حق للآمر.
وقال التونسي: إن أخذ الآمر سلعته بحلفه فأراد المشتري تحليف المأمور أنه لم يتحمل عنه الزائد، فقال أصبغ: يحلفه، وأباه محمد إلا إن عقد دعوى ذلك عليه.
الصقلي عن محمد: إن نكل الآمر أخذ عشرة دون يمين.
ابن ميسر: إن نكل حلف المأمور ومضى البيع بعشرة.
الصقلي: يريد إن نكل غرم دينارين.
المازري: ظاهر المذهب سقوط حلف الوكيل لنكول موكله.
وفي كون سقوطه؛ لأن يمينه لا نفع له فيها أو لا غرم عليه بدفعه بها ضرورة قيام السلعة وتمكن ربها من أخذها ولا تجلب له نفعًا، أو لأنه لا نفع له بها إذ لا دفع غرمه لموكله الزائد، وغرمه لا يلزمه بمجرد نكوله بل حتى يحلف الآمر وهو قد نكل عنها.
عياض: قال ابن القاسم في تفسير يحيى: وفوات السلعة هنا ذهاب العين ولا يفيتها نقص ولا نماء ولا عتق ولا غيره، ومثله في الوكالات، وفي سماع عيسى يفيتها أختلاف الأسواق.

قُلتُ: لم يعز عبد الحق في «تهذيب الطالب» الأول إلا للأبياني.
وفيها: إن باع المأمور سلعة بطعام أو عرض نقدًا، وقال به أمرني وأنكر الآمر، فإن كانت مما لا تباع بذلك ضمن، قال غيره: إن كانت قائمة لم يضمن وخير الآمر في الرد والإمضاء، فإن فاتت خير في أخذ ما بيعت به وتضمين الوكيل قيمتها.
عياض: قول الغير وفاق وانظر إن كان المأمور لم يعلم المشتري أنها لغيره واحتاج لإثبات ذلك والخصام فيه هل هو فوت؟ والأشبه أنه فوتٌ، وكذا لو أثبت ولزمته اليمين.

جارٍ التحميل