وروى ابن وهب أنه إن قال: هذا كتابي، ولا أنكر الشهادة أنه يحكم بها، وأخذ ابن القاسم وأصبغ بقول مالك الثاني لا يشهد، وإن عرف خطه حتى يذكر الشهادة، واختلف على هذا الفول، ففيها يؤديها كما علم، ولا تنفع، وهذا يدل على تصويب المجتهدين.
وقال محمد: لا يؤديها؛ وهو القياس على القول بأن المجتهد قد يخطئ الحق عند الله، وإن لم يقصر في اجتهاده، واختلف كيف يؤديها؛ فقيل: يقول: هذه شهادتي بخط يدي، ولا أذكرها.
وفي رسم الأقضية الثالث من سماع أشهب أنه يقول: أرى كتاباً، وأظنه إياه، ولست أذكر شهادتي، ولا متى كتبتها، وعلى معنى هذا الاختلاف اختلافهم في الشهادة على خط المقر، ثم قال: حاصل المذهب فيها خمسة؛ الأول: جوازها والحكم بها، والثاني: لغوها، فلا يؤديها، والثالث: غير جائزة إلا أ، هـ يؤديها، ولا يحكم بها، والرابع: إن كانت في كاغد؛ لم يجز له أن يشهد، وإن كانت في رق؛ جاز له إن يشهد؛ يريد: إن كانت الشهادة في بطن الرق لا على ظهره؛ لأن البشر في ظهر الرق أخفى منه بخطه إلا لشهادة؛ لم يجز، حكي هذين القولين ابن حارث، ولسحنون في نوازله جميع أصحاب مالك يجيزونها إن كان هو خط الكتاب، وكتب شهادته، وهذه التفرقة استحسان؛ والقياس أ، لا فرق بين كون كل الكتاب بخطه، أو شهادته فقط على المعنى الذي ذكرناه في الخط هل هو رسم يدرك بحاسة البصر أم لا؟
قلت: يرد حكمه بعدم التفرقة بأن يكون الكتاب بخطه من نفي الشكوك في كون شهادته بخطه ما ليس بمجرد كون الشهادة فقط بخطه؛ لأن محاكاة الكاتب خط غيره في القليل تحصل له، ولا تحصل له في الكثير، والعلم بذلك كالضرورة، وأول لفظ المازري يدل على موافقته.
ابن رشد: في عدم التفرقة، وآخره يدل على ما قلناه من التفرقة، ووجه آخر: وهو التحيل بإلصاق محل شهادة الشاهد بمكتوب غير ما شهد به، وأخبرنا شيخنا أبو عبد
الله بن سلمة في هذا المعنى عن بعض مشاهير عدول تونس، وهو أبو عبد الله بن الفواد، كانت له دراية بفقه الوثيقة وكتبها، وكان يدرس العربية، ومع ذلك وقفه عن الشهادة القاضي أبو عبد الله بن يعقوب، وارتحل إلى المشرف، ثم قدم، فدخل عليه، واعتذر له عن ما نسب إليه من سبب وقفه، فأجابه القاضي ابن يعقوب على ما أخبرني شيخنا أبو عبد الله بن الحباب بما لا يمكن كتبه، فأيس منه، وارتحل ثانية إلى المشرق، ثم قدم بعد انصراف ابن يعقوب، فأعيد لشهادته، وكان أحد شهود الديوان في أوائل هذا القرن الثامن، وولي مدة يسيرة قضاء الأنكحة بتونس أنه أتاه طالب بوثيقة بمال له بال على رجل أنكره، وأنكر الشهادة عليه، فطلب منه رفع شهادته في الوثيقة، فنظرها، فتحقق أن شهادته بخطه، وتذكر موطنها، وأنه شهد على ذلك الرجل، وكان ممن لا يجهل، فلم يذكر ذلك، وعرضت له حيرة بتعارض حالتي تيقنه خطه، وتيقنه عدم تقدم شهادته على الرجل المذكور، فكانت الوثيقة بيده، وهو يتأمل، ويتذكر في بيته، فعرضت له حاجة أخرجته من بيته، وهي في يده، فأتفق أن نظرها ويده بها مرفوعة أعلا وجهه وهو في ضوء الشمس، فوقع بصره على شبهة في كاغد الوثيقة، فتأمله لضوء الشمس؛ فوجد محل شهادته في الكاغد ألصق إلصاقاً خفياً بكاتب كتب فيه ذكر الحق على المطلوب، فانكشف غمه، وفطن دافع الوثيقة له ففر، وكانت القضاة ببلدنا ينفون من ظهر عليه الضرب على الخطوط بعد تأديبه بحسب اجتهادهم إلى بلاد المشرق، فبعث فقهاء المشرق إليهم بالتعقب ليهم في ذلك، وقالوا: أنتم في فعلكم هذا كمن أراح نفسه من معتد في محله بإرساله على غيره من المسلمين، فأجابوهم بأن النفي لا قدرة له على الضرب على خطوط من وصل إليهم؛ لعدم ممارسته خطوطهم.
قلت: وعزو ابن رشد القول الرابع لابن حارث لم أجده بنصه؛ بل نصه: وقول خامس: أنه إن كان كاغداً أو قرطاساً؛ لم تجز، وقال عقب ذكره رواية ابن وهب: إنه إن عرف خطه؛ فليشهد، وجميع هذا على أن الشاهد ممن يعرف المشهود عليه بالعين والاسم قبل تاريخ الكتاب معرفة صحيحة، ويعرف من نفسه التثبت في إيقاع الشهادة، ثم ذكر تلقيه الخمسة الأقوال من بعض من ذاكره من المالكيين، وتفرقة ابن رشد بين
باطن الرق وظاهره بأنها في ظاهره أخفى الأظهر عكسه؛ فتأمله، وحمله ابن زرقون على ظاهره دون تفرقة، قال ما نصه: وحكي ابن حارث قولاً رابعاً: إن كان في كاغد؛ لم يجز أن يشهد بها، وإن كان في رق؛ جاز.
وقال الباجي: قال ابن نافع: إن لم يعرف عدد المال، عرف الإمام بذلك، وما أراه ينفعه، وروى ابن وهب في العتيبه: يقضي بشهادته، وإن لم يشهد عنده على عدد المال.
وروى ابن القاسم: إن لم يعرف عدد المال؛ ردت شهادته، وإن ذكر أنه أشهد مع معرفة خطه، وهذا الخلاف عندي إنما هو فيمن يقضى بشهادته، وأن ذكر أنه شهد مع معرفة قيد شهادته باسترعاء على معرفته بمال وغيره ثم نسي، ولأبي زيد عن ابن القاسم إن عرف خطه، وأثبت من أشهده إلا أنه لا يذكر أنها التي في هذا الكتاب لا يشهد حتى يذكر ما في الكتاب جرفاً جرفاً، وهذا يدل على أنه عقد استرعاء، وأما ما أشهد فيه من العقود، فقد تقدم أنه لا يلزمه تصفحه ولا قراءته، ولا يتصفح منه إلا موضع التقييد؛ ولذا يشهد على الحكام بالسجلات المطولة، ولا تقرأ، وإذا لم تلزمه قراءته حين تقييد الشهادة؛ لا يلزمه ذلك حين الأداء أولى.
قلت في نوازل سحنون: روى ابن وهب: من عرف خط يده في شهادة؛ ذكر حق، ولم يثبت عدد المال إن استيقن أنه خط يده، وكان لا يثبت عدد المال؛ فليشهد عليه، ويقضي به القاضي، وإن لم يشهد عنده على عدة المال.
ابن رشد: قوله: يشهد إذا استيقن أنه خط يده، وإن لم يثبت عنده المال خلاف سماع أبي زيد: أنه لا يشهد، وإن استيقن خطه، وذكر أن فلاناً أشهده في أمر دار حتى يذكر شهادته، وتيقنها حفاً بحرف، وهذا الاختلاف إنما هو إن وضع شهادته على معرفته في عقد استرعاء، أو أشهده أحد على نفسه بمال، أو شهادة فيها مال، وحق غير مال، فقيد شهادته بخط يده بما أشهد عليه واستحفظ، فلما دعي لأداء الشهادة عرف خط يده واستيقنه، ولم يذكر الشهادة؛ لنسيانه لها بعد ذكره إياها، فوجه القول بأنه يشهد تيقنه صحة الشهادة؛ لمعرفته خط يده، وأنه لم يضع شهادته وقت وضعه إلا وهو عالم بها، ووجه القول: أنه لا يشهد بها؛ أنه غير ذاكر لها وقت أدائها، وأما ما شهد عليه
الشاهد من عقود البياعات والإقرارات؛ فليس على الشاهد أن يقرأها، ولا يحفظ ما فيها، وحسبه أن يتصفح منها عقد الإشهاد، فيجوز له أن يؤدي شهادته على ما أشهد عليه، وإن لم يعرف ما في الكتاب، ولا عدد المال إذا عرف المشهدين له على أنفسهم.
قال ابن دحون: فإن عرف الشاهد عين المشهود عليه، ولم يعرف عين المشهود له؛ فلا يشهد غلا أن يبين، وإن لم يعرفهما معاً؛ فلا يشهد.
قال ابن رشد: وكذا إذا عرف المشهود له، ولم يعرف المشهود عليه؛ لا يشهد البتة.
قلت: قوله مع الباجي وغيره: إنه لا يلزم الشاهد قراءة كل الوثيقة خلاف عمل محققي شيوخنا على لزوم قراءتها؛ خوف أن يكون في الوثيقة عقد فاسد، أو مشروط فيه ما يفسده، وما ظنه الشاهد صحيحاً، وهو غير تام؛ كهبته لابنه الصغير دار سكناه ونحو ذلك، أو ما فيه تلبيس على حكام المسلمين، قال بعض من لقيناه: إلا أن يعلم الشاهد بقارئن الأحوال أن ما يشهد به قد برمه والتزمه؛ فلا تلزم قراءتها؛ لأنه أمر قد وقع، فيشهد به؛ لينفذ فيه حكم الله سبحانه، وأدب ملبسه، وتقدم من هذا شيء في آخر الأقضية، وتقدم إجراء القولين في رفعها مع عدم الحكم بها على كون كل مجتهد مصيب أو لا.
وقال اللخمي: منع مرة رفعها؛ خوف أن يقضي بها؛ فيكون معيناً على ما لا يراه صواباً، وقال مرة: يرفعها؛ للاختلاف فيها، ولأنه لا يجوز أن يحكم بذلك على المشهود له؛ لأنه لم يستفته ولم يحكمه، ومثله من حلف بالطلاق، وكان في حنثه اختلاف فسأل الزوج والحكم عند المفتي أن لا حنث عليه؛ جاز له على القول الأول أن يفتيه بجواز الإصابة، وعلى القول الآخر لا يجوز له ذلك إلا أن يجتمع الزوجان على تقليده، وإلا كان حكماً على الزوجة وهي لم تقلده، وكذا لو استفت الزوجة من يرى حتثه؛ جاز له أن يفتيها على القول الأول بالهروب منه، ولا يجوز ذلك على القول الآخر، إلا أن يكون اختلافاً شاذاً منافياً للأصول؛ فيجوز له دون رضي الآخر.
قلت: تخريجه عدم الفتوى بعدم الحنث؛ لتعلقها بآخر لم تستفته على القول بلزوم الرفع؛ لأن عدمه متعلق بمن لم يستفته؛ يرد بجواز كونه لذلك مع رجاء حكم الحاكم
له بالمشهود به لاستلزام الرفع؛ نظر الحاكم في ذلك، وعدم استلزام الفتوى بعدم الحنث نظر مفت آخر، فتأمله، قال: ورواية الأخوين في الشهادة على معرفة خطه أحسن، ومحمل قول مالك على ما كانوا عليه من الحفظ كان كثير منهم لا كتب له، قال مالك: حدثني ابن شهاب بأربعين حديثاً حفظتها إلا ثلاثة أحاديث، فسألته أن يعيدها علي فأبى، قلت له: أما كان يعاد عليك الحديث؟ قال: لا، ولو وكل الناس إلى حفظ الشهادات؛ لم يؤد أحد شهادة، وتعطلت الحقوق، والضرب على الخط نادر.
قلت: قوله: (ولو وكل الناس ... الخ)؛ يدل على أن حفظهم الأحاديث المذكور عدها؛ إنما كان بالمعنى لا باللفظ، وإلا لما صح استدلاله به ذكر الشاهد شهادته.
وسمع ابن القاسم: الشهادة على خط رجل بحق عليه؛ كالشهادة بإقرار به.
ابن رشد: سواء كتب شهادته على نفسه في ذكر الحق، أو كتب ذكر الحق على نفسه بيده، فقال: لفلان على كذا وكذا، ولم يكتب شهادته، والشهادة على خط المقر؛ كالشهادة على إقراره.
قلت: قول ابن رشد: (سواء كتب شهادته على نفسه ...) إلى قوله: (ولم يكتب شهادته) خلاف ما حكي ابن عات في طرره.
قال في المجالس: إن كتب الوثيقة بخطه وشهادته فيها؛ نفذت؛ لأنه قليل ما يضرب على جميع ذلك، وإن لم يذكر شهادته فيها لم تقبل؛ لأنه ربما كتب، ثم لم يتم الأمر، وإن قال: لفلان عندي، أو قبلي بخط يده؛ قضي عليه، وإن كتب لفلان على فلان إلى آخر الوثيقة وشهادته فيها؛ لم تجز إلا ببينة سواه؛ لأنه أخرجها مخرج الوثائق، وجرت مجرى الحقوق، ولم تجز الشهادة فيها على خطه.
قال ابن رشد: وإن شهد على خطه شاهد واحد؛ كانت مع شهادته اليمين، لم يختلف فيها قول مالك، ولا أحد من أصحابه، إلا ما روي عن ابن عبد الحكم: أنه لا تجوز على الخط، مجملاً لم يخص موضعاً دون موضع، ونزلت أيام ابن لبابة، فأفتى فيها كل معاصريه بإعمالها، وقال هو: لا تجوز، وحكاه عن رواية ابن نافع، وفي المبسوطة لابن نافع، وروايته: إنها جائزة؛ كالمعلوم من مذهب مالك خلاف ما حكى ابن لبابة،
فأرى حكايته غلطاً، وإنما اختلف إذا كتب شهادته في ذكر حق على أبيه، ثم مات أبوه، وهو وارثه، فطلبه رب الحق بذكر الحق على أبيه، فأقر بالشهادة، وزعم أنه كتبها على غير حق، وأنكرها، فشهد على خطه، ففي القضاء عليه بذلك الحق قولا ابن حبيب مع أصبغ، ومطرف وابن الماجشون؛ بناء على اعتبار مآلها أو ابتدائها.
قلت: في تمسك ابن لبابة برواية ابن نافع غير معزوة لكتاب، وتغليطه ابن رشد نظر؛ لشهرة محل نقل الخلاف في ذلك في الجلاب من أنكر ما ادعى عليه، فشهد على خطه دون لفظه؛ ففي الحكم عليه بالشهادة على خطه روايتان، وعلى الحكم بها، ففي كونه مع يمينه أو دونها روايتان، وإن شهد شاهد واحد على خطه؛ ففي الحكم بشهادته مع يمينه، ولغو الحكم بها روايتان.
المازري: تعقب نقل الجلاب بالافتقار في ذلك إلى اليمين؛ لأن مذهب فقهاء الأمصار: أنه لا يستحلف طالب الحق مع إقامته شاهدين به، خلاف قول ابن أبي ليلى، وعلي رضي الله عنه، ثم ذكر جواب بعض أشياخه بما حاصله أن القولين بناء على أن الشهادة على خطه؛ دليل على إقراره؛ فلا يفتقر ليمين، أو كنقل شهادة من شاهد على إقراره؛ لأن خطه دليل على إقراره× فلا يفتقر ليمين، أو كنقل شهادة من شاهد على إقراره؛ لأن خطه دليل إقراره، فصار كشاهد على إقراره، فيفتقر مع ثبوت النقل عنه إلى اليمين، وعليهما يتقرر قبول شاهد واحد على خطه ولغوه للغو نقل واحد عن واحد.
المتيطي: روى أشهب: أن الخط يضرب عليه، وقول ابن القاسم في معرفة الخط ومعرفة الشهود له؛ كمعرفة الشهود للثياب والدواب، وسائر الأشياء، قال بعض الشيوخ: وهذا يدل على أن الشهادة على الخط إنما تكون على القطع.
وفي كتاب القراوي: إنها في ذلك إنما تكون على العلم.
قلت: مغايرته بين القطع والعلم يدل على أن مراده بالعلم الظن، قال: ولم يزل ابن لبابة على منع الشهادة على الخط إلى أن توفي، وحكي بعض الثقات عنه أنه قال: أول شيء أحدث من جهة الخط قتل عثمان، وقول ابن لبابة قاله قبله الأخوان، ذكره عنهما
يحيى بن إسحاق في مبسوطته.
قلت: هذا خلاف تغليط ابن رشد ابن لبابة المتقدم، وما نسبه لحكاية بعض الثقات هو نقل ابن سهل عن ابن الماجشون في غير الواضحة: الشهادة على الخط باطلة، وما قتل عثمان بن عفان إلا على الخط، وما رمي به عنه، وكتب عليه.
وعلى معروف المذهب في الشهادة على خط المقر قال المازري: نزل سؤال منذ نيف ولخمسين سنة، وشيوخ أهل الفتوى متوافرون، وهو أن رجلين غريبين ادعى أحدهما على صاحبه بمال جليل، فأنكره، فأخرج المدعي كتاباً فيه إقرار المدعى عليه، فأنكر كونه خطه، ولم يوجد من يشهد عليه، فطلب المدعي كتبه، فأفتى شيخنا عبد الحميد بأنه لا يجبر على ذلك.
وأفتى شيخنا أبو الحسن اللخمي: أنه يجبر على ذلك، وعلى أن يطول في ذلك تطويلاً لا يمكن فيه أن يستعمل خطا غير خطه، ثم اجتمعت بعد ذلك بالشيخ أبي الحسن، وأخذ معي في إنكار ما أفتى به صاحبه الشيخ أبو محمد عبد الحميد، فقلت له: احتج هذا بأن هذا كإلزام المدعي عليه ببينة بقيمها لخصمه عليه، وهذا لا يلزمه، فأنكر على هذا، وقال: إن البينة لو أتى بها المدعي عليه: شهدت علي بالزور؛ فلا يلزمه أن يسعى فيما يعتقد بطلانه، والذي يكتب خطه؛ ليعلم أن ما ادعى المدعي إلا حقا.
قلت: الأظهر ما قاله الشيخ عبد الحميد، ومقتضى قوله وظاهر سياقه.
المازري: إنه لو شهدت بينة عدلة على مكتوب بشيء ما لا يحق المدعي أنه بخط المدعي عليه، وهو مماثل لخط الكتاب الذي قام به المدعي أنه يثبت لذلك للمدعي دعواه.
وفيه نظر؛ لأنه لا يحصل للشاهد المدرك الممائثلة بين الخطين ظن كون الخط الذي قام به المدعي أنه خط المدعي عليه بمجرد إدراكه المماثلة مرة واحدة، ولا يحصل إدراك كون الخط خط فلان إلا بتكرار رؤية وضعه أو سماع مفيد للعلم بأنه خطه حسبما أذكره في الشهادة على خط الغائب إن شاء الله تعالى.
وسمع أشهب: من كتب لها زوجها بطلاقها مع من لا شهادة له، فوجدت من يشهد أن هذا خط زوجها، فقال: إن وجدت من يشهد لها على ذلك نفعها.
ابن رشد: مثله في مختصر ابن عبد الحكم، ولابن حبيب عن الأخوين وأصبغ: أن الشهادة على الخط لا تجوز في طلاق، ولا عتق، ولا نكاح، ولا حد، ولا في كتاب قاض بالحكم، ولا تجوز إلا فيما هو مال خاصة، وما لا تجوز فيه شهادة النساء، ولا الشاهد واليمين لا تجوز فيه الشهادة على الخط، وحيث يجوز هذا يجوز هذا، فكان يمضي لنا عند من أدركنا من الشيوخ أن ما ذكره ابن حبيب عن من ذكر، وهو مذهب مالك لا خلاف فيه، وأن معنى ما في السماع، ومختصر ابن عبد الحكم: نفعها ذلك أنه لا يكون لها شبهة توجب لها اليمين على الزوج أنه ما طلق.
والذي أقوله: إن معنى ما حكاه ابن حبيب عن من ذكر؛ إنما هو أن الشهادة لا تجوز على خط الشاهد في طلاق، ولا عتق، ولا نكاح أنه لا تجوز على خط الشاهد أنه طلق، أو أعتق، أو أنكح؛ بل هي جائزة على خطه بذلك، كما تجوز على خطه بالإقرار بالمال، وذلك بين من قوله، ولا تجوز إلا فيما كان مالاً من الأموال إلى آخره.
قوله: فالصواب أن يحمل قول مالك: (نفعها ذلك) على ظاهره من الحكم لها بطلاقه إذا شهد على خطه عدلان، وذلك إذا كان الخط بإقراره على نفسه أنه طلق زوجته مثل أن يكتب لرجل يعلمه أنه طلق زوجته، أو لزوجته بذلك على هذا الوجه، وإن كان الكتاب إنما هو بطلاقة إياها ابتداء؛ فلا يحكم عليه به إلا أن يقر أنه كتبه مجمعاً على الطلاق، وفي قبول قوله أنه كتب غيره مجمع على الطلاق بعد أن أنكر أن يكون كتبه اختلاف ابن زرقون.
حكي ابن سهل في أحكامه أن ابن الطلاع قال: الأصل من قول مالك وأكثر أصحابه جواز الشهادة على الخط في الحقوق، والطلاق، والأحباس وغيرها، إلا أن الذي جرى به عمل الشيوخ أن تجوز في الأحباس، وما يتعلق بها، ثم ذكر ما ذكره ابن رشد عن ابن حبيب، وما كان يمضي لابن رشد عند من أدرك من الشيوخ، ونقل اختيار ابن رشد بلفظ: وعندي أن كلام ابن حبيب إنما هو في الشهادة على خط الشاهد،
لا خط المقر؛ بل هي جائزة على خطه أنه طلق، أو أ'تق، أو نكح إلى آخر ما تقدم من كلامه.
قلت: ظاهر قوله: (وعندي أنه اختص بذلك دون غيره من الشيوخ، وما أضافه لنفسه) هو ظاهر فهم الباجي قبله، قال ما نصه: قال مطرف وابن الماجشون: إنما تجوز الشهادة على خط الشاهد في الأموال خاصة حيث اليمين مع الشاهد، وقاله أصبغ، قال: وأما الشهادة على خط الشاهد الميت أو الغائب؛ فلم يختلف في الأمهات المشهور قول مالك في إجازتها وإعمالها، وروي عنه أنها لا تجوز، وقاله محمد محتجاً بأنها كالشهادة على شهادته إذا سمعها منه، ولم يشهده عليها؛ إذ قد يكتب شهادته بما لا يتقلد شهادته بها، وأما إذا دعي إليها استراب فيها.
قلت: ظاهر قوله في الأمهات المشهور: أن المشهور إعمالها.
وقال الباجي: مشهور قول مالك: لا تجوز الشهادة على خط الشاهد رواه محمد واختاره.
وروى ابن القاسم، وابن وهب في العتيبة والموازية إجازتها، وقاله سحنون.
وقال أصبغ: هي قوية في الحكم.
زاد المتيطي عنه: ولا يعجل في الحكم بها في غيبته وليثبت.
اللخمي: الشهادة على خط الشاهد لغيبته أو موته صحيحة على الصحيح من القولين؛ لأنها ضرورة.
وقال الازري: قياس محمد الشهادة على خط الشاهد على سماعه يذكر شهادته، لا شك أن الشهادة على خطه أقوى من شهادة السماع التي أشار إليها؛ لكون الشاهد يسترسل في ذكر شهادته إذا لم يعلم أنه يقضى به، ولم يأذن في النقل عنها فإذا أذن في النقل عنه؛ لم يصح استرساله، وكذا من كتب خطه للتوثق به للمشهود له على المشهود عليه، والقولان في الشهادة على الخط؛ كالقوانين في صحة نقل الشهادة إذا سمعها الناقل من الشاهد، وهو يؤديها إلى القاضي دون إذنه في النقل عنه.
قلت: لا يلزم من لغوها في النقل لغوها في الخط للضرورة حسبما أشار
إليه اللخمي.
وقول المازري: إذا أضاف الشهود لكتب شهادتهم الإذن في النقل عنهم استقل الحكم بالنقل عنهم تعويلاً على خطوطهم، ولم يذكر خلاف عندنا في هذا.
ظاهره: أن نفي الخلاف راجع للنقل لا للشهادة على الخط، وقول ابن عبد السلام عن بعضهم لو كتب مع ذلك الإذن في النقل عنه ما اختلف في قبول الشهادة على الشهادة إن أراد به، المازري: فليس هذا مدلول لفظه، فتأمله.
ابن رشد: قول ابن زرب: لا تجوز الشهادة على خط الشاهد حتى يعرف أم المشهور على خطه كان يعرف من أشهده معرفة العين؛ صحيح لا ينبغي أن يختلف فيه؛ لما تساهل الناس فيه من وصع شهاداتهم على من لا يعرفون.
قلت: وعزو ابن الحاجب هذا الكلام للباجي وهم؛ لعدم وجدانه له، وثبوته لابن رشد.
قال: واختلف في حد الغيبة التي تجوز فيها الشهادة على خط الشاهد عند مجيزها.
فقال: ابن الماجشون: حد ذلك ما تقضي فيه الصلاة.
ابن سحنون عنه: الغيبة البعيدة، ولم يحد قدرها.
ولابن مزين عن أصبغ: هو مثل إفريقية من مصر، ومكة من العراق، ونحو ذلك، والذي جرى به العمل عندنا على ما اختاره الشيوخ إجازتها في الأحباس، وشبهها مما هو حق لله، وليس بحد.
ابن رشد: فالشهادة على الخط ثلاثة: شهادة على خط المقر، وهي أقواها، ويليها الشهادة على خط الشاهد، ويليها الشهادة على خط نفسه، وهي أضعفها، من لم يجزها على أقواها؛ لم يجزها على الباقيين، ومن أجازها على أضعفها؛ أجازها على الجميع، ففي صحتها في الجميع، ثالثها: على خط المقر فقط، ورابعها: وعلى خط الشاهد.
قال ابن الحاجب: وأما الثالث: فقال: إن لم يكن محو ولا ريبة؛ فليشهد.
قال مطرف: ثم رجع فقال: لا يشهد حتى يذكر بعضها.
ابن عبد السلام: ظاهره: أنه إن عرف خطه، وذكر بعض ما فيه أنه يشهد ولا
يختلف في ذلك، وظاهر المدونة، وهو المشهور عندهم: أنه يؤديها ولا تنفع.
قلت: ما ذكره ابن الحاجب هو نص نقل النوادر عن ابن كنانة.
قال في المجموعة: إن ذكرت بعض ما في الكتاب، ولم نذكر بعضاً، وفي الكتاب شهادتك، ولا محو فيه، ولا ما تستريبه، فاشهد بكل ما فيه.
وعن ابن حبيب: روى مطرف: إن عرف خطه، ولم يذكر من الشهادة شيئاً، ولا محو في الكتاب، ولا ريبة شهد به، ثم رجع فقال: لا يشهد، وإن عرف خطه حتى يذكر الشهادة أو بعضها.
قلت: فظاهره: أنه إن ذكر بعضها لم يختلف قوله في الشهادة به، ولفظ المدونة هو ما نصه.
قلت: إن ذكر أنه هو خط الكتاب، ولم يذكر الشهادة قال: قال مالك: فلا يشهد بها حتى يستيقنها ويذكرها، ولكن يؤديها.
قلت: أتنفعه إن أداها كذلك؟ قال: لا.
قلت: ففي لفظها احتمال لصورة ذكر بعضها دون بعض.
وقول ابن عبد السلام: المشهور عندهم أنه يؤديها ولا تنفع خلاف نقل ابن رشد.
قال في رسم الشجرة: قال مالك: أول زمانه في شهادة الشاهد على خطه إذا لم يذكر الشهادة أنه يشهد إن كان الكتاب نقياً لا محو فيه ولا ريبة، ثم قال: لا يشهد، وإن عرف خطه حتى يذكر الشهادة أو بعضها، أو ما يدله على حقيقتها، وينفي التهمة عنه فيها.
قلت: فظاهره: أن ذكر بعضها كاف في ذكرها.
قال ابن عبد السلام بعد ذكره الخلاف في البعد المبيح: الشهادة على الخط، وجرت العادة عندنا أن اختلاف عمل القضاة، وإن قرب ما بينهما كالبعد؛ لأن حال الشاهد تعلم عند قاضيه، ولا تعلم عند غيره، وفيه مع ذلك ضعف، فإن الشاهد على الخط؛ كالناقل عن من خطه، ولا بد أن يعدل الناقل من نقل عنه، أو تكون عدالته معلومة عند القاضي.
قلت: مقتضى تعليله ما زعمه من الضعف بما ذكره أن هذه العادة عندهم كانت الشهادة فيها على الخط، لا يفتقر فيها إلى ثبوت عدالة ذي الخط، وهذا شيء لا أعرفه، ولا سمعت به عن عادة جرت في إفريقية بوجه، فالله أعلم بما أراد.
والذي أعرفه وشاهدته أن خط شاهد عمالة إن وقع بعمالة أخرى، فإن كان ذو الخط كائناً فيها؛ لم يرفع على خطه، ورفع هو نفسه وإن كان غائباً بعمالته؛ رفع عليه على ظاهر قول سحنون في اعتبار مشقة الحضور دون تحديد بقدر، ثم القاضي المرفوع عنده إن كان ذو الخط عنده مقبولاً؛ قبله، وإلا طلب تزكيته.
وفتوى شيخنا ابن عبد السلام بأن شرط الشهادة على الخط حضوره، ولا يصح عليه غيبته صواب، وهو ظاهر تسجيلات الموثقين.
المتيطي وغيره: اشتراط التحويز في الشهادة باستحقاق الدور والأرضين، ولا تقبل الشهادة على الخط إلا من الفطن العارف بالخطوط وممارستها، ولا يشترط فيه أن يكون قد أدرك ذا الخط، وحضرت يوماً بعض من قدمه القاضي ابن قداح للشهادة بتونس، وهو أبو العباس ابن قليلو، وقد ناول القاضي ابن عبد السلام وثيقة؛ ليرفع فيها على خط شاهد فيها مات، فقال له القاضي ابن عبد السلام: إنك لم تدرك هذا الشاهد الذي أردت أن تشهد على خطه، ورد عليه الوثيقة، ومنعه من الرفع على الخط فيها، وأنا جالس عنده، فلما انصرف ابن قليلو قال لي: إنما لم أقبل شهادته على الخط فيها؛ لأنه ليس من أهل المعرفة بالخطوط، وليس عدم إدراك الرافع على الخط كاتبه بمانع من الشهادة على خطه إذا كان الشاهد عارفاً بالخطوط، فإنا نعرف كثيراً من خطوط من لم ندركه؛ كخط الشلوبين، وابن عصفور، وابن السيد ونحوهم؛ لتكرر خطوطهم علينا مع تلقينا من غير واحد من الشيوخ أنها خطوطهم، وذكر المتيطي في كيفية الشهادة على خط الغائب أن الشهود يعرفون أنه كان يرسم العدالة والقبول في تاريخ الشهادة وبعدها إلى أن توفي، قاله مالك خوف أن تكون شهادته قد سقطت لجرحة، أو أن غير مقبول الشهادة، وإن زيد في التقييد ممن يعرف أن الشاهد المذكور كان يعرف المشهود عليه بعينه واسمه إن لم يكن في عقد الإشهاد معرفته بالعين
والاسم؛ كان أكمل، وهذه نكتة حسنة قل من يعرفها أو يهتدي إليها.
قلت: قوله: (إلى أن توفي) قيل: إن الصواب إلى حين الشهادة على خطه؛ لجواز ثبوت تجريحه بعد موته ممن أعذر له في شهادة، ورد بأن ثبوت جرحته بعد موته يثبتها عليه قبل موته، فاستمرار عدالته إلى موته تنفي ما ينتفي بقوله إلى حين الشهادة على خطه.
وقول ابن الحاج: قول بعض قضاة إفريقية لابد من زيادة، وأنه وضعها في حين عدالته؛ لجواز أن نقول: لو حضر وضعها فاسقاً؛ فلا أقوم بها غير بين؛ لوجوب رد شهادة من لم تعلم عدالته.
وظاهر قول المتيطي: أن تضمين الشاهد على الخط أن ذا الخط كان يعرف المشهود عليه شرط كمال لا شرط إجزاء، وظاهر نقل ابن فتوح أنه شرط إجزاء.
قال ما نصه: إن نقص من الوثيقة معرفة عين المشهود عليه فيها؛ كان الأمر مشكلاً، فمن أجاز الشهادة على الخط؛ احتاج إلى تضمين الشهود على الخط أن المشهود على خطه كان يعرف المشهد على نفسه، أو يشهد بذلك غير من شهد على خطه، وفي سماع أشهب قيل لمالك: أيشهد الرجل على من لا يعرف؟ قال: أحب إلى أن لا يقعل، والناس يشهدون بكون بعضهم يعرف، وفي ذلك بعض السعة.
ابن رشد: إن أشهد الرجل على نفسه جماعة يعرفه بعضهم، فلمن لا يعرفه منهم أن يضع شهادته عليه، وهو من ذلك في سعة لأمنه لمعرفة بعضهم أن يتسمى باسم غيره، وإن لم يعرفه أحد منهم؛ كره لهم أن يضعوا شهادتهم عليه خوف أن يتسمى باسم غيره، فيقر أنه باع داره من فلان، ثم يشهد على خطوطهم بعد موتهم، فتجوز شهادتهم، قاله الأخوان، فإن كتب شهادته على من لا يعرفه بالعين والاسم؛ لم يصح أن يشهد بها إلا على عينه، وكل هذا لا اختلاف فيه، فإن علم أنه لا يقف على عين المشهود له إذا غاب عنه؛ فشهادته لا نفع فيها، وإنما تسامح العلماء والخيار في وضع شهاداتهم على من لا يعرفونه بعين ولا اسم، سياسة في نفع العامة؛ ولئلا ينتبهون على؛ وهي شهادة من أوقع شهادته على من لا يعرف، فيجترئون على جحد الحقوق المنعقدة عليهم إذا علموا
أن الشهادة عليهم لا تصح إذا أنكروا، ففي جهلهم بالحقيقة في ذلك صلاح عظيم وتحصين للحقوق.
ولابن القاسم في المجموعة: من دعي ليشهد على امرأة لا يعرفها، ويشهد عنده رجلان أنها فلانة تشهد.
قال في سماع حسين بن عاصم في بعض الروايات: لا يشهد إلا على شهادتهما.
وقال ابن نافع: يشهد، ورواه ابن رشد الذي أقوله إن كان المشهود له أتاه بالشاهدين؛ ليشهد له عليهما بشهادتهما عنده أنها فلانة؛ فلا يشهد إلا على شهادتهما، وإن كان هو سأل الشاهدين فأخبراه أنها فلانة؛ فليشهد عليها، وكذا لو سأل عن ذلك رجلاً واحداً يثق به أو امرأة؛ جاز له أن يشهد، ولو أتاه المشهود له بجماعة من لفيف النساء يشهدوا عنده أنها فلانة؛ جاز له أن يشهد إذا وقع العلم بشهادتهن.
قلت: قوله: (إن أشهد على نفسه جماعة)؛ يعرفه بعضهم، فلمن لم يعرفه منهم أن يضع شهادته عليه؛ ظاهره: أنه يشهد عليه، ولا يذكر معرفة ولا تعريفاً، وجرى العمل عندنا في هذا النوع أنه يذكر في الشهادة عليه ما نصه، وبمعرفته بالموجب وهي زيادة حسنة، وظاهر قول ابن رشد ولفظ السماع؛ أنه لا يشترط فيمن عرفه من الجمع بلوغ عدده ما يحصل العلم به؛ بل ظاهره: إن عرف منه اثنان أو واحد؛ كفى في ذلك، والأظهر تقييده بما يفيد العلم به بكثرة أو قرائن أو الظن القوي.
وفي أحكام ابن جدير: قال أصبغ بن سعيد: شهدت محمد بن عمر بن لبابة يكتب شهادته على أقوام مجهولين لا يعرفهم، وفي الوثيقة من يعرفهم بأعيانهم وأسمائهم، فقلت له: كيف تكتب هذا، وأنت لا تعرف القوم؟ فقال: قد يتناصفون بينهم بالحقوق إذا رأوا شهاداتنا في كتابهم، فإن اضطروا إليها؛ لم نشهد إلا فيما نعلم، وقال به سعيد بن أحمد ابن عبد ربه: وهو مذهب أبي عمر الإشبيلي، ويحتج بقول ابن لبابة، ثم ذكر عن الأخوين، وابن عبد الحكم مثل ما تقدم في السماع.
قال: وروى ابن القاسم، وابن نافع في المبسوطة فيمن دعي إلى الشهادة على امرأة وهو لا يعرفها: إنه شهد عنده عدلان أنها فلانة؛ فليشهد عليها.
قال ابن القاسم: هذا باطل، ولا يشهد عليه إلا وهو يعرفها بغير تعريفهم.
وقال ابن الماجشون: الذي قاله ابن القاسم هو الباطل، وكيف يعف النساء إلا بمثل هذا؟
وسمع ابن القاسم في كتاب النكاح في الرجل عنده المرأة لا يعرفها غيره كابنة أخيه يريد أن يزوجها كيف يشهد عليها؟ قال: يدخل عليها من لا تحتشم منه، فيشهد على رؤيتها.
قال عيسى: قال لي ابن القاسم: قال مالك: وإن لم يعرفها الشهيدان.
ابن رشد: إن لم يوجد من يعرفها؛ فلا بد أن يشهد على رؤيتها من لا تحتشم منه، فتسفر لهم عن وجهها يثبتوا عليها؛ ليشهدوا علي عينها إن أنكرت أنها التي أشهدتهم، فإن وجد من العدول من يعرفها؛ لم ينبغي لمن لم يعرفها أن يشهد عليها، فإن شهد عليها مع وجود من يعرفها أو دونه؛ لم ينبغي لهم أن يشهدوا على شهادتهم عليها بالرضا بالنكاح؛ لاحتمال أنها لم تكن هي التي أشهدتهم، فيموتوا، ويشهد على شهادتهم، فيلزم نكاحاً لم يرضي به؛ لأن شهادتهم على شهادتهم بذلك، كشهادتهم به عليها عند حاكم، والحقوق بخلاف ذالك.
قال مالك: لا يشهد الرجل على من لا يعرف، ومثله لأصبغ في الخمسة قال: وأما الحقوق من البيوع، والوكالات، والهبات، ونحو ذلك؛ فلا يشهد عليه في شيء من ذلك، إلا من يعرفها بعينها واسمها ونسبها، والفرق بين النكاح وغيره من الحقوق؛ أنه يغشى، وإن لم يشهدوا على شهادتهم في الحقوق أن يموتوا، فيشهد على خطوطهم، فتلزم بطلاً لم تشهد به على نفسها، وعلى ما جرى به العمل عندنا من أنه لا يقضى بالشهادة على الخط إلا في الأحباس، وما جرى مجراها، فيستوي النكاح وغيره من الحقوق، ولا يكون على الرجل حرج في وضع شهادته على من لا يعرف في الحقوق، كما يضعها عليه في النكاح إذا لم يشهد على شهادته بذلك، وقد استجاز ذلك العلماء قديماً، وإن قيد في عقد إشهاد الوثيقة معرفة العين والاسم لما في ذلك من تحصين العقود دوماً عند أداء الشهادة؛ فلا يحل للشاهد أن يشهد بإجماع إلا على من يثبت عليه، ويعرف أنه.
هو الذي أشهده دون شك في ذلك لا ارتياب.
وفي طرر ابن عات: زمن ومن الاستغناء: عن ابن أيوب: وإذا كتب الرجل ذكر حق على من لا يعرف الشهود؛ فالأحسن أن يكتب نعته وصفته، ويشه الشهود على الصفة حيي أو مات أو غاب.
قال: وقد قال بعضهم: يكتب اسمه وقريته ومسكنه، ويجتزئ بذلك.
قال: والأول، أحسن: لأنه قد يتسمى الرجل بغير اسمه وغير مسكنه وموضعه.
قلت: والذي عليه العمل عندنا أنه إن عين الشاهد من عرفه بالمشهود عليه؛ فإنها شهادة ساقطة، وصارت كالنقل همن عرفه؛ ولذا يحترز بعضهم، فيكتب، وممن عرفه فلان.
وفي أول ترجمة من النوادر من الشهادات في المجموعة قال ابن كنانة: من شهد في صبي صغير يبيعه، ثم استحق بملك أو حرية، فقام مبتاعه بعهدته، وكتاب شرائه، فشهدوا أن الكتاب حق، ولم يعرفوا العبد الآن؛ لأنه كبر؛ فلا يقضي له بالثمن حتى يقطعوا أن هذا هو العبد المبيع في الكتاب.
وفي ترجمة الشهود في الزنا أو غيره هل يكشفهم الحكم؟ قال ابن القاسم في العتبية والموازية والمجموعة: من اعترف دابة أو رأساً هل تجمع له دواب أو رقيق، وتدخل فيها، ويكلف الشهود إخراجها؟ قال ليس ذلك على احد في شيء، وذلك خطأ، ولاكن إن كاونوا عدولاً؛ قبلت شهادتهم.
محمد عن أصبغ: وكذا النساء إن شهد عليهن، ولابن سحنون عنه: لو شهدوا على امرأة بنكاح، أو براءة، وسأل الخصم إدخالها في نساء ليخرجوها، وقالا: شهدنا عليها عن معرفتنا بعينها ونسبها، ولا ندري هل نعرفها اليوم، وقد تغيرت حالها، أو قالوا: لا نتكلف ذلك فلا بد من ان يخرجوا عينها اليوم، وقد تغيرت عن حالها، قيل لهم: إن شككتم، وقد ايقنتم أنها بنت فلان، وليس لفلان إلا بنت واحدة من حين شهد عليها إلى اليوم؛ جازت الشهادة، وإن قالت البينة: أشهدتنا وهي متنقبة، وكذلك نعرفها، ولا نعرفها بغير نقاب، فهم أعلم بما تقلدوا إن كانوا
عدولاً وعينوها، كما ذكر قطع بشهادتهم.
وسأل حبيب سحنونا عن امرأة انكرت دعوى رجل عليها، فأقام عليها بينة، قالوا: اشهدتنا على نفسها، وهي متنقبة بكذا وكذا، ولا نعرفها إلا متنقبة، وإن كشفت وحهها؛ لم نعرفها.
قال: هم أعلم بما تقلدوا إن كانوا عدولاً، فقالوا: عرفناها، ونشهد عليها، ونقطع بشهادتهم.
ومن المجموعة: قال ابن كنانة: من شهد على امرأة بإقرار أو بيع، ثم قاموا بها، وشهدوا إلا انهم لم يعرفوها بعينها، وعرفوا الاسم والنسب الآن، وقالوا: إن كانت فلانة بنت فلان؛ فقد أشهدتنا، قال: إن شهد غيرهم أنها فلانة بنت فلان مع شهادة هؤلاء الذين شهدوا على الحق والنسب والاسم؛ فليحلف رب الحق ويثبت حقه.
قال سحنون في كتابه ابنه: أو يعرف أنه ليس لفلان ابنة غيرها.
قال ابن عيد السلام: جرت عادة شهود بلدنا أنهم يكتبون المعرفة، أو ما يقوم مقامها عندهو من التعريف، وإذ لم يكتبوا شيئاً من ذلك؛ دل على أن المشهود عليه عندهم معروف؛ ولهذا يعدون كتب المعرفة في الشهادة على الرؤساء من الجفاء.
قلت: ليس في عزوه تمام الشهادة العرية عن زكر المعرفة، والتعريف لشهود بلدنا حجة تامة، ويظهر من أقوال من تقدم في ذلك اختلاف تقدم.
المتيطي: إن تضمين الشهداء على خط غيرهم أن المشهود على خطه، كان يعرف من يشهد عليه بعينه واسمه شرط كمال لا شرط إجزاء، وهذا يقتضي أن ترك الشاهد ذكر المعرفة والتعريف لا يقدح في شهادته.
ومثله نقل ابن سهل في ترجمة من لم يعرف من الشهود إلا واحداً في أول كتابه ما نصه: قال عبيد الله بن يحيى، ومحمد لبابة، ومحمد بن يحيى، ويحيى بن عبد العزيز في شهادة رجلين شهداء على شهادة عبد الرحمن: أن فلانة ابنة فلان أشهدتني، ولم يذكر في شهادته أنه عرفها بالعين والاسم والنسب؛ أن الشهادة تامة.
وقوله: (أشهدتني)؛ معرفة لا محالة، وتقدم لابن فتوح: أن التضمين المذكور في
الشهادة على الخط أنه شرط إجزاء؛ وهذا يقتضي أن ترك الشاهد ذكر المعرفة والتعريف، يبطل شهادته ويؤيده قوله: وإذا اشهد الشهداء على شهادتهم في وثيقة، سقط من عقدها معرفة الشهود لعين من أشهدهم، فهو خلاف الشهادة على معرفة الخطوط وذلك تام؛ لأن من أشهد على شهادته يحمل على أنه لم يشهد على شهادته، إلا وقد عرف المشهد، وروى ذلك بعض أهل العلم.
فإن قلت: تفرقته بين المشهد على شهادته، وبين الشهادة على الخط ترد ما تقدم من التمسك بمسألة ابن سهل؛ لأنها شهادة مشهد على شهادته.
قلت: التمسك بمسألة ابن سهل هو من حيث تعليل قائلها بقوله، وقوله: أشهدتني معرفة لا محالة، فلم يعلل ذلك بما علله ابن فتوح، وهو كونه أشهد على شهادته، والأظهر أن الشاهد إن كان معلوم الضبط والتحفظ؛ قبلت شهادته، وغن لم يذكر معرفة ولا تعريفاً، وإلا ردت إلا أن تكون على مشهور معرفة.
قال ابن الحاجب تابعاً لابن شاس: وإذا شهدت بينة على امرأة زعمت أنها بنت زيد؛ فلا يسجل على بنت زيد.
قلت: هذا الفرع لا أعرفه نصا في شيء من أمهات مذهبنا؛ وإنما وجدته نصا للغزالي في وجيزة قال: إذا قامت البينة على عين امرأة بدين، وزعمت أنها بنت زيد؛ فليس للقاضي أن يسجل على بنت زيد، وإن أقرت بالنسب، ولا إن أقامت بينة على أنها بنت زيد بغير تقدمٍ ودعوى، لا تسمع على الصحيح
؛ لكن على القاضي أن ينصب من يدعي على بنت زيد، وتنكر هي أنها بنت زيد، فيقام عليها البينة بالنسب، ثم إذا ثبت؛ سجل وتجوز هذه الحيلة للحاجة.
قلت: فاقتصر ابن شاس على نقل أول هذا الكلام؛ لجربه على أصل مذهبنا في أنه لا بد من معرفة الشاهد بنسب المشهود عليه أو التعريف.
وفي الواضح عن الأخوين: ينبغي إذا سجل الحاكم حكمه إن يسمي الشهود، ولا يضره ترك تسميتهم إن كانا مأمونا، ولابد من تسمية من قضي له، ومن قضي عليه، فإن كانا معروفين؛ اجتزئ بالتسمية، وإن مجهولين؛ زاد التحلية والصفة، وذكر
أنسابهما ومتجرهما ومسكنهما.
وقال أصبغ: إن لم يسمع الشهود؛ فأحب إلي أن يبدله حتى يسميهم، فإن لم يفعل حتى مات أو عزل؛ مضى ذلك ونفذ، إلا أن يكون حكماً على غائب.
قال: لما قدم وقيم عليه بالقضية لو علمت البينة جرحتها، فهذا ترد عنه القضية، ويؤمر بابتداء الخصومة.
وفي شرط شهادة غير السماع بقطع الشاهد بالعلم بالمشهود فيه مطلقاً وصحتها بالظن القوي فيما يعسر العلم به عادة طريقان: الأولى في المقدمات لا تصح شهادة بشيء إلا بعلمه، والقطع بمعرفته لا بما يغلب على الظن معرفته.
قال: العلم ما يحصل بمجرد العقل فقط منه ضروري كعلم الإنسان حال نفسه من صحته وسقمه، وإيمانه وكفره، ويصبح بذلك شهادته على نفسه، وبالعقل مع أحد الحواس الخمس: السمع، والبصر، والشم، والذوق، واللمس، والثالث: الخبر المتواتر، ومنه نظري؛ كشهادة خزيمة بن ثابت له صلى الله عليه وسلم أنه اشترى الفرس من الأعرابي، ولم يحضر شراءه مستنداً في ذلك للدليل الظاهر والبرهان الساطع، فإن قلت: حمله شهادة خزيمة على هذا الاعتبار، وجعلها مثالا لأصل عام خلاف قول الأصوليين: إنها خاصة لا يقاس عليها حسبها ذكر الآمدي وابن الحاجب في شروط الأصل في القياس.
قلت: جعل الأصوليين كونها خاصة هو من حيث الحكم لها، بحكم شهادة شهيدين لا من حيث الحكم لها بأنها شهادة شرعية.
قال: وكذا الشهادة بما علم من الأخبار المتواترة جائزة؛ كالولاء والنسب والموت، وولاية القاضي وعزله، وضرر الزوجين، وشبهه إذا حصل العلم بهذه الأمور والقطع بها.
الثانية للمازري، قال في قبول شهادة الشاهد بزوجية رجل امرأة برؤيته: حوزه
إياها حوز الأزواج زوجاتهم، وإن لم يولد حين التزويج هذا نوع خارج عن شهادة السماع؛ إنما يطلب فيه الظن القوي المزاحم للعلم اليقيني بقرائن الأحوال كالشهادة بالتفقير، بأن الشاهد يشهد به، ولا يقطع على صحة ما شهد به؛ لجواز أن يكون أن يكون له مال أخفاه؛ لكن إذا بدت قرائن الفقر، والأسعار، والصبر على مضض الجوع، وأدرك ذلك بالمخالطة؛ صح التعويل عليه في الشهادة بقرائن الأحوال، وعلى هذه الطريقة.
قال ابن الحاجب تابعاً لابن شاس: ويعتمد على القرائن المغلبة للظن في التعديل، وفي الإعسار، وضرر أحد الزوجين.
قلت: وهذا الظن الناشيء عن القرائن؛ إنما هو كافٍ في جزم الشاهد بما به يشهد على وجه البت، ولو صرح في أداء شهادته للظن؛ لم تقبل إلا ما تقدم في التعديل من قوله: (أراه عدلا)، فإنه لا يقطع به، بعضهم يقطع به في صيد صيد بمعاينة شهيديه، وما غنم بمعاينتها معترض بجواز كونه يدعي قرب من ربه، وكون الغنيمة مال مسلم.
قلت: وصوره بعضهم بملك مشتري لقطة بشهادة الشهيدين على التقاطهما، وتعريفها سنة، وبيعها بإذن الأمام.
باب شهادة السماع
وشهادة السماع، لقب لما يصرح الشاهد فيه بإسناد شهادته من غير معين، فتخرج شهادة البنت والنقل وفيها طرق.
الباجي: قال القاضي: هي مختصة بها لا يتغير حاله، ولا ينتقل الملك فيه؛ كالموت، والنسب، والوقف المحرم، فيشهد على الموت بالسماع فيها بعد من البلاد ما اقرب.
قلت: بشرط أن لا يطول زمن تقدم الموت كالعشرين عاماً، ونحوها هذا لا تقبل فيه إلا البت، قاله بعض من لقيت، صواب؛ لأنه مظنة البت كمن ببلد قريب.
الباجي: ما اقرب، وكان ببلد الموت؛ إنما الشهادة فيه علي البت؛ لحصول العلم بالسماع به المتواتر، كالشهادة، فإن نافعاً مولى ابن عمر كما قيل: قال لابن القاسم: يشهد أنك ابن القاسم، ولا نعرف أباك، ولا أنك ابنه إلا بالسماع.
قال: نعم، ثم حكى عن القاضي في قبول شهادة السماع في النكاح قولين بناء على اعتبار عدم تقيده إذا مات احدهم، واعتبار جواز التنقل فيه، وفي نوازل سحنون: أيشهد على النكاح بالسماع كالموت؟ قال: جل أصحابنا يقولون: إذا انتشر الخبر بالنكاح في الجيران أن فلاناً تزوج فلانة، وسمع الدفاف، وكثر به القول؛ جازت الشهادة به، وكذا في الموت يسمع النائحة، ويكثر القول في الناس شهدنا جنازة فلان؛
جازت الشهادة بالموت.
وإن لم يحضره، وكذا النسب يسمع كثرة قول الناس فلان بن فلان، وأن يشهد على نسبه، وكذا ولاية القاضي بما يسمع من الناس، وربما رآه يقضي هذه الأربعة تجوز فيها الشهادة على السماع.
ابن رشد: تجوز الشهادة في هذه الأربعة على القطع من وجهة السماع إذا أفاد العلم باستفاضته، وكذا غير الأربعة؛ لأن الأخبار المتوترة تفيد العلم فيها طريقه العلم، وغلبة الظن فيها طريقه غلبة الظن؛ كالتعديل والتشيد.
وقوله: (جل أصحابنا)؛ يدل أن منهم ما يقول ذلك، ولا خلاف فيه؛ إنما الخلاف في شهادة السماع دون قطع كقوله: سمعنا سماعاً فاشياً من غير أهل العدل وغيرهم كذا.
قيل لا تصح في هذه الأربعة، ولا في غيرها وهو قول ابن القاسم لقوله في المدونة: شهادة السماع لا يثبت بها النسب، ولا الولاء، ويقع له بالمال دون ثوبتهما، ولم يرها عاملة في الحبس إلا مع القطع بمعرفته؛ فإنما تحترم بحرمة الاحباس، ولا في الشراء المتقادم إلا مع الحيازة، والثاني: جوزها في الأربعة وغيرها، وهو دليل حكاية ابن جيب: جواز الشهادة على السماع في الملك دون الحيازة، وهو قول سحنون في غير الجل، لأن معنى قوله: إن الجل يقولون: لأتجوز الشهادة في هذه الأربعة على السماع دون قطع؛ إنما تجوز فيها على القطع؛ لأن شأنها أن تستفيض حتى تصح الشهادة فيها على القطع، وغير الجل يجيزون الشهادة في الأربعة على السماع دون قطع، كما يجيزون ذلك في غيرها، والرابع: أنها تجوز في هذه الأربعة لا في غيرها عكس الثالث، ومضى في آخر رسم الأقضية من سماع يحيى الخلاف فش شهادة السماع في النكاح.
قلت: الذي تقدم له فيه هو قوله: إذا كانت المرأة بائنة منقطعة عن من تقارب معه على النكاح، ولا بينه على أصله، وليسا بطارئين فقيل: لا ميراث بينهما، وإن طال ذلك، وفشا ذكره الجيران، وهو ظاهر قول ابن القاسم، وأشهب في هذا السماع، وهو بعيد؛ لأن النكاح مما يصح فيه شهادة السماع إذا مضى من الزمان ما تبيد فيه الشهود على اختلاف في ذلك، وقيل: يتوارثان إذا طال الزمان، وفا ذكره في الجيران، فشهدوا
فيه بالسماع، وهو قول ابن وهب في هذا السماع، يريد مع طول الزمان الذي تبيد فيه الشهود فالخلاف إنما هو إذا طال الأمر، وشهد الشهود العدول فيه على السماع لا على القطع من ناحية السماع، يحتمل أن يكون قول ابن وهب في السماع المفيد القطع، وقول ابن القاسم وأشهب في السماع القاصر عن القطع، فيرجعان إلى الوفاق، ويحتمل رجوع الخلاف بينهما إلى حد الطول الذي تجوز فيه شهادة السماع.
وسمع أصبغ ابن القاسم: من افتدت من زوجها، ثم قامت بينة تشهد بالسماع أن زجها كان يضربها، أيجوز في شهادة السماع؟ قال: نعم، من يشهد في مثل هذا إلا بالسماع يسمعه الرجل من أهله، ومن الجيران، وشبه ذلك؛ فيكون فاشياً فيجوز.
قلت: يجوز فيه شاهدان على السماع.
قال: السماع ليس في مثل هذا، والأمر بالمعروف أحب إلي، وعيسى هذا أن يجوز، فأرى أن يجوز، ولا حلف عليها، ولو شهد لها شاهد واحد على القطع أنه كان يضربها ويضيق عليها؛ حلفت معه، ورد عليها ما أخذ منها.
ابن رشد: إجازته شهادة السماع في ضرر الزوج دون يمين خلاف أصله في المدونة، في أنها لا يثبت بها نسب، ولا ولاء؛ إنها يستحق بها المال مع يمينه، واختياره ألا يكتفي في ذلك بشاهدين مراعاة لقول ابن الماجشون: أنه لا يجوز في شهادة السماع أقل من أربعة، وقول أصبغ: إن لم يكن مع الشاهد على البنت غيره حلفت معه، ولو كان معه سماع أو منتشر غير قاطع؛ ردت عليها العطية والوضيعة، يدل على أنه انزل السماع منزلة شاهد آخر على البت، فلو انفردت على مذهبه شهادة السماع؛ لم يستحق بها المال دون يمين.
فقوله: على قياس قول ابن القاسم، وروايته في المدونة.
الباجي: وقد قال مالك: يقطع بشهادة السماع في الولاء والنسب والصدقات، التي طال زمانها، والصدقات تكون على غيره وجه الوقف.
ولابن حبيب عن الأخوين عن مالك: تجوز فيما تقادم عهده، والأشرية، والحيازات، والصدقات، والأحباس، وشبهها.
المتيطي: قال ابن الهندي: إن شهد بالضرر صالحات النساء، والخدم اللواتي يدخلن عليهن؛ جاز ذلك.
قلت: الرق مانع من الشهادة في الذكور؛ فأحرى في النساء، وصرف ذلك للخبر يؤدي إلى حكم الحاكم بعلمه.
المتيطي: قال ابن الهندي في نسخته الكبرى: غمز بعض أهل عصرنا شهادة السماع على الضرر، واختار الشهادة على معرفة الضرر، وقد غمز ابن القاسم هذا الذي اختاره وكرهه، وعلله من جهة القطع على أمر لا يعرف إلا بالاستفاضة والسماع؛ لأن الشهود لا يسكنون مع الزوجين، وإنما هو عندهم بلاغ، فترك الغامز العمل بها استحسان.
ابن القاسم: وأجاز ما كرهه، ويجب إذا ثبتت المسألة رواية، إلا ترفع إلا برواية اثبت منها، وهذه المسألة من الثماني عشر مسألة التي تجوز شهادة السماع فيها؛ منها: الأحباس المتقادمة، والنكاح، والأنساب، والولاء، والميراث، والموت، وولاية القاضي، وعزلته، والعدالة، والتجريح، والإسلام، والكفر بالله، والرضاع، والترشيد، والتسفيه، وفي بعض هذا نزاع، وأما العتق؛ فالأكثر لم ينصوا عليه بعينه فيها، وهو عندي لاكتفائهم بذكر الولاء عنه: لأنه مهما ثبت؛ ثبت العتق، ومهما ثبت العتق؛ ثبت الولاء، ومها انتفى أحدهما؛ انتفى الآخر، وما اثبت أحد المتساويين في اللزوم؛ أثبت الآخر.
وقال المازري: ضبط عبد الوهاب ما تجوز فيه شهادة السماع بما لا ينقل ولا ينتقل، وقبله هو والباجي منه، ثم قال المازري: اختلف الناس في العتق؛ منهم من لم يثبته بها، ومنهم من أثبته بها؛ لأنه مما لا يتغير ولا يبقى.
قلت: وهذا مع ضابط عبد الوهاب ينتج أنه يثبت بها وهو الحق، قول ابن عبد السلام: منهم من ألحق العتق بما يثبت بالسماع.
قلت: وللخمي ما نصه بعد قوله: القسامة تصح بستة أوجه، وبالسماع المستفيض.
قال ابن القاسم: مثل ما لو أن رجلاً عدا على رجل في سوق علانية مثل سوق
الأحد، وشبهه من كثرة الناس، فقطع كل من حضر عليه الشهادة، فرأى من أرضى من أرضى من أهل العلم أن ذلك إذا اكثر هكذا، وتظاهر بمنزلة اللوث.
قلت: وينسب للقاضي ابن رشد في عددها نظم هو:
أيا سائلي عما ينفذ حكمه ... ويثبت سمعا دون علم بأصله
ففي العدل والتجريح والكفر بعده ... وفي سفه أو ضده ذاك كله
وفي البيع والأحباس والصدقات والر ... ضاع وخلع والنكاح وحله
وفي قسمة أو نسبة أو ولاية ... وموت وحمل والمضر بأهله
واستدرك فيها ولده، فقال:
ومنها الهبات والوصية فاعلمن ... وملك قديم قد يظن بمثله
ومنها ولادات ومنها حرابة ... ومنها إباق فليضم لشكله
فدونكها عشرين من بعد سبعة ... تدل على حفظ الفقيه ونبله
أبي نظم العشرين من بعد واحد ... فأتبعتها ستا تماما لفعله
قال ابن هارون: واستدرك عليها الملا، والعدم، والأسر.
وقال اللخمي: تجب القسامة في القتل مع شهادة السماع، فقلت: تتميماً لذلك المقال، ونسجاً على ذلك المنوال:
وفي اليسر والإعسار سمع مقرر ... وفي الأسر يروى من يقوم بنقله
أبو الحسن اللخمي قال مقسم ... ولاة قتيل بالسماع لقتله
قلت: وتقدم لي نظم لما ذكر المتيطي في خمسة أبيات هي:
شهادة ظن بالسماع مقالتي ... لما عد متطيهم في النهاية
فوقف قديم مثله البيع والولا ... وموت وارث والقضا كالعدالة
وجرح وإنكاح وكفر وضده ... ورشد وتوسيخه وعزل ولاية
وإصرار زوج والرضاع وفي النسب ... نفاس حكي اللخمي لوث قسامة وقد زادنا الكافي سماع تصرف ... وإنفاق ذي إيصاء أو ذي نيابة إيصاء لعشر وضعفها ... سنين ابن زَرْب زاده في مقاله
قلت: وما نسبوه للقاضي، وابن رشد بعيد من لفظه في البيان؛ ولذا قال ابن عبد السلام: لست أدخل تحت عهدة صحة نسبة صحة القطعتين إلى من ذكر، والبيت الثاني لابن هارون وجدته بخطة بخكة كتبين الأول ما تقدم، والثاني: أبو الحسن اللخمي يقسم قائل إلخ.
وفي الوثائق المجموعة: وتجوز على السماع في الحمل، والولادة، والرضاع.
ابن عات: وكذا في الأنساب إذا نفى من نسبه، ذكره ابن عبد الغفور، وثبتت في الحمل والرضاعة، قال ابن رشد في سماع حسين بن عاصم في الشهادات في بعض الروايات.
وفي الكافي جائز: أن يشهد أنه لم يزل يسمع أن فلاناً كان في ولاية فلان، يتولى النظر له بالإنفاق عليه بإيصاء أبيه إليه، أو تقديم قاض عليه، وإن لم يشهد أبوه، ولا القاضي بالاستفاضة من أهل العدل والرضا وغيرهم.
وفي مفيد الحكام لابن هشام: أفتى ابن زرب في وصى قامت له بينه بعد ثلاثين سنة على تنفيذ وصية أسندت إليه بالسماع من أهل العدل والثقات: أنها جائزة.
الباجي: وشرط شهادة السماع أن يقولوا: سمعنا سماعاً فاشياً من أهل العدل وغيرهم وإلا لم تصح، قاله ابن حبيب عن الآخوين، وقاله محمد قالا: ولا يسموا من سمعوا منه، فإن سموا خرجت عن شهادة السماع إلى الشهادة على الشهادة، وقاله ابن القاسم وأصبغ.
وفي اشتراط العدالة في المسموع منهم: ثالثها: إلا في الرضاع للمازري عن نقل محمد، مع قول ابن حبيب قائلاً: سمعوا سماعاً فاشياً من العدول وغيرهم، وظاهر لفظهما مع غيرها، وحسين بن عاصم عن ابن القاسم.
المازري: لعله إنما استثنى الرضاع في النقل عن شهادة امرأتين عدلتين، ويشترط في شهادتهما الفشو، والانتشار، والفشو لا يشترط فيه النقل عن العدول؛ لأن التواتر يفيد العلم، ولو لم يكن المخبرون مسلمين.
الباجي: يحتمل أن يشهد عدلان بعلمهما ذلك بالخبر المتواتر الذي لا يراعي فيه عدالة ولا إسلام، أو يريد شهادة النساء على فشو ذلك مع شهادة امرأتين على الرضاع.
وأفتى ابن رشد بصحة شهادة السماع من لفيف الرجال والنساء، وإن لم تبن عدالتهم بناء زوج مثله؛ ليثبت إحلاها.
ابن فتوح: شهادة السماع لا تكمل إلا بأن يضمن فيها أهل العدل، وغيرهم على هذا مضي الناس، وليس يأتي آخر هذه الأمة بأفضل مما جاء به أولها.
قلت: فلو اقتصر على كون السماع من أهل العدل دون تسميتهم؛ ففي صحتها نقل الشيخ عن محمد عن أصبغ مع ظاهر نقل ابو الفتوح عن المذهب، ونقله عن بعضهم: أنها ليست شهادة سماع؛ وإنما هي نقل، فيفتقر فيها لتسمية الشهود، ولو اقتصر على كونه من عموم الناس دون ذكر العدول؛ ففي صحتها فيها لا يخرج به من يد نقلا اللخمي قائلاً: وهي فيما يخرج به مريد لغو اتفاقاً، وأفتى بعض قضاة شيوخ بلدنا بلغو شهادة السماع بالموت في تقدم موت ميت على آخر بينهما إرث، وأظن أنه عزاه لفتوى بعض القرويين في موتى بقتل كان نزل بتونس لفتنة نزلت بأهلها أيام كونها تحت إمرة أمير إفريقية بالقيروان، وهو ظاهر قولها في كتاب الولاء: من ماتت امرأته وابنه فقال: ماتت امرأتي قبل ابنها، وقال أخوها: بل بعده، قال: لا يرث الموتى بعضهم من بعض إلا بيقين.
وفي شرطها في الحبس بمعرفة البينة حوزه حوزها واحترامها المذكور في نقل ابن فتوح مع غيره عن المذهب: إن سقط من العقد معرفتها؛ سقطت الشهادة، ولم يقض بها مع قول ابن عات.
وقع لابن رشد في مختصر الحريرية: أنه إذا لم يشهدوا أنها تحترم بحرمة الأحباس إلا على السماع؛ فليست بشهادة عاملة، ونقل ابن عات عن أحكام ابن سهل،
وكتاب الاستغناء.
قلت في أحكام ابن سهل ما نصه: كيفية شهادة السماع في الأحباس: أن يشهد الشاهد أنه يعرف الدار التي بموضع كذا، وحدها كذا، وأنه لم يزل يسمع منذ ثلاثين سنة أو عشرين سنة سماعاً فاشياً مستفيضاً من أهل العدل وغيرهم أن هذه الدار، وهذا الملك حبس على مسجد كذا، أو على المرضى بحاضرة كذا، أو على فلان، وعقبة أو حبس لا غير، وإن لم يشهدوا بسبيله، وأنها كانت محترمة بحرمة الأحباس، ويحوزوها بالوقوف إليها، والتعيين بها كذا جرى العمل في أداء هذه الشهادة.
وقال ابن القاسم في سماع عيسى: إذا شهد رجلان أنهما كانا يسمعان أن هذه الدار حبس؛ جازت شهادتهما، وكانت حبساً على المساكين إن كان لم يسم أحداً.
قلت: قال ابن رشد: إجازة ابن القاسم شهادة السامع في هذه المسألة خلاف مذهبه في المدونة قال فيها: لا تجوز شهادة السماع في الحبس إلا مع القطع بأنها تحترم بحرمة الأحباس، وهو على أصله أنه يقضي بشهادة السماع في المال، ولا يثبت بها نسب ولا ولاء.
قال ابن عبد السلام: قال بعض الأندلسيين: لو شهدوا على أصل الحبس بعينه؛ لم يكن حبساً حتى يشهدوا بالملك للمحبس يوم حبس، وتجوز شهادتهم على السماع، ولا يسمون المحبس، ولا يحتاج إلى إثبات في ملك.
قلت: اقتصاره على هذا النقل يوهم أنه المذهب، أو مشهوره، أو المعمول به، وليس كذلك.
قال المتيطي: ما نصه في في عقد الإشهاد: شهد بذلك من يعرف بملك المحبس فلان الملك المحبس، وأن ملكه، وأن ملكه لم يزل عنه بوجه إلى أن عقد فيه التحبيس المذكور في عمله.
قال: وإن لم يعرف الشهود الملك؛ أسقطت ذكره من العقد، ولا تغفل أن تبين كيف قسم الحبس على السوية أو التفضيل.
وفي ترجمة الشهادة في الحبس على السماع من طرر ابن عات: إذا شهدوا في عبد أنه
حر معتق، فإن كشفوا من أعتقه؛ أعذر إليه أو لوراثه وجوباً، وإن قالوا: هو حر معتق، ولم يزيدوا على هذا؛ تمت الشهادة، ولم يكشفوا عن أكثر، قاله ابن مالك في الأول لابن سهل.
وفيها: من أقامت بيده دار خمسين سنة أو ستين، ثم قدم من كان غائباً، فادعاها، وثبت الأصل له أو قام بينة أنها لأبيه أو جده وثبتت المواريث حتى صارت له، فقال من هي في يده: اشتريتها من قوم قد انقرضوا، وانقرضت البينة، وأتى ببينة يشهدون على السماع؛ فالذي نفعه أن يشهد قوم أنهم سمعوا أن يشهد قوم أنهم سمعوا أن الذي بيده الدار، أو أحد من أقاربه ابتاعها من القائم، أو من أحد من أقاربه، أو ممن ورثها القادم عنه، أو ممن ابتاعها من أحد ممك ذكرنا بذلك يقطع حق القائم فيها، وإن أتى الذي بيده الدار ببينة يشهدون أنهم سمعوا أن الذي بيده الدار، أو أحد من آبائه ابتاعها، ولا يدرون ممن لم ينفعه ذلك.
عياض: قوله: إن كان المدعى حاضر البلد الذي الدار به، وحيزت عنه السنين؛ فلا حق له، وإن كان إنما قدم من بلد آخر، فأقام البينة أنها دار أبيه أو وجده وثبتت المواريث سئل الغائب؛ ذهب بعض الشيوخ إلى أن الحاضر المذكور لا يلزم من الدار بيده كشفه، ومن أين صارت له؟ واحتج بقول مالك فيها، وفي المسألة التي قبلها، وبقول عيسى بن دينار: من الدار بيده أحق إذا ادعاها لنفسه بأمر لا يريد أن يظهره.
وسمع عيسى بن القاسم: الحيازة تبطل دعوى من ترك شيئه؛ يحاز عنه، وهو حاضر، وبهذا أفتى ابن أبي زمنين، وخالفه غيره، وأفتى بتوقيفه للحاضر، كما يوقف للغائب إذا أثبت القائم ملكه، ويكشفه من أن يصير له؟ لعله يقر بما ينتفع به.
قلت: فعلى الأول لا تشمع دعوى الغائب بمجرد دعواه غبية، وهو ظاهر قول ابن محرز حيث قال في تعقبه: تقديم البينة بالملك على البينة بالحوز؛ لأنها أرخت، وبينة الملك؛ لم تؤرخ، فإن قيل: إنما كانت أولى؛ لأنه أخبر أن المحوز عليه كان غائباً في تلك المدة، فعلم كم ذلك أن الشهادة بالملك أقوم من الشهادة بالحوز.
قيل: إنما يكون كذلك لو كانت الغيبة؛ إنما علمت من الذين شهدوا بالملك، وليس في المسألة ما يدل على ذلك؛ لأنه يحتمل أن تكون الغيبة عرفت بغير شهادتهم.
المازري: إنما قال: الدار من يد حائزها ببينة الملك؛ لأنها تقارب القطع، فهي أقوى في الدلالة على الصدق من دلالة الحيازة، إلا أن يقيم الحائز البينة المذكورة على السماع؛ فإنها تقر بيده؛ لأنه اجتمع له دليلان الحيازة، وبينة السماع، ودليلان أقوى من دليل واحد.
ابن رزقون وغيره: لا تجوز شهادة السماع إلا لمن كان الشيء بيده، ولا يستخرج بها من يد حائز.
ولابن حبيب عن الأخوين وابن القاسم وأصبغ: ما يقتضي أنه يستخرج بها من اليد.
قلت: لم يحك المازري غير الأول ثم قال: لو كانت المتنازع فيه عفواً من الأرض ليس بيد أحد؛ لكان المذهب على قولين في تمكينها لمن قال بشهادة سماع.
قلت: زاد اللخمي: يقضي بها لمن شهد له به السماع بعد يمينه على قول ابن القاسم، ودون يمين على قول أشهب؛ كالسماع على الولاء والنسب.
وفيها: لو أقام الحائز بينه يشهدون على السماع أن أباه ابتاعها ممن ذكرنا منذ خمس سنين ونحوها؛ لم ينفعه ذلك، وإنما شهده السماع في بعيد الزمان.
الباجي: إذا قلنا: تختص بما تقادم؛ فلابن حبيب عن الأخوين وأصبغ: تجوز في خمس عشرة سنة، ونحوها لتقاصر أعمار الناس.
وروى ابن القاسم: لا تقبل في خمسة عشرة سنة شهادة على السماع إلا فيما تقادم.
ابن رزقون: ظاهر المدونة في الأربعين سنة، ولابن القاسم في العشرين، وقيل: إن كان وباء؛ قبلت في أقل من ذلك.
قلت: ففي حد الطول خمس مقالات.
الأخوان: خمس عشرة ونحوها.
ابن القاسم: لا تقبل فيها؛ بل فيها تقادم.
ابن رزقون: عن ظاهررها: أربعون سنة.
ابن القاسم: عشرون.
نقل ابن زرقون: إن كان وباء، فأقل من ذلك، ونقل المارزي قول الأخوين خمسة عشر لا بزيادة ونحوها.
قال ابن الحاجب: وتجوز شهادة السماع الفاشي عن الثقات في الملك، والوقف والموت للضرورة؛ بشرط طول الزمان وانتفاء الريبة، فحمله ابن عبد السلام على ظاهر إطلاقه إنما هو في الوقف، والملك، والصدقة، والأشرية القديمة، والنكاح، والولاء، والنسب، والحيازة جميع ذلك يشترط فيه طول الزمان، وأما في الموت فيشترط فيه تنائي البلدان، أو تقادم الزمان.
قلت: مقتضى الروايات والأقوال أن شهادة السماع القاصرة عن شهادة البت في القطع في المشهود به، ويشترط فيها كون المشهود به حيث لا يدرك به القطع، والبت به عادة، وإن أمكن عادة البت به لم تجز فيه شهادة السماع فيما بعد من البلاد، وأما ما قرب أو ببلد الموت، فإنما هي شهادة البت.
وقد شهدت شيخنا القاضي ابن عبد السلام، وقد طلب بتونس منه بعض أهلها إثبات وفاة صهر له مات ببرقة قافلاً من الحج، فأذن له فأتاه بوثيقة بشهادة شهود على سماع لوفاته على ما يجب كتبه في شهادة السماع، وكان ذلك بعد مدة يتقرر فيها بت العلم بوفاته والقطع بها، وأظن أن ذلك كان منه نحو من ثمانية أعوام، فرد ذلك، ولم يقبله.
ولحوق الريبة فيها يطالبها:
الباجي مع الشيخ عن المجموعة لابن القاسم: إذا شهد رجلان على السماع، وفي القبيل مائة من أسنانهم لا يعرفون شيئاً من ذلك، لم تقبل شهادتهم إلا بأمر يفشو، ويكون عليه أكثر من اثنين، إلا أن يكونا شخصين قد باد جيلهما فتجوز شهادتهما.
وفي شرط تمامها بيمين المشهود له بها طرق فيها مسألة الغائب يقدم أن شهادة السماع للحائز يقطع حق القائم عليه، فظاهره دون يمين، وتقدم نقل اللخمي قولي ابن القاسم وأشهب في مسألة العفو من الأرض.
وقال ابن محرز: لا يقضى لأحد ممن يقضي له بشهادة السماع إلا بعد يمينه؛ لأن السماع يحتمل كونه عن شهادة واحد، والشاهد الواحد لا يقضى به إلا مع يمين الطالب.
وعزا تبن الحاجب هذا للتونسي، وقبله ابن عبد السلام، ولا أعرفه لابن محرز وعند نقله ابن شاس.
باب تحمل الشهادة
... عرفاً: علم ما يشهد به بسبب اختباري، فيخرج علمه دون كمن قرع
أذنه صوت مطلق، ونحوه من قول يوجب على قائله حكماً، فالمعروض للتكليف به الأول لا الثاني، وهو فرض كفاية.
الشيخ في المجموعة عن مالك: قوله تعالى: ﴿وَلا يَابَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة:282]
إنما هو من يدعى للشهادة بعد أن شهد، ومثله لابن حبيب عن رواية مطرِّف.
قال مالك في المجموعة: وأما قبل أن يشهد فأرجو أن يكون في سعة إن كان، ثم من يشهد، وليس كل الأمر يجب الرجل أن يشهد عليه، وقاله ابن كنانة.
وقال: إن لم يجد غيره، وخاف أن يبطل حقه إن لم يشهده، فعليه أن يجيب، وإن وجد غيره مستعتباً فهو بالخيار، وكذا الكاتب يدعى إلى أن يكتب، ودعي مالك، وقد دخل السوق إلى شهادة، فلم يجب واعتذر لمن دعاه فقال: أخاف أن يكون في أمرك ما لا أرى أن أشهد به، فيقتدي بي من حضر فقبل منه، وفي «نوازل سَحنون» إنما الآية فيمن عنده [علم قد أشهد عليه، ومن لم يكن عنده] فهو في سعة إن كان بالبلد غيره ممن يشهد.
ابن رشد: الدعاء ليشهد على الشهادة، ويستحفظها فرض كفاية كالجهاد، وصلاة الجنازة فمن كان بموضع ليس فيه من يحمل ذلك عنه تعين عليه، ومن أهل العلم من أوجب الشهادة على كل من دعي إليها لقوله تعالى: ﴿وَلا يَابَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة:282] وليس بصحيح؛ لأن الشاهد لا يصح أن يسمى شاهداً إلا بعد أن يكون عنده علم بالشهادة لا قبل ذلك.
قلتُ: ذكر ابن عبد السلام هذا الذي احتج به ابن رشد سؤالاً، وتعقبه عنه بقوله.
فإن قلت: الشاهد حقيقة من تحمل الشهادة لا من طلب منه تحملها على ما تقرر في أصول الفقه في مسائل الاشتقاق، فيترجح حمل النهي في الآية على الإباية من أداء الشهادة؛ لأنه حمل الكلمة على حقيقتها، وعلى ما قلتموه يكون حملاً لها على مجازها.
قلت: قال بعض حذاق المتأخرين: ذلك للتفصيل في المشتق إنما هو إذا كان الوصف محكوماً به، وإن كان متعلق الحكم كقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:5] فهو حقيقة في الجميع فيما حصل، وفيما يستحصل، فالشاهد في هذا الموضع حقيقة فيمن تحمل الشهادة، وفيمن هو متهيأ لتحملها.
قلت: قوله: فالشاهد في هذا الموضع حقيقة فيمن تحمل الشهادة، وفيمن هو متهيئاً لتحملها؛ وهم مشأ عدم تحقيقه فهمه كلام من عبر عنه ببعض حذاف المتأخرين، وهو القرافي، وبيانه بذكر كلامه، وتقرير فهمه بما يجب.
قال: هي مسألة المحصول في إطلاق اللفظ المشتق على مسماه ما نصه: الأقسام ثلاثة اثنان مجمع عليهما إطلاق اللفظ المشتق، ومسمى المشتق منه مقارن حقيقة إجماعاً كتسمية الخمر خمراً، وإطلاقه وهو مستقبل مجاز إجماعا كتسمية العنب خمراً، وإطلاقه وهو متقدم فيه مذهبان: أصحهما المجاز، ثم قال: سؤال هذه الأزمنة الثلاثة إنما هي بالنسبة إلى زمن الإطلاق، فعلى هذا يكون ﴿قوله فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:5] ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة:38] ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور:2] ونحوه من نصوص الكتاب والسنة لا يتناول الكائن في زماننا من هذه الطوائف إلا مجازاً؛ لأن زمانهم مستقبل بالنسبة إلى زمن الإطلاق، وهو زمن نطق رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فيتعلل عليهما الاستدلال؛ لأن الأصل عدم المجازة في كل واحد منها، فيفتقر في كل دليل إلى دليل يدل على التجوز إلى تلك الصورة، وهو خلاف الإجماع، بل أجمع العلماء على أن هذه الألفاظ حقائق في هذه المعاني، ثم قال: الجواب عنه أن المشتق على قسمين: محكوم به ومتعلق الحكم فالمحكوم به نحو: (زيد صائم)، فقد حكمنا عليه بهذا المشتق، ومتعلق الحكم نحو: (أكرم العلماء) فلم يحكم بأن أحداً عالم؛ بل حكمنا بوجوب الإكرام لهم، وهذا متعلق هذا الحكم، ومرادنا في هذه المسألة المشتق إذا كان محكوماً به، إذا كان متعلق الحكم فهو حقيقة مطلقاً من غير تفصيل، والله تعالى لم يحكم في تلك الآيات بأن أحداً أشرك، ولا سرق بل حكم بوجوب القتل والقطع والجلد فقط، وهذه الطوائف متعلق الأحكام؛ فاندفع الإشكال، وكل من تحدث في هذه المسألة يذكرها عموماً، وهذا باطل إجماعاً، وبالضرورة كما ترى.
قلت: ففهم الشيخ ابن عبد السلام من قول القرافي فهو حقيقة مطلقاً من غير تفصيل أنه لا يشترك في صدق المشتق على مسماه إذا كان متعلق الحكم حصول المعنى بالفعل في الذات التي أطلق عليها المسمى في وقت الحكم ولا قبله ولا بعده حين تعلق الحكم بالذات التي أطلق عليها المشتق وقبله منه، ولذا قال: فالشاهد في هذا الموضع حقيقة في من تحمل الشهادة، وفيمن هو متهيء لتحملها من غير تفصيل، وهذا إن أراده القرافي فهو؛ وهم منه معه، وظني أن مراد القرافي أنه لا يشترط حصول المعنى في
الذات التي أطلق عليها المشتق زمن الحكم، وأنه لابد مع ذلك من شرطية حصوله فيه عند تعلق الحكم به؛ لأنه لو كان الأمر كما فهمت لزم ثبوت الحكم بالقطع في السرقة، والجلد في الزاني بمجرد تهيئته للاتصاف بالسرقة والزنا وأمثالها، كما زعم أن حكم النهي عن الإباية في قوله تعالى: ﴿وَلا يَابَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة:282] هو أنه متعلق لمن هو متهييء لتحملها، وهذا باطل بالإجماع والضرورة، وقول القرافي كل من تحدث في هذه المسألة يذكرها عموماً، وهو باطل.
قلت: كل من ذكرها فيها علمت كالفخر والآمدي والسراج وغيرهم ممن له مشاركة في المنطق تدل على القطع بإحاطتهم بتحقيق مسألة صادقية العنوان على ذات المحكوم عليه، وهو المعبر عنه في هذه المسألة بمتعلق الحكم، ومن شرط العنوان عندهم صدقه بالفعل على الذات لا بالقوة خلافاً للقرافي، وهذا نص لشرط حصول المعنى في الذات التي أطلق عليها المشتق من حيث كونه متعلقاً للحكم، فعلمهم إنما لم ينبهوا على هذا الذي زعم القرافي أنه انفرد بذكره؛ اتكالا على ما علم من شرط صدق العنوان على الذات والله أعلم.
باب أداء الشهادة
والأداء عرفاً: إعلام الشاهد الحاكم بشهادته ما يحصل له العلم بما شهد به.
في النوادر لأشهب: قوله: (هذه شهادتي) أداء لها.
وقال القرافي: لفظه أؤدي مع أنه إنشاء لا خبر.
قال: فلو قال: (وديت) لم يفد عكس لفظ الإنشاء في: بعت واشتريت وأبيع، وأشتري لغو.
قلت: الأظهر أنه يعرف تقرر لا لذات حقيقة الأداء وغيره، والأظهر أن الإشارة المفهمة في ذلك تكفى، وشهدت بعض النفتنين أداها إشارة، فلم يقبلها منه من أداها إليه، وهو واجب عيناً على من لم يزد على عدد من يثبت به المشهود به، وواجب كفاية على من زاد عليه حاضرا كواحد من ثلاثة في الأموال، وما يقبل فيه اثنان، ومن خكسة فصاعداً في الزنا.
قلت: يتأكد الأداء ويتعين على واضع شهادته لا ثالثاً غير عالم بعطف غيره عليه، لدخوله على موجبه، ويخف طلبه على واضعها ثالثاً فصاعداً إن حضر ممن قبلها يثبت الحق به.
ابن شاس: إن كانوا اثنين قد تعينا إن امتنع أحدهما، وقال: أحلف مع الآخر أثم.
قلت: وترك أخذ العوض عن مؤنة تحمل الشاهد شهادته، وأدائها واضح.
وفي جواز أخذه عن التحمل خلاف.
قال ابن المناصف: قال بعض العلماء: يجوز للشاهد أخذ الأجرة على أداء الشهادة، وإن كانت تعينت عليه إن كان اشتغاله بأدائها يمنعه من اشتغاله بما يقوم به أوده.
قلت: وهو أحد الأقوال في جواز أخذ الأجرة في الرواية على الإسماع أو السماع الجواز والمنع والتفصيل.
وفي نوازل سَحنون قيل له: أرأيت الشاهدين يأتيهما صاحب الشهادة أن يشهدا له، فيقولان: الهبوط إلى الحاضرة يشق علينا إلا أن تتفق علينا، وتعطينا دواب
نهبط عليها.
قال: إن كان مثل الساحل منا كتب القاضي لرجل يشهد عنده الشهود، فيكتب بشهادتهم، ولا يعني المشهود إليه بالقدوم، ولا ترى هذه ولاية للمشهود عنده.
قال: لا يستغني القاضي عن مثل هذا.
قيل له: كم بعد الساحل من هنا؟
قال ستون ميلاً فإن كان الشهود على بريد أو بريدين ويجدون الدواب والنفقة، لم يعطهم رب الحق دواب ولا نفقة؛ فإن فعلوه بطلت شهادتهم، فإن لم يجدوا نفقة ولا دواب، فلا بأس أن يكري لهم، وينفق عليهم.
ابن رشد: أصل هذه المسألة قوله تعالى: ﴿وَلا يَابَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة:282]؛ لأن معناه عند أهل العلم جميعاً فيما قرب دون ما بعد، خصص عموم القرآن بالإجماع، فإن كان الشاهد بحيث يلزمه الإتيان لأداء شهادته؛ وجب علبه ركوب دابته وأكل طعامه، فإن أكل طعام المشهود له، وركب دابته سقطت شهادته؛ لأنه أرشى عليه بذلك، وخفف ذلك ابن حبيب إن كان ذلك قريباً، وكان أمراً خفيفاً، وينبغي أن يحمل على التفسير لقول سَحنون فالقريب الذي يلزمه الإتيان لأداء شهادته قسمان: قريب جداً تقل فيه النفقة ومؤنة الركوب هذا لا يضر الشاهد ركوب دابة المشهود له، وإن كانت له دابة، ولا أكل طعامه.
وغير قريب جداً تكثر فيه النفقة، ومؤنة الركوب، هذا تبطل فيه شهادته إن ركب دابة المشهود له وله دابة أو أكل طعامه عند سَحنون.
وقيل لا تبطل شهادته بذلك، وهو ظاهر نقل ابن حبيب عن مطرف، وأصبغ في الشاهد يشهد في الأرض النائية فيحتاج إلى تعيينها بالحيازة لها؛ أنه لا بأس أن يركب دابة المشهود له ويأكل طعامه، وهو الأظهر إذ ليس ما يصير إلى الشاهد من هذا ما لا يتمول، وإن كان الشاهد لا يقدر على النفقة، ولا على اكتراء دابة، وهو ممن يشق عليه الإتيان راجلاً لم تبطل شهادته إن أنفق له المشهود له أو اكترى له دابة، وقيل: تبطل شهادته بذلك إن كان مبرزاً في العدالة، قاله ابن كنانة.
وإن كان الشاهد من البعد بحيث لا يلزمه الإتيان لأداء الشهادة، وليس للقاضي من يشهد عنده بموضعه الذي هو به، فلا يضره أكل طعام المشهود له، وإن كان له مال، ولا ركوب دابته، وإن احتجب السلطان عن الشاهد لم يضره إنفاق المشهود له مدة انتظاره إن لم يجد من يشهد على شهادته وينصرف.
وقيل: تبطل شهادته بذلك لتوفيرهم به النفقة على أنفسهم، وهو الأظهر، فانظر أبدا إن أنفق المشهود له على الشاهد حيث لا يلزم الشاهد الإتيان إليه ولا المقام؛ جاز وإلا لم يجز ذلك إلا فيما يركبه إن لم تكن له دابة، ولم يقدر على المشي.
قلت: ما نقله من إبطال شهادته إن كان مبرزاً كذا وجدته في غير نسخة واحدة، وقبل ابن رزقون قول قول ابن كنانة مطلقاً، قال: وقال ابن كنانة: تبطل شهادته بذلك، ولم يذكر تبريزاً، فإن قلت: شرط التبريز في إسقاط شهادته يدل على أنه إن لم يكن مبرزاً بم تسقط شهادته إذا كانت من غير مبرز، كقولها في شهادة الأخ لأخيه تجوز إن كان مبرزاً فجعل التبريز مبطلاً لقدح الأخوة في قبول الشهادة، وجعل التبريز هنا موجباً؛ لأن يقدح في شهادة المبرز ما لا يقدح في شهادة غيره، ويجاب بأنه رأى هذا الوصف في المبرز خسة؛ لأن تبريزه يأبى ذلك كما يقال حسنات الأبرار سيئات المقربين، ولذا والله أعلم حكى ابن الحاجب هذا القول معكوساً فقال: وقيل: تبطل في غير المبرز، ولم يتعرض ابن عبد السلام ولا ابن هارون لشيء من هذا، واستمر عمل الناس اليوم، وقبله في إفريقية وغيرها على أخذ الأجرة على تحملها بالكتب فيمن انتصب لها، وترك التسبب المعتاد لأجلها، وهو من المصالح العامة، وإلا لم يجد الإنسان من يشهد له بيسر، وأخذها ممن يحسن كتب الوثيقة فقهاً، وعبارة على كتبه وشهادته لا يختلف فيه، ويكون أخذه الأجرة على نحو ما ذكره غير واحد كابن المناصف قال: اختلف في أخذ الأجرة على كتب الوثائق منعه قوم، وأجازه آخرون وهو ظاهر الآية، قال: اختلف في أخذ الأجرة على كتب الوثائق منعه قوم، وأجازه آخرون وهو ظاهر الآية، والأولى لمن قدر، واستغنى ترك الأخذ وعلى الآخذ تكون الأجرة معلومة مسماه، وتجوز بما اتفقا عليه من قليل وكثير ما لم يكن المكتوب له مضطراً للكاتب، إما بقصر القاضي الكتب عليه لاختصاصه
بموجب ذلك، وإما لأنه لم يجد بذلك الموضع غيره فيجب على الكاتب أن لا يطلب فوق ما يستحق، فإن فعل فهي جرحة، وإن لم يوافق الكاتب المكتوب ففيه نظر، وهو عمل الناس اليوم، وهو عندي محمل الهبة على الثواب، فإن أعطاه قدر أجره المثل في ذلك لزمه قبوله، وإلا كان نخيراً في قبول ما أعطاه وتمسكه بما كتب له إلا أن يتعلق بذلك حق للمكتوب له، فيكون فوتا ويجبران على أجر المثل، وما زال الناس يعيبون أخذ الأجرة في أكثر حوانيت الشهود بتونس؛ لأنهم يقسمون ما يحصل لهم من الأجرة آخر عملهم على ثلاثة أجزاء: جزأين للشهيدين، وجزء للموثق، وهو أكثر من واحد، وربما صرح بعضهم بحرمة فعلهم، ولقد أخبرني بعض من يوثق بخبره أن القاضي أبو علي بن قداح لبناً فشربه، ثم اجتمع به بعد ساعة من شربه فتحدثا، فأخبره صهره أن ذلك اللبن أهداه له فلان، فذكر له بعض شهود تونس اللذين يأخذون الأجرة في شهادتهم، فقام فقاء ذلك اللبن، واستغرب هذا المخبر حاله، لأنه لما شهد طلع الحانوت، وكان يأخذ الأجر على شهادته، ثم أخبرني من أثق بخبره أن الشاهد الذي كان يشهد معه والموثقين كانوا يعطونه كل يوم ديناراً ذهباً، ويأخذ كل موثق منهم أكثر من ذلك وكان الموثقون ثلاثة أو أكثر.
قلت: فسلمه الله من القسمة الفاسدة المتقدم ذكرها.
والمذهب أن اليمين مع الشاهد في الحقوق المالية كشاهدين في الموطأ قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم باليمن مع الشاهد.
أبو عمر: هذا مرسل، وأسنده جماعة ثقاة عن جابر يرفعه، وروى مسلم بسنده