قلت: لا يخفى على من فهم هذا التفصيل إجمال نقل ابن الحاجب، وإذا انهدمت الرحا المشتركة فأقامها أحدهم، فإن أبى الباقون فعن ابن القاسم الغلة كلها لمقيمها، وعليه أجرة نصيبهم خرابا، وعنه أيضا يكون شريكا بالغلة بما زاد بعمارته، فإن كانت قيمتها عشرة، وبعد العمارة خمسة عشر فله ثلث الغلة بعمارته، والباقي بينهم، ثم من أراد أن يدخل معه دفع ما ينوبه من قيمة ذلك يوم يدفعه، وقيل: الغلة بينهم ويستوفي منها ما أنفق، وفيها مع غيرها منع أحد الشريكين مجرد الملك، يعني: تصرفه فيه دون إذن شريكه؛ لملزوميته التصرف في ملك الغير بغير إذنه.
الشيخ لابن حبيب عن الأخوين: ليس لأحد مالكي جدار أن يحمل عليه ما يمنع صاحبه من حمل مثله إن احتاج إلا بإذنه، وإن كان مما لا يصنع صاحبه من حمل مثله إن احتاج إلا بإذنه أن يحمل عليه مثله كحمل سقف بيت أو غرز خشب فذلك له، وأن يأذن له.
وفيها: أيقسم الجدار إن طلب قسمه أحد الشريكين.
قال: لم أسمع فيه شيئا وأرى إن لم يدخل فيه ضرر، وكان ينقسم أن يقسم، وإن كان لكل واحد عليه جذوع لم يقسم وتقاوماه.
الصقلي لابن حبيب عن الأخوين: لا ينقسم إلا عن تراض مجردا كان أو حاملا.
اللخمي: قال ابن القاسم: إن لم يكن فيه ضرر.
أشهب: لا يقسم وتقاوماه.
الصقلي: لابن حبيب عن الأخوين: لا يقسم إلا عن تراض مجردا.
قول ابن القاسم: إن كان عليه جذوع تقاوياه غير بين؛ لأن الحمل عليه لا يمنع قيمة كالعلو والسفل، وأرى أن يقسم طائفتين على أن من صارت له طائفة فهي له، والآخر فيها الحمل، وإنما تصح المقاواة على إن صار له الحائط فللآخر فيه الحمل، وإن جارت على هذه الصفة فقسمته أولا.
قلت: ظاهر قول ابن القاسم أنهما يتقاومانه كما لا ينقسم من العروض والحيوان أنه لا حمل فيه على من صار له.
قال: وصفة قسمه إذا كان جاريا من المشرق إلى المغرب أن يأخذ أحدهما طائفة مما
يلي المشرق، والآخر طائفة مما يلي المغرب لا أن يأخذ أحدهما ما يلي القبلة، والآخر مما يلي الجوفية؛ لأن ذلك ليس بقسمة إذ كل ما يضع أحدهما عليه ثقله، ومضرته على كل الحائط، إلا أن يقتسماه على مثل أن يكون أرضه شبرين يبني كل منهما على أعلى شبر مما يليه لنفسه فيكون قيمة الأعلى، وجملة الحائط على الشركة الأولى أو يقسمانه بعد انهدامه، فيأخذ كل واحد من أرضه حظه مما يليه.
قلت: فصفة قسمه عند اللخمي أن يقسم طولا لا عرضا، وقال أبو إبراهيم: ظاهر المدونة: قسمه طولا لا عرضا لقوله وكان ينقسم
قال: وأما عرضا فينقسم، وإن قل.
ابن فتوح: قال أحمد بن سعيد: صفة قسمه أن يقسم بخيط من أعلاه لأسفله فيقع جميع الشطر وجميع الشطر الواحد لواحد إلا أن يتفقا على قسمه عرضه على طوله.
وقال محمد بن أحمد،: قال عيسى بن دينار يقسم عرضا، يأخذ كل واحد نصفه لا ثلثه إن كان عرضه شبرين أخذ كل منهما شبرا مما يليه، ولا تصلح القرعة بمثل هذا، وابن القاسم رأى القرعة فيرسم كل بالصفة، وينزع بينهما فيكون لكل واحد حظه لناحيته، ولا تصلح القرعة فيه إلا كذا، والحائط بين رجلين يخاف سقوطه إن طلب أحدهما إصلاحه، وأبى الآخر.
ففي النوادر أجاب عنه لشجرة سحنون بقوله: بعض أصحابنا يرى أنه لا يجبر، وبعضهم يرى جبره أن يصلح أو يبيع ممن يصلح.
قلت: ظاهر ما يأتي لابن رشد أن الثاني هو المذهب، ومثله أيضا في النوادر قال: وروى ابن القاسم في المجموعة: يؤمر الآبي منهما أن يبني مع صاحبه.
قال: ولابن عبدوس عن ابن كنانة لا يجبر أحدهما على بنائه، ومن شاء منهما ستر على نفسه.
وقال ابن القاسم: يقال لمن أبى منهما: إما أن تبني أو تبيع ممن يبني أو تقاسم، ولابن حبيب عن ابن الماجشون: يجبر الآبي على البناء، وإن طلب قسم موضع الجدار فليس له ذلك، وسمع عيسى ابن القاسم في كتاب الأقضية: من له حائط، وهو ستره على جاره ليس له هدمه إلا لوجه يرى ألا يلتمس به ضررا.
ابن رشد: يتحصل في حكم بنائه إن انهدم أربعة، سمع عيسى ويحيى ابن القاسم إن سقط بسماوي أو بهدم خوف سقوطه لم يلزمه بناؤه مطلقا، وقيل لجاره: استر على نفسك إن شئت، وإن هدمه ليجبره، أو لمنفعة أجبر على بنائه إن كان له مال، وإلا فلا، وإن هدمه ضررا لزم بناؤه إن كان له مال، وإن لم يكن له مال بيع ممن يبنيه كالحائط بين الشريكين، ولابن حبيب عن الأخوين يجبر مطلقا كالحائط بين الشريكين وهو ظاهر قول سحنون في هذا السماع يجبر على كل حال، ولابن الماجشون في الثمانية كهذا، إلا أنه إن لم يكن له مال بيع من داره ما يبني به، فإن كانت بيده صدقة أو عمره ما فلصاحبه بناؤه وإتباعه دينا في ذمته.
ابن رشد: معناه عندي إن لم يسلم كراؤها لذلك، ورابعها قول أصبغ وروايته: لا يلزمه شيء على كل حال، وله هدمه وجعله عرضا.
قال ابن الحاجب: لو هدم الجدار أحد الشريكين، وفيه ضرر لزمه رده كما كان.
قلت: هو نص الروايات في هذا الباب.
وقال ابن عبد السلام: انظر هل يدخله الخلاف المذكور فيمن هدم حائط رجل أو داره تعديا، هل يلزمه أن يعيده على هيئته التي كان عليها؟ أو قيمة البناء قائما على الأصل في حكم إتلاف ما ليس بمكيل ولا موزون.
قلت: الأظهر عدم تخريج القول بالقيمة؛ لأنه قصد الضرر بإتلافه عين الجدار من حيث كونه جدارا لا بحيث كونه ممولا بدليل أنه أتلف ملكه فيه يوجب معاملته بنقيض مقصوده، وهو إلزامه إعادته وإتلافه الأجنبي لا دليل يدل على أنه أتلفه في هذه الحيثية إذ لا ملك له فيها.
قال سحنون: ما ثبت في النجم أو في الحبس بين أرضين من زرع أو غيره فهو بينهما، ولو اختلفت الزريعة.
ابن عات: قال غيره: وكذا الشجر، فإن غرس أحدهما فيه شجرة فله نصفها ونصف قيمتها مقلوعا.
وفي النوادر لابن سحنون عنه في جواب ابن حبيب: من أراد أن يجير حائطه من دار جاره ليس له منعه أن يدخل داره فيمن حائطه، وكذا لو رفعت الريح ثوب رجل فما نعته
في دار آخر لم يكن له منعه أن يدخل فيأخذه أو يخرجه له.
وفي طرر ابن عات: المشاور لمن له حائط بدار رجل الدخول إليه لافتقاده كمن له شجرة في دار رجل.
ابن فتوح: من ذهب لغير حائطه من ناحية دار جاره فمنعه من ذلك، فإن كان الحائط يحتاج إلى الطر كان له ذلك، وإن لم يحتج جاز له منعه.
قلت: وهذا كالمخالف لقول المشاور له الدخول لافتقاده.
ابن عات: وقيل: ليس له ذلك؛ لأن الطر يقع في هوى جاره، إلا أن ينحت من حائطه، ما يقع عليه الطر، ومن أراد أن يطر داخل داره وبجداره حائط ولجاره فيها فمنعه من ذلك لم يكن له ذلك؛ لأن له فيه نفعا ولا مضرة على جاره.
مسلم: عن أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: "لا يمنع أحدكم أن يغرز خشبة في جداره"، ثم يقول أبو هريرة: مالي أراكم عنها معرضين؟ والله لأرمين بها بين أكتافكم، وخرجه مالك في الموطأ.
وقال أبو داود: إذا استأذن أحدكم أخاه أن يغرز خشبة في جداره فلا يمنعه.
أبو عمر: روى إذا استأذن أحدكم جاره، وروي من سأله، والمعنى واحد.
قال يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب: سمعت من جماعة (خشبة) بلفظ الوحد.
الباجي: قال عبد الغني: كل الناس يقولون (خشبة) على الجمع غير الطحاوي قاله على التوحيد، والمعنى واحد.
أبو عمر: حمله مالك على الندب؛ لقوله (صلى الله عليه وسلم): "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه".
الباجي: روى ابن نافع أنه على معنى الوصية بالجار، وكان ابن الطيب يقضي به عندنا، وأراه على وجه المعروف، وإني أظنه لفي شك.
وقال ابن القاسم: لا ينبغي منعه، ولا يقضي به عليه.
وقال الشافعي وأحمد: هو على الوجوب إن لم يكن بذلك مضرة بينه، على رب الجدار، ويأتي على رواية زياد بالقضاء بالممر في أرض الرجل لجاره إن لم يضر به أن يكون في الجدار مثله، ويحمل الحديث على ظاهره ابن زرقون، وابن رشد، وقال ابن كنانة مثل الشافعي.
الباجي: وعلى قول مالك في لزومه له بمجرد إذنه ظاهر قول الأخوين، وابن القاسم وأشهب لمن أباح البناء في عرصته لرجل منعه قبل بنائه.
قال: وقال الأخوان: كلما طلبه جاره من فتح باب أو إرفاق بماء وطريق وشبهه، فهو مثل الغرز.
وفي جواز غرز جار المسجد أو الجامع فيه خشبة كغير المسجد، ومنعه فتوى ابن عات مع نقله عن الشيوخ، وفتوى ابن العطار وابن مالك ابن عات عن المشاور: ومن أراد أن يغلق بيتا في داره على حائط على جاره فله ذلك إن لم يضر بجاره، ولا يمنع، واختلف في التعليق على جدار المسجد والجامع كاختلافهم في الغرز.
وسمع ابن القاسم: من له خشبة في جدار رجل أدخلها بإذنه فوقع بينهما شحناء، فقال له: أخرج خشبتك من جداري، لم يكن له ذلك على وجه الضرر، فإن احتاج لجدره لهدمه أو لنفع به فهو أولى.
ابن رشد: ومثله سمع أشهب في كتاب العرية.
وقال في المدونة وغيرها: لمن أذن في بناء بأرضه أو غرس أن يأمره بإخراجه ويعطيه قيمة ما أنفق، فقال ابن لبابة وابن أيمن من الشيوخ: أنه اختلاف قول.
وقال سحنون: إنما فرق بينهما لقوله (صلى الله عليه وسلم): "لا يمنعن أحدكم جاره"، الحديث.
يريد: لقول من حمله على الوجوب، ولابن حبيب روى الأخوان: ليس له إخراجه ولا هدم الجدار، ولو طال الزمان واحتاج إليها ولا وارثه ولا مبتاع إلا أن ينهدم، فإن أعاده
بعد هدمه فلا حق فيه للمعار إلا بإذن مستأنف، وكذا كل ما أذن فيه، وفيه عمل وإنفاق، وكذا الإذن في ماء بير أو عين لمن ينشئ عليه عملا أو غرسا، ولو شرط الرجوع متى شاء بطل الإذن قبل العمل، وبطل الشرط بعده، وما لا عمل فيه ولا كبير إنفاق كفتح باب أو طريق بأرض أو ماء لسبقه اشتفت أو لسقي شجر أنشئت قبل ذلك، فذهب ماؤها فله الرجوع فيمن أذن فيه إن لم يكن يحده بأجل فيلزمه بتمامه أو يكون المأذون له باع، وشرط لمبتاعه ما أذن له فيها فعلم الإذن فيلزمه، وقالوا فيمن أذن لرجل أن يسوق على أرض براء له، وللإذن لا رجوع له، وإن لم يتكلف المأذون له نفقة لإلزام عمر بن محمد بن مسلمة ذلك لعبد الرحمن بن عوف، واختار هذا ابن حبيب، وحكى عن أصبغ أن له الرجوع فيما أذن فيه ولو فيما تكلف فيه عمل، وإنفاق إن أتى عليه من الزمان ما يعار لمثله عادة، إلا من أذن له في غرس على مائة فليس له قطعة بعد غرسه.
قال: وهو على مذهب ابن القاسم فالأقوال ستة الآتي على قول ابن لبابة، وابن أيمن: لا رجوع للآذن إلا أن يحتاج، ولا رجوع وإن احتاج، والرجوع ولو لم يحتج، ويغرم للمأذون له فيما عمل قيمة نفقته، رابعها: قول أصبغ، وخامسها: الفرق بين غرز الخشبة وغيره لحديث: "لا يمنع أحدكم ... "، وسادسها: الفرق بين ما تكلف المأذون له فيه نفقه ومالا، والاختلاف إنما هو في الإذن المبهم غير المصرح فيه بهبة ولا عارية، ويختلف إن غرس على مائة، وهو ساكت، ثم أراد قطعه، قيل: ذلك له بعد حلفه أن سكوته لم يكن رضى، وقيل: سكوته كالإذن فيجري على الاختلاف فيه.
قلت: وفي الكلام عليها في العارية زيادة، وإن تنازع جاران في جدار بينهما عمل على البينة، فإن عدمت فدليل البناء السالم عن المعارض، فإن عدم قسم على أصل التداعي العاري عن مرجح، والدليل في ذلك من أعلاه فقط، ولابن سحنون عنه لو كان حائط فوق آخر، وكل منهما لمن عنده إليه.
سحنون: ولو كان الكراء المعدة للرفع فيها مبينة مع أصل الحائط من جهة مدعيه غير نافذة.
ابن القاسم وغيره: لو كان محل خشب مدعيه عليه.
ابن عبد الحكم: ولو خشبة واحدة.
في كتاب ابن سحنون: إن كان لأحدهما محل خشب ولا عقد فيه لأحدهما فقد اختلف قوله فيه.
سحنون: وكذا بابه في حوزه والكوى النافذة للضوء.
ابن سحنون: ووجه كون البناء لأحدهما وظهره للآخر لغو.
ابن فتوح وغيره: بعث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حذيفة بن اليمان لرؤية معاقد الحيطان وقضى بذلك، ونقله ابن عبد السلام وقبله، ولا ينبغي.
قال عبد الحق: ذكر البزار من حديث مرهم بن مهران عن عمران بن جارية عن أبيه أن قوما اختصموا لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) في خص، فبعث حذيفة بن اليمان يقضى بينهم، فقضى به للذي يليهم القمط، فلما رجع للنبي (صلى الله عليه وسلم) أخبره، فقال: أصبت أو أحسنت.
قال عبد الحق: دهثم متروك الحديث، وتعاض المتماثلين يسقطهما.
ابن سحنون: علته لو كان عقده إلى أحدهما من ثلاثة مواضع، وعقده للآخر من موضع واحد، فهو بينهما على عدد العقود، ولابن القاسم وسحنون: إن كان لأحدهما عشر خشبات وللآخر سبع، فهو بينهما ليس لأحدهما زيادة خشبة إلا بإذن صاحبه، فإن أبى أحدهما قيل له: بع ممن يبني إن سقط البناء.
الشيخ: يعني: بع دارك لا الحائط، فقط.
وفي المجموعة، وكتاب ابن سحنون عن أشهب، إن كان عقده لأحدهما وللآخر عليه جذوع فهو لذي العقد، ولذي الجذوع موضع جذوعه إن انكسرت خشبة فله جعل أخرى مكانها، وقاله ابن عبد الحكم.
أشهب: إن كان لأحدهما عليه عشر، وللآخر خمس فهو بينهما نصفان لا على العدد.
سحنون: قال أصحابنا: ولو كان لأحدهما عليه خشبة واحدة، وللآخر عشر فهو
بينهما نصفين.
ابن شعبان: وقيل: ليس هو بينهما نصفين، بل لكل واحد ما تحت خشبه، وبالأول أقول.
وقول ابن الحاجب: ويجلس الباعة في الأفنية للبيع - إلى قوله -: جائز بغير إذن، الكلام عليه المذكور في أثناء إحياء الموات، لقوله: ولا تحاز الشوارع بالبنيان، ولا يمنع الباعة منها، وعند قوله قبله: وحريم الدار المحفوفة بالموات، وقول ابن الحاجب هنا: والروشن وشبهه، والساقط مردود بالروشن الأجنحة، وهو قولها في كتاب القسم: من صارت الأجنحة في حظه فهي له، ولا تعد من البناء، وإن كانت في هوى الأفنية، وفي الصحاح الروشن: الكوة.
قال: والطريق المستدة الأسفل كالملك لأرباب دورها.
قال ابن هارون وابن عبد السلام: يعني أن الطريق المستدة لا يحدث أحد من أربابها فيها، ولا سباطا إلا بإذن الباقين، وقبلاه، ولا أعرفه لأقدم من أبي عمر بن عبد البر حسبما هو مذكور في إحياء الموات، وظاهر سماع أصبغ في الأقضية خلافه، ولم يقيده ابن رشد بالطريق النافذة فتأمله، وفي حريم البئر استيفاء ذلك.