المختصر الفقهي لابن عرفةصفحات 130-169

كتاب القضاء

صفحات 130-169

وقال سحنون: لا يعاقب لو عوقب؛ لم يرجع أحد عن شهادته خوف العقوبة كالمرتد؛ يريد أنه لا يعاقب إن رجع للإسلام.
ولمالك في المبسوط: من سأل عن إصابة أهله في رمضان؛ لا يعاقب؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يعاقبه.
أبو عمر: أجمعوا أن شاهد الزور إن لم يكن له مخرج بغفلة أو خطأ أو نسيان؛ أنه يؤدب.
قلت: ظاهره: ولو جاء تائبًا، وهو خلاف ما تقدم عن سحنون في نقل اللخمي قوله ذلك في العتبية، ونحوه قول المتيطي: إن رجع الشاهد عن شهادته قبل الحكم، وقال: شبه علي إن كان عدلًا مأمونًا؛ قبل رجوعه، وإن كان بغير هذه الصفة؛ قال ابن القاسم وعبد الملك: أدب أدبًا وجيعًا.
ولابن القاسم في موضع آخر: لو أدب؛ لكان أهلًا، وقال ابن عبد الحكم وأشهب وسحنون: لا يؤدب؛ لأنه داعية إلى أن لا يرجع أحد عن شهادته، وروى مثله ابن الجلاب، وبه مضى العمل بقبول شهادته إن تاب.
عبارات ابن رشد: ظاهر سماع أبي زيد ابن القاسم: إن عرفت منه توبة وإقبال، وتزيد في الخير؛ قبلت شهادته خلاف قولها: لا يجوز أبدًا، وإن تاب وحسنت حاله، وقيل معنى السماع: إن أتى تائبًا مقرًا على نفسه قبل أن يظهر عليه، ومعنى ما فيها إن ظهر عليه.
اللخمي: إن أتى تائبًا، ثم انتقل حاله لخير وصلاح؛ قبلت إلا أن يكون عرف قبل ذلك بالخير والصلاح؛ فلا يقبل، ولأصبغ: لا تقبل أبدًا إن أقر بشهادة الزور، واختلف إن ظهر عليه، ثم تاب، وانتقل لخير وصلاح، فقال محمد آخر قولي ابن القاسم: لا يقبل.

الباجي: روى ابن القاسم فيها، وأشهب وابن نافع في الموازية: لا تقبل، وفي الموازية لابن القاسم: له تقبل إن تاب، وأظنه لمالك، وعن ابن عبد الحكم: ويكتب القاضي بذلك كتابًا يجعله على نسخ تكون بأيدي ثقات.
المتيطي: لم يصحب سماع أبي زيد عمل.
قلت: ففي قبول شهادته بتوبته بتزيده صلاحًا لم يكن له ثالثها: إن أتى تائبًا لا إن ظهر عليه؛ لسماع أبي زيد مع نقل اللخمي غير معزو كأنه معروف المذهب، وله عن أصبغ مع الباجي عنها، وعن رواية الأخوين، ونقل ابن رشد.
الباجي: وإذا قلنا: تقبل شهادته إذا تاب، فقال محمد: تعرف توبته بالصلاح والتزيد في الخير، وأشار إليه ابن الماجشون.
قلت: في اختصار الواضحة عنه: إن كان من أهل الفضل ظاهر العدالة؛ سقطت شهادته أبدًا، وإن أظهر توبة وازداد صلاحًا وفضلًا؛ لأنه كان كذلك يوم اطلع عليه بالزور، ومن لم يكن بهذه الحال، ولا يعرف بالفضل؛ جازت شهادته إن ظهرت منه التوبة والصلاة والبين، والعدالة الظاهرة.
ولابن شاس عن محمد بن عبد الحكم: من صح أنه شهد بالزور، ويأخذ على شهادته الجعل؛ طيف به في جموع الناس، وضرب ضربًا وجيعًا، ولا يحلق شعره، ولا تجوز شهادته أبدًا إن كان ظاهر العدالة حين شهد؛ لأنه لا يكاد تعرف توبته.
واختصره ابن الحاجب فقال: ابن عبد السلام: قال بعض الشيوخ: كما أشار إليه المؤلف إن كان ظاهر العدالة؛ لم تقبل توبته فلا خلاف، وإن كان غير ظاهر فقولان.
وقال ابن رشد بالعكس: إن كان العدالة فقولان، وإن لم يكن ظاهرها؛ لم يقبل أبدًا قولا واحدًا، والطريق الأول أنسب للفقه، والثانية أقرب لظاهر الروايات؛ لأن محمدًا قال: تعرف توبته بالصلاح والتزيد في الخير، وأشار إليه ابن الماجشون: لأن (تزيد الخير) لا يكون إلا في ظاهر العدالة.
قلت: ما ذكره عن ابن رشد لا أعرفه له ولا لغيره.
قال في المقدمات ما نصه: وأما شاهد الزور أبدًا، وإن تاب وحسنت حاله، قاله في

المدونة، ولأبي زيد عن ابن القاسم: تجوز شهادته إن تاب، وعرفت توبته بتزيد حاله في الصلاح.
قال: ولا أعلمه إلا قول مالك، فقيل ذلك اختلاف من القول، وقيل: رواية أبي زيد: إن أتى تائبًا قبل أن يظهر عليه، وهو الأظهر، ونحو هذا له في أول مسألة من سماع يحيى، وقوله: وطريقة ابن رشد أقرب لظاهر الروايات؛ لأن (تزيد الخير) لا يكون إلا في ظاهر العدالة؛ يرد بأن إدراك (تزيد الخير) في المتصف بمطلق العدالة أبين وأوضح من إدراكه في المتصف بالعدالة الظاهرة؛ لأن زيادة الحركة على المتصف بمطلقها أوضح من زيادة الحركة على المتصف بكثرتها.
الشيخ: لأشهب في المجموعة، وكتاب ابن سحنون: لا يجوز أن يقضي القاضي لنفسه.
ولابن رشد في رسم تأخير الصلاة من سماع ابن القاسم: له الحكم بالإقرار على من انتهك ماله، فيعاقبه، ويتمول المال بإقراره، ولا يحكم بشيء من ذلك بالبينة.
ودليله قطع أبي بكر الصديق يد الأقطع الذي سرق عقد زوجته أسماء لما اعترف بسرقته، هذه الرواية الصحيحة.
وفي صحة حكمه لمن لا تجوز شهادته له ومنعه ثالثها: إلا لزوجته وابنه الصغير ويتيمه، ورابعها: المنع إن قال: ثبت عندي، ولا يدري أثبت أم لا؟ وإن حكم ببينة، وجاز في الثلاثة.
للخمي مع الشيخ عن قوله: رأيته في كتاب أصبغ قائلًا: ولو لزوجته أو مدبره أو ولده أو مكاتبه، وهو من أهل القيام بالحق لا من أهل التهم.
وقد يحكم للخليفة وهو فوقه، فهو اتهم فيه لتوليته إياه، ومطرف وابن الماجشون وأصبغ مرة.
اللخمي: المنع أحسن، وهذا في المال وغيره مما تدرك فيه الحمية لم تجز بحال.
وما اجتمع فيه حق له ولله في جواز حكمه بما هو لله؛ كمن شهد عنده عدلان بأنه سرق لا يقطع فيه في حكمه بقطعه قولا ابن المواز ومحمد بن عبد الحكم.

قلت: هذا يوهم أن قول محمد إنما هو فيما شهد به عدلان.
وفي النوادر ما نصه: قال أشهب في المجموعة: إن أخذ القاضي من سرقه، فله قطعه، ولا يحكم عليه بالمال، وكذا في الموازية.
وفي المجموعة: وكذا في محارب قطع عليه الطريق، فليحكم عليه بحكم المحارب، ولو جاء تائبًا؛ سقط عنه حكم الله، ولا يستقيل السلطان منه لا بإقراره، ولا ببينة، ولا يرفعه لمن هو فوقه.
قلت: وجدته في نسخة عتيقة من النوادر، ولا يرفعه لمن هو فوقه، والصواب: إن كان ذلك ببينة أن له رفعه لمن هو فوقه، ثم قال: لو كان السلطان أحد الشاهدين عليه بالحرابة، وأخذ قبل أن يتوب، فله أن يقيم عليه الحد، وأحب إليه رفعه لمن فوقه.
وقال ابن عبد الحكم: قال ابن القاسم وأشهب: إن سرق من بيت القاضي، وقامت به عنده بينة؛ قطعه.
قال محمد بن عبد الحكم: لا يقطعه.
ابن حبيب عن الأخوين وأصبغ: إن تخاصم عنده خصمان له قبل أحدهما دين، فلا بأس أن يقضي بينهما إن كان غريمه مليًا، وإن كان عديمًا؛ لم يجز.
اللخمي: إن شهد القاضي وآخر على أنه سرق؛ للقاضي رفعه لمن هو فوقه، فقطعه بشهادتهما، وأغرمه بشهادة الأجنبي مع يمين القاضي، وقيل في هذا الأصل: لا يقطع بشهادتهما؛ لأن شهادة القاضي تسقط للتهمة؛ فلا تتبعض الشهادة.
وقول ابن شاس: لا يقضي على عدوه، ويحيل على غيره تبع فيه نص الغزالي في الوجيز، والأولى أن يتبع نص النوادر.
قال ابن المواز: إذا حكم القاضي، فأقام المحكوم عليه بينة أن القاضي عدو له؛ فلا يجوز قضاؤه عليه، وهذا اللفظ أتم؛ لأنه بعد الوقوع.
وفي نوازل ابن الحاج: قال الماوردي في الأحكام السلطانية: لا يشهد العدو على عدوه، ويحكم عليه؛ لأن أسباب الحكم ظاهرة، وأسباب الشهادة دقيقة.
قال ابن الحاج: وهذا خلاف مذهب مالك، وخلاف ما في نوازل سحنون من

أقضية العتبية في حكم القاضي على عدوه.
وفي نظر من ولي في أحكام من قبله أسمعة وروايات حصلها ابن رشد في رسم الصبرة من سماع يحيى بأن قال القاضي: العد العالم لا تتصفح أحكامه، ولا ينظر فيها إلا على وجه التوجيه لها إن احتيج إلى النظر إليها لعارض خصومة، أو اختلاف في حد لا على وجه الكشف، والتعقب لها إن سأل ذلك المحكوم عليه، فتنفذ كلها إلا أن يظهر في شيء منها عند النظر إليها على الوجه الجائز أنه خطأ ظاهر لم يختلف فيه، فيرد ذلك، والقاضي الجائر ترد أحكامه دون تصفح، وإن كانت مستقيمة في ظاهرها إلا أن يثبت صحة باطنها.
والقاضي العدل الجاهل تتصفح أحكامه، فما هو صواب أو خطأ فيه خلاف أنفذ، وما هو خطأ لا خلاف فيه رد.
ويختلف في أحكام القضاة الذين لا ترضى أحوالهم، ولا تجوز شهادتهم إن لم يعلموا بالجور في أحكامهم، وفي أحكام أهل البدع والأهواء، فقال ابن القاسم والأخوان: هي كأحكام الجائر لا يمضي منها إلا ما علم صحة باطنة بالبينة العادلة.
وقال أصبغ: كأحكام العدل الجاهل تتصفح، فيمضي منها ما كان صحيحًا في الظاهر.
وحكى الفضل عن ابن الماجشون: أن القاضي الجاهل تتصفح أحكامه كالقاضي الجائر، وهو شذوذ.

باب في الخطأ الموجب لرد حكم العالم العدل

والخطأ الموجب لرد حكم العدل العالم: فسره اللخمي بما خالف نص آية أو سنة أو إجماع.

قُلتُ: أو ما ثبت من عمل أهل المدينة؛ لأنه عند مالك مقدم على الحديث الصحيح عنده.
وزاد المازري عن الشافعي: أو قياسًا لا يحتمل إلا معنى واحدًا.
قال: والظاهر أنه يشير إلى القياس الجلي الذي لا يشك في صحته.
وللشيخ عن ابن حبيب عن ابن الماجشون: من الخطأ الذي ينقض فيه حكم العدل العالم الحكم باستسعاء العبد لعتق بعضه، وبالشفعة للجار، وتوريث العمة والخالة والمولى الأسفل، وما يشبه ذلك، ولما ذكرها المازري قال: وابن عبد الحكم لا يرى النقض في شيء من هذه المسائل؛ لأن نقلها غير قطعي.
وقول ابن الماجشون بعيد؛ لأن الاستسعاء ورد به حديث ثابت.
الصقلي عن ابن عبد الحكم عن ابن القاسم: من طلق امرأته البتة، فرفعها لمن يراها واحدة، فجعلها واحدة، فزوجها البات قبل زوج، فلمن ولي بعده؛ أن يفرق بينهما، وليس هذا من الاختلاف الذي يقر الحكم به.
وقال ابن عبد الحكم: لا ينقض ذلك كائنًا ما كان ما لم يكن خطأ محضًا.
ابن حبيب: لا يعجبني ما انفرد به ابن عبد الحكم، ولو رفع من قتل رجلًا غيلة لقاض يرى فيه العفو، فأسلمه لأوليائه، فعفوا عنه؛ ففي منع من ولي بعده نقض حكمه قولا ابن القاسم وأشهب.

ولابن رشد في ثالث مسألة من رسم الجواب من سماع عيسى: لا خلاف في نقضه حكم من قبله إن كان خطأ لم يختلف فيه، وغن كان اختلف فيه؛ لم يرده، وقيل: يرده إن كان شاذًا.
وقال ابن الماجشون: يرد، وإن كان الخلاف قويًا مشهورًا إن كان خلاف سنة قائمة وتعقب ابن عبد السلام قول أهل المذهب: لا يتعقب حكم العدل العالم، ولا ينقض منه إلا ما خالف القطع بأن التعقب أعم من النقض نفي، فينتفى النقض، فكان ينقض منها ما خالف القطع.
وأجاب: بأن مرادهم بالنقض المنفي هو نظر ما جهل من أحكامه، والنقض هذا ما علم بظاهره الخطأ، وهذا حسن افتقار التأويل عنه في نازلة نزلت بتونس في نحو عام ست وثلاثين وسبعمائه، وهي مسألة شيخنا ابن عبد الله بن الحباب كان حكم عليه قبل هذه المرة بنحو عشر سنين الشيخ الفقيه أبو إسحاق بن عبد الرفيع في جنة استحقها منه بنو البسطي في عنفوان كمال تمكنهم من دولة السلطان الأمير أبي يحيى: فحكم عليه في بناء أحدث بها بعد خروجها من يد أبي بني البسطي كان أحدثه القائد ابن يعقوب، وكان بناء رفيعًا، فحكم عليه فيه بقيمته منقوضًا مقلوعًا، فلما انتسخ تمكن بني البسطي طلب ابن الحباب أن يجعل له مجلسًا ينظر فيه في الحكم المذكور، فأمر به السلطان، واجتمعوا بدويرة جامع الزيتونة كل من ينطلق عليه اسم فقيه معتبر حينئذ حقيقة أو مجازًا، فلما اجتمعوا ورئس المجلس حينئذ القاضي ابن عبد السلام، وكان اعتذر للسلطان عن الحكم بينهما بأن شهادته تقدمت في الحكم المذكور، فصرف الحكم بينهما لقاضي الأنكحة حينئذ؛ وهو الشيخ أبو محمد الأجمي فقال لأهل المجلس: ما تشهدون به من حال الفقيه أبي إسحاق بن عبد الرفيع هل كان من قضاة العدل والعلم أم لا؟ فقال جلهم: هو من قضاة العدل والعلم، فقال لهم: أشهدوا علي بأني أمضيت حكمه هذا، وكل ذلك بمحضر الشيخ الفقيه ابن عبد السلام، فلم يتعرض له في ذلك لا بسؤال، ولا إنكار، فكان شيخنا ابن الحباب ينكر هذا الحكم أيضًا، ويحتج بما تقدم أن القاضي العدل العالم ينظر في حكمه المعين البين الخطأ، ولا أبين من خطأ الحكم بقيمة

البناء منقوضًا في مذهب مالك ممن علم منه اتباعه وتقليده، وتقدم في الاستحقاق الجواب عن هذا، فتذكره.
قال ابن الحاجب: لا يتعقب أحكام العدل العالم، ولا ينقض منها إلا ما خالف القطع، أو قامت البينة أن له فيه رأيًا، فحكم بغيره سهوًا.
قُلتُ: تعليقه النقض على ما خالف القطع لا أعرفه، وعبارة المازري ما نصه: بالجملة إن تعارضت الأحاديث، وقدم بعضها على بعض بالترجيح الذي لا يصل إألى القطع، ولا يقاربه لم تتعرض الأحكام، وكذا إن تعارضت التأويلات، ولم يرجح بعضها على بعض إلا بالنظر الضعيف لم ينقض، وكذا الأقيسة هذا كشف القاضي عن هذا الأصل.
وقد حكم شريح في ابني عم أحدهما آخ لأم بأنه أولى بالإرث فقال علي رضى الله عنه: ما دليلك على هذا؟ قال: قوله تعالى: ﴿وأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 75]، فرده علي عليه، ونقض حكمه، وهذا قد يحمل على أن عليًا رضى الله عنه حفظ خبرًا عنه صلى الله عليه وسلم بخلاف حكم شريح أو ظاهر خبر كالنص أو قياسًا جليًا، وكذا لما ضاع لعلي رضى الله عنه يوم الجمل درع، فوجدها عند رجل، فترافعا لشريح، فشهد لعلي عبد الله بن جعفر ومولًا لعلي، فرد شريح شهادة مولاه له، فمديده، وأخذ الدرع كالمنكر على شريح وشهادة المولى لمولاه مع جواز شهادة ابن الأخ لعمه، وهو أقرب من المولى فرآه كالمخالف للقياس الجلي.
وحكم عمر رضى الله عنه في الفريضة المشتركة؛ وهي زوج وأم، وأخوة لأم، وإخوة أشقاء بمشاركة الأشقاء الإخوة للأم قالوا له: هب أن أبانا كان حمارًا، وقضى أيضًا بأن لا مشاركة، فقيل له في ذلك، فقال: تلك على ما قضينا، وهذه على ما قضينا، ولم ينقض حكمه بحكمه لما كانت أدلة الحكمين متقاربة، وعلى هذا ينبغي أن يجري جميع الآثار.
قُلتُ: فلم يقصر المازري النص على القطع، فنص ابن الحاجب عليه غير مستند لنص رواية تابعًا لابن شاس متعقب.
وقول ابن الحاجب: أو قامت البينة على أن له فيه رأيًا، فحكم لغيره سهوًا ذكره

ابن محرز وصوره بأن تعلم بينة حضرت حكمه قصده الحكم بشيء، فحكم بغيره وهلًا.
قُلتُ: هذا على القول بصحة الشهادة بالفهم؛ واضح، وعلى القول بلغوها؛ فيه نظر.
وتصويره بإقراره يوجب فيه إشكالًا؛ لأنه إن أقر بذلك في ولايته؛ وجب عليه إشهادة بنقضه بدل إقراره به، وتركه نقضه بعد إقراره؛ كرجوعه عن إقراره، فيبطل، وإن أقر بذلك بعد عزله؛ لم تقبل شهادته على حكم نفيه، فتأمله.
وسمع ابن القاسم قوله في كتابه في قضاء: كان أخاه عاملان، فنظر فيه العامل الثالث، فجاءه رجل يستعين بالكتب إليه، فكتب إليه إن كان من قبلك فالغوه، فأنقذه لصاحبه.
ابن رشد: هذا يدل على أن للفقيه المقبول القول الكتب للحاكم بالفتوى، وإعلامه بما يصنع، وإن لم يسأله الحاكم، وهذا في غير القضاة، وأما القضاة؛ فلا ينبغي الكتب إليهم بما يفعلانه إلا أن يسألوا؛ لأنه يؤدي إلى أنفذ تؤذي.
وقوله: إن كان أمضاه بحق يدل على أنه أمره بالنظر فيما حكم به من قبله، فإن كان بحق أنقذه؛ فعلى هذا حكم حمل الحكام حمل أحكام العمال على الرد حتى يتبين أنها بحق، فتمضي وهو خلاف قولها: ما قضت به ولاة المياه جائز إلا أن يكون جورًا بينًا؛ لأنه يقتضي أنها على الإجارة؛ فلا ينظر فيها، ولا تتعقب، وهذا الاختلاف لإنما يصح في غير العدل في الولاة، فرآها مرة جائزة ما لم يتبين فيها جور، وهو مذهب أصبغ، ورآها مرة مردودة ما لم يتبين فيها الحق، وهو اختيار ابن حبيب قياسًا على الشهادة.
وأما العدل منهم؛ فحكمه محمول على الجواز، ولا يرد منه إلا ما تبين فيه الجور اتفاقًا.
قُلتُ: لازم قوله: أن الاختلاف إنما هو في غير العدل مع قوله: أنها على الإجارة، فلا ينظر فيها أن غير العدل ينظر في أحكامه، وهو خلاف ما حمله في رسم الصبرة من سماع يحيى، فتأمله.

قال: ويحتمل أن يحمل ما في المدونة على العدل، وما في هذا السماع على غير العدل؛ فلا يكون اختلافًا.
والذي أقول: أن ينظر إلى الأمير الذي ولاه، فإن كان عدلًا؛ فهو محمول على العدالة، وإن كان جائزًا؛ فهو يولي غير العدل، حمل على غير العدالة، وإن كان غير عدل، ولا يعرف بالجور في أحكامه، ولا بتوليته غير العدل؛ جرى على الاختلاف في جواز أحكامه.
الشيخ: من خالف على إمام، وتغلب على بعض الكور، وولى قاضيًا فقضى، ثم ظهر عليه؛ فأقضيته ماضية إن كان عدلًا إلا خطأ لا خلاف فيه، وكل قضاء بحق لا يحل فسخه، وقاله أصبغ.
قُلتُ: لم يجعل في قبوله الولاية المخالف على الإمام جرحه خوف تعطيل الأحكام.
قال ابن رشد في السماع المذكور: واختلف شيوخنا في أحكام ولاية الكور مثل القواد، فأمضاها أبو إبراهيم، ولم يجزها اللؤلؤي حتى يجعل له من القيادة، والنظر في أمور الكورة النظر في الأحكام.
واستحسن ابن أبي زمنين إن كان للكورة قاض قد أفرد النظر في الأحكام؛ أن لا يجوز حكم الولاة، وإن لم يكن لها قاض؛ أن يجوز حكمهم؛ لما للناس في ذلك من الرفق، وهو أحسن الأقوال إلا أن تولية القاضي مع القائد دليل على أنه حجر عليه النظر في الأحكام، وإن لم يول معه فيها حكم؛ وجب أن يجوز حكمه؛ كقول مالك في ولاة المياه.
وجزم القاضي بحكم شرعبي على وجه مجرد إعلامه به، وهو فتوى لا حكم، وجزمه به على وجه الأمر به حكم.
وفي شرطه يكون متعلقة تغيير أمر عن حاله أو لا، قولا ابن الماجشون وابن القاسم.
اللخمي: ما هو ترك لما فعل، وإمساك عن الحكم بغير الفاعل؛ كالحنث بالطلاق

قبل النكاح، والعتق قبل الملك، ونكاح المحرم، والحكم بالقسامة، فحكم حاكم بإمضاء النكاح، واستمرار الرق، ثم رفع لمن يرى خلاف ذلك؛ فليحكم به، ولا يمنعه من ذلك ترك الأول، قاله ابن الماجشون، ورأى أن الترك ليس بحكم، وقال ابن القاسم في كتاب النكاح: ذلك حكم، وفسخه الثاني خطأ، وهو أحسن؛ لأن الأول حكم بحلية الزوجة لزوجها، وملك العبد لسيده.
قلت: وإجراء قوليهما على قول بقاء الأعراض، وقول جمهور أهل السنة بعدمه تكلف، وإن أشبه ما ذكر المازري من إجراء عد الأرباح حاصلة يوم ملك أصلها أو الشراء، أو يوم حصولها على الكمون، والظهور في مسألة الأعراض، وله نحو هذا في كتاب الوكالات.
اللخمي: وقال محمد: إن حكم القاضي بشاهد ويمين، ثم ولي آخر بعده؛ ففسخه كان للثالث فسخ نقض الثاني، قال: وهذا عظيم أن يرد ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وإن قال الأول: لا أحكم بشاهد ويمين، ثم ولي آخر يرى الحكم بالشاهد واليمين؛ كان له الحكم به؛ يريد: أن الأول من باب الترك، وتقدم قول ابن القاسم أن الترك حكم.
ابن شاس: لو رفع إليه نكاح امرأة زوجت نفسها بغير ولي، فقال: أنا لا أجيزه، ولا أحكم بفسخه؛ فهذا ليس بحكم، ولكنه فتوى، فتتبعه ابن الحاجب.
قال ابن عبد السلام: هذا متفق عليه، ونحوه لابن برهان.
قُلتُ: مقتضى جعله فتوى أن لمن ولي بعده أن ينقضه ضرورة أنه لم يحكم به للأول؛ والظاهر أنه لا يجوز للثاني نقضه؛ لأن قول الأول حين رفع إليه لا أجيزه، ولا أفسخه حكم منه بفسخه بأنه مكروه، والكراهة أحد أقسام الشرع الخمسة يجب رعي كل حكم منها ولازمه، وحكم المكروه عدم نقضه بعد وقوعه، ولا سيما على قول ابن القاسم في حكم الحاكم إذا كان متعلقه تركًا، ولما كان حكم الحاكم إنما يتعلق بجزئي لمن لم يكن حكم حاكم ثان بنقيض حكم الأول في جزئي آخر نقضًا لحكمه، وكذا قال المازري: كان أبو بكر يسوي في العطاء من الفيء بين الشريف والمشرف، فلما ولي عمر فاضل بين الناس، فلما ولي علي سوى بينهم، فلم يكن اختلافهم نقضًا لقضاء

بعضهم بعضًا.
قُلتُ: تقدم في الجهاد سؤال ابن رشد في فعلي الشيخين في أهل الردة، فقد كره ابن شاس: إن رفع لقاض رضاع كبير، فحكم بأن رضاع الكبير يحرم، وفسخه نكاحه لذلك، فالقدر الذي ثبت من حكمه هو فسخ النكاح فقط لا تحريمها عليه في المستقبل؛ بل هو باق لتعلق الاجتهاد فيه، وكذا فسخه نكاح، وتحريمها على زوجها الثابت من حكمه فسخه لا تحريمها عليه، وتبعه ابن الحاجب وقبلوه.
قُلتُ: وهو صواب في مسألة المعتدة، وأما في نكاح الكبير فغير صحيح، أو فيه نظر، وبيانه أن علة منع حكم الثاني بخلاف حكم هي كون حكم الثاني رافعًا لمتعلق حكم الأول بالذات، وهذا لأنه دار معه وجودًا وعدمًا.
أما وجودًا: ففي أمثال حكم الحاكم الثاني يكون المبتاع الأول فيما باعه الآمر، والمأمور أحق بالمبيع، ولو قبضه المبتاع الثاني بعد حكم الحاكم الأول بأن قابضه أحق.
وأما عدمًا: ففي جواز حكم عمر وعلي رضى الله عنهما بخلاف ما حكم به من قبلهما في قسم الفيء، وتقرر في أصول الفقه اعتبار الدوران إذا ثبت هذا ونظرنا وجدنا حكم الثاني في حكم الناكح في العدة غير رافع لنفس متعلق حكم الأول؛ لأن متعلق حكمه بالذات الفسخ، والتحريم تابع له؛ فلم توجد علة منع حكم الثاني فيها، ووجدنا حكم الثاني في مسألة رضاع الكبير رافعًا لنفس متعلق حكم الحاكم الأول بالذات، وهو تحريم رضاع الكبير، فسخ نكاحه تابع المتعلق لهذا بالذات لا أنه متعلق حكمه بالذات، فيجب منع حكم الثاني عملًا بالعلة الموجبة لمنعه، فتأمله.
وفيها: أكان مالك يرى للقاضي بقضية تبين له أن غير ما قضى به أصوب أن يرد قضيته، ويقضي بما رأى بعد ذلك، ولو كان ما قضى به مما اختلف فيه؛ قال: إنما قال: إن تبين له أن الحق غير ما قضى به؛ رجع فيه، وإنما لا يرجع فيما قضت به القضاة مما اختلف فيه.
ابن محرز: قال ابن الماجشون وسحنون وغيرهما: لا يجوز له فسخه، وهذا أحسن، وإلا لم يوثق بحكم.

ابن رشد في رسم الجواب من سماع عيسى: إن أرى خلاف ما قضى به باجتهاده؛ فالمشهور إن أرى ما هو أحسن نقضه، ورجع إلى ما رأى ما دام في ولايته، ولو كان قضاه أولًا مما اختلف فيه، وقال ابن عبد الحكم: لم يختلف أصحابنا في ذلك، وأنا لا أراه وقضاؤه؛ كقضاء غيره لا يرجع عما اختلف فيه إلى ما هو أحسن منه حتى يكون خطًأ صراحًا، ولم يعجب ابن حبيب ما انفرد به ابن عبد الحكم، وحمل فضل المدونة على قول ابن عبد الحكم، وحملها غيره على ما أجمع عليه أصحاب مالك سواه، والأمر محتمل على رواية: لا يَرجع بفتح الياء، وعلى رواية: يُرجع بضم الياء؛ لا يحتمل قول ابن عبد الحكم.
وقال ابن سحنون: إنما يرجع في قضائه إذا اختلف فيه إن قضى به وهلًا أو نسيانًا، وهو يرى خلافه، ولو كان رأيه يوم قضى به؛ لم يرجع فيه، وقضى في المستقبل بما رأى، والذي أقوله: أن الخلاف في رجوعه عنه ما دام على قضائه بحاله؛ إنما هو إذا قضى، وهو يراه باجتهاده يوم قضى به، وأنه جار على الخلاف في تصويب المجتهدين، ولو قضى به وهلًا أو نسيانًا؛ فلا يسع الخلاف في أنه لا يصح له الرجوع عنه إلى تقليد آخر، فهي ثلاثة أوجه وجه يرجع فيه، ومقابله اتفاقًا فيهما ومختلف فيه، ولا خلاف في أنه لا يرجع ما دام في ولايته فيما قضى به مما لم يختلف فيه كان اجتهادًا أو وهلًا أو نسيانًا.
المتيطي عن ابن زمنين: من المختصرين من تأول المدونة على أنه ينقض ما حكم به، وإن أصاب قول قائل من العلماء، وتأول بعضهم: لأنه لا ينقض ما وافق فيه قول قائل من العلماء، وهذا أقرب للفظها.
المتيطي: على هذا اختصرها حمديس، وعلى الأول اختصرها الشيخ، ولفظه: إن بان له أنه أخطأ في قضائه نقصه، وإن أصاب قول قائل ابن أبي زمنين أكثر أصحاب مالك على أنه إن قضى بقضية، ثم رأى ما هو أحسن منه؛ فله أن يرجع إلى أحسن ما رأى، وإن كان الأول مما اختلف فيه.
قُلتُ: ظاهر لفظ المدونة: أنه إنما يرجع في حكمه إذا تبين له أن الحق في غير ما قضى به لا فيما تبين له أنه راجح، وظاهر لفظ ابن أبي زمنين وابن رشد: أن له نقض

حكمه الأول إذا تبين له أن ما ظهر له ثانيًا أحسن وأصوب، وهو نص سماع أصبغ قال له: تغيير حكمه الأول إذا رأى أحسن منه، وظاهر لفظ المدونة: أن بقاءه على ولايته ليس شرطًا في نقضه ما حكم به مما فيه اختلاف، وظاهر لفظ ابن رشد: أن بقاءه على ولايته شرط فيه، وهو نص سماع أصبغ.
قال ابن رشد: لا أعلم فيه خلافًا، ولما حكى الصقلي قول المدونة قال: وقال الأخوان: ما دام في ولايته؛ فظاهره: أن التقييد بدوام كونه في ولايته خاص بها، وقال المازري: إن غلب على ظنه أنه أخطأ في اعتقاده الأول، ففي نقضه ذلك ثالثها: إن بقي على ولايته لها، ولسحنون والأخوين: بناء على أن تجدد ولايته بعيده كقاض آخر أولًا.
قُلتُ: الأقوال أربعة فيها لا ينقض الأول إلا إن شاء هو الصواب إلا الأصوب، ولو تجددت ولايته.
الأخوان: هذا بشرط دوام ولايته.
ابن رشد: ينقصه، ولو كان الثاني أصوب بشرط دوامها.
الشيخ عن ابن زيد عن أشهب: ينقضه في الأموال لا في إثبات نكاح أو فسخه.
اللخمي: وعليه لا ينقصه إن كان بإثبات عتق أو ردة أو حد، أو إثبات قتل أو إبطاله؛ ومقتضى جواب سحنون سؤاله شجرة عما سمعه من البينات في ولاية عزل عنها ثم تولي هل يبني على سماعه إياها أم يعيد سماعه إياه ببنائه على ما تحقق منها أن تجدد ولايته كدوامها خلاف قول الأخوين؟ وعلى هذين القولين يتخرج اختلاف الأندلسيين في الحكم الأول؛ كصاحب الشرطة إذا نظر في مسألة، ثم ارتفع لخطة القضاء قبل إكمال نظره فيها في بنائه على ما تقدم نظره واستئنافه فيها فتوى ابن عتاب وغيره.
قال ابن سهل: قال ابن عتاب: بهذا أفتيت أبا علي بن ذكوان حين ارتفع من خطة الشرطية والسوق لخطة القضاء.
قلت له: أفتاه بعضهم بابتداء النظر، وقال لي: قاله من لم يعمل بقوله، ولا اشتغل بخلافه، ووافقني أبو المطرف بن جرح وغيره، وكان ابن القطان لا يستفتي حينئذ

لمحمول أدركه منها على أن تحدد الصفة الحكمية مقرونة بعارض لها يضره؛ كموصوف بها آخر أولًا، والعارض المقارن لها في مسألة سحنون كونها أثر عزلة، وفي مسألة الأندلسيين أخص وصف الخطة التي ارتفع إليها؛ فالأول بناء على أن الجهل بالصفة مانع من العلم بموصوفها دونه، والثاني على عدم مانعيته، فتأمله.
ابن الحاجب: ويجب عليه نقض حكم نفسه فيما ينقض عليه حكم غيره، وفيما له فيه رأي، فحكم بغيره سهوًا.
ابن عبد السلام: ظاهر كلامه بالنقض في الصورتين، والذي قاله سحنون فيما له فيه رأي، فحكم بغيره سهوًا أن له نقضه، ولم يقل يجب عليه نقضه، فتأمله.
قُلتُ: قوله: (ولم يقل يجب عليه) تبع فيه الصقلي.
وفي النوادر في كتاب ابن سحنون عنه: إذا قضى بأمر ليس من رأيه، وهل فيه أو نسي؟ فهذا يرجع فيه، وإن وافق اختلاف الناس، وقد قال عمر بن عبد العزيز: ما من طينة أيسر على فتى من طينة طبيعتها على باطل.
قال سحنون: وإن عزل، ثم رد؛ فإنه يغيره أيضًا.
قُلتُ: وظاهر هذا وجوب نقضه كما نقل ابن الحاجب لا كما نقل الصقلي، وفي تقرر فسخه حكمه بمجرد إشهاده بفسخه، ووقفه على تبيينه موجبه نقلا الشيخ عن ابن الماجشون، وابن نافع مع مطرف قائلًا: إلا أن يقول: تبين لي أن الشهود شهدوا بزور، واتفقوا على وقفه عليه في فسخه حكم غيره، وحكم الحاكم بموجب في الظاهر، وهو في باطنه حرام لا يحله في المعونة، ولو كان ما يملك الحاكم ابتداء كمن أقام على دعواه نكاح امرأة بينة زور، فحكم له بها لا يحل له وطؤها، وهو به زان، وكمن أقامت على دعواها طلاق زوجها إياها ثلاثًا بينة زور، فحكم الحاكم بطلاقها؛ لا يحل لها أن تنكح غيره، وقال أبو حنيفة: حكم الحاكم يحلهما، قال: ومن أقام بينة زور بدعوى نكاح امرأة هي ذان محرم منه في الباطن؛ لم تحل له بحكم الحاكم، وكذا بما ليس له أنه له، وفرق بأن كل موضع لا ولاية له في ابتداء فعله لم ينفذ حكمه إلا في الظاهر دون الباطن، وما لا ولاية له في ابتداء فعله؛ نفذ حكمه فيه ظاهرًا وباطنًا.

فإن قلت: هل يتخرج مما وقع في بعض التعاليق عن ابن الماجشون، وجماعة من أصحاب مالك، وحكاه المازري: أنه وقع في المذهب أن من ابتاع عبدًا؛ ردت شهادته بعتقه لا يعتق عليه، ولو بقي على إقراره، مثل قول الحنفي والجامع بينهما اعتبار حكم الحاكم الصحيح بظاهره الباطل بباطنه، فعدم إيجاب العتق على الشاهد به مع إقراره إنما هو لاعتبار حكم الحاكم الصحيح بظاهره الباطل بباطنه؛ فيلزم مثله في مسألة بينة الزور في مسألة الحنفي.
قُلتُ: يرد بمنع كون الحكم في مسألة العتق باطلًا في الباطن، بل هو صحيح فيه؛ لأنه لا يرد شهادته لفسقه، والحكم برد شهادة الفاسق حق، ولو شهد بحق، وليس القول بعدم وجوب العتق على الشاهد المردودة شهادته بموجب كون الحكم المذكور متعلقًا بباطل في باطن الأمر، وإنما لم يجب عتقه عليه عند قائله؛ لأن متعلق شهادته، وإقراره إنما هو إنشاء ربه عتقه وهو يكذبه لا أنه حر؛ بل كونه حرًا لازم لماهية إعتاقه ربه، فلما لم يثبت ماهية إعتاقه ربه؛ لم يثبت لازمها، وهو حريته، فلم يحكم عليه بها هذا تقرير وجهه، ولما حكى المازري هذا القول قال: قد يسبق للنفس أنه شبه قول الحنفي، ولعلنا أن نبسط المسألة إن شاء الله.
ابن شاس: إنما القضاء إظهار لحكم الشرع لا اختراع له، فلا يحل للمالكي شفعة الجوار إن قضى بها الحنفي، وتبعه ابن الحاجب.
قال ابن عبد السلام: هكذا قالوا، وليس بالبين؛ لأن ما تقدم الظاهر فيه مخالف للباطن، ولو علم القاضي كذب البينة ما حكم بها إجماعًا، وفي هذه الصورة الباطن؛ كالظاهر، وما قلناه هو ظاهر كلام السيوري في بعض مسائله.
قُلتُ: ظاهر قوله: هكذا قالوا مع عزوه ما ظهر له من خلاف ذلك للسيوري؛ أن المذهب ما قاله ابن الحاجب، وليس كذلك؛ بل مقتضى المذهب خلافه.
قال المازري في ائتمام الشافعي بالمالكي وعكسه: الإجماع على صحته، واعتذر عن قول أشهب: أن من صلى خلف من لا يرى الوضوء من القبلة؛ يعيد.
وفي كتاب الزكاة منها: إن لم يبلغ حظ كل واحد من الخليطين ما فيه الزكاة، وفي

اجتماعهما ما فيه الزكاة؛ فلا زكاة عليهما، فإن تعدى الساعي، فأخذ من غنمهما شاة من غنم أحدهما ترادا فيه على عدد غنمهما.
قُلتُ: فتحليله لمن أخذت الشاة من غنمه الرجوع على خليطه بمنابه منها نص في صحة عمل المحكوم عليه بلازم ما حكم به الحاكم المخالف لمذهب المحكوم عليه، فأجرى إذا كان نفس ما حكم به له، ولا سيما على القول بأن كل مجتهد مصيب واتباع.
ابن الحاجب: لابن شاس في ذلك قصور، ولا أعلم لابن شاس مستندًا فيما نقله إلا اتباعه الغزالي في وجيزه قال ما نصه: ولا يحل للشافعي شفعة الجوار إن قضى له الحنفي، ولا يمنعه القاضي من الطلب اعتمادًا على اعتقاد قضاء نفسه، وهذا لا يجوز له؛ لأنه انتصب للنقل عن المذهب، فلا ينسب إليه ما ليس منه؛ ولذا يقول المازري في مسائل يذكرها للشافعي أو لغيره، ولا يحفظ فيه لأهل المذهب نصًا الجاري على مذهبنا كذا، أو كفعل ابن بشير في العاقل العاجز عن مطلق الإيماء لا نص فيه عندنا، وذكر قول الشافعي حسبما تقدم في كتاب الصلاة.
اللخمي: إن أشكل الحكم على القاضي؛ وقف وحسن أن يدعوهما للصلح.
الشيخ: قال سحنون في جوابه لحبيب: إذا كان في أمر الخصمين شبهة وإشكال؛ فلا بأس أن يأمرهما بالصلح.
اللخمي: روى محمد: قال مالك في بعض المسائل: لو اصطلحا، واختلف إن كان مجتهدًا في صحة تقليده غيره، وأن يقلده أحسن؛ لأنه فيما أشكل عليه كعامي بعد أن يسأله عن دليله، فإن أشكل عليه قلده، وإن بان له لغوه؛ لم يقلده، ويتقرر الإلأشكال من ثلاثة أوجه: عدم وجدان أصل النازلة في كتاب ولا سنة، والثاني: أن يشك هل هي من أصل كذا أم لا؟ والثالث: أن يجد بها أصلان بالسوية دون ترجيح، ويختلف في هذا القسم هل حكمه الوقف أو التخيير في الحكم بأيهما شاء قياسًا على تعارض الحديثين دون تاريخ؟ قيل: الحكم الوقف، وقيل: المفتي مخير بأيهما شاء، وقيل غير ذلك، والوقف أحسن.
قُلتُ: ظاهر قوله: أن الخلاف المذكور؛ إنما هو مذكور في تعارض الحديثين،

وخرج عليهما القياسين، وفي كتب الأصول - المحصول وغيره -: الخلاف مذكور نصًا في القياسين في تحصيل السراج ما نصه حكم تعادل الأمارتين عند القاضي أبي بكر وأبي علي، وأبي هاشم التخيير.
وعرف بعض الفقهاء التساقط والأمارة عرفًا: كل ما أنتج الظن، وحكم الحاكم بعلمه في غير التعديل والتجريح.
قال اللخمي: لا يحكم بما علمه قبل ولايته، ولا بعدها في غير مجلسه ولا فيه قبل أن يتحاكما ويجلسا للحكومة؛ كسماعه إقرار أحدهما للآخر، فلما تقدما للحكومة؛ أنكر وهو فيه شاهد، وفي حكمه بما علمه من إقرارها في مجلس حكومتهما قولان؛ سحنون مع عبد الملك، وابن القاسم مع مالك، ولما عزا أبو عمر الأول للشافعي وجمهور الفقهاء قال: واستحب مالك أن يحضره شاهدان، ولم يبح في شهادتيهما مدفعًا، وذلك دليل على أن ذلك عنده استحباب.
ولابن رشد في سماع عيسى: حكمه بما أقر عنده بعد ولايته؛ لا يجوز الحكم به اتفاقًا من العلماء، فإن فصل فسحه هو من ولي بعده، وما أقر به غيره بعد ولايته في غير مجلس قضائه؛ لا يجوز حكمه به اتفاقًا في المذهب في غير الحدود، ومطلقًا في الحدود، وأجازه أهل العراق في غيرها، وروي عنهم: يقضي في الحدود بعلمه كغيرها، وهو بعيد، فإن قضى بما علمه بعد ولايته في غير مجلس حكمه؛ ففي فسخه غيره بعده، وقصر فسخه عليه قولا أشهب، والمشهور: وما أقر به أحد الخصمين في مجلس قضائه، ثم جحده؛ فالإختلاف فيه موجود في المذهب، وقال محمد: لا اختلاف فيه بين أصحاب مالك.
ابن الماجشون: الذي عليه قضاتنا بالمدينة وعلماؤنا، ولا أعلم مالكًا.
قال غيره: أنه يقضي عليه بما أقر به عنده، وقاله مطرف، وأصبغ، وسحنون.
ابن رشد: وهو دليل قوله صلى الله عليه وسلم، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، ولم يقل صلى الله عليه وسلم

على ما ثبت عندي من قوله، ومشهور المذهب أنه لا يقضي عليه إذا جحد، وهو قوله في هذا السماع.
الباجي: إن حكم بما علمه في مجلس قضائه؛ فقال ابن القصار: لا ينقض حكمه عند بعض أصحابنا قال: وعندي أنه ينقض.
ابن زرقون في الموازية: إن حكم بما علمه قبل ولايته؛ نقضه غيره، ولو حكم بما علمه في مجلس قضائه، ثم ولي غيره؛ لم ينقضه، وينقضه ما دام قاضيًا في الوجهين، وقاله أصبغ.
قال ابن الحاجب: لا يحكم بالتخمين؛ لأنه فسق وجور.
قُلتُ: في الصحاح: التخمين: الحدس وكثيرًا ما رأيت بعضهم يحكم في النازلة، وهو لا يستند في حكمه لنقل يذكره بحال لما استقرئ من حاله إذا روجع في بعض أحكامه، لم يذكره مستندًا من نص رواية ولا قول لبعض أهل المذهب، ولا قياس عليه.
ابن الحاجب: ولا يحكم عليه بعلمه مطلقًا إلا أن يكون بعد الشروع في المحاكمة فقولان، فلو حكم بعلمه في غيره؛ ففي فسخه قولان، وأما ما أقر به في مجلس الخصومة فحكم به؛ فلا ينقض، وقبله ابن عبد السلام وابن هارون، وظاهره: أنه لو حكم بما علمه قبل ولايته؛ ففي نقضه القولان، وظاهر ما تقدم لابن رشد: أنه يفسخه هو ومن بعده دون خلاف في ذلك.
قُلتُ: ولا يبعد إعمال ظاهر نقل ابن الحاجب؛ لأن ظاهر نقل ابن رشد؛ إنما هو على قوله: مات علمه قبل ولايته؛ لا يجوز حكمه به اتفاقًا من العلماء، وهو خلاف نقل أبي عمر قال: جاء من طرق أن رجلًا من بني مخزوم استعدى عمر على أبي سفيان بن حرب أنه ظلمه حدًا في موضع كذا، فقال عمر: إني لأعلم الناس بذلك ربما لعبت أنا وأنت فيه، ونحن غلمان، فإذا قدمت مكة، فأتني بأبي سفيان، فلما تقدم مكة أتاه

المخزومي بأبي سفيان فقال له عمر: انهض بنا لموضع كذا، فنهضوا، فنظر عمر، فقال يا أبا سفيان: خذ هذا الحجر من هنا وضعه هنا، فقال: والله لا أفعل، فقال: والله لتفعلن، فقال: لا أفعل، فعلاه عمر بالدرة، وقال: خذه لا أم لك وضعه ههنا، فإنك ما علمت تحريم الظلم، فأخذ أبو سفيان الحجر ووضعه حيث قال عمر، ثم استقبل عمر القبلة، فقال: اللهم لك الحمد إذ لم تمتني حتى غلبت أبا سفيان على رأيه، وأذللته بالإسلام، فاستقبل أبو سفيان القبلة فقال: اللهم لك الحمد إذ لم تمتنى ختى جعلت في قلبي من الإسلام ما ذللت به لعمر، فقضى عمر بما علمه قبل ولايته، وإلى هذا ذهب أبو يوسف، ومحمد، والشافعي، وأبو ثور سواء عنده علمه قبل ولايته أو بعده في مصره أو غير مصره.
قال أبو حنيفة: علمه قبل ولايته، أو رآه في غير مصره؛ لا يقضي بعلمه فيه، وهو فيه شاهد، وما علمه بعد ولايته، أو رآه بمصره؛ قضى فيه بعلمه، واتفق أبو حنيفة وأصحابه أنه لا يقضي بعلمه في الحدود.
وقال الشافعي وأبو ثور: يقضي في الحدود وغيرها بعلمه، قلت: استدلال أبي عمر على القضاء بما علمه قبل ولايته بفعل عمر يرد بأنه إنما قضى به بعد رؤيته فهو قضاء بعلمه المستصحب إلى وقت الحكم، فهو حكم بما علمه في ولايته، فتأمله.
المازري: في حكمه بما علمه مطلقًا ثالثها: بما علمه بعد ولايته غير حد، ورابعها: هذا ولو علمه قبل ولايته، وخامسها: بما علمه غير حد في مجلس قضائه لأحد قولي الشافعي ومالك مع الأوزاعي، والشعبي، وجماعة، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، وسحنون مع عبد الملك، وعلى المشهور أنه لا يحكم عليه بما أقر به في مجلس حكومته في صحة شهادته علته أنه عند غيره، سماع عيسى ابن القاسم، ونقل ابن رشد نقل محمد أحد قولي ابن القاسم.
اللخمي: إن حكم على الخصم بإقراره، ولم ينكر حتى حكم عليه، ثم أنكر بعد الحكم، وقال: ما كنت أقررت بشيء؛ لم ينظر إلى إنكاره هذا مشهور المذهب.
وقال ابن الجلاب: إن ذكر الحاكم أنه حكم بأمر، وأنكر المحكوم عليه؛ لم يقبل

قول الحاكم إلا ببينة، وهو أشبه في قضاة اليوم؛ لضعف عدالتهم.
المازري من الحكمة والمصلحة منع القاضي الحكم بعلمه خوف كونه غير عدل، فيقول: علمت فيما لا علم له به، وعتلى هذا التعليل؛ لا يقبل قوله: ثبت عندي كذا إألا أن يسمي البينة، وقد ركب ابن القصار هذا وقال: لا يقبل منه حتى يسمي البينة، وكذا قال ابن الجلاب، فذكر ما نقله اللخمي عنه قال: وقال: أصبغ في الواضحة: إن أنكر المحكوم عليه أنه خاصم عند القاضي، وأعذر إليه، فحكم عليه قبل قول القاضي أنه فعله؛ ابن الجلاب: إن أنكر أنه أقر بعد الحكم؛ لم يفده على المشهور، وفي الجلاب: إن ذكر الحاكم أنه حكم، فأنكر المحكوم عليه؛ لم يقبل إلا ببينة على حكمه.
ابن عبد السلام: إنما فسر المؤلف الشاذ بقول ابن الجلاب؛ لأن كلامه ليس نصًا في مخالفته القول المشهور؛ لأن مسألة المشهور ما خالف الخصم في أن القاضي حكم عليه؛ إنما خالف في سببه القاضي بقول: حكمت عليك بعد إقراره، والخصم يدعي جوره أو سهوه، ويقول: حكم علي، ولم أقر.
وفي مسألة الجلاب: القاضي يقول: حكمت عليه، والخصم يقول: ما حكم علي، ولو عرضت مسألة المشهور على الجلاب؛ لاحتمل أن يوافق المشهور لإقرار الخصم فيها أن القاضي حكم عليه.
قُلتُ: هذا يدل على فهمه مسألة الجلاب على أن قبول قول القاضي إنما يتوقف على البينة بقضائه بذ لك فقط، ودليل قول المازري المتقدم: أنه متوقف على إثباته البينة التي حكم بها تسميتها لا البينة بمجرد حكمه، وهو مقتضى جعل اللخمي قول الجلاب خلاف المشهور؛ لأن المسألة التي جعل حكمها هو المشهور؛ إنما هو فيها قبول قول القاضي في إسناده حكمه الذي أنفذه لموجبه الشرعي، وهو إقرار الخصم المستمر لوقت نفوذ الحكم عليه، وجعل قول الجلاب خلافه، ولا يتقرر كونه خلافه إلا بما فسر به المازري من أنه موقوف على ثبوت ما استند إليه حكمه شرعًا بتسميته وهو البينة، وذلك بخلاف ما فسر به الشيخ فتأمله، ثم قال اللخمي: إن أنكر المحكوم عليه أنه خاصم عند هذا القاضي، وقال القاضي: خاصمت وأعذرت إليك وعجزت،

فحكمت إليك؛ فقال أصبغ: القول قول القاضي، وقال ابن الجلاب: لا يقبل قوله إلا ببينة، وإن كان مضمون الحكم وقفًا على رجل؛ لم يقبل قوله على المحكوم عليه إلا ببينة؛ لأنه في هذا دافع عن نفسه، وقاله أصبغ في الواضحة، وفرق بين هذا وبين كون الحكم بين متنازعين، ولو حكم بغرم رجل مائة دينار لآخر ببينة معينة، فقالت: إنما شهدنا بها للمحكوم عليه على المحكوم له، والقاضي متيقن ما حكم به؛ ففي مضي حكمه ونقضه فيما بين المحكوم عليه، والحاكم يغرمه ذلك قولا ابن تالقاسم وسحنون قائلًا: ولا يرجع على الشهود بشيء، ومحمد قائلًا ويغرم المائة للمحكوم عليه، ولا يرجع على الشهود، وعليه ينبغي إن كان الحاكم فقيرًا؛ نزع المال من المحكوم له للمحكوم عليه إن رقع ذلك لحاكم غير الأول، وظاهر نقل اللخمي: أن القاضي إنما يغرم مائة واحدة، ولما نقل المازري عن محمد ما تقدم قال: ولم يكتف محمد بإغرامه المائة التي حكم بدفعها لمن صارت له فقط؛ بل أغرمه مائة أخرى هي المشهود بها للمحكوم عليه على المحكوم له، ولو قال القاضي: أشك في ىذلك؛ نقض حكمه بين الخصمين، ورجع لما تقوله البينة الآن، وغرم المحكوم له ما يبين.
قُلتُ: ذكر الشيخ عن ابن القاسم نحو ما تقدم، وقيده بكونه عدلًا.
اللخمي: لو أنكر الحاكم والمحكوم عليه الحكم وقال: ما حكمت بهذا، فشهدت بينة بحكمه له؛ وجب تنفيذه.
قُلتُ: وحكاه الشيخ عن ابن القاسم وابن وهب.
وفي التلقين: إن بنى الحاكم حكمًا حكم به، فإن شهد عنده عدلان؛ أنفذ شهادتهما.
المازري: هذا خلاف مذهب مالك خلاف مذهب أبي حنيفة والشافعي، ولم يذكر عن المذهب خلافًا فيه.
وفي جامع العتبية: قال مالك: قدم بالهرمزان، وجهينة على عمر، فأراد قتلهما، فكلمهما، فاستعجما عليه، فقال: لا بأس عليكما، ثم أراد قتلهما، فقالا: ليس لك ذلك قد قلت: لا بأس عليكما.
ابن شد: الهرمزان: سيد دستر حصره أبو موسى في قلعة له حتى نزل على حكم

عمر، فقال: انتهيا به لعمر، قال له عمر: تكلم، قال: كلام حي أو ميت؟! قال: تكلم فلا بأس، قال: إنا وإياكم معاشر العرب ما خلا الله بيننا وبينكم كنا ونقتلكم، فلما كان الله معكم؛ لم يكن لنا بكم يدان، قال عمر: ما تقول يا أنس؟ قلت: يا أمير المؤمنين تركت بعده عدده كثيرًا، وشوكة إن قتله أيس القوم من الحياة، ويكون أشد لشوكتهم.
فقال: أستحيي قاتل البراء بن مالك، ومجزأة بن ثور، فلما خفت أن يقتله قلت: ليس إلى قتله من سبيل، قد قلت له: تكلم؛ فلا بأس، فقال: لتأتين بمن يشهد له غيرك، فشهد الزبير معي، فأمسك عمر عنه، فأسلم وفرض له.
قُلتُ: وهذا حجة لمالك.
قال ابن شاس بعد نقله كلام التلقين: وحكى الشيخ أبو محمد رواية: أنه لا يلتفت إلى البينة بذلك، ولا يحكم بها.
قُلتُ: لم أجد هذا في النوادر؛ بل نقيضه حسبما تقدم، وعدم ذكرها.
المازري واللخمي وابن رشد: وعدم وجدانها في النوادر يوجب منها في النفس شيئًا، ولما ذكر لي أن في بعض نسخ ابن شاس: الشيخ أبو عمر نظرت في كتابه الكافي، فذكر فيه الرواية معزوة لمالك وأصحابه قال: وقول من قال: لا يجيبه إلى ذلك، ولا يسمع من بينته أولًا؛ لأنها تشهد عنده على عقده ما لم يعلمه من نفسه.
قُلتُ: ما تقدم عن عمر رضى الله عنه يرده وروايات الأمهات واضحة بوجوب تسوية القاضي بين الخصمين في مجلسهما بين يديه، والنظر إليهما، والسماع منهما، ورفع صوته عليهما.
قال الشيخ عن أشهب: إلا من نظر إليه إغلاظًا عليه للردة إذا كان بحيث لو صدر ذلك من الآخر؛ فعل به مثله.
المازري: لو كان الخصمان مسلمًا وذميًا، ففي تسويتهما في مجلسهما كمسلمين، وجعل المسلبم أرفع قولان.
قُلتُ: لم يذكر الشيخ غير الأول معزوًا لأصبغ، والروايات مطلقة في وجوب التسوية بين مطلق الخصمين، وذكر اللخمي القولين، وقال: أرى أن يتقدم المسلم

الذمي بيسير، وقال: قال أشهب: للقاضي أن يشد على عضد أحدهما إن رأى ضعفه عن صاحبه وخوفه منه؛ ليبسط أمله، ورجاءه في العدل، ويلقنه حجة عمي عنها إنما يمنع تلقين أحدهما الفجور.
قُلتُ: زاد الشيخ في المجموعة، وكتاب ابن سحنون: لا ينبغي أن يشد على عضد أحدهما، ولا يلقنه حجة.
الشيخ: لأشهب في المجموعة: إن جلس الخصمان بين يديه؛ فلا بأس أن يقول: ما لكما، أو ما خصومتكما، أو يسكت ليبتدآه، فإن تكلم المدعي؛ أسكت الآخر حتى يسمع حجة المدعي، ثم يسكته، ويستنطق الآخر منهم حجة كل واحد منهما، ولا يبتدئ أحدهما فيقول: ما تقول: أو مالك إلا أن يكون علم أنه المدعي، ولا بأس أن يقول: أيكم المدعي؟ فإن قال أحدهما: أنا، وسكت الآخر؛ فلا بأس أن يسأله عن دعواه، وأحب إلي أن لا يسأله حتى يقو خصمه بذلك، وإن قال كل منهما للآخر: هذا المدعي أقامهما عنه حتى يأتيه أحدهما، فيكون هو الطالب، وقاله أصبغ ابن عبد الحكم: إن ادعى كل منهما أنه المدعي، فإن كان أحدهما جلب الآخر؛ فالجالب المدعي، وإن لم يدر الجالب؛ بدأ بأيهما شاء، وإن كان أحدهما ضعيفًا، فأحب إلي أن يبدأ بالآخر.
اللخمي: إن صرفهما لدعوى كل منهما أنه الطالب، فأبى أحدهما الانصراف؛ بدأ به، وإن بقي كل منهما متعلقًا بالآخر؛ أقرع بينهما، وإن كان لكل منهما على الآخر طلب وتشاحا في الابتداء؛ أقرع بينهما، وقيل: الحاكم بالخيار، واستحب ابن عبد الحكم أن يبتدئ بالنظر لأضعفهما.
الشيخ لابن سحنون عنه: كان إذا سمع الدعوى والإنكار؛ أمر كاتبه بكتبهما؛ ثم عرض ما كتب عليهما؛ فإن وافقا عليه؛ أقره، وإن كان شيئًا غيره، ثم سأل البينة عن شهادتها، فإن خالفت الدعوي؛ لم يأمر بكتبها وأخرجهم، وإن وافقتها؛ كتبها.
ولأصبغ: إذا أقر أحدهما بما للآخر فيه نفع؛ فلا بأس أن ينبهه القاضي بقوله: هذا لك فيه نفع، هات قرطاسك أكتب لك فيه، ولا ينبغي له ترك ذلك، ويجب جواب دعوى أحد الشركاء في حق بادئه أو غيره على غريم طلبه، وإن لم يطلبه باقيهم إن لم

يقوموا لطلبه معه، ولو حضر مع شركائه أو بعضهم لمخاصمته؛ فللمدعي عليه ترك مخاصمتهم مفترقين حتى يقدموا لخصومته واحدًا فقط.
وقول ابن المناصف: إذا كان لجماعة حق واحد على رجل؛ فإما وكلوا كلهم واحدًا على خصومته، أو خاصموه مجتمعين، ولا يتعاورون عليه واحدًا بعد واحد إطلاقه وهم، أما ألأول؛ فلقولها في الولاء لمن ورث حقًا في دار الخصومة فيه: ولا يقضي له إلا بحظه، ولجواب ابن رشد بقوله في سؤال عياض له لمن قام من أصحاب جنات: لهم حق في ماء الخصومة في حقه، ومكنه الحاكم من ذلك، وإن لم يقم بقية أصحابه معه.
وأما الثاني؛ فلجوابه عن ورثة قام بعضهم بقوله: من حق المطلوب اجتماع الورثة في مخاصمته، أو توكيل واحد عنهم لسماع ابن القاسم في الأقضية في ورثة ادعوا منزلًا بيد رجل يوكلون من يخاصمه، لا يتعاورونه هذا يومًا وهذا يومًا، وإذا ذكر المدعي دعواه؛ فمقتضى المذهب أمر القاضي خصمه بجوابه إن استحقت الدعوى جوابًا، وإلا فلا؛ كقول المدعي: هذا أخبرني البارحة أنه رأى هلال الشهر، أو سمع من يعرف للقطة، ولا يتوقف أمره بالجواب على طلب المدعي لذلك بوضوح دلالة حالة التداعي عليه.
المازري: إن لم يكن من المدعي أكثر من الدعوى، فإن قال للقاضي: لي عند هذا ألف درهم؛ فللشافعية في هذا وجهان: أحدهما: ليس للقاضي طلب المدعى عليه بجواب؛ لعدم تصريح المدعي بذلك، وذكر أن أخوين بالبصرة كانا يتوكلان على أبواب القضاة، ولهما فقه، فلما ولي عيسى بن أبان قضاء البصرة، وهو ممن عاصر الشافعي، أراد الأخوان أن يعلماه مكانهما من العلم، فأتياه، فقال له أحدهما: لي عند هذا كذا وكذا، فقال عيسى للآخر أجبه، فقال المدعى عليه: ومن أذن لك ان تستدعي جوابي، وقال المدعي: لم آذن لك في ذلك، فوجم عيسى بن أبان فقالا له: إنما أردنا ان نعلمك مكاننا من العلم، وعرفاه بأنفسهما، وعنده مناقشة لا طائل تحتها؛ لأن الحال شاهدة بذلك، وهو ظاهر مذاهب العلماء.
قُلتُ: وظاهر قول المازري: ومن نقل عنه توجه دعوى المدعي بإيجاب جوابه

خصمه بمجرد قوله: لي عند هذا ألف درهم، وليس كذلك، بل لا بد من بيانه ما به تقررت له عليه من سلف أو معاوضة، أو بت عطية أو عدة بها؛ لجواز كونها بأمر لا يوجب وجوبها عليه، كعدة أو عطية من مال أجنبي ونحو ذلك، وحق المدعي المقرأن لا بينة له إن أنكر خصمه دعواه الجائز إقراره تحليفه إياه.
المازري: الأصل أن القاضي لا يستحلفه إلا بإذن المدعي إلا أن تدل قرينة الحال على أنه أراد من القاضي ذلك، وذكر عن بعض القضاة: أن رجلًا ادعى على رجل ثلاثين دينارًا، فأنكر المدعى عليه، فاستحلفه القاضي، فقال الطالب: لم آذن في هذه اليمين، ولم أرض بها؛ فلا بد أن تعاد اليمين، وامر القاضي غلامه أن يدفع عن المطلوب من ماله ثلاثين دينارًا كراهة أن يكلفه إعادة اليمين قضى عليه بها.
وفي الشهادات منها: وإن حلف المطلوب، ثم وجد الطالب بينة، فإن لم يكن علم بها؛ قضى بها، وإن استحلفه بعد علمه بها تاركًا لها، وهي حاضرة أو غائبة؛ فلا حق له، وإن قدمت بينته، وإن قال الطالب للقاضي بينتي غائبة، فأحلفه لي، فإن قدمت؛ قمت بها، فإن كانت بعيدة، وخاف القاضي تطاول الأمر، وذهاب الغريم؛ أحلفه له، وله القيام ببينته إذا قدمت، وإن قربت غيبتها كاليومين والثلاثة لم يحلفه إلا على إسقاطها، وظاهر قوله: إن لم يكن علم بها؛ قضى له بها دون يمينه أنه ما علم بها.
وقال الصقلي عن ابن الماجشون: كانت بينته حاضرة أو غائبة بعد حلفه ما علم بها، ولو وجد شاهدًا واحدًا، فقال الأخوان وابن عبد الحكم وأصبغ: لا يحلف معه، ولا يقضى لع إلا بشاهدين.
قُلتُ: ما ذكره عن ابن الماجشون من قوله: بعد حلفه ما علم بها ذكره ابن فتوح وغيره غير معزو لابن الماجشون كأنه المذهب.
قال ابن عات: تكون يمينه معتبرة القبول للبينة إلا ان يكون في الخصام تطويل ابن فتوح من الحزم للمدعى عليه إذا دعي اليمين؛ أن يلتزم المدعى عليه أنه أسقط بينته علمها أو جهلها، فإن عقد عليه هذا؛ لم تسمع بينته.
وسمع القرينان من كتاب الديات: من قضى من له عليه دينار ديناره ببينة، ثم

تقاضاه منه بعد شهر، فقال له: قضيتكه وأشهدت عليك بذلك فلانًا وفلانًا، فأنكره، فقال: أتحلف، قال: نعم، فحلف وقضاه؛ فله القيام عليه بالشاهدين.
ابن رشد مثله في الموازية من رواية ابن عبد الحكم، وفي الثمانية للأخوين، وزاد ابن الماجشون: أنه آثم إلجائه إلى يمين باطلة، وبينته حاضرة يعلبمها.
وفي الواضحة للأخوين مثل المدونة: لا قيام له، ولا يدخل هذا الخلاف في الصلح، وذكر الصقلي استحسان بعض القرويين ما في المدونة: إن كان أمر البنات يطول عند القضاة؛ فالأقوال به ثلاثة.
ابن فتوح: إنما يكون له أن يحلفه، وبينته غائبة على أنه يقوم بها بعد حلفه أنه ببلد بعيد، ويسمي البينة، قلت: ويعين الموضع خوف أنم يعتقد فيما ليس بعيدًا أنه بعيد والخوف في المفاذة يصير القريب بعيدًا.
ابن فتوح: من ادعى على رجل بحقوق عددها، وقال بعضها: لا بينة له به، وله على بعضها بينة غائبة، وطلب حلفه على ما لا بينة له عليه به، وبناه على ما له عليه البينة؛ لم يكن له أن يحلفه على ما لا بينة له عليه إلا إن التزم أنه إن عجز عن بينة ما قال أن له عليه بينة؛ لم يحلفه عليه، وإلا أخر تحليفه لوقت إقامته تلك، فإن أقامها، وإلا جمع دعاوزيه، وحلفه على جميعها.
وسمع ابن القاسم: من طلب رجلًا بمائة دينار، وقال المدين: إنما علي مائة، وقال الطالب: ضاع ذكر حقي بالمائتين، ونسيت شهوده فصالحه على ما يبين دعواهما، ثم وجد كتابه بشهوده، فإن عرف هذا من قوله؛ فله القيام بذكر حقه، ويغرمه بقيته.
ابن رشد: يريد: بقوله عرف أنه كان قبل الصلح له ذكر حق ضاع، ودليله أنه إن لم يعرف ذلك من قوله؛ فلا قيام له؛ كقول مالك في كتاب الجدار: إن صالحه جاهلًا بينته؛ فلا شيء له، خلاف قولها في الصلح: من صالح جاهلًا ببينته؛ فله القيام ببقية حقه إن وجد بينة، ويحتمل أن يكون معنى قوله هنا رجع ببقية حقه دون يمين، وإن لم يعرف قوله ذلك؛ لم يرجع إلا بعد يمينه أنه إنما صالحه وكتابه قد ضاع، ولا يعرف شهوده؛ فلا يكون ما في السماع مخالفًا لما في المدونة، وفرق في كتاب الجدار بين

المسألتين، فيتحصل فيها ثلاثة: عدم رجوعه بوجود ذكر حقه، ولا بعثوره على بينة لم يكن علمها، ورجوعه في الوجهين، ورجوعه بوجوده ذكر الحق لا بعثوره على البينة.
أول مسألة من أقضيتها: قال مالك: وجه حكم القضاء إذا أدلى الخصمان بحجتهما، ىوفهم عنهما أن يقول لهما: أبقيت لكما حجة، فإن قالا: لا وقع الحكم، فإن أراد بعد ذلك نقض ذلك؛ لم يقبل منهما إلا أن يأتيا بأمر له وجه.
ابن القاسم: مثل أن يأتي شاهد عند من لا يرى الشاهد واليمين، وقال الخصم: لا أعلم لي شاهدًا آخر، فحكم عليه، ثم قدر على شاهد آخر؛ قضى لهذا الآخر.
عياض: مراد يفهم عنهما تحققه ما سمعه منهما دون احتمال، لا أنه فهم من معرض كلامهما، ولحن خطابهما، ليس هذا مما تقام الأحكام به.
وقد قال أشهب وسحنون وغيرهما: لا يقضي حتى لا يشك أنه قد فهم؛ فإمات أن يظن أن قد فهم، ويخاف ألا يكون فهم؛ فلا يقضي به، قلت: هذا خلاف ظاهر قول ابن محرز.
قوله: وفهم القاضي عنهما؛ لعل فهمه عنها يقوم مقام ما سمعه منهما؛ لأنه حمله على أنه يجتزئ بمجرد فهمه، وذلك عندي جار على الاختلاف في صحة الشهادة بأوله.
قال ابن رشد في رسم الطلاق من سماع القرينين في التخيير والتمليك في إعمال الشهادة بما يظهر من قصد المشهود عليه وإرادته ثالثها: وبت الشاهد شهادته بذلك بسماع القرينين مع سماع أصبغ ابن القاسم، وسماعه يحيى وأصبغ: وترك الشهادة بها أيام، قضى ابن عبد السلام بتونس في مال معتبر نحو ألف دينار ذهبًا أمكيرية، فحكم بما فيها.
عياض: قوله (أبقيت لكما حجة قبل)؛ صوابه أن يقول للمحكوم عليه، وعليه اختصرها الشيخ ومن تبعه: فهو الذي يعذر له لا للمحكوم له، وقيل: صوابه بما فيها أن المطلوب إذا ذكر حجة، سئل الطالب عن جوابها، كأنه أبقي لكما كلام أسمعه منكما.

عياض: وأوجه ما فيه عندي: أن الحكم يتوجه مرة على الطالب، ومرة على المطلوب، فيقول لهما: ذلك على الانفراد، فصح اختصار ذلك في لفظ واحد.
اللخمي: اختلف إذا لم يثبت على المدعي عليه بتلك الدعوى شيء هل يكتب له بذلك حكم؟ فقال عبد الملك: من ادعى شسيئًا، وعجز عن تزكية بينة له، فقال المطلوب للقاضي: احكم بعجزه؛ لئلا يقوم بها على ثانية؛ ليس ذلك على الاقاضي، وقال مطرف: عليه ذلك، واختلف إن أتى بعد ذلك من يزكيها، أو بينة عدلة بعد ذلك، فأصل مالك وابن القاسم: أنها تقبل، وقال مطرف: لا تقبل إلا في العتق والطلاق والنسب.
وسمع يحيى ابن القاسم في كتاب الشهادات: إذا قضى القاضي لرجل، وسجل له، وأشهد له عليه، ثم قام المحكوم عليه بينة تجريح بعض من حكم به؛ قبل يمينه إن رأى له وجهًا، كقوله: جهلت سوء حالهم حتى ذكر لي، وظهر أنه غير ملد، ومن ولي بعد القاضي في ذلك مثله إن كان ادعاه عند الأول، وإن كان لم يقم به عند الأول.
ابن رشد: تمكينه من التجريح بعد التسجيل عليه إن كان له وجه كقولها: وسكت عن جواب إن قام بذلك عند من ولي بعد الأول، ولم يقم به عنده وفيه ثالثها: لا يمكنه منه القاضي المسجل، ويمكنه من ولي بعده هذا في المطلوب، وفي الطالب رابعها: قول ابن الماجشون: الفرق بين أن يعجزه في أول قيامه قبل أن يجب على المطلوب عمل، وبين أن يعجز بعد أن وجب على المطلوب عمل، ثم رجع على الطالب، وهذا الاختلاف؛ إنما هو إن عجزه القاضي بإقراره بالعجز، ولو عجزه بعد التلوم والإعذار، وهو يدعي أن له حجة؛ لم يقبل منه ما أتى به من حجة بعد ذلك؛ لأن ذلك قد رد من قوله قبل نفوذ الحكم عليه.
وسمع أصبغ ابن القاسم: من ادعى على نكاح امرأة أنكرته بينة بعيدة؛ لم ينتظر إلا في بينة قريبة، ولا يضر ذلك بالمرأة، ويرى الإمام لما ادعاه وجهًا، فإن عجزه، ثم أتى ببينته، فقد مضى الحكم نكحت المرأة أم لا؟.
ابن رشد: لا يقبل منه بينة بعد التعجيز خلاف سماع أصبغ من كتاب الصدقات وظاهر المدونة؛ إذ لم يفرق فيها بين تعجيز الطالب أو المطلوب، ثم ذكر ما تقدم.

المازري: إن سجل القاضي بحكمه لطالبه؛ ففي قبول ما يأتي به المطلوب مما يبطل ذلك الحكم ثالثها: عند ذلك القاضي لا غيره.
لها ولسحنون ومحمد: وتجري الثلاثة في عجز الطالب والإعذرًا سؤال الحاكم من توجه عليه موجب حكم هل له ما يسقطه؟ قال غير واحد: واللفظ لابن فتوح: لا ينبغي للقاضي تنفيذ حكم على أحد حتى يعذر إليه، قلت: ظاهره: ولو فيما شهد به على الخصم من إقرار بمحضر الحاكم.
ولابن رشد في رسم الجواب من سماع عيسى من الأقضية: يحكم عليه بتلك البينة دون إعذار، قاله ابن العطار، وفي ذلك اختلاف.
قُلتُ: قال ابن سهل: لا يعذر فيها لعلمه بها، وقطعه بتحقيقها.
قال أبو إبراهيم التجيبي: وسقوط الإعذار في ذلك إجماع من المتقدمين والمتأخرين، وكذا ذكره ابن العطار، وأنكره ابن الفخار وقال: في ذلك اختلاف قد قال معنى لا يحكم بعلمه، ولا بما يقر به عنده، فإذا هذ اكهذا؛ فكيف يقضي بالبينة دون إعذار، فقد تبين الإعذار فيهما أنهما غير عدلين.
قال ابن سهل: وهو القياس الصحيح لمن قال: لا يقضي بعلمه، ولا سيما بما سمعه في مجلس حكمه، وبما قاله أبو إبراهيم وابن العطار؛ جرى العمل.
وذكر ابن سهل في مسألة أبي الخير الزنديق الملقب لزندقته بأبي الشر: أنه شهد عليه بأنواع كثيرة من الزندقة الواضحة عدد كثير ثبتت عدالة نحو عشرين منهم، وأكثر من ضعفهم استظهار، فأفتى قاضي الجماعة منذر بن سعيد، وإسحاق بن إبراهيم، وصاحب صلاة الجماعة أحمد بن مطرف وغيرهم بقتله دون إعذار له، وأشار بعض من حضر من أهل العلم بأن يعذر إليه، فأخذ الناظر في أمره بالقول بعدم الإعذار، وإذا طلب قاض عزل بجرحة ثبتت عليه، فقال ابن الحاج في نوازله: لا يعذر له؛ لأنه طلب لخطة القضاء، وطلبها جرحة، فقال: إنما طلبتها لدفع معرة سقوط شهادتي، ولدرء الجرحة عني لا لطلب القضاء؛ احتمل أن يجاب بالإعذار له، فيسمى له شهود تجريحه إن جرحهم؛ سقط جرحه، وأن لا يجيب إلى ذلك؛ لأنه حق للمسلمين لا لمعين، وقبول

تجريح السر؛ يمنع تسمية شهود تجريحه، فيسقط الإعذار، كما لو علم القاضي جرحه بغير واسطة، وأفتى الفقيه المشاور أبو الوليد هشام بن أحمد عرف بابن العواد بعدم الإعذار إليه قال: والقول به باطل، وتغيير لسنة الإسلام.
قُلتُ: ومقتضى تعليل ابن مغيث منع حكم الحاكم بعلمه يتعذر الإعذار فيه؛ لأنه لا يعذر في نفسه مع الإقرار على حكمه بعلمه في الجرح سقوط الإعذار فيه، فأفتى ابن رشد في نوازله إن عزل وصيًا من ولاه بأمر رآه باجتهاده؛ فليس عليه أن يعلمه به، وإن عزله لجرحة؛ ثبتت عنده، فطلبه أن يعذر إليه في ذلك، ووجد بخط الفقيه أبي القاسم بن البراء أحد قضاة تونس في أواسط القرن السابع: وجدت بخط ابن زيدان أن أهل الجزيرة الخضراء شكوا سوء حال قاضيهم ابن عبد الخالق لأمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين، فرد أمره لقاضي سبتة ابن منصور فقال: سألت عنه سرًا؛ فصح عنه أنه لا يصلح للقضاء، فقال له المعزول: عرفني بمن صح عندك لعله عدو لي، فأبى تعريفه، فأفتى فقهاء قرطبة بلزوم تعريفه بمن ثبتت جرحته، وقال أبو الوليد بن رشد: لا يلزم تعريفه بمن ثبت تحريحه، واحتج بأن هذا ليس من باب الأحكام التي يعزل فيها بالتعديل والتجريح؛ بل يكفي في العزل للشكوى؛ كفعل عمر في سعد بن أبي وقاص قال: ولهذا المعزول أن يزكي نفسه؛ لتقبل شهادته، ولا يكون عزله جرحة؛ إذ القضاء حق للمسلمين؛ ولذا لا يمكن من الإعذار، فذكر ذلك للقاضي ابن أحمد فقال: لا يصح الاحتجاج بقضية سعد؛ لأن ذلك إنما هو للأمراء العام نظرهم في ذلك وغيرهم، ودليله أن من عزل منهم؛ قوسم بعضهم فيما بأيديهم، والقاضي ليس له ذلك، ومال إلى الإعذار للقاضي من أجل جرحته، وإذا ظن أن من أعذر إليه لجهل؛ ما يسقط عنه خصمه نبهه الحاكم عليه.
وفي السرقة منها: إذا زكيت البينة، والمطلوب بجهل التجريح من جهة الرجال، وضعفة النساء؛ أخبره القاضي بما له من ذلك، وبينة له لعل بينه وبينه عداوة، أو شركة مما لا يعلمه المعزولون، فإن كان مثله لا يجهل التجريح؛ لم يدعه إليه، وليس كرد اليمين؛ لأن الحكم لا يتم إلا بردها.

قُلتُ: كذا الواقع في أكثر نسخ المدونة: أو شركة من الشركة، وفي بعضها: أو شر من الشرورة، وفهم هذه الرواية إن ثبتت واضح، وفي الرواية الأولى إشكال؛ لأن شهادة الشريك على شريكه جائزة، فقال بعضهم: معناه: إذا شهد أحد المتفاوضين لصاحبه، ورد بأن ظاهر اللفظ أن الشركة المذكورة هي بين الشاهد والمشهود عليه لا بين الشاهد والطالب، واجاب أبو موسى المومتاني من فقهاء فاس بأن معنى المسألة أن أحد الشركاء شهد على شريكه في ربع بينهما أنه باع حظه منه، فترد شهادته بتهمته على الشفعة، وكذا إن كان عبد بين اثنين أعتق أحدهما حظه منه وهو عديم، وشهد عليه شريكه أنه مديان لفلان بدين يرد عتقه؛ لأنه يتهم رد عتقه؛ لأنه يغيب عليه العبد، وكذا إن شهد عليه أنه ملي؛ لأنه يتهم في أن يقوم عليه.
وسمع القرينان: لا يقوم الحاكم لمن شهدت عليه بينة: عدلت دونك فجرح؛ لأنه توهين للبينة.
ابن نافع: أرى أن يقوله له.
ابن رشد: هذا الواجب عند مالك أن يقول له: إن كان عندك ما تسقط به شهادتهم، فأت به، وفي تمكين المطلوب من فسخه بما شاهد به عليه مطلقًا، أو إن كان فيما يشكل، ويحتاج المطلوب فيه إلى تدبر وتأمل نقلا المازري عن القاضي أبي طالب، والشيخ المازري، وعليه العمل، فإن ادعى المحكوم عليه أنه يأتي ببينته على ما له به نفع؛ أجل لها.
سمع القرينان: من أقام بينة على ملكه منزلًا بيد رجل، فسئل من بيده المنزل عن حجته، فيذكر حجة، لو قامت بها بينة؛ كان أولى بالمنزل من مدعيه، وسأل ضرب الأجل لإثباته بالبينة على ذلك، فأجل الأجل الواسع الشهرين والثلاثة، فيمضي الأجل، ولم يذكر شيئًا، ويحضر غيبة شهوده، وتفرقهم أيضرب له أجل آخر أم يقضي عليه؟ قال: أما الرجل المأمون الذي لا يتهم على المدعي بباطل، ولا يتقوله، فيزيده في الأجل، وأما الملد الذي يرى أنه يريد الإضرار بخصمه؛ فلا يمكن من ذلك إلا أن يذكر أمرًا يقارب شأنه، ثم يختبر كذبه في مثله.

ابن رشد: ضرب الأجل للمحكوم عليه فيما يدعيه من بينة مصروف لاجتهاد الحاكم بحسب ما يظهر له من حال المضروب له الأجل، والأصل فيه قول عمر في كتبه لأبي موسى الأشعري من قوله: واجعل لمن ادعى حقًا غائبًا أو بينةً أمرًا ينتهي إليه، فإن أحضر بينة؛ أخذت له بحقه، وإلا استحللت عليه القضية، والذي مضى عليه عمل الحكام في التأجيل في الأصول ثلاثون يومًا تضرب له عشرة أيام، ثم عشرة أيام، ثم يتلوم له بعشرة، أو ثمانية، ثم ثمانية، ثمانية، ثم يتلوم له بستة، أو خمسة عشر يومًا، ثم ثمانية، ثم أربعة، ثم يتلوم له تتمة ثلاثين يومًا، أو يضرب له أجلًا قاطعًا من ثلاثين يومًا يدخل فيه التلوم والآجال كل ذلك مضى من فعل القضاة، وهذا مع حضور بينة في البلد، وإن كانت غائبة عن البلد فأكثر من ذلك على ما تضمنه هذ االسماع من اجتهاد الحاكم، قلت: ذكر ابن فتوح نحو هذا، وقال بتفريق الآجال جرى العمل، وعليه ثبتت السجلات، وليس يضرب لمن ذهب لاستدفاع يمين واجبة عليه مثل الآجال المذكورة، وإنما يؤجل في ذلك إذا زعم أن عنده ما يدفع عنه اليمين الأجل القريب ثلاثة ونحوها؛ لأن قوله هذا محمول على اللدد، والآجال في الديون والحقوق دونها في الخصام في العقار والأصول، وتختلف الآجال في الأصول باختلاف أحوال المضروب لهم.
اللخمي: ويقدم القاضي الخصوم الأول فالأول، إلا المسافر أو ما يخشى فوته، وإن تعذر معرفة الأول؛ كتب أسماؤهم في بطائق، وخلطت، فمن يخرج اسمه؛ بدئ به، وذلك كالقرعة بينهم.
وزاد المازري: إذا وجب تبدئة الأسبق، فقال أصحاب الشافعي: إنما يقدم الأسبق في خصام واحد لا في سائر مطالبه، وهذا مما ينظر فيه إن سبق بخصمين؛ قدم في خصومته فيهما معًا، وإن كان مما لا يطول، ولا يضر بالجماعة الذين بعده.
قُلتُ: ظاهره: أن هذا غير مخصوص لأصحابنا.
وفي النوادر عن أصبغ: إذا قضى بين الخصمين في أمر اختصما فيه، ثم أخذا في حجة أخرى في خصومة أخرى، فإن كان بين يديه غيرهما؛ لم يسمع منهما حتى يفرغ ممن بين يديه إلا أن يكون شيء لا ضرر فيه لمن حضره؛ فلا بأس أن يسمع منهما.

الشيخ عن سحنون: الغرباء وأهل المصر سواء إلا أن يقدم الغرباء باجتهاده فيما لا يدخل على أهل المصر ضرر، وقاله أشهب، وزاد: وأرى أن يبدأ بالغرباء كل يوم ما لم يكثروا، فلا يبدأ بهم.
ابن حبيب عن الأخوين: من شأن القضاة تقديم الغرباء، وتعجيل سراحهم.
قال سحنون: ولا يقدم رجل؛ لفضل منزلته وسلطانه.
ولابن سحنون عنه: إن كثروا؛ كتب أسماؤهم في بطائق أو غيرها، ثم ألقوها، ثم يدعو بهم على ذلك.
سحنون: ويقدم النساء على حدة، والرجال على حدة.
أشهب: إن رأى أن يبدأ بالنساء في كل يوم أو بالرجال؛ فذلك له على اجتهاده؛ إما لكثرة الرجال على النساء، أو لكثرتهن على الرجال، ولا يقدم الرجال والنساء مختلطين، وإن رأى أن يجعل للنساء يومًا معلومًا أو يمين؛ فعل.
ابن عبد الحكم: أحب أن يفرد للنساء يومًا، وإن احتاج لكشف وجه امرأة؛ لتعرف، أو ليشهد شهودًا عليها؛ كشفه بين أيدي العدول، ويأمر بتنحية غيرهم، ويفرق بين الرجال والنساء في المجالس، ويجعل للنصارى يومًا أو وقتًا من بعض الأيام بقدر قلتهم وكثرتهم، يجلس لهم في غير المسجد.
المازري: إن كان الحكم بين رجل وامرأة؛ أبعد عن المرأة من لا خصام بينها وبينه من الرجال.
قُلتُ: وينبغي أن يبعد عنها خصمها، وفي إبعاده عنها أقصى ما يمكن أن يسمع كل منهما حجة صاحبه، وأقصى أو ما يسمع الحاكم منهما، ويذكر لكل منهما قول صاحبه نظر، والأول أقرب؛ لسرعة الحكم بينهما.
قال: وإن كانت شابة لها جمال، ويخاف إن تكلمت أدى سماع كلامها إلى شغف بها؛ أمرت أن توكل من ينوب عنها، وإن احتيج إلى أن يبعث إليها بدارها من تؤمن ناحيته لسنه ودينه وورعه من تكلف الحكومة في أمرها فعل، وقد حضرت العامرية فعل النبي صلى الله عليه وسلم حتى أقرت بالزنا فرجمها، وقال في المرأة الأخرى: "واغد يا أنيس على

امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" فلم يأمر بإحضارها.
الشيخ عن أصبغ: إن كان في أعوان القاضي ثقة؛ ولاه تقديم الخصومة إليه على منازلهم، فإن لم يكن؛ فهو نفسه.
قال ابن شاس: وكذلك يفعل المفتي والمدرس عند التزاحم.
قُلتُ: لا أعرف هذا نصًا لأهل المذهب إنما قاله الغزالي في الوجيز، وتخريجهما على حكم تراجم الخصوم واضح، وكذا على سماع عيسى ابن القاسم: أحب في الصانع الخياط يدفع إليه الناس ثيابهم واحدًا بعد واحد أن يبدءوا بالأول فالأول، ولم أسمع فيه شيئًا، ولعله أن يكون واسعًا إن كان الشيء الخفيف الرقعة وأشباهها.
ابن رشد: جعل الاختيار تقديم الأول فالأول دون إيجاب عليه إن لم يجب عليه عمله في يوم بعينه، وكذا قال الأخوان: لا بأس أن يقدم الصانع من أحب ما لم يقصد مطلًا، وكذا يقولان في الرحى.
ولسحنون: لا يقدم صاحب الرحى أحدًا على من أتى قبله إن كان سنة البلد الطحن على الدولة، وإن تحاكموا؛ قضى بينهم بسنة بلدهم، وليس قول سحنون بخلاف لقول غيره؛ لأن العرفل كالشرط.
قُلتُ: وجرت عادة مدرسي تونس في الأكثر تقديم قراءة التفسير على الحديث، وتقديم الحديث على الفقه.
وسمع ابن القاسم وقال: إشهاد الحاكم بحكمه يوجبه حقًا للمحكوم له، ولو مات القاضي، او عزل، او مات المحكوم عليه أو له قبل حوز المحكوم؛ له ما حكم له به.
ابن رشد: اتفاقًا.
المازري: ويكتب الحاكم لمن حكم له بما حكم به، وبكل حجة له من تعديل

وتجريح، وموجب حكمه؛ ليكون به حجة على المحكوم عليه إن نازعه، ويكتب بما حكم به الحاضر على غائب أبهم المكتوب له أو عينه.
وسمع عيسى ابن القاسم: من ثبت حقه عند قاض؛ فله أن يكتب له بذلك كتاباً إلي أي قضاة الآفاق كان لا يسمي فيه قاضياً بعينه، ولا بلداً بعينه.
ابن رُشْد: هو كما قال: اتفاقاً.
قُلتُ: قال ابن المناصف: ما لم يحجر عليه الإمام ذلك حين توليته إياه.
ابن رُشْد: يقول: كتابي لمن ورد عليه من القضاة بأي بلد كان، فيجب على كل من ورد عليه القضاء به، وكذا إن كتب إلي قاضي موضوع، فوجد ذلك القاضي مات أو عزل، وولي غيره؛ وجب عليه العمل به اتفاقاً، ولو كتب إلي قاضي بلد بعينه لظنه غريمه بذلك البلد، فألقاه ببلد آخر، فرفع الكتاب إلي قاضي ذلك البلد، فقال أَصْبَغ عن ابن القاسم: لا يعمل به، وقال أَصْبَغ: معناه: أنه لا يعرف بذلك البلد، ولو ثبت المدعي بينته في ذلك البلد أنه الرجل الذي حكم عليه القاضي الكاتب؛ أنفذه هذا.
ابن رُشْد: معنى قول أَصْبَغ: أن من تمام الصفة أن يقول فيه الساكن ببلد كذا، أو الملتزم في صنعة كذا: لا يوجد بذلك البلد، أو في تلك الصنعة بتلك الصفة، والنسبة والتسمية سواه، فيلزمه إذا رفع الكتاب إلي قاضي بغير ذلك البلد، لم يدر احد لعل صاحبه في بلد المكتوب إليه، فوجب أن لا يحكم له على من وافقت صفته من أصل بلده الصفة المذكورة في الكتاب حني يثبت عنده أنه هو بعينه، وهو بين صحيح، وظاهر قول ابن القاسم: أنه لا ينظر له بحال؛ لأن الذي كتب إليه حي.
وفيها: أن مات القاضي المكتوب إليه أو عزل، ووصل الكتاب لمن ولي بعده؛ أنقذه من وصل إليه، وإن كان إنما كتب إلي غيره أخذه منه غير واحد تعيين القاضي المكتوب إليه.
المازري: اختار بعض الشيوخ عدم تسمية المكتوب إليه؛ للخروج من الخلاف؛ لأن أبا حنيفة يقول: تعيينه يوجب عدم تنفيذ من ولي بعده ما كتب به للأول؛ لأنه جعل الكتب إلي المكتوب إليه؛ كالوكالة من الكاتب للمكتوب إليه، والوكيل إذا مات أو

عزل؛ لم يقم غيره مقامه، وزاد في آخر كتاب الرجم في المدونة: وكذا أن مات القاضي الكاتب أو عزل.
وسمع عيسى ابن القاسم: إذا كتب قاض بما ثبت عنده من حق في مال أو نسب أو ارث وشبه ذلك أيقول في كتبه: أتاني فلان ببينه عدلت عندي، وقبلت شهادتهما، أو لا يسميها؟ قال: نعم هو قضاء القضاة.
العتبي: قيل: ينبغي أن يسميها في الحكم على الغائب؛ ليتمكن من دفع شهادتهم.
ابن رُشْد: عدم تسميتهم في الكتاب صحيح؛ إذ لا نظر للمكتوب إليه في عدالتهم إلا أنه يجب عليه أن يضع أسماءهم في ديوانه؛ إذ من حق المحكوم عليه إذا قضى عليه المكتوب إليه أن يذهب للقاضي الكاتب، فيعذر إليه في البينة التي ثبت عنده بها ذلك الحق الذي خاطب به إن جرحهم، وأبطل شهادتهم رجع فيما حكم به عليه هذا إن لم يثبت عنده ما خاطب به في عقد، فإن ثبت ذلك عنده في عقد؛ فالحكم أن يدرج إليه ذلك العقد في كتابه، وبه جرى العمل، فيأخذ المحكوم عليه أو نسخته يذهب به للقاضي الكاتب؛ ليطلب البينة عن نفسه فيما حكم به عليه.
وقول العتبي: قيل: ينبغي أن يسمي إلي أخر قول: وقع في بعض الروايات، وسياقاته في هذه المسألة غلط؛ إذ ليس فيها أن البينة لا تسمى في الحكم على الغائب؛ لأن كتب القاضي إلي قاض بما ثبت عنده على رجل في بلد المكتوب إليه ليس بحكم على غائب، وهى مسالة أخرى، والحكم فيها ما ذكرته بلا خلاف، والحكم على الغائب لابد من تسمية البينة فيه على القول بإرجاء الحجة له؛ ليتمكن من الطعن في البينة، وهو مشهور المذهب المعلوم من قول ابن القاسم وروايته، فإن لم يسم البينة فيه؛ فسخت القضية، قال أَصْبَغ، وهو صحيح على أن الحجة ترجى له، والحكم على الحاضر لا يفتقر لتسمية البينة فيه؛ إذ قد اعذر فيها للمحكوم عليه، وتسميتهم أحسن، قال أَصْبَغ، وبه مضى العمل.
قال ابن أبي زمنين: الذي عليه الحكم تسمية البينة هذا في الحاضر، وإما الغائب والصغير؛ فلابد من تسميتها.

ولسحنون في المجموعة: أن تسميتها في الحكم على الغائب لا يلزم، وإن كان أحسن، وقوله هذا إنما يأتي على قول ابن الماجشون: أن الغائب لا ترجى له حجة، ولا مخرج له فيما حكم به عليه بجرحة البينة إلا أن يكون الشهود نصارى أو عبيد أو مولى عليهم.
وعن سحنون: ترك تسمية الشهود في الحكم على الغائب أفضل؛ لأنه قد يحكم بشهادتهم، وهو عدول، ثم يحدث فيهم أحوال صحية توجب جرحتهم، فإذا عزل ذلك القاضي، أو مات؛ ادعى المحكوم عليه أن القاضي جار عليه، وقيل: غير عدول، وهذا على أن الغائب لا ترجى له حجة واستحسان.
أَصْبَغ: الذي جرى به العمل من تسمية الشهود في الحكم على الحاضر معناه على القول بأنه يعجز، ولا تسمع منه بينة بعد الحكم مراعاة للقول بأنه لا يعجز ولا يسمع منه ما يأتي به من بينة لم يعلم بها نحو قول مالك فيمن عرف خطه في الكتاب، ولم يذكر الشهادة أنه يؤديها ولا تنفع، وعلى القول: كل بينته تسمع بعد الحكم عليه؛ فلابد من تسمية البينة.
المازري: إذا كتب القاضي بما ثبت عنده من شهادة البينه اتفاقاً، ثم قال: إن لم يسمهم، وابرم القضية، والحكم على الغائب؛ فالمشهور عدم نفوذ حكمه، ووقع في المذهب رواية بنفوذه، وهى مطرحة عند القضاة المالكية.
وسمع عيسى ابن القاسم: لا اعرف من قضاء احد أنه كتب إلي قاض تسميته من يخرج عنده، ولا سمعت به.
ابن رُشْد: معناه: أنه ليس للقاضي أن يكتب في حكمة على الغائب إذا خاطب به قاضي موضعه، وقد شهدت له بينة، فجرحت مثل أن يثبت رجل ديناراً على رجل ميت أحد ورثته غائب، فقال الحاضر: قضاه الميت حقه، وإقام على ذلك بينة، فجرحها المدعى، فقضى له القاضي بحقه بعد يمينه أنه ما قضاه، ويكتب له إلي موضع الوارث الغائب بتسمية من يجرح عنده من الشهود إن كانوا جرحوا عنده؛ لأن الشهود إذا جرحوا؛ لا يعمل فيهم التعديل؛ لأن شهادة الجرح اعمل، وإذا عزل الشهود؛ أعمل

فيهم الجرح؛ فلذا يجب كتب أسماء الذين عدلوا، ويجب كتب أسماء المجرحين لهم؛ لأنه بتسميتهم يجد سبيلاً إلى تجريحهم، فيسقط الجرحة عن شهوده.
ولابن محرز عن ابن عبدوس: إن رد القاضي شهادة من شهدوا للمدعي بجرحة ثبتت عنده بينة، فليشهد للمدعي عليه بأنه رد شهادتهم، ولو أنما جهلهم، أو علم جرحتهم؛ فلم يحكم بشهادتهم، فلمن جاء بعده النظر في شهادتهم، فإن صحوا؛ حكم بها.
وفيها مع سماع ابن القاسم: إن مات القاضي المكتوب له كتاباً من قاض آخر؛ فعلى من ولي بعده إنقاذ الكتاب.
ابن رشد: اتفاقاً إذا ثبت الكتاب عنده بشاهدين أنه كتابه، قال ابن القاسم، وابن الماجشون، وقال أشهب: لا تجوز شهادتهما أنه كتابه حتى يشهد أنه أشهدهما عليه، ولا يكفي فيه الشاهد الواحد، ولا الشهادة على أنه بخط القاضي، ولأن الختم ختمه، وهذا في الكتب التي تأتي من كورة لكوره، ومن مثل المدينة لمكة، وما جاء من أعراض المدينة إلى قاضيها من كتاب بغير بينة قبلة بمعرفة الخط، وبمعرفة الخط، وبالشاهد الواحد إذا لم يكن صاحب القضية لقرب المسافة، واستدراك ما يخشى من التعدي، قاله ابن جنيب، وقاله ابن كنانة، وابن نافع في الحقوق اليسيرة خلاف ظاهر قول ابن حبيب، وكان يعمل فيما مضى كتاب القاضي بمعرفة الخط والختم دون بينة حتى حدث اتهام الناس، فأحدثت الشهادة على كتاب الأقضية في رسم الأقضية من سماع أشهب من كتاب الوصايا: أول من أحدثه أمير المؤمنين وأهل بيته قلت: قال في كتاب لوصايا قوله: أمير المؤمنين وأهل بيته؛ يريد: به بني العباس، وقال في البخاري: أول من قال البينة على كتاب القاضي ابن أبي ليلى، وسوار بن عبد الله العنبري، والأصل أن قول القاضي به مقبول فيما أخبر أنه ثبت عنده، أو قضى به ينفذ ما أشهد به من ذلك على نفسه ما لم يعزل فيما كتب به من ذلك إلى قاض غيره؛ وجب على المكتب إليه تنفيذه؛ لأنه في كتبه بمعني المخبر لا بمعني الشاهد.
وسمع أصيغ ابن القاسم في القاضي يشهد على قضائه وهو معزول أو غير معزول

ويرفعه إلى إمام غيره شهادته لا تقبل ولا يجوز ذلك القضاء إلا بشهيدين عليه غيره وقال أصبغ ابن رشد في هذه المسألة معني حقي هو أن قول القاضي قبل عزله وهو على قضائه حكمت لفلان بكذا لا يصدق فيه إن كان بمعني الشهادة مثل قول أحد المتخاصمين عند قاض حكم لي قاضي بلد كذا وكذا أو ثبت لي عنده كذا فيسأله البينة على ذلك فيأتيه من عنده بكتاب أني حكمت لفلان على فلان بكذا أو ثبت عندي له عليه كذا فهذا لا يجوز لأنه على هذا الوجه شاهد ولو أتى الرجل ابتداء للقاضي فقال له خاطب لي قاضي بلد كذا بما ثبت لي عندك على فلان أو بما حكمت لي به عليه فخاطبه بذلك لجاز لأنه مخبر لا شاهد كما يجوز قوله وينفذ فيما يسجل به على نفسه ويشهد به من الأحكام ما دام على قضائه وللأخوين وأصبغ في القضية الواضحة ما يعارض هذا السماع وذكرناه في سماع ابن القاسم.
قلت: ذكر فيه ما نصه سماع أصبغ هو معني ما ذكر ابن حبيب عن الأخوين وابن وهب وأصبغ من أن القاضي لا يمكن المشهود له من أن يعدل شهوده عند قاضي بلد من البلدان، فيكتب إليه بعدالتهم إلا أن يكتب هو إلى ذلك القاضي إذا كتب بعدالة شاهد من أهل عمله للقاضي الذي شهد عنده الشاهد؛ جاز، وإن كان المشهود له سأله ذلك، فكتب له به ابتداء دون أن يكتب إليه القاضي الذي شهد عنده الشاهد يسأله عنه، وحكاه أيضا عن الأخوين وأصبغ، وهو بعيد، وإذا كتب إليه يسأله عمن شهد عنده؛ اكتفي في جوابه بمعرفة الخط دون البنية على الكتاب، قال ابن حبيب ما لم يكن فيما سأله عنه، فكتب إليه فيه قضيه قاطعة، والقياس أن لا يكتفي في شيء من ذلك بمعرفة الخط إلا فيما قرب من أعراض المدينة، وفي نوازل سحنون: لا يثبت كتاب قاض لقاض في الزنا إلا بأربعة شهداء على أنه كتابه كالشهادة على الزنا.
ابن رشد: هذا على رواية مطرف في الشهادة على الشهادة في الزنا: لا تجوز إلا بأربعة على كل واحد من الأربعة اجتمعوا على الشهادة على جميعهم أو افترقوا، وعلى قول ابن القاسم؛ يجوز أن يشهد على شهادته اثنان، وهو قول ابن الماجشون: يجوز في

جارٍ التحميل