المختصر الفقهي لابن عرفةصفحات 430-469

كتاب النكاح

صفحات 430-469

رضياه، كما لو نكحها على أنها في العدة، فظهر كونها في غيرها، ولمن شاء منهما فسخه؛ لحجته بظهور خلاف المعقود به، ولا حجة لهما في العدة؛ لأنها حق لله لا لأحدهما.
وما عقد بخمر ونحوه، او غرر في مضيه بالعقد، وفسخه مطلقًا ثالث روايات القاضي مع ابن القصار: ما لم يبن.
القاضي: في حمل الأخيرة على الوجوب أو الاستحباب قولًا أصحابنا، والمشهور الثالثة، ولو دعي الزوج في هذا النكاح للبناء أو النفقة لظن صحته فأنفق، ثم اطلع عليه، ففسخ، فقال بعض الأندلسيين: يرجع عليها بما أتفق، ولها فيمن ابتاع دارًا على أن ينفق على البائع حياته، وقال عبد الله بن الوليد: لا يرجع عليها؛ لأن فسخه غير واجب.
قلت: ويرد بأن الفرض الحكم بفسخه، ومراعاة الخلاف مع الحكم بنقيضه لا يصح، والأظهر جريها على الخلاف في النفقة لحمل فانفش.
وفيها: تردد المرأة ما قبضت من عبد أبق ونحوه، وما فات بيدها بتغير بدن أو سوق؛ ضمنت قيمة ما يقوم، ومثل ماله مث إن زالت عينه أو تغيرت.
اللخمي عن ابن حبيب: إن عثر عيه قبل البناء؛ فالضمان من الزوج وله نموه، كما لو طلق في الصحيح، وإن بنى بها؛ ضمنته وعليها قيمته.
اللخمي: يريد: لما أسقط الطلاق في صحيح النكاح ضمان النصف؛ أسقط الفسخ ضمان الكل، والأول أحسن؛ لأن المطلق مختار.
قلت: قال ابن حبيب في الواضحة عقب ذكره قول ابن القاسم: خالفه أصحابه وقالوا: لا ضمان عليها، ولابن رشد في آخر مسألة من رسم الجواب من سماع عيسى: معلوم المذهب، ومنصوصه: أن ما فسد لصداقة لا شئ للمرأة فيه إلا بالبناء، ولأصبغ: من تزوج بغرر، ومات قبل البناء لها عليه مهر مثلها، وإن طلق؛ فلا شئ عليه، فراعى التسمية الفاسدة، وجعله كنكاح تفويض على قول من رأى وجوب المهر فيه بالموت، وليس بمعروف في مذهبنا.
قلت: في النوادر: قال محمد: قال أشهب: من نكح بثمرة؛ لم يبد صلاحها إن طلق قبل البناء؛ لزمه الطلاق، ولا مهر عليه، وعليه في الموت مهر المثل، وهذا غلط، وقال

أصبغ: لا مهر لها ولها الميراث.
قلت: وهذا خلاف نقل ابن رشد عن أصبغ.
الشيخ عن الموازية: من نكح بثمرة قبل بدو صلاحها على جدها بلحًا؛ جاز، فإن تأخرت حتى جدتها بسرًا أو رطبًا أو تمرًا؛ مضى النكاح، وإن لم يبن وردت الثمرة، ولها قيمة البلح مجدودًا يوم النكاح ونصفها إن طلقها قبل البناء، وترد مكية ما أكلته، فإن جهلت؛ فقيمته.
اللخمي: إن كانت قائمة أخذها الزوج، ولا شئ عليها؛ لأنها دخلت على جدها بلحًا، فجدتها رطبًا؛ فلم تزده إلا خيرًا، بخلاف ما لو تزوجت بها على البقاء، والشأن جدها يابسة، فجدتها قبل يبسها؛ لزمتها قيمتها، ولو كانت موجودة؛ لأن جدها قبل يبسها فساد.
قال بعض شيوخ عبد الحق: ضمانها مهر الفاسد؛ لعقده كالنكاح الفاسد؛ لأنه إذا فات؛ ثبت في المسمى، وإن قامت بينة بهلاكه من غير سببها؛ لم تضمنه.
ومهر الفاسد لصداقة يضمنه مطلقًا؛ لأنه إن فات مضي بمهر المثل لا بالمسمى، ولو تزوجها بفاسد مع صحيح كخمر أو آبق وربع دينار؛ ففي فسخه وصحته برضى الزوجة بما يصح به فقطـ، أو يدفع الزوج الآبق بعد حصوله، أو باتفاقهما على ما يجوز بدل ما لا يجوز نقلًا المتيطي قولهم: مذهب مالك يقتضي فسخه.
وقول أصبغ: زاد الشيخ عنه لو نكحها بربع دينار مع آبق أو جنين، فلم يفسخ حتى حضر الآبق وولد الجنين، فإن رضيت بالربع الدينار؛ صح وإلا فسخ إلا أن يدفع لها الزوج ما زال غرره، وإن فيه لمغمزًا؛ لكنه قول أصحابنا، والقياس فسخه إن لم يبن.
واستحقاق المهر إن علم الزوجان موجبه حين العقد، ككونه مغصوبًا أو حرًا؛ فسخ النكاح قبل البناء، ومضى بعده بمهر المثل، وإلا ففي كونه كذلك مطلقًا، أو إن لم تكن للزوج شبهة فيه ثالثهما: إن غرها بحريته، ورابعها: يفسخ في هذا بعد البناء للتخريج على نقل فض عن ابن القاسم مع ابن رشد عن يحيى: فسخ النكاح بهلاك المهر الغائب بعد العقد قبل قبضها إياه، والمشهور.
ونقل ابن حار عن ابن الماجشون وعن سحنون مع أصحابه، وسمع عيسى ابن

القاسم: من نكح بمال استتجر أو قرض به أو سرقة؛ لم يفسخ نكاحه.
سحنون: وكذا بعبد لجاره أو غصبه، ولو لم يبن بخلاف الحر؛ لأنه لو مات لم تضمنه، وتضمن المغصوب، ولو كانت عالمة بغصبه؛ لفسخ قبل البناء، وثبت بعده بمهر المثل.
أصبغ: قال ابن القاسم: لا يفسخ في الحر ولا في المغصوب، ولو تعمده ولم يبن.
أصبغ: وكذا لو علمت حريته وجهلها الزوج، ولو علماها؛ فسخ قبل البناء، وثبت بعده بمهر المثل، وفي رجوعها لاستحقاق مهرها العبد بقيمته أو بمهر مثلها ثالثها: إن استحق بملك، وفي الحر بمهر مثلها، ورابعها: ترجع بمثله، وخامسها: بالأقل من قيمته أو مهر المثل للمشهور، وسماع أشهب مع تصويبه.
ابن رشد: ونقله عن سحنون واللخمي عن مختصر ابن شعبان مع ابن كنانة وقول اللخمي: لو قيل؛ لكان وجهًا.
وفي منعها نفسها حتى يعطيها ما يجب لها عليه مطلقًا، أو ما لم ترض بتمكينه إياها مطلقًا، وسقوط منعها إياه، رابعها: الثاني إن غرها، وخامسها: لها منعة حتى تقبض ربع دينار لابن رشد عن أول احتمالي شماع القرينين، وثانيهما مع قوله: نحى إليه محمد، وظاهر سماع عيسى عند الشيوخ، ونقل ابن رشد ومحمد.
وقال في سماع القرينين بعد ذكره الثلاث الأول: الخلاف عندي إنما هو إذا لم يغرها، وإن غرها لعلمه أنه مسروق، فمن حقها منعه حتي يعطيها مهرها على ما قاله بعد هذا؛ كالمكاتب يقاطع سيده على شيء وديعة عنده أنه يرد في الرق.
ومعنى سماع عيسى في الغرور: أنه إذا كان بنى بها؛ لم يمنع منها إن رضيت قوله فيه: إن قاموا على المرأة في مهر أسلفوه الزوج، أو باعوه هي أولى منهم ودينهم في ذمته؛ يدل على أن لمن أحاط الدين بماله التزوج، والنفقة على الزوجة من أموال غرمائه، وهو دليل قولها: ليس له أن يتزوج في المال الذي فلس فيه؛ ومعناه: إن تزوج ما يشبه مناكحه، وأصدقها ما يشبه مثله، وللغرماء أخذ ما زاد على ما يشبهه، وتتبعه الزوجة به.
وسمع القرينان: من اكتسب مالًا حرامًا، فتزوج به أخاف والله أنه مضارع للزنى ولا أقوله.

المتيطي عن فضل: إن استحق ما أصدقه عن الزوج غيره، فغن لم يبن؛ فليس على الغير قيمته إلا أن يشاء، وخير الزوج في فسخه، ولا غرم عليه، وبقائه بغرمها، وبعد البناء يلزمه غرمها.
قلت: والفسخ بطلاق.
وسمع عيسى ابن القاسم: من نكح بمال ولد ولده، أو ولده الكبير؛ فالولد أحق به من الزوجة إن لم يفت، وإن فات بأكلها أو لبسها إياه؛ غرمته، ولو لم تعلم وإلا فلا غرم عليها.
ابن رشد: اتفاقًا، ويسر الأب كعدمه، وفي كون ولده الصغير، والأب معسر كذل، وكونها أحق به، ولو لم تقبضه، ولم يبن بها ثالثها: إن قام بقرب قبضها إياه كاليومين عن مطرف، وسماع عيسى ابن القاسم، وسماعه أصبغ، ومطرف مع روايته، وعلى الثاني: قال ابن رشد: عن ابن القاسم: يتبع الابن أباه بقيمته يوم تزوج به لا يوم دفعه لها، ولو كان الأب موسرًا؛ فهي أحق به.
الباجي عن ابن حبيب وابن رشد: اتفاقًا.
زاد الباجي عن ابن حبيب: هذا ما لم يتقدم الإمام إليه ألا يتزوج بمال ابنه، فإن تقدم إليه به؛ فابنه أحق به ولو بنى.
ابن رشد: واجاز أصبغ كل فعل الأب في مال ابنه هبًة وصدقًة وإصداقًا وعتقًا في القيام والفوت والعسر لقوله صلى الله عليه وسلم: "أنت ومالك لأبيك"؛ وظاهره: الكبير كالصغير المتيطي، وقاله أشهب في رواية ابن أبي جعفر.
وعيب المهر: الموجب لمتباعه؛ رده يوجب لها، وفيما يرجع به إن ردته أقوال المستحق.
وفيها: إن فات المعيب عندها؛ رجعت بقيمة عيبه، وإن حدث به عندها عيب.

مفسد؛ فلها رده وما نقصه، وحبسه وأخذ قيمة العيب القديم.
عبد الحميد: اعترض من لقيت قوله: ردت ما نقصه العيب الحادث؛ لأنه لغو، والواجب رجوعها بباقي القيمة عن العيب الحادث.
عياض: في قوله: رجعت بالقيمة؛ تساهل، كيف ترد قيمة وتأخذ قيمة؟ فقال بعضهم: كلامه في حكم الرد بالعيب لا في صفة المطالبة.
وفيها: إن استحق من الدار المهر ما فيه ضرر؛ فلها حبسها، وأخذ قيمة ما استحق ورد بقيتها واخذ قيمتها.
قلت: ظاهره: ولو كان المستحق معينًا لا شائعًا بخلاف البيع؛ لأن المنتقل إليه فيه معلوم؛ وهو الثمن، وفي النكاح مجهول؛ وهو القيمة.
المتيطي: في بعض رواياتها: تحبس ما بقي، وترجع بقيمة ما استحق، وطرح سحنون (بقيمة)، وقال: أخاف كون الثمن مجهولًا.
وفيها: وإن استحق أيسرها كبيت أو تافه؛ رجعت بقيمته فقط، وكذا العروض والأرض، ويسير المستحق من العبد والأمة ككثيره.
قلت: وكذا يسير ما يفسده قسمه كالجبة والقميص، وتمامه في الاستحقاق.
وسمع عيسى ابن القاسم: من نكحت بجنان على أنه عشرة فدادين، فوجد خمسة؛ ثبت نكاحها وإن لم تبن، وتبعته بقيمة المسة الناقصة.
ابن رشد: يريد: إن رضيت بالجنان، ولها رده، وتتبعه بقيمة جمعية؛ لأن ما نقص كمستحق.
أبو صالح وابن لبابة: القياس تخييرها في رده، وتتبعه بمهر المثل، أو تمسكه وتتبعه بنصفه على أن ذلك لا يوجد لهم.
ابن رشد: ليس كما قالاه؛ بل وجد في سماع القرينين: وعلى هذا لو وجدت به أكثر من عشرة فدادين شركها الزوج في الزيادة.
وعن مالك: شرط الأذرع في الأرض كصفة إن ظهرت زيادة؛ فهي للمبتاع، وإن ظهر نقص كان كعيب، وهذا الخلاف قائم من اول كتاب تضمين الصناع نص في سماع عيسى بجامع البيوع.

باب الشغار

ونكاح الشغار محرم: فيها قوله: زوجني مولاتك، وأزوجك مولاتي ولا مهر بيننا؛ شغارً، وكذا زوجني ابنتك، والشغار بين العبيد والأحرار سواء.
وفي فسخه: أبدًا، ولو ولدت أولادًا، أو ما لم يبن ثالثها: يفوت بالعقد، وفسخه قبل البناء استحسان، لها ولابن محرز عن رواية علي في كتاب: خير من زينته مع الباجي وابن رشد دون ذكر محلها.
وابن زرقون عن المازري عن تأويل بعض شيوخنا.
ابن بشير لا خلاف منصوص في المذهب: أنه يفسخ قبل البناء، ونقل بعض المتأخرين فيه خلافًا منصوصًا باطل.
ثم قال ابن بشير آخر الفصل: قال: يمضيه بالعقد مالك مرة، ونقل المتيطي رواية عي ابن زياد: ويثبت بعد البناء بمهر المثل.

قال: وفي كتاب ابن القصار ما يدل على فوته بالعقد.
ابن شبلون: وقول المدونة: فيه الإرث والطلاق يدل عليه.
ابن سعدون هذا غير صحيح؛ لأن قوله: بالإرث فيه؛ إنما هو لفوت موضع الفسخ بالموت.
قلت: فيلزم الإرث في كل فاسد، وفي كون سبب اختلاف قول مالك الاختلاف في تفسير الشغار، أو في كون النهي يدل عى الفساد، ثالثها: إسقاط المهر فيه.
للباجي عن القابسي، وأبي عمران واختياره: ولو عقداه كذلك بمهر؛ سمى لكل واحدة فقيها: هذا وجه الشغار لا صريحة يمضي بالبناء.
ابن رشد: لم يختلف فيه قول مالك.
ابن بشير: لم يختلف فيه المذهب، وفي فسخه قبل البناء قولها، ونق ابن بشير مع قول المتيطي لعبد الرحمن بن دينار، وعن ابن أبي حازم: أنه لا بأس به.
وفي كون الواجب فيه بالبناء مهر المثل أو الأكثر منه ومن المسمى ثالثها: هذا إن دخلا، وإن دخل أحدهما فقط؛ فمهر المثل مطلقًا؛ لنقل ابن رشد ولها وله عن ابن لبابة مستدلًا بحجة الثاني بفوت غرضه في إنكاح وليته.
قلت: مقتضاه الأقل من المسمى أو مهر المثل، ونوقض قولها: إن زوجه ابنته بمائة على أن زوجه الآخر ابنته بمائة؛ لم يفسخ بعد البناء، فقولها في بيوع الآجال: إن باعه عبده بعشرة دنانير على أن باعه الآخر بعشرة دنانير من سكة واحدة؛ إن لم يشترطا إخراج المالين؛ جاز، وكان بيع عبد بعبد، وإلا لم يجز؛ لأن تماثل الثمنين إن أوجب إلغاءهما لوجوب المقاصة، وصرف المعاوضة عنهما لما معهما؛ لزم صرف صورة وجه الشغار لصريحه، وإلا لزم فساد بيع العبدين كشرط إخراج المالين، وأجيب بأن اتحاد مستحق الثمن، والمشتري في العبدين يوجب المقاصة الملزومة؛ لصرف المقاصة بالعبدين أحدهما بالآخر دون ثمنيهما، واختلافهما في النكاح يوجب منع المقاصة الملزوم؛ لتعلق المعاوضة بالمائتين؛ يرد بأن ظاهر المذهب عموم مسألة العبدين في العاقدين كانا مالكي العبدين، أو وكيلين على بيعهما كذلك، ويجاب بأن العبدين صالحين؛ لكون أحدهما ثمنًا للآخر، فأوجبته المقاصة والبضعان لا يصلحان لذلك،

فبقيت المعاوضة متعلقة بهما معًا.
وفيها: إن دخلا في وجه الشغار؛ فلكل منهما مهر مثلها لا المسمى.
سحنون: إلا أن يكون المسمى أكثر.
عياض: حمل الشيوخ قول سحنون على التفسير لذكره ابن القاسم فيما شبهها به، وهي التي تزوجت بمائة وثمرة؛ لم يبد صلاحها، أو بمائة نقدًا ومائة إلى موت أو فراق، وذكره ابن لبابة لابن القاسم لا لسحنون، وحمله بعضهم على خلاف قول ابن القاسم، وحمل قوله على ظاهره بلزوم مهر المثل مطلقًا، واحتج برواية أبي زيد: لهما مهر المثل قل أو كثر.
وفيها: إن دخل في وجه الشغار أحدهما فقط؛ فسخ نكاح الآخر، ومضى نكاح الداخل بمهر المثل، وفي كونه مطلقًا، أو ما لم ينقص عن المسمى نقلًا عياض سماع يحيى ابن القاسم، وقول عيسى بن دينار في المبسوطة.
وفيها: إن سمي لإحداهما دون الأخرى ودخلا؛ مضى نكاح المسمى لها، وفسخ نكاح الأخرى ولو دخلت، فاختصرها الشيخ: لكل منهما مهر المثل؛ كروايتها ابن لبابة قائلًا: أخطأ جماعة بتأويل أن المسمى لها الأكثر منه ومن المسمى.
عياض عن ابن رشد: قول عيسى على تأويل الشيخ خلاف رواية يحيى.
ابن بشير: إن جعل كل من الويين صحة دخوله مشروطًا بصحة دخول الآخر، فحكى أبو حامد الاتفاق على فسخه على كل حال.
ابن العربي: إن زوجه على أن زوجه، ولم يذكر مهرًا ولا إسقاطه؛ فهو كصريح الشغار، وفي كونه فيمن لا يجبر كنكاح على أن لا مهر يمضي بعد البناء على اختلاف، أو ككونه فيمن يجبر؛ نقل الباجي عن بعض الناس والمذهب محتجًا بنصها فيه في المولاتين، وبأن نكاح الشغار الخلاف في فسخه بعد البناء؛ كالنكاح على أن لا مهر.
قلت: ومن ثم تعقب على البرادعي إسقاط ذكره في المولاتين، وفي احتجاج الباجي بالثاني نظر؛ لأن مذهب المدونة في صريح الشغار الفسخ بعد البناء، وفي النكاح على أن لا مهر مضيه بالبناء بمهر المثل.
ابن العربي: قول مالك: إنما الشغار في البنتين؛ تعلق بظاهر الحديث، وإنما يتم أن

لو كان من لفظه صلى الله عليه وسلم.
قلت: ظاهره: في البنتين بكرين كانتا أو لا؛ لأنه ذكر بعد قول مالك هذا قول بعضهم بتخصيصه بمن تجبر.
قوله: يتم لو كان من لفظه صلى الله عليه وسلم يرد بأن القياس يعممه في كل امرأة أو فيمن تجبر كالأمة.
الصقلي عن أبي عمران: إن زوج كل من رجلين الآخر أخته بمهر معلوم؛ جاز إن لم يفهم أنه إن لم يزوج أحدهما صاحبه؛ لم يزوجه وإلا لم يجز، وعزاه بعضهم لابن لبابة.
وكون المهر منافع جعلًا؛ لا يجوز.
سمع عيسى ابن القاسم: من سقط ابنه في جب، فقال لرجل: أخرجه، وقد زوجتك ابنتي؛ فأخرجه لا نكاح له، وله أجر إخراجه، لا يكون النكاح جعلًا.
ابن رشد: اتفاقًا؛ لأن النكاح به نكاح فيه خيار؛ لأن للمجعول له الترك متى شا.
قلت: إجراؤه على الخيار يوجب دخول خلافة فيه.
وفي النكاح بالإجارة كنكاحه على أن يحجها، أو يعمل لها عملًا في كراهته، فيمضي بالعقد ومنعه، فيفسخ قبل البناء، ويمضي بعده بمهر المثل ثالثها: إن كان مع المنافع نقد؛ جاز، وإلا فالثاني، ورابعها: إن لم يكن نقد؛ فالثاني، وإلا فسخ قبل البناء، ومضى بعده بالنقد، وقيمة العمل، وخامسها: بالنقد والعمل لابن رشد عن ابن حبيب مع أصبغ، وروايته عن ابن القاسم، وظاهر سماعه عيسى، ونقل ابن رشد وسماع يحيى، ورواية ابن القاسم: إن ماتت من تزوجت بنقد معلوم، وحجها بعد البناء لوارثها نقدها، وما ينفق على مثلها في حجها، وقول ابن القاسم، وعلى الأول قال ابن حبيب: لا يبني بها حتى يحجها أو يعطيها قدر نفقة حجها، فإن شاءت؛ حجت أو تركت.
ابن رشد: فيه نظر؛ لأن فسخ الدين في الدين يدخل في التخيير.
والصواب: أن لا يحمل قوله على التخيير؛ بل على لزوم إحجاجها على القول بأنه الواجب عليه، أو لزوم قدر نفقته على القول بأنه الواجب عليه، ولأشهب: له البناء قبل إحجاجها إلا أن يأتي إبانه قبل البناء؛ فلا يكون له ذل الكالئ يحل قبل البناء.
ورد ابن عبد السلام: قول ابن رشد بقوله: إنما يلزم ابن حبيب فسخ الدين في

الدين بسبب التخيير بناء عى أن من خير بين شيئين يعد منتقلًا، وقد علمت ما فيه، وأيضًا فابن حبيب يجيز نقل الأجبر على عمل لعمل يخالفه باختياره؛ يرد بأن فسخ الدين في الدين؛ إنما دخل في التخيير؛ لأنه بيع لما في الذمة بعوض غير ناجز ضرورة أن للتخيير زمنًا سابقًا على زمن تعيين ما خير فيه؛ فالتخيير ملزوم لأخذ مؤخر من دين، وهذا اللزوم ثابت على تقدير كون من خير بين شيئين منتقلًا أم لا؟ وهو المعنى بفسخ الدين في الدين، فقوله: المنع بناء على أن من خير منتقل مجرد دعوى لا يتم بها إبطال مثل قول ابن رشد لعروها عن دليل يدل عليها؛ بل الدليل قائم على بطلانها؛ لأن من أخذ سلعة عن دين، ثم انتقل عنها قبل قبضها لغيرها من مال بائعها برضاه؛ جاز، وهذا انتقال خاص، فلو كان مطلق الانتقال ملزومًا لفسخ الدين في الدين للزم في هذا الانتقال الخاص.
فإن قلت: لو كان علة المنع ما ذكرت؛ لزم جوازه إن قرب زمن اختياره على أحد القولين في أخذ معين عن دين تأخر قليلًا، أجيب بأن التأخير اليسير؛ إنما اغتفر في تعلق الأخذ بعين جزئي لبعده عن الكلي الشبيه بما في الذمة، وما أخذ مخيرًا فيه بينه وبين غيره كلي؛ لأنه غير معين، فأشبه الدين، وامتنع تأخيره ولو قل.
ويطلب كون المهر نقدّا لا مؤجل فيه.
ابن رشد: عقده ببعيد الأجل يفسخ اتفاقًا، وفي حده أربعة: ابن وهب وأول قولي ابن القاسم: ما فوق العشرين.
الثاني ما فوق الأربعين.
الثال: يفسخ في الخمسين.
الرابع: سمع أصبغ ابن القاسم: في السبعين.
قلت: للخمي عن ابن القاسم: يفسخ في الأربعين، ثم رجع إلى خمسين.
ابن رشد: وفي العشرين فما دونها خمسة: أحد قولي ابن القاسم في الموازية، وقول مالك فيها: يكره ولو فيما قل، وعلله فيها بأنه ليس بنكاح من مضي ابن وهب: يكره فيها جاوز السنة فقط.

الثالث: فيما جاوز الأربع.
الرابع: سمع أصبغ ابن القاسم: يجوز في العشرين ونحوها، ويكره فيما جاوز ذلك، وقاله أصبغ في الواضحة وأشهب؛ لأنه زوج ابنته بمهر لاثنتي عشرة سنة.
الخامس: لأصبغ في «العتبية»: يجوز في العشرين فأقل، وهو ظاهر قول ابن القاسم في الموازيَّة.
ابن رُشْد: وظاهر سماع أصبغ ابن القاسم: عدم اعتبار ما بقي من عمر الزوج والمشتري بالتعمير؛ وهو قول أشهب في «الدمياطية»: قيل له: إلى كم أجل المهر المؤجل؟.
قال: ما شاء، إن شاء ثلاثين سنة.
قيل: فإذا كان كبيراً لا يعيش لمثلها؟.
قال: لا أدري ما يعيش الذي يتزوج إلى عشر لا يدري أيعيش إليها أم لا؟.
إن دخل في الأول غررٌ؛ دخل في الثاني؛ ومعنى ما تكلم عليه عندي في الكثير الذي لا يعيش إليه غالباً، ويعيش إليه نادراً، وما علم أنه لا يعيش إليه لا ينبغي أن يحوز إليه؛ كالمهر إلى موتٍ أو فراقٍ؛ كمهر ابن مائة إلى ثلاثين.
وقال التونسي: التحقيق أنهم إنما كرهوا البيع، والنكاح إلى بعيد الأجل الذي يجاوز عمر الإنسان؛ لأنه يصير غرراً لحلوله بموته، ولو نكح أو اشترى ابن ستين بمؤجل لعشرين؛ لم يجز؛ لأن الغالب أنه لا يعيش لذلك بخلاف ابن عشرين؛ لأن الغالب حياته له، فما الأغلب أنه يعيش له جائز اتفاقاً، وما لا يعيش له لا يجوز اتفاقاً، وما الأغلب أنه لا يعيش إليه يجوز على اختلاف، وما لأجلٍ مجهولٍ يفسخ قبل البناء، وفي إمضائه بعده بقيمته نقداً أو بمهر المثل نقلا اللخمي قائلاً: محمل الأول أن العادة لموتٍ أو فراقٍ؛ فلا مثل يهتدى إليه.
قلت: فلا خلاف إذًا، والقولان ذكرهما عبد الحق في «تهذيب الطالب» عن فضل عن ابن عبدوس روايتين لسحنون، وهما ظاهر لفظ ثاني نكاحها فيه: ما كان من مهر لموت أو فراق يفسخ عند مالك إن لم يبن، فإن بنى؛ جاز النكاح.
قال مالك مرة: يقوم المهر المؤجل بما يسوي إذا بيع نقداً فتعطاه، وقال مرة: ترد

لمهر مثلها نقداً، وهو أحب إلي، تعطى مهر مثلها يحسب فيه ما أخذت من العاجل، وما بمائة نقداً ومائة لموتٍ أو فراقٍ في مضيه بالعقد، وفسخه قبل البناء مطلقاً أو ما لم يرض الزوج بتعجيل المجهول، أو ترضى المرأة بإسقاطه نقل المتيطي عن فضل: كان من بعض الناس فيه تخفيف، والمشهور ونقل غير واحد عن أصبغ، وعلى الثاني في مضيه بعد البناء بمهر المثل مطلقاً، أو ما لم ينقص عن المعلوم ثالثها: وما لم يزد عليهما، ورابعها: بالمعجل، وجزء مهر المثل المسمى للخارج من تسمية قيمة المؤجل منهما مع المعجل، وخامسها: بالمعجل وقيمة المؤجل على غرره لنقل اللخمي قائلاً في الأخير: هذا إن كانت العادة ذلك لا غيره.
ابن رشد: ظاهر المدونة: لها مهر مثلها، وإن زاد على المعجل والمؤجل، وقاله ابن الماجشون، ورواه مطرف، وعزا الثالث لأصبغ وابن القاسم وابن عبد الحكم، والأول ظاهر قول أصبغ، وأبي زيد في سماع يحيى.
قلت: الذي لأبي زيد في سماع يحيى ما نصه: يفسخ النكاح ما لم يبن، وإن بنى نظر إلى ما أعطاها من المؤجل إلى خمس سنين، فيقال: ما صداق مثلها على هذا المؤجل المسمى لها إلى خمس سنين، فما كان قل أو كثر أضيف إلى ذلك المؤجل تأخذه نقداً، وبقيت الخمسون لأجلها، وقال أصبغ كقول أبي زيد.
قلت: وهذا ليس هو مهر مثلها مطلقاً؛ بل هو مهر مثلها على أن المسمى بأجله منه.
والثاني: هو قول مالك فيها، فإن قلت: في عزوه الأول للمدونة نظر؛ لأن لفظها في مهر وجه الشغار: ألا ترى إن تزوج بمائة نقداً، ومائة لموت أو فراق أن لها مهر مثلها ما لم ينقص عن المائة، فهذا مثله عندي، والمقيس عليه في أقيسة المدونة؛ إنما هو قول مالك.
وفي ثاني نكاحها ما تقدم نصه: وظاهر أوله في المهر المجهول أجله لا أجل بعضه، وظاهر كلام ابن القاسم فيه: أنه في المجهول أجل بعضه، ونحوه قول المتيطي: إن فات بالبناء، فقال مالك في المدونة: لها مهر المثل.
قال في النكاح الثاني: نقداً لا مؤخر.

قال فيه ابن القاسم: ولمالك: أن لها قيمة المؤجل ولا يعجبني.
قال في المدونة: ما لم ينقص المثل عن المعجل فلا تنقص منه شيئاً، انتهى كلامه.
قلت: يفسر هذا الإجمال كله نصها في فصل الشروط من نكاحها الأول.
قال مالك: إن بنى من نكح بمائة نقداً وبمائة لموتٍ أو فراقٍ؛ فعليه لها مهر مثلها لا أنظر إلى ما سمياه من مهر.
سحنون: إلا أن يكون مهر مثلها أقل؛ فلا ينقص منه شيئاً.
المتيطي: إن لم يؤرخ أجل الكالئ؛ ففي لزوم فسخه قبل البناء ومضيه، فيكون المؤجل حالاً ثالثها: إن عجله الزوج، أو أسقطته الزوجة أو أبوها بكراً؛ ثبت وإلا فسخ بطلقة للمشهور مع بعض القرويين عن المدونة، وعبد الملك والموثقين عن المذهب ويحيى بن يحيى مع ابن وهب، وابن عبد الحكم مع أصبغ، ونقله عن ابن القاسم، ورواية ابن وهب، ورابعها: قول ابن ميسر: يقال للزوج: عجل لها، فإن أبى وطلقها من ذاته؛ لزمه نصف المعجل، ونصف الكالئ باق عليه لأجل المؤخر في مهورهم؛ لأن شكوتهما يدل على دخولها على العرف، ونحوه لابن الهندي عن بعض أهل عصره: أنه كان يفتي به ويقول: إن اختلف أجل الكالئ عندهم ضرب له أجل وسط، واحتج بقول خيارها: من باع على خيار غير مؤجل؛ جاز، وجعل له من الخيار ما يكون لتلك السلعة.
قال: وأخذ بعضهم الثالث من قولها: إن بنى بها؛ فلها مهر مثلها ما لم يكن أقل من المعجل، فأجراها مجرى بيع الشروط.
ابن حبيب: ما عقد بمائة نقداً ومائة لأجل ومائة لموت أو فراق، وفات بالبناء يمضي بمهر المثل، فإن نقص عن المائتين؛ ثبتتا، وما زاد عليهما؛ ثبت حالاً، وفي سقوط ما زاد على الثلاثمائة، وثبوته حالاً وقولا محمد والأخوين.
الصقلي: الواجب على فساده مهر المثل مطلقاً.
عبد الحق مع ابن أخي هشام: إنما يقوم مهر المثل على أن فيه مائة إلى سنة.
قلت: هو نحو ما تقدم لأبي زيد.
وسمع ابن القاسم: النكاح على أن ينفق على ابنها، أو عبدها ليس من عمل الناس

ولا أراه.
ابن القاسم: إن بنى سقط الشرط، ولها مهر مثلها، وإلا فسخ، ولو طرحته شرطها لعل الصبي لا يعيش شهراً، أو يعيش عشرين سنة.
ابن رشد: قول ابن القاسم تفسير لقول مالك، وقول ابن الشقاق: كرهه مالك؛ لأنه ليس من عمل الناس، فسواء ضرب للنفقة أجلاً أم لا؟ وعلى قول ابن القاسم: لا بأس به؛ بعيد؛ إذ لا وجه لفساده إلا جهل زمن النفقة، وللزوج الرجوع بها عليه إلى حين فسخ النكاح، أو تصحيحه بمهر المثل.
وفي الموازية لأصبغ: إن طرحت شرطها؛ ثبت النكاح، وقاله ابن القاسم، وهو أيضاً قوله فيما يشبهه، ومشهور قوله فسخه.
المتيطي: التزام نفقته في العقد لغير أجل كمهر مجهول، وفي كونه لأجل كذلك قولا ابن زرب، وأبي بكر بن عبد الرحمن قائلاً: لو مات الولد؛ رجعت نفقته لأمه؛ لأنها من مهرها.
المتيطي: ويجب في ذكر النفقة بيان دخول الكسوة أو خروجها؛ لأن من التزمها مجملة، وقال: نويت الطعام فقط في لزومها إياه قولا ابن زرب وابن سهل قائلاً: ولا يمين عليه، وقد يتخرج لزوم يمينه من بعض المسائل.
قال: ولو لم ينو إخراج الكسوة؛ لزمته.
وسمع يحيى ابن القاسم: كراهة تأجيله بالبناء، وفي كونه إن وقع كمعلوم أو مجهول سماع يحيى قول ابن القاسم، وروايته مع سحنون وابن رشد عنها، وعن سماع عيسى ابن القاسم مع أصبغ وأبي زيد.
وفي كون قول مالك: لأن وقت البناء معروف عادة، أو لأنه حال قولا ابن القاسم ومحمد قائلاً: لأن للمرأة تعجيله، ورده ابن رشد بوجوب تأخيره لما لا يضر بالمرأة إذا دفع نفقتها، وما إلى ميسرة الزوج، وهو معسر.
سمع يحيى ابن القاسم: كمجهول، وإن كان ملياً؛ ففي كونه كذلك أو كمعلوم ثالثها: إن كان معه معجل، ورابعها: عكسه، لابن الماجشون، وسماع يحيى ابن القاسم، وتخريج ابن رشد من تعليل ابن حبيب قول ابن الماجشون وقول ابن رشد: عكسه

أشبه، وعلى الثاني في تأخيره قدر توسعة مثله، وكونه حالا سماع يحيى ابن القاسم، ورواية أصبغ عن ابن القاسم.
ابن رشد: ليسا بخلاف؛ وإن سماه حالاً لابد أن يؤخر قدر ما يتيسر فيه مال دون إفساد ماله، وبيع أصوله بالغاً ما بلغ، كمن أسلف رجلاً سلفاً حالاً لا بد أن يؤخر قدر ما يقصد ذلك عادة.
قلت: وللشيخ عن ابن حبيب عن ابن القاسم: كونه إلى أن تطلبه ككونه إلى ميسرة.
وقول ابن الحاجب: متى أطلق فمعجل؛ هو نص ثاني نكاحها، وظاهر نقل النوادر، وتقدم ما فيه، وفي جواز النكاح والبيع: إن قابله ربع دينار، ولو أعطى الزوج أقل مما أعطته المرأة، ومنعه ككونه بمجهول ثالثها: إن فضل ما أعطاه الزوج على ما أعطته المرأة بربع دينار؛ جاز وإلا فالثاني، ورابعها: هذا إن فضله بكثير لا يقارب أن يستغرقه ما أعطته المرأة لابن رشد عن القاضي عن أشهب وسماع ابن القاسم مع قوله وروايته فيها، وقوله ومطرف وابن الماجشون، وعزا اللخمي الثالث لأحد قولي مالك، وذكر الرابع بقيد كراهته ابتداءً.
وعلى الأول قال ابن رشد: يفض معطى الزج على قيمة معطى المرأة، ومهر مثلها إن وقع طلاق أو استحقاق، وقول بعضهم: هذا إن قاربت قيمة معطي الزوج قيمة معطى المرأى، ومهر مثلها، وإن فضلتهما، أو نقصت عنهما بكثير جعل للبضع الزائد على قيمة معطي المرأة؛ لحرص الزوج على النكاح في الفضل، والمرأة عليه في النقص حسن لو ساعده الظاهر، وفي كون المشهور؛ لأنه ذريعة لخلو البضع عن المهر أو للتنافي؛ لأن طريق البيع المكايسة، وتجوز فيه الهبة بخلاف النكاح فيهما، فجمعهما يوجب حمل مناب البضع والمبيع.
نقل ابن رشد عن أصبغ وغيره، وعلى المشهور قال اللخمي: فوت النكاح إن كان الجل فوت للسلعة، ولو كانت قائمة وفوتها، وهي الجل ليس فوتاً له؛ لأنه مقصود في نفسه.
وسمع سحنون ابن القاسم: من أنكح ابنته من رجل على إن أعطاه داراً؛ جاز

نكاحه، ولو قال: تزوج ابنتي بخمسين ديناراً، وأعطيك هذه الدار؛ فلا خير فيه؛ لأنه من وجه النكاح والبيع.
ابن رشد: يقوم منه معنى خفي؛ وهو جواز اجتماع البيع مع نكاح التفويض بخلاف نكاح التسمية.
قلت: فيه على التعليل بالتنافي نظر، وهو خلاف قول اللخمي: الفرق في المسألتين أنه في الأولى: ملكه العطية قبل النكاح، ثم زوجها بما تراضيا عليه، وفي الثانية: انعقدا معاً، والقياس أنهما سواء؛ لأن العطية إذا تقدمت ليتزوج، فلم يتزوج؛ ردت فصارا كعقد واحد.
والعقد الملزوم للتنافي فاسد مطلقاً؛ لعدم قبوله التصحيح كنقل ابن شاس: تزويج عبده بجعله مهره فاسد؛ لأداء ثبوته نفيه، ولمنافات الملك النكاح لو ثبت بخلاف كون المهر خمراً.
وللطرطوشي في فصل الطلاق منه نظائر.
وسمع ابن القاسم: من أعتق أم ولده، وأعطاها عشرة دنانير مهراً، شرطا عليها قبل عتقها؛ فسخ نكاحه ولو بنى، ولها العشرة.
ابن رشد: جعل مهر الزوجة عتقها لا يجوز عند مالك وكل أصحابه، وفي كون فساد نكاحه؛ لفساد مهره، فيمضي بعد البناء بمهر المثل، ويجوز إن سمي فيه مهر أو يعقده، فيفسخ ولو بنى، وفيه المسمى ثالثها: أنه ليس بنكاح؛ بل هو شرط لا يلزمها؛ فلا يفتقر لفسخ، فإن بنى بها؛ مضى بمهر المثل لشبهة أنه نكاح، لفضل مع حمله قول ابن حبيب عليه.
وسماع ابن القاسم، وظاهر قول ابن حبيب في الواضحة، وفيه نظر، وقياسه فسخه بعد البناء؛ لانتفاء العقد فيه، وظنهما ثبوته لا يثبته.
ثم قال ابن رشد: فساده قيل: لمهره، وقيل: لعقده قبل كمال العتق بما قرن به من شرط، وفيه المهر والإرث لرعي الخلاف، وقيل: لنه ليس بنكاح؛ لأنه شرط عليها ما لا يجوز، فيفسخ ولو بنى بغير طلاق، ولا إرث فيه، وقيل: إن بنى؛ مضى لشبهة العقد.
وفيها: أيتزوج حرتين في عقد؟ قال: لا أحفظه ولا يعجبني إلا أن يسمى مهر

كل منهما.
قلت: فإن طلق أو مات أيغرم المهر الذي سمى أم يقسم بينهما على مهريهما؟ قال: لا يجوز إلا بتسمية مهر كل منهما، وبلغني إنما كرهه مالك لجهل مهر هذه من هذه، وخرجهما اللخمي على جمع الرجلين سلعتيهما في البيع قال: ولا نكاح أخف، وسبقه به ابن محرز، وزاد وأجازه أصبغ، وقال: تعطى كل منهما مهر مثلها؛ يعني من المسمى، وحكاه عن ابن دينار صاحب مالك.
قالالصقلي وسحنون، عياض وابن نافع، ابن محرز: سواء كان وليهما واحداً أو متعدداً كمنع الوصي جمع سلعتي يتيمه في عقد واحد حتى يسمى ثمن كل سلعة.
قال: وظاهرها لا مهر فيه إن مات أو طلق لفساده.
وقال بعض المذاكرين: لها ما يخصها من التسمية؛ لأن النكاح أخف من البيع، وخرجه الصقلي على قوله فيمن نكح بدرهمين وطلق: لها نصفهما.
اللخمي: إن سمى، ولم يشترط نكاح إحداهما في نكاح الأخرى؛ جاز، وإلا فإن كان مهر كل منهما ما سمى لها؛ جاز، وإن خالفه وشرط لمن طلقها نصف تسميتها؛ فسد، وكذا البيع بهذه الصفة، وإن شرط؛ فض كل ما سمى على مهري مثليهما، فكما لو أجملهما في مهر، فإن أصدقهما ستين بالسوية، ومهر مثل إحداهما أربعون والأخرى عشرون، فإن طلق ذات العشرين قبل البناء؛ أخذ منها عشرة، وبقي لها عشرون منها عشرة هبة لها من الأخرى، وإن طلق الأخرى؛ أخذ منها خمسة عشر، ومن الأخرى خمسة تمام العشرين.
عياض: أجازه ابن سعدون: ولو كان نكاح إحداهما بشرط الأخرى، وفرق بين النكاح والبيع، ولو تزوج أمتي رجل في عقد واحد أو حرة وأمتها، ففي جوازه بمهر بينهما، أو حتى يسمي مهر كل منهما طريقا أبي حفص وابن محرز قائلاً: لأن المهر مستحق للأمة لا لمالكها.
قلت: والأول بناء على العكس.
الصقلي وأبو عمران: يجوز نكاح امرأتين في عقد واحد إحداهما بتسمية، والأخرى بتفويض أو كلتاهما به.

وفي ثاني نكاحها: من زوج أمته على أن ما ولدت حر؛ لا يقر نكاحه بحال، ولو دخل، ولها المسمى.
الصقلي عن بعض القرويين: وقيل: مهر المثل كنكاح بمهر مجهول.
قلت: بناء على أن ما ذكر في العقد داخل في العوضية، أو خارج قيد في العقد، ولازم مهر المثل مضيه بالبناء.
وقول ابن عبد السلام لم ينص في المدونة على فسخه بعد البناء، إنما قال فيها: لا يقر هذا النكاح؛ يرد بسابق نصها، ولعله اغتر بلفظ أبي سعيد المنتقد بترك أمر مهم.
وقال ابن رشد: لا خلاف في فسخه أبداً إلا أن يدخله الخلاف على ما مضى في رسم (سن).
قلت: هو سماع ابن القاسم: من زوج عبده أمته على أن ولده منها حر؛ فسخ ولو دخل، وولده أحرار.
ابن رشد: لا أعرف فيه نص خلاف، ولا يبعد دخوله فيه من فاسد النكاح بشرط لا يجوز كالنكاح على أن لا إرث، أو على أن لا نفقة، أو على أن يأت بالمهر لأجل كذا؛ فلا نكاح بينهما، أو على أنه بالخيار أياماً أو على أن لا يطأها نهاراً، أو على أن الطلاق بيد غير الزوج في فسخه بعد البناء قولان، وعلى فسخه في كون مهره المسمى أو مهر المثل قولان، وعلى الثاني فقط، ورده ابن عبد السلام بأنه إنما يتم لو كان كإنكاح فسد؛ لشرطه فساده في مهره، وليس كذلك منه ما فساده له، وما فساده لعقده؛ يرد بأن ما ادعاه رداً للتخريج هو تأكيد له؛ لأنه سلم انقسامه للأمرين، وكل ما كان كذلك منضماً لنقل ابن رشد: العدل الثقة الحافظ قولاً بأن فاسد النكاح لشرطه يمضي بالبناء؛ لزم قطعاً وجود القول به في شرط حرية الولد كان فاسداً لعقده أو لمهره، وسبب القولين ما قدمناه.
اللخمي: روى محمد: من زوج أمته على أن ولدها أحرار؛ فسخ نكاحه ولو بنى، وولده أحرار، وولاؤهم لسيدهم، ولا قيمة على أبيهم فيهم.
محمد: إن باعها بعد ذلك، وهي غير حامل؛ فولدها رقيق، وكذا إن لم يبعها وفسخ الشرط أو تفاسخاه، أو رجع السيد فيه قبل حملها؛ لأنه رضىً بفاسدٍ؛ رد قبل وقوعه.

وسمع يحيى ابن القاسم: إنكاح السيد عبده أمته على أن كل ما تلد منه حر؛ يفسخ؛ لأنه وقع بشرط لا يحل، كالأجنبي وما ولدته قبل النظر فيه حر، وكذا ما ولدته بعد موته من حمل في حياته قبل قسم تركته، وما بعد قسمها؛ رق لمن صارت له، ولسيدها بيعها قبل حملها، ولوارثه ذلك، ولو بعد حملها في حياة سيدها، ولو في غير دين.
أصبغك لا تقسم حتى تضع إلا لدين، أو يخاف تلف المال، وعطب الميراث.
ابن رشد: مضى الكلام عليها في رسم الجواب.
قلت: هو سماع عيسى ابن القاسم: من زوج أمته عبده أو غيره على أن أول ولد تلده حر، فولدت من حمل بعد إصداقها أو بيعها؛ سقط شرطها بخروجها من ملكه، وله بيعها، ويفسخ النكاح على كل حال، ولو ولدت من حمل كان، وهي في ملك ربها؛ فولدها حر، وولاؤه له، فإن فاتت في البيع، ولو بحوالة سوق؛ مضت بقيمتها يوم قبضها بحالها على أن ولدها لبائعها لو جاز ذلك وإلا ردت، وإن فات في النكاح؛ رجعت المرأة بما بين قيمتها؛ كعيب بها، وإلا ردت ورجعت بقيمتها.
ابن رشد: قوله: يفسخ نكاحها على كل حال؛ خلاف قول ابن الماجشون: إن عثر عليه بعد الولادة لم يفسخ، كقول ابن القاسم: عن صح من نكح في مرضه؛ صح نكاحه.
قال ابن عبد السلام: في كونه مثله نظر.
قلت: لعله للفرق بأن موجب الفساد في نكاح المريض بان كذبه على منع التعليل بالمظنة المتيقن نفي حكمتها، أ, بان ارتفاعه على جواز التعليل بها، وفي شرط حرية الولد بان صدقه، وثبت متعلقه.
ابن رشد: وقوله: بيعها أسقط شرطها مثل قولها: إلا أنه استثقل فيها مالك بيعها، وقال: ليف بما وعدها.
قلت: إن قيل: التي استثقل فيها مالك بيعها هي كمسألة كتاب العتق الثاني، وهي من قال لأمته في صحته: كل ولد تلدينه حر، وهذه أقوى من مسألة العتبية؛ لأنه في مسألة العتبية؛ إنما التزم حريتها على تقدير تزويجها، وتزويجها على ذلك غير جائز، ويؤيده ما تقدم للخمي: أن لسيدها الرجوع في ذلك الشرط وإن لم يبعها، ومسألة

كتاب العتق ليس له فيها رجوع ما لم يبعها.
قلت: يرده ما يأتي في سماع يحيى.
ابن رشد: وقوله في النكاح بها بعد حملها: غير مستقيم؛ لأنه إن تزوجها على أن الجنين للمرأة، وأعلمها أنه كان أعتقه، أو على أنه حر؛ فسخ قبل البناء، ومضى بعده بمهر المثل، وترد الأمة إن كانت قائمة، وقيمتها إن فاتت على أن جنينها مستثنى لو حل بيعه كذلك، ولو تزوجها، ولم يعلمها بعتق جنينها؛ ردت إن لم تفت بعيب مفسد، ورجعت بقيمتها، وإن فاتت به؛ خيرت في الرجوع بما بين القيمتين كعيب وجدته بها، وفي ردها مع نقص العيب عندها، وترجع بقيمتها صحيحة، فقوله: تفوت بما يفوت به البيع الفاسد غير صحيح، وفي سماع المتقدم.
قلت: إن قال لأمة له: كل ولد تلدينه حر؛ اهي كالتي زوجها بهذا الشرط؟.
قال: الشرط في هذا والابتداء سواء، فظاهره عدم استثقال بيعها فيهما معاً خلاف قولها: وشرط ما يقتضيه النكاح فيه غير مكروه؛ لأنه مؤكد له، وشرط ما يناقضه.
اللخمي: كشرط ألا يأتيها ليلاً والأثرة عليها، أو لا يعطيها الولد، أو لا نفقة لها أو اإرث بينهما في فسخه مطلقاً، او قبل البناء ثالثها: تخير المرأة، ولو بنى في إسقاطه فيمضي، والتمسك به، فيفسخ لنقل اللخمي، ونقله عن علي بن زياد، وتقدم الأولان لابن رشد بزيادة.
ابن حارث: اتفقوا إن بنى في شرط أن لا نفقة لها على ثبوت النكاح، وسقوط الشرط، وإن لم يبن؛ ففيها لا خير فيه.
ابن القاسم: يفسخ.
المغيرة: النكاح جائز، والشرط باطل، وفي شرط أن لا يأتيها ليلاً.
قال ابن القاسم: يفسخ قبل البناء، ويثبت بعده بمهر المثل.
محمد: مهر المثل خطأ؛ لأن فساده من غير مهره.
المتيطي: في شرط أن لا ميراث يفسخ قبل البناء، وفي فسخه بعدها أحد قولي ابن القاسم وثانيهما.
قال: وروى محمد: لو شرط في تزويج عبده أمة غيره أن الولد بينهما فسخ، ولو

بنى، والولد لربها.
وحكى أبو الفرج أنه بينهما، ولها بالبناء مهر المثل.
بعض الموثقين: إن زاد على المسمى؛ فعلى رواية محمد يسقط الزائد، وعلى قول أبي الفرج؛ لا يسقط لحصول غرض الزوج.
وسمع ابن القاسم: لا خير في تزويج الأب ابنه الصغير على أن نفقة امرأته على الأب.
ابن القاسم: يفسخ قبل البناء، وإن بنى؛ جاز وكانت النفقة على الولد، قيل: فعبده؟ قال: لا خير فيه، ولو كان هذا؛ لجاز في الجهل بالنفقة.
ابن القاسم: قال لي: هذا وشبهه، وأكثر الكلام فيه الكراهة.
ابن رشد عن محمد: اختلف قول مالك في شرط النفقة في النكاح على أبي الصغير حتى يكبر، أو ولي السفيه حتى يرشد أجازه مرة وكرهه أخرى, وقال: بهما كثير من أصحاب مالك.
وحكى ابن حبيب: رواية ابن الماجشون وابن وهب إجازته، وأراد لزوم ذلك ما عاش الأب، والزوج مولى عليه، وإنما هذا الخلاف إذا لم يتبع بيان رجوع النفقة على الصبي، والسفيه بموت الأب قبل بلوغ الصبي، وبموت الولي قبل رشد السفيه أو سقوطها عنهما في ذلك، ولو وقع الشرط ببيان الأول؛ جاز النكاح، ولو وقع ببيان الثاني؛ فسد اتفاقاً فيهما، وعلى فساده.
قال ابن القاسم: وإن بنى؛ جاز النكاح والنفقة على الزوج ولم يبين هل يمضي بالمسمى أو بمهر المثل؟ والأظهر أنه بمهر المثل؛ لأن للشرط اثراً في المهر إن سمى، وهو الذي في الواضحة، ولو شرطت النفقة في نكاح الكبير المالك أمر نفسه على غيره؛ فسخ قبل البناء.
وروى ابن حبيب: إلا أن ترضى المرأة كون النفقة على الزوج على القول بوجوب التخيير قبل البناء في النكاح بمهر بعضه مؤخر لأجل مجهول، ويثبت بعد البناء، وتكون النفقة على الزوج، ولا يدخل خلاف المسألة الأولى في هذه؛ لظهور الغرر والفساد فيها، ولا يجوز النكاح على إعطاء الزوج بالنفقة حميلاً؛ لأنها ليست بدين ثابت في ذمة

الزوج كالمهر، فإن وقع عليه؛ فسخ قبل البناء، وثبت بعده بمهر المثل وسقطتـ ولو وقع في شرط النفقة على غير الزوج رجوعها عليه إن مات من شرطت عليه، أو طرأ عليه دين، أو ما يبطل النفقة عنه؛ جاز النكاح على قياس ما تقدم، وقيل: يفسخ على كل حال قبل البناء؛ لأن شرطها على غير الزوج خلاف السنة، ويمضي بعده بمهر المثل، ويسقط الشرط، وإليه نحا الأبهري، وما قلناه أبين وأظهر.
اللخمي: النكاح بشرط ما يوجب تمليكاً بما؛ فعله بيد الزوج ثابت، وبما بيد غيره كقول السيد: إن بعتك أو بعته فاسد في مضيه، ولو لم يبن مع إسقاط الشرط وفسخه، ولو بنى كالمتعة، ثالثها: هذا إن لم يسقط ذو الشرط شرطه لعبد الملك ومحمد ورواية علي، وبما فعله بيد الزوج على أن الزوجة مصدقة عليه أنه فعله.
روى محمد: لا يحل، فإن نزل مضى، ولها طلاقه.
محمد: كشرطها إن ضربها أو رب خمراً أو غاب عنها؛ فأمرها بيدها.
اللخمي: ليس شرط تصديقها كضربها؛ لأنه في تصديقها دخل على غرر في بقاء عصمته.
وسمع ابن القاسم: من زوج أجيره جاريته على إن رأى منه ما يكرهه؛ فأمرها بيدها لا يحل، فإن وقع؛ جاز.
ابن القاسم: ولو لم يبن كشرطها إن أضر بها، أو شرب خمراً، أو غاب عنها؛ فأمرها بيدها، وقاله سحنون وأصبغ.
وروى سحنون: من زوج عبده على أن الطلاق بيد السيد إن بنى؛ وقع ما بيد السيد من ذلك، وإلا فرق بينهما إن لم يترك السيد شرطه.
ابن رشد: قوله: إن رأى من أجيره ما يكرهه؛ إن أراد مما هو مكروه عند الناس؛ فالنكاح جائز، والتمليك لازم اتفاقا، وإن أراد عنده، وإن لم يكرهه الناس، ففي مضيه مع كراهته أو دونها ثالثها: النكاح جائز، والشرط باطل، ورابعها: يفسخ ولو بنى، وخامسها: إن بنى سقط الشرط، وإلا فرق بينهما إن لم يسقط مشترط الشرط شرطه لظاهر قول ابن القاسم مع رواية سحنون، ويحيى وقول أصبغ وقول ابن الماجشون على أصله فيما عقد على تمليك بفعل غير الزوج؛ كتزويج أمته على إن باعها، فأمرها

بيدها، أو بيده، وقول محمد على أصله في هذا، ولرواية سحنون فيمن زوج عبده على أن الطلاق بيد سيده، ولا وجه لقول ابن الماجشون؛ لأنه إن أشبه المتعة، فكما قال محمد، وإلا جاز كقول محمد وابن القاسم وسحنون، وهو أظهر الأقوال، وأما من تزوج على إن رأت منه امرأته ما تكره؛ فهي طالق؛ فهي أشد كراهة، وتدخلها الأقوال المتقدمة إلا الجواز ابتداءً.
وزاد ابن زرقون عزو الرابع لأحد قولي سحنون مع محمد.
قال: وسادسها: وفيها يفسخ قبل البناء، ويثبت شرطه بعده، وسابعها: ويسقط شرطه، وثامنها: على أنه من أنكحه الشروط.
نقل اللخمي عن محمد: إن أسقط ذو الشرط شرطه؛ جاز النكاح، وإن لم يبن، وإلا فسخ ولو بنى.

باب الشرط الذي يبطل في النكاح

وشرط غير المنافي فيه، وما يقتضيه غير مقيد بيمين مع تسمية المهر، فيها كشرط: لا يتزوج عليها ولا يتسرر.
قال مالك: النكاح جائز، والشرط باطل، قد أجازه سعيد بن المسيب وغير واحد، وفي كونه مكروهاً أو جائزاً ثالثها: يؤدب مشترطه والمجيب والشهود.
للمتيطي عن مالك وكل أصحابه، ونقله قول ابن لبابة: رخص فيه بعض الناس، واشترطه الليث بن سعد في إنكاحه ابنته مع قول ابن زرقون: اختلف في جوازه ابتداءً، وابن رشد عن المتيطي عن سحنون وابن زرقون عن أحد قوليه، والمتيطي عن ابن شعبان.
وسمع ابن القاسم: أشرت على قاض أن ينهى الناس عن النكاح بشرط، وألا

يزوجوا إلا على دين الرجل وأمانته.
وسمع عيسى روايته: لا تنبغي الشهادة في نكاح بشرط، وعلى الأول قال اللخمي: وغيره عن مالك: يستحب وفاؤه به، ولا يجب.
وقول ابن شهاب في الموازية: يجب، وكان من أدركت من العلماء يقضون به أحسن لقوله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: «أحق الشروط أن توفوا بها ما استحللتم به الفروج».
ابن بشير: حكى اللخمي أنه يجبر على الوفاء به كأنه المذهب، والمذهب خلافه.
قلت: إنما ذكره في التبصرة عن ابن شهاب حسبما مر.
وشرطه مقيد بيمين، أو تمليك في العقد مع تسمية المهر دون ذكر حظ شيء منه فيه الثلاثة، ورابعها: يفسد العقد، فيفسخ قبل البناء، ويثبت بعده بالمسمى.
لابن رشد عن سحنون مع ابن زرقون عن أحد قوليه.
قال اللخمي: أجازه سحنون: وزوج أمته غلامه على إن سرق زيتونة كان أمر امرأته بيده، وقبلوه إلا ابن بشير.
قال: إن أخذه من فعله؛ فلا يدل فعله على أن مذهبه الجواز؛ لأنه قد يستخف مثل هذا للضرورة، وأيضاً فلا يدل فعل بشر على جواز فعل، ولزومه إلا من وجبت عصمته.
ابن رشد: ورعي قول سحنون: مضى العمل في كتب الشروط في الصدقات على الطوع.
قلت: ونهي مالك عن الشهادة في نكاح بشرط.
المتيطي: في تعليل النهي عنه بأنه حلف بغير الله، أو بحط المرأة من مهرها لأمر تشك في حصوله قولا بعض الشيوخ، ومقتضى قول سحنون.

قلت: وعليهما كراهته في نكاح التفويض ونفيها، ولما ذكر ابن عبد السلام تعقب ابن بشير على أخذ اللخمي من فعل سحنون قال: الذي وجدت في التبصرة هو ما نصه: قال سحنون فيمن زوج غلامه أمته على إن سرق من الزيتون إلخ: وإذا كان هكذا؛ فهي فتوى بالجواز، ودعوى أن ذلك لضرورة لا يلتفت إليه إلا بدليل.
قلت: الذي وجدته في التبصرة في غير نسخة واحدة منها نسخة عتيقة مشهورة بالصحة آثار المقابلة عليها واضحة ما نصه: وأجازه سحنون ابتداء، وزوج غلامه أمته إلخ، وإذا كان هكذا؛ فهي فتوى بالجواز، وهذا مثل ما ذكره ابن بشير نصاً سواء، ثم رد ابن عبد السلام: قول ابن بشير بما حاصله: أن فعل العالم المتأهل للفتوى دليل على اعتقاده جواز ما فعله لا سيما المعروف بالورع كدلالة فتواه بذلك.
قلت: لهذا تلقى غير واحد من الشيوخ قول اللخمي بالقبول.
الشيخ عن المجموعة: روى ابن نافع: من تزوج امرأة على أن كل أمة يتسررها فهي لها؛ لم يلزمه.
وسمع أصبغ ابن القاسم: النكاح على إن تسرر عليها؛ فالسرية صدقة عليها يفسخ قبل البناء، فإن بنى؛ بطل الشرط ولا قول لها.
ابن رشد: قوله: لا صدقة لها؛ صحيح على قولها، وهو المشهور في الصدقة بيمين على رجل بعينه لا يحكم بها، وحكم للنكاح بحكم فاسد المهر؛ لأن للشرط تأثيراً فيه يفسخ قبل البناء، ويثبت بعده بمهر المثل، هذا إن كانت التسمية في العقد على الشرط، وإن تزوجها على الشرط نكاح تفويض، ثم بعد ذلك سمى المهر؛ فالنكاح ثابت، والمهر المسمى لازم، والشرط باطل، ولمحمد بن دينار في المدنية: لزوم الشرط وإن أعتقها بعد أن اتخذها؛ بطل عتقه، وكانت لها صدقة.
قال: وإن شرط إن اتخذها؛ فهي صدقة عليها أو حرة، فاتخذها كان مخيراً بين عتقها والصدقة بها.
ولابن نافع: من باع سلعة من رجل، وقال: إن خاصمتك فيها؛ فهي صدقة عليك، فخاصمه فيها أن الصدقة تلزمه، فعلى قولهما بلزوم الصدقة بالشرط ينبغي أن يكون النكاح جائزاً، والشرط لازماً كسائر الشروط اللازمة.

واستدل بعض الشيوخ من هذه المسألة على أن من التزم لامرأته إن تسرر عليها، فأمر السرية بيدها إن شاءت باعتها عليه، أو أمسكتها له أن البيع لا يلزمه فيها، خلاف قول ابن العطار، ووجه هذا الاستدلال: أن الصدقة إذا كانت لا تلزمه؛ فأحرى ألا يلزمه البيع، وليس بالبين؛ لأن المعنى في الصدقة والبيع مفترق، والوجه في عدم لزوم البيع أنها وكالة عليه، وللموكل عزل الوكيل متى شاء، هذا ما حفظناه عن الشيوخ، ولا يبعد عندي أن لا يعزلها؛ لأنها لما نكحته على ذلك، فقد أخذ عليها عوضاً؛ فلزمه كالمبايعة.
وسمع ابن القاسم: من خطب امرأة على إن تزوج عليها أو تسرى؛ فهي طالق وحضره شهود، ثم تفرقوا، وترك ذلك، وقد شهدوا على إقراره، وكتبوا به كتاباً أخذته المرأة، ثم خطبها بعد ذلك، فتزوجها بشهود أخر، فطلبته المرأة بالشرط، فقال: تركت الأمر الأول، ونكحت نكاحاً آخر دون شرط؛ فالشرط لازم إلا أن يقيم بينة بذلك.
ابن رشد: معناها: أن نكاح الخطبة الأولى لم يتم بعد كتب الشروط، وقبض المرأة الكتاب تنظر فيه، ثم بعد ذلك تزوجها دون ذكر الشروط، فألزمه إياها؛ لأن خطبته باقية مبنية على الأولى إلا أن تشهد بينة أنه إنما خطبها على غير شرط، ولو قارن شرط ما لا عقد يمين فيه حط شيء من المهر، ففي استحباب الوفاء به ووجوبه ما تقدم، وعلى المشهور في نكاحها الأول: من نكح على ألا يتزوج عليها، أو لا يتسرر أو لا يخرجها من بلدها؛ جاز النكاح، وبطل الشرط، وإن وضعت عنه لذلك من صداقها في العقد؛ لم ترجع وبطل الشرط إلا أن يكون فيه عتق أو طلاق، ولو شرطت عليه هذه الشروط بعد العقد، ووضعت عنه لذلك بعض صداقها؛ لزمه ذلك، فإن أتى شيئاً من ذلك؛ رجعت عليه بما وضعت.
وسمع القرينان: من نكحت بأربعمائة دينار على وضع نصفها، ولا يخرجها من المدينة، ثم طلبت ما وضعت لإرادته إخراجها إن سمى لها أكثر من مهر مثلها؛ فلا رجوع لها عليه بشيء مما وضعت، وإن سمى قدر مهر مثلها؛ فله إخراجها، وترجع بما وضعت.
ابن رشد: ظاهر هذه الرواية؛ إنما وضعت في العقد للشرط من مهر مثلها لا

يلزمها، كما لا يلزمه الشرط، وأن لها ما وضعت، ولو وفى لها بشرطها، وهو قول ابن كنانة وروايته، ومثله لابن شعبان في مختصر ما ليس في المختصر خلاف رواية علي بن زياد في المدونة: أنها ترجع بما وضعت من مهر مثلها إذا لم يف بالشرط، ورواية ابن القاسم.
وقوله: إن ما وضعته من مهر مثلها، والشرط ساقطان عن الزوج، وقيل: لا تتم له الوضيعة من المهر، ولو زاد على مهر المثل إلا بالوفاء بالشرط، حكاه ابن حبيب عن بعض الناس، وعن مالك: إن وضعت في العقد من مهرها شيئاً لشرط؛ سقط الشرط وردت لمهر مثلها، والقياس فسخه إلا أن يبني، فيسقط الشرط، ويمضي النكاح بمهر المثل إلا أن ينقص عن المسمى؛ فلا ينقص منه شيء، وكذا يلزم على قياس هذا القول إذا تزوجها بكذا وكذا على أن لها شرط كذا، والمشهور جواز النكاح، وسقوط الشرط، وما وضعته بعد العقد من المسمى لشرط لا يتم له إلا به، وما شرطته في العقد دون تسمية مهر ساقط، والنكاح لازم اتفاقاً فيهما، فإن نكح دون شرط، ثم سمى المهر على الشرط؛ سقط الشرط، ووفيت تمام مهر المثل إن نقصت التسمية عنه.
قلت: زعمه أن ظاهر الرواية كقول ابن كنانة بعيد جداً فتأمله.
اللخمي: ما وضعته بعد العقد لها الرجوع به إن لم يف بشرطها وتركها لمثل هذا أجازه مرة.
وقال في مختصر ما ليس في المختصر: من أعطته زوجته عبداً على ألا يتزوج عليها ذلك باطل، وعليه قيمته إن مات بيده.
ولابن كنانة فيمن اشترت من زوجها سكناها مع أبويها، وعلى ألا يخرجها عنهما بمائتي درهم اشترت ما لا يشترى يرد الدراهم، ويرتحل بها حيث أراد، وأنكر قول ابن القاسم بإجازته.
وروى ابن كنانة: من وضعت من مهرها بعد العقد على أن لا يطلقها البتة إن طلقها البتة؛ رجعت عليه بما وضعت؛ لأنها اشترت ما لا يشترى له أن يطلقها أو يمسكها، وهذا أحسن قوليه؛ لأنه إذا لم يجبر على الوفاء؛ فسدت المعاوضة لصيرورتها تارة بيعاً، وتارة سلفاً، وعلى قول ابن شهاب يجوز ويجبر على الوفاء بالشرط.

المتيطي: لو وقع الشرط محتملاً؛ لكونه في العقد أو بعده طوعاً، ففي حمله على الأول أو الثاني قولا أبي الوليد محمد بن عبد الله بن مقبل، وابن العطار.
وقال بعض الموثقين: المعتبر عرف البلد في ذلك، فإن لم يكن عرف؛ فالثاني، وهذا الخلاف إنما هو في التمليك دون غيره؛ لأنه الذي يختلف حاله فيهما لا من أكره فيما كان فيه في العقد بخلاف ما كان بعده على المشهور.
وقال الباجي في سجلاته: قيل: ليس القضاء إلا بواحدة بائنة، كان في العقد أو بعده.
وقال سحنون عن قوم: هي رجعية.
وفي أجوبة ابن رشد: إن كان عرف البلد في الشروط أنها في العقد؛ فهي على ذلك، وإن كتبت في الصداق على الطوع؛ لأن الكتاب يتساهلون، وهو خطأ من فعلهم.
وفيها: إن نكحها بألف على إن كانت له امرأة أخرى؛ فمهرها ألفان؛ لم يجز كالبعير الشارد، وليس لما يفسد به النكاح من الشروط حد.
وفي سماع أصبغ ما نصه: سمعت أصبغ قال: من تزوج بشرط ألا يسيء إلى امرأته، فإن فعل؛ فأمرها بيدها، فتزوج عليها، أو تسرر لا أراه إساءة إلا أن يكون ذلك وجه ما يشترطون، ويأخذون عندهم بظاهر معروف أن الإساءة في هذا الشرط النكاح، وإلا فلا، وضربه إياها فيما تستأهله الضرب الخفيف غير إساءة، وما كان على غير ذلك ضر بها مراراً رأيته إساءة، وكذا ما أفرط من أمر وإن كان غير مزر.
ابن رشد: ضربها أدباً غير إساءة إذا علم سبب أدبها ببينة أو بإقرار، وإن أكذبته؛ لم يصدق عليها، ولها الأخذ بشرطها بعد يمينها أنه ضربها على غير سبب يوجب أدبها إلا الرجل الموثوق بدينه وأمانته وفضله فيصدق، والضرب المفرط والمتكرر إساءة إلا أن يتبين أنه لأمر تستأهله، ولما كانت غيبة التارك نفقة زوجته لا توجب عليه طلاقاً إلا بطول غيبته جداً حسبما يذكر في الإيلاء إن شاء الله تعالى كان شرط التمليك بالغيبة أكثرياً شرطه عندهم.
ابن فتوح، وابن فتحون، وغيرهما: أصل تحديد الناس المغيب ستة أشهر جواب سؤال عمر - رضي الله عنه - ابنته حفصة عن أقصى ثبر المرأة عن زوجها قالت: أربعة أشهر أو

ستة، فقصر مدة بعث الغزو عليها.
المتيطي: وذكره مالك في العتبية.
قلت: هو سماع ابن القاسم: من كتب لامرأته يخيرها لطول إقامته خرج من المأثم.
وسأل عمر حفصة: كم تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: أربعة أشهر أو ستة.
ابن رشد: هذا أصل كتبهم في الشروط ألا يغيب أكثر من ستة أشهر.
قلت: وفيه دليل جواز سؤال الرجل ابنته عن مثل هذا، ولعل عدول عمر رضى الله عنه في سؤاله عن زوجته لابنته؛ لأن خبرها أوثق لبلوغها سن من يدرك ذلك، ويعرفه أو لغير ذلك.
المتيطي: إلتزام أكثر الموثقين فيه ستة أشهر غير لازم، والمعتبر ما اتفقا عليه.
قلت: ما لم يقل جداً؛ لأنه يصير من شرط التمليك بسبب من غير فعل الزوج وتقدم فساد العقد به، ولذا منع في كتاب الخيار تحديده بغروب الشمس من آخر أيامه قائلاً: أرأيت إن حبسه سلطان.
المتيطي، وابن فتحون: استحسن بعض الفقهاء أربعة أشهر لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الآية [البقرة:226]. قلت: يرد بأن هذا فيما لا عذر فيه للزوج ولا مانع؛ ولذا عدل عمر رضى الله عنه لسؤال ابنته دون البناء على مقتضى الآية الراجح على غيره، واستثناؤهم في شرط المغيب غيبة سفر الحج حسن ليس بلازم.
ابن فتوح: إن شئت؛ قربت أمده العامين ونحوهما أو طولت، وبعد أن وقته المتيطي لثلاثة أعوام قال: ليس ذلك بلازم إن شئت قربت أو طولت، المعتبر قدر مدة ذهابه من وطئه للحج ورجوعه عادة، وكتبهم في استثنائه إلا غيبة سفر الحج قاصداً له من وطنه معلناً به؛ لأن تركه يمنع أخذها عند تمام ستة أشهر مدة الغيبة؛ لاحتمال كون غيبته أولاً لغير الحج ستة أشهر إلا يوماً، ثم صار للحج قبل تمامها؛ فلا أخذ لها حينئذ إلا بمضي المدتين.
ونقل المتيطي، وابن فتوح، وابن فتحون: يستحسن لفظ ألا يغيب عنها غيبة

متصلة قريبة ولا بعيدة، فلفظ متصلة احترازاً من غيبته المدة منقطعة بإقامته أثناءها، قيل: لها القضاء فيها، فمتصلة بيان للغوها منقطعة، ولفظ قريبة أو بعيدة؛ لأنه إن أسقط قريبة؛ فلا قضاء لها فيها إن كان بعمل سلطانها، وإنما حقها في بعث الإمام إليه.
ابن عات عن ابن مغيث: يكتب إليه بأن يقدم أو يقضى عليه، وإن كان في عمل سلطان آخر، ففي كونه كذلك، وثبوت القضاء لها بشرطها طريقا ابن فتحون مع ابن فتوح والمتيطي، ونقل ابن عات عن ابن مغيث، وإن ثبت لفظ قريبة؛ فلها القضاء بها، ولو في بريد إن كانت بعمل سلطان آخر، وإن كانت بعمل سلطانها؛ ففي كونها كذلك، وقصر حقها على كتب السلطان إليه، كما لو غاب بطرق مصرها.
نقل المتيطي عن ابن لبابة قائلاً: لها أن تطلق نفسها بشرطها، ولو كان بمصرها، وقضى به عمر بن عبد الله، وقول غير واحد من الموثقين مع المشهور المعمول به، وكتب قبل البناء أو بعده برفع الخلاف لو لم يكتب، وعاب قبل البناء، ففي ثبوت أخذها به نقلا المتيطي عن بعضهم مع أبي عبد الله الباجي وابن القاسم وبعضهم.
قال بعض الموثقين: ولو قال الزوج: نويت الغيبة بعد البناء فقط؛ وشرطه على الطوع، هل ينوى أم لا؟.
والصواب: ألا ينوى لادعائه خلاف ظاهر عليه بينة فيه، وكتب طائعاً أو مكرهاً برفع الخلاف فيه مكرهاً لو أسقط، ففي ثبوت أخذها نقلاه عن ابن لبابة مع جماعة إلا أن يكون ذلك في الصداق إلا من عذر، وعن أشهر المذهب مع ابن زرب وابن حارث والأصيلي وغيرهم.
قلت: عموم الشرط في إكراهه يصيره من شرط التمليك بسبب من غير فعل الزوج.
وقال ابن عات عن ابن عبد الغفور: اختلف فيه أهل طليطلة، وأهل قرطبة، فقال محمد بن عبد الله القرشي، وأبو عيسى بن أبي عيسى، وأبو محمد ابن إبراهيم الأصيلي: لا أخذ لها.
وقال حسين بن محمد بن نابل، وابن الرقدي، وابن حماد، وابن زهر شيخ ابن مغيث: لها الأخذ.

ابن عات عن ابن مغيث: إن خرج لغزو طوعاً فأسر؛ فلها الأخذ بشرطها، قاله كل شيوخنا: ابن بدر وابن رافع رأسه وغيرهم.
المتيطي عن بعض الموثقين: إن غزا في عسكر مأمون غزوا يمكنه الرجوع منه قبل انقضاء مدة المغيب، فهزم الجيش، وأسر الزوج حتى مضى أجل المغيب؛ فلا أخذ لها؛ لأنه غرر بنفسه؛ لقولها: من سافر في صوم ظهار أو قتل فمرض، فأفطر بنى إذا صح؛ لأنه فعل ما يجوز له، وقول ابن القاسم أحب إلى أن يبتدئ احتياطاً لا وجوباً.
قال: وينبغي على أصولهم إن سافر لما يرجع منه قبل انقضاء أمد الغيبة، فحبسه

مرض أو سجن لا يقدر على رفع موجبه أو فتنة، أو فساد طريق أن يكون معذوراً.
قلت: ونحوه نقل ابن عتاب: أجاب ابن رشد فيمن خرج لسفر قريب، فأسره العدو، فأقام في يده أكثر من سنة، وشرطه ألا يغيب سنة لا أخذ لها بشرطها لقولها: من وجبت له شفعة، فخرج بعد وجوبها مسافراً لما يرجع منه قبل انقضاء ما يقطع شفعته، فمنعه من رجوعه مانع حتى انقضى أمد ما يقطع شفعته أنه على شفعته إذا حلف هذا إن تعرض للخروج، ولو أسر من قطره دون خروج؛ فهو أعذر، وقول أحمد بن خالد: لها الأخذ بشرطها إذا أسر من سفر؛ مخالف لقوله: ظاهر المدونة.
قلت: قد يفرق ابن خالد بأن بقاء الشفيع على شفعته غير موجب بقاء ضرر على المشفوع عليه، وبقاء الزوج على حقه يوجب على المرأة، أو بإنتاج تمسك ابن رشد بمسألة الشفعة عكس دعواه؛ لأنها دالة على ترجيح حق الأخذ، وهو الشفيع لدرء ضرر الشركة على المأخوذ منه، وهو المشترى الداخل على الأخذ منه، والآخذ في مسألة الشرط لدرء الضرر عنه هو الزوجة، والمأخوذ منه هو الزوج الداخل على الأخذ منه بما شرطه على نفسه.
ابن الهندي والباجي: وإن قيد شرط المغيب بكونه بموضع كذا؛ فلا أخذ لها بمغيبه بغيره، وإن أطلق؛ فلها الأخذ مطلقاً.
قلت: ولذا إن غاب للعدوة؛ لم يلزمه شرط المغيب؛ إذ ليس بالأندلس.
قلت: قد يقال: غيبته بالعدوة أشد، وأبعد منها بالأندلس، فيستلزم شرطه شرطه، وأخذها بشرطها لغيبته إحدى المدتين ثابت إن كان كتبه بلفظ إن زادت غيبته على المدتين أو إحداهما، وإلا فلا أخذ لها إلا بهما معاً، وأخذها بشرط مغيب ستة أشهر إلا غيبة الحج إن قامت بغيبته مدة الستة، فإن كان في الكتب إلا غيبة سفر الحج قاصداً له من وطنه معلناً به؛ فلها القيام والأخذ به، وإلا فلا حتى تمضي مدة غيبة الحج؛ لاحتمال غيبته أولاً ستة أشهر إلا يوماً، ثم سافر للحج.
قال بعض الموثقين: وينبغي ألا يبيح لها الحاكم الأخذ بشرطها حتى يأمر بالبحث عنه عند جيرانه، وأهل مسجده، ومن يظن علمه به إلى أقصى ما يمكن من ذلك.

قال بعض الموثقين: ينبغي إن كان في شرطها قريبة أو بعيدة، فغاب في غير الحج أكثر من ستة أشهر غيبة قريبة أن لها أن تطلق نفسها، اتفق العملان أو اختلفا، وإن أرادت حكم السلطان بذلك؛ لم يقض لها إلا بعد إحضاره والإعذار إليه، اتفق العملان أو اختلفا؛ لأنه لا يقضي على الغائب إلا في الغيبة البعيدة.
ابن الهندي: إن قيد شرط الغيبة ببلد بعينه؛ فالشهادة المعتبرة في إثباته الشهادة بأنه غاب تلك المدة بها، وإن شهدوا أنه غاب بحيث لا يعلمون؛ فلا قضاء لها إلا بمضي مدة الستة ومدة سفر الحج.
الباجي: هذا غلط؛ لأن الشرط الغيبة ببلد خاص؛ فلا أخذ لها إلا به، ومضي المدتين تجهل البينة محل غيبته لا تثبته؛ إذ له الغيبة ما شاء بغير البلد المذكور، وكتب: والقول قولها في المغيب، وانقضائه بعد أن تحلف في بيتها في الواجب عليها يسقط عن الزوجة إثبات المغيب عند الحاكم؛ إنما عليها إثبات الزوجية والشرط، ثم يأمرها بالحلف في بيتها أو في أقرب جامع إليها إن لم تشترط اليمين في بتيها.
قلت: الواجب إن لم تشترطه حلفها حيث يجب الحلف.
قال: فإن كانت تخرج نهاراً؛ حلفت نهاراً وإلا فليلاً، ثم يبيح لها تطليق نفسها، فلو أسقط لفظ في الواجب عليها؛ ففي حلفها في كل ما يجب عليها ببيتها، ولزوم يمينها فيها سوى المغيب، وانقضائه في الجامع قولا ابن العطار وابن الفخار متعقباً قوله، وعليه قال: تخير في حلفها يمينين يمين المغيب، وانقضائه في بيتها، ويمين ما سواه في الجامع أو كلتيهما فيه على المشهور في جمع الدعاوى، وإن كثرت في يمين واحدة، وصوب بعض الموثقين الأول؛ لأن مراد الزوج حلفها يميناً واحدة حيث ذكر.
وفي إعمال شرط تصديقها دون يمين في المغيب والرحيل والضرر، أو فيهما دون المغيب نقلا ابن عات عن ابن فتحون، وابن عبد الغفور، وقال سماع عبد الملك من كتاب التخيير: كان ابن دحون يفتي بإلغاء شرط التصديق في الضرر بعد قوله: لا خلاف في إعماله إن لم يكن شرطاً في العقد.
المتيطي: وكتب: ولها التلوم عليه، والانتظار ما أحبت لا يسقط ذلك شرطها يفيد رفع الخلاف إن لم تأخذ بشرطها عند انقضاء أمد الغيبة، فإن لم يكتب؛ ففي سقوط

شرطها بعدم قضائها في المجلس الذي وجب لها فيه التمليك وبقائه ما لم توطأ.
قال ابن رشد: ثالثها: إن تأخر قضاؤها أكثر من شهرين لسماع يحيى ابن وهب مع سماع زونان أشهب، وسماع عيسى ابن القاسم في كتاب النكاح قائساً على قول مالك في المواجهة بالتمليك، وسماع ابن القاسم، وعليه في وجوب حلفها ما سكتت تركاً لخيارها رواية محمد مع ابن عبد الحكم عن ابن القاسم في سماع عيسى، وسماع ابن القاسم قال: وهما جاريان على الخلاف في وجوب يمين التهمة.
المتيطي عن بعض الموثقين: بالأولى جرت الأحكام واستمرت الفتيا، وعزا المتيطي ثاني الثلاثة لعبد الملك في الثمانية، ورابعها: هذا مع يمينها ما سكتت تركاً لحقها، وخامسها: كابن وهب إلا أن تشهد عند الأجل أنها باقية على حقها؛ فهو بيدها دون يمين له.
عن ابن نافع وابن كنانة، وسادسها: قال: روى محمد: إن طال بعد الشهرين؛ فلا قول لها إلا أن تشترط عند انعقاد الأجل أنها تنتظر أجلاً آخر؛ فذلك بيدها إلا أن تتأخر بعد الأجل الثاني أكثر من شهرين، فذلك رضي بإسقاطها ما بيدها إلا أن تشهد أنها على شرطها؛ فذلك لها، ولو بعد عشرين سنة.
قلت: كذا وجدته في المتيطية، وفي النوادر ما نصه عن الموازية.
قال مالك: لو أشهدت عند الأجل أني أنتظره ستة أخرى أو أكثر؛ فذلك بيدها، فما أخرته قرب أو بعد.
قال مالك: وكذلك إن قالت: أنتظره، وأنا على رأيي؛ فذلك بيدها أبداً، ولو أقامت عشرين سنة لا تحتاج إشهاد ثان لها القضاء متى شاءت، وإن جعلت لتأخيرها وقتاً، ثم أخرت القضاء بعده بأكثر من شهر؛ لم يكن لها بعد قضاء، وإن طلقت قبل وفاء الأجل؛ لم ينفعها أن تشهد: إذا حل الأجل، فقد اخترت نفسي.
المتيطي عن بعض الموثقين: إن ذكر في الشرط، ولها التلوم كما تقدم؛ فهي على شرطها، ولو طال تلومها، وفي أخذها بشرطها دون أن تزيد في يمينها أن تلومها؛ لم يكن تركاً لشرطها قولان لابن القطان محتجاً بأن جعل الزوج ذلك بيدها يسقط عنها اليمين أن تلومها؛ لم يكن طرحاً لشرطها مع غيره من الشيوخ المتقدمين، والباجي وابن

العطار، وأشار المتيطي لمسألة في أحكام ابن سهل؛ وهي امرأة قامت برسم مغيب حاصله شهادة شهود بمعرفة عين زوجها واسمه وغيبته عن زوجته عاتكه منذ عام أو نحوه بحيث لا يعلمون، وأنه كان منذ كذا أشهدهم أنه طاع لها إن غاب عنها غيبة متصلة أكثر من ستة أشهر في غير سفر حجة فرضه ثلاثة أعوام، وزادت غيبته على الأجلين أو أحدهما؛ فأمرها بيدها، والقول قولها في المنقضي من أجليهما، أو أحدهما بعد حلفها بالله لغاب عنها أكثر مما شرطه لها، ثم تقضي في نفسها ما أحبت، ولها التلوم عليه ما أحبت لا يقطع تلومها شرطها، ويعرفون أن غيبه في غير سفر الحج، وأن نكاحهما باق إلى الآن.
وفي شهادة الثالث والرابع، ولا يعلم انصرافه إليها إلى الآن، وفي شهادة الرابع صلة أنه يعرف مغيب الزوج بإشبيلية، وثبت عند القاضي مع ذلك قول الزوجة أنها تريد الأخذ بشرطها، وحلفت في بيتها لعذر منعها الخروج أن زوجها فلان لم يؤب إليها منذ غاب عنها، وما سكتت المدة المذكورة إلا تلوماً عليه، وثبت حلفها عنده، فشاور في ذلك القاضي الفقهاء، فأجاب ابن عتاب: كان القاضي أبو المطرف يضعف شهادة الشاهد بحيث لا يعلم، لا سيما إذا طالت مدة المغيب، وأعملها بعض القضاة وأجازها، وشهادة بعض شهود الرسم أنه بإشبيلية يوجب الإعذار إليه إن لم يتعذر، فإن تعذر؛ فالعقد مفتقر إلى تصحيحه؛ لأن فيه تناقضاً في صورة أنه بحيث لا يعلمون، وفي آخره أنهم يعرفون مغيبه في غير سفر الحج، فإن لم يعلموا مغيبه، فكيف يشهدون أنه في غير سفر الحج، فإذا صح العقد يرفع هذا التناقض أنفذ الحكم بالطلاق، وأرجئت حجة الغائب إذا تعذر الإعذار، وأجاب أبو عمر بن القطان: الشهادة بالمغيب ناقصة حتى يقول الشهود أن المغيب بعيد بحيث لا يعلمون؛ لجواز كونه قريباً بحيث لا يعلمون، ورأيت الشهود قطعوا ببقاء العصمة بينهما لوقت شهادتهم، وبالمغيب أنه في غير سبيل الحج، والشهادة في هذا بقطع لا تنبغي؛ إنما يشهد به على العلم، وقول الشهود أنهم يعرفون يعطي القطع؛ فلا تجوز هذه الشهادة، ولا يسجل بها.
وحلف المرأة أن سكوتها في المدة المذكورة وتلومها لم يكن إسقاطاً لشرطها تحليف

لها على ما لا يجب لها؛ لتقدم إشهاد الزوج أن لها التلوم عليه ما أحبت، ولا يحكم إلا بما لابد منه، وعلى ما أجبت فقهاء الشيوخ المتقدمين وفتواهم، وشهادة الشاهد أنه يعرف مغيب الزوج، ولا يعلم رجوعه إلى الآن لا يوجب حكماً إن لم يشهد غيره بمثله أكثر من الثاني في أمره، وذكر يمين المرأة في بيتها؛ لعذر دون بيانه غير مجزئة بحال حتى يبين.
ابن سهل: زيادة المرأة في يمينها إنما سكتت تلوماً لا إسقاطاً لشرطها أثبتها ابن العطار، وأسقطها ابن الهندي كابن القطان، واحتجاجهما بأن البينة شهدت بها غير بين؛ لأن الشهادة بها لا تمنع وجوبها كيمينها على غيبته أكثر مما شرطه لها وما رجع إليها، وكيمينها في تطليقها بعدم النفقة ما ترك عندها شيئاً، ولا أرسل إليها، وكيمين مستحق غير الربع ما باع، ولا وهب، ولا خرج عن ملكه، وكيمين من شهد له بحق ميت، أو غائب مع شهادة البينة بذلك في الجميع، وكذا نص عليه ابن أبي زمنين في يمنها لأخذها بشرطها في المغيب في سجل القضاء به.
قال: وشاور القاضي فلان من وثقه من أهل العلم، فأشاروا بذلك، فهذا نص في ذلك ممن هو حجة مع موافقة ابن العطار له فيما ذهبنا إلى بيانه، ولو انتقد أبو عمر على نفسه في جوابه أن الشهادة ناقصة حتى يقولوا: أن المغيب بعيد بحيث لا يعلمون كان أولى؛ لأنه لم يقله أحد، وهو متناف في نفسه؛ لأن قوله: أن المغيب بعيد؛ يقتضي علم مكانه، وقوله: بحيث لا يعلمون؛ يقتضي نفيه، وقد سمعت إنكاره عليه.
قلت: قوله: لأن قوله: أن المغيب بعيد يقتضي علم مكانه؛ ليس كذلك؛ لأن علم بعد مكانه يحصل بالقطع بعدم قربه، وهو أعم من علم مكانه وجهله، والأعم لا يشعر بالأخص.
المتيطي: لا حجة لابن سهل على ابن القطان فيما احتج به إلا ما نقله عن ابن أبي زمنين، ولعل أبا عمر لا يسلمه، وقول أبي عمر متعقب بغير ما تعقبه ابن سهل، وهو أن يقال: إنما يكتب "ولها التلوم عليه ما أحبت"؛ احترازا من القول بسقوط شرطها بسكوتها عند الأجل وأحلفت؛ لاحتمال أنها أسقطت شرطها استقصاء لحق الغائب.
قال: وقول بعض الموثقين: إن قلنا: الشهادة على الغيبة، واتصالها على القطع؛ فلا

يمين عليها لقد غاب؛ لأن من أثبت حقاً ببينة قاطعة لا يحلف عليه، قاله في المدونة والواضحة، وإن قلنا: الشهادة على ظاهر العلم لا القطع؛ حلفت كيمين الاستحقاق، وكيمين مستحق دين على ميت، أو غائب أنه ما قبض شيئاً منه إلى آخرها.
وإن كتب أن القول قولها في المنقضي من أجلها؛ كفى فيه يمينها دون بينة، وعليها إثبات المغيب، وإن كتب (القول قولها فيه، والمنقضي منه)؛ كفى فيهما يمينها، وإن كتب (دون يمين تلزمها)؛ سقطت عنها.
المتيطي: وتزويد في يمينها (ولا أذنت له في المغيب عني)؛ خوف دعواه ذلك بعد قدومه.
قال: وقول بعضالموثقين: فإن لم تأخذ بشرطها حتى قدم عليها؛ فلها الأخذ بشرطها؛ لأنه حق وجب لها بعد يمينها المتقدمة، يؤيده قول ابن القاسم في أمة عتقت تحت عبد منعت الطلاق بحيضها فظهرت بعد عتق زوجها لها الخيار.
قلت: سئل عنها ابن رشد وقيل له: نزلت.
وقال: بعض الشيوخ: لها الأخذ بشرطها لسماع أصبغ: من شرطت إن تزوج عليها؛ فأمرها بيدها، فعلمت بتزويجه عليها بعد موت التي تزوجها عليها أو طلاقها؛ فلها الأخذ بشرطها، ومثله في وثائق الباجي، وقال ابن زرب وغيره.
وقال بعضهم: لا أخذ لها، ولم يستظهر بشيء، فأجاب: قول الشيخ: لها الأخذ؛ غير صحيح؛ لأن بقدومه ارتفعت علة الأخذ به، وذلك بين من قولهم في الشرط: لها التلوم عليه ما أقامت منظرة له لا يقطع تلومها شرطها، وهذا يقتضي أن ما بيجها لا يبطله إلا قدومه، والفرق بين هذه ومسألة أصبغ: أن المرأة تخشى أن يكون تزويجه عليها يزهذه فيها، ويرغبه في غيرها، ومغيبه عنها لا يخشى منه ذلك؛ بل يرغبه فيها، وإنما تشبه هذه مسألة الأمة تعتق تحت عبد، فلم تختر حتى عتق، قالوا: لا خيار لها؛ وهو نص ابن نافع في المدينة: أنه لا قضاء لها إذا قدم قبل أخذها بشرطها على ما رأيته لبعض أصحابنا، فلا يلتفت لقول الباجي، ولا لمن سواه من المتأخرين لمخالفة ذلك أصول مذاهب الفقهاء المتقدمين.
قلت: سماع أصبغ هذه المسألة هو من أشهب وقع في ترجمة سماع أصبغ

ابن القاسم.
قال ابن رشد فيه: لأن القضاء وجب لها بتزويجه عليها؛ فلا يسقط بموت المتزوجة ولا بطلاقها؛ إنما اختلف إذا شرط أن طلاق الداخلة بيدها، فتزوج عليها، ثم طلقها في بقاء ذلك بيدها قولا ابن القاسم آخر هذا السماع مع قوله في كتاب ابن سحنون وابن الماجشون وقول سحنون: هذا إن كان طلاقها بائنا لا رجعيا تفسير لقول ابن الماجشون؛ لأن الخلاف إنما هو في الطلاق البائن.
المتيطي: لها الأخذ بشرطها دون الرفع للإمام بعد حلفها كما تقدم، وتشهد على طلاقها نفسها من حضر يمينها وعرفها، وعرف شرطها وتصديق زوجها لها في جميع ما ذكر بعد يمينها في بيتها بالشهادة، ولا يعلم انقطاع زوجيتهما.
وسئل ابن رشد عمن قامت بشرط المغيب المنعقد في صداقها حسبما ينعقد في الصدقات اليوم؛ لغيبة زوجها بحيث لا تعلم غيبته جاوز فيها المغيب بكثير، فحلفت بمحضر جماعة من جيرانها يعرفون الغيبة المذكورة، وطلقت نفسها، وليس بمكانها قاض تثبت عنده المغيب، والصداق غير أن الأمر مشهور.
فأجاب: إن أخذت بشرطها، وطلقت نفسها بعد يمينها على ما شرطه الزوج بحضرة عدول يعرفون المغيب، والشرط نفذ ذلك على الزوج بعد قدومه إن لم يأت بمدفع في الشرط، ولا في الغيبة، وإن أرادت النكاح قبل قدومه؛ رفعت ذلك للحاكم، فتثبت عنده الأمر كله، ويتلوم للغائب.
وروى المتيطي: إن شرط أبوها على الزوج: إن غاب عنها مدة كذا؛ فأمرها بيد أبيها، فزادت غيبته على تلك المدة، وأراد الأب الأخذ بالشرط، وأبت البنت؛ فذلك لها دونه، وينهاه الإمام عن الفرقة بينهما، فإن فرق بينهما بعد نهيه؛ جاز فعله، وإن انتزع السلطان الحكم من يده؛ لم يجز طلاقه بعد.
وسمع عيسى ابن القاسم: من أنكح ابنته رجلاً على إن تزوج عليها، فأمرها بيد الأب، وهو من صداقها، فوضعت صداقها عن زوجها؛ جعل ذلك من صداقها باطل لا يوضع عنه الشرط بوضع الصداق، فإن تزوج، فأراد الأب طلاقه، وأبت البنت نظر في ذلك؛ فإن كان ما أرادته خيراً لها؛ لم يكن له طلاقها، وإ، كان ما أراد الأب خيراً لها؛

فله فراقها؛ لأني سمعت مالكا قال: من جعل أمر امرأته بيد أبيها إن لم يأت لأجل سماه، فلم يأت له، فأراد الأب طلاقها، وأبته ابنته؛ فالقول قولها، فإن مات أبوها، وأسنده لغيره؛ فهو فيه بمنزلته، وإن لم يسنده لأحد؛ فليس بيدها منه شيء.
قلت: وفي سماع أبي محمد يحيى: قال ابن القاسم: إ، طلق الأب قبل منعه السلطان؛ مضى الطلاق، وإن طلق بعد منعه؛ لم يجز.
ابن رشد: قول ابن القاسم: ينظر في ذلك، ولم يقل كقول مالك فيمن جعل أمر امرأته بيد أبيها إن لم يأت لأجل سماه؛ لأنه جعل لاشتراط الأب ذلك على الزوج حقاً، فلم ير أن يخرج من يده إلا بنظر السلطان؛ لأنه يقول: إنما تزوج عليها إرادة الضرر بها من حيث لم تعلم هي ذلك بخلاف جعل الزوج ذلك بيده دون أن يشترطه عليه؛ لأنه إذا لم يشترطه عليه، فإنما فعله بزوجته لا له؛ فهي أحق به فيه، ولا فرق بين المسألتين إلا من جهة الشرط.
وقوله: إن أسند ذلك لغيره بعد موته؛ فهو له؛ مثل ما في كتاب الخيار منها خلاف رواية على فيها.
وقوله: إن مات ولم يسنده لأحد؛ فليس بيدها منه شيء خلاف رواية ابن القاسم فيها، فكأني رأيت مالكا رأى ذلك لها، أو قال: ذلك لها ولم أتبينه.
قلت: تعليل ابن القاسم قوله بما سمعه منالك مشكل؛ لأن ما سمعه مناف لما قاله، وعدم تكلم ابن رشد عليه كذلك، وتفرقته بين مسألتي ابن القاسم، ومالك بالاشتراط والطوع يوجب تعقب نقل المتيطي مسألة مالك بلفظ: إن شرط أبوها على الزوج ... إلى آخره.
وسمع ابن القاسم: من تزوجت على أن لا يخرج بها إلا برضها مع رضي أبيها؛ فلا خروج لهما إلا برضاهما، وإن كان برضاها فقط؛ فله الخروج به فقط، ولو كانت بكراً قبل البناء.
ابن رشد: لم يذكر أن الشرط مقيد بطلاق ولا تميلك، وإيجاب ملك عليه إن كان الشرط برضاهما معا يدل على أنه مقيد بطلاق على ما في سماع عيسى في الأيمان بالطلاق، ولو كان بتمليك لم يعتبر إلا رضاها؛ لأن الشرط إنما أخذ لها، فإن رضيت

بخروجه بها، وكانت هي المملكة؛ سقط حقها، وإن كان الأب هو المملك دونها أمر باتباع رضاها بالبقاء مع زوجها، فإن طلق قبل نهيه السلطان عنه؛ نفذ، وإن كانا معا مملكين؛ لم يلزم طلاق إلا باجتماعهما، وتوقف مالك في شرطه ألا يخرج بها إلا برضها أو رضى أبيها، فقال: ما أدري إلخ؛ لأن (أو) مشتركة تحتمل هنا التخيير بين الرضائين، فيكون له الخروج برضى أحدهما، أو الجمع بين الرضائين بمعنى الواو أو إبهام أي الرضائين أراد، فيخرج بها برضاها إن أراده فقط، أو برضى أبيها إن أراده فقط، والوجه حمله على أظهر محتملاته وهو التخيير، وأجاب مالك على التصريح في الشرط باستثناء رضاهما معا أو رضى أحدهما فقط.
ومسمى الشرط جائز، ومختلف فيه.
سمع عيسى ابن القاسم: من له زوجة، فخطب أخرى، فقال وليها: لا أزوجك إلا على أن تطلق امرأتك، أو تجعل أمرها بيد وليتي، فقال: أشهدكم إذا دخلت على وليته، فأمر امرأتي التي تحتي بيدها، فزوجة على ذلك، ثم صالح امرأته، ودخل بالثانية وليست الأولى في ملكة إن تزوجها بعد ذلك؛ فليس من أمرها بيد الثانية شيء بحال؛ لأنها دخلت، وليس الأولى في ملكه، وكذا إن قال: إن دخلت بوليتك؛ فامرأتي التي تحتي طالق البتة له أن يتزوجها، ولا يلحقه طلاق.
ابن رشد: هذا على اعتبار اللفظ، وعلى مقتضى المعنى يلزمه التمليك والطلاق، وهو الآتي على قولها في الأيمان بالطلاق فيمن شرط لامرأته كل امرأة يتزوجها عليها؛ فهي طالق أو أمرها بيدها، فيطلق امرأته، فتبين منه، ثم يتزوج امرأة، ثم يراجع امرأته أن المرأة التي تزوج تطلق عليه، أو يكون أمرها بيد امرأته؛ لأنه إنما أراد أن لا يجمع بينهما، ولا ينوى إذا ادعى نية.
وسمع يحيى ابن القاسم: لمن نكح امرأة، وله أمهات أولاد بشرط أن كل جارية يتسررها عليها حرة من وطئ منهن حنث فيها، وقاله أبو زيد وأصبغ.
وقال سحنون: لا حنث عليه فيهن؛ إنما يلزمه الشرط فيما يستقبل من الإماء بعد عقد نكاحه.
ابن رشد: حنثه ابن القاسم لما ذكر من أن الوطء تسرر في اللسان، ومن رعي

جارٍ التحميل