المختصر الفقهي لابن عرفةكتاب الحمالة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الحمالة: التزام دين لا يسقطه أو طلب من هو عليه لمن هو له، وقول ابن الحاجب تابعًا للقاضي: الضمان شغل ذمة أخرى بالحق لا يتناولها؛ لأن شغل ذمة أخرى، إنما هو لازم لها، لا نفسها؛ لأنها مكتسبة، والشغل حكم غير مكتسب ينشأ عن مكتسب كالملك مع البيع فتأمله.
وقول ابن عبد السلام: إطلاق الحمالة على الطلب عرفًا؛ إنما هو مجاز لا حقيقة يرد بمنعه لظاهر إطلاقات المدَوَّنة والأمهات والمتقدمين والرواة، ونصوصها مع غيرها

الجزء: 6 - الصفحة: 500

بصحتها دون رضى المحتمل عنه واضحة منها قولها: من تكفل عن صبي بحق قضى به عليه فوداه عنه بغير إذن وليه؛ فله أن يرجع به في مال الصبي.
المتيطي وابن فتوح من العلماء من قال: لا تلزم الحمالة الذي عليه الحق إلا بأمره؛ ولذا كتب كثير من الموثقين تحمل عن فلان بإذنه بأمره.
في المديان منها: من أدى عن رجل دينًا بغير أمره جاز إن فعله رفقًا بالمطلوب، وإن أراد الضرر بطلبه فاعتاقه أحد وارث لعداوة بينهما منع من ذلك، وكذلك إن اشترى دينًا عليه؛ لم يجز البيع، ورد إن علم بهذا، ولو ثبت قصد مشتري الدين ضرر المدين والبائع جاهل بذلك، ففي فسخ البيع ومضيه، ويبتاع على مشتريه نقلا عبد الحق عن بعض القرويين محتجًا بالقياس على قصد السلف النفع بالسلف دون قابضه، وبيع من تلزمه الحجة ممن لا تلزمه، وغيره مع الصقلي، وأشار بالجواب له بإمكان زوال موسة ... المنع بيعه على مشتريه دون إعذار البائع بفتح بيعه يغدره بالجهل، وقول ابن الحاجب صح لو تنازعا على أنه دفعه محتسبًا؛ فالقول قول البائع إلا بقرينة هو مقتضى قول نكاحها الثاني: إن أنفقت الزوجة على زوجها، وهو ملي أو معدم، فلها اتباعه إلا أن يرى أن ذلك بمعنى الصلة، وكذا المنفق على أجنبي، ونحوه في تضمين الصناع، والضمان بجعل لا يجوز بمال.
ابن العطار: أجمع العلماء على ذلك.
اللخمي: من جعل لرجل دينارًا؛ ليتحمل له بثمن ما باعه لأجل بطلت الحمالة والجعل لا البيع؛ لأن المشتري لا مدخل له فيما فعلاه، ولو كان الجعل من المشتري ولا علم للبائع صح البيع ولزمت الحمالة؛ لأنه غره حتى أخرج سلعته، ولو علم البائع ذلك ففي سقوطه الحمالة قولا لابن القاسم ومحمد قائلاً: إن لم يكن للبائع في ذلك سبب.
اللخمي: وعلى الأول يخير في إمضاء البيع دون حمالة، وفسخه ولو جهلا حرمته، فلأَصْبَغ لا شيء على الحميل، وعلى قول محمد يلزم الحمالة إن لم يكن للبائع في ذلك سبب، ويختلف على هذا إن باع سلعة من رجل على أن يزن عنه فلان ثمنها، فجعل من المشتري؛ فلا يجوز على قول ابن القاسم أن يطلب فلانًا بالثمن إن علم ذلك؛ لأنه

الجزء: 6 - الصفحة: 501

سبب بزيادة، وله أخذ سلعته إن عجز المشتري عن ثمنها، وعلى قول محمد يمضي البيع ويلزم فلانًا الثمن.
قُلتُ: يريد: ويسقط الفعل، قال: والأول أحسن، ولمحمد عن مالك وابن القاسم وأشهب وغيرهم من قال لرجل: ضع من دينك علي فلان، وأتحمل لك بباقيه لأجل آخر، لا بأس به؛ لأن له أخذه بحقه حالاً، وروى عنه أشهب جوازه وكراهته، وقال مالك في العتبيَّة: لا بأس أن يقول: خذ هذه العشرة دنانير وأعطني بما لي عليك حميلاً أو رهنًا، وعلى أحد أقوال مالك: لا يجوز، ولو قال: أتحمل لك على أن تعطي فلانًا غير الغريم دينارًا لم يجز، ولمحمد عن أشهب: من له على رجل عشرة دنانير لأجل، فأسقط عنه قبل الأجل دينارين على أن يعطيه بالباقي رهنًا أو حميلاً، فلا بأس به.
وقال ابن القاسم: لا يجوز.
اللخمي: لأن أخذه الحميل خوف عسر الغريم عند الأجل فيجب تأخيره، فأخذه الحميل بما وضع مثل ضع وتعجل في البيوع الفاسدة منها إن باعًا سلعتيهما في صفقة على أن أحدهما بالآخر حميل لم تجزؤ أنه ابتاع معه الحميل على أن يتحمل له المعدم ابن الكاتب اتفاقًا من ابن القاسم وأشهب، ولو كان كانت السلفة بينهما وبدعاها على أن أحدهما بالآخر حميل، ففي جوازه قولان، وهذا على أن تحمل له بما دفع لشريكه من الثمن، ولو باع رجل من رجلين سلعة على أن كل واحد منهما حميل لصاحبه، لجاز إن استوت شركتهما.
الصقلي: وقد أجاز ابن القاسم السلم أجلين على أن كل واحد منهما حميل بصاحبه؛ لنهما حميلان في الملك، وفي جمع السلعتين إنما تقع الحمالة على الاستحقاق، وقد يستحق مبيع أحدهما دون الآخر.
الصقلي: ولو كانت السلعة أو السلعتان بينهما نصفين فباعاهما على أن أحدهما حميل بالآخر جاز؛ لأن الثمن بينهما، ولحبيب عن سَحنون إن وكل أحد الشريكين في سلعة شريكه على بيعها، فشرط المشتري على البائع أن يضمن له حظ شريكه لم يجز، وكأنه زاده في ثمن حظه لضمانه.
قُلتُ: وكقولها في السلم قولها في مسألة الستة حملاء.

الجزء: 6 - الصفحة: 502

قال ابن الحاجب: لو اشتريا سلعة بينهما على السواء جاز للعمل.
قُلتُ: ولأن استواءهما في المبيع وثمنه يوجب ستة بمجموعهما، بشخص واحد، واختلافهما في أحدهما يوجب تعددها المقتضي للضمان في الجعل، وفي منعه بالقرض مطلقًا وجوازه كالبيع نقلا ابن فتوح والمتيطي عن ابن الهندي وابن أبي زَمَنَيْن قائلاً: إن كان أحدهما معسرًا والآخر موسرًا لم يجز، وعزاه بعضهم لابن العطار، لا بقيد التساوي في الملا، وعزا الأول لابن الفخار، وتصح بما مات، ولو عديمًا.

باب المتحمل له

المتحمل له: من ثبت حقه على المحتمل عنه، ولو جهل.
المازري من ضمن دين ميت لزمه ما طرأ عليه من دين غريم لم يعلم به الحميل.

باب في الحميل

الباجي: من لا حجر عليه فيها كفالة ذات الزوج في ثلثها، ولو تكفلت بزوجها.
ففيها: قال مالك: عطيتها زوجها جميع مالها جائز، وكذا كفالتها عنه.
الباجي: يريد بإذنه.
وفيها: إن ادعت أنه أكرهها في كفالتها عنه فعليها البينة.
اللخمي عن أشهب: إن ثبت ذلك وتكلفت به لأجنبي؛ لزمها إلا أن يعلم رب

الجزء: 6 - الصفحة: 503

الحق، وإن لم تقم بينة، وقال: لم أعلم حلف إن اتهم بالعلم كالقريب الجدار، فإن نكل حلفت أنه علم وبرئت، وكفالتهما لغيره ينظر، فإن قامت بينة بإساءته لها وقهره وتمله عليها بما لا يحل حلفت وبرئت، فألزمها الكفالة للأجنبي، وإن ثبت الإكراه إن لم يعلم ذلك؛ لأنها غرته إلا أن تكون كفالتها بعد البيع ولم ينقص ماله عن يوم الحمالة.
ابن عبد الحَكم: ولزوجها منعها من الكفالة بالوجه على أنه لا مال عليها بحجته بحبسها، فيمنع منها، وتخرج للخصومة، وفي كفالتها لموسر بأزيد من ثلثها قولا ابن الماجِشُون وابن القاسم.
اللخمي: الأول أشبه.
وفيها: لا يجوز لعبد أو مكاتب او مدبر أو أم ولد عتق ولا عطية ولا معروف إلا بإذن السيد، فإن فعلوا بغير إذنه؛ لم يجز، فإن رده لم يلزمهم إن عتقوا وإلا لزمهم إن عتقوا، وقال غيره: لا يجوز ذلك للمكاتب، وإن أذن له سيده؛ لأنه داعية لرقه.
ابن الحاجب: وإن رد السيد ضمان العبد والمدبر وأم الولد اتبع به إذا عتق.
ابن هارون: هذا خلاف نصها، ومثل نصها قول ابن شاس: إنما يتبع به بعد العتق إن لم يرده.
وقال ابن عبد السلام: يعني بإثر الإجازة، وفي كون المأذون كذلك أو كالحر، قولا ابن القاسم، وابن الماجِشُون.
اللخمي: هذا أحسن فيما يرى أنه علمه للاستيلاف، وغن كان المتكفل به موسرا جاز، ولو كثر، وإن كان فقيرًا؛ لم تجز إلا فيما قل، وإن أذن له سيده جاز.
وفيها: وإن اغترق الدين ماله لم يجز، وإن أذن لا تجوز كفالة الحر، ولا يجبره سيده على الكفالة له ولا يخبره ولو أشهد فيها أنه ألزمه الكفالة لم تلزمه إلا برضاه له جبره عليها إن كان له بيده من المال قدرها، وإن لم يكن له شيء بيده شيء وهو فقير، ففي صحة جبره عليها قولا محمد وابن القاسم وابن عبد الحَكم: لا يجبر؛ لأنه يقول أجبر في ذلك.
اللخمي: إن أسقط الطالب مقاله في حبسه؛ فله جبره.
وفيها: رجع مالك عن تخيير الطالب في طلب الحميل دون الغريم؛ لوقفه عن

الجزء: 6 - الصفحة: 504

العجز على طلب الغريم، وأخذ به ابن القاسم ورواه ابن وضهْب.
قال مالك: وإن كان الغريم غائبًا أو مدينًا حاضرًا يخاف الطالب إن قام عليه المحاصة؛ فله طلب الحميل، إلا ان يكون للغائب مال حاضر يعدى فيه، فلا يتبع الحميل.
قال غيره: إلا أن يكون في تثبيت ذلك فيه بعد فيؤخذ من الحميل.
الصقلي: وقاله سَحنون.
قُلتُ: ظاهره: أن قول الغير وفاق، وصرح ابن حارث على أنه خلاف ابن الحاجب.
وفيها: لا يطالب، والأصل حاضر ملي؛ لكن إذا غاب أو فلس، ورآه كالرهن، وقيل: لو كان ملطاطًا.
قُلتُ: كونه كالرهن قاله الصقلي؛ والملطاط معتر الملك، لا جاحد الحق.
في الصحاح: لططت حقه إذا جحدته؛ لأن حمله على الجحد هنا يحمل معنى المسألة، وربما تلطيت كرامة إجماع ثلاث طاءات، فأبدلوا الأخيرة تاء، وعدوله عن لفظ الملك إلى الملطاط، وهو مرجوع لا مشاع إرادة حقيقته هنا حسبما بيناه، ولقرابته بالنسبة لفظ الملك، ولا أعرف هذا القول في هذه الصورة لأحد من أهل المذهبح بل في غيرها حسبما يذكر، ولو غاب الغريم، ففي تعجيل غرم الحميل التلوم له، وفي سماع عيسى ابن القاسم: يتلوم له في الغيبة القريبة الأيام اليسيرة.
ابن رُشْد: يريد: اليومين والثلاثة، والسماعان الأول على قول مالك للأول، والثاني للثاني، ولو شرط أنه يأخذ بحقه من شاء منهما، ففي أعمال شرطه مطلقًا ولغوه، ثالثها: في المطالبة أو ذي سلطان، ورابعها: إن كانت في العقد، وإلا فالثلاث لابن رُشْد عن مشهور قول ابن القاسم، وأشهب مع ابن الماجِشُون وابن كنانة، وثاني قولي ابن القاسم، وتأويل بعضهم عليه، وعلى الثانية في حمل الغريم على العدم أو الملا، نقل ابن رُشْد عن نوازل سَحنون وسماع يحيى ابن القاسم: ولو شرط المتحمل له قصر طلبه على الحميل، وإبراء الغريم ففي كون الشرط مطلقًا، أو إلا أن يموت أو يفلس الحميل، ولغوه مطلقًا بخلاف تقدم في الحوالة.

الجزء: 6 - الصفحة: 505

باب ما تسقط به الحمالة

والمعروف سقوط الحمالة بإسقاط المتحمل به.
محمد: روى أشهب عن مشتر حميلا بالثمن: أيهما شاء أخذ بحقه فمات، فاقتضى ثلثي حقه من تركته فسأله ورثته أنه يحلله ففعل، فله طلب الحميل إن حلف وضع للميت.
محمد: فيها شيء.
وقال في موضع آخر: فيها نظر.
وقال مالك فيمن له علي رجل حق بحمالة وحق بغير حمالة، فلم تف تركته بما عليه، فسأله الورثة أن يحلل الميت من بقية حقه، ففعل، ثم طلب الحميل فسأله الورثة أن يخلل الميت من بقية حقه، ففعل، ثم طلب الحميل، فقال، ما وصل إليه من مال الميت بين الحقين، ويحلف ما وضعت إلا للميت، ويغرم الحميل حصته من الدين.
الصقلي: إنما يغرم الحميل ما هو باق على الغريم، فإذا سقط عن الحميل ولو غرم الحميل لم تكن فائدة غي تحلل الغريم؛ لأن الحميل إذا غرم رجع على الغريم.
قلت: ومسألة في سماع أشهب.
ابن رشد: هذه المسالة حاصلة لا يصح سقوط الدين على الغريم، ويبقى على الحميل؛ لأنه إنما يؤدي عنه ما وجب عليه، ويتبعه به.
وقال ابن دحون: إنما لزمه الحميل من الدين الذي كان له بغير حميل، فيحلف ما حلله إلا دينه الذي كان بغير حمالة.
قال: ولو كان الدين كله بغير حمالة فاخذ بعضه، وحلل الميت من الباقي، لم بكن له طلب على الحميل، وهو تأويل تصح به المسالة، ينبغي إن يحمل عليه، وان بعد من ظاهر اللفظ.
قلت: هذا التأويل إنما يتوجه لو لم يرد عن مالك سقىوط الحق عن الغريم بسقوط

الجزء: 6 - الصفحة: 506

وفاء الحق على الحميل؛ إلا في هذه الصورة، وهذا جائز كما تقدم في «الموازية» من رواية أشهب فيمن أخذ بثمن سلعته حملاً حسبما تقدم فتأمله، وقول ابن دحون: وقبوله ابن رشد يدل على عدم ذكرهما رواية «الموازية» مع غيرها، ونقلها الصقلي والشيخ، وأقرب ما تأول الرواية على وجه يعم رواية «الموازية» و «العتبية» أنه إنما حلل الميت يعنى باعتبار طلب الأجرة؛ إذ لم يحصل لحقه من الحميل؛ لاحتمال عجزه عن القضاء؛ لأن عز الدين ابن عبد السلام قال: من مات مديناً أخذ لرب الدين من حسناته حتى تنفد، فان كان قد مات قادراً على القضاء أخذ من سيئات رب الدين، وطرحت عليه بقدر حقه، وان مات عاجزاً عن القضاء لم يطرح عليه من سيئاته، ثم رأيت هذا التأويل للمازري.
وفي «الموازية»: إن قضى الحميل لغيبة الغريم، ثم قدم وأثبت قضاءه، فان سبق الحميل بعد حلول الدين تبع الغريم، واتبع الغريم الطالب، وان ثبت العكس لم يرجع الحميل إلا على الطالب، وان جهل الأول منهما فهو بالخيار، ولا الحميل إلا الطالب إلا أن يكون دفعه نقصاً من الحاكم بعد حلف الغريم أنه دفع قبل، فان نكل حلف الأول، وأغرم الغريم، فإن نكل؛ فلا شيء عليه، وموت الغريم ملياً يوجب تعجيل القضاء من تركته وموته عديماً لا يوجب على الحميل تعجيله، وفى كون موت الحميل توجب تعجيل الحق من تركته وارثه عند حلوله ووقفه لحلوله، فان حل والغريم ملي رد لوارثه، وإلا أخذه الطالب، روايتان لها، ولابن وهب وعبد المالك.
الصقلي عن يحيى: هذه رواية سوء، القاضي: الأولى: على رواية تخيير الطالب في الغريم والحميل، الثانية: على عدم تخييره.
الصقلي: بل الأولى على عدم تخييره؛ إذا لا فائدة في دفعه؛ لأنه إن حل والغريم عديم أخذه الطالب؛ وإلا يأخذه الوارث من الغريم كرده له حينئذ بعد وقفه مع احتمال تلفه في مدة الوقف، وتأخير الطالب الغريم.
قال بن رشد في آخر سماع أشهب: إن أخره معدماً؛ فلا حجه لحميله، وان أخره ملياً فأنكر حميله ففي سقوط حمالته بقائها، ثالثها: إن أسقط الحمالة صح تأخيره، وإلا حلف ما أخره على بقائها وسقط تأخره، وان نكل لزمه، وسقطت الكفالة للغير فيها

الجزء: 6 - الصفحة: 507

وغيره، وابن القاسم فيما حلف ما أخره إسقاط للحمالة، ولزمت، فان نكل سقطت، هذا كله غي التأخير لا كثير واليسير لا حجة فيه للحميل، وتأخير الحميل فيها تأخير للغريم، إلا أن يحلف ما أردت تأخيره جار، فإن نكل لزمه التأخير؛ إذ لو وضع الحمالة كان له طلب الغريم، إن قال: وضعت الحمالة دون الحق، فإن نكل لزم تأخيره.
عياض: أخذ من عدم انقلاب يمين التهمة، وأداء الحميل يثبت بالبينة، وإقرار الطالب، وإقرار الغريم لغو إن كان الدفع بغير خصومة، وسمع عيسى ابن القاسم: من دفع لحامل عنه بعشرة عشرة؛ ليدفعها للطالب فدفعها بحضرة الغريم، ولم يشهد عليه فجحدها الطالب غرمها الغريم ثانية، ولو دفعها في غيبة الغريم ضمنها حين لم يشهد على دفعها، ولو دفع من ماله بحضرة الحميل فجحدها الطالب غرمها الغريم ثانيا، فإن غرمها الحميل لعسر الغريم وغيبته لم يتبعه بها الحميل؛ لأنها مظلمة.
ابن رشد: تفرقته في دفع الحميل بين حضور الغريم وغيبته صحيح على قولها في القراض في العامل يتبع ثمن ما ابتاعه بحضرة رب المال أو بغيبته، وقوله: إن غرمه الحميل لعسر الغريم او غيبته هو على سماع عيسى ابن القاسم في كتاب الاستحقاق فيمن استحق من يده عبد، فعلم انه من بلاد البائع، فيدخله من الخلاف ما في ذلك، وما دفعه من ماله بحضرة المطلوب في كون ضمانه منه أو من المطلوب قولا ابن القاسم في هذا السماع، لبراءته لحضرته، وقال بعضهم: سماع أبي زيد كقول ابن وهب وأشهب في مسألة الدابة تستحق، وسماع عيسى كسماعه فيمن استحقه عبد يعلم انه من بلاد البائع وليس بصحيح، اختلاف قول ابن القاسم حتى على من يتعين الإشهاد عليه هل هو على الدافع أو علي المدفوع منه، وقول ابن وهب وأشهب هو في مسألة أخرى.
قلت: هي قولها في سماع عبد الملك: من اخذ دابة من مبتاعها ليثبت استحقاقها على من ضمنه في قيمتها إن هلكت قبل الاسحقاق بإذنه من يعلم انها ملكه فهلكت فغرم الضامن قيمتها له اتباعه بها، وإن كان يعلم انها ملكه.
ابن رشد: حمل من ادركناه من الشيوخ هذا عل اختلاف قول ابن القاسم فيمن استحق من يده عبد يعلم انه من بلاد البائع أنه لا يتبعه بشيء، وقول سحنون نحوه،

الجزء: 6 - الصفحة: 508

وليس بصحيح؛ لأنه غرم منه ما ضمنه عنه بإذنه.
وصلح الكفيل عن الغريم.
اللخمي: يراعي فيه صحة أخذ ما يدفعه عن الدين وعن رأس ماله إن كان سلماً، فلو كان عن عين بما يقوم فجائز، ويغرم الأقل من الدين أو القيمة.
المازري: اتفاقاً.
وفي تخريج التونسي منعه من منع: محمد: دفع عرض عن ثوب من وهب عرض هبة ثواب مع أنه إنما يقضي للدافع بالأقل من قيمة العرض الذي دفع، وقيمة الموهوب؛ نظر لأنه هبه الثواب رخصة، وفي القياس على الرخص خلاف، ولأن الغائب في الثواب كونه أكثر من القيمة، وهو مجهول، والأقل عن مجهول.
ابن رشد: غرراً من الأقل معلوم، ومجهول، والدين المحتمل به معلوم.
قلت: وقول ابن زرقون: خرج التونسي فيما يرجع للقيمة قولا بالمنع، وعارضها، الصقلي وغيره بقولها: من أمر من يشتري له سلعه، فاشتراها بغير العين، فلو تركها، فان أخذها دفع له مثل الذي دفع لا الأقل، كقوله في الكفيل، فيحتمل أنه اختلاف قول، ويحتمل أنه يفرق بأن المأمور أمره المأمور أن يسلفه دنانير أن يشتري له بها فأسلفه المأمور عرضاً، والكفيل لم يأمر الغريم أن يسلفه حتى تطوع، واشترى له دينه بسلعه بعد بائعها له لا مسلفاً، ولو كان سأله أن يعطي عنه الدين فدفع فيه عرضاً جبر الغريم في دفع مثل العرض أو ما عليه من الدين، ويدخله الخلاف فيما إذا دفع عنه ما يقضى مثله، وقيل: معنى مسألة القرار رضي أن يدفع مثل ما وذي، يعني: إن كان مكيلاً أو موزوناً، وان كان قرضاً دفع قيمته كالحميل يصالح عن الغريم بعرض، وكمن ابتاع شقصاً بعرض للشفيع الأخذ بقيمه العرض لا بمثله، وان كان من عين نصفها ادني أو أجود، فقال الصقلي عن بعض الفقهاء: جائز لمتفق أن أحدا لا يختار إلا دفع الأخف عليه.
وفيها: لو دفع ذهباً عن ورق رد، والحمالة بحالها بخلاف المأمور يدفع خلاف ما أمر به من العين.

الجزء: 6 - الصفحة: 509

وقد قال ابن القاسم في دفع المأمور والكفيل ذهباً عن ورق أو طعاماً أو عرضاً: الآمر والغريم مخيران في دفع ما عليه أو ما دفع عنه لتعديه، وهذا أصل متنازع فيه كثيراً.
ابن رشد في رسم العرية من سماع عيسى: من قضى عن رجل دراهم عن دنانير أو بالعكس أو تمراً عن قمح من أمر المدين رجع عل من قضاه بما قضاه، وبقى الدين بحاله اتفاقا، فالفساد القضاء وإن قضاه بأمره، فإن قال: اصارفك لنفسي فيما لك من الذهب، وابتاع منك القمح الذي لك بهذا الثمن رجع بالدنانير والقمح، إن قال فيهما: صالحني بما ذكر غريمك رجع بما دفع إلا أن يشاء الآمر دفع ما عليه اتفاقاً فيهما، وإن وقع ذلك مبهماً دون بيان لأحد الآمرين، ففي حمله على انه مبتاع لنفسه أو مصالح قولا ابن القاسم، وقول بعضهم: تخير الأمر، قول ثالث غير صحيح، وحاصل الخلاف أن في منع القضاء وجوازه قىولان، بناء على إيجاب خيار الأمر العباد، ولغوه؛ لأنه حكمي.
وفي رجوع المأمور والكفيل بدفع دنانير عن دراهم، وقمحاً عن تمر بما دفع إلا أن يشاء المطلوب دفع ما عليه أو بالدين، ثالثها ليرجع للكفيل بما أدى، والمأمور بالدين، وتفرقته في المدونة في احد اقواله بين الحميل والمأمور؛ لأن الحميل إنما تحمل على أدائه للطالب ما له على المطلوب، ويتبعه بها أذى على شرائه ما على المطلوب فوجب حمل أمره عند الإفهام على ما علم من قصده أولاً.
الصقلي: عن محمد: الحميل بدنانير إن دفع عنها دراهم قبل الأجل لم يحل، وبعده الأجل جائز، ويخرج الغريم ما عليه بشتري به دراهم إن نقضت لم يكن للحميل غيرها، ولا شيء له في الفضل، فرجع ابن القاسم عن تخير الغريم قي دفعه دراهم أو دنانير، وقال: هذا حرام، وقاله أشهب.
ابن رشد: في سماع يحيى: إن أدى عن دنانير دراهم أو قحماً عن ثمن، ففي جوازه قولان، وعلى الجواز ففي رجوعه بها بما تحمل الغريم فيه.
وفيها: غرم عنه، قولان، وهذا معنى قولها: لا بربح في السلف، والقولان في كتاب الكفالة منها.

الجزء: 6 - الصفحة: 510

وفي منعه عن عين بمثلي وجوازها قولاً سلمها، وكفالتها بناء على تأثير الغرر فيها يرجع به الحميل؛ بتخيير الغريم لدفع ما عليه، وما أدى عنه، ولغوه؛ لأنه معروف.
ابن زرقون: في جواز ظن العين مما هو من ذوات القيم، ولو كان جزافاً مثلياً لا بمثلى غير جزاف، ومنعه مطلقاً، ثالثها: الجواز مطلقاً لمشهور، وتخريج التونسي، وقولها في الكفالة.
قلت لابن رشد في آخر رسم الأقضية من سماع يحيى: إن أدى من تحمل بدنانير عنها عرضاً، والبلد بتبايع فيه بدنانير جاز اتفاقاً للعلم؛ لأنه لا يختار إلا غرم الأقل، وفى منعه عن عرض بعين أو عرض مخالف له، سماع يحيى ابن القاسم، ولو أدى من تحمل عنه بعرض مثله من عدنه في رجوعه بمثله أو قيمته، ثالثها: تخيير المطلوب فيهما له على المشهور معها، وقوله في الواضحة وسماع أبى زيد: ولو قضى عن الحميل عن العرض فاشتراه، فسمع يحيى ابن القاسم يرجع عليه بالثمن ما بلغ ابن رشد اتفاقاً، ومعناه: لم يشتره بأكثر مما يتغابن فيه البيوع.
قلت: ما عزاه في الواضحة عزاه.
الصقلي: لأصبغ عن ابن القاسم: ولو أدى من تحمل بمثلي مثله إن أداه من عنده، وبمثله إن اشتره.
وقال بعض القرويين: إنما يرجع بما يحلف شراءه؛ لأنه الغريم علم انه يشتريه، ولو تحمل عنه بغير إذن لما وجب له إلا الأقل من الثمن أو نفس ما عليه.
وفى الموازية: لغارم ثمن طعام تحمل به أن يأخذ به من الغريم أي شيء شاء، برضاه بخلاف البائع، ومن أحاله البائع.
وفيها من غيرها: إن تحمل اثنان فأكثر بقدر على غيرهم لا بقيد، فكل حميل بالجزء المسمى لعددهم، والقدر، ولو قال: أيهم شئت أخذه بحقي فقط؛ فله أخذ أجرهم بجميعه، ولا رجوع للغارم على من تحمل له بها غرم، ولو قال: ولبعضهم كفيل ببعض مع قوله: أيهم شئت أخذت بحقي أو دونه فان أغرم أحدهم دون الحق، ففي رجوعه.

الجزء: 6 - الصفحة: 511

عليه بنصف ما غرم كاملاً أو مسقطاً منه منابه في خاصته كدين عليهم تحملوا به قولان لابن رشد عن التونسي والموازية مع سماع أبي زيد، وهو الآتي على لغير ابن القاسم في مسألة الستة، وعزا عياض الأول لابن لبابة مع التونسي، والثاني: لمن ذكر مع كثير من الشيوخ الأندلس.
ابن الحارث: لا تجوز حمالة المكاتب اتفاقا، ولو تحمل مع حق محق على ضرر بعيبه بما غرم عنه من ثمن ما ابتاعه، وبما يوجبه مساواته إياه فيما غرمه بالحمالة عن غيره، ثم في رجوعه عليه بذلك على مقتضى حال، إما بالغارم من لقيه فقط، أ, على مقتضى حال ما يجب على كل واحد منهم مع كل من غرم، لو لقيهم رب الحق مجتمعين قولا الأكثر، ونقل عياض حيث قال: لو لقى ثاني الستة ثالثهم.
ففيها: يأخذه بخمسين قضاء عنه في خاصته، وبخمسة وسبعين نصف مائة وخمسين اداها بالحمالة فذلك مائة وعشرين، وعلى هذا حسب كل الفقهاء المسألة في التراجع بينهم، وقال أبو القاسم الطنيزي الفارض هذا غلط في الحساب، والواجب إذا التقي الثالث مع أحد الأولين أن يقول الثالث: نحن الثلاثة كانا اجتمعنا معاً، فاجتماع بعضها بعضاً، ولو اجتمعا معاً، كان المال علينا أثلاثاً علي منها مائتان قد غرمتها أنت وصاحبك عني خذ مائتك التي تقع لك، وادفع لصاحبك مائة إذا لقيته، وكذلك في بقية سائر المسألة.
قلت: وقبله عياض وغيره، وهو غلط في التحفة؛ لأن ماله عدم غرم الثالث شيئاً بالحمالة؛ لأن جملة غرم على قوله في لقائه الثالث: مائه، وهي واجبة عليه فيما عليه بالشراء واستواؤهما في التزام الحمالة يوجب استواؤهما في الغرام بها، واستواؤهما فيه يوجب رجوع الثاني علي الثالث بما قاله الفقهاء.

الجزء: 6 - الصفحة: 512

باب المضمون

المضمون: ما يتأتى نيله من الضامن أو ما يستلزمه فيدخله الوجه، وكل كلي؛ لأنه الجزئي الحقيقي كالمعين من غير المعين؛ ولذا جازت بعمل المساقاة؛ لأنه كلي حسبما دلت عليه أجوبتها مع غيرها، وتوقف فيها بعض المفتين.
وفيها: لايجوز الكفالة بها ابتعته من شيء بعينه، وتجوز بها أدركه من درك في المبيع، فيغرم الثمن حين الدرك في غيبة البائع وعدمه، ولشرط خلاص السلعة؛ لم يجز الكفالة، ولم تلزم.
قال غيره تلزمه، فعليه الأقل من قيمة المبيع يوم الاستحقاق أو الثمن.
قال ابن القاسم: إن شرط المبتاع على البائع خلاص السلعة في الدرك، وأخذ منه كفيلاً بذلك بطل المبيع والكفالة كمن باع ما ليس له، واشترط خلاصه على اشتراطه ولو عقد البيع على اشتراطه فسد البيع.
عياض: حمل بعضهم أول الكلام على أن الكفالة لم تشترط في العقد فصح، وفي آخره على اشتراط فيه ففسد، وقيل: إنما تعرض أولا للزوم الكفالة وسقوطها، وأخرى على جواز البيع وفساده، وقيل: في جوازه بلزوم سقوط الشرط، وتخييره في التماسك به، فيفسد البيع وإسقاطه فيصح قولان.

الجزء: 6 - الصفحة: 513

والجزئي غير الحقيقي كالكلي في ثاني نكاحها، والرواحل منها من ابتاع سلعةً بدراهم بعينها غائبة؛ لم تجز إلا أن يشترط عليه بدلها إن كتبت، ومن ادعى دابة بيد رجل أراد وقفها بشبهة أتي بها بترك وقفها إلى إثبات بضامن ما جاء فيها، وأخرجت للراعي فهاتت ضمانه إياها قولا سحنون في نوازله، ونقل ابن رشد عن أصبغ بناء علي ظاهر اللفظ، والمعني وهو الأظهر؛ لأن المعني ضمان ما يغشى ممن هي بيده من تغيبها أو هروبه.
قلت: هذا يشبه ضمان المعين.
عياض: هي الجنايات والحدود والقصاص، وعقوبات الأبدان لا يصح، لأصبغ في الواضحة في الفاسق المتعسف بالقتل، وأخذ المال يعطي حميلا بما اجترم من قتل، ومال فأنه يلزمه ويأخذ مما يؤخذ به إلا أنه يقتل.
قال فضل: انظر هل أراد أنه يؤخذ بما اجترم من المال إلا القتل والجراح، أو يؤخذ بالدية في القتل؟.
قال عياض: فعلي هذا هو مذهب التي الذي يلزم الحميل بالنفس في القتل والجراح، أو لم يأت به ودي دية المقتول وأرش الجراح.
اللخمي: المطلوب بحق الله لا يترك بحميل، كالحامل من زنى تسجن، وإن كان ذلك بإقرارها فالأمر واسع؛ لأن لها إن ترجع، واختلفت الأحاديث في الغامدية في بعضها أمرها رسول الله صلي الله عليه وسلم بالانصراف حتى تضع، وفي بعضها أنه كفل بها، واختلف هل الهروب رجوع، وهل يقبل الرجوع دون عذر؟ فمن أجازها يجيز الترك بغير حميل، ومن تحمل بطلب من ثبت عليه حد هروبه، فإن ثبت بينة أزام الوفاء بالحمالة، وإن ثبت بإقراره طلبه على الخلاف، وحميل المتحمل به مانع اتفاقا، وحمل وقت الحمالة بالحق.
قال اللخمي: إن تحمل بعرض أوثمن مبيع ففي عقد بيعه بخروج العطاء جاز، وتختلف إن كان في عقده، والثمن لأجل معلوم، إن كان البيع والحمالة بخروج العطاء.

الجزء: 6 - الصفحة: 514

فسد البيع إن لم يكن المشترى من أهل الديوان، وان كان من أهله، فكرهه مالك مرة، وخففه أخرى لحاجه الجند إلى القيمة، وجهل بقدره بشرط ما يسقطه.
قال ابن الحارث فيه: إن شرط الحميل تقرر انه إن مات؛ فانه لا شيء على ورثته، وان مات رب الدين؛ فلا شيء على الحميل، جاز اتفاقاً، وان كان في عقد بيع ففي فسخه وسقوط الحمالة، وصحة سماع أصبغ ابن القاسم وقوله.
قلت: في نص السماع: فال أًصبغ: أرى جوابه هذا على عجلة، وغير علم بالمسألة، وأنه أجاب جواب غيرها مما سبق على ظنه بها، وإلا فلا.
ابن رشد: في فساد البيع مع سقوط الحمالة وصحتها وصحة البيع، وسقوط الحمالة رابعها: عكسه لابن القاسم وأصبغ وغيرهما، والخلاف فيه كالبيع على رهن فاسد حسبما مر، وقول بعض أهل العلم: النظر قول ابن القاسم هذا خلاف قولها باجازه البيع على رهن ذي غرر كالثمر قبل بدو صلاحه غير صحيح؛ لأن غرره الثمرة لا بصنعهما، وغرة الحمالة بصنعها، وهذه المسألة من غريب المسائل على مذهب ابن القاسم؛ لأنه يجيز الحمالة إن انفردت عن البيع ويبطلها ويفسد البيع إن اشترطت في أصله وفرق أشهب بين الرهن والحمالة الصحيحين من أصل البيع الفاسد، فأبطل وجعل الرهن رهناً بالأقل من الثمن أو القيمة، وابن القاسم يبطل الرهن والحمالة في أحد أقوالة، ومن تحمل لفلان بما له على فلان لزم غرم ما أقر به فلان بإقراره، ووقفه على ثبوته ببينة نقلا اللخمي قولا ابن القاسم في الدمياطية والمدونة، قال: والأول أحسن في البزاز فيما العادة فيه في المداينة فيه بغير بينة، وسمع عيسى رواية ابن القاسم: من قال: أنا حميل بما بويع به فلان؛ لم يلزمه شيء مما بويع به إلا ببينه لا بإقراره وكذا من شكا إليه مطل رجل، فقال: ما عليه علي لم يلزمه ما أقرب به المطلوب إلا ما ثبت ببينه أن يداين بمثله المحمول عنه، ولا خلاف فيه عندي، ولا في مثله الشكوى، وقال من أدركنا من الشيوخ هاتان المسألتان، خلاف دليل قولها فيمن قال لي: على فلان ألف درهم، فقال الرجل: أنا بها كفيل، فأنكر فلان أنه لا شيء انه لا شيء على الكفيل إلا ببينة على الحق؛ لأنه الذي عليه الحق قد جحده، فقوله: لأن الذي عليه الحق قد جحده يدل على أنه لو أقر لزمته الحمالة، وليس بصحيح، لأن المسألتين مفرقتان من قال لمن قال: لي على فلان

الجزء: 6 - الصفحة: 515

ألف درهم أنا بها كفيل؛ لزمته الكفالة بإقرار المطلوب اتفاقاً، ولو قال لي: على فلان حق، فقال الرجل: أنا به كفيل، لم تلزم الكفالة بما أقر به المطلوب وأخذه ذلك من دليل قولها، لأن الذي عليه الحق قد جحده، فإن عيسى سمع مثله خلاف نقل ابن رشد، الاتفاق على عدم لزومه، وفي دعواه الفرق دون بينة نظر؛ لأن رد مستدل عليه بدعوى عرية عن دليل لغو، وإنما اختلف فيمن قال: أنا كفيل لفلان بألف دينار له على فلان في غرمها الكفيل، ولو أنكرها المطلوب، ثالثها: إن كان عديماً، وعلى الأول: لا يلزم المطلوب غرم المحيل إلا ببينة بالحق لسماع يحيى ابن القاسم مع كتاب ابن سحنون، ورواية أشهب، وما يقوم من قول ابن القاسم في أول رسم من سماعه من كتاب الشهادات حسبما تقدم.
قلت: في الشفعة منها: من تكفل بنفس رجل، ولم يذكر ما عليه جاز، فإن غاب المطلوب، قيل: للطالب أثبت حقك ببينة، وخذه من الكفيل، وإن لم تقم بينة، وقال لي: على المطلوب ألف درهم؛ فله أن يحلف الكفيل على علمه، فإن نكل حلف الطالب، واستحق.
قلت: انظر هذا مع متقدمي قول ابن رشد: تلزمه الكفالة بما أقر المطلوب إلا ببينة قولاً واحداً.
الصقلي: ولا يرجع الحميل على الغريم بما حمل بنكوله إلا أن يقر الغريم؛ فللكفيل أن يغرمه، فإن نكل غرم.
قلت: وعرضت بمسألة النكاح الأول في الرسول يضمن الصداق عمن أرسله إلى امرأة يخطبها، فأنكر العدد الذي عقد به فلم يضمن ابن القاسم الرسوم وضمنه غيره.
ابن عبد السلام: وللشيوخ كلام في قول الغير: إنما يلزمه ما يشبه أن يداين بمثله المحمول عنه هل هو تفسير أو خلاف.
قلت: لا أذكر من حمله على الخلاف؛ بل نص.
الصقلي: وابن رشد على أنه وفاق.
وفيها: لو رجع القائل دائن فلاناً، وأنا به حميل، فقال: قبل أن يداينه: لا تفعل قد بدا لي في الحمالة؛ فذلك له بخلاف قوله: أحلف وأنا ضامن، ثم رجع قبل حلفه، لم

الجزء: 6 - الصفحة: 516

ينفعه رجوعه؛ لأنه حق وجب عليه، ففرق عبد الحق بأنه في الحمالة لم يدخله في شيء، والآخر ادخله في ترك الغريم ورفع طلبه، ولأن حلف الطالب هو مستقل به، والمعاملة لا يستقل بها بنفسه، ولأنه في الحلف ضمن شيئاً وجب، وفي المعاملة لم يجب بعد.
اللخمي: إن سمى القدر الذي يداين به؛ لم يكن له عنه رجوع، ويختلف أن أطلقه، فقال ابن القاسم: له أن يرجع، واختلف قول مالك في هذا الأصل إذا أكرى مشاهرة، فقال مرة، لا يلزمه شيء؛ لأنه لا غاية له، وألزمه مرة شهراً، وكذا اختلف فيمن أعار أرضاً، ولم يضرب أجلاً هل تلزم العارية لمدة ما يرى أنه يعار إليها أو لا تلزم، وعلى أحد القولين يلزمه ذلك إلا أن يداين بمثله هذا، وإن داينه بأكثر من مداينة مثله مرة بعد مرة لزمه أولها، وسقط ما فوقه، وإن عامله بأكثر وأخذ فوق ما يعامله به مثله سقط عن الكفيل المطالبة بجميع ذلك.
وسمع عيسى رواية ابن القاسم من ترك مالا لم يدر قدره فتحمل ولده لغرمائه ديونهم على أن يخلوا بينه وبين التركة، فإن كان على أن يختص بفضل التركة عن الدين دون الورثة لم يجز، وإلا جاز؛ لأنه معروف، وهذا من أمر الناس، وفي سماع ابن القاسم من كتاب المديان: لو كان الدين ثلاثة أمثال التركة وورثه ولده فقط، فطلب تأخيره الغرماء سنتين على أن يضمن على دينهم لا بأس به، وبلغني مثله عن ابن هرمز ابن دحون، هذه المسألة رديئة، إلا أنه تبع فيها ابن هرمز؛ لأنه أخذ عيناً ليعطي إلى أجل أكثر منها، ولأنه ضمن ما يطرأ على أبيه من دين مجهول أو يطرأ دين لزمه، ولو شرط أنه لا يؤدي إلى دين من حضر لم يجز؛ لأن الغائب إذا قدم أخذ حظه من التركة ابن رشد هذا غير صحيح؛ إذ لا يجوز عند أحد من العلماء تقليد عالم لعالم فيما يراه باجتهاده أنه خطأ، إنما اختلفوا هل له ترك النظر في نازلة ليقلد من نظر فيها واجتهد، أم لا؟ ودليل مسائل مالك أن ذلك لا يجوز، فلم يتابع مالك ابن هرمز من دون نظر؛ بل أجازها بنظره، وحكى قول ابن هرمز احتجاجاً لصحة نظره، ووجهه أن المتروك لم يدخل في ضمان الغرماء، فيكونوا دفعوه فيما هو أكثر؛ لأن ذلك لو تلف كان من الميت، ولما كان باقياً على المتوفى؛ جاز أن يحل وارثه محله، والميت لو فلس ففعل ذلك مع الغرماء؛ جاز كذلك وارثه؛ ولذا لم يجزه مالك لأحد الورثة

الجزء: 6 - الصفحة: 517

إلا على الفصل بينهم لا له وحده.
وفيها: لا تجوز كفالة بكتابة، ومن عجل عتق عبده على مال جازت الكفالة به وكذا من قال لرجل: عجل عتق مكاتبك، وأنا بكتابته كفيل، وله اتباع المكاتب بذلك.
اللخمي: تجوز بالكتابة على أصل المذهب لإجازته أن يعطى رجل سيد عبد مالاً على أن يكاتبه، وهو لا يدري أيعتق أم لا؟ فكذا إذا لم يكاتبه سيده إلا بالحمالة، ولو كانت الكتابة نجماً واحداً، وقال الكفيل: حتى للأجل، وعجز وديته عنه جاز قولاً واحداً، وكذا إن قال سيده: قف عليه كل نجم فعجزه لأخر نجومه، فإن جيء لأجلها غرم كل ما عجز عنه وكان حراً، وإن مات قبل ذلك لم أتبعه بشيء.
وقال المازري إثر قوله: تخريج اللخمي على قول أشهب: هذا التخريج قد يقال فيه: من كاتب عبده على حميل بالكتابة أعطاه حميلاً بدين قد لا ثبت، وإنما تكون الحمالة بما يثبت، ومسألة أشهب إنما دفع له مالاً على أن يستأنف كتابة، ويسقط حقه في بيع العبد، وهذا مما ينظر فيه لإشكاله.
قلت: إنما يقرر التخريج لو كانت علة المنع غرر ثبوت العتق وعدمه، وليس كذلك؛ إنما هي عدم تقرر ثبوت المتحمل.
فإن قلت: المعنى في عدم ثبوتها أنها قد تؤدى إلى عدم الحميل دون رجوع على أحد؛ لاحتمال عجز المكاتب بعد غرم الحميل حال المانع؛ لأنه إذا قال: لا يرجع به على أمر الحصول وعدمه، وهذا في مسألة أشهب موجود.
قلت: المقصود في مسألة أشهب محقق الحصول، وهو نفس الكتابة لا المقصود منها، وهو العتق في الحمالة في الكتابة المقصود منها العتق، وقد لا يحصل فيؤدي لغرم المحلل مجاناً، وافتقارهم للتخريج، والبحث فيه يدل على عدم وجود هذا القول المخرج منصوصاً، وللصقلي في آخر كتاب المكاتب عن ابن عبد الحكم: لا بأس بالحمالة بالكتابة، كما لو تحمل رجل عن عبد غير مأذون في التجر بمال أو غير المولى عليه بشيء اشتراه أحدهما أن ذلك يلزمه، وإن ذهب ماله باطلاً؛ لأنه رضي بذلك.
قال الصقلي: ولا أعلم أن لي بهذا القول رواية ابن شاس: لا يجوز ضمان الجعل في الجعالة إلا بعد العمل، وتبعه ابن الحاجب: ولا أعرفه لغيرهما، وفيه نظر الغزالي في

الجزء: 6 - الصفحة: 518

ضمان الجعل من الحمالة وجهان، ومقتضى المذهب عندي الجواز لقولها مع غيرها بصحة ضمان ما هو محتمل الثبوت استقبالاً وقد تقدم، وتوجيه ابن عبد السلام نقل ابن الحاجب بقوله؛ لأن الحمالة قبل العمل ليست بعقد منبرم، فأشبهت الكتابة يرد بأن حمالة الكتابة تؤدي إلى الغرم مجاناً، حسبما تقدم؛ لأنها ليست ديناً ثابتاً، والجعل متى غرمه الحميل رجع به؛ لأنه بعد تقرره دين ثابت.
والحمالة: بالوجه جائزة ولو بوجه منكر.
فيها: من ادعى على رجل حقا فأنكره فتحمل به رجل آخر إلى غد على إن لم يأت به ضمن المال، فلم يأت به لم يلزمه حتى يثبت الحف ببينة حكمها لزوم إحضاره حيث يقدر الطالب عليه.
فيها: إن دفعه بموضع لا سلطان فيه، أو حال فتنة أو مفازة، أو حيث يقدر على الامتناع فيه إلا بما يمتنع في الموضع الذي ضمنه فيه.
اللخمي: إن كان المطلوب مقراً حين الحمالة صح تسليمه حيث لا بينة، وإن كان حينئذ منكراً، وأخذ الحميل عليه لإقامة البينة؛ لم يبرأ بتسليمه حيث لا بينة، وإن اشترط إحضاره ببلد، فأحضره بغير، حيث تأخذه الأحكام، ففي براءته نقلا ابن عبد الحكم، وتخريجها المازري على شرط ضمان ما لا يفيد نظر، ولو خرب الموضع المشترط فيه حضوره ففي براءته بإحضاره فيه نقلا ابن عبد الحكم.
وفيها: لو دفعه له وهو في السجن برئ؛ لأنه يحبس له بعد تمام ما حبس فيه.
الباجي: ولو كان حبسه في دين أو دم أو غيره، ويكفي قوله: برئت إليك منه، وهو في السجن فتناوبه اللخمي، كان سجنه في حق أو تعدياً.
قلت: في التعدي نظر؛ لأنه مظنة لإخراجه برفع التعدي عنه.
الباجي: شرط الإحضار كونه من المبيع أو وكيله على ذلك، وإحضار أجنبي لغو.
وفيها: وكذا لو أشهد الغريم أنه سلم نفسه إليه ضمن الحميل.
زاد في الموازية: إلا أن يأمره الحميل بذلك، فيكون كوكيل الحميل على ذلك، وهو إذا لم يرض الطالب قبوله إلا بتسليم الحميل، ولو قبله برئ كمن دفع ديناً عن أجنبي للطاب ألا يقبله إلا بتوكيل الغريم، وله قبوله إلا أن يكون كوكيل الحميل على ذلك،

الجزء: 6 - الصفحة: 519

وهذا أن يكون الحميل أنكره بدفع نفسه إليه، فإن أشهد بذلك أحداً برئ الحميل.
الباجي: سمع حسين بن عاصم، ولو شرط الحميل على الطالب إن لقيت غريمتك فتلك براءتي برئ بلقائه بموضع يقدر عليه.
المازري: المشهور عدم سقوطها، بتسليم الغريم نفسه للطالب؛ لكن محمد قال: المازري: المشهور عدم سقوطها، بتسليم الغريم نفسه للطالب؛ لكن محمد قال: إلا أن يكون الحميل أمر الغريم بذلك، فجعل هنا، مقابل المشهور قول محمد، وظاهر كلام الباجي أن قول محمد، وفاق ثم صرح المازري عن ابن عبد الحكم ببراءة الحميل بتسليم الغريم نفسه لا بقيد النيابة عن الحميل.
قال: واختاره بعض أشياخي، وزاد: إن تمكن الطالب من الغريم بحضوره بين يديه، وعدم امتناعه يبريه.
قال: وفيه نظر.
قال: إلا أن تقوم قرينة بإسقاطه الكفالة، والمشهور بطء إحضاره عديماً للمازري.
روى ابن الجهم: لا يبرأ إلا بإحضاره ملياً، وعبر عنه عياض، بقوله: روى ابن الجهم أنهما كحمالة المال، سواء تلزمه في كون ذلك، وزاد اللخمي في رواية ابن الجهم قال: لأنه تحمل وقت يسره، فيأتي به وقت عسره، فأتلف عليه ماله، والأول أبين إن كان معسراً وقت حلول الأجل، وإن كان ملياً، وأتى به معسراً لزمه المال، إلا أن تكون الحمالة بمال حال، وإن لم يتحمل ليؤخره.
قلت: ففي براءته بمطلق إحضاره أو بقيد كونه ملياً، ثالثها: بقيد كونه مساوياً لحاله وقت ضمانه، ورابعها: لحلوله وقت الدين للمشهور، ونقل عياض ورواية ابن الجهم، ونقلها اللخمي، واختياره.
وفي غرمه ما عليه بعجزه عن احتضاره قولان للمشهور، ونقل اللخمي مع غيره عن ابن عبد الحكم، وعلى المشهور في تعجيل غرمه بعد احتضاره نقل الصقلي عن ابن وهب، والمشهور، وقال الباجي: في قول ابن وهب لعله يريد من بعدت غيبته، وعلى التلوم في كونه يومين أو ثلاثة أو فيهما ونحوه نقلا لابن رشد عن سماع يحيى ابن القاسم، وقولها: قلت: إن لم يأت به والغريم حاضر أو قريب الغيبة مثل اليومين أو اليوم تلوم له، وإن بعدت غيبته غرم الحميل مكانه، ولما حكى الصقلي قول ابن وهب،

الجزء: 6 - الصفحة: 520

قال: قال بعض فقهائنا: ما في المدونة أشبه؛ لأن التلوم الحاضر ثلاثة أيام ونحوها، فإن كانت غيبته يوماً تلوم له ثلاثة يوماً لخروجه ويوماً للإقامة، ويوماً لمجيئه، وإن كانت غيبته ليومين؛ صارت مدة التلوم يومين لذهابه، ويومين لمجيئه، ويوماً لإقامته فيكثر التلوم.
قلت: هذا التقرير ينافي قولها: يتلوم في الغائب على يومين إلا أن يحمل قولها على التلوم لرجاء القدوم لا للخروج لإتيانه به، فتأمله، وكذا نقل ابن رشد في قدر التلوم ما يقدم فيه، فيه نظر؛ لأن ذلك القدر إنما وقع في السماع، وفي المدونة: حداً للغيبة التي يتلوم فيها، لا حداً لمدة التلوم، ونص السماع: إن كانت غيبته قريبة اليوم، واليومين، ولثلاثة، ولا يضر بالطالب أخذا على قدر ما يرى الإمام.
اللخمي: هذا يقتضي أن يؤخر سبعة أيام سيراً، ورجوعاً وطلباً، وقوله: ما لا يضر بالمتحمل له حسن ليس الطالب المقيم كالمسافر.
قلت: ففي حد التلوم في قريب الغيبة ثلاثة أيام أو يوم ونحوه، وسبعة أيام، ورابعها: بحسب حال الطالب فيما لا يضر به، لنقلي ابن رشد ونقل اللخمي، واختياره، وعلى طريقة المازري.
قال المازري: قدر التلوم يوم ونحوه، وقيل: يومان، وقيل: ثلاثة، واختار بعض الأشياخ يوماً واحداً.
خامسها: يومان.
وسادسها: يوم فقط.
اللخمي: إن أمكن من الخروج لطلبه؛ فللطالب أخذه بحميل خوف عدم رجوعه إلا أن يرى أن مثله لا يخشى منه ذلك، فإن لم يرفع أغرم الحميل الثاني، ولو حكم بغرمه وأحضره قبله ففي سقوطه نقلا الصقلي عن سحنون، وقولها: ولم يضر.
اللخمي: الثاني: إلا لابن الماجشون، قال: وأرى إن قدم معسراً، وكان يوم حلول الدين موسراً مضى الحكم، وإن كان حينئذ معسراً رد الحكم، ولو دفع الحميل المال رد له، وإن كان في اليومين موسراً مضى الحكم، وهو كحميل بمال، واختلف هل يبرأ

الجزء: 6 - الصفحة: 521

بالحميل أم لا؟ ولو أثبت الحميل فقر الغريم في غيبته ليسقط حمالته، فقال المازري: يجري سقوطها بذلك عندنا على قولين؛ لأن حلف الغريم لو حضر مع البينة على فقره يمين استظهار لتهمته على أنه أخفى مالاً يمين التهمة ليس لها من القوة ما لا للأيمان، واختار بعض أشياخي سقوطها بذلك؛ لضعف يمين الاستظهار.
وفي سقوطها بموت الغريم مطلقا، أو ما لم يمت في غيبته لو كلف الحميل إتيانه به قبل موته، وقبل حلول أجل الدين عجز عنه قولان لها مع الصقلي، فاعتبار الأولى، من خروج الحميل وإتيانه بالغريم بناء على اعتبار امتناعه، وفي الثاني من اعتبار إتيان الغريم فقط، بناء على عدم امتناعه، وقول ابن الحاجب: وعن ابن القاسم: إن مات بعد الأجل لزم.
وإن قلت: غيره فاطرحوه وهم.
وفيها: لو غرم الحميل، ثم أثبت بينة موت الغريم في غيبته قبل القضاء رجع بما غرم على رب الدين.
المازري: وفي سقوط الحمالة بموت حميل الوجه، وتعلقها بتركته قولا ابن الماجشون، والمشهور بناء على قصر تعلق الحمالة على عين الحميل، أو بذمته، وعلى المشهور لو مات الحميل قبل الأجل؛ برئ الورثة بإحضاره.
محمد: ويكفي إحضاره بعض الورثة، وتعقب بعضهم سقوطها بإحضاره قبل الأجل؛ لأنه لا يفيد الطالب؛ ولذا لا يبرأ الحميل بذلك.
المازري: لعل محمداً يرى حلول الأجل في الموت بموت الحميل كحميل المال، وأن تأخير الطلب بها يوجب تعلقه بالتركة إن عجز عن إحضاره حين الأجل، فيلزم تأخير قسم التركة، وهو ضرر بالورثة، وللتونسي في شرح الموازية إثر نقله منها قول عبد الملك.
قال محمد: يقال للورثة: جيئوا بالذي عليه الدين وإلا ضمنتم.
قال التونسي: لم يذكر متى يجيئون به، ولعله أراد عند حلول الجل.
قلت: لو أراد عند حلول الأجل لقال: وإلا غرمتم، ولم يقل وإلا ضمنتم.
اللخمي: الصواب أنه لا يبرأ الميت بإحضار الغريم قبل حلول الجل، ويوقف

الجزء: 6 - الصفحة: 522

من تركته قدر الدين، فإن كان الورثة مأمونين وقف في ذمتهم.
وحمالة الطلب لا توجب غرم مال صيغتها حميل يطلبه، ويبرأ دفعه، ومثله قوله مع سماع أبي زيد ابن القاسم إن قال: حميل الوجه أطلبه، فإن لم أجده برئت من المال.
وفي المقدمات عن الموازية: قائل لا يضمن إلا وجهه لا يلزمه مال.
ابن رشد: وفيه نظر لا فرق بين قوله أنا ضمان لوجهه.
وقوله: لا أضمن إلا وجهه.
وفي ضمان الوجه عليه: ومن ضمن الوجه؛ ضمن المال، كما لا فرق بين قوله: أسلفني فلان ألف درهم، وقوله: ما أسفلني إلا ألف درهم في وجوب الألف درهم، وإنما يصح قوله: إن كان لكلامه بساط يدل على إسقاط المال، مثل أن يقال: تحمل له بوجه، فلان فإن جئت به برئت من المال، فيقول: لا أضمن إلا وجهه وشبه ذلك.
وفيها: لغير ابن القاسم زيادة على قوله: إلا أن يمكنه بعد الأجل إحضاره ففرط فيه حتى أعوزه، فهذا قد غره، ومثله في سماع أبي زيد إن لم يحضره.
قال أشهب: أراه ضامناً إن أخره ثم خلاه.
اللخمي عن ابن الماجشون: إن قدر على إحضاره فتركه حتى غاب فقد غر، وقال في المبسوط: هو ضامن.
ابن القاسم: إن لم يعرف.
ابن رشد: فيها مع غيرها: إنما عليه إن غاب عن موضعه أن يذهب إليه إن كان قريبا، وليس ذلك عليه إن كان بعيداً، ولا يطلبه إن جهل موضعه.
اللخمي: لابن القاسم في الموازية: إن لم يعرف موضعها لم يسجن فيه إلا أن يتهم بمعرفة موضعه، فيسجن على قدر ما يراه السلطان، ويرجى له الرد على صاحبه.
اللخمي: إن قوي دليل تهمته بمعرفة مكانه، لد من طلبه وإظهاره، فأغرم المال كان له وجه.
قلت: في السماع المذكور إن قامت بينة أنه خرج وأقام بقرية ثم رجع، ولم يصل إلى الغريم سجن على قدر ما يرى السلطان وأما ضمان المال؛ فلا.
ابن رشد: في حد القرب الموجب طلبه بما يرى أنه يقدر عليه أو بأسفار الناس غير

الجزء: 6 - الصفحة: 523

النائية جداً، ثالثها: بيومين، وما لا مضرة فيه، ورابعها: يتلوم له الأيام، فإن لم يأت به حبسه حتى يأتي به، لابن رشد عن سماع أبي زيد، ولابن عب دالحكم عن ابن الماجشون في الواضحة قائلاً ابن حبيب: والشهر ونحوه من أسفار الناس كثيراً، وأصبغ وفضل عن ابن عبد الحكم.
لت: وفي السماع المذكور إن كانت غيبة الغريم لا تعرف لم يكلف الحميل، وإن كان ببلد يقوى مثله على السيرله؛ لزمه، فإن خرج حتى قدم، فقال: لم أجده، وقال الطالب: من يعرف بلوغه الموضع، فإن غاب قدر ما يبلغه صدق، وإن ضعف عن الخروج للموضع الذي نحاه الطالب؛ لم يلزمه.
اللخمي: هذا كقوله في الأجير على تبليغ كتاب، وخالفه غيره في الأجير، ويلزم على قوله: أن يكلف الحميل إثبات وصوله، ولما ذكر المازري تخريج اللخمي على قول الغير، قال: وفيه نظر؛ لأنه يريد أن يثبت بدعواه ديناً في ذمة، والدين لا يثبت إلا ببينة، والحميل لا يريد إثبات دين في ذمة، إنما يريد إثبات براءة من الطلب، ولا يمكن إقامة بينة عليه، فكان الغريم والطالب دخلا على تصديق الحميل، فهذا ينظر فيه.
وفيها: من أخر مدينه قبل حلول أجله لأبعد منه برهن أو حميل؛ لم يجز.
قال: والرهن والحمالة ساقطان.
الصقلي: لو كان الرهن في أصل العقد كان أحق به كقولها فيمن أخذ رهناً بثمن أو قرض على أنه إن لم يفتكه فالرهن له لم يجز، وهو أحق من الغرماء، وفي الموازية: إن مات أو فلس في الأجل سقطا، وفي الثاني: سقطت الحمالة فقط.
الصقلي: هذا على قول أشهب: الرهن بجعل جائزا، ولأنه بدخول الأجل.
الثاني: صار كرهن في عقد، وهذا أشبه، ولابن القاسم ثبوت الحمالة بعد الأجل الأول؛ لأنه كمن خرج من يده شيئاً؛ لاحتمال قدرته حين حل الأجل على أخذ حقه.
اللخمي: إن أراد إن لم ينقص ذمة الغريم عن حالها يوم الحمالة فهي ساقطة، وإن نقصت فعلى الحميل للقدر الذي نقص له كان التأخير إعطائه حميلاً ببدل، فقال: أجله إليه جائز مطلقاً، وإلى أجل دونه، والدين عين أو عرض كذلك، فإن كان عرضاً من بيع، والقصد نقع الطالب بالتعجيل؛ جاز، ولنفع المطلوب بإسقاط الضمان؛ لم يجز،

الجزء: 6 - الصفحة: 524

وأعطاه بعد حلوله لتأخير، والغريم موسر جائز، وكذا إن كان معسراً، والتأخير لم يرى أيسره إليه أو بعده.
وفي جوازه لما يرى اليسرة إليه أو قبله، قولا أشهب وابن القاسم: إن كان بالبعض؛ فالحمالة به ليؤخره جائزة، وكذلك ما هو به معتبر على تعجيل ما هو به موسر، وعلى تأخيره لا يجوز.
قلت: وهو معنى قول ابن الحاجب، وإن كان موسراً بالبعض؛ جاز ضمان أحدهما دون الجميع.
ابن عبد السلام: وفيه نظر إذا فرضنا أن حاله في العسر لا ينتقل لليسر في ذلك الأجل؛ لأنه لو كان موسراً بالجميع؛ لجازت المسألة، ولو كان معسراً لا يقدر على قضاء شيء من دينه؛ لجازت المسألة أيضاً.
قلت: لا يخفى على منصف سقوط احتجاجه على ما زعمه من النظر؛ لنه إذا كان معسراً بالجميع فلا عوض عن الحمالة بوجه، وإن كان موسراً بالبعض؛ فالعوض عنها موجود، وهو تأخيره بالبعض الذي هو به موسر يدخله ضمان بجعل، وسلف جر نفعاً حسبما قرره غير واحد.
اللخمي: من قيد حمالته بعسر الغريم أو جحده أو لدده أو غيبته أو موته لم يلزمه إلا ثبوت الشرط، فلو علقه بغيبته فحل الأجل وهو حاضر مقدور على طلبه، ففرط طالبه حتى غاب سقطت الحمالة، ولو قال: إن جحد أو افتقر؛ لم يلزمه إن غاب.

الجزء: 6 - الصفحة: 525

باب صيغة الحمالة

صيغة الضمان: ما دل على الحقيقة عرفاً.
فيها: من قال: أنا حميل بفلان، أو زعيم، أو ضامن، أو قبيل، أو هو لك عندي، أو إلي أو قبلي؛ فهي حمالة لازمة إن أراد الوجه لزمه، وإن أراد المال لزمه.
عياض: ومثلها: قبيل، ودين وعزيز وضمين، وكوين، وفي حمل لفظها المبهم العاري عن بيان لفظ أو قرينة عن المال، والنفس نقلا عياض عن شيوخنا.
ابن رشد: الأصح الأول لقوله صلى الله عليه وسلم: «الحميل غارم».

الجزء: 6 - الصفحة: 526

فصول الكتاب · 73 فصل · 48 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المختصر الفقهي لابن عرفة · 48 صفحة
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاةكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الحجكتاب الصيدكتاب الذبائحكتاب الأضاحيكتاب الأيمانكتاب الجهادكتاب النكاحكتاب الطلاقكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب الاستبراءكتاب الرضاعكتاب النفقةكتاب الحضانةكتاب البيوعكتاب الصرفكتاب بيوع الآجالكتاب بيع الخياركتاب الرد بالعيبكتاب البيوع الفاسدةكتاب العريةكتاب الجوائحكتاب السلمكتاب القرضكتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الحمالةكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب الاستلحاقكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب الغصبكتاب التعديكتاب الاستحقاقكتاب الشفعةكتاب القسمةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب المزارعةكتاب المغارسةكتاب الإجارةكتاب ضمان الصناعكتاب الجعلكتاب إحياء المواتكتاب الحُبُسكتاب اللقطةكتاب القضاءكتاب الشهاداتكتاب الدياتكتاب القسامةكتاب الجنايات باب البغىكتاب السرقةكتاب الحرابةكتاب العتقكتاب الولاءكتاب المدبركتاب الكتابةكتاب أم الولدكتاب الوصيةكتاب الفرائض
جارٍ التحميل