المختصر الفقهي لابن عرفةصفحات 30-300

كتاب الشهادات

صفحات 30-300

وعليهم صحيح؟ بل الأظهر أن ذلك لا ينبغي له لجواز أن يكون بينهما عداوة.
اللخمي: إن قال: هو عدل رضا؛ صحت العدالة، واختلف إن اقصتر على إحدى الكلمتين هل هو تعديل أم لا؟ فإن قال: إحدى الكلمتين، وإن سأل عن الأخرى؛ فهو تعديل لورود القرآن بقبول شهادة من وصف بإحداهما، وإن سأل عن الأخرى فوقف؛ فهو ريبة في عدالته، يسأل عن سبب وقفه، فقد يذكر ما لا يقدح في العدالة، أو يذكر ما يريب؛ فيوقف عنه.
وفي الموازيَّة قوله: اختبرته وعاملته، فما علمت إلا خيرًا، أو أنه صالح فاضل ثقةح ليس تعديلًا حتى يقول: عدل، أو أراه عدلًا.
اللخمي: إن كان المسؤول عالمًا بوجوه التعديل، وعلى أن سؤاله لتمضي شهادته؛ فهو تعديل، وقد أخرج البخاري في ذلك في باب العدالة في قول بريرة: لا أعلم إلا خيرًا غير أن صرف المسئول عن قوله: عدل رضًى إلى هذا اللفظ اليوم ريبة.
وفي الجلاب: والتزكية أن يقول الشاهدان: نشهد أن فلانًا عدل رضي، ولا يقتصران على لفظ واحد من العدل والرضا.
المارزي: قال مالك: لفظ التعديل أن يقول: هو عدل رضى.
الشَّيخ: روى ابن عبدوس يقول: رضى وأراه عدلاً، وتقدم قول سَحنون، ولابن كنانة: التعديل أن يقول: أعرفه أو أعلمه عدلاً رضى جائز الشهادة، ولا يقبل منه أن يقول: لا أعلمه إلا عدلاً رضى، ونحوه في كتاب ابن سَحنون رواية لابن كنانة.
ولابن حبيب عن الأخوين يقول: هو عندي عدل رضى، وليس عليه أن يقول في علم الله تعالى، ورواه أشهب، وقاله ابن عبد الحَكم وأَصْبَغ.
ابن هشام عن ابن شعبان قوله: نعم العبد تعديل لقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾

ذلك بقوله: أواب.
قُلتُ: إنما قال: وكذا قوله هو خير لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الأَخْيَارِ﴾

قُلتُ: ويرد باحتمال كون (ال) في الأختيار للعهد.

ولابن حبيب: روى ابن وَهب قوله: لا أعلم إلا خيرًا؛ لغو.
قُلتُ: ومثله لا بأس به، وذكر بعذ من لقيت عن بعض قضاة بلدنا: أنه لغى تعديل بعضهم عنده بقوله: لا بأس به، ولابن هشام عن محمد: التزكية من غير تفسير.
المارزي: حكى أبو المعالي عن القاضي: وجوب الكشف عن السبب الذي وقع به التعديل، ولا يجب ذلك في التجريح، والمعروف عن مذهبه المساواة بين التعديل والتجريح، ولكن يعتبر حال الشهود بذلك إن كانوا من أهل العلم بحقيقة الجرح والتعديل، لم يستفسروا، وإن لم يكونوا كذلك؛ وجب استفسارهم، وهذا الذي أشار إليه من اعتبار حال المعدولين والمجرحين لا يخالف فيه إن علم جهلهما بذلك، ولكن يتصور الخلاف فيمن جهل قدر معرفته بذلك.
اللخمي: اختلف في قبول التجريح إجمالاً على أربعة أقوال: قيل: يقبل، وقيل: لا، وقال الأخوان: يقبل ممن يعرف وجه التجريح كان المجرح ظاهر العدالة أو لا، أشهب: لا يقبل في مشهور العدالة إلا مفسرًا بخلاف من لم يقبل إلا بمن عدله.
ابن كنانة: إن كان المجرحان مشهورين بالعدالة؛ لم يسألا، وإن كانا غير مبرزين؛ سئلا.
ابن شعبان: إن قال: إن ذكرت ذلك خفت أن أؤخذ به أو هو ساقط الحال.
قبل ابن سَحنون: إن قال: هو رجل سوء غير مقبول الشهادة؛ فهو تجريح.
اللخمي: هذا إن فهم عنهما الذي جرحا به، وأنه جرحة اتفاقًا، وإن لم يفهم؛ وجب استفسارهما للخلاف في كثير من الصور، هل هي جرحة أم لا؟ ولاحتمال اعتقاده ما ليس جرحه، ولحق الشاهد في انتهاك عرضه، والمشهود له في سقوط حقه.
قُلتُ: وحكم بعض شُيُوخ شُيُوخنا قوله: (رجل سوء) بالتجريح مستدلاً بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنبياء:77] حسن، وقاله بعض المتقدمين.
المارزي: أكد الشافعي في وجوب الكشف في الجرح؛ لأن شاهدَا جرح شاهدًا،

فسئل عن جرحته؟ فقال: رأيته يبول قائمًا، فقيل له: وإذا بال قائمًا ماذا يكون؟ قال: يتطاير عليه بوله، فقيل: هل رأيته صلى بعد ذلك؟ قال: لا، فظهر غلطه.
قُلتُ: قبول ابن عبد السلام تقرير بعضهم ما ليس جرحة جرحت بمن جرح رجلاً، فسأل عن جرحته؟ فقال: رأيته يغتاب بحضرته، ولا ينظر نظر، والأظهر أن ذلك جرحة إلا أن يكون ذلك نادرًا منه، ولا يستطيع أن ينكر في محل لا يستطيع القيام منه حسبما قرر في باب الغيبة.
قال النووي: يحرم استماعها، كما يحرم ذكرها.
وفي نوازل سَحنون: إن شهد المجرحون فقالوا: هو عندنا غير عدل ولا رضى، ولم يصفوه بزنى، ولا أنبذه، ولا قيان؛ فهو تجريح إن كانوا من أهل المعرفة بما به التجريح، وذكر قول أشهب المتقدم.
ابن رٌشْد: لتفرقة أشهب وجه من النظر، وقول سَحنون أظهر؛ لأنه قد يقولون: زنى، وهم أربعة؛ فيرجم، ويقولون: شرب الخمر؛ فيحد، فستر الحاكم على الشاهد أولى، وفي نوازله: شهادة رجلين بأنهما سمعا رجلين قالا: نشهد أن فلانًا عندنا غير عدل؛ لغو، وكذلك التعديل بذلك، ولا يجوز تجريح، ولا تعديل على السماع.
ابن رُشْد: معناه: على السماع الذي ذكره؛ لأنه شهادة على شهادة، وليست بشهادة سمَاع وشهادة السماع في ذلك جائزة وهي أن يسمع من غير أهل العدل وغيرهم أن فلانا عدل رضى، أو أنه غير عدل، ولا رضى، فيشهد على السماع بذلك، ولا يسمى من سمع منهم؛ فالشهادة عاملة اتفاقًا، إلا أنه قيل: لا تجوز بأقل من أربعة.
وسمع عيسى ابن القاسم: من قبلت شهادته في أمر، وشهد في أمر آخر إن كان قريبًا من تعديله في الأول بعد الأشهر وشبهها؛ لم يطلب تعديله، وإن طال طلب والسنة طول.
قال أَصْبَغ: إلا أن يكون الرجل مشهورًا بالخير لا يحتاج في مثله لابتداء سؤال.
ابن رُشْد: المجهول الحال إذا عدل مرة في أمر، ثم شهد ثانية؛ ففي طلب تعديله كلما شهد حتة يكثر تعديله، ويشتهر مطلقًا، والاكتفاء بالتعديل الأول حتى يطول سنة

قولا سًحنون وابن القاسم هذا، فلو طلب تعديله بالقرب على قول سَحنون، أو بالبعد على قول ابن القاسم، فعجز عن ذلك لفقد من عدله أولًا؛ وجب قبول شهادته؛ لان طلب تعديله ثانية؛ إنما هو استحسان، والقياس الاكتفاء بتعديله أولًا ما لم يهتم بأمر حدث، وهو قول الأخوين في الواضحة، وقول أَصْبَغ تفسير لقول ابن القاسم، ورواه ابن سَحنون.
قُلتُ: فالأقوال ثلاثة، والعدل قديمًا وحديثًا على قول سَحنون، ولو شهد في يوم تزكيته، واستشكل بيان تعديله، وهي التزكية في عرفنا إن أثبت تعديله؛ لزم قبوله فيما شهد به ثانيًا، وإلا لزم قبول غير العدل وهو باطل، ويجاب بأن من شرط تعديله في النازلة الجزئيَّة؛ علم من عدله ضبطه إياها، ولا يلزم من علمه ضبطه نازلة معينة علمه ضبطه في نازلة أخرى، وعزا اللخمي لابن كنانة مثل قول سَحنون.
وللشيخ عن أشهب في المجموعة: إن شهد فعدل، ثم شهد، فإن كان بعد زمن نحو خمس سنين؛ سئل عنه المعدل الأول، فإن كات؛ سئل معدلًا ثانيًا، وإلا لم يقبل.
وكذا نقله الصقلي بإثبات نحو قبل خمس سنين، ونقله ابن عبد السلام بحذفها خلافه.
ابن الحاجب: ولو شهد مزكى، قد شهد فثالثها: إن لم يغمز فيه بشيء؛ لم يحتج، ورابعها: إن كان المزكي مبرزًا؛ لم يحتج، فقبلها ابن عبد السلام قائلًا: هذا الأقوال منصوص عليها في المذهب.
زاد ابن هارون بعزوه الرابع لابن كنانة، ومقضتى لفظ ابن الحاجب إلى لأولى الاكتفاء بتعديله، ولو غمز فيه بشيء، وهذا لا أعرفهن وعزوه لابن كنانة وهمٌ لنقل الشَّيخ عنه ما نصه: قال ابن كنانة: أما الذي ليس بمعروف، فيعدل، ثم يشهد؛ قليؤتنف فيه تعديل ثان، وأما المعروف بالعدالة في بلده؛ يشهد، فيعدل، ثم يشهد في شيء آخر، فالتعديل الأول يجزئ فيه حتى يجرح فيه بأمر بين.
قُلتُ: فتفصيل ابن كنانة؛ إنما هو في الشاهد المزكى لا فيمن عدله، وتحقيق ذلك

إن كان الشاهد بتعديله أول مرة مشهورًا بالعدالة؛ لم يطلب تعديله ثانية ما دام بحاله حسبما تقدم لأَصْبَغ وابن رُشْد، وإلا ففي الاكتفاء به ما لم تظهر له نقمة، وافتقاره للتعديل ما لم يوجب تكرره شهرة عدالته، ثالثها: ما لم يطل ما بين شهادته سنة، ورابعها: بنحو خمس سنين، وخامسها: بأزيد من ستة أشهر، للأخوين وسَحنون مع الشَّيخ عن ابن كنانة، وسماع عيسى ابن القاسم ولأشهب.
ودليل نقل ابن المناصف عن الأخوين: إن عدل، ثم شهد بعد ستة أشهر؛ لم يطلب تعديله إلا أن يغمز، أو يستريب الحاكم في أمره، وفي اقتصار المازري في النقل عن سَحنون على إعادتها بعد شهرين ونحوهما نظر؛ لاقتصار الشَّيخ على نقله قوله: في نوازله: إن شهد، ثم شهد بعد شهر أو شهرين، أو عام أو عامين؛ طلب تعديله حتى يشتهر تزكيته، ولم يحك ابن رُشْد عنه خلافه بوجه.
وللشيخ عن ابن حبيب عن الأخوين وأشهب وأَصْبَغ: من عدله رجل، وعجز عن آخر، ثم عدله ثان بعد سنة؛ لم يقبل الأول، وطلب فيه الآن اثنان كان أحدهما الأول أو لا، وإن اجتمع في شخص تعديل وتجريح، ففرق اللخمي في القضاء بالجرح أو بأعدلهما قولان.
وأرى إن اختلفا عن مجلس واحد قضى بالأعدل، وعن مجلسين إن تقاربا؛ فالجرح وإلا فالأخيرة.
ابن رُشْد في سمَاع القرينين في تقديم الأعدل أو التجريح ثالثها: التعديل لسماع القرينين، وسَحنون، وابن نافع، ومُطَرِّف مع ابن وَهْب في المبسوطة قائلًا: هذا إن قال المعدلون: عدل، والمجرحون مسخوط، ولو عينوا جرحته؛ قدمت اتفاقًا، والأظهر التجريح.
المازري: قال ابن الطيب: إن لم يكن عدد المعدلين أكثر من المجرحين؛ فالتجريح مقدم إجماعًا، وقصر الخلاف على كون عدد المعدلين أكثر؛ لرجحان التعديل بكثرة العدد، ورجحان التجريح باق متعلقه إثبات، وهو ما به الجرحة.
هـ. ومتعلق التعديل نفي، وما قاله غير مسلم لنقل ابن شعبان القولين، ومقتضى

التحقيق تقديم الجرح، ولو كثر عدد المعدلين لما تقدم من كون متعلق بالتجريح إثباتًا بخلاف التعديل، ولو كان اختلافهما باعتبار متعلق واحد، كقول المجرحين: رأيناه عاكفًا على شرب الخمر ليلة كذا، وقال المعدلون: رأيناه تلك الليلة عاكفًا على الصلاة، فيقدم الأرجح عدالة، أو بكثرة العدد على قول بعض أصحاب مالك: ولو شهد شاهد بأنه زنى، وآخر بأنه سرق؛ ففي ثبوت جرحته بهما قلا سًحنون قائلًا: لو أشهد أحدهما بأنه خائن، وآخر بأنه أكل مال اليتيم، جرح بذلك؛ لتباين متعلقي شهادتي الأولين، وعدمه في شهادتي الأخيرين.

|

باب مانع الشهادة

| ؟؟؟ ما قام دليل على إيجابه، رفع ما ثبت مقتضى ثبوته، وذكروا منه في قبول شهادة عددًا الأول التغفل.
الشَّيخ عن محمد بن عبد الحَكم: لا تقبل إلا شهادة العدل المأمون على ما يقول، وقد يكون عدلًا، ولا يؤمن التغفل أو يضرب على خطه، ويشهد على الرجل، ولا يعرفه، يتسمى له بغير اسمه، فمن كانت هذه حاله؛ لا تقبل شهادته.
قُلتُ: قوله: أو يضرب على خطه؛ يريد: ثم يؤدي شهادته على أنه حطه؛ لتغفله وهو ليس خطه.

وفي طرر ابن عات" قال إياس بن معاوية: ما بالبصرة أفضل من عطاء السلمى، وما أقبل شهادته على درهم واحد.
قُلتُ: ولذا أخبرني بعض من لقيت عن بعض ِشُيُوخنا" أن الشَّيخ الفقيه ابن الخباز: كان ولي القضاء ببلده بالمهديَّة في أوائل أمره، فكان يخرج لزيارة بعض صلحاء ساحل المهدية، ويتبرك به، وإذا شهد عنده شهادة لا يحكم بها؛ لتغفله عنده، وهذا شأن أهل الحق، ونحوه قول ابن شعبان في زاهيه" والعابد الذي لا يميز بين الألفاظ، وشغلته عبادته من معاني أفعال الناس، ينبغي أن يتوقف عن الحكم بشهادته حتة تختبر كيفيتها.
قُلتُ: ولهذا يجب لغو ارتهان من هو من هذا النمط فيمن يطلب تقديمه للشهادة، وينبغي إعلامه ذلك، وإنه لا يحل له طلب ذلك؛ لأن فيه تعريضًا بنفسه، وابن الخباز هذا قال: الشَّيخ الفقيه المحدث الرحال أبو العباس؛ عرف بالعشاب هو أبو عبد الله محمد بن علي بن إبراهيم العواتي، تفقه بالمهديَّة على أبي زكرياء البرقي، رحل إلى المشرق سنة أربع وعشرين وستمائة، أخذ بمصر عن عز الدين ابن عبد السلام وغيره، وقرأ الحاصل على مؤلفه تاج الدين الأرموي، ورجع إلى المهديَّة بعلم كثير فدرس وأفتى، ثم نقله الخليفة للحضرة، وقلده قضاء الجماعة بتونس سنة ستين وستمائة، كان موصوفًا بدين وعقل، توفي في جمادى الأخرى سنة ثلاث وثمانين وستمائة، وهو ابن ثلاث وثمانين سنة.
قُلتُ: وأخبرني بعض من لقيت عن من أخبره من بعض اهل داره انه سمعه ليلة، وهو يقول مشيرًا إلى نفسه: أي علم هاهنا لم أجد من ألقه إليه، وقول ابن الحاجب إثر قول ابن عبد الحَكم، وقيل: إلا فيما لا يكاد يلبس فيه، وقبوله ابن عبد السلام، وابن هارون لا أعرفه إلا تقييدًا.
قال المازري: إطلاق المتقدمين رد الشهادة بالبله والغفلة، قيده بعض المتأخرين بما كثر من الكلام والجمل المتعلق بعضها ببعض لا في نحو قوله: رأيت هذا الشخص أو سمعته قال: هي طالق، وقال الأصوليون: رواية من قل تغفله مقبولة إلا فيما لاح

فيه تغفله، ومن كثر تغفله في كونه كذلك، وردها مطلقًا ثالثها: لابن أمان مع القاضى يصرف ذلك للاجتهاد، وله أيضًا من تقارب حال غفلته ويقظته، أو تساوت قبل فيما لم تلح فيه غفلته، ولم يذكر فيه خلافًا، وفى هذا الحظر لمتقدم تقييد بعض الأشياخ، الثانى: جر شهادة الشاهد له نفعًا؛ لأنه بها متهمًا فى الموطأ عن عمر لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين.
الباجى: لابن مزين عن يحيى بن سعيد: هو المتهم الذى يظن به غير الصلاح، ونجوه لابن كنانه، فشهادة المتهم مردودة، وإن كان مبرزًا فى العدالة.
عبد الحق: ذكر أبو أحمد من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» لاتجوز سهادة متهم ولا ظنين»، وعبد الله بن محمد بن عقيل: ضعفه الناس إلا أحمد بن حنبل، والحميدى، وإسحاق بن راهويه، فإنهم كانو يحتجون بحديثه، وتعقبه ابن القطان بأن قال: ترك من إسناده قيس بن الربيع، وهو عنده ضعيف، ومحمد بن الحسن: وهو لا تعرف حاله.
الصقلى: قال ابن القاسم: لو شهد أربعة على أبيهم بالزنا؛ ردت شهادتهم، ولا يرجم؛ لأنهم يتهمون على إرثه ويحدون.
وقال أشهب: إن كان الأب عديمًا؛ جازت شهادتهم إن كانوا عدولاً، ورجم الأب، وكذا إن شهدوا أنه قتل فلانًا عمدًا.
وقال ابن اللباد: لا تجوز شهادتهم، وإن كان معدمًا؛ لتهمتهم على سقوط نفقته عنهم برجمه.
قلت فى سمَاع سَحنون: قال أشهب: يرجم الأب بشهادتهم إلا أن كان موسرًا؛ فترد شهادتهم؛ لتهمتهم فى الميراث.
قال: وكا لو شهدوا عليه أنه قتل فلانًا عمدًا، والمعسر أيضًا ترد شهادتهم عليه؛ لأنهم يريدون والراحة منه لأجل النفقة عليه.

ابن رُشْد: فى تسوية أشهب بين شهادتهم بزناه، وشهادتهم بقتله نظر؛ لأن شهادتهم بقتله واجبة إن دعوا إليها، ومستحبة إن لم يدعوا، فواجب قبول شهادتهم بذلك، ومالم يتهموا على إرثه، أو الراحة من النفقة عليه، وشهادتهم بزناه مكروهة؛ لأنهم مأمورون بالستر على أنفسهم، وعلى الناس؛ فالصواب رد شهادتهم بزناه؛ لأنها عقوق إلا أن يعذورا بجهل، أو لأنهم دعوا إلى الشهاده عليه، مثل أن يقوم بحد على من قذفه بالزنا، فسأل القاذف بنيه أن يشهدوا له بزناه؛ ليسقط عنه حد قذفه، وعليه فينبغى حمل قول أشهب.
وقال ابن لبابة: شهادتهم بما يوجب قتله جائزة، ولو كان معدمًا، ولا يتهم العدول بالميراث، ولا بطرح النفقة، وهو قول وجه فى المبرز فى العدالة الفائق فى الفضل حيث تتعين عليه الشهادة، ويأتى على قياس قول ابن القاسم فى الإمام: يشهد عنه فى المرأة المحصنة أربعة بالزنى؛ أحدهم: زوجها فلا يعلم بذلك حتى رجمها أنه يرثها ويحد، إلا أن يلاعن خلاف قول أصْبَغ: لا يرثها.
قُلتُ: كذا وقع فى غير نسخه من البيان قول أشهب: أولاً فى شهادته بزناه ترد إن موسرًا، وإجازتها إن كان معدمًا، وقوله ثانيًا فى شهادتهم بقتله عمدًا: أنها ترد، وإن كان معدمًا للراحة منه لأجل النفقة عليه، وهو كلام ظاهر تناقضه، والعجب من ابن رُشْد فى عدم تعرضه إليه، ويمكن رفعه بحمل المعدم فى قوله: أولاً على العدم الذى لا ينتهى لإيجابه نفقته عليهم، أو على أنهم لا فضل مال لهم؛ يجب عليهم فيه نفقته، ويحمل العدم فى قوله ثانيًا على أنه الموجب نفقته عليهم، وأنهم أملياء بها، وظاهر ما نقله الصقلى عن ابن اللباد: أنه لا يحفظه لمتقدم قبله، وهو نص أشهب المتقدم الشهاده بقتله.
ونقل الشَّيخ فى نوادره كنقل الصقلى لا تناقض فيه.
ابن رُشْد: وإذا سقطت شهادتهم بأى وجه؛ وجب حدهم، وقال سَحنون: إذا سقطت بالظنة، ولا فرق بين سقطها أو بالجرحة.
قُلتُ: بل هى بالجرحة أحرى.

قُلتُ: ففي سقوط شهادة البنين بما يوجب؛ قتل أبيهم مطلقًا، وصحتها.
ثالثها: صحتها فى قتله عمدًا إن لم يتهموا، وزناه إن عذروا بجهل، أو كانت لإسقاط حد من قذفه، ورابعها: إن كان مليًا لابن القاسم مع ابن اللباد وابن لبابه، واختيار ابن رًشْد وأشهب.
وفى ثانى عتقها: إن شهد وارثان أن الميت أعتق هذا العبد، فإن كان معهما نساء، والعبد يرغب فى ولائه؛ لم تجز شهادتها، فإن كان لا يرغب فى ولائه، أو لم يكن معهم نساء؛ جازت شهادتهما.
وقال ابن الحاجب فى الموانع: وكمن شهد أنه جرح موروثه، فقبله ابن عبد السلام وابن هارون، وقيداه بأن الجرح مخوفًا.
قُلتُ: لا أعرف هذا الفرع بعينه من فروع المذهب، وإنما تبع فيه ابن الحاجب ابن شاس على عادته فى إضافته أعيان فروع الشافعيَّة لنصوص المذهب فى وجيز الغزالى ما نصه: لتهمه أسباب منها كمن يشهد أن فلانًا جرح موروثه؛ فظاهره: كيف كان الجرح، ولا يصح إضافته للمذهب إلا حيث تجر للشاهد نفعًا؛ حيث يوجب قصاصًا أو مالاً حسبما ذكر فى شهادة الأخ لأخيه.
وفيها: لا تجوز شهادة الوصى بدين للميت، إلا يكون الوراثه كبارًا عدولاً.
الجلاب: لاتجوز شهادة الوصى لمن تلى عليه، وعن مالك فى الشهادة الوصى: على من يلى عليه روايتان.
وفى أوئل الثلث الآخر من أجوبة ابن رُشْد: شهادة المشرف لمن يشرف عليه جائزة؛ إذ لا تهمة فى ذلك.
وفى أول شهادتها لمالك: لا تجوز شهادة من هو فى عيال الرجل للرجل.
للصقلى عن ابن حبيب: إن كان المشهود له فى عيال الشاهد؛ جازت شهادته له؛ إذ لا تهمة.
قال بعض المتأخرين: إن كان المشهود له فى عيال الشاهد؛ جازت شهادته له من قرابة الشاهد كالأخ ونحوه؛ انبقى أن لا تجوز شهادته له بمال؛ لأنه وإن كانت نفقته لا

تلزمه، فإنه يلحقه بعد نفقته عليه وصلته معرة، ولو كان المشهود له أجنبيا؛ جازت شهادته له.
الصقلى: هذا استحسان، ولا فرق بين القريب والأجنبى فى رواية ابن حبيب، ونقل ابن الحاجب عدم صحتها من المنفق على المنفق عليه مطلقا لا أعرفه.
وفى شهادة الشاهد بوصية له فيها نصيب؛ اضطراب.
ابن رشد فى أجوبته: تحصيلها إن كانت فى الوصية مكتوبة، وما للشاهد فيها يسير، ففى صحتها له ولغيره ثالثها: لغيره فقط، ورابعها: إن كان معه شاهد آخر، وإلا فالثالث لابن القاسم فيها مع رواية مطرف، ورواية ابن وهب فيها، وابن الماجشون فى الواضحة، ويحيى بن سعيد فيها، فعلى الأول إن كان وحده؛ حلف للموصى لهم مع شهادته أن ما شهد به من الوصية حق، فتثبت الوصية، وأخذ ماله فيها، وإن كان معه غيره ممن أوصى له فيها بيسير، ثبتت الوصية بشهادتهما، وأخذ كل منهما ما له دون يمين، وإن كان الشاهد معه فيها؛ لم يوص له فيها بشئ فأحرى، وعلى الثالث إن كان وحده؛ حلف الموصى لهم مع شهادته، وتثبت وصاياهم، ولا شئ له إن كان معه غيره، فمن أوصى له فيها بيسير؛ ثبتت الوصية بشهادتهما لمن سواهما دون يمين، وحلف كل منهما مع شهادة صاحبه، وأخذ وصيته، وإن كان معه شاهد لم يوص له فيها بشئ؛ ثبتت الوصية لمن سواه، وحلف مع شهادة صاحبه، وأخذ حقه، وعلى الرابع إن شهد معه غيره؛ ثبتت الوصية بشهادتهما، وأخذ حقه بغير يمين، وإن لم يكن معه غيره؛ حلف غيره مع شهادته، وأخذ وصيته ولا شئ له، وإن كان ما للشاهد فيها كثيرا؛ ففى سقوط شهادته له ولغيره وصحتها لغيره المشهور، والمخرج على قول أصبغ فى عبدين شهدا بعد عتقهما أن من أعتقهما غصبهما من رجل مع مائة دينار شهادتهما بغصب المائة صحيحة لا بغصبهما؛ لتهمتهما على إرقاق أنفسهما، فأمضى بعض الشهادة المردود باقيها للتهمة.
قلت: كذا قاله فى البيان فى غير موضع منه، ويرد التخريج بمنع كون الإبطال لمجرد التهمة؛ بل هو للسنة، لأنه لأمر شرعى جار على قاعدة عقلية، وهى أن قبول

شهادتها في غصبهما يؤدى تبوته؛ لنفيه ضرورة بطلان شهادتهما برقتهما المسبب عنها.
قال: وإن كانت شهادته لا فى وصية مكتوبة؛ بل على إشهاده الموضى لفظا كقول الموصى لفلان كذا ولفلان كذا، والشاهد أحدهم، وما أوصى له به بيسير؛ لم يجز لنفسه اتفاقا، وجازت لغيره، إن كان وحده؛ حلف الموصى له مع شهادته، وإن كان معه غيره ممن شهد لنفسه بيسير؛ حلف كل منهما مع شهادة الآخر، وأخذ حقه، وأخذ من سواهما بشهادتهما حقه بغير يمين، وإن كان معه من لم يشهد لنفسه؛ حلف معه، وأخذ حقه، وأخذ غيره حقه بشهادتهما دون يمين، وقد يقال: لا تجوز شهادته لغيره بتأويل ضعيف، وإن كان ما شهد به لنفسه كثيرا؛ لم تجز له اتفاقا، ولم تجز لغيره على قول الأخوين، ويجوز على ما فى سماع أشهب من كتاب الشهادات، فعلى الأول إن لم يكن معه غيره؛ حلف الموصى له واستحق، وإن كان معه غيره ممكن شهد لنفسه بكثير؛ حلف كل منهما مع شهادة صاحبه، وأخذ وصيته، وإن لم تكن شهادة كل منهما لصاحبه فى مجلس واحد على مذهبهما فى أن شهادة الشهود بعضهم لبعض فى مجلس واحد على شخص واحد؛ لا تجوز، وأخذ من سواهما وصيته بشهادتهما دون يمين.
اللخمى: قيل: يبطل جميعها، وقيل: ما يخصه فقط، وقيل: إن قل؛ مضت لغيره، وإن كان له قدر؛ سقطت لهما.
ولمالك فى المبسوط: تجوز لغيره، فيحلف معه، ويستحق، وإن شهد معه غيره؛ جازت لأهل الوصايا، وحلف هو مع الشاهد الآخير، ولم يفرق بين يسير وكثير، وذكر ابن الجلاب فى ذلك روايتين.
وللأخوين فى الواضحة: إن لم يشهد بالوصية إلا رجلان أوصى لهما فيها بشئ، وفيها عتق وديون، فإن أشهدهما لفظا نسقا، أو مفرقا، فشدا بذلك، أو وضعاها فى كتاب، ولم يعلم الميت؛ سقطت لهما، وصحت لغيرهما، وإن أشهدهما فى كتاب؛ لم تجز إن كان ما أوصى لهما به.
قال المازرى: إن كان ما يخص الشاهد أو للشاهدين له بال؛ فالمعروف بطلان شهادتهما ولو لغيرهما، ووقع فى المذهب ما يدل على اختلاف فيه، كذا أشار بعض

الأشياخ أن المذهب على قولين، ومقتضى ظاهره: صحتها لغيره فقط، ثم ذكر ما تقدم للخمى عن الأخوين وقال: وبعض أشياخى يرى أن لا وجه لهذا التفصيل بين كون الوصية نطقا أو مثبتتا فى كتاب.
قلت: هو قول اللخمى فى تبصرته، قال: والفرق عندى أن الشهادة على لفظ الميت؛ إنما هى على جمل أوردها الميت، لا ارتباط لبعضها ببعض كل جملة مستقلة بنفسها، أو الخبر بانفرادها؛ صدق بها أشهد لها به لا ارتباط له بما أشهدهما به لغيرهما، وإن أشهدهما على كتاب كتبه بلفظ واحد؛ لم يتبعض، فردت الشهادة فى الجميع، وإن كان ما يخص الشاهد يسيرا، ففى صحتها واو فيما يخصه وسقوطها مطلقا ثالثها: لغيره دونه ثلاث روايات أولاها لها.
وفيها: ليحيى بن سعيد: من شهد لرجل بوصية أوصى له فيها بشئ؛ جازت لغيره دونه إن شهد واحده، وإن شهد معه غيره؛ جازت لهما.
المازرى: أطلقه فى كون الشاهد قليلا أو كثيرا، فتأول سحنون قوله على أن الشاهد يأخذ ما يختص به إذا شهد معه غيره دون يمين، وهذا خلاف الأصول من أن المدعى يأخذ دعواه؛ لكنه مطابق لقولها بإمضاء شهادته لنفسه ولغيره، وقول يحيى على تأويل سحنون متناف؛ لأنه إذا أخذ حقه مع شهادة غيره دون يمين؛ وجب أخذه وصيته بشهادته وحده، إلا أن يقال شهادة غيره معه نفت تهمته، وانسحب استثقال الشهادة لغيره على وصيته، فإن انفرد؛ لم يصح أن يقضى له بشهادته له مع يمينه هذا أقرب ما يعتذر به.
قلت: وعبر اللخمى عن تعقبه تأويل سحنون بقوله: هذا قول مخالف للأصول، وليس يأخذ أحد لنفسه بشهادته.
قال المازرى: على أن تأويل سحنون لم يسلمه بعض الأشياخ، فذكر قول ابن محرز إثر ذكره تأويل سحنون قول يحيى بن سعيد، والذى يجرى على ألسنة المذاكرين أن معنى قوله: إن كان وحده؛ جازت شهادته لغيره، أى: مع يمين القائم بشهادته، ولا يأخذ هو شيئا؛ إذ لا يصح أن يأخذ شيئا بدعوى نفسه، وإن كان معه غيره؛ جازت

لغيره بلا يمين؛ لأنه حصل على حقه شاهدان، وجازت له بيمينه؛ لسقوط شهادته لنفسه، فيحلف مع الشاهد الآخر.
اللخمى: اختلف إن شهدا بدين لهما فيه يسير، فقال فى كتاب محمد: تمضى.
وفيها لمالك: من شهد فى ذكر حق له فيه شئ؛ لم تجز له ولا لغيره.
وفى المجموعة: لأن أحدهما لا يأخذ منه شيئا حتى يدخل عليه صاحبه، ولو اقتسماه قبل الشهادة؛ جازت شهادته، فعلى هذا تجوز شهادته فى الوصية لغيره، ولو كثر حظه منها إذا كانت الوصية بشيئين مثل أن يوصى له بعبد ولآخر بثوب؛ لأنه لا يدخل أحدهما على الآخر، وهى كشهادتين؛ فلا ترد شهادته للأجنبى، وإن قال: إنما أقصد بالشهادة للأجنبى لا لنفسى؛ لأنها لا تجوز، وذكرت ما أوصى لى به لأؤدى المجلس حسبما كان أبين أن لا ترد للأجنبى، وإن كان جميع الوصية لعبد أو دار رد جميعها؛ لأنه لا يخلص للأجنبى شئ إلا دخل عليه الشاهد فيه.
قلت: فى دخول من سقطت شهادته على من صحت له فى العبد أو الدار فى حظه منه نظر؛ إذ لا موجب لشركتهما؛ إذ لو باع أحدهما حظه منه؛ لم يدخل عليه الآخر بحال بخلاف الدين لشركتهما فيه ضرورة دخول أحدهما على صاحبه فيما أخذه من الغريم عوضا عن حظه من دينه عليه، كما لو ثبت رجوع الموصى عن وصيته لأحدهما دون الآخر؛ لو يرجع من سقطت وصيته على من بقيت له.
المازرى: فعلى كون الدين كالوصية لا سواه، وعلى المعروف فى الفرق بينهما طريقان: الأولى: أن الموصى به بالموت ضعف ملك مالكه؛ لأنه للميت بالموت سقط ملكه إياه، ونقله لوارثه يضعفه معارضة الوصية إياه، فقيل فيه: شهادة من ضعفت تهمته، وبراءة الذمة لا موجب لضعفها، فلفوتها سقطت معارضتها بشهادة من ضعفت تهمته.
الثانية: أن الوصية يخشى فوتها، فاكتفى فيها بشهادة من ضعفت تهمته كشهادة الصبيان، وهو موجب رعى القول بقبول الكافر فيها.

وسمع أبو زيد ابن القاسم: إن شهد رجلان كل منهما لصاحبه بعشرة دنانير، على رجل عن مجلس واحد؛ جازت شهادتهما إن كانا عدلين.
ابن رشد: فى صحة شهادة الشهود لمن شهدوا له فى مجلس واحد وسقوطها.
ثالثها: إن كانت على رجلين، وإن كانت عن مجلسين؛ جازت على رجلين.
وفى جوازها على رجل واحد؛ فعلى قولين، ومضى الخلاف فى هذه مسألة فى نوازل سحنون.
اللخمى عن الأخوين: إن كانت على رجل واحد فى مجلس واحد؛ لم يجز؛ وإن كانت شيئا بعد شئ؛ جازت، ولو تقاربا ما بين الشهادتين، وإن كانت على رجلين؛ جازت، ولو كانت عن مجلس واحد، وأرى رد جميعها، ولو كانت على رجلين فى مجلسين لفظا، أو بكتاب لتهمتهما إلا أن يطول ما بينهما.
المازرى: إن شهد رجلان بدين على رجل لرجلين شهدا لهما بدين عليه عن مجلسين؛ جازت ولو تقاربا، وإن كانت عن مجلس واحد؛ ففى سقوطهما نص قول الأخوين، وظاهر قول أصبغ، ثم اختيار اللخمى، ولم يتعقبه.

باب فيما تثبت به الحرابة

وفيها: وتجوز على المحاربين شهادة من حاربوه إن كانوا عدولا؛ إذ لا سبيل إلى غير ذلك شهدوا بقتل أو أخذ مال أو غيره، ولا تقبل شهادة أحد منهم لنفسه، وتقبل شهادة بعضهم لبعض.
وسمع يحيى ابن القاسم: إن شهد مسلوبان على أن هؤلاء سلبونا هذه الثياب والدواب، وهى بأيديهم أقيم عليهم الحد بشهادتهما؛ ولم يستحقوا المتاع، ولا

الدواب إلا بشهيدين سواهما.
ابن رشد: قيل: هذه مخالفة لما فيها؛ إذ لم يقل: إنه يحلف كل منهما مع شهادة صاحبه، ويستحق حقه على قياس قوله فى السرقة منها: أنه يقام على المحاربين الح، ويعطون المال بشهادة بعضهم لبعض، وقيل: ليست مخالفة لها.
ومعنى السماع: أنهما شريكان فى المتاع والدواب؛ فلذا سقطت شهادة أحدهما للآخر، وقيل: يستحقان الدواب والمتاع، وإن كانا شريكين فيهما، وهو الآتى على رواية مطرف فى أن شهادة شهيدين من المسلوبين على من سلبوهم جائزة فى الحد، والمال لأنفسهما ولأصحابهما؛ لأنها إذا جازت فى الحد؛ جازت فى المال لأنفسهما ولغيرهما؛ إذ لا تجوز بعض الشهادة، ويرد بعضها، وقيل: لا تجوز فى حد، ولا مال لغيرهما إذا لم تجز لأنفسهما؛ لأن من اتهم فى بعض شهادة؛ ردت كلها، وهو قول أصبغ.
قلت: كذا هو فى غير نسخة عزو ردها لأصبغ خلاف ما نقل عنه فى أول سماع القرينين: أنه يجوز منها ما لا تهمه فيه.
قال: وهو قوله فى نوازله: قال: ففى صحتها فى الحد والمال، ولو لأنفسهما، وردها فيهما، ولو بالمال لغيرهما، ثالثها: فى الحد والمال لغيرهما لا لأنفسهما لرواية مطرف، وقول أصبغ وابن القاسم مع روايته فيها، وعليه إن كانوا أربعة؛ قضى لاثنين منهما بشهادة الباقيين، وللباقيين بشهادة الآخرين، وإن كانا اثنين؛ قضى لكل منهما بشهادة صاحبه مع يمينه، ورابعها: لا يجوز فى ذلك أقل من أربعة تجوز فى الحد، وفى أموال الرفقة لا فى أموال الشهداء، هذا كله إن كان ما شهدوا به لأنفسهم كثيرا، وإن كان يسيرا لا يتهمون عليه؛ جازت لهم ولغيرهم لا يدخل فيه الاختلاف الذى فى الوصية لموضع الضرورة، ولو شهدوا عليهم بالسلب دون المال؛ جازت عليهم فى الحد، وفى بعضهم لبعض بعد ذلك فيما وجد بأيديهم من المال اتفاقا فيهما، وتقدم ما لسحنون فى نوازله فى أكرية السفن.
قلت: لم يعز الرابع، وعزاه ابن الحارث لابن الماجشون، والمغيرة، وابن دينار.
المازرى: معروف المذهب: أن الشهادة إذا رد بعضها للسنة؛ صحت في غيره

كمن شهد بوصية بعتق ومال لرجل تبطل فى العتق، وتصح للرجل مع يمينه.
ابن الحاجب: وما الرفع؛ فكشهادة بعض العاقلة بفسق شهود القتل خطأ.
ابن عبد السلام: أطلقوا القول برد هذه الشهادة مع أن الفقير لا يلزمه أداء شئ، والمقدار الذى يلزم الغنى أداؤه يسير جدا على ما يذكر فى موضعه، فتأمل هذا، وقابله بقول ابن المواز قبل هذا.
قلت: ظاهر قوله: إن هذا الفرع مقول لغير واحد من أهل المذهب، ولا أعرفه إلا للمازرى، ووجيز الغزالى، وإياه تبع ابن شاس، والله أعلم، وما أشار إليه من مناقضته قول بقبول شهادة الشاهد لنفسه بيسير الدين كالوصية؛ يرد بأن فى الدين ضرورة ليست فى التجريح؛ لأن متعلق الشهادة فى التجريح، وهى الجرحة باق؛ فهو متيسر تحصيله ببينة أخرى، ومتعلق الشهادة بالدين؛ وهى عمارة الذمة متعسر بفوته بفوت وقته.
وسمع ابن القاسم: شهادة الرجل لرجل، وللشاهد على المشهود له حق؛ جائزة.
ابن القاسم: بلغنى عنه إن كان المشهود له موسرا؛ قبلت، وإلا لم تقبل؛ لأنه إنما شهد لنفسه.
قال سحنون: قال ابن القاسم: وكذا لو كان للمشهود له على الشاهد حق، إن كان مليا؛ جازت شهادته، وإن كان معدما؛ لو تجز.
ابن رشد: ما بلغ ابن القاسم من تفرقة مالك بين كون المشهود له مليا أو معدما، مفسر لما سمعه منه مجملا، وهذا إن كان الدين حالا أو قريب الحلول، وإن بعد؛ جازت شهادته، كما لو مليا وشهادته له فيما عدا الأموال جائزة، قاله بعض أهل النظر، وهو صحيح، وأما إن كان الدين للمشهود له على الشاهد؛ ففى سماع زونان لأشهب جوازه كان مليا أو معدما خلاف قول ابن القاسم فى هذا السماع؛ يريد: والدين حال أو قريب الحلول؛ لأنه يتهم على أن يوسع له فى الدين ويؤخره به، كانت شهادته له بمال أو غير مال، ولم ير أشهب هذه تهمة فى العدل، وإن كان الدين للشاهد على المشهود له أو بالعكس؛ لم يقدح في الشهادة.

الباجي: إن كان للمشهود له على الشاهد دين، فإن كان غنيا؛ قبلت، وإن كان فقيرا؛ ردت، قاله ابن القاسم وأشهب والأخوان قالا: لأنه كأسير بيده، وهذا إن كان الدين حالا، أو قريب الحلول، وإن بعد أجله؛ جازت على قول سحنون، وردت على قول ابن وهب، ومعنى الغنى عندى فى هذه المسألة: أن لا يستضر بإزالة هذا المال عنه، ولو كان عنده كفافه؛ فالضرر يلحقه بتعجيله منه فترد به شهادته، قال: وشهادة عامل القراض لربه.
قال سحنون فى العتبية وغيرها: جائزة إن كان شغل المال فى سلع، وإن كان غنيا؛ ردت.
سمع عبد الملك بن الحسن ابن وهب: إن كان غنيا؛ قبلت وإلا ردت.
ابن زوقون لابن القاسم وأشهب فى العتبية: جوازها مطلقا، ولو كان معدما، وفى شهادة رب المال له الثلاثة الأقوال.
ابن رشد: فى آخر سماع ابن القاسم فى جواز شهادة كا منهما للآخر: ولو كان العامل معدما ثالثها: إن كان شغل المال فى سلع لظاهر قول أشهب وسماع أصبغ.
ابن القاسم: والآتى على قول ابن وهب، والآتى على قول سحنون.
: تهمة الحب لأصل أو عارض: الشيخ: روى ابن نافع: يدخل فى قول عمر: لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين، شهادة الأبوين، والولد، وأحد الزوجين للآخر.
ابن الماجشون: لا خلاف فى هؤلاء عند أصحابنا، ومنهم الجد، وفى إجماع ابن القطان: النكث، لا تجوز شهادة الوالد لولده، وبه قال فقهاء الأمصار، وعن عمر - رضي الله عنه - جواز ذلك، وقاله داود.
المازرى: ولا تجوز شهادة الأب، وإن علا لولده، ولو سفل، كان جدا من قبل الأب أو الأم، ولا شهادة بنى بنيهم لهم، وهو مشهور مذهب الشافعى.
وروى عن عمر قبول شهادة الأب لولده والولد لأبيه، وقاله شريح، والمزنى وداود.

وذكر بعض متأخرى الشافعيَّة عن مالك قبول شهادة الولد لأبيه دون الأب لابنه، وهذه حكاية مستنكرة عند المالكية، وربما كانت وهمًا من ناقلها.
ابن سَحنون عنه: شهادة الولدين أن فلانًا شج أباهما، وهما مسلمان، والأب عبد أو مكاتب مسلما أو نصرانيَّا؛ ساقطة.
وكذا لو شهدا لأبيهما، وقد مات نصرانيَّا بدين على فلان، وترك ولدًا نصرانيَّا، وكذا لو شهدا أن أباهما العبد جنى على رجل جناية، أو أن سيده باعه أو أعطاه أحدًا.
ابن عبدوس عن سَحنون: وكذا شهادة ابن الملاعنة لمن نفاه.
ولابن رُشْد فى نوازل سَحنون من كتاب الأقضية الخلاف فى شهادة الأب عند ابنه والابن عنده، وشهادة كل منهما على شهادة صاحبه، وشهادة كل منهما على حكم صاحبه، وشهادة كل منهما مع شهادة صاحبه واحد، قيل: كل ذلك جائز، وهو قول سَحنون؛ لأجل إجازته شهادة الأب على قضاء ابنه بعد عزله، وإجازته شهادته عنده إلا أنه شرط كونه مبرزًا، وهو تفسير لقوله فى سائر المسائل الأربعة، وهو قول مُطَرَّف؛ لإجازته شهادة كل منهما مع شهادة صاحبه، وشهادته على قضائه بعد عزله، وشهادته على شهادته بكذا شهادته عنده، وقيل: ذلك غير جائز، وهو قول أَصْبَغ؛ لمنعه شهادة كل منهما على شهادة صاحبه، وهو الآتى على مذهبه فى سائر المسائا المذكورة.
وفرق ابن الماجِشُون بين شهادة كل واحد منهما مع صاحبه، وشهادته على شهادته، وبين شهادته على حكمه بعد عزله؛ فأجاز شهادته مع شهادته، ولم يتهم الآخر منهما على إرادته إتمام شهاته ابنه أو أبيه، ولا على إرادة إخفاء شهادته، ولم تجز شهادته على حكمه بعد عزله، وهو تناقض، وتعديل أحدهما الآخر؛ ولم يجزه أحد من أصحاب مالك إلا ابن الماجِشُون قال: إن لم يكن التعديل نزعه، وليس له قام؛ وإنما نزعه، وقام به إحياء شهادته؛ فلا بأس أن يصفه بالذى تتم به شهادته من عدالته، وفيه بعد.
قُلتُ: وما أدركت قاضيًا حفظه من تقديم ولده أو قريبه إلا قاضيًا واحدًا جعلنا الله من علم الحق وعمل به.
ابن عات لبعض شُيُوخ الشورى بقرطبة: شهادة الأخوين فى حق واحد لرجل

جائزة، وليسا كالابن مع أبيه.
وفيها: لا تجوز لأحد الزوجين على صاحبه.
زاد فى كتاب سحنون: كان المشهود له حرا أو عبدا أو مكاتبا.
المازرى: ومنعها بينهما عام فى المال وغيره.
فيها مع غيرها: إن شهد لأمه بالعتق زوجها، ورجل أجنبى؛ لم تجز شهادتهما.
المازرى: إذا ردت شهادته؛ ففى جواز وطئه إياها قولان، ولو كان عبدا؛ لكان ولها فراقه لإقراره بحريتها، ولو رضيت بالبقاء؛ فهل يمكن من وطئها قولان، بناء على اعتبار لغو شهادته، وخوف إرقاق ولده، وعلى الأول قال بعض الشيوخ: ينبغى أن يستبرئها؛ ليفرق بين ولده الرقيق والعتيق.
ولأصبغ فى نوازله: من ثبتت شهادته عند قاض لامرأة؛ فلم يحكم بها حتى تزوجها الشاهد؛ لو تبطل شهادته، وأخبرنا بعض شيوخنا القضاة فى دراسه عند ذكر هذه المسألة: أن بعض شيوخ المفتيين المحصلين المشهورين كان وقف عن الشهادة بتونس بسبب أنه شهد فى استرعاء لامرأة بحق، ثم تزوجها، وفهمنا عنه بذكره ذلك زجر الطالب عن ترك التحفظ، ولو وافق بتركه قولا منصوصا فى مذهبه.
ابن شاس: قال محمد بن عبد الحكم: أصحابنا يجيزون شهادة الأب، والابن، والزوج، والزوجة على أنه وكل فلانا، ولا يجوز على أن فىنا وكله.
قلت: وفى اختصار الواضحة لأصبغ عن ابن القاسم: تجوز شهادة الأب لابنه على أنه وكل غيره لا على أن غيره وكله.
وفى شفعتها: ومن لا تجوز شهادته من القرابة لقريبه؛ لا يجوز أن يشهد له أن فلانا وكله على شئ، ويجوز أن يشهد عليه أنه وكل غيره.
عياض: هذا إن كانت شهادته عليه لا له، مثل أن ينكر التوكيل، أو يكون القائم به غيره لمنفعته لا لحقه هو، ومتى كان هو القائم بذلك لحق له أو لغيره؛ لم تجز.
قلت: ونحوه نقل الشيخ عن ابن سحنون عنه: لا تجوز شهادة ابنين على أبيهما أنه باع ثوبا من فلان، وفلان محجوز، ولو جحد الأب وادعاه فلان؛ جازت بذلك.

وشهادة الأخ لأخيه بالمال: قال الباجى: إن كان الشاهد فى إنفاق المشهود أو يتكرر عليه معروفه؛ لم يجز شهادته له، وإلا ففى جوازها مطلقا، وإن كان مبررا، أو إن لم تنله صلته، رابعها: فى اليسير مطلقا.
وفى الكثير شرط التبريز: وخامسها: فى غير الربع المتهم يجره إليه أو إلى ابنه، كحبس مرجعه إلى بنيه؛ لرواية الأخوين مع رواية ابن القاسم، فى الموازية والمجموعة، وذكر المازرى خمسة منعها مطلقا، والثلاثة الأول، وخامسها فى اليسير دون الكثير لابن كنانة، وعزا الثالث لها كابن رشد: والثانى عزاه ابن حارث لسماع ابن نافع، وعزا ابن رشد الأول لرواية ابن وهب، قال: ولم يفرقوا بين كون الأب الذى به اخوتهما حيا أو ميتا، والآتى على قول ابن القاسم فى منع شهادة الرجل لزوجة ابنه، أو زوجة أبيه، أو لابن زوجته، أو لأبيها منعها لأخيها إن كن من به أخوتهما حيا أو أحدهما.
قلت: فالأقوال ثمانية: خمسة الباجى، وقولا ابن ناف وابن كنانة، ومخرج ابن رشد قائلا: لا خلاف فى جوازها فى الحقوق والأموال، إن لم يكن الشاهد فى عيال المشهود له.
اللخمى: لا تجوز له بحال فيما تدرك فيه الحمية والغضب، ولا إن كان إنفاق المشهود له، وفى عكسه خلاف تقدم إلا أن تكون نفقته عليه؛ لئلا تدركه معرة ضعته، ولا بإنكاحه امرأة يتشرف بمثلها، أو تعلقت نفسه بها أو موسرة، والمشهود له فقير، فإن عريت من هذه التهم، جرت على خلاف ابن رشد.
أجازها ابن القاسم له فى النكاح، ومنعها سحنون: إن نكح إلى من يتزين بنكاحه إليهم.
وفى كونه تفسيرا لقول ابن القاسم، أو خلافا، قولا ابن دحون وغيره، وليس بصحيح.
وجراح الخطأ وقتله كالمال: وفى لغوها فى جراح العمد وصحتها نقلا اللخمى عن معروف المذهب، وأشهب مع الموازية، وقول أصبغ هذا أحب إلى، وفيه اختلاف.

ابن رشد على سماع زونان: أشهب: تجوز فى جراح العمد، تجوز فى قتله والحدود.
اللخمى: لا تجوز فى أن فلانا قذفه، وفى كل ما تمتنع شهادته فيه له، بمنه تعديله من شهد له بذلك، وتجريحه من جرح شاهده، وتجريح من شهد عليه بما يؤدى إلى عقوبة الأخ.
ابن رشد: فى صحة تعديله إياه، ونفى التجريح عنه ومنعها ثالثها: يعدله ولا يجرح ومن جرحه؛ لظاهر قول ابن القاسم مع ظاهر قول الأخوين، وابن نافع مع أصبغ وأحد قولى ابن الماجشون، واختيار ابن حبيب هذا إن جرحه بالإسفاه، وبالعداوة يصح أن يجرح من جرحه، قاله سحنون فى نوازله، وهو صحيح على القول بجوار تعديله.
شهادة الصديق الملاطف: الذى تحت إنفاق من شهد له لغو، وإن لم يكن تحت إنفاقه، فطرق الباجى فى صحة شهادة الصديق الملاطف الذى يناله معروف من شهد له روايتان، وجه القبول: أن الغنى ذا المعروف لو لم يقبل له إلا شهادة من لا يناله معروفه؛ لردت له شهادات كثيرة، واقتضى ذلك منعه معروفه.
اللخمى: قال مالك: شهادة الصديق جائزة إن كان لا يناله معروفه ولا صلته.
وقال ابن كنانة: تجوز فى اليسير، ولا تجوز شهادة الملاطف للملاطف بمال، ولا غيره، وتجوز شهادة الملاطف للملاطف فى المال وغيره.
المازرى: مشهور المذهب قبول شهادته لصديقه إن كان ليس فى نفقته، ولا يشتمل عليه بره وصله، ثم ذكر قول ابن كنانة، ولم يتعرض لتفرقة اللخمى بين اسم الفاعل والمفعول فى الملاطف.
المتيطى: أجاز مالك شهادة الرجل لصديقه الملاطف، وإن ناله معروفه، ومنع منه فى رواية أخرى، وذكر قول ابن كنانة.
ولابن رشد فى أول سماع ابن القاسم: يشترط التبريز فى العدالة على مذهب ابن القاسم فيمن سئل فى مرضه شهادة؛ لتنقل عنه، فقال: لا أعلمها، ثم شهد بها، واعتذر بأنه خشى فى مرضه عدم تثبه فيها، ومن زاد فى شهادته أو نقص بعد أدائها، وشهادة

الأخ لأخيه، والأجير لمن استأجره إن لم يكن فى عياله، أو شهادة المولى لمن أعتقه، وشهادة الصديق الملاطف لصديقه، وشهادة الشريك المفاوض لشريكه فى غير مال المفاوضة.
اللخمى لابن القاسم فى العتبية: لا تجوز شهادة الرجل لزوج ابنته، ولا لزوجة ولده.
ولابن كنانة: لا تجوز فى امرأته، ولا لزوجة ولده إلا فى اليسير.
ولسحنون: تجوز لزوج ابنته، ولأبويه، ولابن امرأته ولأبويها، إلا أن تكون الزوجة؛ ألزم السلطان ولدها النفقة عليها لفقر الزوج، ووقف الشهادة فى جميعها أحسن إلا فى المبرز المنقطع فى الصلاح والخير، فتستحق فى أبوى امرأته، وأبوى زوج ابنته.
المازرى: حاصل هذا النوع أن ما تعلقت به الشهادة بالذات، وهو المضاف للمضاف للشاهد لا تهمة فيه على الشاهد من حيث ذاته، وتلحقه المعرة من حيث إضافته للمضاف للشاهد.
ففى قبول الشهادة فيه وردها: قولا سحنون وابن القاسم بناء على اعتبار تعلق الشهادة من حيث ذات المشهود له، أو من حيث إضافته للمضاف للشاهد.
ولابن رشد فى أول سماع ابن القاسن قوله: لا تجوز لابن زوجته، ولا لأبيها، ولا لزوجة ابنه، ولا لزوجة أبيه خلاف قول سحنون حسبما يأتى من اختلافهما فى سماع عيسى.
قلت: قول سحنون فى سماع عيسى هو ما تقدم للخمى عنه.
قال ابن رشد فيه: أما شهادته لابن وزج ابنته وأبويه؛ فلا يخالف ابن القاسم سحنون فى جوازهما لهم؛ لبعد التهمة، وإنما يخالفه فيما تقدم.
وسمع عيسى ابن القاسم: لا تجوز شهادة الأب لابنه الصغير، أو السفيه على كبير؛ لتهمته بالجر لنفسه لمكان الذى فى حجزه وولايته، وإن شهد لكبير على صغير، أو لكبير على كبير؛ جازت إن كان عدلا، إلا أن يكون المشهود له ممن يتهم عليه؛ لانقطاع

منه إليه، والأثر له على غيره، وليس بمنزلته، أو عرف بفوته للمشهود له دون الآخر؛ فلا يجوز، ولسحنون عن ابن القاسم مثله.
وقال سحنون: لا تجوز شهادة الأب لابنه على حال، ولو لكبير على صغير.
ابن رشد: منعها لصغير أو سفيه على كبير، أو لمن له إليه انقطاع، أو على من بينه وبينه عداوة من بنيه متفق عليه.
وفى وفى لكبير على كبير، وعلى من فى حجره من صغير أو سفيه، ولمن فى حجره منهما على من فى حجره منهما: قولا ابن القاسم وسحنون، ولابن عبدوس عنه جوازها، ورجع فى كتاب ابنه لمنعها.
اللخمى: منعها سحنون، ولو كانت لعاق على بار قال: لما جاء فى السنة من منع شهادة الأب لابنه، وقول ابن القاسم أحسن، ولا ترد شهادة العدل إلا لتهمة.
ابن رشد: ولا تجوز لولده على ولد ولده، وفى العكس جائزة اتفاقا.
فيهما: وله فى أول سماع أشهب فى شهادة الولد لأحد أبويه تفصيل.
قال فى هذا السماع: لا تجوز إلا فى اليسير إن كان عدلا منقطعا فى الصلاح جدا.
ولابن عبدوس عن ابن نافع: شهادته لأحد أبويه على الآخر جائزة، إلا أن يكون فى ولاية الأب، أو يكون الأب تزوج على أمه فأغارها، فيتهم أنه غضب لأمه؛ فلا تجوز.
قلت: كذا هو فى النوادر، وهذا على أن الولاية لا تمنع العدالة فى الشهادة قال: ولو شهد لأبيه على ولده أو لولده، وليس فى حجره على أبيه؛ لتخرج على الخلاف فى شهادته لأحد أبويه على الآخر، ولو شهد لأبيه على جده، أو لولده على ولد ولده؛ لانبغى ردها قولا واحدا.
وسمع عيسى ابن القاسم: شهادة الابن على أبيه بطلاق أمه، أو غيرها، وأمه ميتة جائزة إلا أن تكون عداوة.
سحنون: إن شهد بطلاق أمه، وهى طالبه للفراق؛ لم تجز، وإ كانت منكرة؛

جازت.
وقاله أصبغ ابن رشد: قول سحنون وأصبغ تفسير لقول ابن القاسم قال: وتحصيل شهادة الابن على أبيه بطلاقه أن شهادته عليه بطلاق أمه جائزة إلا أن تكون طالبة للطلاق، وبطلاق غير أمه جائزة إن كانت أمه ميتة، وغير جائزة إن كانت حية فى عصمته إلا أن تكون المرأة هى الطالبة للطلاق، والنظر عندى أن لا تجوز بطلاقها، وإن كانت طالبة للفراق، إن كانت أمه فى عصمته، وإن كانت حية فى غير عصمته؛ ففى شرط جوازها بكون المرأة طالبة للطلاق وجوازها مطلقا، وقول ابن القاسم فى هذا السماع مع الأخوين وأصبغ قال بعض أهل النظر على قول ابن القاسم فى هذه المسألة: لو شهد على أبيه بطلاق زوجتيه إحداهما أمه، والأم غير طالبه للطلاق، والأخر طالبة؛ جازت فيهما كانت شهادته مفترقة أو مجتمعة، ومقابله ساقطة فيهما، كانت مجتمعة أو مفترقة؛ لتهمته فى أمه بأن يشهد لها بما ترغب، وفى ضرتها بأن يشهد عليها بما تكره طلبا لرضى أمع، وإن كرهتا معا الطلاق؛ لم تجز إن كانت الشهادة واحدة؛ لسقوطها فى غير أمه؛ لتهمته بسبب أمه، وفى أمه باتهامه.
فى بعض الشهادة: وإن كانت الشهادة متفرقة؛ جازت فى أمه لا فى الأخرى، وإن كانتا طالبتين للفراق؛ بطلت إن كانت الشهادة واحدة؛ لسقوطها فى الأم بالتهمة، وفى الأخرى باتهامه فى بعض الشهادة، وإن كانت متفرقة؛ جازت فى غير أمه، فتطلق إن كان معه غيره، ويحلف أبوه إن لم يكن معه غيره، وتسقط لأمه؛ لأنه شاهد لها بما تطلبه.
قلت: قوله: والنظر عندى إلخ هـ؛ يقتضى أن ما اختاره لم يعرفه لمتقدم قبله نصا.
وقال اللخمى: إن قامت غير الأم بشهادة الولدين؛ والأم فى عصمة الأب، فأجازها أصبغ، ومنعها سحنون بعد أن أجازها، والقياس منعها كانت الأم فى عصمة الأب أو لا، حية أو ميتة؟ كانت الأجنبية منكرة أو قائمة بالشهادة لجرى العادة بالعداوة والبغضاء بين المرأة وربيبها، وإن كانت شابة؛ كان أبين؛ لأنه يخشى ما يكون من ولد يشاركه فى الإرث، أو يميل ماله إليها.
الشيخ لابن سحنون عنه: تجوز شهادته لامرأة طلقها، ولو كان له منها ولد، ولا

تجوز تزكيته إياها.
ولابن عبدوس عنه: إن كان مليا، ولا حاجة بولده لأمه؛ جازت إن كان عدلا، وإن كان عديما، وولده فى نفقة الأم، لم تجز، ونقلهما المازرى قولين غير معزومين.
الشيخ لابن عبدوس عن سحنون: لا تجوز لابن الملاعنة لمن نفاه.
قلت: مفهوم بعض ما تقدم من الروايات جوازها، الرابع: عداوة الشاهد للمشهود عليه معتبرة فى المانعية اتفاقا.
الشيخ فى المجموعة: وشهادة العدو على عدو أحب إلى طرحها.
زاد فى كتاب ابن سحنون: وهو مصارم له، ولو كان عدلا فى جميع الأمور.
وفى كافى ابن عبد البر: لا تجوز شهادة عدو على عدوه مصارما كان له أو غير مصارم.
وفى نوازل سحنون: إن كانت العداوة بين الشاهد والمشهود عليه فى أمر الدنيا فى الأموال والمواريث والتجارة ونحوها؛ سقطت شهادته عنه، وإن كانت غضبا لله لفسقه، وجرأته على الله لغير ذلك؛ لم تسقط.
ابن رشد: قوله مفسر لجميع الروايات؛ ولذلك لم تسقط شهادة القاضى على من أقام عليه حدا، أو ضربه فى أمر يوجب ضربه حسبما مضى فى سماع يحيى.
قلت: زاد فيه عن أصبغ: لو شهد المضروب عند وال غير الذى ضربه، فأعلمه ضاربه أنه غير عدل؛ لأنه ضربه حدا من حدود الله؛ سقطت شهادته بقوله وحده، وأما بعد عزله؛ فلا تجوز شهادته بجرحته بذلك؛ لأنه يريد أن ينفذ حكمه عليه بشهادته.
وقول أصبغ هذا نحو قول ابن الماجشون فى كتاب القاضى لقاض بعديل الشاهد من أهل عمله، معارض لرواية أصبغ عن ابن القاسم فى الأقضية.
المازرى: قال ابن كنانة: إن كانت العداوة خفيفة على أمر خفيف؛ لو تبطل الشهادة.
اللخمى لابن سحنون عنه: إن كانت العداوة غضبا لله لجرمه وفسقه؛ فالشهادة جائزة؛ لأنا نشهد على أهل البدع والملل وهذا حسن، إذا لم يعلم من الآخر عند

مهاجرته مقابحة بقول أو فعل، وعبر عنه المازرى بقوله: لكون من عودى أفرط فى إذاية معاديه، والوقيعة فيه، حتى صار المعادى يجب الانتصار لنفسه، ويحمله ذلك على قبول الباطل، فإن هذا يصير العداوة من الجانبين ليست من أسباب الدنيا.
ولسحنون: إن شهد رجل آخر، فبعد نحو شهرين، شهد المشهود عليه على الشاهد؛ لم تقبل شهادته عليه، فرأى أن الشهادة الأولى توجب عداوة فى نفس المشهود عليه، والشاهد الأول لم يبد منه ما يدل على العداوة؛ لكنه بدا من الثانى ما يستدل به عليها فى حق نفسه؛ فلذا ردت شهادته، وما قاله على الإطلاق قد يتعقب، ولا بد من اعتبار دين الشاهدين، وبروزهما فى العدالة، وكون الشهادة الأولى لم تقع بما يوجب حقدا؛ لاحتقار ما شهد به الشاهد الأول قال ابن الحاجب إثر نقله رد الشهادة: لعداوة فى أمر دنيوى.
قال سحنون: ومثله لو شهد المشهود عليه على الشاهد، وهو فى خصومته.
عارض ابن عبد السلام مفهوم قوله: وهو فى خصومته بما تقدم للمازرى عن سحنون فى مسألة الشهرين، وما نقله ابن الحاجب عن سحنون لا أعرفه لغيره، ونقل المازرى كاللخمى.
قال ابن رشد فى أول سماع القرينين فى إيجاب مجرد الخصومة: ولو فى قليل سقوط شهادة أحدهما على الآخر، ولو بعد طول ما لم يصطلحا، وصحتها بينهما بعد الخصومة فى غير الأمر الجسيم، الذى يورث حقدا وعداوة وما تخاصما فيه.
ثالثها: يجوز بعدها مطلقا، ولو لم يصطلحا ما لم يقع بينهما فيها مشاتمة لهذا السماع وابن كنانة وغيره، وهو قول يحيى بن سعيد فى نوازله.
قلت: هو فيها من نقل ابن وهب عنه، وسياقه يدل على أنه قائل به.
وسمع أبو زيد ابن القاسم: من شهد على عدوه، وله شهادتين مفترفتين؛ جازت له لا عليه، وإن كانت شهادة واحدة؛ سقطت فيهما.
انتهى.
ابن رشد: هذا على المشهور فى بطلان كل الشهادة ببطلان بعضها للتهمة، خلاف قول أصبغ فى نوازله: يجوز منها ما لا تهمة فيه.

ابن عات: قال الشعباني: تقبل شهادة القراء فى كل شئ، لا شهادة بعضهم على بعض؛ لأنهم يتحاسدون كالضرائر، والحسود ظالم لا تقبل شهادته على من يحسده.
المتيطى فى المبسوطة: لابن وهب: لا تجوز شهادة القارئ على القارئ؛ يعنى العلماء؛ لأنهم أشد الناس تحاسدا، وقاله سفيان الثورى، ومالك بن دينار.
قلت: العمل على خلاف ذلك، وشهادة ذوى القبول منهم مقبولة بينهم كغيرهم، ولعل قول ابن وهب فيمن ثبت تحاسد بينهم.
وفى نوازل أصبغ: من شهد لرجل على آخر، والمشهود عليه قائم يسمع، فلما فرغ من شهادته تحول للمشهود عليه، فقال له والقاضى يسمع: إنك تشتمنى، وتشبهنى بالمجانين وتهددنى، وشبه ذلك شهادته إلا بعداوة قديمة.
ابن رشد له الثمانية: إن قاله على وجه الشكوى والاستنهاء من الأذى لا على وجه طلب خصومة، ولا سيما الشتمة؛ فلا أراه شيئا، وإن سمى الشتمة، وهى مما فى مثلها الخصومة، أو كان ذلك منه على وجه الطلب لخصومته، وإن لم يسم المشاتمة؛ فشهادته ساقطة، وهو مفسر لقوله هنا.
ولابن الماجشون فى الثمانية: تبطل شهادته بهذا القول؛ لأنه أخبر أنه عدوه قال: ولو قال ما هو أدنى من هذا؛ سقطت شهادته، وقول ابن الماجشون أصوب.
قلت: لم يحك اللخمى غير قول أصبغ فى العتبية، وقال: وطرجها أحسن إلا أن يكون مبرزا فى حاله بعيد التغير عند الأذى؛ فذلك أخف، واختلف فيمن كانت له عنده شهادة، كان يذكرها على رجل، ثم عاداه، واحتيج للقيام بها، وقبولها هنا أخف إذا كانت قيدت، ونحوه قول المازرى اختلف المذهب فى شهادة العدو على عدوه، إن سمعت منه قبل زمن العداوة.
وقول اللخمى: قيدت أخص من قول المازرى: سمعت.
وسمع ابن القاسم: من شهد على رجل بينه وبينه عداوة، فاحتاج أهل الشهادة إليها؛ فليشهد عليه، ويخبر مع شاهده بعداوته إياه، ولا يكتم ذلك.
ابن رشد: مثله فى سماع عيسى خلاف سحنون ونوازله، وأصح القولين: أنه

لا يخبر بعداوته إياه؛ لأنه يبطل بذلك حقا يعلم صحته.
وفى نوازل سحنون عنه: قال ابن وهب: بلغنى عن يحيى بن سعيد أنه قال: من كانت بينهما عداوة، ثم اصطلحا بعد ذلك؛ جازت شهادة كل واحد منهما على صاحبة.
ابن رشد فى سماع القرينين: وقال الأخوان وابن عبد الحكم وأصبغ: وذلك إذا طال الأمر، واستحق الصلح، وظهرت براءتهما من دخل العداوة؛ لتهمته إذا شهد عليه بقرب صلحه أنه إنما صالحه؛ ليشهد عليه.
قلت: لم يحك جوازها بعد الصلح مطلقا إلا عن يحيى بن سعيد، والأولى عزوه للموازية لقول الشيخ فى الموازية: كل من كان بينهما عداوة، وهجرة ومصارمة، ثم اصطلحا؛ فشهادة أحدهما على الآخر جائزة.
وسمع القرينان: إن مكث المتخاصمان بعد خصومتهما سنين إن كان أمرهما صار إلى سلامة وصلح؛ فشهادة أحدهما على صاحبة جائزة.
ابن رشد: ظاهره: أن مجرد الخصومة، ولو فى قليل؛ يوجب العداوة بين المتخاصمينو ومثله فى سماع سحنون، ونوازل أصبغ: ولو سلم كل واحد منهما على صاحبه، ولم يعودا إلى ما كانا عليه قبل المخاصمة من التكلم؛ لم تجز شهادة أحدهما على صاحبه، ولم يخرجه ذلك من الهجران إذا لم يكن مؤذيا له على ما فى رسم باع شاة من سماع عيسى.
وقال الأخوان: إذا لم يكن بينهما خاصا؛ خرج بالسلام عن الهجرة، وجاز عليه شهادته إن ترك كلامه.
وسمع عيسى ابن القاسم: إن أخذ صاحب السوق سكرانا فسجنه، وشهد عليه هو وآخر؛ لم تجز شهادته عليه؛ لأنه صار خصما حين سجنه، ولو رفعه لغيره قبل أن يسجنه؛ جازت شهادته.
ابن رشد: إنما جازت شهادته عليه، وإن رفعه ما لم يسجنه؛ لأن ما فعل من رفعه، وأخذه لازم له؛ لأنه موكل بالمصلحة؛ لأنه صاحب السوق، ولو لم يكن صاحب السوق يأخذ سكرانا، فرفعه إلى غيره؛ لم تجز شهادته عليه على ما قال في المسألة

التي بعد.
قلت: هي قوله في أربعة شهدوا على رجل بالزنا، فتعلقوا به، وأتوا به إلى السلطان، وشهدوا عليه: لا تجوز شهادتهم، وهم قذفة.
ابن رشد: إنما لم تجز شهادتهم عليه؛ لأن فعلهم وتعلقهم به ورفعهم إياه لا يجب عليهم؛ بل هو مكروه لهم؛ لأن الإنسان مأمور بالستر على نفسه وعلى غيره، ولو كانوا أصحاب شرطة موكلين بتغيير المنكر ورفعه؛ جازت شهادتهم.
وللأخوين وأصبغ: إن شهد أربعة بالزنا على رجل؛ جازت شهادتهم، وإن كانوا هم القائمين به مجتمعين جاءوا أو مفترقين، إن كان افتراقهم قريبًا ببعضه من بعض؛ لأن قيامهم لحق الله، فلم يكونوا خصماء، ولو كانت شهادتهم فيما يستدام فيه التحريم كالطلاق والعتق؛ جازت شهادتهما، ولو كانا هما القائمان بذلك؛ لأن قيامهم متعين.
وقال بعض المتأخرين: لا تجوز على قول ابن القاسم في هذه المسألة؛ لأن كل من قام في حق يريد إتمامه، فيتهم أن يزيد في شهادته؛ ليتم ما قام به، وهو بعيد.
قلت: فشهادة من رفع من شهد عليه؛ لأنه مولى على ذلك مقبولة، وفي غير المولى عليه، ثالثها: إن كان فيما يستدام تحريمه للأخوين، وبعض المتأخرين على قياس قول ابن القاسم فيما لا يستدام تحريمه.
وابن رشد: محتجًا بأن القيام به متعين عليهما.
وسمع عيسى ابن القاسم: إن شهد شاهدان على صبي يجرحه إنساناً، وهما عدوان لوصيه، أو شهدا بدين على الميت؛ جازت شهادتهما، وشهادتهما على من هما عدو أبيه ساقطة، ولو كان مثل أبي شريح، وسليمان بن القاسم، ونقل ابن شاس، وابن الحاجب قول ابن القاسم هذا، ولم يتعرض شارحاه، ولا ابن رشد للتعريف بهذين الشيخين، فنظرت في رجال الصفوة، فلم أجدهما فيه، ولم يذكرهما أبو نعيم في «الحلية»، ثم وجدت في اختصار رجال «تهذيب الكمال» للمزي يذكر في طبقة الثورى ومالك.
قال عبد الرحمن بن شريح: أبو شريح المعافري أخذ عن أبي قبيل، وأبي الزبير، روى عنه هانئ بن المتوكل، وابن وهب، وابن القاسم من الثقات، وللباجي في كتاب

سنن الصالحين قال: قال ابن القاسم: سمعت سليمان بن القاسم، وغيره ممن أثق به: بلغنى أن الرجل؛ يريد: أن يبلغ وجها من العبادة، فيمنعه الله إياها نظرا له، ولو بلغها كان فيها هلاكه.
قلت: فهما شيخان له.
ابن رشد: معنى إجازتها على الوصى إن لم يكن بيده مال يؤخذ منه دية الجرح، أو كانت ديته الثلث فصاعدا؛ لأنه ببلوغه الثلث على العاقلة؛ لأن عمد الصبى خطأ، ومعنى قبول شهادتهما بدين: أن المال لم يصل ليد الوصى، ولو كانت بعد وصوله له؛ ردت شهادتها؛ لتهمتهما على إخراج المال من يده، وقاله ابن حبيب عن الأخوين، وأصبغ؛ وهو تفسير لقول ابن القاسم.
قلت: قول اللخمى أجازها ابن القاسم ومنعها الأخوان؛ لأنه يخرج ما فى يد الصبى خلاف قول ابن رشد، وهو تفسير لقول ابن القاسم، ولا حارث؛ كاللخمى.
قلت: فى تفرقته بين وصوله وعدمه نظر؛ لأنه وإن لم يصل إليه متمكن من أخذه، وهذا إن كان الوصى ممن يمكن منه عادة تجره بمال اليتيم لنفسه لا لليتيم، ولو كان ممن يقتضى حاله التنزه من تجره به لنفسه، أو كان مال اليتيم ربعا ليس فى غلته، فضل يظن تجر الوصى به؛ لا نبغى قبول شهادتهما؛ لأنه حينئذ شهادة تنفع الموصى بالراحة من مؤنة حفظ المال والقيام به.
قال: وشهادته على ابن عدوه وأبيه بقتل أو حد؛ ساقطة اتفاقا.
وفى المال والجراح: ثالثها: فى الجراح لهذا السماع، ومحمد بن سحنون عن محمد بن رشيد وأبيه.
وفى المدارك: قال المالكى: محمد بنرشيد مولى عبد السلام بن الفرج الربعى؛ يكنى أبا زكرياء، كانت رحلته إلى الحجاز، وإلى ابن القاسم بمصر واحدة.
قال ابن سحنون: كان فقيها حسن البيان.
قال ابن الحارث: إذا تكلم ابن القاسم فى العلم أسرع ابن رشيد إلى فهمه، وكان سحنوه يتباطأ عنه غير أنه فهم رسيخ في قلبه.

قال ابن العرب: كان أهل الأندلس يسمعون منه أكثر مما يسمعون من سحنون، ثم رخص فى المعاملة بالعينة، فتركه كثير من الناس.
اللخمى: فى جوازها بمال، وما لا يلحق الأب معرة وردها مطلقا.
ثالثها: إن لم يكن فى ولاية أبيه.
ورابعها: إن مات الأب لمحمد، وابن القاسم قائلا ولو كان مثل أبى شريح، وسليمان بن القاسم، وأحد قولى ابن الماجشون وثانيهما.
الشيخ فى الموازية: تجوز شهادة العدو على ابن عدوه، وإن كان فى ولايته ما لم يكن بما عليه فيه حد أو عيب أوقتل؛ لأن فيه معرة للأب، وكذا الأم والجد، وأما الأخ وسائر القرابة؛ فبخلاف ذلك؛ ابن حارث اختلف فى منعها على أخى عدوه، لابن عبدوس فى منعه عليه قولا سنحون وابن الماجشون.
وسمع عيسى ابن القاسم: من هاجر رجلا، ثم بدا له، فسلم عليه، وهو مجتنب لكلامه، وإن كان مؤذيا له؛ فقد برئ من الشحناء.
ابن القاسم: فإن كان غير مؤذ له؛ لم يبرأ منها.
قلت: فهل تسقط شهادته عليه باعتزاله كلامه، وهو غير مؤذ له؟ قال: نعم.
هـ. ابن رشد: معنى قول مالك، وابن القاسم: إن المسلم يخرج من الشحناء إن كان المسلم عليه مؤذيا للذى ابتدأ بالسلام، ولا يضر البادئ بالسلام تركه كلام المؤذى، وإن كان المسلم عليه غير مؤذيا للبادئ بالسلام؛ فلا يخرج البادئ بالسلام بسلامه من الشحناء حتى يكلمه؛ إذ لا عذر له فى ترك كلامه، فإن كان مؤذيا له؛ جازت شهادته عليه إذا سلم عليه، وإن لم يكن مؤذيا؛ لم تجز شهادته عليه حتى يرجع لكلامه.
ولابن حبيب عن الأخوين: إن كان ما بينهما خاصا؛ لم يخرج من الهجران، ولم تجز شهادته عليه حتى يرجع إلى كلامه، وإن لم يكن ما بينهما خاصا؛ برئ من الهجران بالسلام، وإن لم يكلمه، وجازت شهادته عليه.
الشيخ فى المجموعة عن ابن كنانة: هجرة المتهاجرين إن كانت خفيفة، وقعت عن أمر خفيف؛ جازت شهادة أحدهما على الآخر، وأما المهاجرة الطويلة؛ فلا.

الشيخ عن محمد ابن عبد الحكم: تجريح العدو عدوه مردود، وتعديله إياه مقبول.
اللخمى: كل موضع ترد فيه شهادة الأخ لأخيه؛ رد فيه تعديله من شهد له، وتجريحه من جرح من شهد له، أو جرح من شهد عليه بما إذا ثبت أدى إلى عقوبة الأخ، أو حده، أو قتله.
وفى صحة تعديله أخاه؛ خلاف، ومنعه أصوب.
قلت: تقدم فى فصل شهادة الأخ أن فى تعديله قولا ابن القاسم وأشهب.
اللخمى: وهذا إذا شهد بما إن ردت شهادته؛ لم يعاقب، ولو كانت فيما إن ردت؛ حدا أو عوقب كشهادته بزنا أو غيره؛ لم تجز، ولا يجرح من جرح أخاه؛ لأنه يدفع به معرة بخلاف التعديل.
محمد: إن جرحه بهجرة أو عداوة؛ جاز؛ يريد: بخلاف الجرحة بالإسفاه.
محمد: ولا يجرح من جرح عمه، وأجاز بذلك فى الأخ وابن العم، وأرى أن لا يجوز تجريحه فى أخ، ولا عم ولا ابن عم، وإن كانت الجرحة بعداوة أو هجران؛ لأن رد شهادة الشاهد، وصم عليه، وهو مما تدرك فيه الحمية، ولأن رد شهادة الشاهد لعداوة؛ فهو لتهمته أنه شهد بزور لأجل ما بينهما.
ولابن رشد فى نوازل سحنون: قول سحنون: للشاهد أن يجرح من جرح أخاه بعداوة صحيح القول أنه يعدله، وعلى أنه لا يعدل لا يجرح من جرحه بعداوة، ولا بإسفاه، وقيل: يجرح من جرحه بعداوة، وإسفاه على القول أنه يعدله، وهو ينحو لقول من يجيز شهادته له فيما سوى الأموال مما فيه العصبية، والحمية كالقتل والحدود.
فقول سحنون هذا فى تفرقته بين أن يجرح من جرحه بعداوة، أو أسفاه قول ثالث؛ فلا يجوز على مذهبه لمن جرح أخوه بفسق، ولا عداوة أن يجرح من جرحه بعداوة، ويجوز لمن جرح أخوه بعداوة أن يجرح من جرحه بفسق وبعداوة، وله أن يجرح من جرح عمه بعداوة اتفاقا، وإنما يختلف فى تجريح من جرحه بإسفاه على قولين، وإنما الثلاثة الأقوال فى تجريح الرجل من جرح أخاه.
وقال ابن دحنون مفسرا لقول سحنون: إذا جرح عمك، أو أخوك بفسق؛ لم يجز

لك أن تجرح من جرحه بفسق، ويجوز أن تجرحه بعداوة، وإن جرح عمك أو أخوك بعداوة؛ جاز أن تجرح من جرحه بفسق وعداوة، وهو غير صحيح فى المعنى، فتدبره.
قال ابن الحاجب: ومن امتنعت له؛ امتنعت فى تزكية من شهد له، وتجريح من يشهد عليه، ومن امتنعت عليه؛ امتنعت فى العكس.
قلت: وأقل من شطر عدد كلماته قولنا: والتزكية فى كل شئ كشهادة به، والتجريح فيه؛ كشهادة بنقيضه، وعلة الجميع جر نفع، أو نفى ضرر.
الخامس: التهمة على إزالة نقص عرض، أو تخفيف معرة بمشارك فيها.
فيها: إن شهد صبى، أو عبد، أو نصرانى عند قاض، فردها لموانعهم؛ لم تجز بعد زوالها أبدا.
المازرى والشيخ لابن سحنون عنه: أجمع أصحابنا على أن الشهادة إذا ردت لظنه، أو تهمة، أو لمانع من قبولها، ثن زالت التهمة، أو الوجه المانع من قبولها أنها إن أعيدت؛ لم تقبل.
الصقلى لمحمد عنن أشهب: من قال لفلان: يشهد لى فلان العبد، أو النصرانى، أو الصبى فلان، فقال: لا أقبل شهادتهم، ثم زالت موانعهم؛ قبلت شهادتهم؛ لأن قوله ذلك فتيا لا رد.
وعن ابن القاسم: إن جهل القاضى، فأجاز شهادتهم فى شهادتهم الأولى نقض ما قضى به من شهادتهم، وإن أسلم الذمى، وعتق العبد، واحتلم الصبى وحسنت حالتهم؛ جازت شهادتهم.
قال بعض القرويين: وينبغى أن يعيدهم؛ ليشهدوا بها بعد العتق والإسلام، وقد قال ابن القاسم فى عبد حكم بشهادته يظن أنه حر، ثم علم بذلك بعد عتقه: أن الحكم الظاول يرد، ثم يقول بها الآن، فيشهدوا له.
وفى كتاب ابن سحنون عنه وعن مالك وأصحابه: إن شهد العبد والصبى والنصرانى عدولا على شهادتهم، ثم انتقلوا إلى حالة جواز شهاداتهم؛ أنها لا تقبل؛ لأنهم أشهدوا على شهاداتهم فى وقت لا تقبل فيه شهاداتهم.

الصقلي: ففي هذا دليل على أنهم إذا شهدوا فى الحالة الأولى، فلم ترد شهادتهم حتى زالت موانعهم، وحسنت حالهم؛ أنها لا تجوز حتى يعيدوا الشهادة الآن، وكذا العبد يحكم بشهادته لظن أنه حر، ثم يعتق لا بد من إعادة شهادته.
وفى نوازل سحنون: فى حر وعبد شهدا، وحكم الحاكم بشهاتهما، وجهل العبد، ولم يعلم به، حتى عتق العبد، وجازت شهادته؛ أعاد شهادته، ومضى الحكم بها؛ لأنها لم ترد أولا.
ابن رشد: هذا خلاف سماع أبى زيد من أن الحق يرد، ولا تقطع وهو أظهر؛ لأن الحكم بشهادة العبد خكم مردود، فإن أعاد شهادته بعد عتقه؛ اتهم فى أن يريد إجازة شهادته، التى قد وجب ردها، ونقض الحكم الذى وقع فيها وكل من حد فى قذف أو غيره وتاب؛ جازت شهادته فى غير ما حد فيه، وقاله ابن حارث فى القاذف اتفاقا.
وفى صحتها فيما حد فيه قذف أو غيره نقلا ابن رشد رواية ابن نافع مع رواية ابن عبد الحكم، وقول ابن كنانة وأصبغ فى الثمانية، وظاهر دياتها، وقول سحنون مع رواية الأخوين، وأصبغ فى الواضحة، والمازرى عن الأخوين لا عن روايتهما.
قلت: وعبر عنه أبو عمر بالمشهور.
الشيخ عن الأخوين المحدود فى الزنا يتوب؛ شهادته جائزة فى كل شئ إلا فى الزنا، والقذف، واللعان، وكذا المنبوذ؛ لا تجوز شهادته فى شئ من وجوه الزنا لا قذف ولا غيره، وإن كان عدلا.
وفى نوازل سحنون: من اقتص منه فى جناية؛ لم تجز شهادته فى مثل الجرح الذى اقتص منه.
ابن رشد: هذا شذوذ أغرق فيه القياس.
قلت للشيخ عن الواضحة: قال الأخوان: من قتل عمدا، فعفى عنه، ثم حسنت حاله؛ جازت شهادته إلا فى القتل.
وفى كتاب ابن سحنون: قيل لابن كنانة: من ضربه الإمام نكالا أينتظر فى قبول شهادته توبته؟ قال: ليس ما ينكل فيه سواء نكل ناس بالمدينة لهم حالة حسنة لشيء

أسرعوا فيه إلى ناس، وشهادتهم فى ذلك تقبل ليس لأحدهم فيه مغمز، ومن ليس بحسن الحال إلا أن شهادته تقبل، وليس بمشهور العدالة يأتى بما فيه النكال الشديد، فلينظر فى هذا؛ وإنما يعرف هذا عند نزوله، وأما الشتم ونحوه وهو فى غير ذلك يعرف بالصلاح؛ فلا ترد شهادته.
وفى ... الزنا طريقان: المازرى: لم يختلف المذهب فى رد شهادته فى الزنا، وقبولها فيما سوى ذلك مما لا تعلق له بالزنا، وفرق الأبهرى بين عدم قبول شهادته فى الزنا؛ وقبول شهادة من حد فيما حد فيه بأن معرة إتيان الكبيرة ترتفع بالتوبة والورع والعفاف، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ومعرة ولد الزنا لازمة لا، لا ترفع عنه بشئ، وأشار بعض الأشياخ إلى ضعف هذا الاعتذار، ورأى أن ولد الزنا الذى لم يأت جرما أولى من قبول الشهادة من زان تاب، أو سارق صلح حاله، واختلف عندنا فى صحة ولايته القضاء، وعلى صحتها اختلف على يصح أن يحكم فى الزنا؟ ابن رشد: شهادة ولد الزنا فى الزنا.
وفى ... الرجل عن أبيه ... على الخلاف فيمن حد فى شئ هل تجوز شهادته فيه أم لا؟ والمشهور من قول ابن القاسم: أنها مردودة، وهو قوله فى سماع أبى زيد من هذا الكتاب، وسماع عيسى من كتاب الحدود، وظاهر ما فى ديات المدونة؛ أنها جائزة.
قلت: الصواب أخذ الجواز من قولها فى الديات، كما قاله ابن رشد لا مما قاله ابن عبد السلام قال: قال مالك فى كتاب الشهادات والمحدود: إذا ظهرت توبته، وحسنت حاله؛ جازت شهادته فى الحقوق والطلاق، والظاهر عموم الخقوق التى لله وللآدمى.
قلت: ظاهر عطف الطلاق على الحقوق أنها الآدمية؛ إذا لو كانت عامة فى الحقوق التى لله لما افتقر إلى ذكر الطلاق؛ ولذا لم يأخذه ابن رشد إلا من كتاب الديات مع تأخره عن كتاب الشهادات.
السادس: طن عدم استيفاء واجب التحمل، أو ترك القيام بها، الواجب دوام

محرم، أو الحرص على قبول الشهادة.
قال ابن رشد فى رسم باع شاة: شهادة المختفى لا خفاء فى ردها، على القول بلغو الشهادة على إقرار المقر دون قوله: اشهد على، وهو أحد قولى مالك فى المدونة، وقول ابن أبى حازم وابن الماجشون وروايته، ورواية محمد إلا أن يكون قذفا.
قلت: أو غيره من حقوق الله؛ وإنما اختلف فى شهادة المختفى من يجيز الشهادة على المقر دون قوله، اشهد على منعها سحنون مطلقا، ومنهم من كره له الاختفاء ليتحملها، وقبلها إن شهد بها وهم الأكثر، وهو ظاهر قول عيسى هنا خلاف قول ابن القاسم فى تفرقته بين من يخشى أن يخدع لضعفه وجهله بما يقر به على نفسه، وبين من يؤمن ذلك منه لنباهته ومعرفته بوجوه الإقرار على نفسه، ولو أنكر الضعيف الجاهل الإقرار جملة؛ لزمته الشهادة عليه، وإنما يصدق عنده مع يمينه إذا قال: إنما أقررت لوجه كذا مما يشبه.
قلت: للشيخ عن الموازية: قال مالك: من أقعد له شاهدان من وراء حجاب يشهدان عليه، إن كان ضعيفا أو مختدعا أو خائفا؛ لم يلزمهو وحلف ما أقر إلا لما يذكر، وإن كان على غير ذلك؛ لزمه، قيل: فمن لا يقر إلا خاليا، قال: أخاف أن يسمع جوابه بسؤال، ولعله يقول له فى سر: ما الذى لى عندك إن جئتك بكذا وكذا، فيقول: لك عندى كذا، فإن قدرت أن تحيط بسرهم؛ فجائز، ولابن كنانة: شهادة السر بذلك مقبولة، ويسر ما صنعوا حين دخلوا ذلك المدخل، وجعل المازرى، ومن تبعه علة رد شهادة المختفى، الحرص على التحمل بعيد.
وسمع عيسى ابن القاسم: من ترك القيام بشهادته فى عقار أو مال يراه بيد غير ربه يبيعه ويهبه ويحوله عن حاله، ثم يقوم بها؛ لم تقبل.
ابن رشد: قال الأخوان: إنما تسقط شهادته إذا لم يكن عند رب الحق؛ علم بذلك، ولو علم بعلمهم، ولم يقم بحقهم؛ لم يضرهم، وهذا تفسير لهذا السماع؛ لأنها إنما تبطل بترك إعلام رب ذلك بذلك، وكذا الشاهد الواحد، ففى إبطالها بذلك، وفيها يستدام تحريمه من حقوق الله من حرية وطلاق وشبهه

ثالثها: في حقوق الله لابن وهب مع ابن القاسم، والأكثر وظاهر قول أشهب في المبسوطة وسحنون، وهو أظهرها.
الشهادات خمسة أقسام: الأول: علي الحاضر تبطل بترك إعلامه، لا بترك رفعها للسلطان.
قلت: إلا أن يكون ربها ممن هو إلي نظر السلطان؛ كاليتيم المهمل.
الثاني: ما يستدام تحريمه تبطل بترك رفعه للسلطان؛ إلا علي ظاهر قول أشهب.
الثالث: مال الغائب في بطلان الشهادة بعدم الرفع للسلطان، اختلاف بناء علي القول بأن السلطان يوكل من يقوم بحقه، وهو أحد قولي ابن الماجشون، وقول أصبغ خلاف قول مطرف.
الرابع: ما لا يلزم القيام بما فيه إذا لم يدع إليها؛ وهي الشهادة علي ما مضي من الحدود التي لا يتعلق بها حق لمخلوق؛ كالزنا، وشرب الخمر؛ لا يلزم القيام فيه، ويستحب ستره إلا في المشتهر، ولا تبطل بترك القيام به، وإن كان مشتهراً اتفاقاً.
قلت: في سرقتها: ولا يحل للبينة الكف عن لشهادة علي السرقة إذا رفع السارق إلي الإمام.
قال الخامس: ملا يوجوز القيام بها، ولو ادعي إليها، وهي التي يعلم من باطنها خلاف ما يوجب ظاهرها؛ كالرجل يأتي للعالم فيقول: حلفت بالطلاق أن لا أكلم فلانً، فكلمته بعد ذلك بهر؛ لأني كنت نويت أن لا أكلمه شهراً، فإن دعته امرأته؛ ليشهد لها بما أقر به عنده من حلفه بالطلاق أن لا يكلمه، وأ، هـ كلمه بعد شهر؛ لم يجز له أن يشهد عليه بذلك.
وفي المجموعة عن أصبغ: لابن القاسم في رجلين شهدا علي جل أنهما رأياه سكراناً، أو يسرق، فجرحاه بذلك في شهادة شهدها: فليقم عليه الحد، ولا يضرهما تأخير ذلك، وهو ستر ستراً عليه.
وسأل حبيب سحنوناً عمن أدخل من زقاق المسلمين بيتاً في داره، فلم يرفع ذلك الجيران للحاكم إلا بعد عشرين سنة لا يشهدون به: فهي جرحة.

جارٍ التحميل