المختصر الفقهي لابن عرفةكتاب المدبر
أهل الأثرالأرشيف العلمي

المدبر: هو المعتق من ثلث مالكه بعد موته بعقد لازم، فيخرج المعتق لأجل وأم

الجزء: 10 - الصفحة: 355

الولد والموصى بعتقه، والتدبير عقد يوجب عتق مملوكه من ثلث إلخ.
وقال ابن الحاجب: هو عتق معلق على الموت على غير الوصية.
ورده ابن عبد السلام: بأنه تعرف بالإضافات، وذكروا أنه يجتنب في التعريف لإجماله.
قلت: ما ذكره عنهم من اجتناب الإضافيات لا أعرفه حسبما تقرر في موضعه وليست الإضافة ملزومة للإجمال، ولذا وقعت في تعريفاتهم كثيرًا كقول القاضي القياس حمل معلوم بإضافة حمل إلى معلوم، وقولهم في الناقض هو اختلاف قضيتين إلى غير ذلك، ولو تعقبه باشتماله على التركيب، وهو وقف معرفة المعرف على معرفة حقيقة أجنبية عنه ليست أعم ولا أخص كان صوابًا، وتعقبه ابن هارون بعد طرده، فإنه يدخل في ما علق على موت غير مالكه، وهو من العتق إلى أجل.
وأجاب ابن عبد السلام: بأن قوله من غير وصية قرينه في إرادته بالموت موت مالكه، ورد بأن قوله من غير وصية؛ إنما يدل على دخول موت مالكه لا على انحصاره

الجزء: 10 - الصفحة: 356

فيه، فهي عناية في التعريف، وينتقض أيضًا بحكم عتق أم الولد، فإنه عتق معلق على موت مالكها، ولا يختلف بعدم تعليقه؛ لأنه إن أريد بأنه مغلق التعليق اللفظي خرج عنه قوله: أنت حر عن دبر مني، فإنه لا تعليق فيه لفظًا، وإن أريد المعلق معنى فعتق أم الولد كذلك.
وحكمه السابق قبل إيقاعه الندب؛ لأنه سبب في العتق وبعد اللزوم المعروض لرفعه بأقوى منه.
وفي كون لزومه، لأنه كعلم لمعني وصية بعتق ملتزم عدم الرجوع منها بخلاف الوصية المطلقة، أو لأنه كعلم المعنى عتق التزمه مالكه في حياته، ووقف إنفاذه على عتقه كعتق المعتق إلى أجل لا أنه وقف التزامه على موته طريق، التونسي مع ظاهر الموازية حسبما يأتي في الصيغة، وظاهر نقل الصقلي عن ابن القاسم.
[بابا في صيغة التدبير] الصيغة: ما دل على حقيقته عرفًا.
الباجي: قال عبد الوهاب: لفظ التدبير أن يقول: أنت حر عن دبر مني أو مدبر أو إذا مت فأنت حر بالتدبير، وشبهه مما يعلم به إيجاب عتقه بموته لا على وجه الوصية، زاد في الموازية أن يقول في صحته أو مرضه: أنت حر مني ما مت أو ما إن مت ولا مرجع لي فيك.
قال أشهب: وشبه هذا أفرد ذلك بكتاب أو جعله في ذكر وصاياه.
وقول ابن الحاجب: أنت حر بعد موتي كقوله أنت حر عن دبر مني، ويرد بقولها.
قال مالك: من قال في صحته لعبده: أنت حر بعد موتي، إن أراد به وجه الوصية صدق، وإن أراد وجه التدبير صدق.

الجزء: 10 - الصفحة: 357

ابن القاسم: هي وصية أبدًا حتى يتبين أنه أراد التدبير.
وقال أشهب: إن قال هذا في غير إحداث وصية أو لما جاء أنه لا ينبغي لأحد أن يبيت ليلتين إلا ووصيته عنده مكتوبة، فهو تدبير إذا قال ذلك في صحته.
وفيها أيضًا لابن القاسم: إن قال: إن كلمت ابن فلانًا فأنت حر بعد موتي فكلمه لزمه ما أوجبه من عتقه بعد موته من الثلث، وصار شبيهًا بالتدبير.
قلت: فجعل المعلق أشد من غير المعلق، ونحوه في كتاب النذور فيه: إن قال إن فعلت كذا فعلي هدي فإن يحنث، فإن نوى شيئًا فهو ما نوى، وإلا فعليه بدنة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد وقصرت نفقته رجوت أن تجزئه شاة.
وقال في الحج الثاني: ومن نذر هديًا ولا نية له فالشاة تجزئه؛ لأنها هدي، فجعل المطلق أخف من المعلق.
قال عبد الحق عن القابسي: لأنه في كتاب الحج متبرع بالهدي، وفي مسألة النذر هو على وجه الحلف، واليمين طريقة التغليظ.
ابن رشد: وأما التدبير المقيد كقوله أنت مدبر إن مت في سفري هذا أو مرضي هذا أو في هذا البلد أو أنت مدبر إذا قدم فلان وشبهه، فسمع أصبغ ابن القاسم: أنها وصية لا تدبير إلا أن يرى أنه أراد التدبير، فله على هذا أن يرجع عنه في مرضه ذلك.
ولابن القاسم في الموازية، وكتاب ابن سحنون وابن كنانة: أنه تدبير لازم لا رجوع له فيه، ومعناه إن مات من مرضه ذلك، وهذا الاختلاف قائم من اختلاف ابن القاسم ومالك فيمن قال لعبده: أنت حر إذا قدم فلان.
قال مالك: ليس له بيعه حتى ينظر هل يقدم فلان أو لا.
وقال ابن القاسم: له بيعه، وكذا لو قال لعبده: أنت مدبر إذا قدم فلان يلزمه التدبير على قول مالك من ساعته، بشرط قدوم فلان، ولا يكون له بيعه، ولا يرجع فيه حتى ييأس من قدوم فلان، وعلى قول ابن القاسم: لا يكون تدبيرًا، وهي وصية فيكون له بيعه ويرجع فيه بالقول إن شاء، فيقول: قبل قدوم فلان أو بعد قدومه قد رجعت عن عتق فلان، بخلاف قوله: أنت حر إذا حر إذا قدم فلان، هذا لا يكون له على مذهب ابن

الجزء: 10 - الصفحة: 358

القاسم: أن يرجع فيه بالقول، وأنه له بيعه؛ لأنه يشبه اليمين، فإن بقى في ملكه حتى قدم فلان؛ لزمه العتق.
الباجي: رواه ابن نافع: من قال لجاريته أنها مدبرة تعتق بعد موته إن لم يحدث فيها حدثًا، وكتب لها بذلك كتابًا أنها وصيًة لقوله: إن لم أحدث فيها حدثًا.
ولابن رشد في رسم أوصى من سماع عيسى: من اعتق عبده لأجل سماه قبل موته ففيه أربعة أقوال: الأول: سماع عيسى هذا ابن القاسم: أنه لا يعجل عتقه، ويترك في خدمته إن كان له مال، فإذا مات نظر فإن كان الأجل الذي سمى حل في مرض موته عتق من ثلثه، وإن حل وهو صحيح عتق من رأس ماله، وأعطى منه قيمة خدمته من حينئذ إلى وقت وفاته، ولم يضره ما استدان بعد حلول الأجل إلى حين وفاته، إلا أن يحاص الغرماء بقيمة خدمته، وإن لم يكن له مال استؤجر في ذلك الأجل ما كان وقف خراجه، فإن كان الأجل سنة استؤجر سنة، ووقف خراجها، فكلما مضى شهر بعد السنة، وقف خراج هذا الشهر وأعطي السيد خراج شهر من أول السنة كذا أبدًا ونفقته وكسوته من خراجه، فإن استؤجر في هذه السنة على أن نفقته وكسوته على سيده أسقط من إجارته نفقته وكسوته، ووقف الباقي، وإن استؤجر على أن نفقته وكسوته على المستأجر وقفت الإجارة كلها، وذلك يخرج إلى شيء واحد، فإن مات العبد في حياة سيده أخذ السيد ما وقف له.
حكاه محمد عن ابن القاسم، والذي يأتي على قياس قوله أن يبقى موقوفًا حتى يموت السيد فيعلم بموته، هل وجب للعبد العتق قبل موته من رأس مال سيده أم لا؟ فإن تبين أنه وجب له قبل أن يموت من رأس ماله؛ كان ما وقف لورثته.
وقال الموثقون على قياس هذا السماع: من أراد أن يستخدم عبدًا طول حياته ويكون حرًا من رأس ماله بعد وفاته بعتقه إلى قبل السبب الذي يكون منه وفاته بأجل يسميه، وذلك لا يصح إذ ليس للرجل بعد وفاته أكثر من ثلث ماله.
والواجب إن فعل ذلك أن يعجل عتقه اتفاقًا لأن العتق قد حصل له فيعتق، إما

الجزء: 10 - الصفحة: 359

بقوله وإما بموته، فلا يصح أن يمكن من اختدامه بشك إذ لا يدري لعله حر من الآن.
الثاني: تعجيل عتقه من الآن لاحتمال أن يكون لم يبق بينه وبين موته إلا مثل الأجل الذي ينتهي أو أقل، فلا يسترقه بالشك، وهو أحد قولي ابن القاسم فيما حكاه محمد.
الثالث: أنه كالمدبر يعتق بعد موته من الثلث؛ لأنه عتق لا يكشفه إلا الموت، وهو قول أشهب.
الرابع: أنه لا يعتق من ثلث، ولا من رأس مال، وهو قول أشهب أيضًا حكى البرقي عنه القولين، وقول ابن القاسم في هذا السماع أظهرها، ولو قال لعبده: أنت حر قبل موتك بكذا وكذا فيجعل عتقه على قول ابن القاسم، ولا عتق عليه على قول أشهب.
وفيهما: من قال: أنت حر يوم أموت كقوله: أنت حر بعد موتي، وناقضوها بقول مالك فيمن قال لزوجته: أنت طالق يوم أموت أنه يعجل عليه.
قال الصقلي: فينبغي عليه أن يكون في قوله: أنت حر يوم أموت معتقًا إلى أجل.
قلت: وقد يفرق بأن وقفه على الموت، ظاهره كونه بعده فلما كان العتق يصح بعد الموت حمل عليه فلا يرجحان حمل اللفظ على ظاهره، وإنما لم يصح الطلاق بعد الموت حمل على أنه قبله صونًا للفظ من حمله على الإهمال.

باب المدبر

المدبر هو المالك السالم عن حجر التبرع.
سمع ابن القاسم: تدبير ذات الزوج عبدًا لا تملك غيره نافذ لا رد لزوجها فيها.
ابن القاسم: إنما فرق تدبيرها إياه كله وبين عتقها إياه؛ لأن التدبير لا يخرج من يدها شيئًا هو موقوف معها حتى يخرج من ثلثها، فلا حجة لزوجها؛ إنما هي وصية،

الجزء: 10 - الصفحة: 360

وكرهه سحنون ورآه خطأ لا شك فيه.
وقاله الأخوان.
ابن رشد: روى عن مالك مثل قول ابن الماجشون وسحنون.
وروى محمد بن يحيى السبائي: في امرأة دبرت نصف عبد لا تملك غيره، ولها زوج لا يدبر عليها كله، ولا يكون مدبرًا إلا ما دبرت؛ لأن زوجها يمنعها من ذلك، وفي هذه الرواية نظر، وقياس مذهبه أن لا يكون منه مدبرًا إلا ثلثه.
قال ابن الحاجب: المدبر وشرطه التمييز لا البلوغ فينفذ من المميز لا من السفيه.
قلت: قوله ينفذ من المميز واضح ترتيبه على الشرط المذكور، وقوله لا السفيه ترتيبه عليه مشكل؛ لأنه مميز إلا أن تريد به معنى الاستثناء.
وقال ابن عبد السلام: ظاهر كلامه أنه ينفذ من الصغير، وهو ظاهر كلام ابن شاس، وهو مشكل لأن غير المكلف لا يلزمه شيء من التزاماته، وإنما لزمت الوصية إذا مات استحسانًا.
ونحوه لابن هارون: وهو واضح إن حمل قوله فينفذ من المميز على اللزوم، وإن حمل به على صحته دون لزومه فيصير كالوصية فيصح، وقد يؤيده ما تقدم من قول ابن القاسم في ذات الزوج لا حجة لزوجها إنما هي وصية.
وقال الباجي في ترجمة وصية الصغير: قال عبد الملك: لا يجوز تدبير من لم يحتلم.
وقولها: تدبير السكران لازم كعتقه يبطل قوله وشرطه التمييز.
وسمع أصبغ ابن القاسم: لا يجوز تدبير المولى عليه، وإن حسنت حاله ولا يلزمه ولو كان ماله واسعًا، وإنما هو كالعتق، وكذا قال مالك في العتق.
ابن رشد: لابن القاسم في المدنية مثل قوله هذا.
وقال ابن كنانة فيها: إن لم يكن له غير ذلك العبد لم يجز تدبيره، وإن كان ماله واسعًا ليس العبد بالذي يجحف بماله كان ذلك له وجاز، وإن دبر عبدًا هو وجه رقيقه أو أكثرهم ثمنًا أو جارية مرتفعة هي جل ماله لم يجز.
وقول ابن القاسم هو القياس، وقول ابن كنانة استحسان.

الجزء: 10 - الصفحة: 361

وقال الباجي في ترجمة وصية الصغير وتدبير السفيه: يجوز في قليل الثمن لا في كثيره قاله عبد الملك.
وقال أشهب: لا يجوز تدبير المولى عليه ويبطل.
وقال ابن القاسم: له أن يدبره في المرض، فإن صح بطل.
وقال ابن كنانة: يجوز تدبيره وما لا يقع إلا بعد موته، وإنما يمنع من ماله في حياته.
وفيها: إن أسلم مدبر النصراني أو ابتاع مسلمًا فدبره أجرناه عليه، وقبض غلته ولا يتعجل رقه بالبيع، وقد يعتق بموت سيده، فإن أسلم رجع إليه عبد وكان له ولاؤه، وقال غيره: لا يجوز للنصراني شراء مسلم، فإن أسلم عبده، ثم دبره أعتق عليه؛ لأنه منعنا من بيعه عليه بالتدبير.
اللخمي: إن أسلم بعد التدبير مدبر النصراني، فاختلف هل يبقى على تدبيره أو يؤاجر إلى موت سيده، أو تباع رقبته ويدفع ثمنه إلى النصراني، خرجه عبد الوهاب: من أم ولده إذا أسلمت، لأن أم الولد أقوى من التدبير وهو صواب، وإن أسلم ثم دبره لم يبع قولاً واحدًا، واختلف هل يؤاجر لموت سيده أو يعجل عتقه، وإن اشتراه وهو مسلم ثم دبره كان فيه ثلاثة أقوال: الأول: يمضي تدبيره إلى موت سيده.
وقيل: يعجل عتقه.
وقيل: الشراء كان غير منعقد وكأنه دبره عبد غيره.
الصقلي عن ابن حبيب: يقول الغير قال الأخوان قالا: وكذا لو أعتقه إلى أجل عجل عتقه، ولو كاتبه بيعت عليه كتابته.
الصقلي: لو أسلم مدبره فآجرنا عليه وقبض السيد إجارته وأتلفها ثم مات قبل أن يخدم العبد من الإجازة شيئًا، ولم يترك غيره فإن رضي العبد أن يخدم مدة الإجارة لرغبته في عتق كل ثلثه، فذلك له ويعتق كل ثلثه ثم يباع ثلثاه على ورثة سيده النصراني، ولا كلام لمن استأجره، وإن يرض العبد أن يخدم في حصته ما يعتق منه ولم يرض الذي استأجره أن يخدم ما رق منه لاستحقاق بعض ما استأجر بيع من جميعه بقدر

الجزء: 10 - الصفحة: 362

الإجارة، وعتق ما بقي وبيع على الورثة ما بقي بعد ذلك، وإن رضي المشتري أن يخدم ما رق منه للورثة فليبع من ثلثه بقدر ثلث الإجارة، ويعتق ما بقي من ثلثه ويستخدم المستأجر ثلثيه حصة ما رق منه للورثة، فإذا تمت الإجارة بيع على الورثة ما رق لهم منه إلا أن يسلموا قبل ذلك فيبقى لهم.
وسمع عيسى ابن القاسم: إن قتل المدبر سيده خطأً عتق في ماله ولم يعتق في ديته، وكانت الدية عليه دينًا ليس على العاقلة منها شيء؛ لأنه إنما صنعه وهو مملوك، وإن قتله عمدًا قتل به، فإن استحياه الورثة بطل تدبيره وكان رقًا لهم.
ابن رشد: قوله تكون الدية عليه دينًا صحيح على ما في المدونة وغيرها.
قال أصبغ في رسم سلف من سماع من كتاب الديات: وهذا إذا حمله الثلث فإن لم يحتمله عتق منه محمله، وكان عليه من الدية بقدر ما عتق منه يؤخذ من ماله إن كان له مال، أو يبتع به دينًا إن لم يكن له مال، ولا يدخل فيما يؤخذ منه من الدية ولا يعتق فيها منه شيء، وقوله صحيح.
وقوله إنه يبطل إن كان قتله عمدًا هو على قياس ما أجمعوا عليه من أن القاتل عمدًا لا إرث له ممن قتله.
قلت: وقتل أم الولد سيدها عمدًا.
قال الشيخ في الموازية عن ابن القاسم: تعتق لأنه عتق لازم من رأس المال، وتقتل به إلا أن يعفو عنها، ولا تتبع بعقل في الخطأ بخلاف المدبر.
وقال عبد الملك: تتبع مثله عتقها؛ لأنه من رأس المال ولما كان عتقه من ثلث سيده بطل باستغراق دين سيده تركة، وما زاد منه على ثلثه يبطل لذلك.
اللخمي: إن ضاق الثلث وللسيد دين على حاضر مؤجل بيع بالنقد، وإن كان على غائب قريب الغيبة وهو حالٌ استؤني بالعتق حتى يقبض الدين، وإن كان بعيد الغيبة أو على حاضر معدم وبيع المدبر للغرماء الآن، فإن قدم الغائب أو أيسر المعدم والعبد بيد الورثة عتق في ثلث ذلك بعد قضاء ذلك الدين، واختلف إن خرج عنهم ببيع.
فقال ابن القاسم في العتبية: يكون ما يتقاضى للورثة ولا شيء للمدبر فيه.
وقال عيسى وأصبغ: يعتق منه حيث كان، وهو ظاهر المدونة، والمعتق بعد موت

الجزء: 10 - الصفحة: 363

سيده كمن أعتق وعليه دين وله مال غائب بعيد الغيبة للغرماء والمعتق، فإن بيع لم ينقض البيع إن أتى ذلك لمال، وإن طرأ للسيد مال لم يعلق به نقض البيع إن كان بالبلد أو قريب الغيبة، ويختلف إن كان بعيد الغيبة في موضع لو علم به لبيع ولم بنتظر ذلك المال حسبما تقدم لو علم به.
وفيها مع غيرها: لا يجوز بيع المدبر.
الشيخ عن الموازية: ولا هبته ولا الصدقة به.
الصقلي: روى محمد إذا فسدت المدبرة بالزنا وكثرة الإباق فلا تباع، وإن رضيت وإن كان يبدل غيرها ولتؤدب على ذنوبها.
وفي نوازل ابن الحاج: كان ابن لبابة يجيز بيع المدبر إذا تخلق من مولاه وأحدث أحداثًا قبيحة لا ترضى، ذكره أبو عمر عنه على ما روي عن عائشة، وأول ابن رشد، فعل عائشة: بأنها رأت بطلان تدبيرها بأنها أرادت قتلها بالسحر، وذلك بين من قولها: أرادت تعجيل العتق، فحرمتها منه كحرمة القاتل الميراث.
وسمع أصبغ ابن القاسم: من باع مدبرا ففات استرجاعه وجهل ما صار إليه جعل كل ثمنه في مدبر ليس كفواته بالعتق، والموت يكون له قيمته على الرجاء والخوف في الموت ويجعل الفضل في مدبر، أو يعين به في عتق إن لم يبلغ به تدبيرًا، وليس عليه في فوته بالعتق قليل ولا كثير؛ لأنه صار إلى خير مما كان فيه.
وقاله أصبغ كله: وذلك من الذي عمي خبره احتياط لا واجب عندي، والقياس: أنه إذا استبرأ أمره وأيس منه كالموت، ولا يكون الموت أحسن حالاً؛ إنما هو بين أمرين عتق أو موت، كامرأة المفقود حين عمي خبره، جعل كموته في عدتها.
ابن رشد: قول أصبغ القياس: إذا عمي أمره أنه كالموت غلط بين؛ لأنه يخشى أن يكون حيًا لم يمت ولم يعتق، وكذا قال محمد: قول أصبغ غلط، وتفرقة ابن القاسم بين العتق والموت هو نص المدونة.
وقال التونسي: القياس أن يكون كل ثمنه لبائعه في موته كالعتق، قال: وكان القياس أن يشتري بكل الثمن مدبرًا مكان الأول، فيكون له منه خدمته حياته كما كان

الجزء: 10 - الصفحة: 364

له من الأول؛ لأنه إذا أخذ من ثمن الأول قيمته على الرجاء والخوف ناجزًا فقد حصل له أكثر مما كان له في الأول، إذا لم يكن له سوى خدمته، هذا معنى قول أبي محمد إسحاق دون لفظه، وهذا الذي قاله هو قول ابن كنانة في المنية، قال في الذي يبيع المدبر فيفوت بعتق أو غيره دون أن يتمخى من ثمنه.
قال عيسى عن ابن القاسم: هو له حلال يصنع به ما شاء، وروية عيسى هذه في المدنية هو الذي قاله التونسي من أنه لا فرق بين الموت والعتق لبطلان التدبير في الوجهين معًا، والذي اخترته أنا وبينت وجهه أنه يجب عليه أن يتمخى من الزائد على قيمته على الرجاء والخوف، فيجعله في مدبر فيتحصل فيها أربعة أقوال.
أحدها: لا يجب عليه أن يتمخى من شيء من ثمنه في الوجهين معًا.
والثاني: يجب ذلك عليه في جميع ثمنه في الوجهين معًا.
والثالث: أنه يجب ذلك عليه فيما زاد على الرجاء والخوف على قيمته في الوجهين معًا.
والرابع: الفرق بين الموت والعتق، ورواية عيسى عن ابن القاسم في المدينة تنحو إلى قول ابن نافع، واختار محمد بن خالد في سماعه من كتاب الولاء على ما حمله عليه بعض أهل النظر، وه صحيح.
وفيها: وإذا جنى المدبر وله مال، دفع ماله لأهل الجناية، فإن لم يكن له مال، قيل لسيده: أسلك خدمته أو افدها بباقي الجناية، وليس لسيده إسلامه في جنايته لقولها: وإذا جنى المبتل في المرض لم يسلم في جنايته؛ لأنه قد يعتق بعضه إن مات سيده، ولا مال له غيره.
ولدليل قولها: وإن جنى مدبر الذمي والمدبر ذمي، فله إسلامه عبدًا إذ لا أمنعه بيعه.
وفيها: إن مات سيده والثلث يحمله، عتق وأتبعوه بما بقي لهم، وإن لم يترك غيره عتق ثلثه واتبعوه بثلث ما بقي لهم، وخير الورثة في فداء ما رق منه أو إسلامه.
التونسي: ولسيده متى شاء أن يقاص أهل الجناية بما أخذوا من الخدمة، ويدفع لهم

الجزء: 10 - الصفحة: 365

بقية الجناية؛ لأن دفعه الخدمة ليس بإسلام لجملتها؛ لأنه إذا استوفى المجني عليه أرشه رجع باقي الخدمة إلى السيد.
وقيل: إن سيده يخير في أن يسلم جملة الخدمة أو يفتديها؛ لأن ذلك القدر الذي يملك منه، وعلى هذا ليس له رجوع بعد أن أسلمها، وأنه مات سيده وخرج من ثلثه لم يتبع بشيء من بقية الجناية؛ لأن المجني عليه لما ملك جملة الخدمة كان زيادتها له ونقصها عليه، وإن لم يترك الميت غيره فعتق ثلثه ورق ثلثاه، فإن المجني عليه لا يتبع الثلث المعتق منه بشيء، وإن الورثة لا يخيرون فيما رق منه؛ لأن سيده لما أسلم الخدمة أسلم ما يكون عنها من رقبة.
وفيها: وأما المدبر يجني فتسلم خدمته، ثم يجني على آخر، فإنه يحاص الأول في الخدمة، ولا يجبر سيده ههنا، ولا من أسلم إليه بخلاف العبد.
وقال للخمي: قال مالك: في العبد يدني جناية فلم يفتده سيده حتى جنى قال: يخير في افتدائه بالجنايتين، أو يسلمه فيتحاصان فيه بقدر الجنايتين، وعلى القول إنه بالجناية الأولى ملك للمجني عليه حتى يفتديه منه يخير الأول بين أن يفتديه أو يسلمه إلى الثاني.
وفيها من غيرها: وولد من أمته يحمل بعد تدبيره مدبرًا لوجوب تبعية الولد أباه من أمته في حريته.
وفيها من غيرها: دليل كونه بعد تدبيره ولادته لستة أشهر فأكثر من يوم تدبيره، وتقدم للخمي في هذا الأصل.
وفيها مع غيرها: ما ولد للمدبرة بمنزلتها والمحاصة بين الآباء والأبناء في الثلث ويعتق محمل الثلث من جميعهم بغير قرعة.

الجزء: 10 - الصفحة: 366

وفيها مع غيرها: وإذا دبر حاملاً فولدها مدبر لمنزلتها.
ابن عبد السلام: هذا مخالف لحمل أم ولد المدبر؛ لأن حمل المدبرة جزء منها بحيث لو استثنى ما نفع، وحمل أم ولد المدبر ليس بجزء منه.
قلت: في قوله: (أم ولد المدبر) مسامحة؛ لأنها ليست أم ولد له، وعبارة المدونة هي الصواب.
فيها في كتاب المكاتب: وما ولد للمعتق إلى أجل وللمدبر من أمته بعد ما عتق له ذلك بمنزلته، وما ولدته قبل ذلك أو كانت أمته حاملاً به حين العقد فرفيق، فانظر قوله: أو كانت أمته، وقوله: لأن حمل المدبرة جزء منه لم يزل ذوو النباهة يتعقبون هذا الإطلاق ويقولون: لو كان كالجزء لعتقت بعتقه لاتفاق المذهب على أن من اعتق أو دبر جزءًا من أمته لزمه ذلك في جميعها، وإذا اعتق جنينها أو دبره لم يلزمه فيها عتق ولا تدبير.
وفي أمهات الأولاد منها: قال ابن القاسم: وكل ما ولد لمكاتب أو مدبر من أمته مما حملت به بعد عقد التدبير أو الكتابة، فهو بمنزلته يعتق مع المكاتب في الأداء ومع المدبر في الثلث، فإذا عتقا كانت الأم أم ولد بذلك لهما كان الولد الآن حيًا أو ميتًا، وقاله مالك.
ولمالك قول آخر: إنها لا تكون بذلك أم ولد، وقاله أكثر الرواة في المدبر خاصة إذا كان لسيده انتزاعها، وأما المكاتب فهي أم ولد إذا عتق إذ كان السيد ممنوعًا من ماله وليس للمكاتب بيعها، وإن أذن له سيده إلا أن يخاف العجز، وليس للمدبر أن يبيع أم ولده في حياة سيده إلا بإذنه ولسيده انتزاعها.
الصقلي: وقال أشهب وعبد الملك: لا تكون أم ولد في مكاتب ولا مدبر ولا معتق إلى أجل.
قال محمد: وهو القياس، وربما غلب الاستحسان في بعض العلم، وقول مالك وابن القاسم أحب إلىَّ.
وفي التفليس منها: والمدبر لسيد المدبر الصحيح انتزاعه ماله، ولو فلس وليس

الجزء: 10 - الصفحة: 367

لغرمائه جبره على ذلك، أو على انتزاع أم ولده.
وقال اللخمي ما نصه: له في تفليسه انتزاع مال مدبره على المستحسن من القولين.
وقال ابن زرقون في ترجمة القضاء في أمهات الأولاد، سمع ابن القاسم: من حبس على رجل وشرطه له أن يباع لغرمائه جبره على بيعه، فعليه يجبرونه على انتزاع مال أم ولده.
وفيها: ليس له ذلك في مرضه، ولم أقف على ذكر خلاف في ذلك لمتقدم.
وقال ابن هارون: حكى ابن رشد: في المريض أن له انتزاع ماله؛ لأنه ينتزع لنفسه وأظنه لابن نافع، ولو أجده لابن رشد فانظره.
وقال ابن حارث في ترجمة باب من المدبر: واتفقوا في سيد المدبر يمرض أنه لا يجوز له أن ينتزع شيئًا من مال مدبره، قال: فإن وطئ في مرضه جارية مدبره فحملت منه؛ فقال ابن عبد الحكم: تكون أم ولد له، وقال بعض أصحابنا: يأخذها المدبر بغير ولع؛ لأنه ليس للسيد انتزاع ماله.
وسمع ابن القاسم: من دبر عبده، واشترط ماله بعد موته يعني موت السيد جاز.
ابن رشد: وسمعه أصبغ من ابن القاسم وقال به، فإذا مات السيد قوم المدبر ببدنه دون ماله ويصير ماله من أموال المسلمين، ومنعه ابن كنانة، وقال: ليس مما جاءت به السنة ويتبعه ماله.
وفيها: إن لم ينتزع السيد مال المدبرة حتى مات، قومت في الثلث بمالها، فإن حمل الثلث بعضها أقر المال كله بيدها.
الصقلي لسحنون عن ابن القاسم: إن كانت قيمتها مائة وما لها مائة، وترك سيدها مائة عتق نصفها، وبقى مالها بيدها؛ لأن قيمتها بمالها مائتان، وثلث السيد مائة، وقاله مالك.
ابن حبيب: ورواه الأخوان، وروى ابن وهب عن مالك وقاله: إنه يجمع هو وماله لمال السيد، فإن خرج من الثلث بماله عتق، وبقي ماله بيده وإن حمل الثلث رقبته

الجزء: 10 - الصفحة: 368

وبعض ماله، عتقه وكان له من ماله ما حمل الثلث مع رقبته، فإن لم يدع غير المدبر، وماله وقيمة رقبته مائة وماله ثمانمائة؛ عتق وكان له من ماله مائتان.
ابن حبيب: انفرد بهذا ابن وهب عن مالك وأصحابه، وبقول مالك أقول.

الجزء: 10 - الصفحة: 369

فصول الكتاب · 73 فصل · 48 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المختصر الفقهي لابن عرفة · 48 صفحة
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاةكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الحجكتاب الصيدكتاب الذبائحكتاب الأضاحيكتاب الأيمانكتاب الجهادكتاب النكاحكتاب الطلاقكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب الاستبراءكتاب الرضاعكتاب النفقةكتاب الحضانةكتاب البيوعكتاب الصرفكتاب بيوع الآجالكتاب بيع الخياركتاب الرد بالعيبكتاب البيوع الفاسدةكتاب العريةكتاب الجوائحكتاب السلمكتاب القرضكتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الحمالةكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب الاستلحاقكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب الغصبكتاب التعديكتاب الاستحقاقكتاب الشفعةكتاب القسمةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب المزارعةكتاب المغارسةكتاب الإجارةكتاب ضمان الصناعكتاب الجعلكتاب إحياء المواتكتاب الحُبُسكتاب اللقطةكتاب القضاءكتاب الشهاداتكتاب الدياتكتاب القسامةكتاب الجنايات باب البغىكتاب السرقةكتاب الحرابةكتاب العتقكتاب الولاءكتاب المدبركتاب الكتابةكتاب أم الولدكتاب الوصيةكتاب الفرائض
جارٍ التحميل