غرم ما لا يجب؟
فقال: ينوي شيئاً يجب رده الآن، ويبرأ من الإثم.
قلت: عزوه السؤال لابن دينار خلاف نقل ابن شاس عن ابن حارث عزوه لأحمد بن زياد، وذكر ابن حارث في كتاب المديان، كلفظ ابن شاس، وعزو ابن الحاجب وهمٌ؛ لأن ابن دينار، إما عيسى وإما عبد الرحمن وإما محمد، وكلهم لا يستقيم أن يَسأل ابن عبدون لعلو طبقتهم عنه؛ أما عيسى فهو أكبر من ابن عبدوس.
قال عياض وغيره: أنه أخذ عن مالك ولزم ابن القاسم.
وأما عبد الرحمن فقال عياض: لقي ابن القاسم في رحلته الأخرى، وروى عنه سماعه وعرض عليه المدنيَّة، وفيها أشياء من رأيه وكلاهما من أهل الأندلس، وذكرهما في طبقة سَحنون.
وأما محمد فقال فيه عياض إنه صحب مالكاً، وابن هرمز، روى عنه ابن وهب.
قال ابن عبد البر: كان مفتي أهل المدينة مع مالك وعبد العزيز.
وأما ابن عبدوس فقال فيه عياض: هو محمد بن إبراهيم بن عبدوس كان من كبار أصحاب سَحنون، وهو أحد المحمدين الأربعة الذين اجتمعوا في عصر من أئمة مذهب مالك لم يجتمع في زمان مثلهم؛ اثنان مصريان، ابن عبد الحكم وابن المواز واثنان قرويان؛ ابن عبدوس وابن سَحنون.
والحق ما ذكره ابن حارث وهو أحمد بن أحمد بن زياد الفارسي.
قال عياض: صحب ابن عبدوس وابن سلام والقاضي ابن مسكين، وكان يكتب له السجلات سمع منه ابن حارث وأحمد بن حزم وأبو العرب وغيرهم.
قال أبو العرب: كان عالماً بالوثائق، وضع فيها عشرة أجزاء، أجاد فيها.
ابن شاس: إن ادعى عليه ملكاً فقال: ليس لي إنما هو وقفٌ على الفقراء، أو على ولدي، أو هو ملك لطفل لم يمنع ذلك إقامة البينة للمدعي إن لم يثبت ما ذكر فتقف المخاصمة على حضور من ثبتت له عليه الولاية.
قلت: ما ذكره هو مقتضى أصول المذهب، ومقتضى إقراره بذلك لحاضر أو
غائب، ولا أعلم من ذكر نفس المسألة التي ذكرها إلا الغزالي في الوجيز.
المازري: لو قال: هي لفلان، وهو حاضر فصدقه سلم له المدعى فيه، والخصومة بينه وبين المدعي، وللمدعي إحلاف المقر أنه ما أقر به لإتلاف حقه إذا لو اعترف أنه أقر بالباطل، وأن المقر به إنما هو لمدعيه لزم الغرم، فإن حلف أنه لم يقر إلا بالصدق، ولا حق فيه للمدعي، سقط مقال المدعي، فإن نَكَل عن اليمين فهاهنا اختلف الناس ها يستحق بيمينه غرامة المقر لإتلاف بإقراره ما اقر به أم لا؟
لأنه لم يباشر الإتلاف، وإذا توجهت الخصومة بين المدعي، والمقر له وجبت اليمين على المقر له، فإن نَكَل حلف المدعي وثبت حقه، فإن نَكَل فلا شيء له عليه، وهل تحليف المقر أم لا؟
قال ابن عبد السلام: ليس له ذلك؛ لأنها لو وجبت لكان للمقر النُكُول عنها، وإذا نَكَل عنها لم يكن للمدعي أن يحلف؛ لأنه قد توجه عليه هذا الحلف ونكل عنه.
قلتُ: ونحوه قول عياض فى الوكالات: إذا اطلع بائع السلعة من وكيل على شرائها على زائف في الثمن فأحلف الآمر فنكل فوجبت اليمين للبائع، وليس له أن يحلف المأمور.
عياض: لأن نكوله عن يمين الآمر نٌكٌول عن يمين المأمور.
قال المازري: ولو أقر به لغائب لا يعذر إليه لبعد غيبته لم يستحقه المدعي بذلك اتفاقاً، فإن أراد تحليفه
سئل، فإن قال: رجاء أن ينكل فأحلفه وأغرمه قيمته جرى على ما قدمناه من الخلاف في توجه الغرم عليه بإقراره به لغيره دون مباشرة إتلاف فمن أغرمه يحلفه ومن لا فلا، وإن قال: رجاء أن ينكل فأحلف، وأستحق نفس الثوب، فذكر ابن سَحنون: من ادعي عليه بدار في يده، فقال: هي لفلان الغائب، فإن حلف بقيت الدار بيده، وإن نَكَل أخذها المدعي دون يمين حتى يقدم الغائب بإقرار المقر، واختار بعض أشياخي إسقاط اليمين عن المدعي عليه إن لم يدع عليه المدعي أنه أودعه السلعة أو رهنه إياها؛ لأنه لا يلزمه أن يحلف لإثبات ملك غيره، ومن الناس من قال: إن نَكَل عن اليمين حلف المدعي، وأخذ المدعى فيه حتى يقدم الغائب فيخاصمه؛
وكأنه رأى أن هذا صيانة لقاعدة الشرع؛ لأنه لو منعنا المدعي من المدعى فيه، ولم يحلف المدعى عليه لم يشأ أحد أن يصرف خصمه عن طلبه من غير أن يمكنه مما ادعى فيه، ولا يحلف له إلا فعل ذلك بأن يضيف المدعى فيه لغائب، ثم ذكر فروعاً لم يضف أقوالها للمذهب فلا ضرورة لذكرها.
قال ابن الحاجب: فإن كان غائباً لزمته اليمين أو البينة، وانتقلت الحكومة إليه، فإن نّكَل أخذه بغير يمين.
قلتُ: ضمير لزمته اليمين يجب عوده على المقر وضمير (إليه) عوده إلى الغائب، والضمير المستكن في (نكل) عائد على المقر، وفي (أخذ) عائد على المدعي، والضمير المفعول (بأخذه) عائد على المدعى فيه، بهذا يستقيم موافقته لما تقدم عن المازري ونحوه لابن شاس، ولا يخفى على منصف إجمال كلام ابن الحاجب، ولو جاء بهذه الضمائر مظهرة كان أولى به.
[(
باب النكول
]
امتناع من وجب عليه أو له يمين منها.
قال ابن الحاجب: ويجري فيما يجري فيه الشاهد واليمين.
قلتُ: فاعل (يجري) ضمير يفسره السياق عائد على حكمه المذكور بعد، وهو إثباته القضاء على الناكل بنكوله مع يمين المدعي، ولا يخفى إجمال دلالة قوله على
هذا المعنى.
الشَّيخ لابن سَحنون عنه: قال مالك: ولكنه لا يجب الحق بنكول المدعى عليه حتى يحلف المدعي، ولم يختلف في ذلك أهل المدينة.
قال مالك: وإن جهل ذلك الطالب ذكر له القاضي حتى يحلف الطالب.
قال أشهب: لم يختلف في ذلك أهل العلم، وقول ابن شاس: ويتم النُكُول بقوله: لا أحلف وأنا ناكل، وبقوله له: أحلف أو يتمادى على الامتناع من اليمين، الروايات والأقوال واضحة بصحته، وقول ابن شاس: إذا تم نكوله، ثم قال: أنا أحلف لم يقبل هو قولها.
قال مالك: إذا نَكَل مدعو الدم عن اليمين، وردوا الأيمان على المدعى عليه، ثم أرادوا بعد ذلك أن يحلفوا لم يكن لهم ذلك، وكذلك قال لي مالك فيمن أقام شاهداً على مال وأبى أن يحلف معه ورد اليمين على المطلوب، ثم بدا له أني حلف ليس له ذلك.
وسمع عيسى ابن القاسم في رسم الجواب من كتاب المديان: إن قال المدعى عليه للمدعي بعد أن طلب يمينه: احلف أنت وخذ، فإذا هم المدعي بالحلف.
قال المدعى عليه: لا أرضى بيمينك، ما ظننتك تحلف لا رجوع للمدعى عليه كان ذلك عند السلطان أو غيره.
ابن رُشْد: مثله في كتاب الدعوى والصلح.
وفي كتاب الديات: ولا خلاف أعلمه في ذلك بعد أن يردها على المدعي، ولو نكل عنها، ولم يردها عليه، ففي كونه كذلك وصحة رجوعه قولان؛ لظاهر رواية عيسى عن ابن القاسم في المدنيَّة مع ظاهر قولها في الديات، وظاهر قول ابن نافع في المدنيَّة.
قلتُ: ومثله في رسم القبلة من سمَاع ابن القاسم في الديات بزيادة إلا أن يكون لهم عذر بين.
سَحنون: مثل أن يزعموا أن الميت عليه دين أو يكون أوصى بوصايا.
ابن رشد: تفسير سحنون بين، لأنه إذا أبى أن يحلف مع شاهده على حق يدعيه لميته لأجل أنه قيل له أنه أوصى بوصايا أو عليه دين، ثم علم أنه ليس على الميت دين، ولا أوصى بشيء والعذر في القسامة غير هذا، وقوله: إن لهم أن يرجعوا إلى القسامة إن كان لهم عذر ينبغي أن يحمل على التفسير لما في المدونة من كتاب الديات، وفي تعليقه أبي عمران في المدعي عليه يلتزم اليمين، ثم يريد الرجوع إلى إحلاف المدعي أن له ذلك، لأن التزامه ليس أشد من التزام الشرع له.
قال: وخالفني ابن الكاتب، وقال: ليس له رد اليمين، وقول ابن شاس: ونكول المدعي بعد نكول المدعي عليه كحلف المدعي عليه هو نص الروايات فيها، وفي غيرها، ومثله قول ابن الحاجب، وكذلك لو ادعى أنه قضاه، ثم نكل بعد نكوله لزمه.
الشيخ عن ابن عبد الحكم: إن قال من وجبت عليه يمين: اضرب لي أجلاً لأنظر في حسابي وأمري أمهل بقدر ما يراه، وفي طرر ابن عات الشعباني: إن طلب من وجبت عليه يمين أن يؤخر بها اليومين والثلاثة، لينظر في محاسبته فله ذلك، ولا يزاد على ذلك، ثم ذكر قول ابن عبد الحكم قال: وقال غيره: ليس له ذلك إلا برضا الطالب وإذنه، لأن على القاضي إنفاذ الحق على الخصم إذا وجد لذلك سبيلاً.
قلت: فالأقوال ثلاثة، وتقييد ابن شاس تأخيره بكفيل بوجهه صواب، يريد: ويغرم المال بعد حلف المدعي إن لم يأت به، ولم يحك ابن الحاج في نوازله إلا القول بعدم تأخيره، وأما عكس هذا، وهو أن يطلب المدعي تأخير حلف المدعي عليه، ففي نوازل ابن الحاج: ليس له ذلك إلا برضا المطلوب، وهو مقتضى قول ابن عات في طرره: من وجبت له يمين على رجل فتغيب عن قبضها، وكل القاضي من يتقاضاها إذا ثبت عنده مغيبه، ويشهد على ذلك.
ابن زرقون: اختلف في توجه يمين التهمة، فمذهب المدونة في تضمين الصناع والسرقة: أنها تتوجه، وعلى الأول فالمشهور لا تنقلب، وفي سماع عيسى من كتاب الشركة أنها تنقلب.
قلت: هو كلام ابن رشد.
الباجي: إن ادعى المودع تلف الوديعة، وادعى المودع تعديه عليها صدق المودع إلا أن يتهم فيحلف، قاله أصحاب مالك.
قال ابن عبد الحكم: فإن نكل ضمن، ولا ترد اليمين هنا.
ابن رزقون: وفي توجيه يمين الاستحقاق على المستحق أنه ما باع، ولا وهب، ولا خرج عن ملكه بوجه من الوجوه على البت كان المستحق ربعا أو غيره، ثالثها: إن كان المستحق غير ربع للمشهور، وابن كنانة، وبعض شيوخ ابن أبي زمنين، وهذا الخلاف على قولي المدونة في استحقاق بعض الورثة داراً من سبب مورثه، فبقول ابن القاسم يقضى لهذا القائم بحصته فقط، وعلى القول أنه لابد من يمين المستحق، وقول مالك وأشهب تنزع الدار من المطلوب لبقية الورثة على أنه لا يحلف على استحقاق الربع، وقول ابن كنانة: إنما يصح والمطلوب حاضر لا يدعي شيئاً، فإن غائباً فما أراه يقول ذلك.
باب الخلطة
الخلطة: حالة ترفع بعد توجه الدعوى على المدعي عليه لا لسوء غرضه،
فتخرج حالة توجه دعوى السرقة والعداء.
المازري: قال المتقدمون كابن القاسم: الخلطة أن يبايع إنسان إنساناً بالدين مرة واحدة، أو بالنقد مراراً، وقال البغداديون من أصحابنا: إنما المعتبر كون الدعوى تشبه.
قال القاضي عبد الوهاب: من أصحابنا من قال: هي أن تكون الدعوى تشبه أن يدعى بها على مثل المدعي عليه.
وقال بعضهم: هي أن يشبه أن يعامل المدعي المدعي عليه في مثل ما ادعى عليه به، وهذان الحدان متقاربان، أحدهما راعى الشبه في جنس المدعي فيه، والآخر راعاه في جنس المدعي والمدعي عليه والمدعي فيه، والتحقيق اعتبار قرائن الأحوال في النوازل ولابن رشد في سماع أصبغ قوله في هذا السماع المبايعة الواحدة ليست بخلطة حتى يبايعه مرة ومرة، وفي سماع يحيى من الشهادات ما ظاهره أن المعاملة الواحدة خلطة، وقيل: معنى رواية يحيى أنها مضافة لمعاملة قبلها، ولا أقوال أنها مخالفة ولا مفسدة، بل معنى هذا السماع أنهما قابضاً وتناجزاً، وسماع يحيى على أن المعاملة بالدين والمبايعة بالنقد مع التناجز ليست خلطة وبالدين خلطة، وبالنقد دون مناجزة في شهادات المدونة أنها ليست بخلطة، وفي الموازية أنها خلطة قال: وثبوتها بما ثبتت الحقوق من شاهدين أو شاهد وامرأتين، وفي ثبوتها بشاهد واحد، ثالثها: مع اليمين، ورابعها: شاهد وامرأة لهذا السماع مع نوازل سحنون، وابن كنانة مع ابن القاسم أيضاً، وابن
نافع، وسماع حسين بن عاصم.
الباجي عن المغيرة وسحنون: لا تثبت بين أهل الأسواق حتى يتبايعوا، والاجتماع بالمسجد للصلاة، والأنس، والحديث لا يثبتها، وفي الموطأ أن عمر بن عبد العزيز كان إذا جاءه الرجل يدعي حقاً على رجل آخر، فإن كان بينهما مخالطة أو ملابسة أحلف المدعي عليه.
قال مالك: وعليه الأمر عندنا، ومثله في كتاب ابن سحنون.
قال سحنون: حدثني ابن نافع عن حسين بن عبد الله عن أبيه عن جده عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر" إذا كان بينهما خلطة.
قال أبو عمر: ليس في شيء من الآثار المسندة اعتبار الخلطة.
ابن رشد في سماع أصبغ مذهب مالك، وكافة أصحابه الحكم بالخلطة.
قلت: ومثله عمل القضاة عندنا عليه، ونقل لي شيخنا ابن عبد السلام عن بعض القضاة أنه كان لا يحكم بها إلا إن طلبها منه المدعي عليه.
الباجي: إن كانت الخلطة بتاريخ قديم، وانقطعت، فقال أصبغ وسحنون: حكمها باق، وقال محمد: لا يحلف إلا بخلطة ثانية مجددة، وإن قضى عليه بمائة اليوم أقام عليها بينة ثم ادعى عليه من الغد بحق آخر، فلا يمين عليه بسبب تلك الخلطة لانقطاعها حتى يثبت خلطة، ثم ينقطع أمرها.
عبد الحق عن أصبغ: خمسة يجب عليهم الإيمان دون خلطة: الصائغ والمتهم بالسرقة، ومن قال عند موته: لي على فلان دين، ومن يمرض في الرفقة فيدعي أنه دفع ماله لرجل، ولو كان المدعي عليه عدلاً غير متهم، ومن ادعى عليه رجل غريب نزل بمدينة أنه استودعه مالاً، وكذا نقلها ابن سهل، ونقلها ابن رشد غير معزوة
كأنها المذهب.
الباجي: عن يحيى بن عمر: الصناع تتعين عليهم اليمين لمن ادعى عليهم في صناعتهم دون خلطة، لأنهم نصبوا أنفسهم للناس، يلزمه مثله في تجار السوق.
قال اللخمي في الصانع: هذا إن ادعى المدعي ما يشبه أن يتجر به أو لباسه أو لباس أهله، وإلا لم يحلفه، ويراعي في الوديعة ثلاثة أوجه: أن يكون المدعي يملك مثل ذلك جنساً وقدراً، وثبوت ما يوجب الإيداع ليس الغالب من المقيم ببلده أن يودع ماله إلا لسبب خوف أو طلب سلطان أو سفر بخلاف الطارئ، وأن يكون المدعي عليه ممن يودع مثل ذلك.
عبد الحق: قال بعض شيوخنا: لا تعتبر الخلطة في الأشياء المعينة إلا مثل أن يعرض رجل سلعته في السوق للبيع، فيقول رجل: بعتها مني هذا تجب فيه اليمين، وقيل: تجب وإن لم تكن خلطة، وهذا عندي أبين، وعزاه الصقلي لابن مناس، وبعض القرويين.
قال يحيى بن عمر: وعليه تدل مسائلها في الشفعة منها إن أنكر المشتري الشراء، وادعاه البائع تحالفا، وفي سرقتها إن ادعى السارق شراء السرقة حلف له ربه، وفي القذف إذا ادعى شراء الأمة التي شهد عليه بوطئها حلف ربها، ولم يشترط في ذلك خلطة، وقال بعض شيوخنا: الخلطة معتبرة في المعينات، وغيرها إلا مثل أن يعرض الرجل سلعتها في السوق للبيع، فيأتي الرجل، ويقول: بعتها مني فيحلف دون خلطة.
وفيها: من أقامت بيده دار سنين ذوات عدد يحوزها، ويمنعها، ويكريها، ويهدم ويبنى فأقام رجل بينة أنها له أو لأبيه أو جده، وثبتت المواريث، فإن كان حاضراً يراه يبني، ويهدم ويكري فلا حجة له، وإن كان غائباً، ثم قدم فقد تقدم الجواب فيها.
ابن القاسم: وكذا من حاز على حاضر عروضاً أو حيواناً إذا كانت الثياب تلبس وتمتهن والدواب تركب، والأمة توطأ، ولم يحد لي مالك في الحيازة في الربع عشر سنين ولا غير ذلك.
قال ربيعة: حوز الحاضر عشر سنين تقطع دعوى الحاضر إلا يقيم بينة أنه إنما
أكرى أو أسكن أو أعار ونحوه، ولا حيازة على غائب.
قال بن رشد في رسم يسلف من سماع ابن القاسم من كتاب الاستحقاق: الحيازة لا تنقل الملك عن المحوز عليه للحائز اتفاقاً لكنها تدل على الملك كإرخاء الستر، ومعرفة العفاص، والوكاء، فيكون القول قول الحائز مع يمينه لقوله صلى الله عليه وسلم: "من حاز شيئاً عشر سنين فهو له" واختلف إن كان الحائز وارثاً.
قيل: هو كمورثه في مدة الحيازة، وأنه لا ينتفع بها دون أن يدعي الوجه الذي تصير به إلى موروثه، قاله مطرف وأصبغ، وقيل: مدته في الحيازة أقصر، وليس عليه أن يسأل عن شيء، لأنه يقول: ورثت ذلك، ولا أدري ما يصير ذلك إليه، وهو ظاهر سماع عيسى ابن القاسم، وقول ابن الماجشون: وهو أبين والمدة ينبغي أن يستوفي فيها الوارث والموروث، وتضاف مدة حيازة أحدهما للآخر، واختلف على القول بأن العشرة الأعوام ليست بحوز، ولو مع الهدم، والبنيان إن طالت مدة يبيد فيها الشهود، وهي العشرون عاماً على اختلاف في ذلك، فقيل: القول قوله في البيع والهبة والصدقة، وهو سماع عيسى ابن القاسم في القسمة، وقيل في البيع فقط لا في الهبة، والصدقة والنزول، وهو سماع عيسى ابن القاسم في هذا الكتاب، وأضعف الحيازة حيازة الأب على ابنه وابنه عليه فحيازة أحدهما على الآخر بالسكني، والازدراع لغو وهي أضعف وجوه الحيازة، ومعتبرة بالتفويت بالبيع والهبة والصدقة والعتق والتدبير والكتابة اتفاقاً فيهما، وفي لغوها بالهدم والبناء والغرس، وهي المرتبة الثانية في الحيازة قولان:
أحدهما: لا حيازة له بهما، قاله مالك في هذه الرواية، والمشهور، يريد: إلا أن يطول الأمر جداً لما تهلك فيه البينات، وينقطع فيه العلم.
والثاني: أنها حيازة قام عليه في حياته أو على سائر ورثته في مماته، وهو قول ابن دينار في كتاب الجدار، والواضحة، وقول مطرف: (وحوز الأقارب الشركاء بإرث وغيره)، وهي الموالية في الضعف لحوز الأب على ابنه، وعكسه لا تكون بالسكنى،
والازدراع اتفاقاً، إلا على ما تأوله بعضهم على قوله في المدونة، وهذا من وجه الحيازة التي أخبرتك من أنه لا فرق في الحيازة بين الأقارب والأجنبيين، وهو بعيد، وتكون بالتفويت بالبيع والهبة والصدقة والعتق والكتابة والتدبير والوطء، وإن لم تطل المدة اتفاقاً على الجملة، وتفصيل ذلك أنه إن فوت الكل بالبيع، والمحوز عليه حاضر للصفقة فسكت حتى انقضى المجلس لزمه بيع حصته وله ثمنها، وإن سكت بعد انقضاء المجلس حتى مضى العام ونحوه، استحق البائع الثمن بالحيازة مع يمينه أنه انفرد به بالوجه الذي يذكر من ابتياع أو مقاسمة أو شبه ذلك، وإن لم يعلم بالبيع إلا بعد وقوعه، فقام حين علم أخذ حقه، وإن لم يقم إلا بعد العام ونحوه لم يكن له إلا الثمن، وإن لم يقم حتى مضت مدة أخذه لم يكن له شيء، واستحقه الحيازة بما ادعاه لحيازته إياه، وإن فوته بالهبة والصدقة أو العتق أو التدبير، فإن كان حاضراً وسكت حتى انقضى المجلس فلا شيء له، فإن لم يكن حاضراً، وقام حين علم فهو على حقه، وإن لم يقم إلا بعد العام ونحوه فلا شيء له، وإن فوته بالكتابة تخرج على الخلاف في الكتابة هل تحمل محمل البيع أو العتق، وكذا إن حاز الكل بالوطء، والاتخاذ بعلم المحوز عليه من الورثة فهي حيازة، وإن لم تطل المدة، فإن حاز بشيء مما ذكرناه الأكثر، فالحكم فيه على ما تقدم، ويختلف في الباقي على قولين: أحدهما: أنه تبع للأكثر يستحقه مع يمينه على ما ادعاه، وهو سماع يحيى ابن القاسم إلا أنه لم يذكر اليمين.
والثاني أنه لا يكون تبعاً فيكون للمحوز عليه حقه بعد يمينه على تكذيب صاحبه في دعواه، وهو ظاهر سماع سحنون ابن القاسم إذ لم يفرق فيه بين قليل وكثير بحيازته، فحمله الشيوخ على الخلاف لسماع يحيى، وإن حاز بشيء مما ذكرناه الأقل، فقيل: يستحقه بحيازته ويكون تبعاً لما لم يحز يأخذ المحوز عليه حقه فيه إن كان عبداً فأعتق كان له قيمة حظه على الذي أعتقه، وإن بيع كان له حظه من الثمن الذي بيع به، وإن وهب أو تصدق أخذ حظه منه إلا أن لا يجده، فيكون له قيمة حظه منه على الذي وهب
أو تصدق، وهو سماع يحيى ابن القاسم، وإن فوت بشيء من ذلك النصف أو ما قاربه لم يكن ذلك بعض تبعاً لبعض، فاستحق الحائز ما حاز منه، وما لم يحز بينهما على الإرث، ويحتمل أن يؤول سماع سحنون على أن الذي حازه الوارث بهذه المعاني متناصف أو متقارب فلذلك قال: لا يكون القليل تبعاً للكثير لا فيما حاز، ولا فيما لم يحز، فلا يكون على هذا سماع سحنون مخالفاً لسماع يحيى، ولا يكون خلافاً في أن القليل تبع للكثير لا فيما حاز، ولا فيما لم يحز، فلا يكون على هذا سماع سحنون مخالفاً لسماع يحيى، ولا يكون خلافاً في أن القليل تبع للكثير فيما حيز، وما لم يحز على ما في سماع يحيى، وهو أولى مما حمله عليه الشيوخ من الخلاف، وكذا القول فيما حازه الوارث على وارثه بالهدم والبناء أو الاستغلال العشرة الأعوام على أنها حيازة بين الورثة يختلف هل يكون القليل تبعاً للكثير فيما حيز، وما لم يحز على ما ذكرناه، ولا فرق في حيازة الوارث على وارثه بين الرباع والأصول والثياب والحيوان والعروض إنما يفترق ذلك في حيازة الأجنبي مال الأجنبي بالاعتمار والسكني والازدراع في الأصول والاستخدام والركوب واللباس في الرقيق والدواب والثياب.
قال أصبغ: السنة والسنتان في الثياب حيازة إن كانت تلبس وتمتهن، والسنة والسنتان حيازة في الدواب إن كانت تركب، وفي الإيماء إن كن يستخدمن، وفي العبيد والعروض فوق ذلك، ولا يبلغ في شيء من ذلك كله بين الأجانب إلى عشرة أعوام كالأصول.
قال: وما أحدثه الحائز الأجنبي فيما عدا الأصول من بيع أو عتق أو تدبير أو كتابة أو صدقة أو إصداق أو وطء بعلم مدعيه أو بغير علمه، ولم ينكر حين بلغه استحقه الحائز بذلك هذا كله معنى قول أصبغ دون نصه، واختلف قول ابن القاسم في حيازة الشركاء بالإرث بعضهم على بعض بالهدم والبناء، فقال مرة: العشر سنين في ذلك حيازة، ومرة قال: لا إلا أن يطول ذلك أزيد من أربعين سنة كالأب على ابنه، وهو عليه وقع اختلاف قوله في سماع يحيى.
وحيازة بعض القرابة على بعض فيما يشرك بينهم فيه، جعلهم ابن القاسم مرة كالقرابة الأشراك فرجع عن قوله إن الحيازة بينهم في العشرة الأعوام الهدم والبناء، إلا
أنه لا حيازة بينهم في ذلك إلا مع الطول الكثير، ومرة يراهم بخلاف القرابة الأشراك فلم يرجع عن قوله: الحيازة بينهم في العشرة الأعوام مع الهدم والبناء، وهو دليل قوله في سماع يحيى، ثم رجع ابن القاسم فيما يحوزه الوارث على اشتراكه بالهدم والبناء، لأن فيه دليلاً أنه لم يرجع عن قوله فيما سواهم من الموالي والأصهار والقرابة الذين لا شرك بينهم، فيتحصل فيهما ثلاثة أقوال:
أحدهما: العشرة الأعوام مع الهدم والبناء حيازة فيهما.
والثاني: ليست حيازة فيهما إلا مع طول المدة.
والثالث: الفرق بينهما.
وحيازة: الموالي والأصهار والأختان فيما لا شرك بينهم فيه، فمرة جعلهم ابن القاسم كالأجنبيين تكون الحيازة بينهم بالعشرة الأعوام دون هدم وبناء، وهو سماع عيسى ابن القاسم في هذا الكتاب، ومرة جعلهم كالقرابة الذين لا شركة بينهم، فيتحصل فيهم ثلاثة أقوال:
أحدهما: كون الحيازة بينهم في العشرة الأعوام، وإن لم يكن هدم ولا بناء.
والثاني: لا تكون بينهم في العشرة الأعوام إلا مع الهدم والبناء.
والثالث: لا تكون الحيازة بينهم بالهدم والبناء إلا أن يطول الزمان جداً.
والأجنبييون الأشراك: لا حيازة بينهم في العشرة الأعوام إن لم يكن هدم ولا بناء، ويكون فيها مع الهدم والبناء، ولا يدخل في ذلك اختلاف قول ابن القاسم المذكور في سماع يحيى بدليل قوله فيه بين الورثة فخص، وقيل: يدخل فيه اختلاف قوله، وهو تأويل عيسى بن دينار في كتاب الجدار: وحيازة بعض الأجنبيين على بعض فيما لا شركة بينهم فيه، فالمشهور أن الحيازة بينهم في العشرة الأعوام، وإن لم يكن هدم ولا بناء.
وفي كتاب الجدار لابن القاسم: لا تكون حيازة إلا معها، ورواه حسين بن عاصم عنه، ودليل ما في رسم إن خرجت من سماع عيسى من هذا الكتاب، ويشهد لهذا قول عبد الرحمن بن عوف في الموطأ في الأرض التب مكثت في يد أبيه سنين فما كنت أراها
إلا لنا من طول ما مكث في يده، وصدر الشيخ باب الحيازة بتقريره أن مدلول عوائد الناس كالإقرار.
قلت: ومسائل المدونة واضحة به، وتقدم الكلام على اعتبار العادة الفعلية والقولية في كتاب الإيمان والنذور، فلذا قال ابن شاس في أثناء الحيازة مستدلاً على اعتبارها بقوله: لأن كل دعوى ينفيها العرف، وتكذبها العادة مرفوضة، قال الله تعالى: "وامُرْ بِالْعُرْفِ"] الأعراف: 199 [، وأوجب الشرع الرجوع إليه عند الاختلاف في الدعاوي كالنقد الحمولة والسير والأبنية ومعاقد القمط، ووضع الجذوع على الحائط.
وفي تحديد مدة الحيازة بعشر أو سبع، ثالثها: لا تحديد بمدة بل باجتهاد الإمام للشيخ عن ابن القاسم مع ابن وهب وابن عبد الحكم واصبغ وابن القاسم قائلاً: وما قارب العشرة مثلها، وسمعه يحيى.
قال ابن رشد: يريد بما قرب منها بالشهر والشهرين والثلاثة، وما هو ثلث العام فأكثر، وقيل: بالعام والعامين، ولابن سحنون عنه من أقام بينة أن قناته تجري على جاره مقدار سنة، فليس بحوز، ولو جرت عليه أربع سنين كانت حيازة.
قال: ومن لهما داران بينهما زقاق مسلوك بإحداهما كوة يرى منها ما في دار الآخر فبني جاره في داره غرفة، وفتح كوة قبالتها، فطلب صاحب القديمة سدها عليه فطلب الآخر سد القديمة، وهي منذ خمس سنين حلف صاحب الحديثة ما تركها إلا على معنى الجوار، وتسد الكوتان.
قلت: جوابه هذا خلاف جوابه في القناة، ولم يتعرض الشيخ، ولا الصقلي بمنافاته إياه، وقد يفرق بينهما بأن في الاطلاع حقاً لله بخلاف القناة.
الشيخ عن أصبغ: روى ابن كنانة وأما الدين يقيم عليه الزمان الطويل، فلا حوز فيه، ولا ينقطع بذلك ملكه.
قلت: ولابن أبي زمنين في اختلاف المتبايعين عن أصبغ إذا كان القول قول البائع في عدم قبضه الثمن، فالقول قوله ما لم يطل الزمان كثلاثين سنة، وكذا الديون، وإن عرف أصلها، ومن هي له، وعليه حاضر لا يقوم بدينه إلا بعد هذا الزمان، فيقول له:
قضيتك وباد شهودي.
قلت: لعل رواية ابن كنانة فيما ذكر حق الدين باق بيد ربه، وقول أَصْبَغ فيما لم يكن باقيًا بيده، وإلا فهو خلاف.
الشَّيخ عن أَصْبَغ: الغيبة علي مثل تسعة أيام ونحوها بعد، وما دونها قرب.
قلتُ: ووقع في سماَع يحيى تمثيل الغيبة البعيدة بالأندلس من مصر، وانظر ما تقدم في القرب والبعد في الحكم علي الغائب، ومن قرب كمن هو على أربعة أيام أو ثمانية في كونه بعلم الحوز عليه كقريب أو كبعيد الغيبة قولا ابن القاسم في سماعه عيسى أولًا، وثانيا قائلا: للناس أعذار في عدم القيام في مثل بعد الثمانية الأيام، وإن لم تعرف.
ابن رُشْد: حكى عيسى في كتاب الجدار قولى ابن القاسم، قال: وأحب إلي أن يكون علي قوله إلا أن يقدم وحقه في يد من حازه في غيبته، فعلم بذلك ثم رجع، ولم يذكر شيئًا حتى قام اليوم، وقد طال الزمان بعد أن علم فهو كالحاضر.
ابن رُشْد: وهذا الخلاف في القريب إنما هو إذا علم، وإن لم يعلم فلا حيازة عليه، وإن كان حاضرًا غير أنه في القريب محمول علي غير العلم حتى يثبت عليه، وفي الحاضر محمول على العلم حتى يتبين أنه لم يعلم، والقريب الذي فيه هذا الاختلاف ما كان على مسيرة ثمانية أيام ونحوها، والبعيد مثل الأندلس من مصر أو مصر من المدينة على ما في رسم الأقضية من سمَاع يحيى ابن القاسم.
الشيخ لابن سَحنون عنه: من أدخل من زقاق المسلمين شيئًا في داره، ولم يرفع ذلك إلى الحاكم إلا بعد عشرين سنة هدم ورد إلى الزقاق، ولا تملك الأزقة، ولا تحاز.
قال: وما أحدث في طريق المسلمين من كنف وحمامات، ولم يرفع ذلك إلى الحاكم إلا بعد عشر سنين فلا حوز فيه إلا أن يأتي من ذلك أمر قديم كستين سنة ونحوها فيترك؛ لأنه لا يعلم بأي وجه وضع، وتقدم الكلام في توجه يمين التهمة، فانظر الشَّيخ في كتاب ابن سَحنون: من ادعى على رجل جرحًا عمدًا أو خطأ، ولم يأت ببينة حلف المدعى عليه؛ يريد: إن كان لطخ، فإن حلف برئ، وإن نَكَل اقتص منه، وقال بعض العلماء: لا يقتص منه.
اللخمي: من ادعى على رجل أنه جرحه، فإن أتى بأثر الجرح، وهو متعلق به كان لطخًا وسجن، وإن ادعى ذلك عن يوم فرط لم يسجن إلا أن يأتي بلطخ.
وسمع أشهب: من أتى بشاهد واحد على رجل أنه شتمه لم يحلف في هذا مع الشاهد، فإن كان الشاتم معروفًا بالشتم والسفه عزر.
قيل له: أترى على المدعى عليه يمينًا قال: نعم، ولعساني أن أكون أراه، ولكن ليس كل ما رأى المرء أراد أن يجعله سنة يذهب بها إلى الأمصار.
ابن رُشْد: تفسير قول مالك أنه إن لم يكن المدعي عليه معروفًا بالشتم استحلف إلا أنه ضعف اليمين بقوله: (ولعساني وأن أكون ... إلخ)، والأظهر على أصولهم إيجاب اليمين فتضعيفها ضعيف، وقيل: يستحلف المدعى عليه إن كان للمدعى شاهد على دعواه عرف بالشتم والسفه أو لم يعرف بذلك، وهو ظاهر ما في رم الشجرة من سمَاع ابن القاسم من كتاب الحدود، وما في رسم الحدود من سمَاع أَصْبَغ منه، فإن حلف برئ، وإن نَكَل ففي سمَاع ابن القاسم المذكور يسجن أبدًا، حتي يحلف، وفي سمَاع أَصْبَغ المذكور إن طال سجنه جدَّا أو لم يحلف خلي سبيله ولم يؤدب، وقال أَصْبَغ: إن كان معروفًا بالأذى والفحش أدب، وإلا فأدبه حبسه الذي حبس، فهذه الرواية موافقة لما في السماعين المذكورين من كتاب الحدود من أن المدعي لا يحلف مع شاهده مخالفة لما فيهما من إيجاب اليمين على المدعى عليه على ضعفه في حال دون حال، وقيل: يحلف مع شاهده، ويحد له، قاله مُطَرِّف، وهو شذوذ، وتخرج فيهما قول ثالث أنه لا يحلف معه في الفرية، ويحلف معه فيما دونها من الشتم الذي يجب فيه الأدب.
وكذا اختلف في القصاص من جراح العمد بالشاهد مع اليمين في ثبوته به وعدمه مطلقًا، ثالثها: قصره على ما صغر منها دون ما عظم كقطع اليد لمالك في أقضيتها، وابن القاسم في شهادتها، وابن الماجِشُون مع روايته، واختيار سَحنون، وكذا اختلف إن لم يأت المدعي بشاهد، ولا سبب على دعواه في الشتم أو جراح العمد على ثلاثة أقوال:
أحدها: لا حلف علي المدعى عليه، وهو سمَاع ابن القاسم في كتاب الحدود، قاله في الفرية.
والثاني: عليه اليمين، قاله مالك في رسم العقول من كتاب الجنايات.
والثالث: لا يمين عليه إلا أن يكون مشهورا بذلك، وهو سمَاع أَصْبَغ ابن القاسم من الجنايات، فإن حلف علي رواية أشهب أو رواية أَصْبَغ إن كان مشهورًا بذلك برئ، وإن نَكَل سجن حتى يحلف ما لم يطل، فإن طال خلى سبيله، ولم يؤدب، وقال أَصْبَغ: إنه يؤدب إن كان معروفًا بالأذى علي أصله قال: وإن كان مبرزًا في ذلك؛ أي مشتهرًا به مبرزًا فيه جلد في السجن.
وفيها: إن حلف المطلوب، ثم وجد الطالب بينة، فإن لم يكن علم بها قضى له بها، وإن استحلفه بعد علمه ببينته تاركًا لها، وهي حاضرة أو غائبة فلا حق له، وإن قدمت بينته.
عياض: قوله: تاركًا لها هذا الترك عند أكثرهم هو ترك القيام بها مع علمه، ويدل عليه قوله: قيل في الحاضرة، وقال آخرون: لا يكون تركًا إلا بتصريحه بترك القيام بها.
قال فضل: ولو حلفه، ولم يذكرها، وعلم بعلمه بها، فقدمت فإن كانت حين حلفه بعيدة الغيبة بحيث لو رفعه للحاكم قضى له باليمين، ولم ينتظرها قضي له الآن بها، ونحوه لابن حبيب، وهذا يدل على صحة التأويل الثاني.
قال أبو إبراهيم: سقط تاركًا في بعض المواضع، فقيل: اختلاف.
الشَّيخ في كتاب ابن سَحنون: روى ابن وَهْب أن عمرًا رضي الله عنه ادعى عنده يهودي على مسلم فدعاه بالبينة، فقال: ما حضر في اليوم بينة فأحلف المطلوب، ثم جاء المدعي بعد ذلك بالبينة فقضي كمن بينته بعيدة الغيبة.
ابن سَحنون: روى ابن نافع إن أحلف وبينته حاضرة، وهو عالم بها فله القيام بها، وقاله أشهب في غير كتاب، وقاله آخر المسألة.
قال سَحنون: والقول قول صاحب الدين أنه لم يعلم ببينته صح في كتاب ابن
سهل لأحمد بن خالد، وابن أنس عن ابن وضاح لا عند غيرهم، ولا في كتاب ابن عتاب، وهو صحيح على الأصل.
قلتُ: قول أشهب هو سماعه في كتاب المديان.
ابن رُشْد: مثله في الموازيَّة لرواية ابن عبد الحَكم، وفي الثمانية للأخوين، وزاد ابن الماجِشُون أنه أثم حين أحلفه على الباطل، وبينته حاضرة يعلمها، وللأخوين في الواضحة خلاف قولهما في الثمانية مثل ما في المدَوَّنة.
الشَّيخ لابن حبيب عن الأخوين، وابن عبد الحَكم، وأَصْبَغ في المدعى عليه يحلفه المدعي حين لم يجد بينة، ثم أتى المدعي بشاهد، وأراد أن يحلف معه فليس له ذلك؛ لأنه لا تسقط يمين قد درئ بها حق بشاهد، ويمين، ولكن بشاهدين، وذكرها الصقلي، ولم يذكر فيها خلافًا، وذكرها اللخمي، وقال: قال ابن القاسم وغيره: يحلف مع الشاهد ويستحق، وقال ابن كنانة في الواضحة: ليس ذلك له، وعلله بما تقدم.
وسمع ابن القاسم: من اقتضى غريمه حقه فجحده بعضه وقال: إنما لك علي مائة دينار، وقال الطال: بل مائتا دينار وضاع كتابي، ولا أحفظه، وأشهدت عليك فصالحه على أن زاده على المائة وحطه من المائتين، ثم وجد كتابه بأسماء شهوده، فقام به، فإن عرف هذا من قوله فله نقض الصلح، ويغرم له بقيَّة حقه.
ابن رُشْد: قوله: إن عرف هذا منه؛ أي: عرف قوله قبل الصلح أن له ذكر حق وضاع، وما يعرف شهوده، ودليله إن لم يعرف ذلك منه لم ينتقض الصلح، وهو خلاف قولها في كتاب الصلح إذا صالحه، ولا يعرف له بينة أن له القيام ببقيَّة حقه إذا وجد بينة مثل قول مالك في كتاب الجدار، ويحتمل أن يكون معني قوله إذا عرف هذا من قوله رجع ببقيَّة حقه دون يمين، وإن لم يعرف ذلك منه فعليه اليمين أنه إنما صالحه، وكتابه قد ضاع، ولا يعرف شهوده فلا يكون هذا السماع خلاف ما في المدَوَّنة؛ بل يكون مفسرًا لها في إيجاب اليمين، وقرن في كتاب الجدار بين المسألتين، فيتحصل في نقض الصلح بالرجوع عليه في مسألتي وجود ذكر الحق والعثور علي البينة وعدم نقضه، ثالثها: في مسألة وجود ذكر الحق، ويحتمل حمل هذا السماع على ظاهره أنه ليس بخلاف
لما في المدَوَّنة، وإنما فرق بين المسألتين فيأتي على هذا التأويل، وهو تأويل ظاهر قول رابع: وهي التفرقة بعكس ما في كتاب الجدار، ولا خلاف أنه إن صالحه، ثم أقر له بحقه أن له الرجوع، ولا في أنه إن صالحه، وله بينة غائبة قريبة الغيبة يعلم بها أنه لا رجوع له عليه إذا قدمت بينته، واختلف إن كانت بعيدة الغيبة فاستحلفه أو صالحه، ثم قدمت بينته في صحة قيامه بها فيهما، ثالثها: في استحلافه لا في صلحه، وهذا قولها، ولم يُحَدّ ابن رُشْد القرب والبعد، وكأنه اكتفى بما تقدم في الحكم على الغائب.
وفيها: أولًا إن كانت بينته قريبة الغيبة على مثل اليومين والثلاثة، لم يحلفه إلا على إسقاطها.
وقال في باب الذي يدعي العبد في يد رجل أن الخمسة الأيام والسبعة والجمعة قريبة، وتقدم نحو هذا في فصل الحيازة، وفي فصل نقل الشهادة؛ فتذكر ذلك، وما به الترجيح في قياس الشبه.
[حفظ الدماء وموجب جناياتها]
روى مسلم عن أبي بكر عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب شهر مضر الذي بين جمادى وشعبان))، ثم قال: ((أي شهر هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: ((فأي بلد هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: ((أليس هذا البلدة الحرام؟)) قلنا: بلى، قال: ((فأي يوم هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: ((أليس يوم النحر؟)) قلنا: بلى يا رسول الله، قال: ((فإن دماءكم وأموالكم)) قال: وأحسبه قال: ((وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، فلا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فلعل بعض من يبلغه يكون له أوعي من بعض من سمعه))، ثم قال: ((ألا هل بلغت؟))، وفي أخرى: (وأعراضكم من غير شك)).
ابن رُشْد: عمد قتل المسلم عدوانا كبيرة ليس بعد الشرك أعظم منه، وفي قبول التوبة منه وإنقاذ وعيده مذهب الصحابة، وإليه ذهب مالك لقوله: لا تجوز إمامته.
قُلتُ: لا يلزم منه عدم قبول توبته لعدم علم رفع سابق جرئته، وقبول التوبة أمر باطن، وموجب منصب الإمامة أمر منه ظاهر.
وقال في سمَاع عيسى: قول مالك ليكثر العمل الصالح والصدقة والحج والجهاد، ويلزم الثغور من تعذر القود منه دليل على الرجاء عنده في قبول توبته خلاف قوله: لا تجوز إمامته.
قال: والقول بتخليده خلاف السنة، ومن ثوبته عرض نفسه علي ولي القتيل قودًا أو دية.
وفي كون القود منه كفارة له أو لا مذهبان وجه الثاني أنه لا نفع فيه للقتيل بل لوليه.
قلتُ: ونقل الأصوليون إجماع الملل علي حفظ الأديان والنفوس والعقول والأعراض والأموال، وذكر بعضهم أيضًا الأنساب بمحض عمد قتل المسلم عدوانًا يوجب ملك القود منه لمكافئه أو راجح عليه إن كان بالغًا عاقلًا.
باب في القتل
وقتله له بهدف نفسه بفعله ناجزًا أو بعد غمرته.
وفي التلقين: شرط طريانه على من تيقنت حياته، قال: فإن كان بما يقصد به غالبًا دون وسط في نظره فموجب اتفاقًا.
قال الباجي في المجموعة: روى ابن وَهْب العمد أن يعمد للقتل فيما يرى الناس.
قال في الموازيَّة: أو للضرب الذي به هلاك المضروب فيما يرى الناس.
قال في الكتابين: المجتمع عليه عندنا أن العمد إلى ضرب رجل بعصا أو برمي بحجر أو غيره فيموت فذلك يوجب القود، وروى ابن القاسم، وكذا طرح من لا يحسن العوم في نهر على وجه العداوة.
باب العمد في القتل
القتل العمد ما قصد به إتلاف النفس بآلة تقتل غالبًا، ولو بمثقل أو بإصابة المقتل كعصر الانثيين، وشده الضغط والخنق.
ابن الُصَّار: أو يطبق عليه بيتًا أو يمنعه الغذاء حتي يموت جوعًا.
قلتُ: للصقلي عن بعض القرويين منع من فضل مائه مسافرًا عالمًا أنه لا يحل له منعه، وأنه يموت إن لم يسقه قتل به، وإن لم يل قتله بيده.
وفيها: من تعمد ضرب رجل بلطمة أو لكزة أو حجر أو بندقة أو قضيب أو عصا أو غير ذلك ففي كله القود إن مات بذلك.
ثم قال: فيما قلت: إن شقت بطن رجل فأكل وشرب، وتكلم وعاش يومين أو ثلاثة، ثم مات من ذلك أفيه قسامة؟
قال: لم أوقف مالك على هذا، ولكنه قال: من مات تحت الضرب أو بقى بعده مغمورًا لم يتكلم، ولم يأكل ولم يشرب، ولم يفق حتى مات فلا قسامة فيه، وقال: من أكل وشرب وعاش ثم مات بعد ذلك ففيه القسامة؛ لأنه لا يؤمن أنه مات من أمر عرض له، وأما شق الجوف فلم أسمع منه فيه شيئًا، وأري إن أنفذ مقاتله وعلم أنه لا يعيش من مثل هذا إنما حياته خروج نفسه فليس فيه، وما أشبهه قسامة، وقد قال مالك في الشاة يخرق السبع بطنها فيشق أمعاءها فتنتشر أنها لا تؤكل؛ لأنها لا تحيا على كل حال.
وسمع سَحنون ابن القاسم في كتاب العتق: من شقت جوفه أو أمعاؤه أو ذبح فمات ولده حينئذ أيرث منه؟
قال: نعم، إلا المذبوح لا يرث، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيمن شقت جوفه حجة، ومن قتله في تلك الحال لا يقتل.
ابن رُشْد: لا يرث المذبوح اتفاقًا، ولا يقتل من أجهز عليه، ومن أنفذت مقاتله فرق في هذا السماع بين توريثه ممن مات، والقصاص ممن قتله، وفي سمَاع أبي زيد ابن القاسم أنه يقتل به من قتله، والقياس لا فرق بين القصاص والميراث فيرث ممن مات على رواية أبي زيد، ولا يرث منه على قوله في هذا السماع لا يقتل به من قتله، وهو قول أشهب لا يقتل به إلا الأول فهي قولان وتفرقة.
وفيها: من العمد ما لا قود فيه كالمتصارعين أو يتراميان علي وجه اللعب أو يأخذ برجله على وجه اللعب فيموت منه ففي كل هذا دية الخطأ علي العاقلة، ولو تعمد هذا على وجه القتال فصرعه فمات أو أخذ برجله فسقط فمات كان فيه القود.
ابن رُشْد: عمد الضرب دون عمد القتل في نائرة إن كان على وجه اللعب في كونه خطأ، وإيجابه القود، ثالثها: شبه عمد لها، وللأخوين مع روايتهما، وتؤول على أنه لم يلاعبه صاحبه، والأول على أنه لاعبه فيتفقان.
ولابن وَهْب: وقيل: التفرقة بين أن يلاعبه أو لا رابع.
قال: وعمد الضرب أدبا ممن يجوز له عندي على الخلاف في ضرب اللعب.
وقال الباجي: الخلاف في هذا الوجه: إنما هو راجع إلى تغليظ الدية، ولا قود بحال، هذا إن علم أنه على وجه الأدب، وإن لم يعلم إلا بقوله ففي تصديقه قولان.
قلتُ: للباجي عن المجموعة: روى ابن القاسم وابن وَهْب إن ضرب الزوج زوجته بحبل أو سوط فذهبت عينها أو غيرها ففيه العقل لا القود، وكذلك المعلم والصانع أو القرابة يؤدبون ما لم يتعمد بسلاح وشبهه.
ورواه ابن القاسم وقال: ليس الأخ، والعم، وسائر القرابة كالأبوين والأجداد إلا أن يجري ذلك على وجه الأدب كالمعلم والصانع فهذا يقتضي أن في الأدب بما يؤدب به الدية مغلظة فهو علي أربعة أوجه: ضرب قصد به اللعب بغير آلة القتل لا قود فيه، وفي التغليظ روايتان، وضرب قصد بغير آلة القتل خنقًا وغضبًا ممن لا أدب له في القود فيه، وتغليظ الدية روايتان، وضرب بغير آلة القتل ممن له الأدب من القرابة ممن ليس له عليه ولادة، لا قود فيه.
وفي تغليظ الدية روايتان: والرابع حذف ابنه سيأتي.
وفيها: من طرح رجلًا في نهر، ولم يدر أنه لا يحسن العوم فمات، فإن كان على العداوة والقتل قتل به، وإن كان على غير ذلك ففيه الدية، ولفظها في الموازيَّة فيما نقل الباجي روي ابن القاسم من طرح من لا يحسن العوم في نهر على وجه العداوة، والقتل قتل به.
قلتُ: انظر هل من شرطه أن يعلم الطارح أن المطروح لا يحسن العوم أم لا، وظاهره أنه إن كان يحسن العوم وطرحه على وجه القتل أنه لا يقتل به.
باب في السبب الموجب للقود
والتسبب بفعل؛ إن قصد به قتل معين فمات يوجب القود.
باب في التسبب الموجب للدية في المال
وإن قصد به غير معين فالدية في ماله أن قتل المقصود.
باب في التسبب الموجب للدية على العاقلة
وغيره على العاقلة.
باب الموجب لحكم الخطأ
وإن قصد به حفظ المال لمحل محجوز عنه فخطأ ما بلغ من دم الحر بثلث الدية على عاقلته، وما سواه في ماله، وتفسير يأتي في دياتها من وضع سيفًا بطريق المسلمين أو بموضع لقتل رجل فعطب به الرجل قتل به، وإن عطب به غيره فديته على عاقلته، ونقله الشَّيخ والباجي من المجموعة دونها مرجوح، في ثاني حجها، وهو في التهذيب في ثالثه.
قال مالك: من حفر بئرًا في منزله فسارى أو عمل به ما يتلفه فمات ضمن ديته، وكذا وقع فيه غيره، ومثله في دياتها.
أبو إبراهيم: إن قصد بمثل هذا قتل إنسان بعينه قتل به، وفي غيره ديته على العاقلة كقولها في مسألة السيف، وهي دليل الباب كله.
الباجي والنوادر: روى ابن وَهْب من رش بناء قناة ليزلق من يمر به من آدمي، وغيره ضمنه، وكذا من جعل بالطريق مربطًا لدابة أو كلبًا بداره لغير ضرر أحد أو بغير داره بإذنه أو رش، فإن تبرأ ذا أو تنظيفا أو ربط كلب صيد بداره أو في غنمه للسباع أو نصب حبالات للسباع أو وقف على دابته بطريق أو نزل عنها لحاجة أو وقفها بباب مسجد أو حمام أو بسوق لم يضمن ما هلك بشيء من ذلك، وكذا
إن أخرج روشنا من داره أو عسكرًا.
أشهب: من حفر بئر ماشية قرب أخرى فحفره بغير إذنه فعطب بها آدمي لم يضمنه؛ لأنه جائز له إلا أن يعلم أنه يضر بجاره فيؤمر بردمها، وما هلك فيها بعد أمره ضمنه.
محمد: وما هلك بذلك من آدمي فعلى عاقلته، وغيره في ماله.
ابن القُصَّار: وفي القود بالإكراه بشهادة الزور روايتان، واختار الأولى، وتقدمت في مسائل الرجوع عن الشهادة، وفي تقديم الطعام المسموم القود.
وفيها: من قتل بسقي سم قتل به.
الشَّيخ عن ابن حبيب عن أَصْبَغ: من طرح على رجل حيَّة مسمومة مثل هؤلاء الخولة العارفين الحيات المسمومة فمات قتل به، ولا يصدق أنه على اللعب، إنما اللعب مثل بعض الشباب يطرح الحيَّة الصغيرة التي لا تعرف بمثل هذا فتقتل فهذا خطأ، وكذا طرحه عليه حيَّة يعرف أنها قاتلة، ولا يقبل قوله: لم أرد قتله.
قلتُ: مقتضى قولها إن تعمده بضرب لطمة فمات قتل به عدم شرط معرفة أنها قاتلة ما لم يكن على وجه اللعب، وقول ابن شاس ما لا يقتل من الحيات يقبل فيه قول الملقي لم أرد قتله لتقرر العادة بذلك، صواب، وتجري فيه أقوال اللعب، وروى الباجي إن سحر ذمي أهل ذمته أدب إلا أن يقتل أحدًا فيقتل به.
الباجي: من أشار علي رجل بسيف فمات.
فقال محمد: إن تمادى بالإشارة، وهو يقر فطلبه حتى مات فعليه القود.
ابن القاسم: إن طلبه به حتى سقط فمات فعليه القود بقسامة أنه مات خوفًا منه.
الباجي: لاحتمال موته من السقطة، ولم يكن في مسألة محمد شيء يحمل عليه موته.
ابن حبيب: عليه القود، ولم يذكر قسامة، وبه قال ابن الماجِشُون في هذه المسألة والمغيرة وابن القاسم وأَصْبَغ.
وسمع عيسى ابن القاسم من طلب رجلًا بالسيف فعثر المطلوب قبل أن يضرب فمات قتل به، وقاله المغيرة.
ابن رُشْد: مثله لابن حبيب عن ابن الماجِشُون: ولا أعرف فيه نص خلاف، ويدخله بالمعنى؛ لأنه من شبه العمد المختلف في وجوب القود فيه حسبما مر ابن الحاجب فيمن أشار بالسيف فهرب فطلبه حتى مات، وبينهما عداوة أربعة: القود والدية والقسامة وإلحاقه بشبه العمد.
قلتُ: الثاني هو نقل ابن شاس، وقال ابن ميسر: لا قصاص في هذا، واستحسنه طائفة من القرويين لاحتمال موته من الخوف أو الجري أو منهما.
الباجي: ولو كانت إشارة فقط فمات، فإنما فيه الدية عند محمد على العاقلة، ونحوه لابن القاسم، وروى الدارقطني عن ابن عمر عن النبي صلي الله عليه وسلم: ((إذا أمسك الرجل الرجل وقتله الآخر يقتل الذي قتل ويحبس الذي أمسك)).
عبد الحق: رواه سفيان الثوري عن إسماعيل بن أميَّة عن نافع ابن عمر كذا، ورواه معمر، وابن جريح عن إسماعيل مرسلا، ولم يتعقبه ابن القطان، وهو في الموطأ من أمسك رجلًا لآخر ليضربه فضربه فمات إن أمسكه، وهو يرى مثله؛ يريد قتله قتلا معًا، وإن كان يرى أنه لا يقتله قتل القاتل فقط، وعوقب الممسك أشد العقوبة ويسجن سنة.
الباجي عن ابن نافع: دليل حبسه للقتل أن يرى القاتل يطلبه وبيده سيف أو رمح، وإن لم ير معه ذلك لم يقتل الحابس، ويجلد بقدر ما يرى السلطان.
وقال عيسى بن دينار: يجلد مائة فقط.
ابن مزين: القول ما قال ابن نافع.
قلتُ: قال ابن القُصَّار: إنما يقتل الممسك إذا علم أنه يقتله ظلمًا.
ابن شاس: وذكر القاضي أبو عبد الله ابن هارون البصري من أصحابنا في وجوب القود من الممسك أن يعلم أنه لولا الممسك لم يقدر على ذلك.
قلتُ: يؤيده قولها: إن حمل رجل على ظهر آخر شيئًا في الحرز فخرج به الحامل،
فإن كان لا يقدر على إخراجه إلا بحمل الحامل عليه قطعًا معًا، وإن كان قادرًا على حمله دونه قطع الخارج فقط.
قلتُ: فإطلاق ابن الحاجب إيجاب الإمساك على القود متعقب، والمذهب قتل الجماعة بالواحد كالواحد.
الباجي عن ابن القاسم وأشهب: إن اجتمع نفر على قتل امرأة أو صبي قتلوا به، وقول ابن الحاجب: لو اشترك المتسببون، والمباشرون قتلوا جميعًا واضح دليله مسألة الإمساك، وقولها في كتاب المحاربين: إن ولي رجل من جماعة قتل رجل، وباقيهم عون له وتابوا قبل أخذهم دفعوا لأولياء القتيل قتلوا من شاؤوا، وعفوا عن من شاؤوا، وأخذوا الدية ممن شاؤوا، ونقل المازري عن المذهب على رواية قود بينة الزور أن القاضي لو حكم عالمًا بتزويرهم، وولي الولي القتل كذلك قتلوا جميعًا.
وقال ابن شاس: يغلب السبب على المباشرة التى ليست عدوانًا كمن حفر بئرًا على طريق أعمى ليس فيها غيره، ولا طريق أخرى له فوقع فيها فمات أو طرح رجلًا مع سبع في مكان ضيق أو أمسكه على ثعبان مهلك.
ابن الحاجب: لو تمالأ جمع على ضرب رجل، وتم وسوط سوط قتلوا جميعًا.
قلتُ: يريد تمالؤوا على قتله.
الباجي عن ابن الماجِشُون: إن اجتمع نفر على ضرب رجل، ثم انكشفوا عنه، وقد مات قتلوا به، وروى ابن القاسم: وعلى ضربه هذا بسلاح، وهذا بعصا وتماديا حتى مات قتلا به إلا أن يعلم أن ضرب أحدهم قتله.
المازري في مسألة زور بينة الرجم: من أكره رجلًا على قتل رجل ظلمًا قتل المباشر إذ لا خلاف أن الإكراه لا يبيح له قتل مسلم ظلمًا، ويقتل المكره أيضًا؛ لأن القاتل كآلة له، ولو كان أحدهما غير مكلف لم يقتل، وكان نصف الدية على عاقلته كقتل رجل وصبي رجلًا عمدًا وتأتي.
ابن شاس: من حفر بئرًا ليقع فيها رجل معين، فوقف الرجل على شفيرها فرداه فيها غير الحافر، فقال القاضي أبو الحسن: يقتلان معًا للاعتدال، وقال القاضي أبو عبد
الله بن هارون: يقتل المردي دون الحافز تغليبا للمباشر.
قلتُ: الأظهر أن علم المردي بتقدم فعل الحافر، وقصده قتلا معًا كبينة الزور مع القاضي العالم بزورهما، وإلا قتل وحده على رواية ابن القاسم في بينة الزور.
وفي كتاب الجعل والإجارة: من أجر على قتل رجل ظلمًا فقتله فلا أجر له، وعلى الأجير القصاص، وعلى الذي أجره الأدب، ولابن رُشْد في سمَاع عيسى ابن القاسم من كتاب القذف: لو قتل عبد رجلًا بأمر سيده ففي قتلهما معًا مطلقًا، وقتل السيد فقط إن كان العبد أعجميًا، والعبد فقط إن كان فصبي قولان لسماع عيسى ابن القاسم مع سماعه أَصْبَغ، وابن حبيب عن ابن وَهْب قائلًا: ويضرب من لا يقتل منهما مائة، ويسجن عامًا، وإن قتل بعض أعوان الإمام رجلًا ظلمًا بأمر الإمام قتلا معًا اتفاقًا، ولو قتل الابن البالغ كذلك بأمر أبيه أو بالغ متعلمي الصانع كذلك بأمره أو المؤدب كذلك بأمره، ففي قتل القاتل والمبالغة في عقوبة الآمر وقتلهما معًا قولا ابن القاسم في روايتي يحيى عنه وسَحنون: ولو كان مراهقًا لم يبلغ الحلم مثله ينتهي عصى ينهى عنه قتل الآمر وعلى عاقلة الصبي نصف الدية عند ابن القاسم، ولو كانوا صبيانا المأمورون كانت الدية على عواقلهم، وإن لم يطر على عاقلة كل واحد منهم إلا أقل من ثلث الدية، وكان ابن القاسم يقول: كل الدية على عاقلة الصبي.
قال أبو محمد: ولا يعجبني.
قال: يريد: ولا يؤدب.
قال أَصْبَغ في هذه الرواية: لا قتل على واحد منهما، وهو من الخطأ كما لو أمر غير ولده بذلك، وفي الموازيَّة: يضرب الآمر مائه، ويسجن سنة، ويضرب الغلام ضربًا بقدر احتماله إلا أن يكون الأب أو المعلم أو المؤدب مباشرًا ذلك مشددًا عليه فيجب حينئذ قتله، وإن كان دون ذلك في السن فلا خلاف في قتل الآمر، وعلى عاقلة الصغير نصف الدية، وفي سمَاع سَحنون أنه أنكر قول أَصْبَغ من قتل عبد رجل بأمره غرم قيمته، وقال: لا قيمة له؛ لأنه ماله أمر بإتلافه، ويضرب القاتل، ويجن ويؤدب السيد.
ابن رُشْد: لأَصْبَغ في الواضحة يضرب السيد أيضًا، ويسجن، وقال: أغرمته لجزمه، وهذا ليس بجيد؛ لأنها عقوبة بالمال فالسيد أحق أن لا يعطى المال عقوبة له، ولو علله بأن السيد أسقط حقه في القيمة قبل وجوبها كان أصوب.
وفيها: إن قتل رجل وصبي رجلًا عمدًا قتل الرجل، وعلى عاقلة الصبي نصف الدية، ولو كانت رمية الصبي خطأ، ورمية الرجل عمدًا، ومات منهما معًا، فأحب إلي أن تكون الدية عليهما معًا؛ لأني لا أدري من أيهما مات.
الصقلي: يريد: نصف الدية على الرجل في ماله.
الباجي: إن قتل صغير وكبير قتل الكبير، وعلى عاقلة الصغير نصف الدية، وقال ابن حبيب: اختلف فيها قول ابن القاسم، فقال مرة هذا، وقال مرة: إن كانت ضربة الصغير عمدًا قتل الكبير، وإن كانت خطأ لم يقتل، وعليهما الدية، وقال أشهب: يقتل الكبير.
محمد: وهو أحب إليَّ.
قلتُ: ظاهره دون قسامة، وكذا نقله الصقلي، ونقله اللخمي عنه أنه لا يقتص منه، ولو مات بالحضرة إلا بعد المعرفة بضربته، والقسامة أنه مات منها، وهو أحسن فإن لم يعرف العمد أو عرف، ولم يقسموا لم يقد منه بالشك.
الباجي: قال أشهب: من فرق بين عمد الصبي وخطئه فقد أخطأ، وحجته بأنه لا يدري من أيهما مات، وكذا الصبي لا يدري من أيهما مات، وهو يري عمده كالخطأ.
قلتُ: قبول الباجي: قول ابن حبيب: اختلف فيها قول ابن القاسم ... إلخ فيه نظر؛ لأنهما صورتان مختلفتان باختلاف قوله فيهما لا يقال فيه اختلاف إلا مع قيام الدليل على قاتلهما، وقد فرق الصقلي بينهما بقوله بأنهما في مسألة عمد الصبي تعاقدا على قتله، وعزا الباجي التعقب على قول ابن القاسم في ترجمة ما جاء في الغيلة، والسحر لأشهب، وعزا الباجي التعقب على قول ابن القاسم في ترجمة ما جاء في الغيلة، والسحر لأشهب، وعزاه قبل ذلك في ترجمة دية العمد إذا قبلت لمحمد، وقال ما قاله محمد: لا يلزم.
ابن القاسم: لأن حجة ابن القاسم أنه لا يدري هل مات من ضرب عمد أو خطأ فهو كما لو كانا كبيرين، وأما إن كان الكبير والصغير عامدين فقد علم أنه مات من ضرب عمد، وسقط القصاص عن الصغير لمعنى فيه لا لمعنى في الضرب كما لو كانا كبيرين ضرباه عمدًا فعفا عن أحدهما لما سقط القود عن الآخر أو قتل حر وعبد عبدًا عمدًا، ولو قتله أحدهما عمدًا والآخر خطأ سقط القود عنهما؛ لأنه سقط لمعنى في الفعل؛ وهو الجهل من أي الفعلين مات.
ابن عبد السلام: في قول الباجي نظر؛ لأن ظاهر قول ابن القاسم الذي تعقبه محمد قوي في أن القتل لم يكن من مجموع الضربين بل من أحمدهما، وهو مجهول، وأحد الضاربين لا يقتص منه إما لخطئه أو لصغره، وأيا ما كان فلا قود على الكبير لاحتمال أن لا يكون هو الضارب، وعلى هذا التقرير فلا فرق بين كون الصغير مخطئًا أو متعمدًا.
قال: فإن قلت: فعلى هذا لو اجتمع كبيران على قتله عمدًا لم يقتلا؛ لأن القاتل منهما غير متعين بما ذكرتم.
قلتُ: لا يلزم من نفى هذا السبب الخاص نفي سبب آخر للقتل، وهو مباشرة أحدهما، وإعانة الثاني.
قلتُ: لا يلزم من نفى هذا السبب الخاص نفي سبب آخر للقتل، وهو مباشرة أحدهما، وإعانة الثاني.
قلتُ: جوابه عما أورده على نفسه، يرد تعقبه جواب الباجي، وبيانه أنه بنى تعقبه على احتمال كون القتل من غير الكبير، وبنى جوابه عما أورده على نفسه بلزوم كون كل واحد منهما إما مباشرًا، وإما متسببًا بالإعانة، وأن المتسبب كامباشر، وهذا يوجب كون الكبير مع الصغير إما مباشر أو متسبب مع كون المتسبب كالمباشر، وأيا ما كان فهو مناقض لتعقبه قول الباجي باحتمال كون القتل من غير الكبير، وإذا ثبت لزوم إضافة القتل للكبير إما مستقلًا أو معينًا اتضحت تفرقة الباجي بما أشار إليه، وتقريره أن ضرب الصغير عمدًا مقتضٍ للقود ضرورة كونه عمدًا عدوانا، وامتنع فيه القود لقيام مانع، وهو عدم تكليف فاعله، وامتناع القود من بعض الضاربين لمانع لا يقدح في ثبوته على مشاركة السالم عن المانع كالكبيرين يعفى عن أحدهما، وضربه خطأ غير مقتضٍ للقصاص ضرورة لغو الخطأ في القود، وامتناع القود من بعض الضاربين لكون
ضربه خطأ امتناع لعدم قيام المقتضي فكان موجبًا لعدم ثبوته علي مشاركه؛ لأن عدم الحكم لعدم قيام المقتضي أقوى في نفي الحكم من عدمه لمانع مع وجود المقتضي.
الصقلي عن مالك: لو قتل حر وعبد عبدًا عمدًا قتل العبد، وعلى الحر نصف قيمته، ولو قتلا حرًا خطأ فعلى عاقلة الحر نصف الدية، والعبد مرتهن بنصف الدية.
قال مالك في العتيبَّة: ينجم ذلك عليه.
وروى ابن القاسم لو قتل أب ورجلان ابنه عمدًا قتلوا به، وإن كان بالرمي، والضرب لم يقتل الأب.
قال عبد الملك: وعليه ثلث الدية مغلظة، ويقتل الرجلان.
محمد: إن قتل رجل رجلان جرحه أحدهما عمدًا، والآخر خطأ أقسموا على من شاءوا، وإن أقسموا على المعتمد قتلوه، وعلى المخطئ دية الجناية.
محمد: إن عرفت جنايتها من جناية العمد.
أشهب: وإن أقسموا على المخطئ تكون الدية على عاقلته، واقتصوا من العامد جرحه إن كان يقتص منه، وإن كان لا يقتص منه أخذ منه أرشه.
وقال ابن القاسم: إن مات مكانه قتل المتعمد، وعلى المخطئ نصف الدية.
محمد: هذا إن لم يكن جرح الخطأ معروفًا بعينه.
ابن القاسم: إن عاش بعد ضربهم ففيه القسامة إن أقسموا على المتعمد قتلوه، ولا شئ على الآخر، وإن أقسموا على المخطئ فالدية بين العاقلة وبين المتعمد.
ابن حارث: في شركة الصغير والكبير يقتل الكبير، وعلى عاقلة الصغير نصف الدية مطلقًا.
ابن القاسم: إلا أن يكون الصبي مخطئا فعلى الكبير نصف الدية، ولأحمد بن نصر عن ابن القاسم في الكبيرين أحدهما مخطئ يقسمون على أيهم شاؤوا، وقال عبد الملك في مشاركة الصبي والمخطئ والحر والعبد يقتلان عبدًا يقاد ممن يقاد لو انفرد منه، وقاله ابن القاسم في قتلهما ابن احدهما.
ابن حبيب عن ابن الماجِشُون: إن شرك عامدًا صبي أو والد أو مخطئ أو غرق أو
هدم قتل العامد إن مات قعصا، وإن عاش أقسموا علي أيهما شاؤوا، ولو ضربه أحدهما بعد الآخر، وعاش بعده، وإن قتله الثاني قعصا، وهو لا يقاد منه فعلى الأول القود، وقاله أَصْبَغ، وقيل في المخطئ والعامد يقسم عليهما، ويقتل العامد فقط، وقيل فيما شاركه الهدم أو الغرق يقسم على العامد، ويقتل، وقيل عليه نصف الدية.
قلتُ: ففي العامد بشركة صبي أو أب أو مخطئ أو من لا يقتص منه لحريته ستة.
أشهب: يقتل في الأولين.
ابن القاسم: في الثالث، وفي الأول نصف الدية، وله في الثالث يقسم علي أيهما شاؤوا.
عبد الملك: يقتل في الجميع.
ابن القاسم: في ابن أحدهما فقط.
ابن الماجِشُون: يقتل مطلقًا إن مات قعصا، وإلا أسموا على أحدهما، ولو قتله الثاني قعصا، وهو لا يقاد منه أقيد من الأول، وقيل في الثالث: يقسم عليهما، ويقتل العامد فقط.
قلتُ: قوله في قتله الثاني قعصا، وهو لا يقاد منه يقتل الأول مشكل.
وسمع يحيي ابن القاسم إن قامت بينة بأن رجلًا جرحه رجلان أحدهما عمدًا، والآخر خطأ فمات أقسموا على أحدهما إن أقسموا على العامد قتلوه، وعلى الآخر عقل جرحه، وإن أقسموا عليه فكل الدية على عاقلته، واقتصوا من جرح العامد، وكذا لو لم تقم بينة، وادعى الميت ذلك.
ابن رُشْد: قوله في قيام البينة صحيح على أصل ابن القاسم، وروايته فيمن تري في قطع يده فمات أن الأولياء مخيرون في قطع يده قسامة، وقتله بها، وعلى قول أشهب: لا يقتصون من قطع يده إلا باختياره؛ لأن الجناية عادت نفسا ما قاله في سمَاع أبي زيد إن قتلوا العامد فلا شيء على الآخر، وإن أخذوا الدية من العاقلة برئ الآخر وقوله: دعوى الميت كقيام البينة خلاف الأصول؛ لأن الجرح لا يستحق بقسامة عمدًا، ولا خطأ، وهو نص قولها، والصحيح استحقاق ما أقسموا عليه من عمد أو خطأ، ولا
شيء على الآخر، قاله محمد، وعاب سمَاع يحيى، وعابه أيضًا يحيى.
ولو شهد على الجرحين شاهد واحد خير الأولياء إن أقسموا على الخطأ استحقوا الدية على العاقلة، ولا شيء لهم في جرح العمد إذ لا يقتص باليمين مع الشاهد إلا المجروح لا ورثته، وإن أقسموا على العامد قتلوه، وحلفوا مع شاهدهم على جرح الخطأ، واستحقوا أرشه؛ لأنه مال.
ابن الحاجب في شريك المخطئ والصبي والمجنون نصف الدية، والقصاص بقسامة، وبغير قسامة إن كان قريبًا، وعلى الآخر نصف الدية، أما إذا علم قصد القتل بالمشاركة قصاص.
قلتُ: جميع ما تقدم من الأقوال مطلقة غير مقيدة بعدم قصد القتل.
وقال الصقلي في قولها: في قتل الرجل والصبي رجلًا عمدًا يقتل الرجل ما نصه: يريد: إذا تعمدًا جميعا قتله، وتعاقدا عليه، وتعاونا عليه كما لو لم يباشر قتله إلا الصبي والرجل معين له حتى لو كانا رجلين لقتلا معًا، فحينئذ يجب قتل الرجل، وإلا لم يقتل الرجل عند ابن القاسم كما لو كانت رمية الصبي خطأ، ويأتي للخمي نحوه، ولم يفرق ابن الحارث بين معرفة عين ضربة المتعمد وجهلها، وهو ظاهر لفظ المدَوَّنة.
وقال اللخمي: إن افترق ضربهم، وعملت ضربة كل واحد منهم، ولم يقصدوا التعاون فلهم أن يقسموا على بعض الضربات لممات منها، ويثبت القود أو الدية على العاقلة إلا أن يتعمدوا القسامة علي ما هو من دون ما هو أخوف فلذي الضربة أن يمنعهم من ذلك وإن كان الضرب عمدًا، وقصدوا التعاون على قتله فلهم أن يقسموا لمات من كل الضرب، ويقتلوا جميعهم، وليس عليهم تعيين ضربة موته؛ لأن لهم قتل من لم يمت من ضربته لتمالئهم على قتله، وإن لم يقصدوا التعاون، وإحدى الضربات نافذة لا يعلم ضاربها، وقالوا: نشك في أيهما قتله أو لا ندري ضربة هذا من ضربة هذا أقسموا لمات من ذلك الضرب، وفرقت الدية عليهم في أموالهم، وسقط القود، وكذا لو مات قعصا، ولم يعش، وقالوا: نشك في أي ضربة قتلته أو أنفذت إحداهما مقاتله، ولا يدرون من ضربها أو كانت ضربة أحدهما خطأ، ومات قعصا لم يقتل ضارب العمد
بالشك، وعليه نصف الدية، ويختلف في ضارب الخطأ هل تغرم عاقلته نصف الدية أو لا؛ لأنه حمل بالشك لا مكان موته بالعمد، ولا تسقط نصف الدية عن المتعمد؛ لأن الظالم أحق أن يحمل عليه، ويختلف إن كانت الضربتان خطأ وجهل الأولياء أيتهما قتلته هل تفض الدية على عاقلتي الضاربين أو تسقط؛ لأنه حمل بالشك، ولمحمد: من أقر أنه قال: أميت المسلمين رمي فلان بسهمه، وفلان بسهمه فقتل أحد السهمين رجلًا لا يدري راميه منهما أو رمي فلان بسهمه، وفلان بسهمه فقتل أحد السهمين رجلًا لا يدري راميه منهما أو رمي جماعة صيدًا، فقتل سهم منها رجلًا فهو كمن قتل رجلًا، ثم هرب فألقى نفسه في بئر فوجد فيها رجلان كل واحد منهما يقول لصاحبه: أنت طرحت نفسك علي، فقال أشهب: الدم هدر، وقول ابن القاسم في ظني أن الدية عليهما معًا، ولا أظن إلا أن ذلك في العمد، وتكون الدية في أموالهما، وأما الخطأ فهدر؛ لأن العاقلة لا تحمل إلا ما حق عليهما، وثبوت ذلك بالإقرار، وإلا بينة سواء.
ابن الحاجب: وأما شريك السبع وجارح نفسه والحربي والمريض بعد الجرح فالأولان.
قلتُ: تقدم لابن حارث في شريك الهدم قاتل العامد إن مات فعصا، وإن عاش أقسموا على أيهما شاءوا، والقول بالقسامة عليه مطلقًا، ويقتل والثالث عليه نصف الدية، ولا فرق بين الهدم والسبع، وما ذكر معه الصقلي لعيسي ابن القاسم من جرح، ثم ضربته دابة فمات وجهل من أيهما مات فنصف الدية على عاقلة الجارح قيل: بقسامة.
قال: وكيف يقسم علي نصف الدية، وقال: لو جرح ثم سقط من جدار فانجرح فمات وجهل من أي ذلك مات فلهم أن يقسموا لمات من جرح الجارح كمرض المجروح بعد الجرح فيموت.
قال فيه مالك: لهم أن يقسموا لمات من ضربه في الخطأ والعمد.
محمد: ولو طرحه إنسان من فوق البيت بعد جرح الأول أقسموا على أيهما شاءوا، وقتلوه وضرب الآخر وسجن، فنقله ابن عبد السلام، وقال: فلعل المؤلف خرج القولين في شريك السبع، وما عطف عليه مما حكيناه.
قلتُ: ليس فيما تقدم تصريح بالقود في شركة غير الآدمي.
قال ابن رُشْد في سمَاع عيسى في مسألة الدابة معنى المسألة إن جرح الرجل، وضرب الدابة كانا معًا، ومات من حنينه فحمل أمره علي موته من الأمرين لاحتمال موته منهما احتمالًا واحدًا لا يمكن تغليب أحدهما على الآخر، ولابن القاسم في المجموعة أن فيه القسامة كمرض من جرح؛ يريد لهم أن يقسموا لمات من الجرح، ويستحقون الدية أجمع على العاقلة إن كان الجرح خطأ، والقود إن كان عمدًا، فإن لم يقسموا على هذا القول فلا شيء لهم.
قال: ومن شج موضحة فتراضى برؤه حتى سقط عليه جدار مات منه أو قتل أن له نصف عقل الموضحة، وذلك عندي؛ لأنه لا يدري لعله مات من الموضحة.
قلتُ: في تعليله هذا نظر؛ لأن احتمال موته منها لا يوجب سقوط أرشها، وموته من غيرها كذلك، والصواب أن يقول: لاحتمال برئه منها لو لم يقتل فسقط أرشها على هذا التقدير، ويثبت على تقدير نقيضه شطر لذلك عقلها، ولو جرحه ثم ضربته دابة فلم يدر من أيهما مات ثبتت القسامة، والدية في الخطأ، والقود في العمد اتفاقًا؛ لأن الظاهر أنه مات من الأمر الآخر كما إذا جرح، ثم مرض فمات.
قلتُ: كذا وجدته في غير نسخة، وفيه تناقض ظاهر؛ لأنه إذا كان موته من الآخر فكيف يقسم على موته من الأول.
باب الخطأ في الدماء
والخطأ في الدماء له حكم يخصه، فينبغي تعريفه؛ وهو ما مسببه غير مقصود لفاعله باعتبار صنفه غير منتهى عنه، فيخرج قتل حر محترم بفعل؛ إنما قصد به حراً غيره
عدوانا؛ لأنه عمد؛ ولذا اقتصوا من قاتل خارجة، ولم يلتفتوا لإثبات.
قوله: أردت عمراً، وأراد الله خارجة، فإن ثبت قصده بفعله قتل غير آدمي مات يه غيره، فالظاهر خطأ، وأحرى لو كان إنما قصد اتلاف مال غير حيوان ظلماً، ومقتضى قول الباجي إثر نقله، قول ابن القاسم: من وضع سيفاً بطريق أو غيره، يريد به قتل رجل، فإن عطب به ذلك الرجل؛ قتل به، وان عطب به غيره؛ فالدية على عاقلة الجاعل، كما لو رمى رجلا؛ يريد قتله، فأصاب غيره؛ فحكمه حكم الخطأ.
قلت: هذا يؤيد ماقلناه، وأن من قصد قتل رجل ظلماً فضربه، فاذا هو غيره؛ خطأ، هذا نص قوله في ترجمة جامع العقل.
وقال: قبله في ترجمة ما يوجب العقل عل الرجل من قتل رجلاً عمداً يظنه غيره، ممن لو قتله؛ لم يكن فيه قصاص، قال محمد: لا قصاص فيه، ومضى مثله في مسلم قتله المسلمون يظنونه مشركاً؛ فوداه النبي صلي الله عليه وسلم ولم يقد به.
قلت: فالمقصود أنه فلان فتبين أنه غيره إن قصده ظلماً فعمد، وإلا فخطأ، فول اصطدم فارسان حران خطأ، فماتا هما وفرسهما، ففي لزوم دية كل من هما على عاقلة الآخر، وقيمة فرس كل واحد من هما في مال الآخر، أو نصفيهما فقط قولان لها.
ولعيون مسائل ابن القصار عن أشهب، مع تخريجه اللخمي على قول أشهب، في حافري بئر انهارات عليهما على عاقلة كل منهما نصف دية الآخر، وان مات احدهما فقط فعلى عاقلة الباقي نصف ديته، قال: وهو أحسن لمشاركة كل منهما في قتل نفسه.
قلت: وعزان ايو عمران لروايته ولسحنون، وهو ظاهر قبول الطرطوشي احتجاج الشافعي بما روي: ان النبي صلي الله عليه وسلم الي اليمن، فوجد قوماً اطلعوا على أسد سقط في بئر، فسقط رجل فيها، فتعلق بثان فتعلق الثاني بثالث، فتعلق الثالث برابع فسقطوا، وقتل الأسد بعد جرحه إياهم، وماتوا من جراحهم؛ فهم أولياء الآخر والأول بالقتال، فنهاهم علي
وقال: اجمعوا من القبائل ربع الدية وثلثها ونصفها، والدية كاملة للأول؛ ربعها لأنه هلك ومن فوقه ثلاثة، وللثاني ثلثها، لأنه هلك ومن فوقه اثنانة، وللثالث نصفها لأنه هلك ومن فوقه واحد، وللرابع دية كاملة، فلم يرضوا فأتوا النبي صلى اله عليه وسلم، فلقوه عند المقام فأخبروه فأجازه.