يقرأها حين السماع.
وفيها: لا يجوز عفو الأب قبل الطلاق.
ابن القاسم: إلا لوجه نظر من عسر الزوج فيخفف عنه وينظره.
عياض: في كون قول ابن القاسم خلافًا لقول مالك أو وفاقًا قولا بعض شيوخنا وآخرين منهم محتجين بجواز ابتدائه تزويجها بأقل من المهر، وبحكاية ابن القصار عن مالك كقول ابن القاسم نصًا في باب التفويض.
ابن بشير: إن كان العفو نظرا جاز بشرط أن لا يعفو عن جملته فيعرى النكاح عن المهر، وإن كان عن غير نظر لم يجز، وإن جهل فقولان بناء على حمل فعل الأب على النظر أو على عدمه.
الجلاب: للسيد إسقاط مهر أمته قبل البناء وبعده قبل الطلاق وبعده.
قُلتُ: منع ابن بشير عفو الأب عن جميعه خوف خلو النكاح عن مهر يمنعه في الأمة.
]
الأنكحة الفاسدة
[
وفسخ فاسد النكاح: إن قويت شبهة صحته بطلاق وإلا فلا، ويجري على إصابة كل مجتهد منضمًا للاحتياط ولغوه وعليهما إمضاء طلاق فيه قبل فسخه.
سمع أبو زيد ابن القاسم: كل نكاح اختلف فيه ليس بحرام بين إن وقع فيه طلاق لزمه كحلفه بطلاق إمرأة إن تزوجها ونكاح المرض والسر كمن تزوج سرًا بشاهدين استكتمهما.
ابن رُشْد: هذا اختيار ابن القاسم فيها لرواية بلغته أن ما اختلف فيه فسخه بطلاق والطلاق فيه قبل فسخه لازم، والإرث فيه واجب، والخلع فيه نافذ، فإن فسد لعقده دون مهره وجب فيه المسمى بالموت ونصفه بالطلاق قبل البناء، وكل نكاح لم يختلف في فساده فالثلاثة فيه لغو؛ لأن مذهب ابن القاسم أن الخلع تابع للطلاق، والذي اختار سَحنون، وقال به أكثر الرواة أن ما كانا مغلوبين على فسخه ففسخه بغير طلاق، ولا إرث فيه، ولا طلاق، فما فسد لمهره على هذا القول لا بطلاق ولا إرث فيه قبل البناء،
ويثبتان فيه بعده، وفي ثاني نكاحها قول ثالث، وهو ما يفسخ بعد البناء لا يثبتان فيه، ولو بعده، وإن اختلف فيه، وما يفسخ قبله لا بعده يثبتان فيه ولو قبله.
وسمع ابن القاسم: لا طلاق في فسخ نكاح المحرم.
ابن رُشْد: هذا اختيار سحنون فيها خلاف اختيار ابن القاسم، وهو القياس على أصل المذهب أن نكاحه لا يجوز، وما لا يجوز لا ينعقد، وكان الأولى ألا يسمى فسخًا إذ لا يفسخ إلا ما انعقد.
قُلتُ: إن أراد بالعقد في نفس الأمر منع.
قوله: لا يفسخ إلا ما انعقد، وإن أراد ما انعقد بالإطلاق منع عدم انعقاد الفاسد بثبوته في ظن المكلف، ولذا نفي عنه حرمة الصهر.
ابن بشير: ما أجمع على فساده لا يثبتان فيه، وما اختلف فيه خلافًا مشتهرًا ففي نفيهما فيه وثبوتهما مع المهر رواية ابن القاسم مع أصحاب مالك، وما رجع إليه ابن القاسم لرواية بلغته، وإن شذ الخلاف ففي رعيه على القول برعي الخلاف قولان، واختلف هل يراعى شذوذ القائلين أو شذوذ الدليل، وخاطبت بهذا بعض من ينسب للفقه فأنكر وجوده في المذهب فأخبرته بالقولين في الصلح والعفو عن القتل غيلة؛ هل يمضي للخلاف أولا؛ لأنه شاذ؟ ويقول أصبغ وغيره ان نكاح الشغار لا يقع فيه إرث، ولا طلاق لضعف دليله، وإن كان القائل به أبو حنيفة ومالك في أحد قوليه أنه يمضي بالعقد.
ابن عبد السلام: انظر قول أصبغ هذا مع ما في الموازية عن أصبغ: من بانت زوجته بخلع، ثم ارتجعها دون نكاح لظنه جواز ذلك ثم طلقها البتة، لا أحب أن يتزوجها قبل زوج، وقال محمد: لا يلزمه ذلك.
قلت: تبع في هذا الشيخ عبد الحميد الصائغ، وعندي ليس قول أصبغ بصريح في لزوم طلاق هذا المرتجع، إنما قال: لا احب ولعله يقوله في المشاغر، ورجعة المختلع مختلف فيها.
قال أبو عمر: قال ابن المسيب وابن شهاب: إن رد لها ما أخذ منها في العدة أشهد على رجعتها وصحت له.
قلت: هذا مع الخلاف في لزوم طلاق المختلع.
قال أبو عمر: قال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وابن المسيب وشريح وطاووس والزهري: طلاقه لا حق مادامت في العدة، وإن لم يقل أصبغ في استحباب ذلك في المشاغر فهو لقوة دليل المخالف عنده.
ابن بشير عن بعض القرويين.
ابن القاسم: وإن قال برعي الخلاف، فإنه لا يطرد في أن يفسخ نكاحا صحيحا على مذهبه لرعي مذهب غيره مثل أن يتزوج زواجا مختلفا فيه فيطلق فيه ثلاثا.
قال ابن القاسم: يلزمه الطلاق لكنه إن بادر فتزوج تلك المرأة قبل زوج، فإنه لا يفسخ نكاحه بوجه؛ لأنه يصير يفسخ ما هو صحيح عنده لرعي مذهب غيره، وهذا لا ينبغي أن يقال.
قال ابن عبد السلام: هذا لا باس به إن كان مقتضى لزوم الطلاق في هذا النكاح هو مراعة الخلاف ليس إلا عن القاسم، وإن كان مقتضيه حصول شبهة النكاح كانت تلك الشبهة هي المقتضية للحوق الولد وسقوط الحد، وغيرهما من الأحكام التي ساوى هذا النكاح فيها النكاح الصحيح، فالطلاق حينئذ وقع هنا وقوعه في النكاح الصحيح، وعلى هذا التقدير يفسخ نكاحها إن تزوجها قبل زوج.
قال: فإن قلت: لا يصلح كون الشبهة هي مقتضى ما ذكرت؛ لأنها حاصلة في النكاح المجمع على فساده، ولم تقتض صحة وقوع الطلاق فيه.
قلت: الشبهة في المختلف فيه أقوى منها في المجمع على فساده، وإذا اختلفت فيهما صح أن يختلف حال أثرها.
قلت: يرد جوابه عن سؤاله نفسه بانه لا قوة للشبهة في المختلف فيه إلا بوجود قول قائل بصحته عملا بالدوران والمناسبة، ولا معنى لرعي الخلاف إلا هذا، ويرد قوله "هذا لا بأس به"، وقبول ابن بشير قول القروي بوضوح مخالفة قولهم ما هو معلوم من المذهب كالضرورة، وهو اتفاق أهل المذهب قديما وحديثا على أن الفرق بين فرقة الفسخ، وفرقة الطلاق الحكم لفرقة الفسخ باللغو.
وفي إيجاب بعض ما يوجب وقف تجديد النكاح بين الزوجين المفسوخ نكاحهما على نكاح الزوجة زوجا آخر فضلا عن كله، والحكم لفرقة الطلاق بنقيض ذلك، وإذا كان ذلك كذلك لزم أن من طلق في نكاح مختلف فيه على القول بلزوم طلاقه أنه إن تزوجها بعد ذلك لم يبق له فيها من الطلاق إلا تمام الثلاث على الطلاق الذي أوقعه، فإذا كان الواقع منه فيه الثلاث لزم في طلاقه إياها فيه طلقة أنه إذا تزوجها بعد ذلك، ثم طلقها طلقتين، ثم تزوج قبل زوج ألا يفسخ نكاحه إياها قبل زوج، وذلك باطل ضرورة على القول بلزوم طلاقه فيه، وإلا صار طلاقه غير لازم، والفرض لزومه هذا خلف، وفي ثاني نكاحها يلزم فيما فسد لصداقه الطلاق والخلع قبل فسخه ويتوارثان للخلاف فيه، وإن طلقها فيه ثلاثا لم تحل له إلا بعد زوج.
قلت: ظاهره أن حرمتها بالثلاث فيه كحرمتها بها في النكاح الصحيح، وفي كتاب الأيمان بالطلاق سمع أبو زيد ابن القاسم قد كتب لصاحب الشرطة فيمن حلف إن تزوج فلانة فهي طالق البتة فتزوجها، ودخل بها لا يفرق بينهما، بلغني قول ابن المسيب لرجل قال له: حلفت بطلاق فلانة إن تزوجتها تزوجها وإثمك في رقبتي، ورغم أن أبا المخزومي حلف على أمه بمثل ذلك.
ابن رشد: رعى ابن القاسم القول بأنه لا يلزم طلاق من لم ينكح، وهو مذهب الشافعي وكثير من أهل العلم، فلم ير أن يفرق بينهما إذا دخلا والمشهور التفرقة بينهما على كل حال شذوذ في المذهب، وإنما الخلاف المشهور في مراعاته في الإرث والطلاق والعدة فقيل: لا إرث بينهما إن مات أحدهما قبل أن يعثر على ذلك، وإن كان هو الميت
لم تلزمها عدة إلا أن يموت بعد البناء فتعتد ثلاث حيض، وهو رواية محمد وسماع عيسى ابن القاسم ودليل ما في المدونة، وعليه لا يكون فسخه طلاقا، ولا يلزم فيه طلاق قبل العثور عليه، ولا نصف المهر إن طلق قبل البناء أو فرق بينهما قبله، وقيل: يثبت فيه الإرث والطلاق والهدة لو فاته بأربعة أشهر وعشر، ويكون فسخه بطلاق، ويكون لها نصف المهر إن فرق بينهما قبل البناء، ويراعى الخلاف في الحد ولحوق النسب، فيدرأ الحد وأسقط النسب إذا كان فاعل ذلك عالما غير جاهل، فرعي الخلاف في عدم الفرقة بينهما شذوذ، وترك رعيه في درء الحد ولحوق النسب شذوذ وغلو، ولا خلاف في المذهب في وقوع الحرمة به.
]
باب في رعي الخلاف
[
قلت: وكان منذ مدة وردت علي أسئلة اقترح مرسلها والوارد بها علي في أجوبتها، فمنها ما حاصله استناد مالك وغيره من أهل المذهب إلى رعي الخلاف، وجعله قاعدة مع أنهم لا يعتبرونه في كل موضع مشكل من ثلاثة أوجه:
الأول: إن كان حجة عم وإلا بطل، وأو لزم ضبط تخصيصه بموضع دون آخر.
الثاني: على فرض صحته ما دليله شرعا؟ وعلى أي شيء من قواعد أصول الفقه ينبني؟ مع أنهم لم يعدوه منها.
الثالث: أن الواجب على المجتهد اتباع دليله إن اتحد أو راجحه إن تعدد، فقوله له بقول غيره إعمال لدليل غيره دون دليله.
فأجبت بقولي تصور رعي الخلاف سابق على مطلق الحكم عليه فرعي الخلاف عبارة عن إعمال دليل الخصم في لازم مدلوله الذي اعمل في نقيضه دليل آخر كإعمال مالك دليل خصمه القائل بعدم فسخ نكاح الشغار في لازم
مدلوله، ومدلوله عدم فسخه ولازمه ثبوت الإرث بين الزوجين فيه، وهذا المدلول أعمل في نقيضه وهو الفسخ دليل آخر وهو دليل فسخه، فإذا تقرر هذا الجواب عن الأول أن نقول هو حجة في موضع دون آخر، قوله ما ضابطه؟ قلنا ضابطه رجحان دليل المخالف عند المجتهد على دليله في لازم قول المخالف كرجحان دليل المخالف في ثبوت الإرث عند مالك على دليل مالك في لازم مدلول دليله وهو نفي الإرث وثبوت الرجحان ونفيه بحسب نظر المجتهد في المسألة، فإن قلت: هذا يوجب القول بإثبات الملزوم مع نفي لازمه وهو باطل ضرورة.
قلت: جوابه من وجهين:
أنه في بعض المسائل ليس كذلك، منه هذه المسألة وشبهها؛ لأنه فيها من باب نفي الملزوم، وهو صحة النكاح الملزوم للإرث، هذا قول مالك بمقتضى دليل نفسه، ولا يلزم من نفي الملزوم نفي لازمه، ومن باب إثبات اللازم، وهو رعي مالك دليل مخالفة في لازم مدلوله وهو الإرث، ولا يلزم من إثبات اللازم إثبات الملزوم؟
إثبات الملزوم مع نفي لازمه إنما هو باطل مطلقا في اللوازم العقلية، وأما في الظنية الجعلية فلا قد يكون هناك مانع يمنع من ثبوت اللازم مع وجود ملزومه كموجبات الإرث هي ملزومة له، وقد ينتفي الإرث لمانع من وجود ملزومه شرعا وأمثلته واضحة، وأما دليله شرعا فبيانه من وجهين:
الأول: الدليل الدال على وجوب العمل بالراجح، وهو مقرر في أصول الفقه فلا نطول بذكره.
الثاني: حديث قوله صلى الله عليه وسلم: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" و "احتجبي منه يا سودة"، وصحة الحديث ووجه دلالته على ما قلناه عندي واضحة بعد تأمل ما ذكرناه، وفهم ما قررناه.
والجواب عن الثالث قوله: إنه أعمال لدليل غيره، وترك لدليله، من وجه هو فيه ارجح وإعمال لدليل غيره فيما هو فيه عنده أرجح حسبما بيناه وحسبما تضمنه حديث: "الولد للفراش"، والعمل بالدليلين فيما كل منهما هو فيه أرجح، ليس هو إعمالا لأحدهما وتركا للآخر؛ بل هو إعمال للدليلين معا حسبما قررناه، ثم ورد علي من السائل ما نصه: قولكم إن مراعاة الخلاف في نكاح الشغار من باب نفي الملزوم ولا يلزم منه نفي لازمه ومن باب إثبات اللازم ولا يلزم منه إثبات الملزوم إلى آخره غير بين من وجوه:
الأول: أن هذا النكاح إما أن نقول إنه صحيح أو نقول إنه فاسد، فإن كان الأول فهو رأي الحنفية خلاف رأي المالكية فلا مراعاة لخلاف، وإن كان الثاني فمعنى الفساد سلب الأحكام وتخلف الثمرات، وهذا خلاف ما عليه مراعاة الخلاف؛ لأن النكاح معها فاسد مع عدم تخلف الثمرات كالميراث والطلاق وهذا متناف، وليس النهي في نكاح الشغار راجعا إلى وصف منفك حتى يكون كالصلاة في الدار المغصوبة تصح، وإن كان منهيا عنها إلا أن يقال إنه غير صحيح قبل الوقوع، فإذا وقع صح حسبما أشرتم إليه بقولكم إنه إعمال لدليله من وجه هو فيه أرجح وإعمال لدليل غيره فيما هو عنده فيه أرجح، وكيف يكون المنهي عنه إذا ارتكب فيه النهي يصير غير منهي عنه، هذا يحتاج إلى بيان وجه ذلك فإن النفوس تشمئز من قول من يقول هذا الفعل غير جائز، فإذا إلى بيان وجه ذلك فإن النفوس تشمئز من قول من يقول هذا الفعل غير جائز، فإذا فعلته جازه أو يقول هذا الفعل لا ثمرة له، فإذا فعل أثمر؛ هذا مشكل جدا في مراعاة
الخلاف إن كانت منزلة على هذا التنزيل فلكم الفضل في شرح هذا المعنى إن كان هو المقصود في مراعاة الخلاف، وتمثليه في المسائل حتى يكون طريقا لما بقى.
قلت: حاصله مع مسامحة فيما اشتمل عليه من الترديد في قولنا بصحة هذا النكاح وفساده لمن علم قبح الترديد في الواقع حسبما ذكره أهل علم النظر ضرورة العلم بقولنا بفساده أن الحكم بفساد العقد مع الحكم بترتب ثمراته عليه متناف؛ لأن معنى الفساد سلب الأحكام وتخلف الثمرات إلا أن يقال إنه قبل الوقوع غير صحيح وبعد الوقوع صحيح والنفوس من هذا مشمئزة إلى آخره.
وجوابه إن قوله: (الحكم بفساد العقد مع الحكم بثبوت ثمرات له متناف)، وهم سببه عدم ذكر أصل المذهب وقاعدته، وهو صدق القضية القائلة العقد الفاسد من نكاح وبيع وكراء يوجب ترتب جملة من الثمرات التي تترتب على العقد الصحيح وهذه القضية معلوم صدقها بالضرورة الفقهية لمن قرأ كتاب البيوع الفاسدة من التهذيب فضلا عمن قرأ سائر كتب البيوع والأكرية والنكاح، ومن جملة ذلك النكاح المجمع على أنه نكاح فاسد الواقع فيه البناء الفاسد كالوطء فيه في صوم رمضان أو في الحيض يوجب ترتب شيء من ثمرات النكاح الصحيح عليه كثبوت النسب وحرمة الصهر من الجانبين والنفقة والعدة وغير ذلك، ومنها البيع المجمع على فساده كشراء عبد بخمر أعتقه مشتريه أو باعه فإن عتقه ماض، وكذلك بيعه حسبما ذلك مذكور في المدونة وغيرها، وكذا لو كانت أمة فأولدها كانت له أم ولد، وهذا كله من ثمرات العقد الصحيح، وهو واضح الدلالة على وهم قول السائل الحكم بفساد النكاح مع عدم تخلف الثمرات متناف، وبه يعلم بطلان قوله معنى الفساد سلب الأحكام وتخلف الثمرات.
وما ذكر أن النفوس مشمئزة منه وأنه مشكل، إن فهمه على معنى قولنا أن الفعل قبل إيقاعه محكوم عليه بذم فاعله، وبعد إيقاعه تترتب عليه بعض أحكام الصحيح فواضح عدم اشمئزاز النفوس العالمة بالقواعد الشرعية من ذلك، وإن فهمه على غير ذلك فليس بلازم لما قررناه بحال، وكيف كان فهمه لمسائل مالك في المدونة والجلاب
وغيرهما في كثير من الأنكحة أنها تفسخ قبل البناء وتمضي بعده، وهل كانت نفسه مشمئزة منها أم لا؟
قال الوجه الثاني: أنكم بنيتم على أن اللازم في المسألة أعم من الملزوم فيه يصح ما قررتم ولم يظهر أن ذلك كذلك هنا؛ بل اللازم هنا مساو للملزوم، فإن الإرث اللازم للنكاح الصحيح هو إرث مخصوص لا الإرث مطلقا، وكذلك لو كان النكاح متفقا على تحريمه لم يترتب عليه إرث، ولو كانت الزوجة بنت عم الزوج ثم ماتت لورثها بالنسب لا بالنكاح كما أنه لو كان متفقا على حليته لترتب عليه الإرث المخصوص، ولو كانت الزوجة بنت عم الزوج، ثم ماتت لورثها بالسببين معا فليس اللازم للنكاح من حيث هو نكاح الإرث من حيث هو إرث؛ بل إرثا ما هو إرث النكاح، فإذا انتفى أحدهما في غير مسألة النزاع انتفى الآخر، وإذا ثبت أحدهما تبت الآخر فاللزوم تام كتمامه في قولنا إن كانت الشمس طالعة فضوء النهار موجود فينتج المطالب الأربعة فكذلك في مسألة النزاع، وإنما يستمر ما قلتم في العقليات كقولك: إن كان هذا إنسانا فهو حيوان، أما في الأمور الوضعيات فلا يستمر، إذ يجعل الشارع النكاح سببا في مطلق الإرث مطلقا، فإن مثل هذا عقلي، ولم يقصده الشارع.
قلت: حاصله أنه أبطل بزعمه ما ادعيناه من أن لزوم الإرث للنكاح لزوم أعم لأخص بادعائه أنه مساو له، واستدلاله عليه بدور انه معه ثبوتا في النكاح الصحيح، ونفيا في النكاح المجمع على فساده، وجوابه أنه إما أن يريد أنه مساو لمطلق النكاح غير المجمع على فساده، وإما أن يريد أنه مساو للنكاح الصحيح، فإن أراد الأول رد بالقول بموجبه، وبيانه أنا إنما جعلنا الملزوم المحكوم بنفيه النكاح الصحيح لا مطلق النكاح، وجعلناه ملزوما لمطلق إرث النكاح الأهم من كونه نكاحا صحيحا أو فاسدا، وهذا اللازم أعم من الملزوم المذكور ضرورة كون الملزوم المذكور مقيدا بالصحة؛ فقد بان أنه إن أراد أنه مساو لمطلق النكاح لم يكن معارضا لقولنا بحال، وإن أراد أنه مساو للنكاح الصحيح الذي هو الملزوم في قولنا منعنا ذلك، وسند المنع ما قررنا به كونه أعم، والموجب لتوهم كونه مساويا للنكاح الصحيح اعتقاد أن العقد الفاسد إذا وقع
لا تترتب عليه ثمرة بحال، وقواعد المذهب الضرورية تنفيه حسبما تقدم، وما تقدم من كلام ابن رشد في سماع أبي زيد وتعقبه على ابن القاسم رعي الخلاف في عدم فسخ النكاح وقصره رعيه على الإرث، والطلاق يؤيد ما قررناه في رعي الخلاف، واعتبار اللازم وألغاء الملزوم ومن لم يفهم ما قررناه لم يتضح له فهم كلام ابن رشد، وتفرقته بين ما هو شاذ، وما هو مشهور في رعي الخلاف.
قال: الوجه الثالث على تسليم ما قلتم فالسؤال باق، فإنه وإن كان كما قررتم فلقائل أن يقول هو أيضا من باب إثبات الملزوم، وهو فساد النكاح الملزوم لانقطاع الإرث على قول مالك بمقتضى دليل نفسه، ويلزم من إثبات الملزوم إثبات اللازم، ومن باب نفي اللازم، وهو انقطاع الإرث فينتفي هذا الانقطاع رعيا لدليل المخالف، ويلزم من نفي اللازم نفي الملزوم، وإذا كان ثابتا في المعقولات أن إثبات الملزوم مع نفي لازمه أو نفي اللازم مع إثبات ملزومه باطل فكذلك مسألتنا، وليس جعلكم إياها من باب نفي الملزوم أو من باب إثبات اللازم بأولى من جعلها من باب إثبات الملزوم أو من باب نفي اللازم.
قلت: حاصله المعارضة في الحكم حسبما فسره أهل النظر، وهو قول السائل للمستدل ما ذكرت من الدليل، وإن دل على ثبوت الحكم في صورة النزاع فعندنا ما يدل على نفيه، وذلك بادعائه أن فساد النكاح ملزوم لعدم الإرث، فحينئذ يؤول الأمر إلى الحكم بثبوت الملزوم مع نفي لازمه، وإلى الحكم بنفي اللازم مع الحكم بثبوت ملزومه، وجوابه من وجهين:
منع كون الفاسد ملزوما لنفي الإرث، وسند المنع أن الملزوم لأمر لا بد من علاقة بينه وبين ذلك الأمر تقتضي ربط أحدهما بالآخر، وبهذا فرق الأئمة بين الشرطية اللزومية وبين الشرطية الاتفاقية كقولنا كلما كان الإنسان ناطقا كان الفرس صاهلا، ومن نظر وأنصف علم أن النكاح الفاسد باعتبار ذاته لا علاقة بينه وبين عدم الإرث؛ بل عدم الإرث معه ثابت بالأصل، وعلم أن نسبة النكاح الفاسد إلى عدم الإرث كنسبة النظر الفاسد إلى عدم العلم والمنصوص لأئمتنا أن النظر الفاسد لا يستلزم الجهل بحال، وأن حصول الجهل عقبه اتفاقي.
الثاني: أن النكاح الفاسد مستلزم للإرث لا لعدم الإرث، ودليله ما قررناه من قاعدة المذهب في أن العقد الفاسد يوجب ترتب بعض ثمرات الصحيح عليه، ومن ثمرات الصحيح الإرث فلزم أو أمكن إيجاب هذا النكاح الفاسد الإرث، وأيا ما كان بطل كونه ملزوما لعدم الإرث.
قال: ثم قولكم في الجواب الأول أنه في بعض المسائل ليس كذلك يشعر بأنه كذلك في بعض، وقد أبطلتموه.
قلت: جوابه أن قوله: (وقد أبطلتموه) ليس كذلك؛ بل أثبتناه، وهو مقتضى جوابنا الثاني فتأمله.
قال: وأما الجواب الثاني فظاهره غير ظاهر، فإن اللوازم العقلية قد لا توجد مع وجود الملزومات لمانع كالنظر، فإن إفضاءه إلى العلم عقلي عندهم، وقد يوجد النظر ولا يوجد العلم لطرآن سهو أو قاطع غيره فلا يلزم في العقليات باطلا مطلقا.
قلت: حاصله نقض تخصيصنا انفكاك الملزوم عن لازمه باللوازم الشرعية دون العقلية باعتقاد عموم جواز الانفكاك في الشرعية والعقلية، واستشهاده على ذلك بمسالة النظر، وهذه مقالة من نظر وأنضف علم هل هي من المقالات التي يتردد الذهن في صحتها أو فسادها أو فضيحة نشأت عن التكلم بالهوى الحامل على رد ما لم يحط به الراد علما، ولو كان الأمر كما توهمه لبطل القياس الشرطي بنوعيه، وقد أجمع العلماء على إنتاج نوعه الأول والأكثر على نوعه الثاني، وهو الاقتراني، وكيف يفهم هذا السائل ما قرره الأئمة من المذهب الكلامي، والبرهان الإسلامي في قوله تعالى:} لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا {] الأنبياء:22 [، وقد جرى في كلام هذا السائل قوله: (اللازم المساوي ينتج المطالب الأربعة) وهذا يشعر بمشاركته في علم مقدمة مختصر ابن الحاجب الأصولي التي هي من أقل كاف في ذلك، وفيها مع غيرها كثرة ما نصه وشرط إنتاجه أن يكون الاستثناء بعين المقدم فلازمه عين التالي أو بنقيض التالي فلازمه نقيض المقدم، وهذا حكم كل لازم مع ملزومه وإلا لم يكن لازما، فقوله: (وإلا لم يكن لازما) نص في أن الانفكاك مانع من اللزوم، ومن نظر طرفا من المنطق علم صحة ما
ذكرناه ضرورة، وكذلك من نظر طرفا من فن علم الكلام، من جملة ذلك قول الشيخ أبي العز المقترح في شرح الإرشاد في باب القول في إثبات العلم بالصفات قال ما نصه: معنى التعليل التلازم، وما وجب في العقل ملازمته لشيء استحال ثبوته بدونه.
قلت: وهذا نص في استحالة الانفكاك في التلازم العقلي ولله قول المتنبي:
وكيف يصح في الأفهام شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل
واحتاجه بمسألة النظر وهم أو نقص من الكتب التي استند في نقله إليها، وبيانه أن استلزام النظر الصحيح العلم مذهب الشيخ فيه أنه عادي لا عقلي، وعليه لا مدخل لمسألته في التلازم العقلي بحال، ومذهب الحكماء أنه عقلي، وهو دليل الإرشاد والمعالم، وقاله جماعة من متأخري أصحابنا وكلهم قيدوه بانتفاء الآفة حسبما نص عليه في الإرشاد والمعالم، والمقترح في شرحه وغيرهم، فإن أراد السائل أن النظر الصحيح يستلزم العلم بشرط تقييده بانتفاء الآفة لم يكن النظر المصحوب بآفة أو سهو أو قاطع ملزوما للعلم بحال، فالنقض به حينئذ وهم، وإن أراد أن النظر الصحيح يستلزم العلم مطلقا لا بقيد انتفاء الآفة رد باعتقاده نقضه، ونقصت عن سائر الكتب كتبه لترك التقييد بالسلامة من الآفة رد باعتقاده نقضه، ونقصت عن سائر الكتب كتبه لترك التقييد بالسلامة من الآفة حسبما تجده في كتب الأئمة، وقد كان والله بعض أشياخنا إذا خاطبه الطالب بنحو هذا الوهم أعرض عن جوابه لفظا فأحرى كتبا، وأما شيخنا أبو عبد الله بن الحباب: يزجره بالقول زجرا شديدا، ولا جواب لمن نازع فيما قلناه إلا بقوله تعالى:} وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ {] سبأ:24 [.
ثم قال: وأيضا فمن أين يلزم إذا كان الرق أو الكفر أو القتل مثلا في مسألة الإرث مانعا من إثبات اللازم، وهو الإرث أن يكون دليل المخالف في مسألتنا مانعا أيضا من انقطاع الإرث اللازم لدليل منع النكاح، وقد فرضناه مرجوحا، وهل السؤال إلا فيه.
قلت: موانع الإرث إنما ذكرناها بيانا لقولنا اللزوم الشرعي قد ينفك لمانع فقط، ولم نذكره دليلا على أن دليل المخالف مانعا من انقطاع الإرث بحال، وهذا الكلام منه بناء على ما سلف له من أن عدم الإرث لازم للنكاح الفاسد، وقد مر إبطاله.
وقوله: (وقد فرضاه مرجوحا) ليس كذلك؛ بل قدمنا أن دليل المخالف على
الإرث نفسه راجحا، وعلى صحة النكاح راجح، والله أعلم وبه التوفيق.
وقول ابن الحاجب ما فسخ قبل البناء فلا صداق وبعده المسمى؛ خلاف نصها في صريح الشغار، والنكاح على ان لا مهر، وقول غيرها يفسخ ما فسد لصداقه ففيه مهر المثل.
ابن شاس: ما أجمع على فساده فسخ ولو بنى، وما اختلف فيه إن فسد لعقده فسخ قبل البناء، وفي فسخه بعده خلاف كنكاح المريض والمحرم، وفيما فسد لصداقة ثالثها: المشهور قبل البناء لا بعده.
قلت: لابن محرز عن القاضي في حمل قول مالك بفسخه قبل البناء على الوجوب أو الاستحباب قولا متقدمي أصحابنا ومتأخريهم، وقول ابن الحاجب: "ما اختلف فيه إن كان بنص أو سنة او لحق الورثة كالمريض فكذلك" خلاف نقل ابن شاس في نكاح المريض، ونقل اللخمي كابن شاس.
وقوله أيضا: (إن كان لنص أو سنة) خلاف إطلاق الشيوخ، وظاهر الروايات الحكم في المختلف فيه مطلقا، ولأن وجود النص فيه والسنة بنفي القول بجوازه، وتعقبوا قوله نحو عقد الدرهمين بأن نصها: والمشهور في عقد الدرهمين عدم فساد العقد؛ لأن المشهور فيه تخيير الزوج في إتمام ثلاثة دراهم ولا تتخير في الفاسد، ويجاب بأنه على المشهور معروض للصحة والفساد بحسب اختياره الإتمام وعدمه، فذكر ابن الحاجب فاسدا من حيث فساده، وهو عدم اختياره الإتمام.
باب في المتعة
المتعة: ما يؤمر الزوج بإعطائه الزوجة لطلاقه إياها، المعروف أنها مستحبة يؤمر
بها، ولا يقضى بها، ولا يحاصص بها.
ابن زرقون في المبسوطة عن محمد بن مسلمة: هي واجبة يقضي بها لازمة، لا يأبى أن يكون من المحسنين، ولا من المتقين إلا رجل سوء.
قلت: ولأن رأي المتقدمين أن المؤمن والمتقي متساويان، والعموم مقدم على المفهوم على الأصح ونقله اللخمي ولم يعزه.
ابن بشير: رأي بعض أشياخي أن الصحيح وجوبها لاقتضاء لفظ حق الوجوب وأكده لفظ علي، وعزاه بعضهم لابن حبيب، وهي لكل مطلقة في عصمة لا ثلم فيها، ولا خيار على الزوج.
وفيها: لا متعة لمختلعة ولا مصالحة ولا ملاعنة، ولا مطلقة قبل البناء، وقد سمى لها، زاد ولا مفتدية ولا من اختارت نفسها لعتقها، زاد اللخمي: أو قامت بعيب ولا من فسخ نكاحها، ولو لعارض حدث، وقول الباجي: المفارقة عن مقابحة كالملاعنة خلاف ظاهر المذهب.
ابن رشد: ظاهر قول ابن القاسم إن طلق فيما يفسخ بطلاق قبل فسخه فلا متعة عليه.
اللخمي: إن فسخ لرضاع بأمر الزوج رأيت عليه المتعة، وإن اشترى زوجته لم
يمتعها لبقائها معه، ولو اشترى بعضها متعها، وفي متعة المخيرة، والمملكة نقل ابن رشد رواية ابن وهب، وقول ابن خويز منداد.
الصقلي: لمن اختارت نفسها لتزويج أمة عليها المتعة.
وفيها: الصغيرة وذات الرق والذمية كالكبيرة الحرة المسلمة.
اللخمي والباجي: والمولي القادر على الوطء كغيره.
ابن الحاجب: ليس للسيد منع عبده منها.
ابن محرز عن ابن وهب وأشهب: إن لم يمتعها حتى ارتجعها سقطت.
فضل: وعليه لا تجب في الطلاق الرجعي إلا بانقضاء العدة، وإن لم يمتعها حتى مضى لها وقت، وتزوجت متعها.
اللخمي: اختلف إن لم يمتعها حتى بانت، ثم تزوجها فظاهر قول ابن وهب وأشهب أن لا متعة.
ابن بشير: المنصوص أن لها المتعة واستقراء اللخمي غير صحيح؛ لأن هذا نكاح ثان.
أبو عمران: لو طلق بعد بنائه من نكاحها بتفويض وأنكر المسيس وادعته قضي لها بمهرها تحاسب منه بالمتعة، ولا يمكن كون المتعة أكثر من مهرها؛ لأنها على قدر حالها.
عبد الحق: إن دفع المهر على أنه أو بعضه متعة أجزأه، وإلا فهي باقية عليه، وقد يرجع جواب أبي عمران إلى هذا.
قلت: إن دفعه على ذلك نصا فلها طلبه بالمهر أو تمامه.
ابن رشد: وتبطل بموته، وفي وجوبها لوارثها إن ماتت، وسقوطها قولا ابن القاسم وغيره، وعزاه اللخمي وعبد الحق لأصبغ، وفيها: لمالك لا حد لها.
وفي كونها على قدر حالها أو حال الزوج، ثالثها: بقدر حالهما لأبي عمران وأبي عمر وابن رشد.
وفيها لابن عباس أعلاها خادم أو نفقة وأدناها كسوة، وإن اختلف الزوجان في قدر المهر ولا موت ولا طلاق قبل بناء ففيها القول قولها، ويخير الزوج في تمام ما ادعته وإلا تحالفا، وفسخ النكاح ولا شيء لها.
اللخمي: في تبدية الزوجة أو الزوج قول مالك ورواية الواقدي، وأن يقترعا أحسن.
المتيطي: إثر هذا الكلام قال أبو عمر: روى ابن وهب يحلف الزوج على ما ادعته الزوجة ويفسخ، وفي تقرر الفسخ بتمام حلفهما كاللعان، ووقفه على الحكم به قولا سحنون مع عبد الحق عن بعض شيوخه محتجا بمخالفة النكاح البيع للاحتياط وأبي حفص، ونقل اللخمي مع ابن سهل عن ابن حبيب: للزوج بعد حلفهما المقام على ما ادعته الزوجة أو الترك ولا شيء عليه، والمتيطي عن القاضيين، وعن المغيرة لكل منهما الرجوع لقول الآخر، ورجحه ابن محرز بأن أيمانهما لم توضع للفسخ، زاد اللخمي: وعليه إن طلقها ثلاثا قبل الفسخ لزمه.
قلت: وعلى الآخر يجري على اتباع الخلع الطلاق.
قال: وعليه إن مات أحدهما توارثا، وهو أحسن إلا أن يكونا عقدا أن تحالفهما فسخ فيلزم ما التزم.
قلت: يكفي كون هذا من الزوج فقط.
ابن سهل: نقل بعض المختصرين عن ابن حبيب: تحلف الزوجة إن كانت ثيبا أو أبوها إن كانت بكرا، ثم للزوج الرضا بذلك أو يحلف، وينفسخ النكاح خلاف ما في الأصل.
قلت: لا يجوز لمختصر نقل خلاف ما في الأصل إلا ببيان أنه خلافه.
اللخمي: لو أتى أحدهما بما يشبه دون الآخر ففي حلفهما، وقبول قول ذي الشبه روايتان، وهذه أحسن؛ لأن الشبه دليل كشاهد، وفي كون نكولهما كحلفهما أو يكون القول قول المرأة قولان الأول أحسن، وفي كون الفسخ بطلاق أو دونه نقلا المتيطي.
عياض: ظاهرها بغير طلاق، وقد يقال بطلاق للخلاف في فسخه إثر التحالف أو يخير أحدهما.
المتيطي: الحالف المرأة إن كانت مالكة أمر نفسها أو من عقد عليها من أب أو وصي أو ولي إن كانت محجورة.
اللخمي: تحلف الزوجة أو الولي إن لم تعلم ما عقد لها به.
وسمع ابن القاسم: من زوج ابنته صبيا صغيرا برضى أبيه فمات فطلب أبو الزوجة
إرثها ومهرها، فقال أبو الصبي: ما أصدقت شيئًا إنما كان على وجه الصلة ليس له إلا الإرث إن لم يقم بينة، ولو شهد له شاهد واحد حلفت الجارية إن بلغت، وإلا أخرت حتى تبلغ، وتعرف ما تحلف عليه.
ابن رشد: قوله: (تؤخر حتى تبلغ) يريد: بعد حلف أبي الزوج، فإن نكل غرم ولا يمين عليها إن بلغت، وإن حلف أخرت حتى تبلغ فتحلف وتأخذ، فإن نكلت فلا شيء لها، ولا يحلف الأب ثانية.
محمد: وهذا بخلاف مبايعته لها ويقيم شاهدًا، هذا يحلف معه، فإن نكل غرم ما نكل لإتلافه بعدم توثقه؛ لأنه لا يبيع إلا بثمن معلوم والنكاح على التفويض يجوز فلم يتعد إنما عليه أن يشهد في أصل النكاح لا في التسمية.
محمد: وهذا ما لم يدع أبوها التسمية، فإن ادعاها مع الشاهد فقد ضيع؛ يريد: فيحلف ويستحق المهر لابنته، فإن نكل غرمه بعد حلف أبي الصبي، وظاهر الرواية أنه ادعى التسمية مع الشاهد فقول محمد خلافها، وسماع أبي زيد أن أهل المرأة يحلفون في الشروط التي ادعى الزوج أن أباه شرطها عليه، وهو صغير مثل قول محمد فهي مسألة فيها قولان، ومن هذا المعنى اختلافهم في الزوجين يختلفان في قدر المهر أو نوعه.
سمع عيسى ابن القاسم في بعض روايات العتبية: إن كان قبل البناء فالقول قول الأب أو الولي إن كانت بكرًا ويحلف إذ ليس لها الرضى بالمهر، فإن أعطى الزوج ما حلفت عليه، وإلا حلف وانفسخ النكاح، وإن كان بعد البناء فالقول قول الزوج في عدد المهر، وإن كان في نوعه تحالفًا، وردت إلى مهر مثلها؛ يريد: ويغرم الأب أو الوصي الزيادة لتركه الإشهاد.
قال فضل: وكذا قال أصبغ في سماعه بعد أن حكى عن ابن القاسم: أن البكر هي التي تحلف فمن أوجب على الأب الإشهاد على تسمية المهر قبل البناء رأى عليه أن يحلف مع الشاهد؛ لأنه إن لم يحلف غرم لتركه الإشهاد، ومن لم يوجب عليه الإشهاد على ذلك رأى اليمين على الجارية، وهو الذي في الرواية.
ولو قال الأب: زوجتها بتفويض، وادعت أن أبا الصبي فرض لها بعد ذلك وأتت عليه بشاهد حلفت دون أبيها اتفاقًا، ولو ادعى الأب التسمية بعد البناء، وهي أكثر من مهر المثل وأتى بشاهد
أحلف معه دونها اتفاقًا، وكذا لو باع لابنه سلعة بأكثر من قيمتها فجحد المشتري الشراء والسلعة قائمة وأتى الأب بشاهد تخرج فيها قولان:
أحدهما: أن الأب يحلف لتركه التوثق، فإن نكل غرم لابنه الثمن.
والثاني: أن الابن يحلف إن شاء إذ لم يجب على الأب الإشهاد إلا عند دفع السلعة، ولو دفعها للمشتري فجحده وجب حلفه مع الشاهد اتفاقًا؛ لأنه ضيع بترك الإشهاد، فإن نكل غرم الثمن على القول أنه يحلف إذا لم يدفع السلعة والقيمة على القول بأن الابن هو الذي يحلف، وكذا القول في المأمور يوكل على بيع السلعة فيجحد المشتري وللمأمور شاهد واحد، وإن كان للابن شاهد بحق لم يله الأب لم يكن عليه أن يحلف مع الشاهد لابنه، واختلف إن كان الابن صغيرًا فأراد أن يحلف ويستحق له حقه فقال ابن كنانة ذلك له؛ لأنه يمونه وليس ذلك لأحد غيره من أم أو وصي وأنكره ابن القاسم.
وفيها: إن اختلفا فيه بعد البناء أو بعد الطلاق قبل البناء صدق مع يمينه، فإن نكل حلفت وأخذت ما ادعت، وكذا إن ماتت قبل البناء فادعى ورثتها تسمية والزوج تفويضًا صدق مع يمينه وله الميراث.
المتيطي: هذا المشهور في اختلافهما فيه بعد البناء.
وقال أبو عمر: وروى ابن وهب يتحالفان، ولها مهر المثل ويثبت النكاح، وإن اختلفا في نوعه قبل البناء فللخمي ما تقدم لابن رشد تحالفا وتفاسخا، وإن اختلفا فيه بعده ففي ثبوته بما قال الزوج أو بمهر المثل ما لم يزد على ما ادعته، وما لم ينقص عما ادعاه، ثالثها: إن ادعى ما تصدقه النساء، وإن ادعى غير ذلك كالخشب والجلود وادعت جاريته أو عبده أو داره أو جنانه وشبهه مما يتزوج به النساء فالقول قولها إ، كانت قيمة ذلك مثل ما تتزوج به فأثل، وإن ادعيا ما يشبه في الصنفين فالقول قوله، وإن كان لا يشبه أن يتزوج بواحد منهما تحالفا وتفاسخا ولها مهر المثل، للخمي عن ابن القصار ولظاهر نقله عن معروف المذهب وعن أصبغ.
المتيطي: وعلى التحالف وردها لمهر المثل ففي ثبوت النكاح وفسخه رواية ابن وهب مع المعروف من المذهب ونقل ابن الجلاب.
قال بعض الموثقين: ولم أره لغيره.
اللخمي: لو كان أبواها ملكًا للزوج، وقال: تزوجتك على ابيك، وقال: على أمي، تحالفا وتفاسخا، وعتق الأب عليه لإقراره بحريته، وكذا إن نكلا، وإن حلف ونكلت عتق عليها، وإن نكل وحلفت عتق الأب عليه والأم عليها.
وإن اختلفا في دفع المهر: ففيها: القول قولها وقول وارثها قبل البناء وبعده القول قول الزوج أو وارثه.
اللخمي: إن كان دخول هداء.
قال ابن القاسم: مع يمينه، وقال ابن الماجشون: إن كان قريبا، وجاءت بلطخ حلف، وإن طال فلا يمين.
عياض: هذا فيما ادعى دفعه قبل البناء من معجل أو مؤجل وما ادعى دفعه منهما بعد البناء لم يصدق فيه إذ صار كسائر الديون.
اللخمي: ولابن القاسم في العتبية إن ادعى الزوج أنه صالح امرأته عن خادم مهرها على دنانير دفعها لها إن أنكرت صلحه فهو مدع، وإن أقرت به قبل البناء صدق؛ يريد: إذا بنى، ولو اتفقا على أن الصلح بعد البناء صدقت.
وفيها: إن قال ورثته في المدخول بها دفعه أو لا علم لنا فلا شيء عليهم، فإن ادعى ورثتها علمهم حلفوا ما يعلمون أنه لم يدفعه، ولا يمين على غائب، ومن يعلم أنه لا علم عنده.
وسمع القرينان: من بنى بزوجته، ثم مات فطلبت مهرها.
قال: على ورثته اليمين ما نعلم بقي عليه مهر حتى مات.
ابن رشد: أوجب حلفهم على العلم، وإن لم تدع ذلك عليهم خلاف ما في نكاحها الثاني لا يمين عليهم إلا أن تدعي علمهم، وخلاف ما في كتاب الغرر منها في التداعي في وقت موت الجارية الغائبة المبيعة على الصفة، فإن نكلوا عن اليمين حلفت المرأة أنها لم تقبض مهرها واستوجبته لا على أن الورثة علموا أنها لم تقبض، وهذه يمين ترجع على غير ما نكل عنه الورثة لها نظائر كثيرة، ويختلف في توجه هذه اليمين إذا لم تحقق المرأة ذلك على الورثة؛ لأنها يمين تهمة، ولا يختلف في رجوعها على الزوجة لمعرفتها بما
تحلف عليه كما يختلف في رجوع يمين التهمة.
وسمع عيسى رواية ابن القاسم: من تزوج بخمسين نقدًا وخمسين لسنة فانقضت، ثم بنى بها فطلبت الخمسين فقال أديتها قبل البناء صدق وحلف.
ابن رشد: هذا قول ابن حبيب ومثله في ثاني نكاحها وعليه فلها إذا حل قبل البناء منعه منها حتى يدفعه إليها، وعلى قول يحيى بن يحيى إن أعسر به فله البناء وتتبعه به؛ لا يصدق في دعواه دفعه، والقول قولها مع يمينها.
اللخمي: إن أخذت بالمهر رهنا ثم سلمته صدق الزوج مع يمينه في دفعه ولو قبل البناء، ولو اختلفا بعد البناء والرهن بيدها ففي قبول قوله مع يمينه أ, قولها مع يمينها قولا سحنون ويحيى بن يحيى وهو أبين، كمن باع سلعة وسلمها وبيده رهن القول قول البائع، وإن أخذت به جميلًا، وأقرت بقبضه واختلف الزوج والحميل في دفعه واتفقا على أنها قبضت مائة فقط؛ لأن الدفع كان بحضرتهما أو أرسلا به رسولًا صدق الزوج مع يمينه، فإن نكل حلف الحميل وأغرم الزوج ولا يمين على الزوجة، وإن دفع كل منهما في غيبة الآخر، فإن أقرت الزوجة للزوج حلفت للحميل، فإن نكلت حلف وأغرمها ولا مقال بين الرجلين، وإن أقرت للحميل صدق الزوج؛ لأنه يقول ما قبضت ما اشتريت حتى دفعت ما علي ويحلف يمينين أنه دفع لها، وللحميل ما علم دفعه قبل دفعه شيئًا إن نكل عن يمين الزوجة حلفت ما قبضت منه شيئًا وغرمه الزوج للحميل، وإن نكلت برئ الزوج وغرمت للحميل، وإن حلف لها ونكل عن حلفه للحميل حلف الحميل أنك تعلم دفعي لها قبل دفعك ورجع عليه، فإن نكل فلا شيء على الزوج، وإن قالت ما قبضت من واحد منهما شيئًا، ولم يبن وادعيا دفع مائة فقط حلفت يمينًا واحدة وأغرمت الزوج إلا أن يكون معسرًا فيغرم الحميل، وإن ادعى كل منهما؛ دفع مائة بغير محضر الآخر حلفت لكل منهما، إن حلفت للحميل دون الزوج حلف وبرئ ولا شيء عليه للحميل إن لم يدع عليه العلم، وإن حلفت للزوج دون الحميل حلف واتبع الزوج؛ لأن يمينها للزوج توجب غرمه لها المهر، ويمين الحميل عند نكولها توجب أن الحميل هو الدافع بالحمالة فوجب أن يرجع عليه، وإن نكلت هي والزوج وحلفت للحميل غرم لها الزوج ولا شيء للحميل، وإن حلفت لهما وادعى
الحميل علم الزوج أنه دفعه عنه بوجه جائز حلف الزوج، فإن نكل حلف الحميل ورجع عليه.
ولابن حبيب: إن قال حامل المهر بعد البناء أنها قبضت منه أو زعم الحميل أنها قبضته من الزوج صدق مع يمينه، وسئل الزوج، فإن زعم أن الحامل برئ أو قال في الحمالة إني برئت منه صدق مع يمينه، وإن قال في الوجهين ما قبضت الزوجة شيئًا لم يلزم الحامل، ولا الزوج في الحمل شيء، ويلزمه في الحمالة دون الحميل، وإن قال الحميل دفعته إليها وأكذبه الزوج برئ الحميل، ولا رجوع له على الزوج إلا ببينة، ويغرمه الزوج لها بإقراره.
وسمع عيسى ابن القاسم من تحمل بمهر، ثم ادعى هو والزوج دفعه بعد البناء صدق مع يمينه.
سحنون: الرهن كالحميل يبرئه البناء فيه.
ابن رشد: يحلف الحميل أنه ما علم أنه بقي لها قبل زوجها شيء من مهرها، وإنما يجب حلفه إن غاب الزوج أو حضر مقرًا أنه لم يدفعه، وهو عديم؛ لأنه يتهم لزوجته على الحميل فالقول قوله، ولو ادعى الزوج الدفع أو كان مليًا، وأقر بعدم الدفع فلا شيء على الحميل لسقوط الحمالة بيمين الزوج إن ادعى الدفع أو بإقراره إن كان مليًا، وقول سحنون صحيح إن كان الرهن في عقد النكاح لا عند الدخول؛ لأن لها منعه البناء حتى يدفع مهرها ارتهنت به رهنا أم لا، فلا أثر للرهن هذا معروف المذهب في قبول قول الزوج بعد البناء، ولما ذكره الباجي قال: قال إسماعيل القاضي: هذا ببلد عرفه تعجيل النقد عند البناء وما لم يكن عرفه كذلك فالقول قول الزوجة، وقال القاضي: هذا إن لم يثبت ذلك في صداق ولا كتاب، وإن ثبت في صداق فليس القول قول الزوج، والأول أظهر، وذكر ما تقدم من سماع عيسى على أنه من سماع يحيى، ولم يقيد قول سحنون فيه، وزاد في آخره قال مالك: وليس يكتب في الصدقات براءة.
ولما ذكر ابن شاس قول إسماعيل قال القاضي أبو الحسن: ينبغي أن يكون هذا هو الصحيح.
قال: وقال القاضي أبو الوليد: إنما ذلك مبني على أن العادة في معظم البلاد؛ بل في جميعها أن معجل الصداق لا يتأخر عن البناء، وهذا أظهر مما تقدم.
وقيد اللخمي قولها مع سماع ابن القاسم ورواية محمد بقبول دعوى الزوج التفويض بوقوع النكاح عندهما بتسمية وتفويض، ومن عادتهم التسمية فقط لم يصدق الزوج منهم.
ابن شاس: لو ادعت ألفين بعقدين في يومين ببينة عليهما لزما، وقدر تخلل طلاق، وفي تقديره بعد البناء فعلى الزوج إثباته قبله ليسقط عنه نصف المهر أو قبله فعلى المرأة إثباته بعده ليثبت لها كله خلاف سببه هل المستقر بالعقد كله أو نصفه؟
قلت: مقتضى المذهب أنه قبله؛ لأن الزوج بعد الطلاق غارم والأصل عدم البناء والقول قول الزوج فيهما اتفاقًا، ولو قلنا بوجوب كله بالعقد؛ لأن الطلاق منضمًا لما ذكرناه يبطله.
واختلاف الزوجين في متابع البيت: فيها: إن اختلفا فيه، ولو بعد الفراق قضي بما يعرف النساء للمرأة وبغيره للرجل؛ لأن البيت بيته بعد أيمانهما.
ابن حارث: اتفاقًا فيما يختص بأحد صنفيهما، وفي غيره في كونه للزوج أو بينهما بعد أيمانهما قولان لها مع سماع ابن وهب وله مع المغيرة، وفي سماع يحيى ابن القاسم عن رواية ابن وهب في كتاب العدة مثل قولها وفيه: والإبل والبقر والغنم للرجال إلا ما قامت عليه بينة أنه للمرأة، أو كان الرجل معروفًا معها بالفقر، وهي معروفة بالغنى ينسب ملك ذلك إليها، ويذكر أنه لها فاشيًا بالسماع، وقول عدول الجيران فهو للمرأة، وإن لم تكن شهادة قاطعة.
ابن رشد: في كون القول قول الزوج فيما ادعياه من متاع البيت مطلقًا وقسمه بينهما، ثالثها: ما هو من شأن النساء للمرأة وغيره للرجل، ورابعها: ما ليس مختصا بأحدهما بينهما بعد أيمانهما في الجميع، لمحمد بن مسلمة، وابن وهب في المبسوط، ولها ولابن وهب في العتبية مع المغيرة وابن القاسم، وعن سحنون ما هو من متاع النساء للمرأة دون يمين، وقال الفضل: رأيت لابن عبدوس بخطه عن ابن القاسم ما هو من متاع النساء للمرأة دون يمين وكذا الرجل فيما هو من متاع الرجال، وهذا الخلاف في اليمين إنما يصح في اختلاف ورثة الزوجين أو ورثة أحدهما مع الآخر دون تحقيق دعوى، كقول ورثة الزوج للمرأة فيما هو مختص بها احلفي أن المتاع متاعك؛ لأن
مورثنا مات عنه وأنت مدعية، وكذا ورثة المرأة مع الزوج وظاهر قول ابن وهب في هذا السماع كقول سحنون، وهذا الخلاف على الخلاف في يمين التهمة فيه قولان مشهوران، وأما قبول قول أحد الزوجين فيما يختص به وزوجه يكذبه، ويدعيه فلابد من يمينه في ذلك كنص ابن حبيب والمدونة، وغيرهما فلا اختلاف فيه.
قلت: ظاهر قول سحنون وابن عبدوس عن ابن القاسم: أنه في الزوجين أنفسهما وتكذيب أحد الزوجين الآخر في ذلك لا ينفي قوله دون يمين بناء على أن العرف كشاهدين لا كشاهد واحد حسبما مر من الخلاف في قبول قول المرأة في المسيس مع إرخاء ستر الهداء، وعليه حمله اللخمي وعبد الحق والصقلي وعبد الحميد وغير واحد.
وفيها: المعروف للنساء مثل الطست والتور والمنارات والقباب والحجال والأسرة والفرش والوسائد والمرافق والبسط وجميع الحلي، والمعروف للرجال السيف والمنطقة والرقيق ذكورًا وإناثًا والخاتم.
الصقلي: يريد: خاتم الفضة.
قلت: ما لم يعلم من الرجل مخالفة السنة في تختمه بالذهب، فإن كان شكل الخاتم للصنفين مختلفًا كعرفنا فواضح، إلا كان مشتركا، وقول اللخمي: إناث العبيد يشبه كونهن لهما جميعًا خلاف نصها، ووفاق عرفنا.
وفي النوادر عن الواضحة: المصليات مما للنساء والمصحف مما لهما، وكذا البقر والغنم والرمك وجميع الحيوان والأطعمة والأدم والثمار، وما يدخر من المعاش.
الشيخ: لعله يريد بالدواب والرمك والبقر والغنم ما كان سائمة غير المراكب مما يأوي لدور البوادي.
ابن رشد: المعتبر عرف كل بلد.
قلت: مع اعتبار الصنف؛ لأن عادة الحضر ببلدنا تونس خلاف عادة الأندلس بها، وخلاف عادة البربر، والبدو بها، ويشكل الأمر إذا كان أحدهما من صنف والآخر من صنف آخر وتعارض موجب الاختصاص، كالأسرة من شأن الرجل للأندلسيين، ومن شأن النساء في الحضريين فتصير من المشترك.
وفيها: الدار للرجل؛ لأن عليه أن يسكن المرأة.
ابن رشد: عرفنا في ذوات الأقدار أن المرأة تخرج الدار، فلو اختلفا فيها عندنا كان القول قول المرأة، وكذا حفظت عن شيخنا ابن رزق.
الشيخ عن ابن حبيب: الخص للرجل كالدار.
وفيها: ذو الرقو الكافرة كغيرهما.
المتيطي عن ابن القاسم: وكذا الكافران إن ترافعا إلينا؛ لأنها مظلمة تظالموا بها.
وفيها: إن كانت مظلمة كفى فيها رفع المظلوم فقط خلاف قوله ترافعا.
وفيها: كون الدار للزوج أو الزوجة سواء، وأصناف الماشية، وما في المرابض من خيل وبغال وحمير لمن حاز ذلك.
أبو حفص: ما كان منها بيد راع فهو لمن أقر به له؛ لأن يد الراعي كيد المقر له من وجه الحيازة لا شهادة ولا خبر.
قلت: ولو ادعت درعا ونحوه فقال الزوج هو لفلان وديعة عندي، صدق دون يمين؛ لأنه حائزه لقولها إن البيت بيته، وقاله ابن رشد.
وفيها: من أقام بينة فيما يعرف للآخر أنه له قضي له به، وما ولي الرجل شراءه من متاع النساء ببينة أخذه بعد حلفه ما اشتراه إلا لنفسه، إلا أن يكون لها أو لوارثها بينة أنه اشتراه لها، وما وليت شراءه من متاع الرجال ببينة فهو لها وورثتها في اليمين والبينة بمنزلتها إلا أنهم إنما يحلفون أنهم لا يعلمون أن الزوج اشترى هذا المتاع الذي يدعي من متاع البيت، وتحلف المرأة في ذلك على البتات وورثة الرجل بهذه المنزلة.
عبد الحق: في لزوم حلف المرأة في استحقاقها ما أقامت البينة بشرائها إياه من متاع الرجال قولا بعض شيوخنا محتجًا بأنها كالرجل قائلًا: إنما سكت فيها عن يمينها لذكره في الرجل، وبعض شيوخ شيوخنا مفرقًا بأن الرجال قوامون على النساء لا العكس.
اللخمي: عن سحنون إنما يختص الرجل بما اشتراه من متاع النساء بالبينة على شرائه لنفسه لا على مطلق شرائه، إنما يشتري للنساء الرجال.
قلت: ومقتضاه سقوط يمينها فيما اشترته من متاع للرجال.
أصبغ: لو قال الزوج في رداء ادعته: كتانه لي وهي عملته؛ صدق؛ لأنه لو ادعاه قبل قوله فيكون له بقدر كتانه وللمرأة أو لورثتها بقدر قيمة عملها، ولمالك في
المختصر ما نسجته من صوف بينهما كذلك.
المتيطي لأصبغ عن ابن القاسم: إن تداعيا في غزل فهو لها بعد حلفها.
وفيها: إن كان الزوج من الحاكة وأشبه غزله وغزلها فمشترك، وإلا فهو لمن أشبه غزله منهما، ونقله مع النوادر عن أصبغ في الطست والإبريق ونحوهما من الآنية إن كان شأن النساء أن لا يخرجنه لأزواجهن؛ قيل فيه قول الزوج مع يمينه إن كانت بكرًا، واختلفا قرب البناء، وإن كانت ثيبًا أو كان البناء، بالبكر بعيدًا، وأمكن أن تتخذ ذلك؛ قبل قولها، وقد تخرج المرأة لزوجها دون شيء ويقبل قولها بعد ذلك فيما للنساء؛ لأنها تكتسبه- مشكل إلا أن يكون عرف إخراج المرأة في جهازها خلاف عرف كسبها بعده- وإلا ناقض أول كلامه آخره.
باب الوليمة
الوليمة: الباجي عن صاحب العين: الوليمة طعام النكاح.
عياض عن الخطابي: هي طعام الإملاك، وقال غيره: هي طعام العرس والإملاك فقط.
المازري وابن رشد وغير واحد: المذهب مستحبة.
ابن سهل: الصواب القضاء بها على الزوج لقوله صلى الله عليه وسلم: "أولم ولو بشاة" مع العمل به عند الخاصة والعامة، وتقدم في فصل هدية العرس نقل ابن رشد عن بعض الشيوخ حمل اختلاف قول مالك في وجوب هدية العرس أنها الوليمة وتقدم رده ذلك.
وسمع عيسى رواية ابن القاسم كان ربيعة بن عبد الرحمن يقول: إنما استحب
الطعام في الوليمة لإظهار النكاح ومعرفته؛ لأن الشهود يهلكون.
قلت: يقوم منه جواز النكاح المسمى اليوم بنكاح الجفنة إلا أن العمل استقر بمنعه حيث يمكن الكتب والإشهاد فيه.
ووقتها: روى محمد أرى أن يولم بعد البناء.
الباجي: وروى أشهب في العتبية لا بأس إن لم يولم بعد البناء.
ابن حبيب: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يستحب الإطعام على النكاح عند عقده"، ولفظة (عند) تحتمل قبله وبعده، وتقديم إشهاره قبل البناء أفضل كالإشهاد، ويحتمل أن يكون مالك قال ذلك لمن فاته قبل البناء أو اختاره لدلالته على الرضى بما رأى من حال الزوجة، ولما ذكر عياض رواية محمد قال: والرواية الأخرى جوازها بعد البناء، وحكى ابن حبيب استحبابها عند العقد وعند البناء، واستحبها بعض شيوخنا قبل البناء.
قلت: قوله: (والرواية الأخرى) إشارة لما ذكره الباجي من رواية أشهب في العتبية، ولم أجدها فيها.
الباجي: المختار منها يوم واحد.
عياض: لا خلاف أنه لا حد لها، وهي بقدر حال الرجل وما يجد، واستحب أصحابنا لأهل السعة كونها أسبوعًا.
قال بعضهم: إذا دعا كل يوم من لم يدع قبله، وتكره فيها المباهاة والسمعة.
قلت: هذا مقتضى نقل الباجي عن ابن حبيب، وفيه: إن دعا في الثالث من لم يكن دعاه أو من دعاه مرة فهو سائغ، وظاهر نقل عياش منع مطلق التكرار، ولفظ ابن حبيب: من يوم بنائه إلى مثله، فعبر عنه عياض بسبع، ونقله القرافي بلفظ ثمانية أيام، وفي إجابة دعوة من دعي لها معينًا ولا منكر طرق.
ابن رشد في سماع ابن القاسم: سئل مالك عن إتيان الوليمة قال: أرى أن يأتيها؛ يريد: لا سعة له في التخلف.
عياض: لم يختلف العلماء في وجوب إجابتها.
الباجي: روى ابن القاسم في المدنية إنما يجب في طعام العرس، وليس طعام الإملاك مثله.
عياض: هذا على رواية محمد أنها بعد البناء، وهو المسمى عنده وليمة وعرسًا.
الباجي: هذا مشهور مذهب مالك وأصحابه، وروى ابن حبيب ليس ذلك حتمًا ولا فرضًا، وأحب إلي أن يأتي فجعله ندبًا.
قلت: ونقله ابن شاس عن ابن القصار.
اللخمي: إن كان المدعو قريبًا أو جارًا أو صديقًا، ومن يحدث بتأخره عداوة وتقاطع وجب إجابته، وغيره إن لم يأت من الناس ما يقع به شهرة النكاح ندبت وإلا أبيحت.
قال: وروى محمد لا بأس أن يقول الرجل للرجل ادع لي من لقيت، ولا بأس على المدعو كذا أن لا يجيب؛ يريد: لأن تخلف من لا يعرف لا يقع به شنآن.
قلت: ومثله في سماع القرينين، وسمع القرينان: أرى لمن دعي لما أخر للسابع أن يجيب وليس مثل الوليمة؛ لأنه ربما جعل الرجل الوليمة والسابع.
ابن رشد: إن جعل الوليمة والسابع معًا وجبت إجابته؛ لأنه دعي لحق، ومن دعي للسابع بخلافه؛ لأنه لم يدع لحق؛ بل لمعروف، وكذا من ترك الوليمة وفعل السابع، وإن أخر الوليمة للسابع، فقال مالك: يجيب وليس كالوليمة؛ لأنه ربما قد يجمعهما احتمل عنده أنه لم يؤخر الوليمة إلى يوم السابع؛ بل تركها وعمله، ولو كان عادة الناس بالبد أنهم لا يولمون إلا يوم السابع لوجبت الإجابة.
قلت: هذا كالمخالف لمتقدم قول عياض: استحب أصحابنا لأهل السعة كونها أسبوعًا، وسمع ابن القاسم له في التخلف للزحام سعة.
وسمع القرينان: أرى أن يجيب إلا لعلة مرض أو غيره.
ابن شاس: إنما يؤمر بالدعوة إذا لم يكن منكر ولا فرش حرير، ولا في الجمع من يتأذى بمجالسته وحضوره من السفلة والأرذال ولا زحام ولا غلق باب دونه.
روى ابن القاسم سعة التخلف لذلك، وكذا إن كان على جدران الدار صور أو ساتر، ولا بأس بصور الأشجار.
قلت: قوله (إن كان على جدار الدار صور لا أعرفه عن المذهب هنا لغيره، فإن أراد الصور المجسدة؛ فصواب وإلا فلا، وذكر ذلك أبو عمر عن غير المذهب في أثناء حجة الانصراف عن منكر فيما يطلب حضوره فقال: حجته حديث سفينة وما كان مثله أن فاطمة وعليًا دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعاه لضيف نزل بهما فأتاه فرأى فراشًا في ناحية البيت فانصرف، وقال: "ليس لي أن أدخل بيتًا فيه تصاوير" أو قال: بيتًا مزوقًا".
ورجع ابن مسعود إذا دعي إلى بيت فيه صورة وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تدخل الملائكة بيتا فيه تصاوير"، ورجع أبو أيوب الأنصاري إذ دعاه ابن عمر فرأى مثل ذلك.
والذي في المذهب قول صلاتها الأول: ويكره التماثيل التي في الأسرة والقباب والمنابر، وليس كالثياب والبسط التي تمتهن، وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: ما كان يمتهن فلا بأس به، وأرجو أن يكون خفيفًا.
فقال ابن رشد في رسم اغتسل من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة: فتحصل فيها لأهل العلم بعد تحريم ما له ظل قائم أربعة أقوال: إباحة ما عدا ذلك ولو كان التصوير في جدار أو ثوب منصوب، وتحريم جميع ذلك، وتحريم ما في جدار أو ثوب منصوب، وإباحة ما بالثوب المبسوط، وتحريم ما بالجدار خاصة، وإباحة ما بالثوب المبسوط والمنصوب.
وسمع القرينان: لا خير في شراء عظام قدر الشبر يجعل لها وجوه ليبيعها لاتخاذها
الجواري بنات يلعبن بها.
ابن رشد: قوله لا خير يدل على الكراهة؛ لأن ما لا يحل لا يعبر عنه بلا خير؛ لأن ما لا خير فيه تركه خير من فعله، وهذا حد المكروه، ومعناه إذا لم تكن مجسدة مصورة على صورة الإنسان، وكانت أصنامًا عمل فيها شبه الوجوه بالتزويق فأشبه الرقم في الثوب، وإليه نحا أصبغ في سماعه في كتاب الجامع فقال: لا بأس بما لم يكن تماثيل مصورة مخلوقة مخروطة كرقم الثوب بالصور؛ لأنها تبلى وتمتهن.
ابن رشد: إنما استخفت الرقوم في الثياب؛ لأنها لا ظل لها والمحظور ما كان على هيئة ما يحيى وله روح، والمستخف ما كان بخلافه، واستخف منه لعب الجواري.
قلت: فظاهر المذهب أن في صور الثياب قولين: الكراهة، وهو ظاهر المدونة، والإباحة وهو ظاهر قول أصبغ، وأيًا ما كان ذلك فلا شيء ينهض ذلك لرفع وجوب الإجابة.
وقول ابن شاس: أو ساتر إن أراد بغير ثياب الحرير فلا أعرفه عن المذهب لغيره، وإن أراد بالحرير، فإن كان بحيث يستند إليه كالمسمى في عرفنا "بأكلاف" فصواب، وأما ما لا يستند إليه، وما هو إلا لمجرد الزينة فالأظهر خفته، ولا يصح كونه مانعًا من وجوب الإفاتة، وما ذكره من غلق لا أعرفه، ولا لفظه والصواب إغلاق.
وسمع عيسى رواية ابن القاسم: أيدخل الرجل يدعى لصنيع فيجد فيه اللعب.
قال: إن خف كالدف والكبر الذي يلعب به النساء فلا بأس.
ابن رشد: يريد صنيع العرس أو صنيع العرس والإملاك على ما في سماع أصبغ؛ لأن هذا المرخص في بعض اللهو فيه لما يستحب من إعلان النكاح، واتفق أهل العلم على إجازة الدف، وهو الغربال في العرس، وفي الكبر والمزهر ثلاثة: الجواز قاله ابن حبيب، والمنع قاله أصبغ في سماعه، وهو الآتي على سماع سحنون.
ابن القاسم: إن بيع الكبر فسخ بيعه وأدب أهله والمزهر أحرى بذلك، وجواز الكبر دون المزهر، وهو قول ابن القاسم هنا، وفي سماعه عيسى من كتاب الوصايا، وعليه سماع عيسى يقطع السارق في قيمة الكبر صحيحًا، ولابن كنانة في المدنية إجازة البوق في العرس فقيل: معناه في البوقات والزمارات التي لا تلهي كل اللهو.
واختلف فيما أجيز من ذلك فالمشهور أنه مما يستوي فعله وتركه في نفي الحرج في الفعل، ونفي الثواب في الترك، وقيل: من الجائز الذي تركه خير من فعله يرى يكره فعله لما في تركه من الثواب لا أن في فعله حرجًا وعقابًا، وهو قول مالك في المدونة أنه كره الدفاف والمعازف في العرس وغيره.
قلت: هو في الجعل والإجارة نص في كراهتها.
ابن رشد: قال أصبغ في سماعه إنما يجوز للنساء، ولا يجوز فعله للرجال ولا حضوره، والمشهور جوازهما للرجال، وهو قول ابن القاسم في هذا السماع؛ وسماع أصبغ وقول مالك إلا أنه كره لذي الهيئة أن يحضر اللعب، رواه ابن وهب في سماع أصبغ، وما لا يجوز عمله من اللهو في العرس لا يجوز لمن دعي إليه أن يأتيه.
قلت: هذا معروف المذهب في منع حضورها للعب منكر، والأكثر في اللعب المباح الحضور إلا لأهل الفضل والهيئات، وفي مذهبنا فيه قولان.
اللخمي: كره أصبغ الغناء إلا بما قالته الأنصار.
قلت: بل ظاهر قوله التحريم.
قال في سماعه لا يجوز للنساء غير الكبر والدف ولا غناء معهما ولا ضرب ولا برابط ولا مزمار ذلك حرام محرم إلا ضرب الدف والكبر هملًا، أو يذكر الله وتسبيحًا وتحميدًا على ما هدى أو برجزٍ خفيف لا بمنكر ولا طويل مثل الذي جاء في جواري الأنصار.
أتيناكم أتيناكم ... فحيونا نحييكم
ولولا الحبة السمراء لم نحلل بواديكم
وشبه ذلك، ولا يعجبني معه الصفق بالأيدي، وهو أخف.
قلت: ولما عرف الخطيب الإمام أبو بكر بن ثابت في تاريخ بغداد، بإبراهيم بن سعد بن سعد بن إبراهيم المدني قال: قدم العراق فأكرمه الرشيد؛ فسأل عن الغناء فأفتى بإباحته، فأتاه بعض المحدثين ليسمع منه أحاديث الزهري فسمعه يتغنى، فقال: كنت حريصًا على السماع منك؛ فأما الآن فلا سمعت منك حرفًا أبدًا، فقال: إذًا لا أفقد إلا شخصك، علي وعلي إن حدثت ببغداد ما أقمت حديثًا حتى أغني قبله، فبلغ ذلك
الرشيد فدعا به فسأله عن حديث المخزومية التي قطعها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرقة الحلي، فدعا بعود فقال الرشيد: أعود المجمر.
قال: لا ولكن عود الطرب، فتبسم ففهمها إبراهيم بن سعد فقال: لعله بلغك يا أمير المؤمنين حديث الذي ألجأني إلى أن حلفت.
قال: نعم، ودعا له الرشيد بعود فغناه، يا أم طلحة إن البين قد أفدا قل الثواء لئن كان الرحيل غدا.
فقال الرشيد: من كان يكره من فقهائكم السماع.
قال: من ربطه الله، فقال: هل بلغك عن مالك بن أنس في ذلك شيء.
قال: لا والله إن أبي أخبرني أنهم اجتمعوا في مدعاة كانت في بني يربوع؛ وهم يومئذ جلة ومالك أقلهم في فقهه وقدره، ومعهم دفوف ومعازف وعيدان يغنون ويلعبون، ومع مالك دف وهو يغنيهم:
سليمى أزمعت بينا فأين تظنها أينا
وقد قالت لأتراب لها زهر تلاقينا
تعالين فقد طاب لنا العيش تعالينا
فضحك الرشيد ووصله بمال عظيم.
قلت: إمامة أبي بكر الخطيب وعدالته ثابتة، ونقل ابن الصلاح وعياض وغير واحد معلوم؛ وإبراهيم بن سعد هذا.
قال المزني: خرج له أهل الكتب الستة الصحيحان وسنن أبي داود والنسائي وابن ماجة، وجامع الترمذي، وهذه الحكاية مثل نقل عياض القول الشاذ بجوازه.
الباجي: لا نص لأصحابنا في وجوب أكل المجيب، وفي المذهب ما يقتضي
القولين، روى محمد عليه أن يجيب، وإن لم يأكل أو كان صائمًا.
وقال أصبغ: ليس ذلك بالوكيد وهو خفيف، فقول مالك على أن الأكل ليس بواجب، وقول أصبغ على وجوبه.
قلت: رواية محمد يجيب وإن لم يأكل نصٌ فقهيٌ في عدم وجوب الأكل، وعليه حمله اللخمي، فكيف يقول: لا نص.
قال اللخمي: قول مالك لا يطعم خلاف الحديث.
قال صلى الله عليه وسلم: "فإن كان مفطرًا فليطعم، وإن كان صائمًا فليصل"، ولو جعل على صفة المدعو كان حسنًا فالرجل الجليل لا بأس أن لا يطعم؛ لأن المراد التشرف بمجيئه، وإن لم يكن كذلك، وهو ممن يرغب في أكله؛ وتحدث وحشة بتركه فاتباع الحديث أولى.
الباجي: روي عن مالك كراهة إجابة أهل الفضل إلى طعام يدعون إليه.
الشيخ: يريد في غير العرس.
الباجي: يريد فيما صنع لغير سبب جرت العادة باتخاذ الطعام له، فالطعام ثلاثة: طعام العرس، وطعام له سبب معتاد كالنفاس، والختان لا تجب إجابته ولا تكره، ومقتضى تفسير الشيخ كراهتها، ودليل نفي كراهتها رواية أشهب، قيل له: النصراني يتخذ طعامًا لختان ابنه أفيجيبه قال: إن شاء فأباحه في النصراني فأحرى المسلم، وطعام لا سبب له يستحب لأهل الفضل الترفع عن إجابته، ويكره لهم التسرع لإليه؛ لأنه على وجه التفصل على المدعو إليه، وفي طرر ابن عات: لا بأس أن يحضر وليمة اليهودي ويأكل منها.
قال بعض أصحابنا بعد أن يحلفه بالتوارة أنه لم يتزوج أخته ولا عمته ولا خالته.
قلت: الأصوب أن الواجب عدم الإجابة؛ لأن في إجابته إعزازًا له والمطلوب إذلاله، وقوله بعد أن يحلفه فيه نظر إن كان ذلك في ملتهم مباحًا.
اللخمي: أرى إن كان المدعو قريبًا أو جارًا أو صديقًا فالعرس وغيره سواء،
وطعام العرس عند العرب وليمة، وطعام الختان إعذار، وطعام القادم من سفره نقيعة، وطعام النفاس الخرس، وكل طعام صنع لدعوة مأدبة.
قلت: قال الزمخشري وغيره: طعام كمال البناء وكيرة، وما ذكره في المأدبة عزاه أبو عمر لثعلب.
قال: وأنشد بعضهم:
كل الطعام تشتهي ربيعه الخرس والإعذار والنقيعة
أنشده الزمخشري في أساس البلاغة:
كل الطعام تشتهي عميره الخرس والإعذار والوكيرة
وفي الموطأ في باب الوليمة: "دعا خياط رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه.
قال أنس: فذهبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك الطعام فقرب إليه خبزًا من شعير ومرقًا فيه دباءٌ"، وفي رواية: "وقديدًا".
أبو عمر: أدخله مالك في باب الوليمة، وليس فيه ما يدل عليها.
الباجي: أدخله مالك إبطالًا لمن يحتج عليه به في قول مالك يكره لذي الفضل، والهيئة إجابة الدعاء لطعام صنع لغير سبب باحتمال كونه وليمة.
الباجي: ويحتمل أنه لما علم من تبركهم بأكلهم ودخوله إليهم صلى الله عليه وسلم، ولو امتنع من ذلك شق عليهم.
قلت: ويحتمل أنه أتى به لإباحة الإجابة في طعام غير الوليمة خلاف قوله بعدمه واختلاف قوله كثير.
أبو عمر: اختلف في نهبة اللوز والسكر وسائر ما ينثر في الأعراس والختان
وأضراس الصبيان فكره مالك أكل شيء مما يختلس لصبيان على تلك الحال، وأجازه أبو حنيفة إن أذن أهله فيه.
قال أبو عمر: لم يختلف أن سنة هدي التطوع إذا عطب أن يخلى بين الناس وبينه، فيأخذ منه كل من قدر عليه.
قلت: هذا ميل لإجازة النهبة وتقييد بعضهم كراهته بأن ربه أحضره للنهبة، ولا يأخذ بعضهم مما حصل في يد غيره.
قال: وغيره حرام، وذكر القعنبي عن عائشة قالت: حدثني معاذ بن جبل أنه شهد إملاك رجل من الأنصار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنكر الأنصار، وقال: "على الألفة والخير والطير الميمون، دففوا على رأس صاحبكم"، فدفف على رأسه، وأقبلت السلال فيها الفاكهة والسكر، فنثر عليهم، فأمسك القوم ولم ينتهبوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أزين الحلم، ألا تنتهبون؟ " قالوا: يا رسول الله، نهيتنا عن النهبة يوم كذا وكذا، فقال: "إنما نهيتكم عن نهبة العساكر، ولم أنهكم عن نهبة الولائم".
قال عبد الحق: في إسناده بشر بن إبراهيم الأنصاري وهو ضعيف الحديث، وفي ذكره ابن عبد السلام دون ذكر قول عبد الحق فيه إيهام بصحته، ولم يتعقبه ابن القطان بحال.
ابن شاس: من له زوجة واحدة لا يجب مبيته عندها.
قلت: الأظهر وجوبه أو تبييته معها امرأة ترضى؛ لأن تركها وحدها ضرر؛ وربما يتعين عليه زمن خوف المحارب والسارق.
الشيخ: روى محمد لا قسم لأم ولد ولا أمة مع حرة، ولا قسم بين السراري.
ابن شاس: لا يجب بين المستولدات وبين الإماء، ولا بينهن وبين الإماء، ولا بينهن وبين المنكوحات، إلا أن الأولى العدل وكف الأذى.
وقول ابن عبد السلام: قول المؤلف "الأولى العدل وكف الأذى" الذي يدل عليه لفظ المدونة أن كف الأذى واجب لا أولى.
قال فيها: ليس لأم الولد مع حرة قسم، جائز أن يقيم عند أم ولده ما شاء ما لم يضار، ويرد بأن المحكوم عليه بأولى مجموع العدل وكف الأذى لا مجرد كف الأذى فقط وبأن الأذى غير الضرر واجب منه؛ فلا تنافي بين كون ترك الأذى أولى وكون كف الضرر واجبًا، ودليل كونه غيره وأخف منه قوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ [آل عمران:111].
قال اللخمي: لا مقال للحرة في إقامته عند الأمة، وفيه نظر، إلا أن يثبت فيه إجماع.
وفيها: العبد كالحر والمجبوب، ومن لا يقدر على الجماع يقسم من نفسه بالعدل إذ له أن يتزوج.
ابن شاس: يجب على كل مكلف وعلى ولي المجنون أن يطوف به على نسائه.
وفيها: يقسم المريض بين نسائه بالعدل إن قدر أن يدور عليهن فيه، وإن لم يقدر أقام عند أيتهن شاء لإفاقته ما لم يكن حيفًا، فإذا صح ابتدأ القسم، والقسم لصغيرة جومعت ومجنونة ورتقاء ومريضة لا تجامع وحائض وكتابية وأمة ككبيرة صحيحة، زاد اللخمي: النفساء والمحرمة ومن آلى منهما أو ظاهرهما على حقهما في الكون عندهما وألا يصيب البواقي إلا أن ينحل من الإيلاء والظهار، وعليه أن ينحل منهما إلا إن قامت بحقها التي لم يؤل منها ولم يظاهر، ومحمل آية الإيلاء على من كان خلوا من غيرها، فإن كان له قسوة فلها مطالبته بالعدل في الإصابة إلا أن يعتزل جميعهن، "وقد غاضب صلى الله عليه وسلم بعض نسائه فاعتزل جميعهن شهرا" أخرجه مسلم والبخاري.
وفي كون الأمة كالحرة، أو لها يومان وللأمة يوم روايتان، موجهًا الثانية بأن رق الأمة يمنعها سوم نفسها مساواة الحرة غايتها كونها ضرتها، فلما انتفت المساواة جعلت على النصف قياسًا على حكمها في الحد، وإن كانت حرة نصرانية وأمة مسلمة سوى
بينهما لترجيح النصرانية بالحرية والأمة بالإسلام.
قلت: ظاهر الروايات بالتفاوت الإطلاق، فاختيار اللخمي ثالث، وعزا أبو عمر الثانية لابن الماجشون وأبيه، وروى أبو زيد عن عبد الملك أن مالكًا رجع إليها، وهو قول سعيد ابن بشير: إن كان الزوج عبدًا فكل المذهب على التسوية بين الحرة والأمة إلا أن ابن الماجشون قال: تفضل الحرة، وعلى التفاوت قال ابن شاس: إن عتقت في أثناء زمنها أتمه لها كالحرة وبعده استأنف لها كالحرة.
اللخمي: ليس له أن يقيم عند إحداهما في يوم الأخرى، واختلف في دخوله لقضاء حاجة فروى محمد له أن يأتي عابرًا أو لقضاء حاجة أو لوضع ثيابه عندها دون وضعها عند الأخرى لغير ميل ولا ضرر، وقال أيضًا: لا يقيم عندها إلا لعذر لا بد منه من اقتضاء دين أو تجر أو علاج، ولابن الماجشون لا بأس أن يقف بباب إحداهما دون الأخرى دون دخول، وأن يأكل مما تبعث به إليه، وهذا أحسن ألا يدخل إلا لضرورة تنزل؛ لأن الغالب اختلاف منزلة الزوجين، وتسويغ وضعه ثيابه وتجره عند إحداهما ذريعة لاختصاصه بذلك من يميل إليه فلا يحصل القسم.
وسمع القرينان: سمعت أن معاذ بن جبل كانت له امرأتان؛ فكان لا يشرب الماء من بيت إحداهما في يوم الأخرى، وما أدري ما حقه.
ابن رشد: وروي أنهما توفيتا معًا في وباء بالشام فدفنتا في حفرة وأسهم بينهما أيهما تقدم في القبر، وذلك تحر للعدل دون وجوب، لا بأس أن يتوضأ الرجل من ماء إحدى زوجتيه ويشرب الماء من بيتها، ويأكل من طعامها الذي يرسل إليه في يوم الأخرى من غير تعمد ميل، ويقف ببابها يتفقد من شأنها ويسلم من غير دخول.
قلت: ففي دخوله لا الإقامة رواية محمد وقول ابن الماجشون مع نقل ابن رشد عن المذهبن واختلف إن أغلقت إحداهما دونه فروى محمد إن قدر أن يبيت في حجرتها وإلا ذهب للأخرى.
ابن القاسم: يؤدبها ولا يذهب للأخرى ولو كانت ظالمة.
أصبغ: إلا أن يكثر ذلك منها، ولا مأوى له سواهما، وهو أحسن، وروى محمد له أن يبدأ بالليل قبل النهار وعكسه.
الباجي: يريد أن عليه أن يكمل لكل واحدة يومًا وليلة، والأظهر من قول أصحابنا أن يبدأ بالليل.
اللخمي: إن رضي الزوج والنسوة كونه يومين وثلاثة جاز، ولو رضي الزوج وحده بيومين أو ثلاثة ففي منعه وتمكينه رواية محمد وتخريج اللخمي على قول ابن القصار بأن له أن يسبع عند الثيب ويحاسب، وقبله المتيطي وغيره، ورده ابن بشير بعدم مساواة حال العروس غيره إذله الزيادة على الجملة، يرد بإنتاجه العكس لاسيما مع أن التسبيع يبطل الاختصاص بالثلاث.
اللخمي: إن كان الزوجتان ببلدين جاز قسمه جمعة وشهرًا وشهرين على قدر بعد الموضعين بما لا يضر به ولا يقيم عند إحداهن إلا لتجرأ ونظر ضيعة.
قلت: وقاله ابن حبيب.
ويجب استقلال كل واحدة بمسكنها: وفي كيفيته عبارتان: الجلاب والمتيطي: لا يجمع بينهن في منزل واحد إلا برضاهن.
ابن شعبان في زاهيه: من حق كل واحدة انفرادها بمنزل منفرد المرحاض، وليس عليه إبعاد الدار بينهن.
اللخمي وابن رشد في رسم الأقضية الثاني من سماع القرينين: يقضى على الرجل أن يسكن كل واحدة بيتا، ويقضى عليه أن يدور عليهن في بيوتهن ولا يأتينه إلا أن يرضين.
قال محمد بن عبد الحكم: وهو صحيح على مذهب مالك، وقد قال مالك: من قال لامرأته: أنت طالق إن وطئتك إلا أن تأتيني أنه مول إذ ليس عليها أن تأتيه.
اللخمي: ولا يطأ زوجة ولا أمة ومعه أحد في البيت صغير ولا كبير، ولو كان نائمًا، ونقله الصقلي عن ابن حبيب عن ابن الماجشون بلفظ: لا ينبغي.
قال: وكان ابن عمر يخرج الصبي في المهد، وكره في بعض الأخبار أن يكون معه بهيمة.
قلت: ما ذكره عن بعض الأخبار لم أجده في كتب الحديث بحال، ومنع الوطء، وفي البيت نائم غير زائر ونحوه عسير إلا لبعض أهل السعة.
وفي منع جمع الحرتين في فراش واحد دون وطء وكراهته نقل اللخمي رواية محمد
وقول ابن الماجشون، وفي جمع الإماء كذلك القولان، وثالثها: الجواز لقولي مالك وابن الماجشون.
المتيطي: منع ابن سحنون دخول الحمام بزوجتيه معًا وأجازه بإحداهما.
قلت: وذكر ابن الرقيق أن أسد بن الفرات أجاب الأمير يحيى بجواز دخوله الحمام بجواريه، وخطأه ابن محرز لحرمة الكشف بينهن.
وفيها: ليس عليه المساواة في الوطء ولا بالقلب، ولا حرج عليه أن ينشط للجماع في يوم هذه دون يوم الأخرى إلا أن يفعل ذلك ضررًا أو يكف عن هذه للذته في الأخرى فلا يحل.
وسمع ابن القاسم: لا بأس أن يكسو إحداهما الخز، ويحليها دون الأخرى إن لم يكن ميلا.
ابن رشد: هذا معروف مذهب مالك وأصحابه أنه إن أقام لكل واحدة ما يجب لها بقدر حالها فلا حرج عليه أن يوسع على من شاء منهن بما شاء، وقال ابن نافع: يجب عليه أن يعدل بينهن في ماله بعد إقامته لكل واحدة ما يجب لها، والأول أظهر.
قلت: قول ابن نافع حكاه المتيطي رواية.
أن يقيم عنده من تزوجها بكرًا سبعًا وثيبًا ثلاثًا، وفي كونه حقًا للزوجة أو الزوج نقل الصقلي روايتي ابن القاسم وأشهب.
اللخمي: في كونه حقا للزوجة لازمًا لها أو له، ثالثها: هو حق لها يؤمر به ولا يجبر كالمتعة لروايتين وقول أصبغ.
المتيطي: المشهور أنه لا يلزمه، وروى أبو الفرج لزومه.
ابن شاس: في كونه حقا لها أو له روايتان، وقيل: هو حق لهما.
قلت: حكاه الباجي عن ابن القصار.
ابن شاس: ثم في وجوبه واستحبابه روايتا ابن القاسم وابن عبد الحكم، وعلى أنه حق لها أو لهما فهل يقضى لها به عليه أم لا؟
قال أصبغ: لا يقضى عليه، وقال القاضي أبو بكر: الصحيح القضاء به، وللصقلي عن أشهب كأصبغ وله والباجي عن محمد بن عبد الحكم يقضى به.
ومن ليس عنده غير من تزوجها في سقوط حقها في السبع والثلاث وثبوته طريقا الصقلي عن نص ابن حبيب مع ظاهر قول محمد ونقل ابن شاس عن أبي الفرج عن ابن عبد الحكم.
قال القاضي أبو بكر: لا معنى لهذا فلا يلتفت إليه.
الباجي عن ابن القصار: والأمة كالحرة.
المتيطي: والذمية كالمسلمة.
وسمع ابن القاسم: لا يتخلف العروس عن الجمعة، ولا عن الصلاة في جماعة.
سحنون: وقال بعض الناس لا يخرج وهو حق لها بالسنة.
الصقلي: قال بعض فقهائنا: يريد: لا يخرج لصلاة الجماعة، والجمعة لا يدعها في هذا القول.
اللخمي عن ابن حبيب: يتصرف في حوائجه وإلى المسجد، والعادة اليوم أن لا يخرج ولا لصلاة، وإن كان خلوا من غيرها، وعلى المرأة بخروجه وصمٌ، وأرى أن يلزم العادة، ولو أراد أن يسبع للثيب، ويتم لنسائه سبعًا ففي منعه وتمكينه نقلا اللخمي رواية محمد، وقول ابن القصار ونقل ابن شاس عنه بلفظ إن اختارت التسبيع سبع، ثم سبع لغيرها لقوله صلى الله عليه وسلم لأم سلمة، وقد التمست منه ذلك: "إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن، وإن شئت ثلثت عندك وردت عليهن".
قال القرافي: بالتسبيع يبطل حقها في التثليث.
قلت: فيجب شرط التسبيع باختيارها كنقل ابن شاس لا لمجرد اختياره كظاهر لفظ اللخمي.
قال عن محمد بن عبد الحكم: إن زفت إليه امرأتان في ليلة أقرع بينهما وقبله عبد الحق واللخمي، وقال: على أحد قولي مالك أن لا حق له فهو مخير دون قرعة.
قلت: الأظهر إن سبقت إحداهما بالدعاء للبناء قدمت وإلا فسابقة العقد، وإن عقدا معًا فالقرعة.
اللخمي: إن عدا بترك يوم إحداهما لا عند الأخرى لم يكن لمن ذهب يومها أن تحاسب بتلك الأيام؛ لأنها لو حوسبت بها لكانت قد أخذت ذلك من يوم صاحبتها، وهي لم يصل إليها إلا حقها.
قلت: انظر هل مراده أنه لم يطلع على عدائه إلا بعد قسمه لتالية التي عدا عليها؟ ولو اطلع عليه قبله لزمه يوم التي عدا عليها قبل تاليتها، أو سواء اطلع عليه كذلك، أو قبل قسمة للتالية؟ والأول أظهر.
وفيها: إن تعمد المقام عند واحدة منهن شهرًا حيفا لم تحاسب به، وزجر عن ذلك وابتدأ القسم، فإن عاد نكل كالمعتق نصفه يأبق لا يحاسب بخدمة ما أبق فيه.
وقال ابن عبد السلام: أنكر هذا التشبيه بأن أكثر أحكام المعتق بعضه كالقن فليست الشركة بينه وبين سيده حقيقية بخلاف الزوجين، ويرد بأن الكثرة المذكورة إنما هي في الأحكام التي تختلف فيه الحرية والرقية لا في الأحكام المالية، في جناياتها إذا جنى المعتق بعضه أو جنى عليه فلسيده أو عليه بقدر ملكه منه وللعبد أو عليه بقدر ما عتق منه، وخرج اللخمي من رواية السليمانية من أقام عند إحدى نسائه الأربع شهرين فأراد مقاصتها فأبت فحلف لا وطئها حتى يقضي الباقيات ليس بمول لإرادته العدل لا الضرر، فأجاز المحاسبة بالماضي.
قال: وهو أحسن، ورده ابن بشير بأن عدم الحكم بإيلائه أعم من كونه مع ثبوت القسم للمحلوف عليها ونفيه، وعبر ابن عبد السلام عن قول اللخمي بقوله: قال اللخمي: لو لم يلزم القضاء لكان موليًا وهو ظاهر.
قال: ورد بأنه لم يقصد الضرر بذلك؛ بل أراد العدل فهو كمن حلف أن لا يطأ زوجته حتى تفطم ولدها.