المختصر الفقهي لابن عرفةصفحات 5-45

الجهاد: قتال مسلم كافراً غير ذي عهد؛ لإعلاء كلمة الله أو حضوره له، أو دخول أرضه له، فيخرج قتال الذمي المحارب على المشهور أنه غير نقض، وقول ابن

هارون: وهو قتال العدو لإعلاء كلمة الإسلام غير منعكس بالأخيرين، وهما جهاد اتفاقاً.
وقول ابن عبد السلام: هو إتعاب النفس في مقاتلة العدو كذلك، وغير مطرد؛ لدخول قتال لإعلاء كلمة الله، وحاصل أنقال المذهب أنه فرض كفاية على قادر عليه لم ينزل به عدو، ولم يبلغه نزوله بمن عجز عن دفعه من مسلم أو ذمي، ونقل ابن القطان الإجماع عليه.
ونقل المازي عن ابن المسيب وغيره: أنه فرض عين، ونقل ابن عبد السلام عن سَحنون: أنه سنة- لا أعرفه، وفرض الكفاية حرام عموم تركه، فمن ثم قال سَحنون: ومع كونه فرض كفاية لا ينبغي أن يعطل الإمام الجهاد.
وفي «الكافي»: فرض على الإمام إغزاء طائفة للعدو يخرج بها هو أو من يثق به، وفرض على الناس في أموالهم وأنفسهم الخروج المذكور لا خروجهم كافة.
والنافلة منه: إخراج طائفة بعد أخرى، وبعث السرايا وقت الغرة والفرصة.
زاد ابن شاس عنه: وعلى الإمام رعي النصفة في المناوبة بين الناس، وعزا القرافي جميع ذلك لعبد الملك.
التلقين: لا يجوز تركه لهدنة إلا لعذر.
اللخمي عن الداودي: بقي فرضه بعد الفتح على من يلي العدو، وسقط عن من بعد عنه.
المازري: قوله: بيان لتعلق فرض الكفاية بمن حضر محل متعلقه قادراً عليه دون

من بعد عنه لعسره، فإن عصى الحاضر تعلق بمن يليه.
وقول سَحنون: كان فرضاً واليوم ليس فرضاً إلا أن يعين الإمام بعثًا نظراً للإسلام فتجب طاعته، وجهازهم من بيت المال، يتأول على أنه لا يتحقق فرضه إلا بأمر الإمام.
قُلتُ: في قوله: يتأول؛ نظر لأنه حمل غير مرجوح من اللفظ، وغير مخالف لقواعد المذهب.
وفي الاستذكار: من قام غيره بسد ثغوره؛ فهو له نفل.
ابن سَحنون: روى ابن وَهْب: تطوع الجهاد أفضل من تطوع الحج، وسمع عيسى ابن القاسم: الحج أحب إلى من الغزو إلا في الخوف ومن الصدقة إلا في مجاعة، والصدقة من العتق، وقد يعرض لفرض الكفاية ما يوجبه على الأعيان.
في التلقين: وقد يتعين في بعض الأوقات على من يفجؤهم العدو.
الشيخ عن سَحنون: إن نزل أمر يحتاج فيه إلى الجميع؛ كان عليهم فرضاً، ولو سبي المشركون النساء والذرية والأموال؛ وجب استنقاذهم على من قوي عليه، ولو ساروا لحصونهم مالم يخافوا على أنفسهم أو أهليهم، وينفر من بسفاقس لغوث سوسة أن م يخف على أهله برؤية سفن أو خبر عنها، ولتعينه أولاً.
غزا النبي صلى الله عليه وسلم في ثانية الهجرة غزوة الأبواء؛ وهي غزوة ودان في صدر صفر، ثم بواط بناحية رضوى في شهر ربيع الأول، ثن العشيرة في جمادي الأول، ثم بدر الكبرى في رمضان.
روى العتبي: في السابع عشر منه.
أبو الربيع: وفرغ منها في عقبه أو في شوال.
في ثالثتها: غزوة طلب غطفان إلى نجد سلماً في صفر؛ وهي غزوة ذي أمر، ثم غزوة ذي أمر، ثم غزوة بحران معدن بالحجاز سلما في شهر ربيع الأخر، ثم غزوة بني قينقاع، حوصروا فنزلوا على حكمه صلى الله عليه وسلم، وشفع فيهم عبد الله بن أبي، ثم غزوة أحد في شوال، ثم غزوة

حمراء الأسد على ثمانية أميال من المدينة سادس عشر شوال.
ثانية يوم وقعة أحد سلماً إرهاباً للعدو، وفي رابعتها: غزوة بني النضير في شهر ربيع الأول، ثم ذات الرقاع في جمادي الأول سلماً، ثم بدر الثالثة في شعبان سلماً.
وقول البخاري: غزوة ذات الرقاع بعد خيبر؛ لأن أبا موسى الأشعري جاء بعد خبير، حدثني محمد بن العلاء، أن أبو أسامة عن يزيد بن عبد الله بن أبي بدة عن أبي بردة عن أبي موسى قال: "خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة، ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه، فنقبت أقدامنا، ونقبت قدماي، وسقط أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة (ذات الرقاع)؛ مشكل لاتفاق أهل السير فيما عملت أنها في الرابعة، وخيبر في السابعة، ولم يتعبه السهيلي ولا أبو عمر مع وقوفهم على حديث البخاري فيما يظن بهم إلا أن يحمل شهوده إياها قبل هجرته للحبشية، لصحة قدومه على النبي صلى الله عليه وسلم قبل هجرته للحبشة، وفي خامستها: دومة الجندل سلماً في شهر ربيع الأول، ثم الخندق؛ وهي الأحزاب في شوال، ثم غزوة بني قريظة إثرها، فنزلوا على حكم سعد، وفي سادستها: طلب بني لحيان إلى عسفان سلماً في جمادي الأولى، ثم بعد ليال طلب عيينة بن حصن إلى ما ذي قرد لما أغار على سرح المدينة وفات، ثم غزوة بني المصطلق؛ وهي المريسيع في شعبان، وفيها حادث الإفك.
ابن رُشْد: هذا أصح من القول أنها قبل الخندق.
قالوا: ثم غزوة الحديبية في ذي القعدة بعد قدومه صلى الله عليه وسلم من بني المصطلق.
وقول ابن الحاجب: في المريسيع عمرة الحديبية؛ وهم، وفي سابعتها: غزوة خبير خرج إليها صلى الله عليه وسلم في أثناء محرم، وفي منصرفه منها فتح وادي القرى، وبعدها في ذي

القعدة عمرة القضاء، وقول ابن بشير وأبن الحاجب: في غزوة خيبر: عمرة القضاء؛ وهم.
وفي ثامنتها: غزوة مؤته ببعثه صلى الله عليه وسلم إلى الشام الجيش المؤمر عليه زيد بن حارثة، ثم فتح مكة لعشرين من رمضان، ثم غزوة حنين وقعتها أول شوال، ثم الطائف منصرفه صلى الله عليه وسلم من حنين، وفي تاسعتها: غزوة تبوك سلماً؛ وهي جيش العسرة، فيها جهز عثمان تسعمائة بعير ومائة فارس، وفيها تولى المستحملون وأعينهم تفيض من الدمع، وتخلف كعب بن مالك، مرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، وفي عد أبي عمر، وأبي الربيع، وغيرهما العمرتين في الغزوات نظر؛ لاتفاقهم على أن خروجهما إنما كان للعمرة لا للحرب.
أبو الربيع: وبعوثه وسراياه صلى الله عليه وسلم ثمانية وثلاثون، ورواه ابن العربي إسحاق.
ورورى محمد: لا يخرج لغير متعينه ذو ق، ولو كان مكاتباً إلا بإذن ربه، ولا ذو أبوين إلا بإذنهما.
محمد: إن خج دونه رجع حتى يأذنا.
مالك: إن أبيا؛ فلا يكابرهما، ولا يأكل جهازه، وليرفعه أو ثمنه إن خاف فساده، إلا إن كان ملياً؛ فليفعل به ما شاء حتى يمكنه الغزو، فإن مات؛ فهو ميراث، ولو كان جعله على يدي غيره إلا أن يوصي به، فيخرج من ثلثه، أو يشهد بإنقاذه على كل حال فمن رأس ماله.
سَحنون: وأحد الأبوين كالأبوين ولو كانا مشركين إلا أن يعلم أن منعهما كراهة إعانة المسلمين.
سَحنون: وبر الجد والجدة واجب وليس كالأبوين أحب أن يسترضيهما ليأذنا له، فإن أبيا؛ فله أن يخرج، ولا شيء عليه في عم أو عمة، ومن له إخوة وأخوات وعم وعمات وخال وخالات إن كان القائم بهم، ولا يخاف ضيعتهم بخروجه، فمقامه أفضل وإلا فخروجه، ومن تلزمه نفقته من زوجة وولد إن ترك نفقتهم لهم؛ فله الخروج، وإن كان إنما يعود بعمل يده أمر بالمقام دون قضاء؛ إذ ليس على الفقير مؤاجرة نفسه لينفق، ورورى ابن سَحنون: وسمع ابن القاسم: للمدين العديم الغزو دون إذن غريمه.

سَحنون: لو كان ملياً بدينه، ويحل قبل قدومه؛ فله الخروج إن وكل من يقضي عنه.
ابن رُشْد: روى ابن حبيب: توسعة خروجه إن خلف وفاء بدينه، أو كان بإذن غرمائه.
ابن رُشْد: وظاهره: لزوم استئذانه غريمه إن لم يدع وفاءً وهو بعيد.
العُتبيّ عن سَحنون: أردت غزواً في البحر، فنهاني عنه ابن القاسم.
ابن رُشْد: لأنه علم أنهم كامزا لا يغزون على الصواب، ولا يحافظون فيه على الصلاة في أوقاتها؛ لأنه في البحر على الصواب من أفضل الأعمال لحديث أم حرام.
قُلتُ: أو لرجحان العلم له على الجهاد.
وأفتى ابن رُشْد بسقوط فرض الحج عمن بالأندلس قال: لعدم شرطه؛ وهو الاستطاعة التي هي القدرة على الوصول مع الأمن على النفس والمال، فإذا سقط فرضه؛ صار نفلاً مكروهاً لتقحم الغرر.
قُلتُ قوله: في قوله: نفلاً مكروهاً نظر؛ لأن النفل من أقسام المندوب، وهو والمكروه ضدان، والشيء لا يجامع الأخص من ضده في موضوع واحد إلا أن يريد نفلاً باعتبار أصله مكروهاً باعتبار عارضه كقسم المكروه من النكاح مع أن مطلق النكاح مندوب إليه.
قال: وإن وجدت الاستطاعة فمن أدى فرضه فجهاده أفضل من حجه.
قُلتُ: هو نقل الشيخ عن رواية ابن وَهْب.
قال: ومن لم يؤد فرضه لخرج على القولين في فور الحج وتراخيه، وهذا إن سقط فرض الجهاد عن الأعيان؛ لقيام من قام به، وإن تعين؛ فهو أفضل من حج الفرض اتفاقاً، وأهل العدوة كالأندلس، وهذا في غير من يقوم بفرض الجهاد من حماة الدين، الجهاد هو الواجب عليهم؛ لعدم تعين الحج عليهم إلا من بلغ الستين.
وفي النوادر: ونحوه للقاضي: يخرج لتعينه مطيقه، ولو كان صبياً أو امرأة أو ذا رق

دون إذن.
وشرطه وجوبا عيناً القوة عليه، وهي كون العدو ضعف المكلف فأقل، وفي كون الضعف في العدد أو العدة والجلد إن أدركت نسبتهما قولا الأكثر، وابن حبيب مع ابن الماجِشُون وروايته، وعلى الأول قال ابن حبيب: لا يحل فرار مائة من ضعفها، ولو كان أشد سلاحاً وقوة وجلداً، إلا أن يكون العدو بمحل مدده، ولا مدد للمسلمين، ففي التولية سعة.
الصقلي: المعتبر العدد مع تقارب القوة في السلاح، أما لو لقي مائة غير معدة ضعفها معداً؛ فلا؛ لأن الواحد كان معداً يعدل عشرة غير معدة.
وفي الموازيًّة: لا يحل الفرار من الضعف إلا انحرافاً للقتال أو تجيزاً للفئة؛ كالانحياز للجيش العظيم أو سرية متقدمة لمتأخرة عنها، وقاله عبد الملك رواياً: لا ينحاز إلا لخوف بين.
ابن سَحنون عن ابن القاسم: لا يحل فرار الناس إن فر إمامهم من ضعف عددهم، ومن فر من الزحف لم تقبل شهادته إلا أن تظهر توبته.
قُلتُ: إنما تظهر بثبوته في زحف آخر.
ابن رُشْد: الفرار كبيرة.
الشيخ: أنكر سَحنون قول العراقيين: لا يفر اثنا عشر ألفاً من عدو ولو كثروا، وعزا ابن رُشْد قول العراقيين لأكثر أهل العلم، وقال به قال: وهو دليل قول مالك، ولم يحك إنكار سَحنون بحال.
وروى عبد الملك: ليس أمر الجيش كالسرايا في الانحراف، ولهم سعة أن يثبتوا لقتال أكثر منهم بأضعاف كثيرة وهو يجدون مصرفاً عنهم، وإن علموا أنهم إن ثبتوا قتلوا؛ فأحب انصرافهم إن قدروا، ومن ثبت حتى قتل، رجوت له أفضل الشهادة؛ وإنما الشهادة لمن أيقنت بالموت قبل الموت فاحتسب كما قال عمر، وروى أشهب كراهة ذلك.
قُلتُ: كذا وجدته في عتيقتين: أفضل الشهادة والصواب: فضل الشهادة.
قُلتُ كذا وجدته في عتيقين: أفضل الشاهدة والصواب: فضل الشهادة.
ابن حبيب: وروى أشهب: أحب انصراف من لقى عشرة أو أكثر لعسكره، وهو

في سعة من قتالهم.
وروى علي: إن لقيت سرية أضعافهم، فإن علمو أنهم لا ينكدوا العدو؛ فلا يلقوهم؛ لئلا يستأسر بقتلهم.
محمد: لمن نزل العدو بع وحده ودعاء للأسر أن يقاتل أو يستأسر.
وفي الواضحة وكتاب ابن سَحنون: عن ابن وَهب عن ربيعة: إن حصر عدو أهل قرية إن لم يقاتلوا؛ ماتو جوعاً، وإن خرجوا لقتاله قتلوا أحب إلي خروجهم لقتاله.
وفي كتاب ابن سَحنون: إن أعجزهم الجوع عن القتال؛ خرجوا إن طمعوا في الأسر، وعرف ذلك من العدو، وإلا ماتو جوعاً ولم يخرجوا.
قُلتُ: للتونسي كلام طويل في الانتقال من موت لآخر، وسمع القرينان: حمل رجل أحاط به العدو على جيشه خوف الأسر خفيف.
ابن رُشْد: وله أن يستأسر اتفاقاً، وحمل الرجل وحده من الجيش الكثيف على جيش للعدو للسمعة والشجاعة مكروه اتفاقاً.
قُلتُ: الصواب: حرمته، ولعله مراده.
قال: وحمله محتبساً بنفسه؛ ليقوي نفوس المسلمين في كونه مكروهاً منهياً عنه، أو جائزاً مستحباً لقوي قول ابن العاصي مع غيره، وفعل جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه مع أبي أيوب الأنصاري، والقولان قائمان من السماع، والثاني الصحيح.
محمد: روى أشهب في الرجل بين الصفين يدعو للمبارزة: لا بأس به إن صحت نيته.
وروى سَحنون: لا تنبغي إلا لمن يثق بنفسه خوف إدخال الوهن على الناس، وقد بارز أنس بن مالك مرزبان الداره من البحرين فقتله، وأخذ منطقته وسواريه، فقوما بثلاثين ألفاً أو أربعين.
قال لي معن عن مالك: إن دعا العدو للمبارزة، فأكره أن يبارز أحد إلا بإذن الإمام واجتهاده، ونقل عياض عن مالك: تجوز المبارزة مطلقاً دون شرط أمر الإمام، ولم ينقل غيره، إن أراد بالأمر الإذن، فهو خلاف نقل الشيخ، وإن الأخص منه؛

فإخلال بنقل شرط الإذن، فلة خيف قتل المبارز؛ ففي جوازه عضده.
نقل الشيخ قولي سَحنون مقيداً الأول بعد قتل الكافر؛ لأن مبارزته كعهد أن لا يقتله إلا واحد، وقاله أشهب، كما لو أسره جاز خلاصه منه.
سَحنون: قيل لمالك: أيعضد إن خيف عليه؟ قال: إن خاف الضعف فلا يبارز.
وعزا الباجي الثاني لمحمد عن ابن القاسم وأشهب.
الشيخ عن سَحنون: لو بارز ثلاثة أو أربعة مثلهم؛ جاز أن يعضد من فرغ من مبارزة أصحابه كما فعل علي وحمزة يوم بدر.
ابن حبيب: قال أهل العلم: لا بأس بالمبارزة بإذن الإمام، رب رجل ضعيف يقتل فيهد الناس، ولا بأس أن يعضد إن خيف قتله.
وقيل: لا، لأجل الشرط، ولا يعجبنا؛ لأن العلج إن أسره وجب علينا أن نستنقذه، وقد ضرب شيبة رجل عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب في المبارزة فقطعها فكر عليه حمزة وعلي فاستنقذاه منه.
قُلتُ: كانت مبارزة علي وصاحبيه مبارزة جمع لجمع، وتقدم لسَحنون جواز العضد فيه.
روى البزار عن علي رضي الله عنه قال: تقدم عتبة بن ربيعة وتبعه ابنه وأخوه فنادى: من يبارز؟ فبادر إليه شباب من الأنصار، فقال: من أنتم؟ فأخبروه، فقال لا حاجة لنا فيكم، إنما أردنا بني عمنا، فقا رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم يا حمزة، قم يا علي، قم يا عبيدة بن الحارث.
قال: فأقبل حمزة إلى عتبة، وأقبلت إلى شيبة، وأقبل عبيدة إلى الوليد.
قال: فلم يلبث حمزة صاحبه إلى أن فرغ منه.
قال: ولم ألبث صاحبي.
قال: واختلفت بين الوليد وبين عتبة ضربتان، وانتحر كل واحد منهما صاحبه.

قال: فأقبلت أنا وحمزة إليهما، وفرغنا من الوليد واحتملنا عبيدة.
الجوهري: انتحر القوم على الشيء إذا تشاجروا عليه، وتناحروا في القتال.
الشيخ: روى سَحنون وغيره: كراهة مبارزة الرجل أباه المشرك وكره قتله إبتداءً.
قالوا: ولا بأس بقتل ذوي محارمه مبارزة وغيرها.
سَحنون: إن اضطره أخوه المشرك فلا بأس بقتله، وليس الجد كالأب عندنا في هذا.
الشيخ عن الموازيَّة: أيغزي بغير إذن الإمام؟ قال: أما الجيش والجمع؛ فلا إلا بإذن الإمام، وتوليته والياً عليهم، وسهل مالك لمن قرب من العدو، ويجد فرصة، ويبعد عليه الإمام.
محمد: كمن هو منه على يوم، ونحوه لأبي زيد عن ابن القاسم: إن طمع قوم بفرصة في عدو قربهم، وخشوا إن أعلمهم إمامهم منعهم، فواسع خروجهم، وأحب استئذانهم إياه.
وسمع القرينان: من نزل بهم عدو؛ استأذنوا الإمام في قتاله إن قرب وإلا قاتلوه.
ابن حبيب: سمعت أهل العلم يقولون: إن نهى الإمام عن القتال لمصلحة؛ حرمت مخالفته إلا أن يدهمهم العدو.
وسمع أصْبَغ ابن القاسم في أهل ثغر تبينت لهم غزة في عدو، والإمام منهم على أيام: لا بأس بإخراج سراياهم دون إذنه إن أمنوا على أنفسهم.
ابن رُشْد: لو حضرهم لم يخرجوا دون إذنه إن كان عدلاً لسماع عبد الملك ابن وهب: إن كان غير عدل لم يشترط إذنه في مبارزة ولا في قتال.
ابن رُشْد: وطاعته لازمة، ولو كان غير عدل ما لم يأمر بمعصية للأحاديث الثابتة.
الشيخ عن سَحنون: تجب طاعة الأمير ولو فيما لا يعلمون عاقبته، ولا يسألوه عنها.

قُلتُ: يريد: إذا كان عدلاً.
قال: وقد منع عمرو بن العاص جيشه، وقيد النار في ليلة باردة، فلما قدموا شكوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال عمرو: كان في أصحابي قلة، فكرهت أن يراهم العدو، فأعجبه صلى الله عليه وسلم ذلك.
قال: وإنما يسألونه فيما يخاف فيه الهلكة، ويجتمه على أنه خطأ، فيسألونه ويناظرونه، فإن أظهر صوابه؛ أطاعوه وإلا فلا، وقد رجع الصحابة لرأي أبي بكر في قتال أهل الردة وإنفاذ جيش أسامة، وإن رأى بعضهم رأي الأمير رجع إليه من خالفه، والإمارة في الحرب غير الإمارة في غيره، إنما يقدم فيها العالم بها مع الفضل، ولا ينظر في نسبه أعربي هو أو مولى؟ وقد يقدم فيها الأدنى فضلاً على الأفضل لفضل علمه بها.
وسمع القرينان/ قيل لمالك: يقال: خير السرايا أربعمائة.
قال: قد بعث صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة على سرية فيها ثلاثمائة، وربما بعث الرجل والرجلين سرية.
ابن سَحنون عنه: ليس في السرية حد؛ إنما ذلك باجتهاد الوالي بقدر ما يرى من شدة الخوف وكثرة العدو.
وسمع أَصْبَغ ابن القاسم: لا بأس ببعث السرايا سراً وعلانيةً، ولا أرى إلا أن يكون كتيبة من ذوي شجاعة ولو قلوا، (رب رجل خير من كتيبة)، ولا ينبغي أن يكون في غرر؛ لأن وهنها وهن للجيش.
الشيخ عن الموازيَّة: لا تخرج سرية دون إذن الإمام.
عبد الملك: إن خرجوا دون إذنه عصوا، ولا ينفلون ويؤدبون.
سَحنون: أصحابنا يرون إن خرجوا في قلة وغرر دون إذنه؛ فله منعهم الغنيمة؛ أدباً لهم.
سَحنون: أما جماعة لا يخاف عليهم؛ فلا يحرموا الغنيمة.
وروى ابن القاسم في قوم أتوا المصيصة، فوجدوا الوالي اخرج سرية، فلحقوا بهم، ولم يدخلوا القرية خوف منع الوالي من لحوقهم بهم؛ لا بأس بذلك.

باب الرباط

والرباط: المقام حيث يخشى العدو بأرض الإسلام لدفعه.
الباجي: ولو بتكثير السواد.
الشيخ: عن كتاب ابن سَحنون وغيره: قال مالك ليس من سكن بأهله كالإسكندرية وأطرابلس ونحوهما من السواحل بمرابطين؛ إنما المرابط من خرج من منزله يرابط في نحر العدو حيث الخوف.
ابن حبيب: قال مالك: سكان الثغور؛ يريد بالأهل والولد ليسوا بمرابطين، وذكر مثل ما تقدم.
الباجي: وعندي أن من اختار استيطان ثغر للرباط فقط، ولولا ذلك لأمكنه المقام بغيره؛ له حكم الرباط.
قُلتُ: هو مقتضى نقل ابن الرقيق أن سبب خط القير وان بمحلها رعي كون بينها وبين البحر أقل من مسافة القصر؛ لتكون حرساً.
الباجي: إذا ارتفع الخوف عن الثغر كقوة الإسلام به أو لبعده عن العدو؛ زال حكم الرباط عنه.
وقد قال مالك فيمن جعل شيئاً في السبيل: لا يجعل في جدة؛ لأن الخوف الذي كان بها ذهب.

الشيخ عن ابن حبيب: روى إذا نزل العدو بموضع مرة؛ فهو رباط أربعين سنة.
وروى ابن وَهْب: الرباط أحب إلي من الغزو، على غير وجهه، وهو على الصواب: أحب إلي من الرباط.
ابن رُشْد: إلا إذا خيف على موضع الرباط.
الباجي: لا يبلغ الرباط درجة الجهاد.
ابن سَحنون: روى ابن وَهْب: لم يبلغني أن أحداً ممن يقتدي به من صاحب وغيره خرج من المدينة للرباط إلا واحداً أو اثنين، وهي أحب المساكن إلا من خرج له، قم رجع إليه.
ابن حبيب: روى عنه صلى الله عليه وسلم: (تمام الرباط أربعين ليلة).
وفي غضبها: يكون بالثغور.
فيقال: قال الإمام: لا تجز سواه إلا بإذني.
قال مالك: ويقول: لا تصلوا إلا بإذني لا يلتفت لقوله، وفي الدعوة قبل القتال طرق.
الشيخ عن ابن سَحنون: في وجوبها ثالثهما: تسقط فيمن قرب؛ كالمصيصة وطرطوس للحسن، ومالك مع أكثر العلماء، ورواية ابن الماجِشُون.
اللخمي: تجب لمن لم تبلغه دعوة الإسلام اتفاقاً، وفيمن بلغته روايتان، ثم قال: تجب على الجيش العظيم فيمن لا يطيقه، وغلب على الظن إجابته للإسلام أو الجزية، وقد يظن عدم قبول ذلك منه لتأخره، ومن علم قبول ذلك منه، ولم يغلب على الظن إجابته ورجيت؛ استحبت، وإن لم ترج؛ أبيحت، وإن قل المسلمون وخشي تحرز العدو منهم؛ منعت.
المازري: ضبط المذهب للمتأخرين: من جهل الدعوة؛ وجبت له، وفي غيره قولان، وعندي ثالثهما من جهلها، ورابعها في كثير الجيش الآمن غائلة العدو لا في غيره لأحد قوليه لها فيها، وابن سَحنون عنه، وثاني قوليهما، وظاهر كلام أَصْبَغ، ثم قال: من عاجلنا سقطت، وإن أمكنت، وتحقق جهله بها؛ وجبت إجابته ورجت، ولو يحسن اختلافاً، والأحسن حمله وتفصيلاً.

ابن رُشْد: من لم يبلغه أمر الإسلام، أو بلغه، وجهل ما يدعى إليه، وظن إنما يقاتل؛ ليغلب أو يملك؛ وجبت دعوته في الجيوش، وعلى قول جل أهل العلم أن دعوة الإسلام عمت العالم سقط الأول، ومن علم ما يقاتل عليه؛ لم يلزم إعلامه قبل بعث السرايا إليه، وجاز للإمام إعلامه بذلك لا لأمير السرية إذا دخل؛ لأنه تأليب عليها، وفي سقوطها في الجيوش، والصوائف ووجوبها مطلقاً، أو إن رجيت إجابته، رابعها: إن تيقنت؛ وجبت، وإن رجيت؛ استحبت، وإن أيست؛ جازت.
لسَحنون مع الآتي على مذهب مالك وأَصْبَغ ويحيى بن سعيد فيها وغيره: ومن شك في بلوغه الدعوة، فإن بعد عن الدروب؛ حمل على عدم بلوغها إياه، اتفق عليه قول مالك، ولو قرب، ففي كونها كذلك؛ فتجب دعوته أولاً، فتسقط قولا مالك فيها.
وسمع ابن القاسم في قتال المصيصة: لا يقاتلوا إلا أن يدعوا.
ابن بشير: في كثير الجيش الآمن وللمتأخرين، في هذه الروايات طرق: أولاها: ردها للثالثة.
وثانيها: ردها لثلاثة أقوال: ثالثها: ثالثها المازري: في سبب الخلاف طريقان: الفقيه: اهتلاف الأحاديث في ثبوتها وفيها الآيل لتقديم المثبت أو النافي أو الجمع بينهما.
وفي الطريق الأصولية قولان: قال بعض الأصوليين: هو ما قيل: لم يخل العقل من سمع لقوله تعالى: (الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَاتِكُمْ نَذِيرٌ) [الملك:8]، (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء:15]، (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ) [فاطر:24]؛ فعموم الإرسال للخلق يوجب بلوغ الدعوة، وما قيل: بخلوه عنها، فلسنا على ثقة بأن الكفار علموا ما يدعون إليه.
وقال بعضهم: هو قول أهل السنة بعدم تحسين العقل وتقبيحه فلا يوجب شيئاً، فتجب الدعوة للإعلام بما أوجب الشرع.
وقول المعتزلة بتحسينه، فتسقط الدعوة لخطاب الكافر من ناحية عقله، ولنا فيهما

تعقب يطول ذكره، وذكر ابن بشير الطريقين دون تعقب، وقد يتعقب بأنه لا يلزم من عدم الخلو عن السمع سقوط الدعوة؛ لأن السمه ينسخ بعضه من بعضاً، فتجب الدعوة للإعلام بالنسخ، وبيان الناسخ، وبأنه لا يلزم من إدراك العقل وجوب التكليف بالتوحيد ووجوب الإرسال إدراك متعلق الدعوة، وعلى وجوب الدعوة لو قوتل من وجبت له دونها فقتل وسبي فطرق: ابن محرز عن سَحنون: لا دية ولا كفارة ولا ضمان.
ابن محرز: كمن قتل مرتداً قبل استتابته.
قيل: دمه هدر، ونحوه للصقلي، وحكاه المازري كأنه المذهب.
قال: وقال بعض أصحابنا البغداديين: القائل بهذا لو قتل دونها من تمسك بمقتضى كتابه، وآمن بنبيه ونبينا صلى الله عليه وسلم وجهل بعثه؛ ففيه الدية، فإن أراد الدية الكاملة؛ فهو كقول الشافعي، وهو يجري على القولين في ثبوت حكم النسخ بنزوله أو بلاغه.
قُلتُ: اللازم عليه ديته في دينه لا دية المسلم.
ابن بشير: على مذهب المعتزلة لا دية فيها، وعلى خلو العقل من سمع تلزم الدية.
وقال بعض البغداديين: لا نص فيه، وخرجه على القولين في خلو العقل من سمع.
قُلتُ: الذي للباجي: قال ابن القُصًّار: ولا نص فيها لمالك.
والأظهر عندي قول أبي حنيفة: لا دية، ولم يذكر تخريجاً.
ابن رُشْد: إم قتل أو سبي قبل الدعوة من لم يبلغه أمر الإسلام، أو بلغه، وجعل ما يدعي إليه، وظن أن قتاله ليقتل أو يملك؛ رد في الأول ولا الثاني، وعلى قول جل أهل العلم أن جعوة الإسلام عمت العالم؛ سقط الأول.
وفيها: فرق بين الروم والقبط.
وقال: لا يقاتلوا ولا يبيتوا حتى يدعوا.
عبد الحق: لأنهم لا يفقهون ما يدعوة إليه.
زاد في تهذيبه: وأنكر بعضهم هذا، وقال: هم من أحذق الناس في الأعمال والحساب وغير ذلك؛ إنما العلة أنهم ركنوا بظلم في عهد كان لهم، وعزا ابن محرز الأول

للمذاكرين والثاني لابن شبلون القرافي: قيل: لشرفهم بسبب مارية وهاجر، وقوله صلى الله عليه وسلم: "استوصوا بالقبط خيرًا فإن لهم نسبًا وصهرًا".
قُلتُ: تعليل وجوب دعوتهم بعدم فهمهم إياها متناف، وفي كراهة تبييت العدو وإجازته رواية ابن عبد الحَكم وقول محمد.
اللخمي: من وجبت دعوته؛ منع تبييته، ومن استحبت؛ كره، ومن أبيحت؛ أبيح ما لم يخفف على المسلم؛ لجهلهم موضع العدو، وفي وصفة الدعوة طرق: عبد الحق عن ابن حبيب: إنما يدعو إلى الإسلام جملة، وإلى الجزية كذلك لا تذكر الشرائع إلا أن يسلموا، فيبين لهم، أو يسألوا عن الجزية فتبين لهم، وقاله الأخوان.
الشيخ عن ابن حبيب: أمر صلى الله عليه وسلم أن يدعوا إلى الإسلام والصلوات الخمس، وصوم رمضان، والحج والزكاة.
ومقتضى الروايات؛ إنما يدعى إلى الجزية من تقبل منه حسبما يأتي إن شاء الله.
اللخمي: هي أقسام مرجعها أن يدعوا إلى الرجوع عن الوجه الذي به كفروا، ثم بعد ذلك إلى الصلاة والزكاة والصوم والحج؛ فإن أقر بالتوحيد والرسالة وأنكر الصلاة أو الزكاة أو الصوم أو الحج؛ فمرتد إن رجع للإقرار بذلك، وإلا ولم تقبل منه جزية.
قُلتُ: هذا خلاف ظاهر نقل الموثقين عن المذهب.
قال ابن فتوح وابن العطار وابن الهندي: من أجاب إلى الإسلام مجملاً، ولم يقر بالصلاة، ثم ارتد؛ لم يقتل إلا أن يثبت أنه صلى ولو صلاة واحدة.
ابن الهندي: ويؤكده قول ابن عبد الحَكم: إن أسلم وحسن إسلامه، ثم رجع؛ استتيب.
قال: فقوله: حسن إسلامه؛ يدل على اعتباره بالقول والعمل.

المتيطي: إن لم يوقف الإسلامي على شرائع الإسلام؛ فالمشهور أنه يؤدب ويشدد عليه، فإن أبي؛ ترك في لعنة الله، ولم يقتل، وقاله مالك، وابن القاسم، وابن عبد الحَكم وغيرهم، وبه القضاء.
وقال أَصْبَغ في الواضحة: إذا شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ثم رجع ولو عن قرب؛ فهو مرتد وإن لم يصل.
المتيطي: لو اغتسل لإسلامه ولم يصل إلا أنه حسن إسلامه، ثم رجع عنه، فإنه يؤمر بالصلاة، فإن أبي، قتل، وقال ابن القاسم: لا يقتل حتى يصلي ولو ركعة.
وفيها: لا توطأ الأمة من غير أهل الكتاب حتى تجيب إلى الإسلام بأن تشهد أن لا إله إلا الله أو تصلي.
الشيخ عن سَحنون: من أجاب للإسلام أو الجزية؛ لم يؤمر بالتحول من محله إن كان تحت حكم الإسلام آمنًا من غيره وإلا تحول إليه.
وفيها: لعليَّ رضي الله عنه: الدعوة ثلاث مرات، وفي الأمر بدعاء المحارب للتقوى قبل قتاله لمن لم يعالجه، والنهي عنه أولى روايتي اللخمي معها، وقول عبدالملك قائلاً: خذه من أقرب حاله مع ثاني روايتي اللخمي يجب على من لقي لصًا حرصه على قتله، ولو قطع على غيرك، وسلمت منه؛ وجب رجوعك إليه، ولو طلب ثوبًا أو ما خف، ففي إعطائه لترك قتاله رواية اللخمي معها، وقول عبد الملك: لا يعطه إن رجا دفعه، وخرجهما اللخمي على وجوب جهاده وعدمه، واختار إن كان غير مشهور؛ لم يبح قتله إلا لضرورة دفعه عن نفسه، وإن كان مشهورًا ممتنعًا بموضع إن ترك تحصن به، وعاد للحرابة تعين قتاله، وإن كان غير ممتنع ممن يريد قتاله، ولا يخاف على أحد منه؛ لم يقتل إلا أن يؤذن الإمام إلى قتاله، ولم يجب، وذلك للإمام.
الشيخ: قال سَحنون: أجمع العلماء على جواز القتال في الشهر الحرام، وروى: لم أسمع أحدًا قال: لا يقاتل في الشهر الحرام، وروى سَحنون: لم يزل الناس يغزون الروم، وغيرهم وتركوا الحبشة، وما أرى تركهم إلا لأمر، فلا يخرج إليهم حتى يستبان أمرهم، فإن كانوا ظلموا؛ لم يقاتلوا، والاستعانة بالكفار في منعها ثالثها إن لم يكونوا منحازين بناحية للمشهور،

وابن رُشْد عن رواية أبي الفرج مع نقل عياض: قال بعض علمائنا: إنما كان النهي في وقت خاص.
وابن بشير عن الشاذ واللخمي مع الشيخ عن ابن حبيب قائلاً: لا بأس أن يقوم بحربي يسالمه على من لم يسالمه.
وقول ابن بشير: وعلى الشاذ في جوازه مطلقًا أو في الخدمة مطلقًا خلاف نصها: لا بأس أن يكونوا نواتية أو خدمًا، ولا يستعان بهم في القتال.
وروى اللخمي: يجوز استعماله في خدمة أو صنعة.
ابن رُشْد: لا بأس أن يستعار منهم السلاح، ولو استعين بهم؛ ففي الإسهام لهم طريقات: ابن رُشْد: إن كانوا مكافئين للمسلمين، أو هم الغالبون؛ قسمت الغنيمة بينهم وبين المسلمين قبل أن تخمس، ثم يخمس سهم المسلمين فقط.
عياض: في الإسهام لهم إن كان جيش المسلمين إنما قوي بهم قولا سَحنون ومالك.
وسمع يحيى ابن القاسم: لا أحب إذن الإمام لهم في الغزو، ولا يخمس ما غنموا، ولا يقسمه بينهم حكم المسلمين إلا أن يرضوا فيقسم بينهم قسم الإسلام، وإلا فأمرهم لأساقفتهم.
قُلتُ: ظاهره: عدم اشتراط رضا اساقفتهم في القسم بينهم وفيه خلاف.
ابن رُشْد: في منعه من الخروج، وتركهم دون إذن لهم قولا أَصْبَغ يمنعون أشد منع، ودليل السماع: لا أحب إذن الإمام لهم.

باب الديوان

والديوان: لقب لرسم جمع أسماء أنواع المعدين لقتال العدو بعطاء.
وفيها: لسَحنون عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي: أوقف عمر والصحابة رضي الله عنه الفيء وخراج الأرضين للمجاهدين، ففرض منه للمقاتلين والعيال والذرية؛ فصار سنة، فمن افترض فيه ونيته الجهاد؛ فلا بأس به، وأسند سَحنون أن أبا ذر قال لمن قال له: لا أفترض: افترض فإنه اليوم معونة وقوة، فإذا كان ثمن دين أحدكم فلا تقربوه.
وفيها: لم ير مالك بأسًا بمثل ديوان مصر، والمدينة ودواوين العرب.
اللخمي: إن كان العطاء من مباح.
قُلتُ: هو معنى قول مالك.
اللخمي: ويستحب كون الغزو دون أجر، وسمع ابن القاسم: لا أرى لغني قبول فرس أو سلاح أعطيه في الجهاد، ولا بأس به للمحتاج.
ابن رُشْد: قبول المحتاج أفضل إجماعًا لأنه من إعلاء كلمة الله بالقوة على الجهاد، وسمع ابن القاسم: من أعطي شيئًا في السبيل من الوالي؛ فلا بأس به.
ابن القاسم: يريد: الخلفاء، وغيرهم لا يجوز الأخذ منه.
ابن رُشْد: إلا أن يكون فوض لهم في ذلك.
وفيها: بسند الوليد بن مسلم إلى ابن محيريز قال: (ذوو العطاء أفضل من المتطوعة لما يروعون).
قُلتُ: في سنده ابن لهيعة وهو ضعيف، وحاصله الترجيح بكثرة العمل، فإذا اتحد كان دون عطاء أفضل.

ابن رُشْد: من أعطى شيئًا في السبيل؛ فالمذهب قصر صرفه في غزوه إلى بلوغه رأس مغزاه، وما فضل بعد بلوغه لا يرجع لملك معطيه، وفي جواز إنفاقه منه في رجوعه، وصرف باقيه في غزو غيره، وصيرورة كله ملكًا له، ثالثها: وجوب صرف كله في غزو غيره، ورابعها: إن أعطاه لينفقه فيه على نفسه رد باقية لربه، وإن أعطاه لينفقه فيه لا على نفسه؛ رد ما بقي في السبيل لا بن حبيب، وأحد قولي سَحنون مع فضل عن مالك وأصجابه، وسماع القرينين، وثاني قولي سَحنون، وعلى الثالث في استحباب صرفه هو لغيره في السبيل دون رده لربه؛ ليصرفه ربه في ذلك، وتخييره في الأمرين سماعًا ابن القاسم والقرينين.
وسمعا: لو قال: أردت كون الفضل ملكًا للمعطي لسماع ابن القاسم ذلك في قوله صدق، وسمع ابن القاسم: لو قال: أردت كونه لي؛ صدق، ولو كان المعطي في السبيل فرسًا أو سلاحًا؛ ففي حمله على التحبيس حتى ينص على التبتيل وعكسه حكاية سَحنون رواية ابن القاسم وظاهر سماعه، وسمع: من أعطي شيئًا في حج؛ ففضله لربه.
ابن رُشْد: الفرق عند مالك أن الغزو لا منتهى له وللحج منتهى، وعليه لو أعطي عينًا في غزاة معينة؛ رجع فضلها لربها، وسمع من تجهز لغزو، وبدا له أحب دفع جهازه لغيره.
ابن رُشْد: ولو بدا له في تأخيره لخروجه في غزاة أخرى؛ رفعه لها، ولو خيف فساده رفع ثمنه لها إلا أن يكون موسرًا يجد مثل جهازه في غزاة أخرى، فليفعل به ما شاء، وسمع من أوصى بمال في السبيل أحب إلى أن يعطي من يغزو به من بلد الموصى من بعثه؛ ليقسم في الثغور والرباط خوف ضياعه بالطريق.
ابن رُشْد: خير فيه في سماع أشهب في الوصايا.
قُلتُ: لعله مع الأمن.
وفيها: لمالك: لا بأس بجعل القاعدة من ديوان للخارج منه دونه، وربما لم يخرج لهم عطاء، وهو العمل عندنا.
ابن القاسم: جعله لمن ليس من أهل الديوان لم أسمعه منه ولا يعجبني، وهو أشد كراهة من كراهته لمن يرابط مؤاجرة فرسه في غزو أو رباط، ولم يعجبه لمن معه في سبيل

الله فرس أن يؤاجره، والجعالة لمن في ديوان ليست إجارة؛ لأن عليهم سد الثغور.
التونسي: لو عين الإمام من يخرج باسمه أو صفته؛ لم يجز أن يجعل لمن يخرج عنه إلا بإذنه، وينبغي إن أتاه بمن يقوم مقامه أن يقبله.
الصقلي: وسهم الخارج بجعالة من ديوان واحد للجاعل، ولا للخارج، به أفتى شُيُخنا، وحكي عن بعض القرويين.
قُلتُ: الأظهر أنه بينهما؛ لأنه لولا الجعالة احتمل وجوب خروج الجاعل بالقرعة فيكون الخارج أجيرًا، فيستحقه الجاعل، ويحتمل العكس فيستحقه الخارج، أما لو كانت المجاعلة بعد تعين الجاعل بقرعة، أو كان الخارج من غير ديوانه فكما قالوا، وفيه نظر؛ لأن قواعد الشرع تقتضي أن استحقاق الإسهام؛ إنما هو بمباشرة حضور القتال، أو الخروج له إن عاقه عن حضوره ما لا يقدر على دفعه، وتركه اختيارًا لا في مصلحة الخارجين يمنعه، وسمع القرينان في بعوث يتجاعل فيها؛ لخوفها كبعوث المغرب يغرم فيها القاعد للجاعل، فيكون اللوالي الحوى في بعضهم من أهل الفضل والصلاح جعله في ذلك الرفع؛ ليسلم من الغرم.
قال: هذا شيء جعل للسلطان فهو أخف.
ابن رُشْد: قد كره أن يحابي بعض أهل الفضل والصلاح بجعله في الذين يمسكهم للحاجة إلهم؛ ليسلموا من الغرم، وخففه إن لم يحاب، ولم يكن له بد من إمساك بعضهم للحاجة إليه، وذلك مكروه للسائل.
وفيها: عن ابن عباس: لا بأس بالطوى من ماحوز لآخر إذا ضمنه الإنسان.
قُلتُ: الطوى: المجاوزة.
في المحكم: طوى المكان إلى المكان جاوزه.
والماحوز: الناحية.
في المحكم: كل ناحية على حدة حيز، وجمعه أحياز نادر، وقياسه حيائز بالهمز عند سيبويه، وحياوز بالواو عند أبي الحسن.

قُلتُ: ومعنى ضمنه الإنسان: أي: كفي فيه وقام بحربه.
وفيها: ليحيى بن سعيد والليث: لو قال في الطوى: خذ بعثي وبعثك، وأزيدك دينارًا أو بعيرًا؛ فلا بأس به.
قال عبد الرحمن بن شريح: يكره أن يعقد الطوى قبل أن يكتتبا في البعثين اللذين يتطاويان فيهما فيقول أحدهما للآخر: اكتتب في بعث كذا، وأنا أكتتب في بعث كذا، ثم يعقدان الطوى على ذلك، وأما بعد الكتابة؛ فلم أسمع من ينكره إلا من يفعله التماسًا للزيادة في الجعل.
التونسي: كون ذلك قبل الكتابة غير متصور؛ لأنه لم يجب عليهما شيء يخرجان فيه، ولا فائدة في إعطاء أحدهما الآخر شيئًا في شيء لا يجب عليه وبعد الكتابة، وحضور الخروج جائز، وقبل حضورها يقول: خذ بعثي وآخذ بعثك، وما كان لي فهو لك، وما كان ذلك؛ فهو لي وأزيدك كذا، فهذا هو الدين بالدين، ولعله المعنى الذي كره أن يعقد الطوى قبل الكتبة، يريد: قبل حضور ما يأخذانه وحلوله.
قُلتُ: يرد إلزامه الدين بالدين بأنه ليس يع في الرواية: ما كان لي؛ فهو لك، وما كان لك؛ فهو لي، إنما فيها: خذ بعثي وآخذ بعثك؛ حسبما مر، ومعناه: اخرج لبعثي بالمغرب، وأخرج لبعثك بالشام، وأزيدك كذا لسهولة بعث الشام؛ فالزيادة هنا لمكان السهولة كما كانت في الجعائل لمكان القعود، وعلى تسليم ثبوت ذلك في الرواية لا يلزم الدين بالدين؛ لأن ما يأخذانه إنما هو من معط واحد؛ لأنهما من ديوان واحد، وغالب العطاء من صنف واحد وهو العين، فإن تساوا عطاءاهما؛ فلا معاوضة، وآل الامر لمحض الزيادة، وإن اختلفا؛ صارت الزيادة من العطاء، ولا يدفعه من عنده، وإنما يتصور ذلك إن التزم كل واحد دفع ذلك من عنده في ذمته، ولو كان كذلك؛ كان ربا أشد من الدين بالدين، إلا أن يكون عطاء أحدهما من غير صنف عطاء الآخر، فيكون الدين بالدين، وحمل الأثر على ذلك بعيد، وهذا يرد توجيهه أثر عبد الرحمن بما ذكر، ووجهه أنه قبل الكتاب يؤدي إلى كذبهما عند الكتب وبعدها لا يؤدي إليه.
وفيها: قلت: لو تنازعا في اسم في العطاء، فأعطى أحدهما الآخر دراهم على أن يدع له الاسم.

قال: قال مالك: من أراد بيع ما زيد في عطائه بعرض؛ لم يجز، فكذا مسألتك.
التونسي: يريد: خرج العطاء لزيد بن عمرو فادعياه واسم كل منهما كذلك.
اللخمي: إن كان تنازعهما قبل خروج العطاء يخير الإمام فيهما، وإن كان عند خروجه دون بعث وهما من ديوان واحد؛ تحالفا، وقسم العطاء نصفين، ومن نكل منهما اختص به منازعه الحالف، فإن أثبتا معًا فرق بين اسميهما، وإن كان حين بعث ... معينة هما منها؛ فكذلك، إلا أن يرى الإمام بعث أحدهما دون الآخر، فإن كان أحدهما ليس منها؛ كان العطاء للآخر إلا أن يرى الإمام خروج من ليس منها أولى، وإن كانا من بعث مبهم كقوله: يخرج بعث الثغر الفلاني، أو الجيش الفلاني؛ تحالفا كما مر ويخرجان أو يقترعان، فمن طارت قرعته خرج دون أخذ شيء من منازعه، واقتراعهما للتخفيف عليهما في عدم خروجهما معًا لا ليرد أحدهما على الآخر شيئًا؛ لأن حق الأمير إنما هو على أحدهما فقط.
التونسي: لو كان تنازعهما في عطاء لخروج غير ثابت؛ تخير الأمير فيهما.
وفيها: ما سمعت منه في الإدراب بالنساء لأرض الحرب شيئًا، وقال: لا بأس أن يخرج بهن إلى السواحل كالإسكندرية، ولا بأس عندي بالغزو بهن في عسكر أمين، سَحنون: ويخرج بأهله لأمين المواضع الكثير الأهل كالإسكندرية وتونس، وشك في سفاقس وسوسة، ولا يخرج لغيرهما من سواحلنا.
وروى ابن حبيب تعليل النهي عن السفر بالقرآن لأرض العدو لخوف نيله العدو.
ابن حبيب: لما يخشى من استهزائهم وعبثهم، وتصغير ما عظم الله.
وقول اللخمي: اختلف في ذلك، فذكر قول مالك، وقول ابن حبيب يقتضي تباينهما وليس كذلك؛ لأن قول ابن حبيب تفسير لقول مالك.
سَحنون: ولا يجوز ولا في جيش كبير.
ابن حبيب: خوف نسيانه فيناله العدو.
اللخمي: هذا استحسان، والغالب السلامة.

الباجي عن ابن الماجِشُون: لا يسعف الطاغية طلبه مصحفًا يتدبره، ولا يعلم كافر قرآنًا ولا كتابًا.
محمد وابن حبيب: ولا بأس بقراءته عليه احتجاجًا.
عياض: أجاز الفقهاء الكتب لهم بالآية، ونحوها في الكتاب يدعون به الإسلام والموعظة.
أبو عمر: يجوز ذلك للضرورة.
وفيها: لمن أحرق العدو سفينته طرح نفسه في البحر؛ لأنه فر من موت لآخر.
ربيعة: صبره أولى، وقال أيضًا: لا يفر من موت لآخر أيسر.
اللخمي عنه: له أن يثبت للموت ولا يفر للأسر.
وروى أبو الفرج: لمن أظله العدو إلقاء نفسه في البحر.
اللخمي: كلاهما غير بين، لا يلقي نفسه بنفس إتيانه العدو، والأسر مقدم على الموت، والطرح لخوف موت الحرق خفيف، والموت بما ينزل أولى منه بفعل نفسه.
وفي وجوب أكل الميتة وإباحتها لخائف الموت بالجوع خلاف.
قُلتُ: لم يذكر عز الدين ابن عبد السلام غير وجوب الأكل، وساقه مساق الاتفاق عليه، وهو ظاهر كلام الصقلي وغيره.
قال عز الدين: إن استوت مدة الحياة في الإحراق والإغراق؛ فالأصح عدم لزوم الصبر على الأشد ألمًا؛ إنما يجب الصبر عليه إذا تضمن الصبر بقاء الحياة.
قُلتُ: هذا إن تساوت الحالتان في الثبوت على ذكر الشهادتين وإلا ترجحت حالته.
وسمع سَحنون ابن القاسم: لمن خاف نارًا أن يلقي نفسه في الماء فيموت ابن رُشْد: قاله مالك فيها: وربيعة مرة، ومرة قال: لا يحل، والصواب أن تركه أفضل وفعله جائز.
ابن بشير: مارجي فيه السلامة من بقاء أو انتقال وجب.
وفي جواز انتقاله في القطع بالتساوي قولان: التونسي عن سَحنون: لو بلغ من حصره عدو من الجوع ما أعجزه عن القتال، ولا

نجاة بأسر صبر للموت جوعًا، ولا يخرج لقتله العدو، وأشار لإجراء خروجه لقتله على الانتقال من موت لموت.
وتعقب ابن عبد السلام عزو بعضهم هذا لابن سَحنون بأنه إنما ذكره الشيخ على أنه من كلام ربيعة، ولم يتعقب إجراءه.
وفي تعقبه على بعضهم نظر؛ لأن التونسي ذكره نصًا لابن سَحنون، فالناقل عن التونسي برئ؛ لأنه نقل عن ثقة، ولفظ النوادر محتمل؛ لأن نصه بعد ذكره كلامًا لربيعة من الواضحة وكتاب ابن سَحنون.
قال في كتاب ابن سَحنون: فيحتمل عود ضمير (قال) على ربيعة، ويحتمل أن يكون كلام ربيعة انقضى، وأتى بكلام ابن سحنون في كتابه على عادته، ويرد إجراء التونسي بأن الانتقال إنما أجازوه حيث لا يوجب تشفيًا للعدو بنيله قتل المسلم بيده.
والأسير إن ترك بعهده ألا يهرب، أو لا يخون ظاهر أقوالهم لزومه اتفاقًا، وهو ظاهر قول ابن حارث: يجب على المسلم الوفاء بعهده العدو اتفاقًا.
العقد ولو كان مكرهًا عليه، أو إن كان غير مكره؛ نقلا المازري عن الأشياخ: وإن ترك دون استئمان ويمين؛ فله الهروب بنفسه، وما أمكنه من قتل، وأخذ مال إن قدر على النجاة، وإن ترك بائتمان أو أيمان طلاق أو غيره، ففي كونه كذلك أو كالعهد، قالثها: له الهروب بنفسه فقط لابن رُشد عن المخزومي في المبسوطة مع ابن الماجِشُون، وسماع عيسى ابن القاسم مع سماعه أَصْبَغ والأخوين مع روايتهما.
قُلتُ: وعزاه الشيخ لسَحنون وروايته، وعزا الصقلي الثاني لسَحنون، وعزا الشيخ والصقلي لمحمد: المواعيد كالعهد.
وفرق اللخمي بينه وبين اليمين بخوف اعتقادهم عدم وفاء الإسلام بالعهد؛ إذ لا حل له، ولليمين حل بإيقاع موجب الحنث، ونحوه للتونسي.

الشيخ عن أشهب: لايحل سرقته ثوبًا دفعوه ليخيطه لهم.
محمد عن ابن القاسم: له سرقة أموالهم لامعاملتهم بالربا.
محمد: لاشيء عليه بعد خروجه فيما سرقه منهم، ويستحب صدقته بما أبى.
وسمع عيسى ابن القاسم: لايخمس ماخر جبه.
ابن رُشْد: قول محمد: هذا إن أسر من بلاد المسلمين، وإن أسر من غزو، وخرج إله خمس، بعيد على أنه ساقه تفسيرًا للمذهب.
قلت للشيخ: عن ابن حبيب عن الأخوين مع مالك: إن هرب أسير الجيش ببلد الحرب لولا الجيش ماأمكنه هروب فيما هرب به من جملة الغنيمة إلا مال نفسه، وماكان وهبه، وهو مصدق فيما يدعيه بيمينه.
ولو عوهد أسير على تخليته لإتيانه بمال وإلا رجع، فعجز عنه، ففي لزوم رجوعه ومنعه نقل ابن حارث مع الشيخ تخريج سَحنون على قول مالك في الرهن: بأيدينا يسلم أنه يرد الدين إليهم، وقول سَحنون.
ابن حبيب عن الأخوين: ولو أطلقه العدو على أن يأتيه بفدائه، فله بعث المال دون رجوعه، فإذا لم يجد فداءً، فعليه أن يرجع، ولو عوهد على أن يبعث بالمال، فعجز عنه فاليجتهد فيه أبدًا ولا يرجع، وقاله أَصْبَغ.
قُلتُ: الفرق بينهما شرط رجوعه في الأولى دون الثانية.
سَحنون: لو عاهدوه على بعث الفداء، فإن عجز رجع فعجز، ففي لزم رجوعه قولا أصحابنا، وبالأول قال أشهب، وإنه لحسن، وربما تبين لي الآخر.
سَحنون: لمن اسلم من حربي قتل من أمكنه من حربي وأخذ ماله، ولو أخذه ملكهم، فأنكر إسلامه، فتركه لا لمسلم دخل إليهم على أنه كافر، لأن إدخالهم إياه على ذلك أمان، لو ذكر للملك إسلامه فقال له: أنت آمن، أو زاد: والحق بأرض الإسلام، فإن لم يؤمنه المسلم، ولم يقل شيئًا، ولا فشا بالبلد تأمينه الملك، فله قتل من أمكنه، وأخذ ماله، ولو أخذ فقال: هو نصراني او جئت لأقاتل معكم، ففي جواز ذلك له ومنعه نقلا الشيخ قولي أهل العراق وسَحنون، وفي كتاب ابنه من دخل إليهم بأمان، ولو من أحدهم حرموا عليه، ولو أباح لهم ملكهم أخذ مالهم، ومن غدروه بعد تأمينه،

فله فعل ما أمكنه فيهم، ولو غدره عامتهم، فأنكر عليهم ملكهم، وغيره فهم على عهدهم.
وفيها: لابن القاسم: لو نزل بنا عبد حربي بأمان فأسلم ومعه مال لسيده، فالمال للعبد لايخمس، وقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم للمغيرة إذ قدم مسلمًا مالًا أخذه لأصحابه.
أبن حبيب: عن أَصْبَغ: المال لسيده إلا أن يكون استأمن على الإسلام، ومامعه أول نزوله، فيكون كما لو هرب به مسلمًا، وقول ابن القاسم: أحب إلي.
سَحنون عن أشهب: هو حر ولا يعرض لما بيده، وعليه الوفاء لربه برجوعه إليه بالمال وهو حر عليه، لأنه لو بعث أسير بتجر، فهو حر، ولايكلف الرجوع، ولايمنع مما في يده، وعليه الوفاء لباعثه بما خرج عليه.
المسلمين: فيه طرق، الأكثر واجب.
الباجي: في وجوبه وكونه نفلًا قول جمهور أصحابنا مع مالك، وقول أشهب في الفداء يخمر لايدخل في نقل بمعصية.
ابن بشير: سما نفلًا، لوجوبه على الكفاية لا الأعيان إلا أن يتعين، وسمع القرينان استقاذهم بالقتال واجب فكيف بالمال.
زاد اللحمي في روايته مع سماع أَصْبَغ رواية أشهب، ولو بجميع أموال المسلمين.
قُلتُ: مالم يخش استيلاء العدو بذلك، وفي المبدأ بالفداء منه طرق.
ابن بشير: بيت المال، فإن تعذرت فعلى عموم المسلمين والأسير كأحدهم، فإن ضيع الإمام والمسلمون ذلك، وجب على الأسير من ماله.
ابن حارث: عن ابن عبدوس عن سَحنون: يفدى المسلم من ماله، فإن لم يكن له مال، فمن بيت المال.
اللخمي: أرى أن يبدأ بماله، ثم بيت المال، ثم الزكاة على المستحسن من المذهب، فإن لم تكن، فعلى المسلمين على قد أموالهم إن لم يستغرقها الفداء، فإن استغرقها فدي بجميعها.

وسمع القرينان: من رهنه أبوه، فمات ففداه مسلم، ليرجع بفدائه في قدر إرثه من أبيه أو على التركة قال: لو فداء الإمام.
ابن رُشْد: يريد: من بيت المال، لأنه الواجب، فإن لم يفده، ولا أحد من المسلمين، فالواجب كونه من رأس مال أبيه، فإن قصر فعلى الابن، ويتبع به في عدمه على ظاهر الروايات.
الشيخ عن سَحنون: إن رهنه أبوه في تجارة، فعليه فداؤه ويؤدب، فإن مات فمن تركته، وإن رهنه في مصلحة المسلمين، فعلى الإمام فداؤه.
وفي الفداء بآلة الحرب: ومالايملك من خمر وخنزير وميتة، ثالثها: بالآلة مطلقًا لابما لايملك، ورأبعها: عكسه للشيخ عن سَحنون عن ابن القاسم، وابن حارث عن أشهب مع الباجي عنه مع ابن الماجِشُون وابن رُشْد عن قول ابن القاسم: هو بالخمر أخف منه بالخيل مع قول النخمي عن أشهب: يفدى بالخيل والسلاح لاالخمر والخنزير والميتة، وعسكه أبن القاسم فقال: لايصلح بالخيل وهو بالخمر أخف، وخامسها: لابن رُشْد عن ابن حبيب: يجوز بالخيل والسلاح مالم تكثر بحيث يتقوى به، وعلى الأول.
قال ابن رُشْد والشيخ عن سَحنون: يأم الإمام أهل الذمة بدفع ذلك لهم، ويحاسبون به من جزيتهم، فإن أبوا، لم يجبروا، ولا بأس بابتياع ذلك لهم وهذه ضرورة، وفي الفداء بأسارى الكفار القادرين على القتال نقل ابن حارث عن سَحنون مع الشيخ عن الأخوين وأَصْبَغ قائلين: وإن كان المشرك ذا قدر عندهم ونجدة أن لم يرضوا إلا به، ونقل ابن رُشْد مع ظاهر نقل الباجي عن ابن القاسم: لايجوز بما يتقوون به، ونقل اللخمي قول أَصْبَغ بزيادة مالم يخش بفدائه ظهورهو على المسلمين، وخوف وقوع الضرر بقتالهم مغتفر.
قال: عن ابن سَحنون: ويفدى بصغارهم أن لم يسلموا، وبالذمي إن رضي، وكانوا لايسترقونه، وعزا الشيخ عدم الفداء بمن أسلم من صغير لرواية ابن نافع.
قال سَحنون: إن عقلوا الإسلام، وروى إن لم يكن معهم أحد أبويهم، فلهم حكم الإسلام.

وقول ابن عبد السلام: أنكر ابن حارث وجود الخلاف في الفداء بالأسارى، لم أجده له، بل ماتقدم مع قوله عن أشهب: لابأس أن يقبل في فدية رجال الكفار المال، وأنكره سَحنون، ومن فدى حرًا أجنبيًا، ولادليل على عدم اتباعه في رجوعه عليه وعدمه مطلقًا، ثالثها: على بيت المال، فإن تعذرت فعلى المسلمين، ورأبعهما: هذا إن كان عديمًا لسماع أًصْبَغ أبن القاسم مع أبن رُشْد عن ظاهر الروايات والموازيَّة وأبن بشير عن مقتضى عزو الباجي الأول لجمهور أهل المذهب مفسرًا قول غير الجمهمور بالقول يأخذ مافدي من لصوص مجانًا، ومقتضى القياس عن اللخمي، ومقتضاه عند ابن رُشْد، وعلى الأول في رجوعه به، ولو كان أضعاف ثمنه، وإن كره أو مالم يعلم صدق قوله: كنت قادرًا على الخروج دون شيء أو بأقل، وفدي دون أمره وعلمه، فلا يتبع بما كان قادرًا على الخروج دون قولان لسماع أَصْبَغ مع الموازيَّة واللخمي.
الشيخ عن سَحنون: لو فداه ذمي بخمر أو خنزير أو ميتة، تبعه بقيمة ذلك وقيمة الميتة إن كانت مما يتمالكونه، وكذا لو اشتراه بذلك أو كافأه به عن هبته له.
قُلتُ: لم والمكافأة تطوع؟ قال: لأنهم يقصدون الثواب، ولو فداء بذلك مسلم، لم يتبعه بشيء.
زاد الباجي: يحتمل على قوله بإجازة الفداء بالخمر والخنزير أن يتبعه بثمن ذلك.
قُلتُ: يرد احتماله بأن القاتل بعدم اتباعه سَحنون القائل بجواز الفداء بذلك، وإلا تناقض ولاتناقض، إذ لايلزم من الفداء به الاتباع، وأول قولي ابن الحاجب في رجوع المسلم عليه بالخمر ونحوه، وإن كان اشترى الخمر لذلك قولان لا أعرفه، وفي أخذه من قول الباجي محتمل بعده، ولم يحك ابن رُشْد غير الثاني، وقيد قول سَحنون في الذمي بكونه أخرج ذلك من عنده، ولو اشتراه، لتبعه بثمنه.
الشيخ عن سَحنون: لو فدى جماعة فيهم ذو القدر والغنى وغيرهما، فإن علم العدو ذلك، وزرع الفداء على تفاوت أقدارهم وإلا فبا لسوية، وكذا لو كان فيهم عبيد ولربهم تركهم لفاديهم.
الباجي: القريب غير ذي محرم كالأجنبي في اتباعه بفدائه.
ابن رُشْد: اتفاقٌا، وذو محرم لايعتق كذلك إن كان بأمره ليتبعه به، وإلا ففي كونه

كذلك، وسقوط أتباعه ثالثها: إن جهله الفادي، ورابعهًا: إن لم يتوارثا لتخريج ابن زرقون من قول المغيرة: يتبعه في الكتابة، والباجي عن المذهب، والشيخ عن سَحنون مع ابن رُشْد من قولها: يرجع المكاتب بما ودى عن من معه في كتابته ممن لايعتق عليه مطلقًا، وتخريج ابن زرقون من قول أشهب لايرجع عليه، والباجي عن سَحنون مع ابن زرقون عن ابن حبيب عن مالك وأصحابه، وتخريجه من قول ابن كنانة لايرجع على ماودي عنه في كتابته أن وارثه، وذو محرم يعتق عليه يتبعه إن كان بأمره، وإلا فثالثها: إن لم يعلم، ورابعها: إن لم يعلم لم يتبعه، وإلا تخرج على لزوم الثواب بينهما، ونفيه لتخريج ابن زرقون من قول المغيرة يتبعه في الكتابة، والباجي عن المذهب والشيخ عن سَحنون محتجًا بأن الفداء ليس ملكًا، وإلا فسخ نكاح الزوجة بالفداء، واللخمي محتجًا بأنه قصد الشراء والملك.
قلت: يرد باحتجاج سحنون وبامتناع الملك فيه ولذا قال فيها يحيى بن سعيد: من فدى ذمية، فلا يطؤها، وله عليها مافداها به، وهي على أمرها.
اللخمي: لو أشهد قبل فدائه باتباعه تبعه اتفاقًا إلا أن يكون الأب فقيرًا، لأنه مجبور على فدائه، لأنه آكد من نفقته، وعزو ابن بشير الاتباع بأمر الفادي للمتأخرين قصور، لثبوته في الروايات حسبما ذكره السيخ وغيره، ونقل ابن الحاجب عدم رجوعه مع كونه بأمر المفدي والتزامه لاأعرفه، بل نقل الباجي الإجماع على اتباعه.
الشيخ: سمع عيسى ابن القاسم: وروى ابن سَحنون عن المغيرة ومالك: من فدى زوجته، أو اشتراها من حربي، تبعها بفدائها إن جهلها.
ابن حارث: اتفاقًا.
ابن رُشْد عن فضل: لو قالت له: افدني وأعطيك الفداء وإلا فثالثها: إن امرته بفدائها لابن حارث عن ابن سَحنون عن سَحنون مع تخريج الباجي من إحدى روايتي القاضي بالثواب بينهما، وسماع عيسى ابن القاسم مع تخريج ابن رُشْد من قولها في المكاتب يؤدي كتابته ومعه أمرأته لايرجع عليها بشيء.
والباجي عن سَحنون قائلًا: أصل ذلك من لايرجع عليه بثواب لا يتبعه بفداء

وعكسه عكسه، وتخريج الباجي على إحدى روايتي القاضي لاثواب بينهما.
والشيخ يحيى بن يحيى مع ابن حبيب عن ابن القاسم ورواية الأخوين.
زاد اللخمي في التخريج على رواية الثواب بينهما: بعد حلفه مافداها إلا ليتبعها.
قال: ولو أشهد الفادي منهما باتباعه قبل فدائه تبعه اتفاقًا، ولم يعز ابن بشير القول بالاتباع إلا للتخريج على الثواب، وتبعه ابن عبد السلام، وتعقب التخريج بقوله: يمكن أن تسمح النفوس بالهدية لاالفداء، ولاسيما نزارة الهدية وكثرة الفداء، ويرد بإنتاجه نقبض ماادعاه الصقلي والشيخ.
وروى أبن نافع في: أفدني وأضع عنك مهري وهو خمسون دينارًا، ففداها بعبد قيمته خمسون دينارًا: لاشيء له مهرها إلا أن يفديها جاهلًا أنها امرأته.
قُلتُ: فرض جهلها مع وضع مهرها عنه متناف.
وسمع يحيى أبن القاسم: لو قالت: افدني وأسقط مهري عنك، فإن لم تسم الفداء لم يحل، فإن فداها، فله فداؤه والمهر باق، فإن سمته، فإن كان المهر عينًا والفداء بعين من غير جنسه، لم يجز إلا تقبضه صرف الحال، ويعيده عليه للفداء، وإن كان بعين مماثلة للمهر مقاصة، جاز مطلقًا إن حل وإلا جاز بقدره وبأقل ضع وتعجل، وبأكثر ذهب بأكثر إلى أجل، ويعرض جائز إن عجل الفداء وإلا فدين بدين، وكذا إن كان عرضًا والفداء يعرض مخالف أو عين وإن كان طعامًا، لم يجز بغير صنفه بحال وبه بعد حلوله جائز مطلقًا وقبله بقدره فقط، وإلا جاء ضع وتعجل أو حط عني الضمان وأزيدك.
ابن رُشْد: قوله: (ذهب بأكثر إلى أجل) لايصح، بل هو تعجيل حق له وزيادة عليه، وفي قوله: في الطعام جائز بقدره، وإن لم يحل نظر، إذ لايجوز أخذ طعام من سلم بغير موضع قبضه قبل أجله، فلا يصح قوله إلا إن أعطى الطعام في موضع شرط قبضه فيه، وإذا وجب الرجوع بالفداء.
قال الباجي وأبن بشير: يرجع بالمثل في المثلي والقيمة في غيره.
ابن عبد السلام: الأظهر المثل مطلقًا، لأنه قرض.

قُلتُ: الأظهر إن كان الرجوع بقول المفدي: افدني وأعطيك الفداء، فالمثل مطلقًا، لاأنه قرض نقله ابن رُشْد عن فضل، ولم يتعقبه في سماع عيسى من كتاب التجارة بأرض الحرب، وإن كان بغيره،.
فقول الباجي: لأن السلعة المفدي بها لم يثبت لها تقرر في الذمة، ولاالتزامه قبل صرفها في الفداء، فصار دفعها كهلاكها في قولها: لو هلكت السلعة المستعارة للرهن عند المرتهن، وهي مما يغاب عليه، لاتبع المعير المستعير بقيمتها، وكقولها: إن دفع حميل بدنانير عنها سلعة، تبع الغريم بالأقل من قيمتها أو الدين.
ابن بشير: لو جعل لفاديه جعلًا، فالمنصوص سقوطه، وينبغي إن تكلف مالا يلزمه، فله بقدر كلفته.
الشيخ عن ابن حبيب: من قالت له زوجته: افدني ولك كذا، فلاشيء له إلا فداؤه.
قُلتُ: خرج على المسألة بعضهم: أجر فادي مابأيدي اللصوص، وأجر غفير القافلة، وهي أحرى في قوافل التجر، ولو فداه وماله، فالفادي أحق به من غرمائه، وفي كونه، لأنه فداه أو لتعليق الفداء بذمته جبرًا نقلا الصقلي قول محمد أولّا، وعن عبد الملك مع تصويب محمد.
قوله: فادى أم الولد أحق بما في يد ربها من غرمائه، ولو كان للمفدي مال، لم يفد معه، ففي اختصاص الفادي به فقلا اللخمي مع الصقلي عن عبد الملك، والشيخ عن سَحنون واللخمي مع ظاهر نقل الصقلي عن محمد.
اللخمي: وعلى الأول له فداء نفسه بما خلفه، ولو كره غرماؤه، لتغليب درء ضرر الأسر، وخوف فننته في دينه، ولو اختلفنا في قدر الفداء، ففي كون القول قول المفدي مطلقًا أو إن أشبه، إلا فقول الفادي إن أشبه، وإلا ففداء المثل إن حلفا أو نكلا، ومن حلف دون صاحبه قبل قوله وإن لم يشبه، ثالثها: القول قول الفادي إن كان الأسير بيده مطلقًا، ورابعها: إلا ان يدعي مالا يشبه، فله فداء مثله لسماع عيسى ابن القاسم، وابن رُشْد عن قاعدة المذهب، وعن سَحنون وعن ابن أبي حازم، ولو أنكر انه فداه، وخرجا معًا من دار الحرب، أو ادعى كل منهما أنه فدى الآخر، فالقول قول منكر الفداء.

ابن رُشْد: إن كان منكر الفداء في يد مدعيه، قبل قوله.
وسمع يحيى ابن القاسم: لو هرب أسير برقيق من دار الحرب، فادعى أحدهم أنه حر مسلم سبي صغيرًا، وهو فصيح ينتسب لقوم يخبر عن منازلهم، وشهد عدول بسبي صغير من هناك، ولا يدرون أهو هذا؟ لايقبل قوله إلا بيينة على عينه، أو أنه كان بدار الحرب مسلمًا.
ويقاتل العدو بكل قاصر على مقابليه عادة.
اللخمي: ويحرق سورهم ويرمون بالنار إن لم يمكن غيرها، وخيف على المسلمين منهم اتفاقًا، ولو خالطهم النساء والذرية، ويختلف إن طلبهم المسلمون، فدفعوا عن أنفسهم بالنار هل يرمون بها كمن لم يقدر عليه إلا بها؟ التونسي: انظر لو كان فيهم مسلمون هل يرمون لنجاة المسلمين منهم؟ وكيف إن كان معهم من المسلمين الاثنان فقط، والمسلمون عدد كثير، وموت الاثنين خير من موت عدد كثير، فلهذا وجه.
اللخمي: أرجو خفته إن كان معهم النفر اليسير من المسلمين.
ابن بشير: هذا على قوله يطرح الرجال بالقرعة من السفن للضرورة، وانكره المحققون، لتساوي الحرمة ولغو الكثرة.
قال: ولو تترس العدو بمسلمين، وخفيف من تركهم استئصال جمهور المسلمين ففي تركهم ترجيحًا لدرء مفسدة قتل الترس، لأنها عاجلة ومفسدة استيلاء العدو آجله يمكن صرفها، وقتلهم ترجيحًا لدرء مفسدة كلية على جزئية قولان للشافعيَّة.
قُلتُ: إنما ذكر أبن الحاجب خلاف الشافعيَّة حيث يكون ترك الترس يؤدي إلى هلاك كل الأمة لاجمهور الأمة.
ابن شاس: لو تترس كافر بمسلم لم يقصد الترس، ولو خفنا على أنفسنا، فإن دم المسلم لا يستباح بالخوف، ولو تترسوا في الصف، وإن تركوا انهزم المسلمون، وخيف استئصال قاعدة الإسلام أو جمهور المسلمين، وأهل القوة منهم وجب الدفع، وسقطت حرمة الترس.
قُلتُ: وقال الغزالي: غن كان ترك الترس يؤدي إلى قتل كل الأمة رمي الترس، لأنه

مقتول، ولو ترك وإن لم يؤد إلى قتل كل الأمة، لم يرم.
قُلتُ: اعتماد منكري قول اللخمي والتونسي، إنما هو على أن القول بذلك قول بما شهد الشرع بإلغائه، لحكم الشرع بمساواة الواحد للكثير في الاحترام، ولعلهم أخذوه من قتل الجماعة المباشرة لقتل الواحد به كالواحد به، ومساوي المساوي مساوٍ على أن في ذلك خلافًا بين العلماء، وقد يجاب بمنع كونه مما شهد الشرع بإلغائه، أما في مسألة الرمي بالنار، فالأقل فيها تبع لمن وجب قتله، والتبعية شهد الشرع باعتبار جنسها أو نوعها، وشهادة الشرع بإلغاء الكثرة مع القليل، إنما تثبت حيث استقلال القليل، وعدم تبعيته، وذكر أبو عمر عن الشافعي قولًا برميهم، وإن تترسوا بأسرى، ولم يقيده بالخوف منهم، وأما في مسألة القرعة، فالقول بها إنما كان لشهادة الشرع باعتبار ارتكاب أقل الضررين اللازم أحدهما دون أكثرهما، كنقل عز الدين وجوب قطع يد من ألم بها يؤدي إلى إتلاف النفس مع اعتبار الشارع نوع القرعة، ومالايتوصل للواجب إلا به، فهو واجب، وإن لم يقع هذا الاضطرار إلى رميهم بالنار.
فقال ابن رُشْد: إن لم يكن في الحصن غير المقاتلين، ففي جواز رميهم بالنار، ومنعه قولان لها، ولسَحنون مع رواية محمد بن معاوية، وعزاه اللخمي أيضًا لابن القاسم.
ابن رُشْد: ويجوز تغريقهم ورميهم بالمنجنيق، وشبه ذلك اتفاقًا، ولو صحبهم النساء والصبيان فقط ففي جواز رميهم بالنار وغيرها، ثالثها، إلا رمي النار، ورابعها: المنع إلا رمي المنجنيق لابن مزين عن أَصْبَغ، وفضل عن ابن القاسم وأبن حبيب ولها، وعزا اللخمي الأول لمحمد قائلًا: إن لم يقدروا على أخذهم إلا بتحريق حصنهم أو تغريقه، وأحب إلى اجتناب النار.
ابن رُشْد: ولو صحبهم أسرى مسلمون، فلا يحرقوا ولا يغرقوا.
وفي جواز قطع الماء عنهم ورميهم بالمنجنيق، ومنعه قولا ابن القاسم مع أشهب وابن حبيب مع نقله عن مالك وأصحابه.
قُلتُ: وعزاه الشيخ لسَحنون.
ابن رُشْد: ولو صحبهم بالسفينة النساء والصبيان فقط، جاز رميهم بالنار اتفاقًا

ولو صحبهم الأساري فقولان لأشهب وابن القاسم.
قوله: قول أشهب، يريد: ماتقدم للخمي فيما أنكر عليه إلا أن الشيخ نقل قول أشهب في الواضحة بقيد قوله: إن رمونا بها.
اللخمي عن محمد: لاتدخن مطمورة، إنما بها النساء والذرية.
اللخمي: إن كان لم يكن بها غير المقاتلة، جاز، ويختلف إن صحبهم النساء والذرية، ولو صحبهم أسرى، جاز مايرجى به خروجهم دون موت، فإن لم يخرجوا تركوا.
الشيخ: كره سَحنون جعل سم في قلال خمر يشربها العدو.
الشيخ: عن سَحنون: الإمام مخير في قتل أسارى العدو واسترقاقهم.
ابن رُشْد: حاصل مذهب مالك تخيير الإمام في قتل الأسير واسترقاقه وفدائه، وضرب الجزية عليه، وعتقه بالاجتهاد في تحصيل الأصلح، فذو النجدة والفروسية والنكاية يقتل، وغيره إن كان ذا قيمة استرقه، أو قبل فيه الفداء إن ناف على قيمته، ومن له قوة على الجزية ضربها عليه، وإن لم تكن له قوة كالزمنى أعتقه، ولو جهل هل له نجدة أو فروسية أو غائلة أو لا؟ ففي قتله روايتان: الأولى: قول عمر رضي الله عنه.
قُلتُ: هو ظاهر قولها: يقتل من الأسارى من لايؤمن منه، ألا ترى ما كان من أبي لؤلؤة.
ابن رُشْد: ولو رأى الإمام خلاف ماقلناه باجتهاده، فله ذلك، كرأيه فداء ذي النجدة بكثير المال يتقوى به المسلمون.
قُلتُ: نحوه نقل الصقلي عن محمد: لايفادى حربي علج من أهل الذكر والشجاعة إلا بمسلم مثله، فإن لم يكن أجتهد الإمام فيه، وخص اللخمي هذا التخيير بالرجال المقاتله.
الباجي: مقتضى الاجتهاد في الشجاعة وذي الرأي قتله، وفي غيره إن كان صانعًا أو عسيفًا استبقاؤه، ومن رجي إسلامه، والانتفاع به من عليه.
وفي جواز قتل الرجال غير المقاتلين كالأجير والفلاحين وأهل الصنائع نقلا اللخمي عن سَحنون وأبن حبيب مع ابن الماجِشُون وأبن القاسم وروايتة، ويجوز فداء

الرجال بأسرى المسلمين، وفيه بالمال نقلاً ابن حارث عن أشهب مع الباجي عن مالك، ونقلهما عن سحنون ابنه.
قلت: فادي رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرى بدر بالمال.
قال: لمكة خصوص ليس لغيرها، دخلها رسول الله صلي الله عليه وسلم عنوة ولم يقسمها، ولا خمسها ومن على أهلها بلا مال، ولا إسلام، ولا نفعل ذلك اليوم.
اللخمي: على منع جزية المشركين واسترقاقهم يخير فيما سواهما.
قال: وفيها يسترق العرب إن سبوا كالعجم، ومنعه ابن وهب أحسن.
سَحنون: من أمنه الإمام أو قسم؛ لم يقتل.
قال: مع رواية ابن نافع أو أسلم، وروى ابن وهب: يدعى الأسير إلى الإسلام قبل أن يقتل، فلو قال: كنت مسلماً؛ لم يقبل إلا بينة.
وفي الموازية: إن ترك قتل الأسير لرجاء فداء أو نفع أو دلالة أو سبب أو أخذوه يستخبرونه الخبر أو أبقوه لصنعة ظنوها فلم تكن؛ لم يقتل، ومترك ليرى الإمام فيه رأيه؛ فله قتله، وكذا في المختصر.
وفي الموازية: أتى عمر بالهرمزان فكلمه فاستعجم فقال: تكلم ولا تخلف، فلما تكلم أراد قتله.
قال له: قد قلت: لا تخف؛ فتركه.
وسمع ابن القاسم: قدم بالهرمزان وجفينة علي عمر رضي الله عنه، فأراد ضرب أعناقهما فكلمهما فاستعجما عليه، فقال: لا بأس عليكما، ثم أراد قتلهما فقالا له: ليس ذلك إليه قد قلت: لا باس عليكما.
ابن رشد: الهرمزان: سيد تستر حاصره أبو موسى في قلعة بها بعد أن دخلها، ثم أنزله على حكم عمر، فأتي به عمر فقال له: تكلم.
فقال: كلام حي وميت؟ فقال: تكلم فلا بأس.
فقال: إنا وإياكم معاشر العرب ما خلى الله بيننا وبينكم كنا نقصيكم ونقتلكم، فلما كان الله معكم؛ لم يكن لنا بكم يدان.

قال عمر: يا أنس ما تقول؟ قال: قلت يا أمير المؤمنين تركت بعدي عدداً كثيراً وشوكة شديدة، فإن تقتله ييأس القوم من الحياة، ويكون أشد لشوكتهم.
قال عمر: استحيي قاتل البراء بن مالك، ومجزأة بن ثور، فلما خفت قتله.
قلت: ليس إلى قتله سبيل.
قلت: تكلم ولا بأس.
قال: لتأتيني بمن يشهد لك، فلقيت الزبير، فشهد معي، فتركه عمر، وأسلم وفرض له.
قلت: مقتضى قول مال: أن المحتج على عمر رضي الله عنه الأسيران لا أنس، ونقل ابن رشد عكسه، ومثله نقل أبو عمر، وقد يجمع بقوله: أنس أولاً، والأسيران ثانياً.
وفيه قبول الحاكم الشهادة عليه بما نسيه وهو المذهب، ورأيت عمل بعضهم بخلافه، فالله أعلم.
الشيخ في الموازية: لو أمر الإمام بالنداء على أسير، فبلغ ثمناً؛ فله قتله.
أصبغ: هذا إن عرضه ليختبر ثمنه وإلا فلا.
زاد ابن حبيب: إلا أن يكون هو الذي سأله البيع فأجابه إليه، فلا يقتله.
محمد: عن أصبع عن أشهب: لو أسرت سرية أعلاجاً، فأدركهم أمر خافوا منه؛ فلهم قتلهم إن لم يكونوا استحيوهم، واستحياؤهم أن يتركوهم رقيقاً للمسلمين أو فيئاً لهم ليرى الإمام رأيه.
ابن حبيب: وقتل الأسير بضرب عنقه، لا يمثل به ولا يعبث عليه.
سحنون: قيل لمالك: أيضرب وسطه؟ قال: قال الله (عز وجل): ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: 4]، لا خير في العبث.
قلت: وقتل ذمي بنقض العهد كقتل الأسير، ونزلت في ذمي ثبت بيعه أولاد المسلمين لأهل الحرب، فسأل السلطان الشيخين ابن قداح وابن عبد السلام.
فقال ابن عبد السلام: يصلب ويطعن، وذكر قول مالك فيها: لم أسمع أحداً صلب إلا عبد الملك بن مروان، فإنه صلب الحارث الذي تنبأ، وهو حي وطعنه بالحرية بيده، ففعل ذلك، ومقتضى رواية سحنون: ضرب عنقه.

وفي مراسيل أبي داود عن إبراهيم التيمي أنه صلى الله عليه وسلم صلب عقبة بن أبي معيط إلى شجرة.
فقال: يا رسول الله أنا من بين قريش؟ ال: نعم.
قال: فمن للصبية؟ قال: النار، والتمسك بهذا في صلبه الأسير أبين.
الباجي: لا يمثل بالأسير في قتله؛ بل يضرب عنقه إلا أن يكونوا مثلوا بالمسلمين.
سحنون: قيل لمالك: أيعذب الأسير إن رجي أن يدل على عورة العدو؟ قال: ما سمعت ذلك.
قلت: في حديث لمسلم في غزوة بدر: فانطلقوا حتى نزلوا بدراً، ووردت عليهم روايا قريش، وفيهم غلام أسود لبني الحجاج فأخذوه، فكان أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه فيقول: ما لي علم بأبي سفيان، ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف، فإذا قال: هذا ضربوه، فقال: نعم أنا أخبركم، هذا أبو سفيان، فإذا تركوه سألوه، قال: مالي بأبي سفيان علم، ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف في الناس، فإذا قال: هذا أيضاً ضربوه، ورسول الله صلي الله عليه وسلم قائم يصلي، فلما رأي ذلك الضرب قال: "والذي نفسي بيده لتضربونه إذا صدقكم وتتركونه إذا كذبكم".
الحديث.
عياض: فيه جواز ضرب الأسير لمعنى يوجب ذلك، وليستخبر ما عنده من أمر العدو.
سحنون: لا يجوز حمل الرؤوس من بلد لأخر، ولا حملها إلى الولاة، وكره أبو بكر حمل رأس القبريط إليه من الشام، وقال، هذا فعل الأعاجم.
وفي قتل النساء والصبيان عن قاتلوا ثالثها: إن قتلت المرأة أو الصبي إن راهق، للخمي عن سماع يحيى ابن القاسم وسحنون في المرأة، فألزمه اللخمي الصبي، وعن

أصبغ، وعزاه الشيخ لابن حبيب.
وللصقلي عن سحنون: لا يقتل الصبي والمرأة إن قاتلا بخلاف الراهب والشيخ الكبير.
الشيخ عن سحنون: في قتل الصبي المنبت قولاً أكثر أصحابنا وابن القاسم.
الشيخ عن ابن حبيب: قتال المرأة المعتبر بالرمح والسيف وشبهه، وقتالها بالرمي من فوق الحصن لا يبيح قتلها إلا أن تكون قتلت، وروى ابن نافع في النساء والصبيان يرمون حصن المسلمين بالحجارة أيقتلون؟ قال: نهى صلي الله عليه وسلم عن قتلهما.
عياض: في كون قتالها بالحجارة كالسلاح قولا أصحابنا، ولم يعزهما ابن بشير لأحد، وفي قتل الزمن العاجز عن القتال المجهول كونه ذا رأي ثالثها: إن كان في جيش لا في مستوطن لسحنون وابن حبيب واللخمي.
قلت: ظاهر نقل الشيخ عنهما: من علم عجزه عن القتال والرأي لا يقتل، ومن علم أنه ذو رأي؛ يقتل.
في الموازية: عن عبد الملك: يقتل الشيخ الكبير ذو الكيد.
محمد: إن عرف بذلك وإلا تركه أحب إلي.
سحنون: المريض الشاب والمجنون يفيق أحياناً، والأجذم يقبل ويدبر كصحيح، ومن أبطله الجذام كشيخ فانٍ، ومفلوج لا حراك له لا يقتلون غلا من له رأي.
ويقتل كل مقاتل حين قتال: ابن سحنون: ولو كان شيخاً كبيراً.
وسمع يحيى ابن القاسم: وكذا المرأة والصبيان.
ونقل ابن الحاجب: منع قتلها حين قتالها لا أعرفه.
ابن سحنون: وقتال الصبي غير المطيق للقتال لغو إنما هو ولع.
سحنون: إن قاتل هو والمرأة يرمي الحجارة رمياً بذلك ولو قتلا.
وأنكر قول الأوزاعي: يقتلان حين حراستهما الحصن.
سحنون: من قتل من لا يقتل بدار الحرب قبل صيرورته مغنماً؛ استغفر الله، وبعدها يغرم قيمته للمغنم، والراهب المخالط للعدو.

قال ابن حبيب مثله.
اللخمي: هو ظاهر قول مالك فيها.
قلت: بل كل ظاهر الروايات، والمباين كذوي الصوامع المشهور محترم.
اللخمي: روى محمد: لا ينزل من صومعته.
ابن حبيب: لاعتزالهم عن محاربة المسلمين لا لفضل ثبت لهم؛ بل هم أبعد عن الله من أهل دينهم؛ لشدتهم في كفرهم.
ابن رشد: وابن حارث عن مالك: يقتل الرهبان؛ لأن فيهم التجبير والنقض للدين، وعلى المشهور سمع القرينان: رهبان الديارات والصوامع سواء.
وفي كتاب ابن سحنون: إن وجد الراهب في دار أو غار؛ فهو كأهل الصوامع.
قيل: كيف يعرف؟ قال: لهم سيما يعرفون بها.
وإذا وجد العلج قد طين على نفسه في بيت في موضعه، وله كوة ينظر منها؛ فهو راهب لا يعرض له.
سحنون: إن صح عن راهب أن أهل الحرب يأخذون عنه الرأي، قتل، وإن وجد منهزماً مع العدو، وقد نزل من صومعته، فقال: إنما هربت خوفاً منكم؛ لم يعرض له.
ابن نافع: قيل لمالك: تمر سرية المسلمين براهب، فيخافون أن يدل عليهم، فيأخذونه معهم، فإذا أمنوا أرسلوه.
قال: ما سمعت أنه ينزل من صومعته، وما أدعاه من قال قدر كفايته ترك له، وما كثر وجهل صدق دعواه أنه له، أخذ الزائد منه على قدر كفايته.
وفيما علم صدقه فيه طريقان.
ابن رشد وغيره: في تركه له، أو قدر ما يستر عورته، ويعيش به الأيام قولان لنص سماع ابن القاسم في رسم اغتسل، وقول سحنون فيه، وفي الشيخ الكبير، وهو نحو قولها.
ابن رشد: ومعنى سماع ابن القاسم في رسم الشجرة يترك له من ماله ما يصلحه البقرتان تكفيان الرجل، ولو قبل قوله ادعى الكثير فيما لا يعلم صدقه فيه.

جارٍ التحميل