المختصر الفقهي لابن عرفةصفحات 383-424

كتاب الشهادات

صفحات 383-424

عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بيمين وشاهد، وذكر العقيلي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بشاهد ويمين في الحقوق.
عبد الحق في سنده: مطرف بن مازن ضعيف، ورماه ابن معين بالكذب.
وقال أبو أحمد الجرحاني فيه: لم أر فيما يرويه شيئاً منكراً.
أبو عمر: لم يخرج البخاري حديث مسلم، ورواه أبو هريرة من طرق كثيرة وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمرو بن شعيب، وكلها من طرق متواترة، وهو قول جمهور العلماء بالمدينة، ولا يعرف المالكيون في كل بلد غيره إلا أن يحيى بن يحيى بالأندلس تركه، وزعم أنه لم ير الليث يفتي به، ولقول مالك: قال جلة من العلماء بالعراق: وهو قول الشافعي وقال أبو حنيفة والأوزعي: لا بقضى به.
وقال محمد بن الحسن: يفسخ القضاء به؛ لأنه خالف القرآن، وهذا جهل وعناد، وإنما هو زيادة بيان كنكاح المرأة على عمتها وخالتها مع قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:24] الباجي: إن قالوا يحتمل أن يكون قضى بيمين المطلوب مع شاهد المدعي.
قيل: قوله باليمين مع الشاهد ظاهرة أنها من جهة واحدة.
ابن رزقون: حديث مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قضى بيمين وشاهد بالتنكير يرفع الإشكال.
الشيخ: وروى المحمدون إنما يجوز الشاهد واليمين في الأموال دون العتق والطلاق والحدود.
زاد بن سحنون: والنكاح والقتل.
ابن حبيب: روى مطرف يجوز اليمين مع الشاهد في الحقوق والجراح، عمدها وخطئها، وفي المشامتة ما عدا الحدود.

قلت في رسم القضاء من سماع أشهب: لا أرى أن يحلف مع الشاهد بالشتم.
ابن رشد: ما روى عن مطرف أنه يحلف مع شاهده في الفرية، ويحد له شذوذ ويتخرج غي المسألة قول ثالث أنه لا يحلف مع شاهده في الفرية، ويحلف معه فيما دون الفرية من الشتم الذي، وفي القصاص من جراح العمد بالشاهد والمين، ثالثها: فيها صغر من الجراح لا فيما عظم كقطع اليد لمالك في أقضيتها، ولابن القاسم في شهاداتها، ورواية ابن الماشجون مع قوله وقول سحنون.
وذكر الباجي عن ابن الماشجون: أن صغير الجراح كالموضحة والأصبغ، وشبهه مما يؤمن معه على النفس.
وحكى المارزي أيضاً الثلاثة الأقوال، وفي الموطأ معها إن نكل ذو الشاهد عن الحلف معه، حلف المطلوب وبريء، فإن نكل غرم الحق.
وفيها: ويحلف الطالب مع شهادة امرأتين في الأموال فوجهوه بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة:282]، ولغوه في العتق يوجب يمن الشهود عليه على رد الشهادة، فإن نكل فقال الباجي في عتقه عليه وحبسه أبدا حتى يحلف، ثالثها: إن طال حبسه ترك؛ لرواية ابن القاسم مع أول قولي أشهب، ولمالك مع سحنون وابن نافع وابن القاسم قائلاً: والسنة طول، وعلى الزوج كذلك، فلإن نكل الثلاثة لقائلها، ورابعها: يسجن ويضرب له أجل الإيلاء، فإن انقضى طلق عليه، وخامسها: هذا بعد طول سجنه.
الباجي عن النوادر عن ابن نافع: ولابن مزين عن رواية محمد بن خالد عنه قال يحيى: وقال أبو زيد: قاضي المدينة مثله.
قلت: في آخر الأيمان بالطلاق منها أقامت امرأة بطلاقها شاهداً أو امرأتين ممن تجوز شهادتهما في الحقوق منع الزواج منها حتى يحلف.
قال مالك: فإن نكل طلقت عليه مكانه، وعدتها من يوم الحكم، وروى عنه أنه يحبس أبداً حتى يحلف أو يطلق.

قال ابن القاسم: وبلغني عنه أنه إن طال سجنه دين، وخلى بينه وبينهما، وهو رأيي.
عياض: قوله إن كانتا ممن تجوز شهادتهما عليه في الحقوق.
زاد في كتاب الشهادات؛ يريد، إلا أن تكون مثل أخواتها وجداتها، ومن هو منها بظنة، وزاد في كتاب العتق: أو عمتها أو خالتها، وليس هذا بمنزلة الحقوق؛ يريد: لأن هذا لو شهدن لها به في الحقوق جازت، ولكن يتهم النساء في هذا الباب لعصبية بعضهن لبعض، ولعياض في كتاب الشهادات: ولحمد يس عن أشهب: أن عليه اليمين في شهادة الأمهات والبنات والقرابات عليه بالطلاق بموجب اليمين عنده بالشهادة اللطخ كاللوث، فلا تعتبر التهمة.
وفي الأيمان بالطلاق: ومن ادعى نكاح امرأة، وأنكرت ذلك فلا يمين له عليها، وإن أقام شاهداً لا تحبس، ولا يثبت نكاح إلا بشاهدين هذا لفظ التهذيب، وهي في المدونة مقيسة على دعوى المرأة الطلاق، وفيه نظر لتكرر دعوى الطلاق دون النكاح.
ابن رزقون: قال عبد الملك في الثمانية: من أقام شاهداً على رجل أنه زوجه ابنته البكر حلف الأب، فإن نكل سجن حتى يحلف، وله أن يزوجها في السجن من رجل آخر حتى يحلف، ولا مقال للابنة في ذلك، وإن كانت ثيباً فليس عليه يمين.
وقال أصبغ: لا يمين على الأب بحال.
المارزي: منصوص المذهب من أقام شاهداً واحداً بنكاح امرأة أنكرته أن لا يمين عليها، وفي الموازية: لا يمين في دعوى النكاح على امرأة الرجل، ولا عليه لها ما لم يقم بذلك شاهد واحد بعض الأشياخ وجوب اليمين على المنكر منهما بالشاهد الواحد.
المارزي: وليس هذا بنص بل دليل خطاب لكن وقع في المذهب فيمن عقد نكاحاً لرجل على امرأة، أو لامرأة على رجل، فأنكر الزوج أو الزوجة الوكالة أنهما يحلفان.
وفي الواضحة: لو تعلق اليمين هنا بدعوى الوكيل على الزوج، أنه وكله لتضمن ذلك إلزامه صداقاً ونفقة، ولا تتعلق اليمين على المرأة إذ لا يباح فرجها بمثل هذا،

فأخذ من هذا بعض أشياخي وجوب الحلف مع الشاهد، وفي هذا التخريج نظر؛ لأن المدعى عليه الوكالة لو صدقها كان النكاح منعقداً؛ لأن النزاع في إذنه في الوكالة، والعقد بين الوكيل والزوجة ثابت بشاهدين.
قلت: الذي أشار إليه بالتخريج هو اللخمي ونصه: من أقام شاهداً واحداً على نكاح لم يحلف معه، واختلف في يمين الشهود عليه، فقال ابن القاسم: لا يمين عليه، وقال في الموازية: فذكر ما تقدم إلى قوله: ما لم يقم بذلك شاهد.
قال اللخمي: يريد فيحلف المشهود عليه من رجل أو امرأة.
وقال فيمن زوج رجلاً أو امرأة وزعم أنه وكيل على ذلك، فأنكر المدعى عليه الوكالة بعد أن قدم: إنه يحلف الرجل والمرأة أنه لم يوكله، فإذا كان حلف بدعوى الوكالة مع كون الوكيل غير عدل، وهو مدفع عن نفسه التعدي كان أحرى أن يحلف المدعى عليه مع الشاهد العدل.
وقال ابن حبيب: يحلف الرجل أنه ما وكل، ولا تحلف المرأة أنها ما وكلت؛ لأنها إن نكلت لم تكن زوجة.
وأرى أن تطلبه باليمين رجاء أن تقر، ويحلف هو إن ادعت عليه الوكالة؛ لأن المطلوب منه مال، فإن نكل حلفت وغرم بنصف المهر على قول ابن القاسم؛ إلا أن يجب هو البقاء على النكاح، فيحضر الولي ويجدد العقد.
وإن شهد شاهد بعد موت الزوج أو الزوجة، فقال ابن القاسم: يحلف المشهود له، وتستحق الإرث والصداق إن كان الشاهد لها.
وقال أشهب: لا يستحق ذلك إلا بشاهدين.
وقول ابن الحاجب: ويطالب المشهود عليه بالشاهد في النكاح والطلاق والعتاق بأن يقرأ أو يحلف؛ فإن امتنع فالأخيرة أن يحبس لهما، إلا أن يحكم بالشهادة.
وقال ابن القاسم: يحبس سنة.
وقول سحنون: (أبداً) يقتضي أن المذهب حلفه في النكاح، وليس كذلك، حسبما

تقدم من لفظ المدونة وغيرها، وإنما الحلف قول غير المشهور.
وظاهر قوله: (إلا أن يحكم بالشهادة) أن في النكاح على الرواية الثانية تعجيل الحكم بالشهادة، وهذا غير موجود في المذهب.
وما ذكرناه أورده ابن عبد السلام على ابن الحاجب سؤالين، ثم قال: ويحتمل أن يرجع الضمير المجرور من قوله: (يحبس لهما) على المرأة ?في الطلاق?وعلى العبد?في العتق?فيسقط السؤالان لخروج مسألة النكاح.
قلت: قوله: (يطالب في النكاح والطلاق والعتاق بأن يقر أو يحلف) نص في مطالبته بالحلف في النكاح فامتنع سقوط السؤال فيه، وقوله: (فإن امتنع) ظاهره أو نصه أن الضمير الفاعل المستكن في (امتنع) عائد على ما عاد عليه الضمير في (يحلف) فحينئذ إن جعل الضمير في (لهما) عائداً على (المرأة) في الطلاق، وعلى العبد (العبد) في العتق، ففي الشرط في النكاح، وهو فرض الامتناع فيه، والحلف لا جواب له فتأمله.
اللخمي: وإن شهد شاهد بتمليك فهو كشاهد بطلاق يحلف ويبرأ.
ويختلف إن نكل واختارت الطلاق هل يطلق عليه؟ وإن شهده بخلع؟ فإن كان القائم به الزوج فهو كشاهد بمال يحلف معه.
ويأخذه؛ لأن الطلاق بيده، وهو مقر به، وإن كانت المرأة هي القائمة كان كشاهد على طلاق، وإن شهد على نسب أو ولاء لم يحلف معه إن كانت الشهادة على حي، وإن كانت على ميت ليرث منه?وللميت ولد ثابت النسب أو مولى معروف? فأثبت هذا أنه ولد الميت أو أنه مولى مع الأول؛ حلف من ثبت نسبه أو ولاؤه، وكان أحق بالميراث، واليمين إن ادعى الطلبي المعرفة.
واختلف إن لم يكن هناك نسب ثابت سوى الطاريء هل يحلف ويرث؟ أو يكون الإرث لبيت المال؟ وأرى أن من أقام شاهداً أولى.
وقال ابن القاسم: من ادعى على رجل أن عبده، فأنكر وقال: أنا حر؛ أنه ليس له أن يحلفه، إلا أن يقيم شاهداً فيحلف ويستحق.
قال سحنون: ليس له ذلك إن كان معروفاً بالحرية، وأرى إن لم يكن معروفاً

بحرية ولا عبودية أن يخلف ويستحق، وإن كان مشهوراً بحرية، وأنه ابن فلان الحر لم يستحق بشاهد ويمين، ولا بشاهدين، ولا بشاهدين، إلا أن يثبت استحقاقه أمه، أو شبهه مما يخفى، ويبطل ما كان معروفاً به.
قال: وإن شهد بزنا على المعاينة أو الإقرار حد.
واختلف إن نقل ذلك عن غيره؛ فقال ابن القاسم: يُحَدّ.
محمد: لا يحد إن قال: (أشهدني فلان)، إلا أن يقول: (هو زان)، وهذا أحسن؛ لأن من قال: (أشهدني فلان)، ولم يقل: (هو زان) ليس بقاذف.
قلت: إن لمم يكن قذفاً فهو تعريض، ولا سيما إن كان الشاهد يعلم حكم نصاب بينه الزنا.
وإن قال: رأيت فلانا مع فلانة أو بين فخذيها؛ فقال ابن القاسم: يعاقب الشاهد.
وقال غيره: لا يعاقب.
ورابع: إن كان المشهود عليه ممن يظن به ذلك لم يعاقب الشاهد، وإن كلن ممن لا يظن به ذلك عواقب الشاهد.
ومن شهد على رجل أنه شرب خمراً ففيها: ينكل الشاهد.
وقال فيمن شهد على رجل بالسرقة: إن كان لها من يطلبها لم يعاقب?يريد: وإن كان غير عدل? قال: وإن لم يكن لها من يطلبها، والشاهد عدل لم يعاقب، وإن لم يكن عدلاً عوقب.
وعلى قوله في عقوبة الذي قال: (رأيته بين فخذيها) يعاقب الشاهد هنا، وإن كان عدلاً.
ولمالك في المبسوطة: من شهد بالسرقة أو شرب الخمر لم يعاقب.
ولابن نافع في كتب المدنيين: إن شهد بذلك على من له هيئة نكل، وإن كان ممن يتهم بذلك فلا شيء عليه، فأوجب العقوبة الأول قياساً على شاهد الزنا، وأسقطها في القول الآخر؛ لأن الأصل إذا سقطت البينة عدم العقوبة.

والحد على من شهد بالزنا تسليم لقول عمر.
والتفريق بين العدل وغيره لتهمة غير العدل بإذاية المشهود عليه.
وأرى أن يعاقب غير العدل إن كان المشهود عليه لا يظن به ذلك، ولا غير العدل إن شهد على من يظن به ذلك.
وإن شهد بقذف أحلف المشهود عليه.
ويختلف إن نكل هل يحد أو يسجن؟ أبداً حتى يحلف؟ أو يطلق بعد سنة؟ قياساً على الطلاق، والجراح هل يطلق عليه أو يقتص منه.
وإذا ثبت اليمين على مشهود عليه لنكول المشهود له، أو لأنه لم يمكن من اليمين على القول الآخر، فنكل المشهود عليه سجن أبداً حتى يقرأ أو يحلف، وعلى القول الآخر يخرج بعد سنة.
وقال أشهب: يقطع، وذكر ذلك عن ابن القاسم في كتاب الأقضية في بعض روايات المدونة.
وأرى أن يسجن أبداً حتى يقر أو يحلف إلا أن يكون الشاهد مبرزاً، والمشهود عليه ممن يظن به فيقتص منه.
قلت: هذا كله إنما هو في الشاهدة إذا أتى يشهد من قبل نفسه، ولو كان القاضي هو الذي استدعاه للشهادة رجاء ضم غيره إليه؛ وغيره مما لا يثبت به.
ذكر مالك من هذا النوع ?في الموطأ? مسائل منها ما يؤدي إلى فسخ نكاح، أو ثبوت عتق، أو سقوط حد؛ كشاهد ويمين على زوج أمه أنه ابتاعها يثبت الشراء ويفسخ النكاح؛ لأنه لو لم يكن ذلك ذلك لزم إلغاء بالشاهد واليمين في الأحوال، أو اجتماع الملك والنكاح وكلاهما خلاف حكم الشرع؛ ولأن متعلق الشاهد واليمين إنما هو المال والفسخ بحكم الحاكم بالمال لا بالشاهد واليمين.
ومنها شهادة شاهد لمكاتب بأنه قضى النجدم الآخر لسيده، وقبول الشهادة هنا آكد؛ لأن العقد به العتق ثبت على السيد بشاهدين.

ومنها رفع الحد كشاهد ويمين برق من قذف وهو ظاهر الحرية.
قال ابن الحاجب: وأما الشاهد بالقضاء بمال فالمشهور لا يمضي، وله إستحلاف المطلوب؛ فإن نكل لزمه بعد يمين.
قال ابن عبد السلام: هذا كلام فيه نظر، والذي حكاه الباجي وغيره أن القولين فى قبول كتاب القاضي بشاهد ويمين؛ لأنه حق ليس بمالي يؤول إلى مال، ودعو أحد الخصمين على الآخر أن القاضي حكم عليه بمال هي دعوي بمال حقيقة لا ينبغى أن يختلف فيها، وبتقدير أن يكون الأمر على ماحكاه المؤلف فكيف بمنع قبول الشاهد واليمين! ويقبل فيه النكول واليمين، والثاني أضعف من الأول على أصل المذهب.
قال في أقضية المدونه: وللطالب أن يحلف المطلوب أن هذه الشهادة التي في ديوان القاضي ما شهد عليه بها أحد، فإن نكل حلف الطالب، وثبتت الشهادة، ثم ينظر فيها الذي ولي بما كان ينظر المعزل.
قلت: إنكاره وجود الخلاف بقوله لا ينبغى أن يختلف فيه، وبما ذكره عن الباجي يرد بأن مافهمه عن الباجي ليس كذلك، وبشهرة ذكر الخلاف فيه من كلام الأشياخ.
أما رد فهمه عن الباجي؛ فلقول الباجي ما نصه: فإن تعلقت الشاهدة بالعقود التي لا تختص بالمال، والمقصود منها المال كالشهادة على حكم قاض، فروى ابن حبيب عن الماجشون لايثبت كتاب قاض إلى قاض بشاهد ويمين، وإن كان في مال.
وقال مطرف: يحلف مع شاهده، ويثبت له القضاء.
قلت: فقوله كالشهاده على حكم قاض نص منه على الخلاف في حكم القاضي، ويبقى محل النظر في أخذ الباقي، ذلك من مسألة كتاب القاضي.
وأما شهرة الخلاف فيه من كلام الأشياخ ففيى النكاح الثاني منها: وإذا فرض القاضي للزوجة، ثم مات أو عزل فادعت المرأة قدراً، وادعى الزوج دونه، فالقول قوله إذا أشبهنفقة مثلها، وإلا فقولها فيما يشبه.
عياض: قال بعض أصحاب سحنون: مذهب ابن القاسم أنه لا يمين على من أشبه قوله منهما إذ لا يحلف على حكم حاكم مع شهادة شاهد، وذهب بعضهم إلى

معنى قوله في الكتاب مع يمينه، وهو الظاهر وأنه حجة لجواز الحلف مع الشاهد على قضاء القاضي، ونبه على ذلك فى كتاب ابن سهل خلاف ما قال بعض أصحاب سحنون، وما لابن القاسم في العتبية قوله هو سماع عيسى ابن القاسم قيل له فإن أقام شاهداً على أمر القاضي وقضائه هل يحلف مع شاهده؟ قال: لا يحلف مع شاهده على شهادته، ولا يجوز فى ذلك إلا شاهدان؛ لأنه من وجه الشهادة على الشهادة، والشهادة على قضاء القاضي بشهادة على شهادة فلا يجوز في ذلك إلا شاهدان.
ابن رشد: قوله: (إن المقضي له لايحلف مع شاهده على أمر القاضي وقضائه) هو على خلاف أصله في المدونة لوقوله فى أقضيتها: إن القاضي إذا عزل، وقد شهد الشهود عنده، وأثبت ذلك في ديوانه، ولم تقم على ذلك بينة أن المشهود عليه يحلف بالله ما هذه الشهادة التي فى ديوان القاضي مما شهدت به الشهود علي؛ فإن نكل حلف المشهود له؛ وثبتت الشهادة، فإذا كان يستحق ذلك باليمين مع النكون فأحرى أن يستحقه باليمين مع الشاهد، ولافرق بين ذلك وبين الحكم، لأنه شعبة من شعب الحكم.
ونحوه في نكاحها الثاني في الزوجين إذا إختلفا في فريضة القاضي، فإذا كانت المرأة تستحق القضاء باليمين مع النكول وجب أن تستحقه باليمين مع الشاهد، وتأول بعض الناس أن قول ابن القاسم في هذه المسألة أنه لا يمين على الزوج إن أي بما يشبه، ولا على الزوجة إن أتي الزوج بما لايشبه، وأتت هي بما يشبه على قياس قول ابن القاسم في هذه الرواية.
وفي الواضحه: إن حكم الحاكم لا يستحق باليمين مع الشاهد، وهو تأويل بعيد، وظاهر المدونة: أنه يستحق بهما، وهو قول مطرف وأصبغ، ويجوز فيه على قول ابن القاسم: شاخد وامرأتان؛ لأنه إذا أجاز ذلك في الشهادة على الشهادة، وفي الشهادة على الوكالة فأحرى أن يجيزه في حكم القاضي إذا قد أجيز فيه الشاهد واليمين، ولا خلاق أنه لا يجوز شاهد ويمين في الشهادة على الشهادة، ولا في الشهادة على الوكالة.
وسحنون وابن الماجشون: لايجزان شاهداً وامرأتين في ذلك كله على أصلهما أنه لا يجوز شاهد وأمرأتان، إلا فيما يجوز فيه شاهد ويمين، وكتاب القاضي إلى القاضي لا

خلاف أنه لايجوز فيه شاهد ويمين؛ لأنه كالشهادة على الشهادة.
قلت: وقال المازري: ولذا اختلف فى شهادة شاهد واحد شهد عل قاض أنه حكم بمال لزيد على عمرو هل يحلف زيد مع شهادته؟ ويستحق المال أم لا؟ في ذلك قولان، وقول ابن رشد: لا خلاف أنه لايجوز شاهد ويمين في الشهادة على الواله خلاف نقل اللخمي والمازري.
قال اللخمي: اختلف إذا شهد على وكالة من غائب هل يحلف الوكيل؟ والمشهور أنه لا يحلف.
وهو أحسن، إن كانت الوكالة لحق الغائب فقط، فإن كانت مما يتعلق فيها حق للوكيل؛ لأن له على الغائب ديناً أو ليكون ذلك المال بيده قراضاً أو تصدق به عليه حلف، واستحق إن أقر الموكل عليه بالمال للغائب.
وإن وكل على قضاء دين فقضاه بشاهد فجحده القابض حلف الوكيل وبرئ الغريم؛ فإن نكل حلف الطالب وغرم الوكيل إن كان موسراً، وإن كان معسراً حلف المطلوب وبرئ، وكانت تباعة الطالب على الوكيل متى أيسر.
قلت: فظاهر لفظ اللخمي أن الخلاف في الشاهد واليمين في الوكالة نص.
وقال المازري: معروف المذهب أن الشاهد واليمين لا يقضى بها في الوكالة؛ بل لأن اليمين فيها مع الشاهد فيها متعذرة؛ لأن اليمين لا يحلفها إلا من له فيها نفع، والوكيل لا نفع له فيها، وغن كان وقع في المذهب أن الوكيل يحلف مع شاهده بالوكالة، ويقبض الحق، فتأول الأشياخ هذه الرواية على أن المراد بها وكالة بأجرة، ويأخذها الوكيل، أو يقبض المال لمنفعة له فيه؛ وأشار إلى إجراء القولين في قبول الشاهد واليمين في الوكالة على المال على قولي ابن القاسم وأشهب في قبول شهادة رجل وإمرأتين على وكالة بقبض مال، ولغوها بناء على الحكم فيما ليس بمال يؤول إلى مال يحكم بماله أو يحكم حاله قاله سحنون.
أشهب: لايجوز شاهد ويمين في الوكالة على حق.

ابن رشد: قال ابن دحون: يلزم من أجاز شهدة النساء على الوكالة في المال أن يجيز شاهداً ويميناً على الوكالة في المال؛ لأنها تؤول إلى المال؛ وليس ذلك بصحيح إذ ليس كل ما يجوز فيه شاهد وإمراأتان يجوز فيه شاهد ويمين، وإنما القول الذي يقول سحنون وابن الماجشون ما يجوز فيه شاهد ويمين، يجوز فيه شاهد وامأتان، وهما لا يجيزان شهادة النساء في الوكالة على المال.
قلت: في رده على ابن دحون نظر؛ لأن ابن دحون لم يسلك في تخريجه سبيل الاستقراء بصدق كلية لصدق أخرى، وإنما سلك سبيل القياس التمثيلي، وهو أن الشاهد واليمين معمول به في المال، فمن حكم في غيره بأن ما متعلقه غير مال، ومآله قال: إنما يحكم فيه بإعتبار مآله موجب أن يكون الأمر كذلك في الشاهد واليمين يجامع حصر الإعتبار في المال دون متعلق الشهادة الغير المآلي، فإن كان ما شهد به الشاهد حقاً لسفيه فطريقان الشيخ والباجي.
وروى أصبغ عن ابن القاسم في العتبية: يحلف مع شاهده بخلاف الصبي، فإن نكل حلف المطلوب وبرئ، فإن نكل غرم.
قال أصبغ: كالعبد والذمي.
ولابن حبيب عن مطرف: يحلف المطلوب ويؤخر؛ فإذا رشد حلف مع شاهده، فإن أبى لم يكن له على المطلوب يمين؛ فجعله كالصغير.
قلت: زاد فى النوادر إثر قول مطرف، وقاله كله إبن كنانه وقال قبل ذلك.
ولابن سحنون عن ابن القاسم: إن نكل السفيه، وحلف المطلوب فلا يمين إذا رشد، وكذا البكر المولى عليها.
وقال ابن كنانة: لهما الرجوع إلى اليمين بعد رضى حالهما، وإن كان الغريم قد حلف.
وقال ابن زرقون إثر كلام الباجي: لم يختلف ابن القاسم ومطرف أن السفيه يحلف مع شاهده، إنما اختلفا إذا نكل، وحلف المطلوب، ثم رشد السفيه، فقال مطرف: يحلف بعد رشده، ويقضي له.

وقال ابن القاسم: نفذ الحكم للمطلوب، ولا تعاد اليمين إلى السفيه، وكذا هو نص في الواضحة قلت: ما قاله ابن زرقون هو نص ابن رشد في سماع أصبغ، وعزا لابن كنانة مثل قول مطرف، قال: وهو أظهر من قول ابن القاسم وقال في تفسيره سماع أصبغ: وهذا مما لا اختلاف فيه أن المولى عليه يحلف مع شاهده، وهذا فيما لم يل وليه المبايعة عليه فيه كبيعه سلعة له؛ فينكر المبتاع، ويجحد الثمن، فإن كان دفع السلعة حلف هو مع الشاهد إتفاقاً، فإن نكل حلف المبتاع وغرم هو إذ لم يشهد قيل: القيمة على القول إن الإشهاد لا يلزمه إلا عند دفع السلعة، وقيل: الأكثر من القيمة أو الثمن على أنه يلزمه الإشهاد على الثمن، وإن لم يدفع السلعة؛ فقيل: لا يمين عليه مع الشاهد، ويحلف المولي عليه معه، وقيل إنه هو الذي يحلف، فإن نكل اليمين غرم بعد يمين المشتري، وهذا على الخلاف في وجوب الإشهاد عليه بالثمن، وإن لم يدفع السلعة الباجي: وإذا قلنا يحلف السفيه مع شاهده، فإن حلف قبض ما يجب بيمينه وليه ابن شعبان: الاختيار أن يقبض ما حلف عليه؛ فإذا صار إليه قبضه وليه؛ لأنه لا يستحق بيمينه شيئاً إلا من إليه قبضه، وإن كان ما شهد به حقاً لعبد، فقال اللخمي: إن كان بمال والعبد مأذون له فهو كالحر إن نكل حلف المدعي عليه وبرئ، ولا مقال للسيد، وإن كان غيرمأذون له، حلف واستحق، فإن نكل حلف سيده واستحق، وإن دفع له سيده مالاً ليقضيه عنه الغريم، فقضاه حلف وبرئ سيده، فغن نكل حلف المشهود عليه، وغرم العبد إن كان مأذوناً له موسراً، فإن كان معسراً أو غير مأذون له حلف السيد وبرئ، فإن وكله غير سيده فقضي بشاهد ونكل عن اليمين؛ حلف الطالب، وغرم العبد إن كان مأذونا له قال محمد: كالحر يوكله الرجل اللخمي: فإن كان فقيرآ حلف الموكل وبرئ؛ وكذا إن كان غير مأذون له، وهو

موسر يحلف الموكل.
ونقل ابن رشد في العبد كاللخمي، وتقدم قياس أصبغ السفيه عليه، وعلى الذمي، وهو يدل على الاتفاق عليه.
قلت: فشأن قول ابن الحاجب: والعبد كالرشيد لا كالصبي على المشهور لا أعرفه؛ ابن عبد السلام وابن هارون وهما.
الباجي: يحلف مع الشاهد الواحد المشهود له كان مؤمناً أو كافراً أو عبداً ذكراً أو أنثى، فإن كان صغيراً، وانفرد بالحق؛ فمشهور مذهب مالك أنه يستحلف له المطلوب، وقاله ابن القاسم ورواه الأخوان.
وروى محمد: يوقف له حقه حتى يحتلم فيحلف، ولم يذكر اليمين، وقاله سحنون وأشار المازري لتعقب أخذ الباجي ما عزاه لسحنون فقال: تعلق بعض المتأخرين في سقوط يمين المطلوب بذكر لفظ رواية محمد قال: وأرى هذا المتأخر الصغير كمغمى عليه قام له شاهد، ولا يستحلف له المطلوب، وليس مثله لقرب إفاقته، وطول انتظار الصبي.
اللخمي والصقلي والمازري عن محمد: وعلى المشهور يسجل الإمام شهادة الشاهد خوف موته أو طروء جرحته.
ابن زرقون: قال ابن رشد: ذكر عن مالك والليث أن الصغير يحلف مع شاهده، وهو غريب.
قلت: يريد الصغير الذي يعرف القربة الذي تجوز وصيته لا غيره.
ولفظ ابن رشد في آخر مسألة من رسم جاع من سماع عيسى ما نصه: ووقع في كتاب جمعت فيه أقضية مالك والليث أن الصغير يحلف مع شاهده كالسيفه وهو بعيد، لأن القلم عنه مرفوع فلا يتحرج من الحلف على باطل، وليس لولي الصغير أن يحلف مع شاهده، ويحلف وحده، واختلف في الأب؛ فالمشهور المعلوم من قول ابن القاسم، وروايته أن ذلك ليس له.
وقال ابن كنانة: له ذلك وهذا فيما لم يل الأب والوصي المعاملة فيه، وإن وليها

أحدهما وجبت عليه اليمين فيها؛ لأنه إن لم يحلف غرم.
قلت: تضعيفه حلف الصبي بأنه لا يتحرج من الحلف على الباطل يضعف كونه باطلاً بقيام الشاهد العدل به.
الباجي: إذا قلنا يحلف المطلوب، فإن حلف بقي الحق عنده معينا كان أو في الذمة، حتى يبلغ الصغير؛ فيحلف مع شاهده ويستحق حقه؛ فإن فات المعين فقيمته يوم الحكم به، قاله ابن حبيب عن الأخوين.
وابن عبد الحكم وأصبغ: فإن نكل الصبي بعد بلوغه؛ ففي العتبية والموازية وغيرهما، وهو المشهور: أن المطلوب لا يحلف؛ لأنه حلف، وهذا بناء على أن يمين المطلوب يمين استحقاق بشرط نكول المدعي، ويحتمل أن يقال يمين المطلوب لتوقيف الحق بيده فقط، لما تعذرت يمين الطالب، فإذا حلف الطالب أخذ، وإن نكل حلف المطلوب يمين الاستحقاق إذ لو كانت يمينه أولاً يمين استحقاق، لوجب إن نكل عنه أن ينفذ القضاء عليه بنكوله، ولا يحلف المدعي يميناً بعدها، وهذا أصل متنازع فيه.
قلت: سمع عيسى ابن القاسم إن أبى الصبي أن يحلف لما كبر فليس على المطلوب أن يحلف ثانية.
ابن رشد: وقعت هذه المسألة في سماع أصبغ من كتاب المديان.
وفيها: قال أصبغ: لأنه قد برئ يوم حلف، وهو بريء أبداً حتى يحلف الصبي، فيكون حلفه كالشهادة الحادثة القاطعة، وعلى قول أصبغ هذا لا يجب توقيف الدين.
وقيل: إذا حلف المطلوب أخذ الدين منه، فوقف حتى يكبر الصبي فيحلف ويأخذه، ومعناه لم يكن ملياً، وخيف عليه العدم، وهو في القياس صحيح إذ لو كان المدعى فيه معيناً لوجب وقفه أو بيعه ووقف ثمنه إن خشي عليه، على ما قاله ابن القاسم في سماع محمد بن خالد بعد هذا، وإذا وقف الدين أو العرض فضمانه من الصبي إن حلف، ومن الغريم إن نكل؛ لأنه إنما وقف لمن يجب له منهما، وقيل: إن المطلوب يحلف ثانية إذا بلغ الصبي وأبى أن يحلف، وهو بعيد ووجهه أن يمينه أولاً لما لم تكن واجبة، وإلا سقط عنه الحق بها كانت إنما أفادت تأخير الحكم لبلوغ الصبي،

فإذا بلغ استؤنف الحكم، ولا خلاف إن نكل المطلوب انه يغرم الحق، ولا يجب على الصغير حلف إن بلغ؛ لأن نكوله كالإقرار.
وكذا الوكيل الغائب يقيم شاهداً واحداً على حق الغائب، فيقضى على الذي عليه الحق باليمين إلى قدوم الغائب، فيحلف مع الشاهد أنه إن نكل غرم، ولم يكن على الغائب إذا قام يمين.
قلت: انظر قوله: (لا خلاف إن نكل المطلوب انه يغرم الحق، ولا يجب على الصغير حلف ... إلخ) مع ظاهر قول الباجي ما نصه: فإن نكل المطلوب أولاً غرم.
رواه ابن حبيب عن مطرف وابن كنانة وقاله محمد.
قال ابن حبيب عنهما: فإن بلغ الصغير فعليه اليمين، فإن حلف قضي له، وإن نكل هذا، والكبير المولى عليه بعد الرشد، والبلوغ رد إلى المطلوب، فظاهره حلف الصبي بعد بلوغه، وإن كان المطلوب قد غرم لنكوله.
قال: ويحلف الصغير إذا كبر مع شاهده على البت.
محمد: ولا يحلف حتى يعلم بالخبر الذي يتيقن به.
وفي كتاب ابن سحنون متصلاً بقول مالك: إنه يحلف كما يحلف الوارث على ما لم يحضر، وهو لا يدري هل شهد له بحق أم لا؟ فيحلف معه على خبره، ويصدقه كما جاز له أن يأخذ ما شهد له به الشاهدان من مال وغيره، وهو لا يعلم ذلك إلا بقولهما.
قلت: ففي شرط حلفه مع شاهده بتيقنه أو ظنه قولا محمد وابن سحنون عن مالك، وهما جاريان على الخلاف في الحالف على ما يظنه ولا يتيقنه، هل حلفه غموس أم لا؟ حسبما تقدم في الأيمان، وعلى القولين في كتاب العتق الأول منها فيه، وإذا كان عبد بين رجلين قال أحدهما: إن كان دخل المسجد أمس فهو حر، وقال الآخر: إن لم يكن دخل المسجد فهو حر، فإن ادعيا علم ما حلفا عليه دينا في ذلك، وإن قالا ما نوقن أدخل أم لا، وإنما حلفنا ظناً فليعتقاه بغير قضاء، وقال غيره: يجبران على عتقه، ونحوه في الأيمان بالطلاق.
ورد المازري بصحته أخذ ما شهد به الشاهدان بأن إباحة كل المال، ورد الشرع

بالاكتفاء فيه بالظن إذ التكليف فيه بالتيقن حرج عظيم على النفس والأهل والتكليف باليمين بالله باليقين، وعزا بعض أشياخي القولين في التعديل على الظن في اليمين.
قلت: ذكرهما اللخمي روايتين في اليمين مع الشاهد.
الباجي: ومن نكل عن الحلف مع شاهده؛ فحلف المطلوب، ثم وجد الطالب شاهداً آخر، ففي الموازية: لا يضم له إلى الأول.
ورواه يحيى بن يحيى وابن سحنون عن ابن القاسم، ولابن حبيب عن ابن عبد الحكم وابن الماجشون عن مالك يضم له إلى الأول، ويقضى له به.
ابن كنانة: هذا وهم، وكان يقول يضم إلى الأول، وإنما هو فيمن أقامت شاهداً على طلاقها، فحلف الزوج، ثم وجدت شاهداً آخر، فإنه يضم إلى الأول؛ لأنه لم يوجد منه نكول، وقاله ابن الماجشون.
وقال أصبغ بقول مالك بالإضافة إلى الأول في الحقوق، كما لو لم يقم شاهداً فحلف المطلوب، ثم وجد الطالب بينة أنه يقوم بها، وذكر ابن محرز القولين في ضمه غير معزوين.
ابن زرقون: قال أصبغ: وكذا لو لم يقم بينة، ورد المطلوب اليمين على الطالب فنكل، فلم يقض له نكوله، ثم وجد بينة أخذ حقه ببينة، ولو حلف الطالب إذ ردت اليمين عليه، ثم وجد بينة أخذ حقه ببينة، ولو حلف الطالب إذ ردت اليمين عليه، ثم وجد بينة ببراءته من ذلك قام بها، ورجع بما أخذ منه، لا أعرف غيره من قول أصحابنا.
قلت: فقول ابن الحاجب: ولو حلف المطلوب، ثم أتى الطالب بشاهد آخر لم يضم للأول اتفاقاً وهم.
الباجي: وعلى عدم ضم الثاني للأول ففي الموازية: يؤتنف له الحكم فيحلف مع شاهده.
وقال ابن كنانة: لا يحلف مع الثاني لتركه حقه بنكوله، ونحوه روى يحيى بن يحيى وابن سحنون عن ابن القاسم، وعلى حلفه إن نكل ثانية ففي الموازية: ترد اليمين ثانية على المطلوب؛ لأنه إنما أسقط بالأولى شهادة الأول.

وقال ابن ميسر: لا ترد عليه ثانية؛ لأنه حلف على هذا الحق مرة.
ابن زرقون: قول ابن كنانة، ورواية يحيى وابن سحنون إنما هي على أن الثاني لا يضم.
قلت: وعلى ما ذكره الباجي فما المحوج لذكره.
قال: وفي المسألة أربعة أقوال.
الأول: إن أتى بشاهدين قضي له بهما، وإن أتى بشاهد ثان استؤنف له الحكم، قاله ابن القاسم في الموازية، فإن نكل ففي حلف المطلوب قولان تقدما.
الثاني: إن أتى بشاهدين قضي بهما وإن أتى بشاهد أضيف إلى الأول، وأخذ حقه دون يمين، رواه ابن الماجشون، وقاله عيسى بن دينار.
الثالث: أن نكوله أولاً قطع لحقه فلا يكون له شيء، ولو أتى بشاهدين غير الأول، قاله ابن القاسم وابن كنانة في المبسوط.
الرابع: إن جاء بشاهدين غير الأول قضي بهما، وإن أتى بشاهد واحد لم يقض له بشيء حكاه ابن رشد ولم ينسبه، ولوارث الصغير ما كان له بحكم صفة الوارث إن كان صغيرا فكمورثه، وإن كان سفيها فكما مر فيه، وغن كان رشيداً فله تعجيل حلفه.
قال ابن الحاجب: فلو كان وارث الصغير معه أولاً، وكان قد نكل لم يحلف على المنصوص؛ لأنه نكل عنها.
قلت: لا أعرفها إلا لنقل الصقلي على قولها إن كان الورثة صغاراً، وكباراً لدين بشاهد واحد حلف الكبار، فإن نكلوا وبلغ الصغار فلهم أن يحلفوا، ويستحقوا حقهم ما نصه: قال بعض فقهائنا: لو مات الصغير صغيراً فورثه كبير، نكل عن يمينه في حظه فليس له أن يحلف لتقدم نكوله.
الصقلي: الظاهر أن له أن يحلف على حظ الصغير هـ. فيستحقه لحلوله محله في اليمين، ونكوله أولاً إنما كان عن حظه لو حلف أولاً، واخذ حظه، ثم روث الصغير لم يأخذ حظه إلا بيمين ثانية، فهما كحقين بكتابين كل حق بشاهد واحد، فليس نكوله عن الحلف مع أحدهما يسقط حلفه مع الآخر.
ابن عبد السلام: في استدلاله نظر لاحتمال أن يقال إنما أعيدت اليمين ثانية؛ لأنها

على الحق الأول فلم تتضمن الثاني وهب أنها تضمنته؛ لكنها قبل وجوبها، ونكوله أولاً الغالب انه من ريبة أو لورع.
قلت: يرد بكون نكوله أولاً لعدم تيقنه حقية ما شهد به الشاهد، أو لعدم ظنه ذلك؛ ثم حصل له اليقين أو الظن.
وعن المازري قولي بعض الفقهاء والصقلي للمتأخرين، وقال: أظن أني رأيت هذا الخلاف بين أصحاب الشافعي.
الشيخ: روى محمد إن قام شاهد لطفل بدين لأمه لم يحلف معه أبوه.
قيل: وإن لزمته نفقته، قال: ما أظن ذلك.
زاد اللخمي: وفي كتاب المدنيين ذلك له قال: وإن ثبت على ميت دين بشاهدين، وشهد شاهد بالقضاء، والوارث صغير حلف الطالب، وأخذ ذلك، فإن بلغ الصغير حلف؛ واسترد المال، وإن نكل الطالب لم يكن له شيء، وهذا على القول بعدم وقف ما شهد به شاهد واحد لصبي من دين، وعلى القول بوقفه لا يقضى به للطالب هنا، ويوقف على يدي عدل، وإن ثبت لميت دين بشاهدين، وأثبت المطلوب شاهداً لبراءته منه حلف معه وبرئ، فإن نكل غرم إن كان الوارث صغيراً، وإن كان كبيراً يظن به العلم للمواطنة للميت كالولد حلف، ويختلف هل يوقف المال من ذمة المطلوب؟ قلت: قوله: (يختلف) راجع لفرض كون الوارث صغيراً.
قال ابن سحنون: من شهد لميت بدين وارثه أخرس لا يفهم، ولا يفهم عنه حلف المدعى عليه وبرئ، فإن نكل غرم، وكذا المعتوه إن نكل المدعى عليه غرم، وإن حلف، ثم عقل المعتوه حلف واستحق، وإن شهد شاهد لغائب بدين لم يطلب الغريم دون وكيل، وإن شهد له شاهد بغصب؛ فللحاكم أن يحلف المشهود عليه، فإن نكل وقف الشيء المغصوب.
الشيخ عن أشهب: شهادة واحد بحبس في السبيل أو وصية فيه، أو لليتامى، أو من لا يعرف يعينه ساقطة، ليس لأحد ممن ذكر الحلف معه، وليحيى بن يحيى عن ابن القاسم مثله.

قلت: لما علله المازري بأن الحق لمجموع يتعذر حصوله، والواحد منه لا يتقرر حقه فيه إلا بإحصاء المجموع، وقال: يجب أن يحلف المشهود عليه على إبطال شهادة الشاهد عليه كالشاهد عليه بالطلاق.
قلت: وظاهر الروايات عدم حلفه لعدم تعين طالبه.
ونقل اللخمي كالمازري قائلا: إن نكل لزمه ما شهد به عليه، ولابن الماجشون إن شهد شاهد بوصية بعشرين للفقراء، وبعشرة لزيد فللوارث الحلف معه ليحاصص ذا العشرة بعشرين في الثلث.
ولسحنون عن ابن القاسم: إن شهد شاهد بوصية لعتق ومال لرجل، حلف الموصى له بالمال، ولم يقض له إلا بما فضل عن العتق، وهذا خلاف قول عبد الملك، ووجه قول ابن القاسم أنه يقال للحالف من أهل الوصايا: إن كانت شهادتك جائزة؛ فإنما لك ما ينوبك فيه، ومالك مع العتق إلا ما فضل عنه.
الشيخ: قال محمد: إن قام شاهد واحد بحبس مسبل ومعقب، فقال أصحابنا: لا يصلح فيه يمين.
وروى ابن الماجشون: إن حلف جلهم نفذ لهم ولغيرهم ولغائبهم، ومن يولد لهم، وللسبيل بعدهم.
وروى أيضاً مع مطرف وابن وهب: إن حلف رجل واحد ثبت له، ولجميعهم وإن لم يحلف معه غيره.
زاد اللخمي: وإن باد شهوده فلم يثبت إلا بسماع حلف واحد منهم، وثبت لجميعهم.
وقال بعض شيوخنا: إن شهد شاهد بحبس على عقب فمن حلف ثبت حظه وحده، ومن نكل سقط حظه، وردت اليمين على المشهود عليه، وهو أقيس كما لو شهد لورثه منهم غائب وحمل، فإن لمن حضر بالغاً أن يحلف، ويستحق حقه.
وذكر ابن الحاجب الاكتفاء بحلف الجل لرواية ابن الماجشون كالشيخ، فقال ابن عبد السلام: إنما حكاه المازري قولا لابن الماجشون لا لرواية.

قلت: والذي وجدته للمازري نقله عنه رواية كالشيخ، ووجه الاكتفاء يحلف واحد بأنه إذا اخذ حظه شركه فيه بقية أهل الحبس؛ لاعترافه أن ما أخذ حق أخوته فيه على الشياع، فإذا أخذ منه شيء عاد لليمين لإكمال حظه فلا يزال كذا حتى يؤخذ الحبس كله فاكتفى بيمينه وحده يميناً واحدة.
قلت: يرد بمنع مشاركتهم إياه؛ لأن استحقاقه حقه إنما هو بسبب فعله، هم قادرون عليه وتركوه، فوجب أن لا يشركوه فيه كشريكين في دين على رجل ملدٍ، فطلب أحدهما شريكه في طلبه معه اقتضاءه فأبى، فلا دخول له على المقتضي بشيء، وما عزاه اللخمي لبعض شيوخه عزاه المازري لبعض شيوخ القرويين قائلا: ولو انقرض البطن الأول بعد استحقاقهم باليمين فهل يكتفي البطن الثاني بيمين الأول أم لا يكتفون؟ فكان بعض الأشياخ يشير إلى عدم اكتفائهم؛ لأن كل واحد من أهل الحبس له حكم نفسه لا تعلق له بغيره، وقاله بعض الشافعية.
وقال بعضهم: يكتفي البطن الثاني بحلف الأول، وقدر الانتقال إليه كانتقال حق بإرث حلف عليه مورثه، والقول الأول عندهم بناء على أن ثبوت الحق لهم إنما هو بعقد تحبيس المحبس لا بالإرث عن آبائهم، وهذا مقتضى النظر.
والقياس على ما ذهب إليه بعض الأشياخ، ولو مات واحد من البطن الأول رجع حظه على بقية البطن الأول، وينظر في تجديد يمين عليهم لأجل الذي يرجع، فإن قيل: هذا الرجوع كالوارثة عن من مات على إحدى الطريقتين المذكورتين؛ لم يلزمهم يمين أخرى، وإن قدرنا رجوعه إليهم إنما هو عن المحبس حلفوا يميناً ثانية، ولو عرضت اليمين على البطن الأول فنكل جميعهم، ثم جاء بعدهم البطن الثاني فمن قال: أخذ البطن الثاني كأخذ الوارث عن آبائهم؛ لم يمكنوا من الحلف لبطلان حقهم بنكول آبائهم، وعلى الطريقة الأخرى، وهي الأظهر أن أخذهم إنما هو بعقد التحبيس من الحبس يمكنون من اليمين، ولم يضرهم نكول آبائهم.
ولو حلف واحد فاستحق حقه، ونكل الآخر من البطن الأول، ثم مات الحالف وحده، وبقي إخوته الناكلون، فقيل: نكولهم كموتهم فيصير كل البطن قد ماتوا

أحدهم حقيقة، وسائرهم حكما بنكولهم، فينتقل الحق للبطن الثاني، وهذا عندي لا يصح على إحدى الطريقتين اللتين ذكرناهما، وهو أن نكول من نكل لا يبطل حق من يأتي بعده، فلا يرجع حظ الناكل إلى أهل البطن الثاني، والأظهر أن المحبس إن اشترط أن لا يأخذ البطن الثاني شيئاً، إلا بعد انقراض البطن الأول، وموت جميعهم لم يأخذ أحد من البطن الثاني شيئاً مادام أحد من الناكلين حيا، ونقل ابن شاس كلام المازري على نحو ما ذكرناه.
قال ابن الحاجب بعد القول الرابع معبراً عنه بقوله: فلو مات بقوله لمن حلف نصيبه فلو مات، ففي تعيين مستحقه من بقية الأولى أو البطن الثاني، أو من حلف أبوه خلاف، ثم في أخذه بغير يمين قولان، فقرر هذه الأقوال ابن هارون بما تقدم للمازري من الإجراء.
وقال ابن عبد السلام: هذه الوجوه لم يحكها المازري أقوالاً هكذا، وإنما جعلها على قواعد فتأملها في كتابه فكلامه هناك ليس بصريح فيما ذكره المؤلف.
قلت: ظاهر قوله قبوله الأقوال التي ذكر ابن الحاجب، وأن التعقب عليه إنما هو في تصريحه بأنها أقوال، وإنما هي في كلام المازري إجراءات على قواعده ذكرها، والحق أنها غير موجودة في كلام المازري؛ لأن حاصل كلامه لمن تأمله مسألتان: الأولى: انتقال الحبس عن الطبقة الأولى إلى الثانية، أو لبقية طبقة لموت غيرها، ففي وقف هذا الانتقال على حلف المنتقل إليهم قولان بناء على كون استحقاقهم الحق بعقد المحبس الحبس أو بالإرث من المنتقل عنه.
الثانية: في صحة انتقاله لذوي الطبقة الثانية تلو ذوي الطبقة الأولى لنكوله، وبطلان انتقاله لذوي الثانية فلا حلف لهم قولان بناء عليهما، ومقتضى كلام ابن الحاجب أنهما مسألة واحدة فيهما ستة أقوال وهي: لو مات بعضهم.
قيل: يستحق حقه بقية الأولى، وقيل: البطن الثاني، وقيل: من حلف أبوه، ثم في أخذه بغير يمين قولان، فظاهره أن القولين عامين في الاستحقاق المختلف فيه على الثلاثة أقوال في كل قول منها قولان، ومن أنصف علم أن لفظ المازري لا يدل على

هذا بوجه.
ولابن رشد في رسم الصبرة من سماع يحيى لو كانت شهادته لمن يحصره العدد كآل فلان، ومساكين آل فلان وشبهه، ففي استحقاقهم حقهم بحلف جلهم، وسقوط الحلف في هذا قولان قائمان من وصاياها الثاني، وتقدم حكم جراح العمد.

باب النقل

النقل عرفاً: إخبار الشاهد عن سماعه شهرة غيره، أو سماعه إياه لقاض،

فيدخل نقل النقل، ويخرج الإخبار بذلك لغير قاض، وظاهر عموم الروايات، وإطلاقها صحة نقل النقل، ولم أقف على نص فيه.
فيها مع غيرها: وتجوز على الشهادة في الحدود، والطلاق، والولاء وكل شيء.
قلت: والنقل عن الأصل شيء، فإن قال المنقول عنه للناقل عنه: اشهد على شهادتي أو انقلها عني صح نقله اتفاقاً.
الباجي: من سمع شاهداً ينص شهادته لم يجز نقلها عنه حتى يشهده على ذلك.
قلت: هي في النوادر عن محمد عن ابن القاسم.
فقال أشهب: وليس بضيق رفع ذلك إلى الإمام، وقيل: لا يرفع خوف أن يغلط فيقضي بها.
الباجي: ولو سمعه الحاكم ينصها، ولم يؤدها عنده لم يعمل بها، وإن سمع شاهداً يشهد على شهادته غيره، ولم يشهده، فقال محمد: لا يشهد على شهادته بخلاف المقر على نفسه، ويتخرج عندي على من يسمع رجلاً يشهد عند قاض في صحة نقلها قولا مطرف وأشهب مع أصبغ قائلا: لا يجوز نقلها حتى يشهده، أو يشهد على قبولها القاضي.
قلت: زاد الشيخ أن ابن حبيب قال كمطرف.
وفيها من مدير التصدير: برجلين يتكلمان في أمر فسمع منهما شيئاً، ولم يشهداه، ثم يطلب

أحدهما تلك الشهادة.
قال: لا يشهد له.
قال ابن القاسم: إلا أن يستوعب كلامهما من أوله فليشهد، وإلا فلا إذ قد يكون قبله ما يبطله أو بعده، ونحوها في سماع أبي زيد.
ابن رشد: شهادة الرجل بما سمعه دون إشهاد له من المشهود عليه ثلاثة أقسام: الأول: ما سمعه منه من قذف فوجب حده أو عقوبته، شهادته به مقبولة اتفاقاً.
الثاني: ما سمعه منه من إقرار على نفسه لحق لرجل في صحتها به قولان لابن القاسم فيها مع أحد قولي مالك، وابن أبي حازم مع ابن الماجشون، وروايته في المدينة ورواية محمد، وأحد قولي مالك فيها.
الثالث: شهادته عليه بأن سمع منه من شهادته على غيره لحق أو قذف أو زنى لا تجوز اتفاقاً، وإن سمعه يؤديها عند الحاكم أو كان هو الحاكم فشهد بها عنده، أو سمعه يشهد غيره على شهادته، ولم يشهده؛ فالمشهور أنها جائزة.
وهو قول ابن القاسم في هذا السماع إن شهد رجل عند قاض بحق لرجل، فذهب ليأتي بشاهد آخر فوجده مات، وعزل القاضي، فشهادة القاضي أنه شهد عنده فلان أن له على فلان كذا جائزة، إن شهد معه غيره، وهي رواية حسين بن عاصم عنه في بعض روايات العتبية.
والآتي على قيس قوله في المدونة في إجازة شهادة الرجل على الرجل بما سمعه إذا استوعب كلامه، وإن لم يشهده، وقيل: لا تجوز، وهو الآتي على قولي مالك، وروايتي ابن الماجشون ومحمد.
وفي نوازل سحنون: أتجوز الشهادة على الشهادة في العدالة، كما تجوز في الأموال مثل أن يكون لي علم عند رجل أخاف أن يطلبني القاضي بتعديله، ولا أحد من يعدله إلا رجلين مرضيين أخاف موتهما أو غيبتهما، فقلت لهما: اشهدا لي أن فلاناً عندكما من أهل العدل والرضا؛ فأشهدا لي على ذلك رجلين، ثم سألني القاضي عدالة شاهدي فشهد الشاهدان أن فلاناً وفلاناً أشهدانا أن فلاناً من أهل العدل والرضا.

قال: يطلب القاضي من الخصم أن يعدله غيرهما، فإن لم يجد جازت الشهادة فيه على الشهادة إذا كان لغيب اللذان زكياه من أهل الحضر لا من أهل البادية؛ لأن البدوي لا يعدل الحضري.
قيل: فالتجريح أتجوز فيه الشهادة على الشهادة كما وصفنا في العدالة في غيبة الشهود أو مرضهم.
قال: نعم.
ابن رشد للأخوين خلاف قول سحنون: هذا لأن العدالة لا تكون في الشهادة إلا عند السلطان بعد أن يشهدوا في الحين الذي يقطع بشهادته، وأما أن يستدعي الرجل تعديله الرجل، ويشهد على ذلك منه كما يفعل في الشهادة تكون عنده إذا أراد أن يشهد عليها، أو يكون الشاهد تحمل لشهادته من بلد، ويكون الذي تحمل شهادته لا يعرفه بالعدالة، ولا بغيرها فيعدله عنده من يثق به فهذا لا يجوز، ولا علمنا من قاله إلا أن يشهد شاهد على شهادة آخر غائب، فيخبر بعلمه بعدالته مع شهادته على شهادته، ولو شهد شاهد عند حاكم فاستعدله فكان رجل مريض يعدله لا يقدر بمرضه البلوغ إلى الحاكم، فأراد أن يبعث للقاضي بتعديله إياه مع رجلين عدلين يشهدهما أنه عدل فذلك جائز؛ لأن الشهادة وقعت عند الحاكم والعدالة هنا إنما هي القطع بالشهادة، وقاله أصبغ، واستحسنه.
ولابن سحنون: أن أباه رجع عن الشهادة على الشهادة في العدالة والتجريح إلا في تعديل البدوي فهي جائزة، وهو الصواب؛ لأن التعديل لا يكون إلا بعد الشهادة، ولو جاز قبلها لجازت شهادة غير العدل لتغير أحوال الناس.
قلت: ظاهر قولها تجوز الشهادة على الشهادة في كل شيء جوازها في التعديل والتجريح؛ لأنها شيء.
ولما كان تمام شهادة النقل بأدائها ناقلها عنه كان ظرف مانع شهادة الأصل قبل أدائها ناقلها كطروه على شاهد قبل أداء شهادته وبعده، وقبل الحكم بها، والأول واضح، والثاني تقدم حكمه.

المازري: تقدمت الرواية بأن حدوث سبب العداوة بعد تقييد شهادة الشاهد لا يمنع القضاء بها؛ لأن أداء شهادته قبل صيرورته عدواً لا توجب تهمته، ومنع بعض العلماء بما نقل عمن صار عدواً للمشهود عليه؛ لأنه رأى ظهور عداوته يشعر بمقدمات وسوابق.
قلت: ظاهر كلامه أن المذهب عدم سقوط شهادة المنقول عنه بحدوث عداوته بعد سماع نقلها منه، وقيل: أداء نقله كحدوث ذلك بعد أدائها للحاكم قبل نفوذ حكمه، ولا يخفى أن أداءه للحاكم أدل على ثبوتها من سماعها للنقل عنه، ولذا قال ابن شاس: إذا طرأ فسق أو عداوة أو ردت امتنعت شهادة الفرع.
قال المازري: وحدوث فسق الأصل بعد سماع النقل عنه، وقبل أدائه يبطل شهادته، وأشار بعض أصحابنا إلى أن الفسق إن كان مما يخفى ويكتم كالزنا أشعر بسابق مقدمات تمنع العدالة، وإن كان مما يجاهر به كالقتل لم يشعر بأنه كان كذلك فيما سبق.
قال: ولو انتقل من طرأ فسقه لعدالة، ففي صحة النقل عنه بالسماع منه أولا، أو سماع منه بعد انتقاله خلاف بين الناس.
قلت: قد يتخرج الخلاف المذكور على قولي ابن القاسم وأشهب في فسخ شراء من اشترى سلعة شراء فاسداً، ورجعت إليه بعد أن باعها وفوته بما تقدم من بيعه، والله أعلم.
وطروء العمى والجنون: لغو في الأصل، والفرع للغوهما في شهادة غير النقل.
وشرط النقل تعذر أداء الأصل أو تعسره كموته أو مرضه أو بعد مكانه عن محل الأداء.
الشيخ عن الموازية: إنما ينقل عن مريض أو غائب لغيبة بعيدة، ويغير حداثة غيبتهم.
اللخمي: لا ينقل عن حاضر قادر على أداء شهادته لإمكان أن تأخره لريبة، لو حضر ثبتت عليه؛ ولأن تخوف سهو الأصل، وكذبه وغلطه أخف من تخوف ذلك منه،

ومن الناقل.
وعبر عنه المازري بأن ظن القاضي حقية المشهود بسماعه من الأصل يقوي من ظنه بسماعه من الناقل.
قلت: وعليه يشترط في قبول نقل الناقل ما يشترط في النقل.
اللخمي: لابن الماجشون، وفي الواضحة: ينقل عن النساء، وإن حضرن، وهو الشأن.
الباجي: رواه ابن حبيب عن مطرف قال: ولم أر قط بالمدينة امرأة قامت بشهادتها عند الحاكم، ولكنها تحمل عنها.
قال المازري: ولما أمر النساء به من الستر والبعد من الرجال، ولذا قال بعض العلماء: لا يلزم المخدرة حضور مجلس القضاء للمحاكمة.
وقال القفال: لابد من حضورهم للحكم.
قال بعضهم: والمخدرة هي التي لا تبتذل بكثرة التصرف، ولا تخرج إلا لزيارة أو حضور ما لابد منه.
قلت: تقدم هذا في الأقضية، والأظهر الفرق بين من يخشى من خروجها لمفسدة، ومن لا.
وسمع عيسى رواية ابن القاسم لا تجوز شهادة النساء على شهادة رجل، ولو كن ألفاً إلا مع رجل.
ابن رشد: هذا معلوم مشهور من مذهب ابن القاسم، وروايته في المدونة وغيرها خلاف قول ابن الماجشون، إن شهادتهن لا تجوز إلا فيما يجوز فيه شاهد ويمين.
قلت: فإذا جاز نقلهن فكيف ينقل عنهن على حضورهن على قول ابن القاسم، وظاهر قول المازري أن ما ذكره ابن حبيب هو المذهب لقوله ما نصه: إذا بان عذر المنقول عنهم كالنقل عن النساء جاز النقل عنهن بحضرتهن.
اللخمي: واختلف في حد الغيبة، فقال ابن القاسم في الموازية: إن كانت الشهادة في الحدود لم تنقل إلا في الغيبة البعيدة لا في ثلاثة أيام، وتجوز اليومان في غير الحدود.

وقال سحنون: إن كانت المسافة تقصر فيها الصلاة، أو الستين ميلا جاز النقل، ولم يفرق بين مالٍ وحدٍ.
ولابن القاسم في المدونة: من أراد أن يحلف خصمه لغيبة بينته، ثم يقوم بها إن كانت قريبة كثلاثة أيام؛ قيل له: قرب بينتك، وإلا فاستحلفه على تركها، والأول أحسن، والاحتياط للحدود أولى، وتبعه المازري في نقله، وقبل تخريجه من مسألة المدونة.
قلت: فعليه في كون مسافة الثلاثة أيام قربا، وهو على مسافتها كحاضر أو بعدا، ثالثها: في الحدود لا في الأموال لتخريج اللخمي من متقدم قولها، وسحنون وابن القاسم في الموازية، وقد يرد تخريجه بأن قوله: (قرب بينتك) أعم من كونه بإحضارها أو نقل عنها، وبأنه لا يلزم من عدم الحكم لها بالبعد في تحليف الخصم مع القيام بها إن حضرت عدم الحكم لها بالبعد في النقل لمشقة الحلف في مسألتها، وعدمه في النقل، واختصارها أبو سعيد بقوله: وإن قال الطالب للإمام بينتي غائبة، فأحلفه لي، فإذا قدمت قمت بها نظر الإمام، فإن كانت بينته بعيدة الغيبة، وخاف تطاول الأمر، وذهاب الغريم أحلفه له، وكان له القيام ببينته، إذا قدمت، وإن كانت بينته قريبة الغيبة على مثل اليومين والثلاثة لم يحلفه، إلا على إسقاطها فأسقط لفظ قرب بينتك متعقب لإسقاطه ما منه التجريح، فإن قلت: لا يتعين كون التخريج من قوله: (قرب بينتك) بل مما اقتصر عليه أبو سعيد، ولذا قال المازري ما نصه: أشار في المدونة إلى كون الثلاثة أيام في غير الحدود قريبة، فقال: من أراد أن يستحلف خصمه لكون من له على ثلاثة أيام لا يمكن من ذلك حتى يسقط القيام بالبينة فجعلها في حكم الحاضرة.
قلت: لا يتم الأخذ من هذا اللفظ؛ لأن عدم تمكينه من تحليفه دون إسقاطه القيام ببينته يحتمل أنه لقدرته على تسببه في نقلها دون مشقة لا؛ لأنها كالحاضرة.
الباجي: وأما الغيبة القريبة كاليومين والثلاثة، ففي الموازية لا تنقل فيها شهادة، ووجهة إن تغيب عن مكانه اليومين والثلاثة، وأما من كان في موضعه على مسيرة يومين أو ثلاثة؛ فيصح نقلها عنه.

قال محمد: إنما ينقل عنهم الشهادة إذا بعدت غيبتهم من يعرف الغيبة بعد مدة لا بإثر غيبتهم؛ يريد: أنه بإثر غيبتهم على مسافة قريبة، ولا يؤمن رجوعهم.
الشيخ عن الموازية: ليس النقل عن الشاهد بتعديل له حتى يعدله الناقلون أو يعرفه القاضي بعدالة.
أشهب: وإلا طلب منه من يزكيه.
ابن حبيب: قال مطرف: وإن قال الناقلون: أشهدنا على كذا قوم كانوا عندنا يومئذ عدولاً، ولا ندري اليوم من هم، لم يجز شهادتهم حتى يسموهم فيعرف أنهم غيب أو أموات، فتجوز شهادتهم، وإلا لم تجز إذ لعلهم حضور نزعوا عن شهادتهم، أو نسوها أو حالت حالتهم بجرحتهم، وقاله أصبغ.
وسمع أصبغ أشهب: إن شهد قوم على شهادة رجل لا يعرفونه، ويعرف القاضي عدالته أو يعدله عنده غيرهم جازت شهادته.
قال أصبغ: وذلك بعد معرفة أخرى أنه الذي شهد على شهادته بعينه لا يحتمل أنه لغيره.
ابن رشد: قوله: وهو لا يعرفونه؛ معناه: لا يعرفونه بالعدالة، ويعرفونه بالعين والاسم مع كونه مشهوراً لا يختلط بغيره، وإلا لم تجز الشهادة لاحتمال أن يكون الذي شهدوا على شهادته غير الذي عرفه القاضي بالعدالة والمعدلون؛ هذا معنى قول أصبغ، وهو تفسير قول ابن القاسم.
عياض: قيل: إن لم يعدل الشاهد من شهد على شهادته، فهي ريبة في شهادته والصواب جوازها بتعديل غير الناقل.
قلت: لم ينقل المازري عن المذهب غيره، وعزا الأول للشافعي قال: والمذهب أنه لا يجوز النقل عن من يعلم الناقل جرحته؛ لأن فيه على القاضي تلبيساً، وما نقله عياض أولا هو ظاهر نقل ابن عبد البر في كافية بقوله: ولا يجب لرجل أن يشهد على شهادة من لا يعرفه بالعدالة، ورد عياض أخذ بعضهم من قولها بصحة نقل النساء جواز نقل الرجل عمن لا يعدله لامتناع تعديلهن بأن منعه إنما هو بالسنة.

وفيها: قال مالك: تجوز شهادة النساء على الشهادة في الأموال والوكالة عليها، وهن وإن كثرن كرجل، فلا ينقلن إلا مع رجل نقلن عن رجل أو امرأة، وقاله أشهب.
وقال غيره: لا تجوز شهادتهن على شهادة، ولا على وكالة في مال.
سحنون: وهذا أعدل.
عياض: يريد أن أشهب وافقه في نقلهن فقط لا في الشهادة على الوكالة بينه سحنون بعد هذا.
وسمع عيسى ابن القاسم إن شهدت امرأتان على شهادة امرأتين بحق، ومعهما رجل شاهد بالحق مع المرأتين الغائبتين لم يجز ذلك إلا أن يكون مع المرأتين رجل، وإنما تجوز شهادة المرأتين بأبدانهما، فإن غابت أبدانهما فلابد أن يكون مع المرأتين رجل، واحتج بأن شهادة الرجل تجوز ببدنه، وتحلف معه، فإن غاب بدنه لم يجز أن يشهد على شهادته رجل واحد بل رجلان، ثم يكون ذلك كرجل يحلف معه.
وفي سماع أصبغ من كتاب القضاء المحض قال أشهب: لا يعجبني هذا أرى ما جازت فيه شهادتهن تامة بلا رجل، ولا يمين كالاستهلال، وعيوب النساء تجوز شهادتهن فيه على شهادة مثلهن بلا رجل معهن.
ابن رشد: قول ابن القاسم: إن غاب بدنه لم يجز أن يشهد على شهادته رجل واحد بل رجلان.
يريد: أو رجل وامرأتان هو نص ما في شهادتها خلاف قول ابن الماجشون وسحنون في أن شهادة النساء لا تجوز إلا فيما يجوز فيه الشاهد واليمين، ولم يتكلم ابن القاسم في شهادة النساء على شهادة النساء فيما يجوز فيه شهادتهن دون رجل، وقول أصبغ: لا يعجبني هذا، وأرى ... إلخ.
يدل على أن روايته عن ابن القاسم أنه لابد في شهادتهن على شهادة النساء في ذلك من رجل معين، وأنه لا يجوز في ذلك شهادة النساء وحدهن، وهو القياس؛ لأن شهادتهن وحدهن على الأصل إنما هي للضرورة، ولا ضرورة في انفرادهن في النقل، وظاهر قول أصبغ أنه يجرئ في ذلك امرأتان على امرأتين.

وقال بعض أهل النظر: وأراه ابن لبابة معنى قول أصبغ أنه يجزئ في ذلك امرأتان على امرأتين، لا تقوم امرأتان بشهادة امرأتين حتى يكن أربعا، وهو تأويل بعيد لا وجه له في النظر.
قلت: ففي لغو نقلهن مطلقاً، وصحته في مطلق ما تجوز فيه شهادتهن بشرط نقل رجل معهن، ثالثها: تجوز فيما لا يطلع عليه غيرهن، ولو كن اثنتين دون رجل، ورابعها: إن كن فيه دون رجل فلابد من أربع لابن الماجشون مع سحنون، وابن القاسم فيها مع سماعة عيسى، وقول أصبغ، وتأويله ابن لبابة.
قال ابن الحاجب: وتنقل المرأتان مع رجل في شهادتهن، ومنعه أشهب.
قلت: تبع في غزوه لأشهب ابن شاس، وهو وهم لما تقدم من قولها، وقاله أشهب، وبينه عياض حسب ما قدمناه.
والعجب من ابن عبد السلام وابن هارون في قبولهما إياه، والظن بهما عدم جهلها لفظ المدونة، وكلام عياض، وقول اللخمي، أجاز أشهب نقل اثنين في الأموال، ولم يجز نقل النساء فيه؛ يريد: إن انفردن لنقله الشيخ عنه بزيادة غلا أن ينقل معهن رجل نقلن عن رجل أو امرأة.
فإن قلت: قال المتيطي، وابن فتوح ما نصه: منع أشهب وعبد الملك نقلهن شهادة رجل وامرأة مع رجل أو دونه.
قلت: هو عندي، وهم لنقل النوادر عن الموازية ما نصه: تجوز شهادتهن على الوكالة في المال عند ابن القاسم، وقال أشهب وعبد الملك: لا تجوز، ولا ينقلن شهادة، وإن كانت في مال إلا أن يزكى غيرهن، وينقل معهن رجل عن رجل أو امرأة.
اللخمي عن محمد: إن شهد رجلان على شهادة رجل في حق وعدلاً رجلاً شهد به جاز، ولو شهد رجلان بحق لم يجز تعديل احدهما الآخر.
وشرط نقل غير الزنا اثنان، ولو اشتركا في أصل آخر.
فيها: وشهادة رجلين تجوز على شهادة عدد كثير، ولا يقبل أقل من اثنين في الحقوق عن واحد فأكثر.

اللخمي: قال ابن الماجشون: لا يجزئ في الشهادة على السماع أقل من أربعة؛ لأنه كالشهادة على الشهادة فلا يجري على قوله في المال والحدود غير الزنا أقل من أربعة، وإن نقل عن حكم قاض، فإن كانت الشهادة على القاضي بحكم تضمن مالاً كفى اثنان، وإن كانت على بينة في الحكم لم يجز أقل من أربعة.
وشرط نقل الزنا أربعة عن كل واحد اثنان، فتصح الشركة في كل أصل أو بعضه.
في الرجم منها: تجوز الشهادة على الشهادة في الزنا مثل أن يشهد أربعة على شهادة أربعة، أو اثنان على شهادة اثنين، واثنين على شهادة اثنين آخرين، ولو شهد اثنان أو ثلاثة على شهادة أربعة لم يجد الرجل وحد الثلاثة إلا أن يقيموا أربعة سواهم على شهادة أربعة أشهدوهم، فلا يحدوا، ويحد الزاني.
وسمع أبو زيد ابن القاسم: يجوز ثلاثة على ثلاثة في الزنا، واثنان على واحد.
ابن رشد: هو نصها أن الشهادة على الشهادة في الزنا لا تتم بأقل من أربعة، وذكر ما تقدم.
وقال: وإن تفرقوا لزم اثنان على كل واحد فيصيرون ثمانية، ويكفي في تعديلهم ما يكفي في غيرهم اثنان على كل واحد وأربعة على جميعهم، وقاله ابن الماجشون، وابن عبد الحكم، وأصبغ، وقول ابن القاسم في السماع يجز ثلاثة على ثلاثة، واثنان على واحد كلام خرج على سؤال سائل لا أنه لا يجوز عنده أقل من ذلك؛ لأنه يجوز على مذهبه اثنان على ثلاثة، واثنان على الواحد.
وروى مُطرف أنه لا يجوز في النقل في الزنا إلا ستة عشر، أربعة على كل واحد من الأربعة اجتمعوا أو تفرقوا، وكذا لا يجوز عنده في تعديل الشهود على الشهود إلا أربعة وستون، أربعة على كل واحد من الستة عشر اجتمعوا أو تفرقوا، ويتخرج فيها قول ثالث، وهو جواز أربعة على جميعهم إن اجتمعوا، وأربعة على كل واحد إن افترقوا.
المازري: ذكر في عدد ناقلي شهادة الزنا أربعة أقوال: أحدها: يقبل في ذلك رجلان كما يقبل في أحد القولين عندنا شهادة رجلين في الإقرار بالزنا، إذ الشاهدان على رجل أنه أقر عندهما بالزنا كالشهادة على أربعة رجال أنهم أقروا عندهم بأنهم يشهدون في

الزنا، وأذنوا لهم في النقل عنهم، فلا يفتقر في النقل إلى أربع كما افتقر إلى ذلك في الشهادة بالمعاينة بالزنا؛ لأن طلب الأربعة في الشهادة بالمعاينة في الزنا لستر العورات بخلاف نقل الشهادة به أو الإقرار به، فيترجح هذا القول من أحد القولين في الشهادة بالإقرار بالزنا.
وفيها: إن أثبت هذا القول بنص فهو في عهدته، وإن أثبته بتخريجه المذكور رد بأنه في إقراره أسقط حقه في طلب ستر الشرع عليه في تغليظ ثبوت زناه بأربعة شهداء بإقراره، وفضيحته نفسه، فصار ذلك عليه كسائر الحقوق، وهو في نقل الشهادة عليه باق على حقه في الستر؛ فوجب بقاء اعتبار العدد وجوباً أحروياً بدليل قول موجب ثمانية أو ستة عشر.
قال: وقد يقبل في ذلك نقل أربعة ليطابق عدد الناقلين، عدد المنقول عنهم، وهذا كالقول بأنه لا يقبل في الإقرار بالزنا أقل من أربعة، وهذا إذا سمع من كل واحد من الأصل شاهدان من الأربعة الناقلين، وقيل: لا يقبل في ذلك أقل من ثمانية على أن كل واحد لا ينقل عنه إلا رجلان لا مدخل لهما في النقل عن غيره كذا حكي عن بعض الناس هذا القول مطلقاً.
والذي في الرواية عن عبد الملك أنه يفتقر إلى ثمانية إذا نقلوا مفترقين، وقيل: يفتقر إلى ستة عشر، وعند قائل هذا القول لا يعدل المعاينين أقل من ستة عشر رجلاً، وكذا قال من ذهب إلى شرط ثمانية؛ وهو عبد الملك أن التعديل لا يكون بأقل من ثمانية.
قلت: فيتحصل في المسألة خمسة أقوال: أول أربعة: المازري مع أربعة.
ابن رشد: قال ابن عبد السلام: تقدم أن في المذهب قولاً شاذاً؛ أن شهود الزنا والحدود لابد أن يكونوا معلومي العدالة عند القاضي.
قلت: تقدم تعقبه عليه بأن هذا القول إنما هو في الدماء لا في الحدود.
قال ابن زرقون: ذكر ابن عبد الغفور أن التعديل يكون في الدماء، وفي كل شيء، وهو قول مالك في كتاب الديات في "المدونة".

وقال أحمد بن عبد الملك: لا تكون عدالة في الدماء، ولم يصحب هذا القول عمل.
وتتم الشهادة ببعض الأصل والنقل عن باقيه بشرط عدده عند قائليه.
الشيخ: لمحمد عن ابن القاسم: إن شهد واحد على رؤية نفسه، وثلاثة على شهادة ثلاثة فذلك تام، ولا يجب الحد حتى يكون عدد الشهود أربعة عند الحاكم، وكذا لو شهد اثنان على الرؤية، واثنان على شهادة اثنين، وأما واحد على رؤية نفسه، واثنان على شهادة ثلاثة؛ لم تجز، وحد شاهد الرؤية للقذف، وشاهدا النقل إن لم يكن في لفظهم أنه زان، إنما قالا: أشهدونا على شهادتهم أن فلاناً زان رأيناه وفلان معنا لم يحدا، وإن قدم الثلاثة حدوا؛ إلا أن يثبتوا على شهادتهم حين قدموا، ويشهدوا بها فيحد المشهود عليه.
محمد: هذا إن تأخر ضرب الشاهد الأول حتى قدم هؤلاء، وكذا لو مات واحد وقدم اثنان؛ لأنه قد ثبت شهادة اثنين على شهادة الميت منهم، وكذا إن لم يقدم منهم غير واحد فشهد، قاله ابن القاسم وأشهب وأصبغ.
وروى مُطرف: عن حضر ثلاثة على الرؤية وغاب الرابع أو مات لم تقم شهادته إلا بأربعة ينقلون عنهم.
وسمع عيسى ابن القاسم في الشهادة على الشهادة في الزنا: لا تجوز حتى يشهد أربعة على أربعة في موضع واحد، وساعة واحدة في موقف واحد على صفة واحدة.
ابن رشد: ليس من شرط بينة الزنا تسمية الموضع، ولا اليوم، ولا الساعة، وإنما شرطها عند ابن القاسم ألا يختلف الشهود في ذلك، فإن شهد الشهود بمعاينة الفرج في الفرج تمت الشهادة، وإن قالوا: لا نذكر اليوم، ولا نحد الموضع، وإن سموهما كان أتم.
وذكر بعض ما تقدم في بينة الزنا، ثم قال: لا تجوز شهادة أربعة على أربعة في الزنا؛ إلا أن يشهد الأربعة معاً على شهادة كل واحد من الأربعة أنهم رأوه معاً يزني بفلانة؛ فرجه في فرجها، كالمرود في المكحلة، وإن تفرق إشهادهم لهم مثل أن يشهد اليوم أحدهم، وغداً الثاني، وبعد غد الثالث، والذي يليه الرابع، وأما إن تفرقوا في الإشهاد

مثل أن يشهد أحدهم اليوم على شهادة جميع الأربعة، ثم يشهدهم الثاني غداً، ثم يشهدهم الثالث بعد غد، ثم يشهدهم الرابع في اليوم الذي يليه، فلا يجوز ذلك إلا على القول بجواز أن يفرق الشهود في تأدية الشهادة في الزنا، ومضى ذكر ذلك؛ لأن الإشهاد على الشهادة كتأدية الشهادة فيما يلزم فيها.
ومراد ابن القاسم بقوله: (في موضع واحد، ويوم واحد، وساعة واحدة) أن يكون الزنا الذي شهد عليه الأربعة زناً واحداً.
ويريد بقوله: (في موقف واحد) أن يشهدوا كلهم معاً على شهادتهم بكل واحد من الشهود الأربعة، وأن يؤدي الشهود الأربعة الشهادة على الشهادة عند الحكم؛ معاً غير مفترقين.
وقيل: إن تفرقوا جاز، فإن شهد أربعة على أقل من أربعة، أو أقل من أربعة على أربعة؛ حدوا؛ إلا أن يأتوا بما يوجب الحد على المشهود عليه، وذلك أربعة سواهم يشهدون على شهادة أربعة، أو على معاينة الزنا، على القول بأنه لا يجوز تفرق الشهود في تأدية الشهادة في الزنا، وعلى القول بجواز ذلك يجزئهم إن كانوا ثلاثة أن يأتوا بشاهد يشهد معهم، يشهد على شهادة الأربعة، وعلى شهادة نفسه.
قلت: ما حكاه- أولاً- خلاف حكم ما تقدم لمحمد عن ابن القاسم وأشهب وأصبغ فتأمله.
الشيخ: سمع يحيى ابن القاسم في شاهدين نقلا شهادة رجل، وحكم بها، ثم قدم فأنكر أنه أشهدهما، أو عنده في ذلك علم، قال مالك: يفسخ ذلك.
وفي سماع عيسى إن نقلا عن شاهد، فحكم له مع اليمين، أو عن اثنين فحكم بها، ثم قدم من نقلا عنه فأنكر؛ فالحكم ماض، ولا غرم عليهما، ولا يقبل تكذيبه لهما.
وروى نحوه أبو زيد.
وعن المازري: الأول؛ لرواية ابن حبيب، وعن الثاني لمُطرف وابن القاسم.
ابن رشد: جعل ابن القاسم إنكار الشهود بعد الحكم كرجوع الشاهد عن الشهادة بعد الحكم في أن الحكم لا يرد لاستواء المسألتين في أن الحاكم حكم بما يجوز له

من الشهادة دون تفريط.
ووجه تفرقة مالك هو أن إنكار المشهود على شهادته إن كان صادقاً في إنكاره وتكذيبه من نقل عنه؛ بطلت الشهادة لتصديقه في تكذيبه شهادته؛ إذ لم يثبت عليه أنه أشهدهما على شهادته، ثم رجع عنها، فوجب رد الحكم لئلا يتلف على المقضي عليه ماله، والشاهدان إذا رجعا عن شهادتهما مقران بالعداء على المحكوم عليه.
ابن الحاجب: وإذا كذب الأصل قبل الحكم بطلت، وبعده تامة.
ابن القاسم: يمضي، ولا غرم.
ابن حبيب: ينقض، وقيل: يمضي ويغرم الأصل لرجوعهم.
قلت: قوله: قبل الحكم بطلت.
قال ابن رشد: اتفاقاً، والقول الثالث لم يحكه الشيخ ولا ابن رشد.
وقال اللخمي في كتاب الرجم: إن شهد اثنان على شهادة أربعة؛ فلم يحدوا على قول ابن القاسم حتى قدم الأربعة المنقول عنهم، فإن ثبتوا على شهادتهم؛ حد المشهود عليه، واختلف إن أنكروا أنهم أمروهما بالنقل عنهم، فقال محمد: يحد القادمون؛ لأنهما صارا شاهدين عليهم بقذفهم هذا الرجل، وجعلهم كالراجعين عن شهادتهم، وإن نقل اثنان عن ثلاثة، وواحد على المعاينة؛ فلم يحد حتى قدم الثلاثة، فإن ثبتوا على ما نقل عنهم؛ حدوا هم، والرابع الشاهد بالمعاينة على قول ابن القاسم، ولم يحدوا على قول أشهب، وحد المشهود عليه؛ لأنهم يضم الشهادة، وإن أنكروا، وقالوا: ما أشهدناهما بشيء لم يحد المشهود عليه، ويختلف في حد المنقول عنهم فعل قول محمد، وعلى قول مالك في شاهدين على شهادة رجلين بمال، فقضي بشهادتهما، ثم قدم المنقول عنهما فأنكرا الشهادة أنه يرد الحكم لا يحدون.
وقال الأخوان، وأصبغ، وابن القاسم: الحكم ماض، ولا شيء على المنقول عنهم، ولا على الناقلين، فرد مالك الحكم، ولم يرهم كالراجعين عن شهادتهم، وعلى قوله هذا لا يحد القادمون، وعلى قول مطرف وابن القاسم أيضاً؛ لا يحد المنقول عنهم، وتسقط دية المرجوم إذا نقل أربعة عن أربعة، ورجم، ثم أنكر المنقول عنهم.

وعلى قول محمد يغرم القادمون الدية والمال إذا كان الحكم بمال.
وذكر ابن سحنون القولين إذا أنكر المنقول عنهم بعد الحكم: هل ينقض الحكم أم لا؟ قلت: فلا أعلم ما يثبت نقل ابن الحاجب القول الثالث إلا قول اللخمي.
وعلى قول محمد يغرم القادمون الدية والمال إذا كان الحكم بمال.
ويرد بأنه إنما قاله محمد في تكذيبهم من نقل عنهم قبل الحكم.
وتقدم نقل ابن رشد الاتفاق على بطلان شهادتهم في تكذيبهم من نقل عنهم قبل الحكم، ولا يلزم من جعلهم راجعين قبل الحكم، جعلهم كذلك بعد الحكم لما تقدم من توجيه.
ابن رشد: القول بإمضاء الحكم.
وتبعه المازري في عزوه لمحمد في المسألة التي ذكر عنه أن المنقول عنهم بإنكارهم كالراجعين، ولم يصرح بإغرامهم.
وزاد الشيخ في مسألة تكذيب الأصل من نقل عنهم قبل الحكم- من الموازية- أنه لا يجوز أن ينقل عنه إلا أن يكون صار ذلك إقراراً على نفسه، أو آل إلى أن صار بمجرده منفعة فينفذ ذلك عليه.
قلت: صيرورته إقراراً بأن تكون شهادة الأصل بدين على رجل فلم تنقل عنه حتى مات المدين على المال، والأصل وارثه وصيرورة جحوده منفعة له أن تكون شهادة الأصل على المشهود عليه بدين، وهو مدين للأصل فلم ينقل عنه حتى فلس.
المازري: ولو لم يعلم تكذيب المنقول عنهم للناقلين إلا من جهة أخرى نقلت عنهم أنهم كذبوا الناقلين عنهم؛ لمنع هذا من إيقاع الحكم لما وقع من الاختلاف في الشهادة على المنقول عنهم، ولم تثبت هذه البينة الأخرى بتكذيب الناقلين إلا بعد الحكم، فقد أشار بعض العلماء إلى أن نقض الحكم فيه آكد من نقضه بظهور فسق من حكم بشهادته لعدالته، ولعلة عنده أن بينة النقل وبينة نقل تكذيبهم للأصل إنما هما عن قطع، وبينتا التعديل والتجريح إنما هما عن ظن.

وبالجملة لا يبعد إجراء المسألة على القولين في الحكم بشهادة من ظنت عدالته، ثم ثبت فسقه.
المازري: لو أن الشهود الذين حكم القاضي بشهادتهم أكذبوه بعد أن حكم، ففي المجموعة: ينظر السلطان؛ فإن كان القاضي عدلاً أمضى حكمه، وتقدم عن الموازية فيمن حكم لزيد على عمرو بمائة فنسبه الشهود للغلط، وقالوا: إنما شهدنا بها لزيد على عمرو إن تيقن كذبهم لم ينقذ حكمه، ويغرم لزيد المائة للبينة عليه بأنه أثبت مال من حكم عليه.
ومقتضى قوله: لو رفع الحكم لغيره والقاضي فقيراً انتزع المال ممن حكم له به، وقال محمد: لو شك القاضي في صدقهم وحرز أنه غلط نقض حكم نفسه.
ولابن رشد في رسم (يوصي) من سماع عيسى: ولو لم يذكر الأصل شهادته، ولا قطع بأنه لم يشهد بنقلها، وإنما قال: لا أذكرها، وأنا شاك فيها تُخرج على الخلاف، في العمل بالحديث إذا رواه الراوي؛ فتوقف فيه المروي عنه، وشك فيه، ولم يقطع على أنه لم يحدث.
قلت: ظاهر لفظه أنه لا نص فيها.
وقد تقدم عن الموازية: إن شك الأصل في النقل عنه؛ كإنكاره، وكذا ذكره اللخمي.

باب الرجوع عن الشهادة

الرجوع عن الشهادة: هو انتقال الشاهد بعد أداء شهادته بأمر إلى عدم الجزم به دون نقيضه، فيدخل انتقاله إلى شك على القولين بأن الشاك حاكم أو غير حاكم.

والأول قول الأصبهاني شارح المحصول.
والثاني قول القرافي.
وقيد بعد أداء شهادته، وهو ظاهر الروايات، وظاهر لفظ المازري صدقه على ما قبل الأداء؛ فعليه بحذف لفظ: (بعد أداء شهادته).
قال في ثاني جوابه عن فصل الرجوع: إن سئل مريض عن شهادة فأنكرها، وقال: ما أشهد به بينكما باطل، ثم أداها واعتذر عن سابق قوله بخوف الوهم لمرضه ونحوه، فالأصل بطلانها.
وقال مالك: تقبل لصدق عذره بقرينة مرضه، وقال أيضاً: من سئل عن شهادة فلم يذكرها، ثم قال: تذكرتها، قيل: إن كان مبرزاً، ولم يمض من الزمان ما ينكر فيه صحة ما اعتذر به.
المازري: في الواجب قبولها على الإطلاق؛ لأن الشك يعرض للعالم، ثم يذهب.
وقال سحنون: إن قال: أنا تذكرتها، ثم قال: ذكرتها؛ قبلت إن كان مبرزاً.
قلت: وقول المازري في هذا أحرى منه في الأولى.
قال سحنون: وإن قال: لا أعلمها، ثم رجع، ثم قال: علمتها، فقول مالك في

ذلك اختلف.
قلت: قوله: الواجب قبولها على الإطلاق؛ لأن الشك يعرض للعالم كالنص على أن ما سئل عنه مالك فيمن سئل عن شهادة لم يذكرها أنه شاك، وما ذكره عن سحنون في قوله: وإن قال: لا أعلمها ظاهر في صدقه على الشك، فيتحصل منه في قبول شهادة من صرح بشكه فيها، أو ملزمه، ثم رجع إلى الجزم بها، ثالثها: إن كان مبرزاً لإحدى روايتي سحنون مع قول المازري: الواجب قبولها مطلقاً، وثاني روايتي سحنون، ورواية المازري.
ومسألة المريض هي سماع ابن القاسم من سئل عن شهادة وهو مريض؛ فأنكرها وقال: كل شهادة أشهدتها بين فلان وفلان باطلة، ثم شهد به، وقال: كنت مريضاً فخفت أن لا أكون أتثبت بها، وشهد هذا القول الذي له وجه يعرف جازت شهادته إن كان عدلاً لا يتهم.
ابن رشد: معناه إن كان مبرزاً في العدالة، وهذا إن سألها لتنقل عنه على ما في سماع يحيى، لو لقيه من عليه الحق، فقال له: بلغني أنك تشهد علي بكذا، فقال: لا أشهد عليك بذلك ولا لي منه علم، وإن شهدت عليك به فشهادتي باطلة، ثم شهد لم يقدح ذلك في شهادته، وإن كان على قوله بينة، قاله ابن حبيب، وهو تفسير لقول مالك هذا.
ولقول ابن القاسم في سماع يحيى، والفرق بين الموضعين أنه يقول في الوجه الثاني: إنما قلت له معتذراً، ولم أزل عالماً بما شهدت به، والوجه الأول لا عذر له فيها أقر به على نفسه من الجهل الشهادة فوجب أن تبطل؛ إلا أن يأتي بما له وجه من أنه خشي أن لا يقوم بها في مرضه فيصدق إن كان مبرزاً.
قلت: سماع يحيى هو قوله من قيل له وهو عند القاضي: إن فلاناً ادعى أنك تشهد في ذكر حق له على فلان، فقال: ما أذكر أنه أشهدني عليه بشيء، وماله عندي علم، ثم انصرف فذكر فعاد إلى القاضي بعد أيام فشهد في ذلك الحق جازت شهادته إن كان مما لا يشك في عدالته، ولا يتهم في شيء من عمله.
في أقضيتها: إن استقال الشاهد قبل الحكم، وادعى وهماً، وجاء بشبهة أقيل، ولا

جارٍ التحميل