قال: وقال بعضهم: كل المذهب كقول سحنون وقولها، وسماع اغتسل في اليسير لا الكثير، وسماع الشجرة فيما علم أنه له.
قال: والصواب ما قدمناه، واللخمي كابن رشد، وصوب ترك ما علم أنه له ولو كثر.
قلت: الذي للشيخ عن سحنون: يترك له ما يستر عورته، ويرد عنه البرد، وما يعيش به من الطعام لا بقيد الأيام، ثم قال: عن سحنون، إن وجدت سرية بصومعة راهب طعاماً، فاحتاجوا إليه أخذوا منه، وتركوا له قدر عيشه الأشهر، وما وجدوا من مال خبأه عنده الروم أخذوه، ولا يستحل بذلك دمه.
قلت: فقوله: الأشهر خلاف نقل ابن رشد عنه الأيام.
وفي لغو ترهب المرأة واعتباره كالرجل نقل اللخمي مع الشيخ عن سحنون وسماع القرينين: وفيمن أخذ من أهل الحرب دون قتال مقبلاً إلينا يدعي مجيئه لما يوجب حرمته من سلم طرق:
ابن رشد: تحصيل اضطراب أقوالهم إن كان أظهر ذلك قبل أخذه؛ صدق اتفاقاً، وقبل قوله أو ورد لمأمنه، وإلا ففي كونه فيئاً يرى فيه الإمام رأيه، ولو بالقتل أو لا، فيخير الإمام في قبول قوله أو رده لمأمنه، ما لم يبن كذبه كدعوى التجر ولا سلع، إلا آلة الحرب إن أخذ ببلد الحرب وإلا ففيء، وإن أخذ ببلد الإسلام إن كان بحدثان قدومه، رابعها: وإن طال الأشهب ويحيى بن سعيد.
فيها: مع ظاهر قول مالك فيها، وسحنون وسماع عيسى ابن القاسم، وسماعه يحيى، وخامسها: إن كان من بلد عادتهم الاختلاف لما ادعي قبل قوله أو رد لمأمنه، وإلا كان فيئاً لابن حبيب مع نقله رواية المدنيين والمصريين وربيعة فيها، وسحنون في سماعه، وعيسى في تفسير ابن مزين، وإليه نحا ابن القاسم فيه.
وفيها: قال مالك في رومي أخذ فقال: جئت أطلب الأمان: هذه أمور مشكلة وأرى رده لمأمنه.
قيل: من أخذ حربياً دخل بلد الإسلام دون أمان أيكون له أن فيء؟
قال: لم أسمعه من مالك إلا أنه قال فيمن وجدوا بساحل المسلمين زعموا أنهم
تجار لا يصدقون، وليسوا لمن وجدهم: ويرى الإمام فيهم رأيه.
وفيها: إن نزل تاجر جون أمان قال: ظننت أنكم لا تعرضون لمن نزل تاجراً.
قال: هذا كقول مالك أولاً إما قبل قوله أو رد لمأمنه.
وروى ابن وهب فيمن وجدوا بساحل المسلمين زعموا أنهم تجار لفظهم البحر، وتكسرت سفنهم، أو يشكون شديد العطش، ومعهم السلاح، فينزلون للماء لا خمس فيهم: ويرى الإمام فيهم رأيه.
الصقلي: من نزل تاجراً لظن الأمن قبل قوله أو رد لمأمنه، ومن تكسرت سفينته أو نزل العطش، وإنما معه السلاح فيء يقتل إن رآه الإمام اتفاقاً فيهما، وإلا فذكر بعض ما تقدم.
اللخمي: إن قام دليل صدقه أو كذبه؛ عمل عليه، وغلا فرأى مرة أنه أسير بنفس الأخذ، ومرة قبل قوله، وهو أحسن.
فوجود الكتاب مع مدعي الرسالة، ووجود من يفدي مع مدعي الفداء أو ثبوت قريب له بالموضع الذي قصده دليل صدقه، وعدمه دليل كذبه، والقائل: جئت أطلب الأمان؛ إن خرج إليهم عسكر، ووجد على طريقه، ولا سلاح معه مشكل أمره، وإن أخذ غير مقبل إلينا، أو لم يخرج لهم عسكر ففيء.
قلت: للشيخ: وظاهره لعبد الملك في كتاب ابن سحنون: لو نزل علج من معقله إلى ما لا يحصنه من المسلمين، فناداهم بالأمان؛ أمن أو ورد لمأمنه، ولو كان معه سلاح، ولم يرد عليه هيئة من يريد قتالاً، لو جاء سالاً سيفه، مسنداً رمحه، فلما صار فيما لا يحصنه طلب الأمان؛ فهو فيء؛ وإنما هذا على ما يظهر من العلامات، وما كان مشكلاً رد إلى مأمنه، ومقابل الأصح في قول ابن الحاجب: ومن وجد بأرض المسلمين أو بين الأرضين وشك في أنه حرب أو سلم، فقال: هذا مشكل، وعلى أنه حرب؛ لا يجوز القتل على الأشهر، وإن حصل الظن بأحدهما؛ عمل عليه على الأصح، لا أعرفه.
وظاهر الروايات وقول اللخمي ونحوه للتونسي وابن بشير بنفيه.
وأما القتل فقال ابن عبد السلام: الذي رأيت لبعض من يحقق النقل من الشيوخ اختلف في القتل، فعلى قول ابن القاسم لا يقتل، خلافاً لابن الماجشون، وعادتهم في
هذه العبارة أنها تستعمل في التخريج، ولكن جعل هذا الشيخ محل الخلاف المذكور فيمن قامت أمارة على كذبه، فيكون الأنسب لهذا الخلاف كونه عند قول المؤلف: على الأصح، وما وجدت من تكلم على هذه المسألة ممن يعتبر نقله ذكر قولاً بالقتل في محل الإشكال، وإذا انتفى القتل عن محل الإشكال، فنفيه عن محل أمارة صدق الرومي أولى، وكلام المؤلف يدل على الخلاف فيه وهو شيء لا يوجد.
قلت: ما ذكره من الخلاف فيمن قامت أمارة على كذبه خلاف ما تقدم للصقلي من نقل الاتفاق على أنه فيء يقتل، وعادة الشيوخ في النقل الغريب تعيين قائله، فلو عين لنا هذا الشيخ المحقق.
وقوله: ما وجدت من ذكر قولاً بالقتل في محل الإشكال.
قلت: ذكره غير واحد، قد تقدم لابن رشد في أول أقوال نقله أنه يقتل نصاً، وهو ظاهر قوله بعد ذلك أنه فيء، وللشيخ عن الواضحة في ثلاثة متسلحين دخلوا قرية آخر عمل الإسلام.
قلت: وفي العتيبة أيضاً وغيرها خلاف ذلك في سماع عيسى المذكور فيه.
تحصيل ابن رشد خلافه قال فيه: إن أخذ بعد طول مقامه بأرض الإسلام؛ فهو رقيق يرى فيه الإمام رأيه، ولا يقتله إلا أن يعلم أنه جاسوس.
وللشيخ عن الواضحة أيضاً: لو أخذ حربي فقال: جئت لتجر أو فداء؛ فإن كان اعتاد المجيء، وجاء مطمئناً قبل قوله أو رد لمأمنه إن أخذ بحدثان وصوله، وإن كان بعد طوله رق، ولم يقتل إلا أن يتهم بتجسس، وإن لم يكن معتاداً للمجيء فهو فيء أينما أخذ، وقاله أصبغ وأشهب.
اللخمي: إن احتيج في أخذ من نزل للعطش لقتالهم، فإن كانوا بحيث ينجون بأنفسهم؛ لبقاء سفنهم ووجود الريح فهم غنيمة لآخذهم فقط أن استقلوا بأخذهم، وإن لم يقدروا على أخذهم إلا بكونهم قرب قرية المسلمين؛ فهم غنيمة لجميعهم كغنيمة سرية جيش، وإن كانوا بحيث لا ينجون؛ فهم فيء كأسارى قاتلوا.
محمد: روى أشهب في مراكب تكسرت وجد فيها عين وغيره إن كان مع العدو؛ فهو مثله، وإلا فلواجده، ويخمس إن كان بقربه قرية العدو، وإلا خمس الذهب والفضة
فقط، ونقله التونسي بزيادة: إلا أن يكون يسيراً.
قال: وهذا خلاف المعروف له في الركاز.
قال: وجعل العروض لا شيء فيها؛ يريد: على أحد الأقوال في ركاز العروض، ولم يجعل جملة الناس ملكوا العروض إذا كانت منفردة، فيكون النظر فيها إلى الإمام؛ لأنها مما يغيب ويخفى، فأشبهت الركاز والرجال لا يغيبون ولا يخفون، فأشبهوا ما جلا عنهم الروم من الأرضين؛ فصارت ملكاً للمسلمين لا لمن سبق إليها.
وفي محل ارتفاع أمان من خرج من محل تأمينه إليه طريقان.
الصقلي: بعد ذكره روايات في ارتفاع تأمينه ببلوغه بلده أو قربه قولان.
قلت: ثالثها: بلوغه محل ارتفاع خوف الإسلام، لها ولنقله عن ابن الماجشون ومحمد مع أصبغ وسحنون ومالك وابن الماجشون أيضاً، ويمكن رد الثالث للثاني؛ ولذا لم يذكره الصقلي في تحصيله مع ذكره إياه قبل تحصيله، ولو رجع بعد بلوغه أمنه.
ففي كونه حلاً لمن أخذه، أو تخيير الإمام في إنزاله آمنا أو رده، ثالثها: إن رجع اختياراً، للصقلي عن ابن حبيب عن ابن الماجشون، ومحمد وابن حبيب عن عبد الملك.
ابن رشد: قول سحنون: يرتفع تأمينه ببلوغه من البحث موضع الأمن، وإن لم يصل إلى بلده.
قيل له: لا يأمن اليوم إلا ببلده؛ لكثرة سفن الإسلام.
قال: إن كان الأمر كذلك فحتى يخرج من البحر، ويبلغ محل أمنه ينبغي كونه تفسيراً لها إذا لم يفرق فيها هذه التفرقة، ولما في سماع عيسى، ويتخرج عليه ما غنمه العدو من بلاد المسلمين، ثم غنمه المسلمون منه قبل وصوله به بلده هل يقسم إذا لم يعرف ربه أم لا؟ وهل يأخذه ربه وإن قسم بغير ثمن أو لا؟ اختلف في ذلك عندنا.
وفي كون حكمه مع سلطان غير الذي أمنه؛ كالذي أمنه وكونه حلاً له مطلقاً قول مالك فيها مع غيرها، ونقل اللخمي مع الصقلي عن ابن الماجشون.
ابن بشير: إن كان مؤمنه الإمام الأعظم، فغيره مثله؛ وإلا فقولان.
ابن سحنون عنه: إن أمن حربي بأن أنه عين؛ فالإمام قتله أو استرقاقه إلا أن يسلم
ولا خمس فيه.
اللخمي: إن أدى تجسسه قتل؛ قتل، ولو كاتب ذمي أهل الحرب أحوال المسلمين؛ سقط أمانه.
سحنون: يقتل نكالاً.
اللخمي: يريد: إلا أن يرى الإمام استرقاقه، ولو ثبت أن مسلماً عين لهم، فللخمي خمسة:
روى العتبي: يجتهد فيه الإمام.
ابن وهب: يقتل إلا أن يتوب.
ابن القاسم وسحنون: لا توبة له.
عبد الملك: إن كانت منه مرة وظن جهله وعدم عوده، وليس من أهل الظن على الإسلام؛ نكل، والمعتاد يقتل.
سحنون: قال بعض أصحابنا، يجلد ويطال سجنه، وينفى لما بعد عن دار الحرب.
الصقلي عن محمد: إن كان بقوله مظاهرة على عورة المسلمين وإلا سجن حتى تعرف توبته.
اللخمي: قول مال: يجتهد؛ حسن، فإن علم به قبل إعلامه أهل الحرب أو بعده، وتحرز المسلمون، فكف العدو عن الإتيان عوقب ولم يقتل، فإن خيف عوده لمثل ذلك؛ خلد في السجن، وإن دل على موضع استباح منه العدو المسلمين، أو قتل مسلماً، أو لم يدل عليه وعلم به بعد قتل العدو من المسلمين؛ قتل إلا أن يعلم عزم العدو على الإتيان دون قوله، ولو يؤثر قبله شيئاً فلا يقتل.
وسمع ابن القاسم في مسلم أخذ، وقد كاتب الروم بأخبار المسلمين: ما سمعت فيه شيئاً، ويجتهد الإمام فيه.
ابن القاسم: تضرب عنقه ولا توبة له.
ابن رشد: قول ابن القاسم صحيح؛ لأنه أشد فساداً من المحارب، ولقولة
عمر رضي الله عنه في حاطب: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فلم يرد رسول الله صلي الله عليه وسلم قوله؛ إلا بأنه شهد بدراً مع تصديقه صلي الله عليه وسلم حاطباً في عذره بالوحي، ومعنى قول مالك: يجتهد فيه أي في قتله وصلبه فقط.
وفيها: لمالك: لا بأس بحرق قراهم وخرابها وقطع الشجر مطلقاً.
ابن حبيب: قال مالك وأصحابه: إنما نهى الصديق رضي الله عنه عن ذلك بالشام لعلمه مصيره للمسلمين، وما لا يرجى لهم ينبغي خرابه وتحرق زروعهم وحصونهم بالنار، أصبغ: هو أفضل من تركها.
ابن سحنون: روى ابن القاسم: تخريب كنائسهم أحب إليّ، وتكسر صلبانهم.
وفي تحريق النحل وتغريقها وكراهة ذلك ثالثها: الوقف عن تحريقها للشيخ عن روايتي ابن حبيب راوياً: لطالب عسىلها تغريقها لخوف لذعها، ونقله عن ابن سحنون، ورواية ابن نافع.
وفي التلقين: لا تمس النحل إلا أن تكون من الكثرة بحيث يؤثر إتلافها، فخص المازري الخلاف بالكثير، وما ضعف المسلمون عن حمله إن كان متاعاً فيها أحرق.
ابن حبيب: إن ضعف عنه الأمير، ولم يجد فيه ثمناً؛ أعطاه، فإن لم يقبله أحد؛ أحرقه، فإن لم يحرقه؛ فهو لمن حمله.
ابن رشد: اتفاقاً، وإن كان ماشية أو دواب ففي إتلافها بالعقر دون ذبح ولا نحر، أو بما تيسر من ذلك، أو تسريحها سليمة، رابعها: ذبحها أحسن، وخامسها: يكره كتعرقيبها؛ بل يجهز عليها لسماع ابن القاسم.
وقولها: بزيادة، وكذا ما ضعف عنه ربه.
وابن رشد عن رواية ابن وهب مع الباجي عنه لا عن روايتهن واللخمي مع نقله عن سحنون مع ابن عبد الحكم، والصقلي مع الباجي عن ابن حبيب مع المدنيين قائلاً: لأن الذبح مثله، والتعرقيب تعذيب، ومنع الباجي كونه مثله.
قال: وإنما كره؛ لأنه ذريعة لإباحة أكلها.
وفيها: لم أسمع حرقها بعد ذبحها.
اللخمي: إلا أن يخشى إدراكها العدو قبل فسادها.
الباجي: إن كانوا يأكلون الميتة؛ فالصواب حرقها.
اللخمي: ويترك صغير الآدمي والمرأة والشيخ الفاني، ويقتل الرجال إلا مَنْ مُن عليه بالحياة والرق.
وسمع أصبغ أشهب في سرية أصابوا أعلاجاً، ثم أدركهم ما أدركهم، فخافوا أن يعينوا عليهم: لم يجز لهم قتلهم إلا أن يقاتلوهم إن كانوا استحيوهم، وإلا فلهم ضرب أعناقهم، واستحياؤهم تركهم رقيقاً أو فيئاً للمسلمين، وتخييرهم، وتركهم لتخيير الإمام فيهم بالقتل يبيح لهم قتلهم، وقاله أصبغ.
ابن رشد: هذا صحيح على أصولهم.
قلت: انظر لو كانوا بحيث إن تركوهم للحوق من أحسوا به هلكوا بمجموعهم إتلافه مما ينبغي إتلافه إن كان غنيمة؛ فهو لم حمله.
ابن رشد: اتفاقاً.
قال: وإن كان ملك بشراء أو قسم، وحمل من أرض الحرب، ففي كونه كذلك أو لربه وعليه أجر مؤنته إن شاء.
قولا ابن حبيب وأصبغ مع سحنون: وإن حمل من أرض الإسلام، فالثاني اتفاقاً إلا في الشيخ والعجوز.
قال ابن حبيب: تركهما عتق.
وعزا الشيخ واللخمي قول سحنون لأشهب.
زاد الصقلي عن ابن حبيب: تعليل قوله في الشيخ والعجوز بأرض الحرب غير
عتق: بأنه لم يملكهما ملكاً تاماً، وتعقبه بأنه تام؛ لأن له أن يطأ ويبيع، ولو أعتق؛ لم يكن له فيه رجوع.
ابن سحنون عنه: ينبغي توكيل الإمام في دخوله دار الحرب رجالاً يلحقون من تخلف، ويقفون على الضعيف، ومن معه دابة لا فضل فيها ألحقوه بالناس دونها، ولهم ذبحها ولا ضمان عليهم، ولو ألحقوا من اشترى نعماً أو خيلاً من المغنم دونها لعجزه عن اللحوق بها، ثم مر بها سرية لحقوا الناس بها؛ ضمنوا ما هلك منها إن كان علموا بالسرية وإلا فلا، ولربها أخذا ما بلغ منها بعد دفعه ما أنفق عليها من حملها إن أنفق عالماً أنها لمسلم، ولو حملها ظاناً أنها للعدو غنيمة؛ فلا نفقة له كعبيد غنموها بأن أنها لمسلم له أخذها دون غرم نفقتها، لو قسمت أخذها بالثمن دون نفقة.
قال أكثر أصحابنا: من وقفت دابته فتركها، وأنفق عليها رجل؛ فربها أخذها بغرم نفقتها، والقول قول المنفق فيما يشبه، فإن اختلفا في المدة أو قال ربها: لا أدري؛ فالمنفق مدع لا شيء له إلا ببينة أو إقرار ربها.
وقال ابن كنانة: إنما يغرم النفقة أن كانت يسيرة، وما كثر؛ لم يلزمه؛ إذ ليس له حبسها حتى تذهب في نفقتها.
وفي الروايات وأقوال الرواة والأشياخ: لفظ الأمان والمهادنة، والصلح والاستئمان، والمعاهدة والعهد، ومنها متباين ومترادف.
باب الأمان
فالأمان: رفع استباحة دم الحربي، ورقه وماله حين قتاله، أو العزم عليه مع استقراره تحت حكم الإسلام مدة ما، فتدخل الأمان بأحد الثلاثة؛ لأنه رفع
لاستباحتها لا المهادنة، وما بعدها وهو من حيث استلزامه مصلحة معينة أو راجحة أو مفسدة أو احتمالها مرجوحاً واجب، أو مندوب أو حرام أو مكروه، وتبعد إباحته؛ لأنها لا تكون إلا عند تحقق عدم استلزامه إحداهما أو تساويهما وهو عسير.
اللخمي: هو لأمير الجيش باجتهاده بعد مشورة ذي الرأي منه كان على الرحيل عن أهل الحرب، أو على أمنهم فقط مدة معينة في أنفسهم وأموالهم أو دونها بلا عوض أو بأخذ أموالهم وأبنائهم أو بعض ذلك، أو باسترقاقهم، أو ضرب الجزية عليهم.
قلت: يريد: ولا تتوقف في الأشخاص الجزية على المشورة.
اللخمي عن ابن حبيب والشيخ عنه وعن سحنون: لا ينبغي أن يؤمن غير الإمام، وينبغي أن يتقدم للناس بذلك فمن أمن بعد ذلك؛ فللإمام إمضاؤه أو رده لمأمنه.
الباجي: من أمن بعد منع الإمام التأمين؛ فللإمام رده برد الحربي لما كان عليه إن لم يعلم منع الإمام وانظر إن علم.
قلت: للشيخ عن كتاب ابن سحنون: لو قال الإمام لأهل الحرب: من دخل إلينا بأمان فلان أو أحد؛ فهو فيء فهو على ما قال، وذلك نافذ.
باب ما يثبت به الأمان
الصيغة: الباجي: يثبت بكل إنسان عبر به عنه، ولو لم يفهمه المؤمن، والإشارة به كلفظه، وكذا لو أراد المؤمن منع أمانه، فظنه المؤمن أماناً؛ فهو أمان له.
قلت: لنقل الشيخ رواية ابن وهب: الإشارة بالأمان كالكلام، وليتقدم إلى الناس في ذلك.
ابن العربي: لا خلاف في إمضاء الإشارة به إن كانت معهودة بينهما.
قلت: انظر مفهوم قوله: إن كانت معهودة، وفي الموطإ: الإشارة به كالكلام.
وللشيخ عن محمد: أجمع فقهاؤنا في مركب مسلمين قاتلوا مركب عدو يومهم، فطلب العدو الأمان، فنشر المسلمون المصحف، وحلفوا بما فيه: لنقتلنكم، فظنه العدو أماناً، فاستسلموا، ثم طلبوا بيعهم أن ذلك أمان.
قال: ولو طلبوا مركباً للعدو، فصاحوا به: ارخ قلعك، فأرخاها؛ هو أمان إن كان قبل الظفر بهم.
قلت: وتقدم قول عمر للهرمزان.
ابن سحنون: ذكر لمالك ما روي عن عمر في القائل للعلج: مترس؛ وهو بالفارسية: لا تخف.
قال سحنون: هو أمان، وكذا بكل لسان قبطي أو غيره، ولو لم يفهمه الحربي.
ابن حبيب عن بعض أهل العلم: من رهق مشركاً فاتقاه، فقال له: لا تخف ولا بأس عليك، ثم أسره فأراد قتله، إن أراد بقوله له تأمينه من الضربة التي أشرف بها عليه لا من قتله؛ فله قتله، وإن أراد من القتل؛ فلا يقتله، فإن قتله؛ غرم قيمته للمغنم.
قلت: إن قيل: قتله مطلقاً يوجب ضمانه؛ لأنه لا يقتل أسيراً إلا الإمام.
قلت: مراده بأسره الاستيلاء عليه بالغلبة لا حصوله في قبضة الإسلام.
وفي الموطإ: مالك عن رجل من أهل الكوفة: أن عمر بن الخطاب كتب إلى عامل جيش: بلغني أن رجالاً منكم يطلبون العلج حتى إذا أسند في الجبل وامتنع.
قال الرجل: مطرس يقول: لا تخف، فإذا أدركه قتله، والذي نفسي بيده لا أعلم
مكان أحد فعل ذلك إلا ضربت عنقه.
قال يحيى: سمعت مالكاً يقول: ليس هذا الحديث بالمجتمع عليه، وليس عليه العمل.
ابن العربي: قيل: لم يصح هذا عن عمر.
قلت: في بعض الحواشي يقال: مطرس، ومطرس بشد الطاء وإسكانها، وبالتاء يدل الطاء مشددة وساكنة.
ابن حبيب: ذلك تشديد من عمر، ولا ينبغي أن يقتل.
ووقته الباجي: قبل أسر الحربي لغير الإمام.
سحنون: لو أشرف على أخذ حصن وتيقن أخذه، فأمنهم رجل مسلم؛ فللإمام رده.
اللخمي عن سحنون: من أمن أسيراً بعد أسره؛ لم يحل له قتله، ويجوز للإمام قتله إن رآه، ومنعه محمد.
قلت: ظاهره جواز قتل غير الإمام الأسير، فيؤول بما مر، وشرط المؤمن الرافع أمانه كون المؤمن فيئاً عقله الأمان واختياره، وعدم إعلام الإمام الحربي لغو أمانه.
وروى الباجي: شرط عقله مطلقاً، ونقله غير واحد.
وللشيخ عن كتاب ابن سحنون: إن أمن مخالط العقل إلا أنه يصف الإسلام ويعرفه ويعقله؛ جاز أمانه، وللإمام إمضاؤه أو رده، وشرطه متفقاً عليه ذلك، والإسلام والذكورية والبلوغ والحرية، وكونه قبل القدرة على الحربي في غير الإمام.
فأمان الذمي قال اللخمي: اختلف فيه.
روى محمد: لا أمان له ومؤمنه فيء.
قلت: قال: اختلف فيه، ولم يذكر غير قول مالك، ولم يحك الباجي غيره.
وقال التونسي: في آثارها أمان الذمي جائز.
قلتك قول الصقلي عقب ذكره هذا الأثر.
قال سحنون: بهذا يقول أصحابنا، يقتضي أنه في المذهب.
ولسحنون في النوادر، وظاهره من كتاب ابن سحنون ما نصه: أجاز ابن القاسم
أمان العبد والذمي.
قال ابن القاسم: إن قالوا: ظننا الذمي مسلماً؛ ردوا لمأمنهم، وإن علموا أنه ذمي؛ فهم فيء.
سحنون: لا يجوز أمان الذمي بحال.
وقال المازري وابن بشير: المشهور لغو أمانه، والشاذ صحته.
اللخمي: وعلى لغوه لو قال المؤمن: ظننته مسلماً، ففي قبول عذره قولا ابن القاسم.
قلت: زاد الشيخ عن محمد: أحب إلي رده لمأمنه.
اللخمي: لو قال: ظننت صحة أمانه، فروى محمد: لا يقبل.
اللخمي: إن رده لمأمنه للشك في استباحته، ولو قال: علمت أن لا أمان لنصراني وجهلت أنه نصراني؛ لم يعذر؛ لأنهما أهل دين واحد، فدعواه جهله لا تشبه.
قلت: مفهومه لو كان يهودياً عذر، وخرج ابن بشير عليه ظن عقله وهو مجنون.
وأمان المرأة: الباجي: معتبر.
اللخمي: في اعتباره قولا ابن القاسم وأبي الفرج عن عبد الملك.
المازري: أولاً لا خلاف في تأمينها، ثم قال: المشهور اعتباره، وقيل: لا تأمين لها.
عياض: على جواز أمانها جمهور العلماء، وخالف فيه ابن الماجشون؛ إذ ليست ممن يقاتل.
وفي أمان الصبي عاقلة مطلقاً، أو إن أجازه الإمام للقتال قولا ابن القاسم فيها، والباجي مع اللخمي عن سحنون.
وفي أمان العبد ثالثها: إن أذن له ربه في القتال للباجي عن ابن القاسم مع قوله نقله القاضي كأنه المذهب، ورواية أبي عمر واللخمي مع الباجي عن رواية معن، وله عن سحنون قال: وقال ابن القصار: لا نص فيه، وهم يرون قياس قول مالك اعتباره، ونقل ابن بشير الثالث بلفظ: إن قاتل، ونقله ابن شاس.
رابعاً الشيخ عن سحنون: إن ثبت تأمين العبد، فرده الإمام، فأبوا إلا أن يقتلهم الإمام، أو يسبيهم أو يتم أمانهم، فإن تحولوا لبلد الإسلام ضرب عليهم الجزية، فإن
أبوا؛ فهم فيء يخير فيهم الإمام بالقتل وغيره.
وأمان الأسير: لم بيده بعد تخليتهم إياه صحيح، وقبله مع قولهم: أمناً وإلا قتلناك لغو.
ابن رشد: اتفاقاً فيهما.
وفي صحته لهو بقولهم: نخليك على أن تؤمننا ولغوه قولان؛ لأول لفظ سماع عيسى ابن القاسم وآخره مع ابن حبيب.
وفي صحته من أسير طلب من آسره تأمينه حين أحسوا بخيل المسلمين، فأمنهم وهو آمن، سماع أصبغ أشهب قائلاً: يصدق إن كان آمناً مع محمد قائلاً: إن اختلف قوله؛ أخذ بأوله.
ونقل ابن بشير مع الشيخ عن سحنون قائلاً: لا يصدق أنه كان آمناً، ولا يقدر إذا طلبوه منه إلا أن يؤمنهم، ونقل التونسي عن محمد عن ابن القاسم مثل قول أشهب.
وسمع يحيى ابن القاسم: إن خرج حربي من أرضنا بأمان من خالف على الإمام في ثغر؛ لم يستبح في نفس ولا مال، ويقال له: إن عهده لا يمضيه الإمام، فارجعوا إلى مأمنكم، فإذا ردوا لأرضهم؛ كانوا أهل حرب.
ابن رشد عن أصبغ: إن أغاروا على المسلمين لمخالفة من أعطاهم العهد الإمام؛ فلا أمان لهم.
الشيخ عن سحنون: أمان الخوارج، ولو لجمع معتبر، وللإمام نقضه بردهم لمأمنهم، ولو كانوا بمنعة، فأمنوا حربيين على الخروج إليهم للكون معهم بأرض الإسلام، فقاتلونا معهم؛ لم يستباحوا لو قاتلونا، ويرد لهم ما لهم ولو نفله الإمام.
قلت: ثم قال عنه في مثل هذا: إن قاتلونا؛ استحل منهم ما يستحل من الخوارج.
قال: وتأمينهم إياهم على مجرد الخروج ليقاتلونا معهم لغو؛ لأنهم لم يذكروا أماناً.
قلت: اعتبار تأمينهم بناءً على عدم تكفيرهم، والفرق بين الثانية والأولى التصريح بلفظ الأمان فيها دون الثانية.
فإن قلت: إنما جعل تأمينهم على الخروج للكون معهم بأرض الإسلام، وإن كانوا
يقاتلوننا معهم لتقرر لازم الأمان في هذه الصورة، وهو التزام المؤمن حكم الإسلام بالإطلاق، وإن كان فاسقاً، وجعل تأمينهم على مجرد الخروج لقتالنا لغواً؛ لانتفاء لازمه المذكور؛ لأن الخروج المخصوص بقتالنا خروج لحرب المسلم المناقض لالتزام حكمه.
قلت: يرده قوله: لو أمن عشرة من الخوارج مثلهم من الروم على أن يغيروا علينا، ولا منعة لكل فريق فهم كالخوارج لا فيء، ولو لم يؤمنوهم، وقالوا اخرجوا قاتلوا معنا فهم فيء.
قال: ولو دخل الخوارج أرض أهل الحرب، وأمن بعضهم بعضاً، فغن كان الحربيون في سلطانهم؛ سقط تأمين الخوارج لهم وإلا اعتبر، لو دخل الحربيون إلى الخوارج بأرضنا، فسألوهم قتالنا هم بناحية والخوارج بناحية، وأمير كل منهما منه، فإن كان الحربيون بمنعة بأنفسهم، فهو فيء وإلا فكالخوارج.
وأمان الإمام وأميره المجعول له لازم إمضاؤه.
وفي كون أمان غيرهما كذلكن وكونه لنظر الإمام أو أميره في إمضائه، ونقضه برده لمأمنه نقلا اللخمي عن محمد مع الباجي عن فهم القاضي المذهب، وابن القاسم، ومالك، وابن حارث عن سحنون مع اللخمي عنه، وعن ابن حبيب والباجي عن ابن الماجشون، وجعل ابن بشير الأول المشهور.
وفيها: لمالك: أمان المرأة جائز.
ابن القاسم: وكذا عندي العبد والصبي إن عقل الإسلام لحديث: يجير على المسلمين أدناهم.
قال غيره: لم يجعله صلي الله عليه وسلم لازماً للإمام؛ بل ينظر فيه بالاجتهاد.
الصقلي: جعل أصحابنا قول المغيرة وفاقاً لقول مالك، وجعله القاضي خلافاً.
قلت: عزا الشيخ قول الغير لابن الماجشون وسحنون، وكذا أبو عمر قائلاً: هو شاذ لم يقله أحد من أئمة الفتوى، ومقتضى الروايات وأقوالهم، ونص المازري أن الخلاف في
إمضاء أمان غير الإمام وأميره؛ إنما هو إذا كان لواحد أو جماعة لا على ناحية ألا تغزى، وخص ابن العربي هذا الخلاف بكونه في جيش فيه الإمام.
قال: فإن غاب الإمام عن موضع الأمان نفذ الأمان.
ونقل ابن عبد السلام عن بعض الشيوخ: أن معنى حمل قول الغير على الخلاف أن ابن القاسم يقول: الإمام مخير في إمضائه، ورده لمأمنه، والغير يقول في إمضائه وجعله فيئاً.
قلت: هذا لا أعرفه في عموم تأمين غير الإمام في ذي منعة، وأسير حسبما هو ظاهر المسألة، فإن قلت: نقل ابن شاس والباجي عن ابن القاسم: للإمام رد تأمين غيره يقتضي أنه فيء.
قلت: فسر الباجي رده فيمن أمن بعد نهي الإمام عن التأمين يرد الحربي إلى ما كان عليه، فأحرى فيمن لم يتقدمه نهي.
وللشيخ عن كتاب ابن سحنون: من أمن حربياً، فأدخله دار الإسلام، فكرهه الإمام؛ فيعذر إليه أن يرجع لبلده في أجل يمكنه ذلك فيه، ويحتاط له، فإن تعدى ذلك جعله ذمة، وهذا فيمن يقدر أن يرجع، وإلا فعلى الإمام إبلاغه مأمنه، إنما أعرفه في الأسير.
قال اللخمي: اختلف في الأمان بعد الفتح والأسر في القتل.
فقال محمد: من أمن أسيراً سقط قتله؛ يريد: لا استرقاقه.
وقال ابن سحنون عن أبيه: لا يحل لمن أمنه قتله، وللإمام قتله إن رآه مصلحة أو إمضاؤه بجعله فيئاً، وهذا أحسن.
وفي مثل هذا كان جوار أم :
قال ابن الماجشون وسحنون: إنما تم أمانها بإجازته صلي الله عليه وسلم.
اللخمي: ولو كان أماناً لمن في حصن كان ألا يهاج بقتل ولا غيره إلا أن يتبين أنه في النفس دون المال وغير ذلك، وفي متعلق الأمان في الأسير عدم قتله، وفي الحربي إن قيد به، وبعد استرقاقه أو بالأول فقط فواضح، وإن أطلق عمهما لنقل الشيخ عن كتاب ابن حبيب: إذا استأسر حربي في منعه؛ فهو آمن لا يقتل ولا يسترق، وإن استأسر
وقد رهقته؛ فلا أمان له.
الباجي: التأمين المطلق هو تأمين الإمام رجلاً أو جماعة، فيكون له الأمان من القتل والاسترقاق، وإن أراد البقاء على الجزية، فله ذلك، وإن أراد الرجوع، فهو آمن حتى يبلغ مأمنه، وهذا حكم من أمنه المسلم الجائز الأمان، والتأمين المترقب ماينظر فيه الإمام باِلإمضاء أو الرد إلى مأمنه، ولعل هذا تجوز ممن يقوله من أصحابنا؛ والصواب أن يرد إلى مثل حاله قبل التأمين، ولو لزم رده إلى مأمنه؛ لكان أماناً مطلقاً، فهذا عند سَحنون هو التأمين الصحيح، وابن الماجِشُون يرى هذا رد الأمانة.
ويثبت الأمان بشاهدين: وفي ثبوته بقول المؤمن فقط نقلا الباجي عن محمد مع أَصْبَغ وابن القاسم وسَحنون.
الشيخ: لو شهد جل مع الذي أمنهم، ففي قبوله أول قولي سَحنون وآخرهما قائلاً: قول الإمام: كنت أمنت مقبول إنما البينة في غيره.
والأمان بشرط جائز جائزٌ، فمن الأمير ماض ومن غيره.
قال سَحنون: للأمير رد تأمين غيره على مال بره، وإمضاؤه بأخذه منه.
سَحنون عن عبد الملك: من استأسر على أن يدل على عورة فلم يدل، فإن اتهم على كتم شيء جبر على أن يدل عليه، فإن أبى رد لمأمنه.
قُلتُ: وفي ترجمة النزول بعهد على شرط من النوادر.
قال سَحنون: إن نزل رل من الحصن على أن يؤمن على مائة دينار يعطيها، فلم يعطها، وقال: ماعندي شيء؛ فهو فيء للإمام قتله.
محمد عنه: إن بان أن المؤمن على الأخبار أخبرهم باطل تغريراً المسلمين، أو لم يجدوا لما أخبرهم به أثراً، أو غرهم بقلة عدد، فجاءهم أكثر منه، أو صرفهم عن طريق عدوهم، لولا ذلك ظفروا به قتل، لأنه جاسوس.
سَحنون: لو أمن على أن يدل على مائة رأس بقرية كذا أو مطمر، فلم يوجد، فإن بان كذبه أو قال: لا أدلكم على شيء؛ فللإمام قتله أو استرقاقه، وإلا فله إمضاؤه أو رده لمأمنه، ولو دل على بعض ماذكر، فللإمام نقضه بره لمأمنه، ولو شرط: إن لم أدلكم على ماشرطت؛ فأنا فيء، فلم يف فهو فيء ولا يقتل، ولو نزل على أن يدل على مائة
رأس بقرية أو على بطريق، فنزل فوجد المسلمين علموا ذلك، فإن كان معيناً؛ فللإمام ره لمأمنه، وإن لم يعينها؛ فهو فيء إلا أن يعرف صدقه، أو يدل على مثل ذلك.
ولو قال أهل حصن: تفتح لكم على أن تعرضوا علينا الإسلام فنسلم فأبوا؛ جبروا عليه بالسجن والضرب.
ولو شرط عليهم إن لم تسلموا؛ فلا أمام لكم؛ فهم فيء للإمام قتل من شاء منهم، ومن قال منهم: أمهلوني حتى أنظر؛ لم يمهل كالمملكة، ولو شرط أن يؤخر ثلاثاً؛ أخر لها، وحسب كسر يومه، ومن استرق منهم لذلك، ثم أسلم؛ فهو رقيق.
سَحنون: لو أمن الأمير أسيراً على أن يدله على حصن كذا، فدله، فله شرطه، ثم رجع فقال: لايخليه بهذا، وكأن فداء بمال، ولو كان ذلك على دلالة طريق جيش المسلمين حين خيف هلاكهم؛ مضى كفداء بأسرى المسلمين.
سَحنون: من أمن على شرط، فوفى به، ثم عاد لبلده، فلا أمان له إلا بعقد آخر، ولو أمن على أن يرجع، ولم يشترط شيئاً، فكل ما جاء به من مالٍ وأهلٍ فيءٌ من أي محل جاء به.
ويدخل في الأمان مادل اللفظ عليه عموماً أو السياق، لنقل الشيخ عن كتاب ابن سَحنون: لو قال الإمام لأهل حصن: من فتح الباب؛ فهو آمن ففتحه عشرون معاً فهم آمنون، ولو قال رجل من حصن حوصر غير أميره: أفتح لكم على أن تؤمنوني على فلان، أو على قرابتي أو أهل مملكتي أو حصني؛ دخل معهم في الأمن لا الأموال والسلاح.
وفي (أمنوني على أهل حصني على أن أدلكم على الطريق أو على كذا) يدخل الأموال والسلاح؛ لأن (أفتح) دليل على إرادة الناس فقط، وكذا في أمنوني على أهل حصني على أن أفتحه فتدخلوا فتصلوا فيه.
وفي: (أفتح لكم على أن تؤمنوني على ألف درهم من مالي) له ذلك، ولو كان عروضاً، واستغرق ماله، وماقصر عنه سقط، ولو قال: من دراهمي؛ فلم تكن له دراهم، فكل ماله فيء كالوصايا في المسلمين فلو لم يكن هل مال، فلا شيء عليه ولا له.
وفي (أفتح لكم على عشرة من الرقيق أو من كذا) له ذلك على المسلمين وماله فيء.
وفي (أمنوني على أن أنزل إليكم على ألف درهم من مالي) يكون له طلبهم بها؛ لأنه فداء بخلاف (أفتح لكم على أن تؤمنوني على ألف درهم من مالي فلم توجد؛ فلا شيء له ولا عليه)؛ لأنه شرط لنفسه.
وفي (أفتح لكم وأعطيكم مائة دينار من مالي) يلزمه إعطاؤها، فلو زاد على أن تعطوني عشرة آلاف درهم فربا لا يجوز، ولو قال: (أعطيكم مائة دينار من مالي على أن تؤمنوني بألف درهم من مالي؛ فجائز، وله شرطه، ومن أموالهم ربا لا يجوز.
محمد: إن وقع على مالا يحل رد إلى مأمنه إلا أن يدع الألف فيتم أمانه.
سَحنون: ولو قال صاح حصن: أمنوني على حصني على أن أفتحه لكم فالحصن، ومافيه من مال وغيره آمن، وكذا قول الملك: تؤمنوني على أهل مملكتي، ولو قال الإمام لأهل حصن: ليخرج أربعة نراوضهم الأمان، فخرج أكثر أختار الإمام أربعة يؤمنهم والوائد فيء، لا يقتلون إن خرجوا بإرسال طاغيتهم، وإلا فكلهم فيء جائز قتلهم.
ولو قال الإمام: عشرة منكم آمنون على فتح الباب فدخل المسلمون؛ فللإمام اختيار عشرة يؤمنهم ليسوا من أراذلهم وعبيدهم وصبيانهم، وأحب كونهم من خيارهم وما سواهم فيء، ولو كانوا هم القائلين ذلك؛ فالخيار لهم لا من عبيد ونساء وذرية ولا يترك لهم إلا ما غلبهم، فإن اختلفوا فيما يختارونه؛ أقرع بينهم.
ولو قال الإمام: يخرج إلينا هؤلاء الأربعة، ولم يزد، أو زاد: وهم آمنون، أو نراوضهم؛ فهم آمنون مطلقاً.
أنكر سَحنون قول أهل العراق في الأولى للإمام قتلهم، ولو خرج غير الأربعة المشار إليهم فهم فيء، ولو أشكل هل الأربعة الخارجون هم المعينون صدقوا أنهم هم دون يمين، ولو خرج عشرون كل منهم يقول: هو أحد الأربعة؛ فكلهم آمنون.
ولو قال أمير الحصن: افتح لكم على أني آمن على عشرة من الحصن، أو على أن لي عشرة آمنين، فهو وعشرة يختارهم آمنون في أنفسهم وأموالهم.
قُلتُ: قف على دخول المال في الأمان في قول الأمير بخلاف ما تقدم في غيره.
وروى: أن صاحب حصن قال لأبي موسى: أمن لي عشرة من الحصن أصحابي
وأفتح لك.
فقال أبو موسى: اعزلهم، فعزل عشرة، ونسي نفس فقتله.
سَحنون: لا نأخذ به، لأن مخرج ذلك أنه أراد نفسه، وأمرهم عمر مع الهرمزان بأقل من هذا.
قال الشيخ: ولَسحنون قول آخر: أنه يكون عاشر تسعة يختارهم.
قُلتُ: والأظهر في مثقل قضية أي موسى تذكير المؤمن أن ليس له إلا عشرة هو أحدها أو غيره دونه.
ولو قال: أمنوني مع عشرة فله نسه وعشرة يختارهم.
ولو قال: في عشرة من أهل بيتي؛ فله نفسه وعشرة منهم يختارهم.
وفي قوله الآخر: هو تسعة، وكذا في عشرة من بني أبي أي في اختلاف قوله، فأما في عشرة من إخوتي، فهو أبين أن له نفسه وعشرة ويختارهم؛ لأنه لا يحسن أن يقال هذا من إخوته، ويحسن هذا من بني أبيه.
ولو قال: أمنوا عشرة من إخوتي، أو من ولدي، أو من أهل بيتي، أو من حصني أنا فيهم أو أحدهم، فرجع سَحنون عن كونه عاشر عشرة إلى أن له عشرة مع نفسه كلهم بأموالهم.
قال: ولا تؤخذ الأعاجم بمعاني اللغة؛ بل بظاهر قولهم، وإذا ميز العدد بينه؛ فله اختيارهم ذكوراً أو إناثاً، أو منهما من بنيه، أو بني بنيه لا من بني بناته.
وقال بعض العراقيين: إذا قال عشرة من بني وكلهم إناث؛ فذلك باطل، ولا أمان إلا له؛ لأن البنات لا يقال لهن بنون.
سَحنون: هذا لو كان المستأمن يعرف كلام العرب ومعانيه، فأما العجم؛ فلا، ولو قال: في عشرة من إخوتي لم يجخل بنوهم في لغة أحد، ويدخل الأخوات في لغة العجم لا العرب، وكذا الأعمام والعمات وبنوهم والأخوال.
ولو قال الإمام لفارس: أنت آمن في عشرة فرسان إن فتحت الباب ففتحه؛ فهو آمن مع تسعة.
وفي قوله الآخر: مع عشرة، ولو قال: من الرجولة؛ لم يكن بد من عشرة سواه.
ولو قال لرجل: أنت آمن في عشرة من الرجالة؛ فعلى القولين.
ولو قال: من الفرسان؛ فعشرة سواه، ولا يدخل بنات البنات، ولا الذكور في لفظ بناتي، ولو لم يكن له؛ فلا أمان لا أن يسمي مايعرفون به كقوله: لي بنات بنات ماتت أمهم، فأمنوني في بناتي؛ فهن كبناته، أو تكون لغتهم لا تفصل بين بنات البنات، وبنات البنين، ولو قال: من موالي، وله موال من فوق وأسفل؛ صدق فيما نوى، فإن لم تكن له نية، فالأسفلون، فإن لم يكونوا؛ فالأعلون.
ولو قال: على قريبي زيد بن عمرو، وله قريبان كذلك ابن عم وابن خال؛ فهو ما نوى، فإن لم ينو؛ خير فيهما.
ولو قال: في عشرة من عبيدي، وله ذكور وإناث؛ فله تعيين العشرة منهما، أو من أحدهما، ولو لم يكن له إلا الإناث؛ بطل الأمان فيهن، وكذا العتق في ذلك، لأنه لا يقال للإماء إذا انفردن عبيد، وكذا الإخوة والأخوات، والبنون والبنات.
ولو قال بدل عبيدي، موالي؛ صدق على الصنفين الذكور والإناث، وعلى من انفرد منهما، لأن لفظ موالي يقع على الإناث.
سَحنون: لو رضي الطاغية بحكم عشرة أنزلهم من الحصن؛ ليوافقونا على الأمان، فعقده العشرة لأنفسهم مع أهليهم وأموالهم فقط، ومضوا وفتحوا الحصن، ودخل المسلمون؛ فلا أمان لغيرهم، لتقدم رضى الطاغية بعقدهم، وكذا لو كذب العشرة لهم فقالوا: عقدناه لكم، وهم مصدقون في أموالهم وعيالهم مالم يأتوا بمستنكر.
قُلتُ: إنما سياق حال الطاغية رضاه بعموم مايعقده العشرة في حال أمان يشمله لا فيما يختص بغيره.
ولو بعث الإمام مع العشرة مسلماً يشهد إخباره إياهم بصلحه مع العشرة فقط، فقالوا: إنما أخبرنا العشرة تأميننا، فصدقهم العشرة، وقال المسلم: كذبوا إنما أخبروا بأمان أنفسهم فقط، ففي سقوط شهادته؛ لأنه واحد، وقبولها لإرساله الإمام أول قولي سَحنون وثانيهما، وعلى الأول لو كان اثنين؛ جازت شادتهما، ولو كان لهما في الغنيمة حظ.
قال: إلا أن يعظم قدره، فيسقط، أو أرسله الطاغية لمقاضاة، فقاضوا على أمر،
فقال: إنما أرسلتهم على غيره فأكذبوا؛ صدقوا إلا أن يقيم بينه إسلام بما قال، فيرد عقدهم، ولو نزلوا على تعريف الطاغية ليرضى فقالوا: رضي فأنكر؛ لم يصدقوا عليه ولو أسلموا، وكذا لو أخبروا الطاغية بخلاف ما عقدوا فرضي؛ لم يلزمه ما عقدوا، وإن فات في حصنه نهب، رد أو قيمته، ولو رضي المسلمون بما أخبروا به الطاغية ورضيه، فبدا له لما كذبهم، فرجع سَحنون عن لزوم ذلك الطاغية، ويرد لحال أمنه.
قال: كمأمور ببيع سلعة بما رأى الآمر باعها بخمسة عشر فأخر ربها فرضي، ثم ظهر أنه باعها بثلاثة عشر، فلم يرضى، فقال المبتاع: أؤدي خمسة عشر، وأبى البائع؛ فله ذلك، ولو اختلف في أسر وتأمين قبل قول مدعيه، فيقبل أو يرد لمأمنه إلا مع قرينه الأسر، فيصدق مدعيه.
سَحنون: إن خرج للعسكر من بلد الحرب علجٌ مع مسلم ادعى أنه أسيره، وقال العلج: جئت مستأمناً أو أمنني؛ صدق حتى يرد لمأمنه، ولو جاء معه مقهوراً ككونه في وثاقه كمجيئه، وفي عنقه حبل يقوده به، صدق المسلم، ولو جاء مع عدد كثير قالوا: أسيرنا؛ صدقوا؛ لأنه في كثرتهم كمقهور، ولو أنهم مائة شهد أحدهم له؛ لم يصدق إلا بشهادة عدلين، ولو خرج عبد مسلم كان أبق لبلد الحرب، ومعه عبيد استألفهم فأنكروا وقالوا: نحن أحرار جئنا للإسلام؛ صدقوا إن لم يكونوا في وثاقه، وللإمام تأمينهم أو ردهم لمأمنهم، وإن كانوا في وثاقه؛ فهم له عبيد، لو قالوا: إنما أوثقنا ببلد الإسلام حين خفنا، فإن استدل على قولهم؛ صدقوا وإلا فلا.
قُلتُ: مثله سمع يحيى ابن القاسم.
قال ابن رُشْد: إن لم يكونوا في وثاق صدقوا اتفاقاً، ولو ارسل مسلم أسيره على أن يأتيه بابنه أو زوجته فداءً له، فأتاه بهم، فقالوا: خرجنا معه بعهد، وقال: بل سرقتهم، ففي قبول قوله أو قولهم سماع أَصْيَغ ابن القاسم وقول محمد، ونقل الشيخ وابن رُشْد عن ابن ميسر: اختيار الأول وتعليه بأن تقدم خروجه ليأتي بهم قرينة توجب قبول قوله.
ابن رُشْد: لو أتى بهم دون تقدم سبب؛ لم يقبل قوله اتفاقاً.
سَحنون: صح النهي عن إنزال العدو على حكم الله عز وجل فإن جهل الإمام،
فأنزلهم عليه، ردوا لمأمنهم إ لا أن يسلموا، فلا يعرض لهم في مال ولا غيره.
محمد: يعرض عليهم قبل ردهم الإسلام، فإن أبوا؛ فالجزية.
سَحنون: إن قربت دارهم، ولينزلهم الإمام على حكمه لا على حكم غيره ولو طلبوه.
قُلتُ: إن قلت: الأظهر إن كان غيره أهلاً لذلك؛ فله إنزالهم على حكمه لصحة تحكيمية صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ في بني قريظة.
قُلتُ: إنما كان ذلك تطييباً منه صلى الله عليه وسلم لنفوس الأوس لما طلبوا منه (صلى الله عليه وسلم) تخليتهم لهم؛ لأنهم مواليهم، وماكان إنزالهم إلا على حكم النبي صلى الله عليه وسلم
سحنون: فإن أنزلهم على حكم غيره؛ فإن كان مسلماً عدلاً، نفذ حكمه مطلقاً، ولو بردهم لمأمنهم، ولو لم يقبل ذلك؛ ردوا لمأمنهم فإن قبل بعد رده وحكم بسببهم لم ينفذ وردوا لمأمنهم، فإن كان فاسقاً؛ تعقب الإمام حكمه إن رآه الإمام حسناً أمضاه وإلا حكم بما يراه نظراً، ولا يردهم لمأمنهم.
ولو حكموا عبداً أو ذميّاً أو امرأة أو صبياً عاقلاً عالمين بهم، لم يجز وحكم الإمام ولو نزلوا على حكم لله، وحكم فلان، فحكم بالقتل والسيء لم ينفذ، وهو كنز ولهم على حكم الله فقط.
ولو نزلوا على حكم رجلين، فمات أحدهما، وحكم الآخر بالقتل والسيء لم ينفذ وردوا لمأمنهم، ولو اختلفا في الحكم، ردوا لمأمنهم.
باب المهادنة
المهادنة: وهي الصلح؛ عقد المسلم مع الحربي على المسالمة مدة ليس هو فيها تحت حكم الإسلام، فيخرج الأمان والاستئمان، وشرطها أن يتولاها الإمام لا غيره.
سَحنون: تكره من السرايا والإمام، لما فيه من توهين الجهاد إلا لضرورة، فإن نزل لغيرها مضى، ونقله المازري غير معزو، وكأن المذهب بلفظ: لا يجوز دون زيادة إن نزل لغيرها، مضى فظاهره النقص، ولاسيما على قول ابن رُشد: المكروه من صنف الجائز.
وللشيخ عن سَحنون: لو وادعهم الإمام على مال، ثم بان له أنه ضرر بالمسلمين لم ينبذ إليهم حتى يرد ما أخذ منهم، وكذا إن بان ذلك لمن بعده، ولايحبس من المال بقدر ما مضى من الأجل.
الشيح عن محمد: كره علماؤنا المهادنة على أن يعطينا أهل الحرب مالاً كل عام، ولقد طلب الطاغة ذلك إلى عبد الله بن هارون على أن يعطوه مائة ألف دينار كل عام، فشاور الفقهاء، فقالوا له الثغور اليوم عامرة فيها أهل البصائر، أكثرهم فيها نازعون من البلدان، إن قطع عنهم الجهاد تفرقوا، وخلت الثغور للعدو، والذي يصيب أهل الثغور منهم أكثر من مائة ألف؛ فصوب ذلك ورجع إلى رأيهم.
محمد: إنما هادون رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة لقلة المسلمين حينئذ.
ابن حبيب عن ابن الماجشون، إن رجى الإمام فتح الحصن؛ لم يتبع صلح أهله على مال إن كان على إياس؛ فلا بأس.
قال: لا بأس بصلحهم على غير شيء كصلح الحديبية.
سَحنون: وليس للإمام نقض الصلح لغير بيان خطا به فيه، ولو رد ما أخذه إلا برضى من عاقده.
المازري: ولا يهادن العدو بإعطائه مالاً، لن عكس كمصلحة شرع أخذ الجزية منهم إلا لضرورة التخلص منه خوف استيلائه على المسلمين، وقد شاور صلى الله عليه وسلم لما أحاطت القبائل سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة في أن يبذل للمشركين ثلث الثمار لما خاف أن تكون الأنصار ملت القتال فقالا: إن كان هذا من الله سمعنا وأطعنا، وإن كان رأياً، فما أكلوا منها في الجاهلية ثمرة إلا بشراء أو قرى، فكيف وقد أعزنا الله بالإسلام، فلما رأى صلى الله عليه وسلم عزمهم على القتال ترك ذلك فلو لم يكن الإعطاء عند الضرورة جائزاً؛ ماشارو فيه صلى الله عليه وسلم.
ابن زرقون عن الأوزاعي: كان يؤدي عبد الملك بن مروان إلى الطاغية كل يوم ألف دينار، والى قوم آخرين كل يوم جمعة ألف دينار، وذلك زمن ابن الزبير، وفعله معاوية أيام صفين.
المازري: ومدة المعادنة على حسب نظر الإمام.
أبو عمر عن سحنون لايبعد في المدة لما قد يحدث من قوة الإسلام.
ابن شاس: استحب الشيخ أبو عمر ألا تكون المدة أكثر من أربعة أشهر إلا مع العجز.
المازري: لو تضمنت المهادنة أن يرد إليهم من جاءنا منهم مسلماً، وفي لهم بذلك في الرجال، لرده صفي الرجال، لرده (صلى الله عليه وسلم) أبا جندل وأبا بصير جين جاءا مسلمين، وطلب كفار قريش ردهما، ولا يوفى في ذلك برد النساء لقوله تعالى (فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ)] الممتحنة: 10 [
ابن شاس: لا يحل شرط ذلك في رجال ولا نساء، فإن وقع؛ لم يحل ردهما.
فُلتُ: ومثله لابن العربي.
قال: وفعله صلى الله عليه وسلم ذلك خاص بن لما علم في ذلك الحكمة وحسن العاقبة.
ابن سحنون عنه: ومهادنة الإمام الطاغية بعد محاصرته إياه أو قبل؛ يوجب عمومها في جميع عمالتهما إلا أن يخصصاها.
قال: ولو صالحت سرية حصناً بعد حصاره، لصعوبة مدة بقائها بدار الحرب أو أربعة أشهر؛ لم يجز لسرية أخرى دخلت قتاله تلك المدة إن ثبت ذلك بعدلين، فإن قاتلته؛ ردت عليه ما أحذت منه، وديات قتلاهم على عواقل أهل السرية، ولو عرف كل قاتل ففي كون الدية على عاقلته فقط، أو على عواقل كل السرية قولا أشهب ومالك بناء على اعتبار فعل القاتل فقط أو عليه مع من قوي به.
والمؤقت صلحه بخروجها إن خرج أميرها ومن به منعتها حل قتاله لغيرها، ولو قتلت التي صالحت قبل خروجها أو من به منعتها؛ فصلح الحصن باق لقدرة بقائها لو لم تقتل، ولو قتل من ليس به منعتها، فهو باق لخروجها، ولو صالحتهم هذه السن عم صلحها سائر المسلمين، والسنة على حساب المسلمين، إنما لهم مابقي منها لآخر ذي الحجة، ولو لم يبق منها إلا شهر، ولو ادعوا أن الصلح على حسابهم قبل قولهم، لأنهم هم طلبوه، ولا تكون السنة من يوم الصلح لقولهم هذه السنة.
قُلتُ: تقدم في النذر خلاف هذا، وللخمي فيه اختيار تقدم.
قال سحنون: ولو قالوا على سنة عدت من أولها، قال: ولو أمنته سنة على ألا نقاتله، ولا تغير عليه، فهو أمانة منها فقط، ولو صالحتهم على مال، ولم توقت وقتاً؛ فهو أمان منها، ومن غيرها إلى خروجها إن جاءت سرية أخرى؛ لم يجز لها قتاله إلا أن ينبذ أهل الحصن عهده مطلقاً، أو بأخذ مال من هذه، فإن نبذته على هذا؛ فغنمته السرية لم يجز لها أخذ ما أعطته من الغنيمة، ولو عرفته بعينه.
قال: ولو أرسل إليهم الإمام من بلد الإسلام من صالحهم؛ فهو على التأييد بخلاف عقد السرية.
قُلتُ: لأن حكم الإمام عام، وحكم أمير السرية خاص بغزاته.
قال: ولو بعث الإمام ثلاث سرايا من ثلاث ثغور، فبعث أهل حصن لإحداها
مالاً على أن يؤمنوهم حتى يرجعوا من غزاتهم، فللآخرين قتاله ومنعه غيرنا.
ابن سحنون: لكل سرية حكمها كانفرادها بغنيمتها.
قال: ووافقنا على أنه لو كان بعد وقوف السرية عليه؛ كان خاصاً بها.
قُلتُ: هذا خلاف ما تقدم له أولاً.
عن سحنون: لو كان الخليفة في إحداها، والبعث له عم أمانه سائر عساكره
باب الجزية المعنوية
الجزية المعنوية: مالزم الكافر من مال لأمنه باستقراره تحت حكم الإسلام وصونه.
وقول ابن رُشد مايؤخذ من كافر على تأمينه غير منعكس بها بعد لزومها قبل أخذها، وغير مطر بما أخذ من مال على مجرد تأمين للحاق بدار الحرب، وحكمها الجواز المعروض للترجيح بالمصلحة وقد تتعينعند الإجابة إليها قبل القدرة وشرطا كونها لمن بمحل مقدور عليه؟
ابن رشد هي نوعان:
عنوية وهي التي توضع على المغلوب على بلده المقر فيها لعمارتها.
قٌلتٌ يريد: وكذا من أتانا ليستقر بها تحت حكمنا، وتضرب على أهل الكتاب اتفاقا، وفي غيرهم طرق.
ابن رشد: تضرب عليهم وعلى منجوس العجم لا على كفار قريش، ولا مرتد اتفاقاً فيها، وفي منعها في ق ريش لمنع إذلالهم بها لمكانهم منه (صلى الله عليه وسلم) أو لاسلامهم كلهم يوم الفتح، فكل كافر قرشي مرتد قولا بعضهم والقرويين، وفي كون مشركي العرب كأهل الكتاب وكفريش قولا ملك وابن وهب مع ابن حبيب قائلاً: إكراماًلهم، فعليه تؤخذ ممن ليس مجوسياً ولا عربياً.
وقيل: للتغليظ عليهم؛ لأنهم غير أهل المتاب، ولا مسنون بهم سنتهم.
قال: فعليه لا تؤخذ منهم.
ابن زرقون عن الباجي هن ابن وهب: تقبل من كل عجمي لا من العرب إلا من كتابي.
خلف أنكر سحنون قول ابن وهب: لا تقل من العرب.
اللخمي: في قبولها من عبدة الأوثان والمجوس، ثالثها: إلا مجوس العرب لمالك مع ابن القاسم قائلاً: تقبل من كل الأمم وابن الماجشون وابن وهب والأول أحسن.
ابن بشير: في أخذها من غير أهل الكتاب من عبدة الأوثان والمجوس الثلاثة، ففسر غير أهل الكتاب بهما، وظاهر تقبلهما: قريش كغيرها.
أبو عمر: لا خلاف في أخذا المجوس، وفي أخذها من مشركي العربوعبدة الأوثان والنيران غير المجوس قولا مالك وابن وهب.
قُلتُ: فالحاصل ثلاثة.
اللخمي: ونقل الباجي عن ابن وهب، وخامسها: إلا من قريش، وتقدم قولا ابن القاسم مع مالك وابن وهب في استرقاق العرب: إن سبوا، والأول نص جهادها وأخذ الثاني من عيوبها على ذكر حر مخالط لهم، لرواية ابن حبيب لا على واهب لا يقتل.
ابن حارث: اتفاقاً.
وفي سقوطها عمن كانت عليه بترهبة نقلا ابن رشد عن ابن القاسم مع زاه قول مالك ورواية الأخوين.
قلت: إنما عزا ابن حارث الأشهب.
وفي ضربها على معتق ثالثها، على معتق كافر، ورابعها: التوقف فيه للصقلي عن ابن حبيب وأشهب ولها رواية محمد.
قلت: عزا ابن حارث الثاني لرواية أشهب.
ابن رشد إنما هذا الخلاف فيمن أعتق ببلد تلإسلام، وأما ببلد الحرب، فهي عليه بكل حال.
وقدرها أربعة دنانير على أهل الذهب وأربعون درهماً على أهل الورق.
الباجي عن محمد عن مالك: أرى اسقاط ما فرضه عمر مع ذلك من أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام؛ لأنه لم يوف لهم، وهذا يدل أنها لازمة مع الوفاء، ونقله اللخمي بصيغة، لما أحدث عليهم من الجور.
قال: ولا أرى أن توضع عنهم اليوم بالمغرب، لأنه لا جور عليهم.
قلت: هل أن يكون وفاء غير عمر كوفائه؟
الشيخ عن سحنون: لا يؤخذ من أهل الذمة إلا عن طيب أنفسهم إلا الضيافة التي وضعها عمر.
قلت: ظاهره: إلزامهم الضيافة؟
وفيها: أبو خذ نصارى بني تغلب الصدقة مضافة؟
قال: ما سمعته ولو كان لعلمته.
التونسي: أراد أن يسمي مايؤخذ منهم صدقة لا جزية، ويضاعفون ذلك لتزول عنهم ذلة ضرب الجزية.
ابن رشد: كان عمر يفعله.
وفي أخذها من الفقير طرق:
اللخمي: فيه قولا ابن السم وابن الماجشون، وهو أحسن، ووجهة ابن بشير بالقياس على الزكاة.
ابن رشد: لا ينقص عن الفقير إن قوي عليها.
وروى ابن الجلاب: لا جزية على فقير.
ابن رشد: من ضعف عنها.
ظاهر قول ابن القاسم سقوطها.
وقيل: لا قدر ما يحمل
ابن القصار: ولا حد له.
وقيل: أقلها ريعها.
وعوا الصقلي الثاني لمحمد وأصبغ، وهو نقل الجلاب عن المذهب.
خلف عن أصبغ: يجفف عن من ضعف، فإن لم يجد طرح عنه، وإن احتاج أنفق عليه، وقاله عمر بن عبد العزيز.
قلت: إنما عزا الصقلي الاتفاق عليهم لعمر بن عبد العزيز.
زاد: ويسلقون من بيت المال.
ابن رشد: لا نص لمالك وأصحابه في زمن وجوبها، وظاهر المذهب والمدونة تؤخر العام، وهو القياس كالزكاة، ومثله للباجي.
قال ابن شاس: قال القاضي أبو الوليد: من اجتمعت عليه جوية سنين إن كان فر منها، أخذت منه لما مضى، وإن كان لعسرة؛ لم تؤخذ منه، ولم يكن في ذمته ما عجز عنه منها إذ الفقير لا جزية له.
قلت: إنما ذكر عن ابن القصار قال: من اجتمعت عليه جزية سنين.
قال الشافعي: لا تتداخل.
أبو حنيفة: تتداخل، فتؤخذ منه واحدة.
ابن القصار: إن فر منها، فالأول وإلا لم يبق في ذمتهما عجز عنه في ماضي السنين.
الباجي: هذا بناء على سقوطها عن الفقير، ولا تثبت لمدعيها إلآ ببينة، أو دليل لسماع سحنون ابن القاسم: إن أخذ يهودي بتجر مقبلين من أرض الشرك قالوا: نحن من جزيرة ملك الأندلس إن ثبن قولهم؛ تركوا وإلا فهم فيء، فإن ثبت وادعوا على
أخذهم أخذ المال؛ لم يجلفوا إن كانوا صالحين مأمومين.
ابن رشد: إنما كانوا فيئاً إن عجزوا عن البينة لدعواتهم مالا يشبه؛ لإقبالهم من بلاد الشرك، ولو ادعوا مايشبه لم يستباحوا، وأسقط اليمين عن المأمومين، لأنها دعوة عداء.
قلت: إن لم تؤخذ من ذمي سنة حتى أسلك؛ سقطت عنه لقول مالك: لو أسلم من هو دون ثلاث سنين على مال، فأعطوه سنة، قم أسلموا وضع عنهم مابقي.
مالك: من أسلم من أهل العنوة، وأنا بعد، فهو له، قاله مالك.
قلت: في كون أهل العنوة المقربين بأرضهم لعمارتها أحراراً أو عبيداً، مأذوناً لهم في المتجر.
سماع عيسى ابن القاسم: لا يحل لمسلم النزر إلى شعور نسائهم؛ لأنهن أحرار، ودية من قتل منهن خمسمائة دينار مع سماعه يحيى: ميراث من مات منهم لقرابته.
وقول ابن حبيب: من أسلم؛ فما له له.
وسماع سحنون ابن القاسم: من أسلم منهم؛ أخذ ماله، وبيعهم جائز، لأنهم مأذون لهم في المتجر لاهبتهم ولا صدقتهم، وأتقي تزويج نسائهم ولا أحرمه.
ابن رشد: قول محمد ما أفادوه بعد الفتح؛ فهو لهم غير مقيس؛ لأن إقرارهم إن كان عتقاً، فما بأيديهم، وإلا لم يكن إسلامهم عتقا، فلا تكون أموالهم لهم، ووجهة أنه جعل مابأيديهم كأرضهم، وهو خلاف قول ابن القاسم: من اشترى جارية من الخمس معها لم يستثنه عند الشراء، ولا يشبه كونه من قيابها ولباسها، فهو لجماعة المسلمين، فجعله للمبتاع بالاستثناء دليل أنه للعبد مالم ينتزع.
وقوله: دية من قتل منهن خمسمائة؛ يريد بحساب خمسمائة لأنها دية رجالهم ودية نسائهم نصفها، ولازم قول ابن حبيب جواز هبتهم وصدقتهم، وهو ظاهر صدقتها وهبتها، وأن لا يمنعوا من الوصية بجميع أموالهم إذا كان لهم وارث من أهليهم.
باب الجزية الصلحية
الجزية الصلحية: ما التزم كافر منع نفسه أداءه على إبقائه ببلده تحت حكم الإسلام حيث يجري عليه.
قلت: سمع عبد الملك ابن وهب: يجب كف قتال من أجاب إليها حيث يجري عليه حكم الإسلام.
ابن رشد: في قوله ابن حبيب وغيره: لا حد لها؛ نظ، والصحيح لاحد لأقل من يلزم أخل الحرب؛ لأنهم مالكوا أمرهم، ولأقل مايلزم الإمام قبوله، ويحرم به عليه فتنالهم حد هو قدر العنوية، وله قبول أقل منه، ولو كانوا أغنياء، فإن كانت مجملة عليهم، فمال كل منهم له يورث عنه.
وفي كون أرضه كذلك أو موقوفه للجزية، لاتباع ولا تورث ولا يملكها بإسلامه قولا ابن القاسم وابن حبيب، فإن كانت مفرقة على رقابهم، فالأول اتفاقاً وإن كانت على الرقاب والأرض مثل: (على كل رأس كذا)، و (على كل زيتونة كذا).و (على كل مبذر قفيز كذا) فمن أسلم؛ فله أرضه اتفاقاً.
وفي منع بيعها قبل إسلامه رواية ابن نافع فيها، وغيرها، وعليه في كون جزيتها على البائع أو على المشتري، ويسقط بإسلام البائع قولا ابن القاسم وأشهب فيها مع غيرها، فإن صولحوا على جزية مبهمة القدر، وجبت له الذمة، ولهم قدر العنوية.
قال: وزمن وجوبها ن وقعت مبهمة كالعنوية.
وقال بعض أصحابنا: الصحيح أخذها لأول الحول الحوا؛ لأنها عوض عن تأمينهم وقد حصل لهم فوجب أخذ عوضه كسائر المعاوضات ولظاهر قوله عز وجل:
} حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ {[التوبة: 29]، والأعطاء الأخذ لا لوجوب، وبالقياس على قول مالك يؤخذ من تجار الحربيين ماصولحوا عليه وإن لم يبيعوا.
ابن رشد: يرد الأول بأن التأمين أمر معلق باستمرار الزمان، قابل لعدم التمام بالنقض، فكان كمنفعة سكنى، فلا يجب عوضه إلا بتمام مدته.
والثاني: بأن المراد بالإعطاء اللزوم، وإلا لزم تعجيل العام الثاني، أو حمل اللفظ على قبض بعض، وإيجاب بعض، ولا يصلح ذلك في عقل عاقل.
والثالث: بأن عوض المأخوذ منهم تمكينهم من البيع لا البيع.
قلت: حاصل دليل رد الثاني امتناع حمل اللفظ على معنيين حقيقة أو مجازاً في أحدهما.
ابن رشد: ذو الجزية ولم يصلح أهل ذمة يحكم فيهم بحكم الإسلام، ويباع عليهم من أسلم من رقيقهم، ويؤخذ ما بأيديهم من أحرار المسلمين.
وسماع يحيى ابن القاسم: من صولح على الجزية؛ لهم كل مابأيديهم للمسلمين من مال وأسير ورقيق،
ولا ينبغي للإمام نزع شيء من ذلك، وكذا من صولح على هدنة، وقع على غير تحصل إنما ذلك فيمن صولح على هجنة، لأنهم غير أهل ذمة لعدم جري حكم الإسلام عليهم، والصحيح سماع سحنون ابن القاسم: يباع عليهم عبيدهم المسلمون، ويؤخذ ما بأيديهم من أحرار المسلمين بقيتهم من بيت المال.
قلت: لابن حارث: اتفقوا على أنه إن هودن أهل حصن لغير مدة، فألفي بأيديهم أسرى مسلمين،؛ انتزعوا منهم، وأعطوا فداءهم، ولو كان الصلح لمدة يسيرة، فقال سحنون: لا يعرض لهم.
قال سحنون: وعلى قول عبد الملك: اليسيرة كالكثيرة.
قلت: تقييده الصلح بيسير المدة يمنع حمله على صلح الجزية، فالحاصل في نزع أسرى المسلمين من أل صلح الجزية، العهد، ثالثهما: من أهل الصلح ولو طلب حربي نزل بعد المقام بضرب الجزية عليه، ففي قبوله وتخيير الامام في ذلك طريقان:
الشيخ: روى محمد: إن دخل إلينا بأمان حربي؛ فهو حر، وله المقام إن أسلم أو رضي بالجزية وإلا رجع، ونحوه قول اللخمي إثر ذكره أحكام الجزية ما نصه: كل هذا فيمن استبقي من أهل العنوة أو حربي قدم ليقيم ويكون ذمة.
ابن بشير: لو قدم حربي، فأراد أن يقيم على ضرب الجزية، فذلك إلى رأي الإمام وقول ابن عبد السلام بعد ذكره قول ابن الحاجب: (نظر السلطان) في هذا الفرع وشبهه، نظراً؛ لأن أهل الحرب إذا بذلوا الجزية بشرطها؛ حرم قتالهم، وهذا ينبغي أن يكون للإمام نظر يقتضي أن ماقاله ابن الحاجب هو المذهب وليس كذلك، لا اعرف من قاله إلا ابن بشير خلاف ما تقدم للشيخ واللخمي.
أسوة في أهل الذمة بالوفاء لهم بحكم الإسلام
الشيخ عن سحنون: تواترت الأحاديث بالنهي عن ظلمهم، ولا يتشبهون بالمسلمين في زيهم، ويؤدبون على ترك الزنانير.
ابن الحبيب: كتب عمر بن عبد العزيز: أن يختم في رقاب رجال أهل الجزية بالرصاص، ويظهروا مناطقهم، ويجزوا نواصيهم، ويركبوا على الأكف عرضا.
وروي «إذا لقيتموهم بطريق، فألجؤهم إلى أضيقها».
وقال عمر: «سموهم ولا تكنوهم، وأذلوهم ولا تظلموهم، ولا تبذؤوهم بالسلام».
ابن شاس: يمنعون ركوب الخيل والبغال النفيسة لا الحمير، ولا يركبون السروج، بل على الأكف عرضا.
وسمع ابن القاسم: أيكنون؟
قال: أكره أن يرفع بهم، ورخص فيه قبل ذلك.
ابن القاسم: أرجو خفته.
قال غيره: وقد قال صلى الله عليه وسلم لصفوان: "انزل أبا وهب".
قلت: لأنه كان من المؤلفة قلوبهم لاذمياً.
ابن حبيب: كتب عمر أن يقاموا من أسواقنا، وقاله مالك.
ويمنع الذميون الساكنون مع المسلمين إظها الخمر والخنزير، وحملهما إليهم من قرية إلى قرية، وتكسر إن ظهرنا عليها، ويضرب فاعل ذلك، ويؤدب السكران منهم، وإن أظنهروا صلبانهم في أعيادهم واستسقائهم؛ كسرت وأدبوا، وققاله مطرف وأصبغ.
زاد ابن شاس: ولا يرفعوا اصوات نواقيسهم، ولا صوتهم بالقراءة في حضرة المسلمين.
ولا يقر كافر، ولو بجزية في جزيرة العرب لاجلاء عمر منها كل كافر.
وروي الباجي: لا يمنعون منها مسافرين لدخولهم إياها أيام عمر بجلبهم الطعام من الشام إلى المدينة، وضرب لهم عمر ثلاثة أيام يستوفون، وينظرون في حوائجهم.
وفي إخراج عبيدهم كالأحرار نقلا اللخمي عن عيسى بن دينار وابن مزين.
وفي منتهى الجزيرة اختلاف.
اللخمي عن مالك: مكة والمدينة واليمن أرض العرب، وعزاه ابن شاس لرواية عيسى بن دينار.
اللخمي: وقال الطبري عن معمر بن المثنى: هي مابين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول، والعرض مابين رمل يبرين إلى منقطع السماوة.
وقال الأصمعي: هي مابين أقصى عدن إلى ريف العراق طولاً، ومن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام عرضا.
الطبري: الصواب أنها مما يلي العراق وما جزر عنه بحر البصرة من الأرض من حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن طولاً، وما جزر هذا البحر بحر البصرة من جدة
إلى أدنى أرض الشام، وإنما قيل لها: جزيرة لانقطاع ما كان فاءضا عليها من ماء البحر عنها، والجزء في كلام العرب القطع، ومنه سمي الجزار.
الباخي: قال مالك: قيل لها: جزيرة لإحاطة البحر والأنهار بها.
الباجي: يجلى الكفار منها، وإن لم يكن غدر منهم.
وأما في غيرها فسمع ابن القاسم: من كانت له عهود من كافر، وبان غدرهم أجلوا، وعندي أن ذلك إذا خيف منهم الميل لمجاورهم من حربي، فينتقلون إلى حيث يؤمن ذلك منهم.
والمذهب أخذ الذمي فيما قدم به غير افقه بالعشر.
ابن حارث وابت زرقون، وخصه ابن عبد الحكم بمكة والمدينة.
وفيها مع المواوية: تجه بانتقاله في أفقه لغو: في تعشير ما قدم به افقه من غيره نقل اللخميث روايتي المجموعة وابن عبد الحكم.
ابن سحنون عنه: لو باع مااشتراه من حيث أخذ منه العشر ببلد آخر غير بلده؛ أخذ عشرة، ومقتضى الروايات أن أفقه محل أخذ حزيته وعمالاته.
وفيها الشام والمدينة أفقان.
الشيخ: سمع القرينان، ماجلب من تيماء إلى المدينة عشر لا من وادي القرى إليها.
ابن عبدوس: روى ابن وهب: أن تجر عراقي بصري للكوفة لم يؤخذ بشيء، والشام والعراق ومصر آفاق.
ابن رشد والحجاز واليمن والأمدلس كلها أفق واحد.
الشيخ عن محمد عن ابن القاسم: إن أوطن مصري الشام، ثم قدم مصر بتجر؛ فلا شبء عليه، لأنها بلده التي صالح عليها، وفيما قدم به الشام العشر.
أصبغ: هذا إن لم تحول جزيته حيث انتقل، فإن حولت إليه، صارت كبلده.
وفي أخذه بعشر ما قدم به أو عوضه، ولو قدم بعين نقلا الشيخ عن ابن حبيب مع روايته عن مالك والمدنيين وابن القاسم.
قلت هو نصها والمشهور، وما عليهما لو رجع بما له بعينه، ففي أخذه به روايتان، ولو
قدم بإماء، ففي منعه منهن حتى يؤدي القولان.
وفيها: وعبده مثله فيما قدم به، وتكرر قدومه كأوله، وقليل ماله ككثيره.
ابن سحنون عنه: ماروي عن مالك في الكتابي بأعراض المدينة، يزرع إن كان يؤخذ منه الجزية، فلا شيء عليه، وإلا فعليه العشر إن بلغ خمسة أو ست رواية سوء لم نجزها، وعلى المشهور لو اشترى بعين قدم بها سلعاً؛ ففي أخذ عشر ثمنها أو عشرها أو غ\عشر قيمتها رابعها: لم لم تنقسم وخامسها: إن لم تنقسم أخذ تسع قيمتها لنقل الكافي واللخمي مع التونسي قائلاً: إن اخذ منه عن عشر السلع دراهم أخذ منه عشر السلع الواجبة عشرا ونصها وتأويلها.
الشيخ: وبعض شيوخ عبد الحق، وبعض شيوخ الصقلي قائلاً: هو الحق الذي لا شك فيه، لأن لنا عشر عين السلع، فإعطاؤه قيمته شراء منه سلعة ثانية؛ فلنا عشرها ويلزم فيه مالزم فيها إلى مالا نهاية له حتى يدق لما لا يعلمه إلا الله تعالى.
فيؤخذ منه التسع أول مرة.
قلت: تقريره، لو اشترى بكل ما قدم به عشرة أثواب لايستقل منها ثوب للعشر فيجب فيها فلإمام ثوب قيمة لا عيناً، فيدفع الذمي قيمته، فيضطر لبيعه منها ثوا يدفع لنا ثمنه ضرورة فرض شرائه إياها بكل ما قدم به، فتبقى بيده منها تسعة، فيطلب بعشر الثوب الذي وجب أخذه منه وابتاعه، فيضطر لبيع عشر ثوب آخر منها، ليدفع ثمنه عنه، فيبقى بيده منها سالماً بثمانية، وبيد الإمام من العشرة ثوب قيمة لا عيناً، والثوب الذي وجب عشرة يجب في عشره ما وجب فيه، وكذا في عشر عشرة حتى يدق لماذكر، فيخلص منه للذمي ثمانية أجزاء، وللإمام جزء، فمجموع الثياب انقسم قسمين، الأول: خلص منه للذمي ثمانية أجزاء وللإمام جزء، والقسم الثاني: وجب منه لهما كذلك، فوجب قسمه مرة واحدة على ثماني وواحد وهو المعنة بكونه اتساقاً.
ابن بشير: الزم التسع بما ذكر خيال بعيد، وتقويم العشر كشرائه سلعة بها عشر عليه إلا أن يؤدي قيمته من مال آخر قدم به فلقوله وجه.
قلت: لا وجه له، لأن حكم المال الآخر حكم الأول، وقد قال: إن ذلك في المال الأول خيال، فكذا في الثاني، وهذا هو الحق.
وقول ابن عبد السلام: منهم من أنكر الإلزام يرى أنه يلزم في التسع مالزم من اعشر لا أعرف قائله، ولا وجه للزوجة في التسع، إلا على بعد، وهو جعل وجوب التسع المذكر كالعشر، وليس كذلك، لأن وجوبه بالنص القاصر عليهن ووجوب التسع بالانتقال المذكور المتوصل به إلى أخذ العشر من كل ما اشتراه، وبالوصول للتسع يسقط طلب العشر من كل ما اشتراه.
الباجيك من قال بالقيمة مطلقاً قال: ولو كان مكبلاً أو موزوناً.
التونسي: لا عشر في عين مصنوع قدم به يصنعه بيده، لأنه شيء لم يشتره قلت: عزاه الشيخ لمحمد، وما صنعه بأجر.
قال التونسي: بشركة الإمام في المصنوع بعشر قيمة الصنعة إن لم يدفع قيمة عشرها عيناً.
اللخمي: إن قدم بما استأجر عى صنعه مكن من صنع تسعة أعشاره، وكلف الإمام الأجير بصنع مثل تسع مصنوع الذمي، فإن غفل حتى صنع جمعية أخذ بقيمة صنعة تسعة وعشر ذلك العشر.
قلت: لا وجه لمنعه صنع كل ماله وتكليفه صنع مثل تسع مصنوعة قضاء بالمثلعن ذوات القيم.
وقول ابن عبد السلام: أجازوا هنا القضاء بالمثل في ذوات القيم، لأن أخذ عشر سل اشتراها بما قدم به على المشهور قضاء بالمثل في ذوات القيم وهم؛ لأنه أخذ لعين ما وجب لاعوضه.
وقول اللخمي: الحق على قول ابن القاسم تكيفه صنع مثل عشر مصنوعة وهم، بل مثل تسعة؛ لأن الواجب لنا مثل تسع مايبقى بيده بعد أخذنا منه، وهو عشر مجموع ماقدم به، ومثل عشر مابيده أثل من ذلك؛ لأنه جزء من أجد عشر جزءاً مما قدم به.
قلت: للشيخ عن محمد: فيما قدم به من غزل استأجر على حياكته أو فضة استأجر على صوغها، أو ضربها عشر الأجرة.
قال محمد: وقال أشهب وابن القاسم: لا شي عليه، وله في الحربي خلافه.
الشيخ: في المجموعة: روى ابن نافع: إن تجروا بخمر ومايحرم؛ تركوا حتى
يبيعوه فيؤخذ عشر ثمنه، فإن خيفت خيانتهم؛ جعل معهم أمين.
ابن نافع: هذا إن جلبوه لأهل الذمة لا إلى أمصار المسلمين التي لا ذمة فيها.
ابن بشير: لا يجوز النزول بمثل هذا، ولا الوفاء لهم به ويهراق الخمرن وتعرقب الخنازير، فإن نزلوا على أن يقروا على ذلك، وهم بقرب نزولهم.
قيل لهم: ارجعوا، وإلا فعلنا ذلك.
وإن طال مكثهم، فعل ذلك وإن كرهوا.
وفي تعشير ثمن المنافع كالأعيان قولان للمشهور مع الشيخ عن ابن نافع، ورواية ابن عبدوس مع التونسي عن أشهب قائلاً: لأنها غلة.
فقال التونسي: انظر قد يقول أيضاً: لو قدم بغنم، فباع لبنها وزبدها وصوفها، لم يكن عليه في ثمنها شيء.
قلت: يرد بأن هذه أعيان قائمة، ولذلك في حكم الغصب اعتبار، وعلى الأول في تعشير كراء إ بله في غير أفقه منه إلى أفقه لا العكس أو العكس، ثالثها: يعشر مناسب مسافة غير أفقه من الكراء فيهما لابن القاسم وابن حبيب.
ونقل اللخمي: مخرجا على الأولين: ما أسلم به بغير أفقه، ليأخذه في أفقه وعكسه، ونحوه للتونسي.
وقول ابن عبد السلام: لم يقل أحد بأهذ عشر كرائه دوابه في بلادنا إذا كان ابتداء ابغاية وانتهاءها فيهان يرد بنقل الشيخ ما نصه في المجموعة، روي عن مالك في النصراني بكري إبله في بلد الإسلام: لا يؤخذ منه شيء.
قال ابن نافع: يؤخذ منه عشر الكراء كسلعة باعها، وبأنه إذا أخذ منه في كرائه من بلدنا إلى بلده، فأحرى من بلدنا إلى بعض نواحيه؛ لكن لو تكرر كراؤه دواب معينة كذلك، ففي سقوط تعشير ثاني كرائه نظر، والأظهر جريه على أصلي القولين في سقوط زكاة غلة أصل تجر ووجوبها.
ابن عبدوس وابن سحنون عنه: لو استحق ماشتراه أو رد بعيب؛ رد له عشرة.
قلت: يجري رده بعيب على كونه بيعا عند مثبته.
وفي سقوط عشر ما استغرفه دين مسلم ببينه نقل ابن عبدوس عن أشهب، وقول
التونسي، ولو كان لذمي عشر اتفاقاً.
قلت: ظاهره: لو أدان من مسلم ديناً، فابتاع به شيئاً عشر، وهو ظاهر على أصل ابن القاسم لا ابن حبيب.
وفي أخذ الذمي يقدم مكة أو المدينة بحنظة، أو زيت بنصف ع شره، أو به سماع القرينين مع رواية الجلاب، وأول روايتي ابن نافع، ونقل ابن رشد مع الشيخ أخراهما، وابي عمر رواية ابن عبد الحكم، وصرح ابن نافع بعدم أخذه بها.
وتعليل مالك أخذ عمر رضي الله عنه نصفه بالمدينة للحاجة إلى جلبهم، واليوم أغنى الله عنهم، ولفظ الموطأ في الكافي واللخمي: في الحنظة والويت، وفي الجلاب والشعير ولفظ الشماع، في الطعام، فاستثنى ابن رشد منه القطنية، ولفظ الرسالة: الطعام دون استثناء، ولفظ السماع والكافي: مكة والمدينة.
زاد في الرسالة: خاصة
ولفظ الجلاب: وقراهما.
ولفظ ابن رشد: وأعراضهما.
قلت: ولفظ المدونة: كثانية ابن نافع
باب الاستيمان
والاستيمان: هو المعاهدة: تأمين حربي ينزل لأمر ينصرف بانقضائه.
وفيه إن نزل بمال طريقان:
اللخمي: في أخذ عشره، أو مايراه الإمام، ثالثهما: إن نزل دون اتفاق لمالك وابن
القاسم وأشهب.
اللخمي: يريد: فإن فات ببيع، وهو أحسن إن لم تكن عادة، فإن لم يفت ولا عادة فما تراضوا عليه، وإن قل وأن نزل على دنانير، لم يمنع وطء إمائه، وعلى مقاسمتهم يمنع حتى تقسم، وإلا ففي كونه كالأول أو الثاني قولان لابن القاسم ومالك، واتفقا على منع رد ماله حتى يعشر.
وقال أشهب: له رده دون تعشير مالم يشترط عليه أولاً.
الصقلي عن محمد عن ابن القاسم: فيما يؤخذ منه كأشهب.
وعن اصبغ: إن عرف بالنزول قبل ذلك على العشر، ولم يقل له شيء حتى باه بم يزد عليه.
ابن رشد: في وجوب أخذ ماصولح عليه بنفس قدومهن أو حتى يبيع قولا ابن نافع مع ابن القاسم ومالك وأشهب مع ابن وهب، وعليهما منه رد ماله دون أخذ، ووطئه ماءة قبله، فعلى الأول أن نزل على مقدر نصاً أو عادة أو دونه، لزم ماقدر أو العشر اتفاقاً، وخلاف روايتي ابن القاسم وعلي فيها إنما هو في جواز إنزالهم على أقل من العشر، أو دون اتفاق، فيجب العشر ومنعه، وعلى الثاني إن أنزلوا دون اتفاق ولا عادة، ولم يبع، فكما لم ينزل، وإن باع تعين العشر.
وفيها: لابن القاسم وابن نافع: على الحربي فيما نزل به ما صولح عليه.
وروى علي: عليه العشر
قلت: هذا خلاف تفسير ابن رشد، وذكره قول ابن القاسم رواية.
وللشيخ عن ابن عبدوس عن ابن نافع: لا يؤخذ منه شيء حتى يبيع، فيؤخذ عشر ثمنه، وعن ابن سحنون عنه عن ابن القاسم: لابأس أن يجزئ الحربي رقيقه عشرةعشرة وعلى أن يختار الإمام من كل عشرة رأساً.
سمع القرينان: قيل لمالك: الرومي إذا قدم جعل رفيقه عشرات يبتدئ في عشرة باختيار الرأس، ثم يختار الأمير من التسعة الباقية رأساً، وفي العشرة الثانية يبتدئ بالخيار الأمير ثم الرومي، وفي العشرة الثلاثة كالأولى، وفي الرابعة كالثانية إلى آخره، وأنهم أحكموا ذلك.