المختصر الفقهي لابن عرفةصفحات 270-299

قُلتُ: ومن البين أن مسألتنا وهي بيع الغرماء لثمر الحائط مع استثناء مكيلة المشتري إنما هي كمسألة من باع من حائطه مكيلة ثم باع من آخر مكيلة لاشتراكهما في تبدئة المشتري فيهما على رب الحائط لا كالمسألة التي زعم الإجراء عليها.
فإن قلت: ما ذكرتموه أولًا يرد بما إذا كان التمر المبيع عن الحائط كثيرًا أكثر من الثلث أو غيره مقيد بكونه الثلث فأقل كان من الواضح منع بيع الحائط واستثناء هذا القدر فلا يكون محلًا للنظر بكونه عند قائله محلًا له يوجب كونه كالثلث فأقل.
قُلتُ: إنما ينتج هذا تقييده بكونه القلق فأقل لو انحصر موجب النظر فيما في بيعه مستثنى منه الثمر المبيع بوصف كونه مكيلًا ولا موجب لانحصاره فيه لجواز بيعه مستنثى منه الثمر المبيع، من حيث كونه جزء الحائط يكون خرصه ستين وسقا ومكيلة المشتري عشرون وسقا فمحل النظر هل يباع نصف الحائط أو ثلثاه لغلبة أمن الثمر لإرطابه أو لا يباع لاحتمال الجائحة المفوتة ما بقي بقدر جزء المشتري؟ وفيها: إن أسلم فيه بعد زهوة وشرط أخذ ذلك ثمرًا لم يجز لبعد ذلك وقلة أمن الجوائح فيه، وفي فوته بمجرد قبضه ولزوم فسخه قولا أَصْبَغ مع الشَّيخ ونقله رواية محمد وابن شبلون قائلًا: ليس كمن أسلم فيه وقد أرطب، وشرط أخذه تمرًا؛ لأن التمر من الإرطاب قريب ومن الزهو بعيد وصوب الصقلي الأول لقول مالك: إن أسلم في زرع قد أفرك وشرط أخذه إن فات مضى.
وصرح عياض بأن قول الشَّيخ فوته بقبضه قال، وقال غيره بالعقد، وعزا ابن رُشْد لسلمها الأول فسخه وإن قبض ما لم يفت بعد القبض.
وفيها: جواز السلم في كل رطب الفواكه كالرمان والقثاء والبطيخ كالحائط بعينه، وفي لبن غنم بعينها أو صوفها أو أقطها أو جبنها أو سمنها وكره أشهب السمن.
ابن محرز: منعه فيه، وفي الأقط.
التونسي: قال عنه محمد.
ابن محرز عن سَحنون: قوله هذا خير من قوله في الصناعات؛ يريد: بيع ثوب على أن يخيطه البائع أو جلدًا على أن يخرزه أو قمحًا على أن يطحنه، وأجازه ابن القاسم وأشهب لا من وجه خروجها غالبًا وكذا السمن والأقط عن ابن القاسم، ولسَحنون

إنما كره أشهب السمن؛ لأنه كالزيتون على أن على البائع عصره.
الشيخ: إنما يصح هذا التعليل لو أسلم إليه في كيل من اللبن على أن يخرج له بائعه منه سمناً أو أقطعا غير معلوم القدر، وهذه المسألة إنما أسلم إليه في سمن أو أقط معلوم.
الصقلي: إنما كرهه لبعده كاشتراط الزهو تمراً.
وفيها: ما ينقطع من الثمار في بعض السنة أسلم فيه في أي إبان شئت واشترط أخذه في إبان عبد الحق: عن بعض شيوخه، لو مات المسلم إليه قبل الإبان وقف قسم التركة إليه.
ابن رشد: إنما يوقف إن خفيف أن يستغرقها ما عليه من السلم، وإن قل السلم وكثرت التركة وقف قدر ما يرى أنه يفي بالسلم وقسم ما سواه إلا على رواية أشهب، أن القسم لا يجوز وعلى الميت دين وإن كان يسيراً عبد الحق عن بعض شيوخه إن كانت ديون منه لابقيمته لو أسلم فيه الآن على أن يقبض في إبانه.
زاد ابن رشد: إلا على قول سحنون ذو السلم المرجل يحاصص بقيمة سلمه إلى أجله لا بقيمته الآن حالاً.
عبد الحق عن بعض شيوخه: إن جاء الإبان، فكان غالياً فلا شيء له وإن كان أرخص فلا زيادة له على حقه.
الصقلي: ما طار له في الحصاص وقف ليشتري له في الإبان إن نقص عن حقه اتبع بباقية ذمة الميت وإن زاده فالزيادة لمستحقها من وارث أو ذي دين.
قلت: في تعليقه أبي عمران بعد ذكره ما تقدم من الحصاص.
وذكر الشيخ: أن أبا الحسن قال: توقف ما في ذمة الغريم إلى الإبان فعابه وأنكره الصقلي لو هلك كان من الميت؛ لأن له نماءه وحق هذا ليس عين ما وقف له.
ابن رشد: إن جاء الإبان وهو أغلى مما قوم به فلا رجوع له عليه على الغرماء، وإن كان أرخص فلا رجوع لهم عليه في الزائد ما بينه وبين جميع حقه، وما فضل عنه فهو لهم.
ابن عبد السلام: إنما لم يحكم في هذه المسألة بقول ابن القاسم فيما وقف للغريم من

مال المفلس لأن مسألة السلم لم يحل الأجل فيها؛ لأن الإبان لم يأت فلم يتمكن المشتري من حقه بوجه ولو حل الأجل كان كما وقف للغريم من مال المفلس.
قلت: الأجل حل بموته والأولى ان يقال: كون سبب الوقف أمراً خارجاً عن تسبب رب الدين بغيبته يمنع جزيها على ضمان ما وقف لرب دين على مفلس.
قلت: قال أبو عمران ما هلك في الوقف فهو ممن وقف له كقول ابن القاسم في كون العين من الغرماء قيل له: الغرماء ليس لهم إلا الموقف وهذا حقه في عرض يشتري له قال: هذا يؤدي إلى قول المغيرة العين من أصحابه والغرض ممن له العرض وهو خلاف المذهب.
وفيها: إن شرط أخذه في إبانه فانقطع قبل أخذ ما أسلم فيه قال مالك: يتأخر من له السلم لإبانه.
عياض: في لزوم التأخير لإبانه أو إن طلبه أحدهما، ثالثها: يخير المسلم في التأخير والمحاسبة، ورابعها: إن قبض أقله لزمت المحاسبة وإن قبض أكثره جاز له التأخير ولا وجه له وعكسه أقيس وأسعد بلفظ الكتاب، وخامسها: وجوب المحاسبة، وسادسها: هذا إلا أن يجتمعا على التأخير لسحنون مع أول قولي مالك، وثانيهما: وظاهر قول ابن القاسم فيها مع نصه في الموازية وفي عزو الثالث لابن القاسم أو لسحنون تأويلان ورواية الصقلي أو أشهب وأصبغ.
المازري: في لزوم التأخير أو المحاسبة أو إلا أن يرضيا المحاسبة أو التأخير، خامسها يخير المسلم، فأسقط من نقل عياض الثاني والرابع، وجعل الخامس وجوب التأخير إلا أن يجتمعا على المحاسبة، وتبعه ابن بشير، وزاد عن ابن القاسم إن قبض الأقل وجبت المحاسبة، وإن قبض الأكثر وجب التأخير على إعطاء المتبوعات حكم ما تبعها، وحكى اللخمي: قول أصبغ بزيادة سواء كان ذلك بمطل منه أو غيره.
وقول أشهب أحسن إن كان فوت الثمرة بجائحة، وإن كان بلد المطلوب، وقاله ابن حبيب إن هرب المسلم برأس المال او المسلم إليه فلم يقبض رأس المال حتى حل الأجل، فأرى أن يرفع المسلم إليه للحاكم الرطب فيحكم له ببراءته منه وببيعه للغائب إن خشى فساده

إلى حضوره.
قلت: ويؤيده قولها في المدين الحالف ليقضين فلاناً حقه إلى أجل كذا فيغيب الطالب ولا وكيل له فله الرفع إلى الإمام لأداء الحق الذي حلف عليه.
قلت: فمجموع الأقوال تسعة، ستة.
عياض: وما زاده المازري وما نقله ابن بشير عن ابن القاسم، واختيار اللخمي، وإن عد قولا قول عياض وعكسه أقيس وأسعد بلفظ الكتاب كان عاشراً، وفي عد مثل هذا قولا نظر، وربما مر بي في كلام ابن رشد ما عده يقتضي عده قولا.
الصقلي: قال أشهب: من غصب شيئاً فلم سجد مثله خير ربه في تأخيره لوجود مثله وتغريمه قيمته وهذا نحو ما تقدم لابن القاسم وينبغي على أصل أشهب أن يغرمه القيمة ولا يجوز تأخيره.
قلت: قد يفرق بأن خروج العوض من يد ربه في السلم باختياره فأمكنت تهمته، وفي الغضب بغير اختياره فبعدت.
قال ابن الحاجب: فلو اخره ححتى انقطع فالمشتري بالخيار في الفسخ والإبقاء.
قال ابن عبد السلام: يعني لو أخر المشتري قبض ما أسلم فيه لم يقبض منه شيئاً حتى انقطع إبانه خير في فسخ العقد والتربص لعام آخر، وهذا يظهر إن كان التأخير من منع البائع وهو بعيد من لفظ المؤلف، وإن كان التأخير من سبب المشتري وحده فلا وجه لتخييره؛ لأن تأخيره ظلم.
قلت: تفسيره هذا اللفظ بقوله: يعني لو أخر المشتري إلى آخر تعقبه يرد بأن التعقب إنما جاء من تفسير المرجوح، وهذا لأن فاعل أخر إنما هو ضمير عائد على البائع لا على المشتري كما قال زاعماً أن كون التأخير من البائع بعيد بل الأبعد ما فسره به من كونه عائداً على المشتري وهذا لأن الضمير الفاعل في آخره لو كان عائداً على المشتري لما قال: فالمشتري بالخيار، بل كان يقول: فهو بالخيار فعدوله عن ذلك قرينة تهدي المنصف إلى عود الضمير على البائع ولهذا تلقاه ابن هارون بالقبول، والمسألة جارية على مسألة تأخير الضحايا المسلم فيها لوقتها عنها، سمع القرينان في كتاب الضحايا من أسلم إليه في ضحايا ليأتي بها للأضحى فلم

يأت بها إلا بعد ذلك، أو في قطائف للشتاء فيأتي بها للصيف، والقمح ليأتي به في إبان يغلو فيه فيأتي به بعد ذلك على المشتري قبول ذلك ليس كالمكري للحج يأتي بعد إبانه.
ابن رشد: إنما فرق الحج وغيره؛ لأن منفعته مخصوصة بأيام معينة، ومنفعة الضحايا أثمانها وقد يحصل في غير إبانها، وروى مطرف: إن أتاه بها قرب الأضحى بعد اليوم واليومين لزمته وإن أتى بها بعد الأيام الكثيرة لم تلزمه وهو جار على الخلاف، في السلم ينعقد على النقد فيتأخر إلى حلول الأجل بهروب المسلم وهو عرض على ما في المدونة أو عين على ما حكى ابن حبيب فعلى قولها بلزوم السلم يأتي قوله بلزوم الضحايا.
وعلى نقل ابن حبيب عن ابن القاسم وهو قول ابن وهب ان المسلم إليه بالخيار إن كان الهارب المسلم لكون المسلم إليه فالخيار وفي مسألة الضحايا إذا لم يأته بها إلا بعد الأضحى بكثير، وفي إلزامه إياها بالقرب دون البعد نظر لكساد اللحم قرب أيام الأضحى لكثرته بايدي الناس من ضحاياهم.
اللخمي: لو مطل بالأضحية لعام قابل أو بالفاكهة لو قت إبانها لم يجبر على قبولها على قول أشهب وأصبغ، ويختلف على قول ابن القاسم هل يجبر على قبولها كعيب ذهب، واختلف فيمن أكترى سفينة فدخل عليه الشتاء فلم يتفاسخا حتى عاد إبان السفر وهذا مثله.
وفي تهذيب أبي سعيد: وأم القرى الصغار أو قرى ينقطع طعامها أو ثمرها في بعض السنة فلا يصلح من السلف في ثمرها إلا ما يجوز في حائط بعينه وقد ذكرناه.
عبد الحق: في تعقيبه هذا يقتضي إنها في كل الوجوه كالحائط بعينه، وليس في الأم تشبيهها بالحائط بعينه، ولفظ الأم لا يصلح أن يسلف في هذه إلا أن يسلف في ثمرها إذا أزهى ويشترط أخذه رطباً أو بسراً لا تمراً لأنه ليس فيها بمأمون، فإنما أخبر أن هذا ليس بمأمون ولم يشبهها بالحائط بعينه.
وقال بعض شيوخنا القرويين: السلف في القرية الصغيرة حكمه حكم الحائط بعينه في وجهين: أنه لا يسلم في ثمره إلا بعد زهوه.

وفي شرط أخذه بسراً او رطباً: ولا يجوز شرط أخذه تمراً وتخالفه في وجهين: في أنه يجوز ان يسلم فيها إلى من ليس له في القرية حائط؛ لأنه مضمون عليه.
وفي انه لا يجوز تأخير رأس المال.
ورأيت لبعض الاندلسيين منع السلم فيها لمن ليس له ملك فيها.
قلت: ولفظ أبي سعيد فيها كلفظ مختصر ابن أبي زيد وما عزاه لبعض الاندلسيين عزاه الصقلي لابن أبي زمنين وابن محرز قال: وهو خلاف قول أبي محمد.
ابن زرقون: وعليه تأول التونسي المدونة.
عياض: ظاهرها: انه لا سلف فيها لمن لا ملك له فيها لقولها: لا يسلم فيها بعد الزهو.
قال بعض الشيوخ: فلو جاز لمن لا ملك له فيها لما شرط طيب الثمرة؛ إذ لا يشترط طيبها إلا في المعين، وقاله فضل وابن أبي زمنين وابن محرز.
وقال بعضهم: يجوز: لمن لا ملك له فيها إن كان شأن أهلها بيع ثمارهم ووجود ما اشترى غالباً بيعه، ولو استغرق السلم ثمار القرية او لما جرت العادة ببيعه منها لم يجز وإليه نحى الشيخ.
قال ابن محرز: لم يختلفوا في وجوب تقديم رأس المال: قال أبو محمد: لأنه مضمون وهذا على أصله، وعلى قول من يراه كالحائط بعينه يجريه مجراه في تقديم النقد وتأخيره ذكره عبد الحق عن أبي عمران، وقال: تقديم النقد احوط وإلا فحقيقته أنه كالحائط في كل أحواله، وكر عبد الحق عن بعض الشيوخ انها توافق الحائط بعينه في وجهين ويخالفه في وجهين، فانظر هذا مع القول الأول انه إذا أسلم لمن لا ملك له فيها جاز اشتراط اخذه تمراً لوجود ذلك على الصفة عند الأجل وفيه نظر، ولو كان كما قال: لم يكن بينهما وبين المأمونة فرق، ولو انقطع ثمرها قبل استيفاء ما أسلم فيه ففي وجوب المحاسبة وجواز التأخير قولان، ولو أجيحت لزم التأخير.
وفيها: لا بأس بالسلم في طعام قرية بعينها او ثمرها أو حبها في إبانه وقبله

ويشترط أخذه في إبانه إن كانت مأمونة كمصر وخيبر، ووادي القرى لمن ليس له في شيء من ذلك ملك، والسلم في حديد معدن بعينه كالقرية بعينها في أمنه وقلة أمنه.
وشرطه بكونه لأجل معلوم ومعروف المذهب.
الباجي: هو ظاهر المذهب وفي أقله اضطراب.
الباجي: روى ابن عبد الحكم وابن وهب يجوز إلى يومين زاد ابن عبد الحكم أو يوم.
القاضي: أخذ منه بعض أصحابنا السلم الحال، وقال بعضهم: الأجل شرط في السلم اتفاقا وإنما الخلاف في قدره.
المازري: إلى الأول أشار التونسي ولا يحسن لإمكان كون غجازته لأجل قريب لدخوله في عموم قوله صلى الله عليه وسلم إلى أجل معلوم.
قلت: في حد أقله مأخوذاً ببلد عقده بمجرد ما تختلف فيه الأسواق او بيوم أو يومين أو خمسة.
خامسها خمسة عشر، وسادسها شهر لقول مالك فيها ورواية ابن عبد الحكم وروايته مع ابن وهب وسماع عيسى ابن القاسم حين قال له: لو كان سلم البغال في الحمير لأجل قريب لا تهمة فيه قال: لو كان لأجل قريب الخمسة الأيام وشبهها لم أر به بأساً وقوله فيها، والمازري عن بعض الشافعية عن مالك واستبعده الباجي عن القاضي تغير الأسواق لا يختص بمدة إنما هو بحسب عرف البلاد ومن قدره بخمسة عشر يوماً أو اكثر قدره بعرف بلده.
الصقلي: عن أصبغ: إن وقع إلى يومين لم يفسخ؛ لأنه ليس بحرام ولا مكروه بين.
محمد: يفسخ أحب إلينا.
اللخمي: لابن وهب: السلم إلى يومين احب إلي من بعيد الأجل، وقال أصبغ: إن وقع فسخ وأراه فاسداً.
قلت: هذا خلاف نقل الصقلي عنه، وحمل ابن رشد سماع عيسى على ظاهره،

وقال: هو خلاف مشهور قوله.
ونقل غير واحد عن ابن بشير أنه قال في كتابه المسمى بالأنوار البديعة: يمكن أن يكون غرضه بالخمسة الأيام التحرز من سلم الشيء فيما يخرج منه أو لم يقصد الجواب عن الأجل.
وفي سلمها الثالث: إن أسلمت إلى رجل في طعام ببلد على أن تأخذه ببلد آخر مسافته ثلاثة أيام جاز لاختلاف سعريهما بخلاف البلد الواحد، صور المازري: المسألة بأن المسافة ما بين البلدين اليوم الواحد.
وذكر المتيطي عن بعض الموثقين: إن كان بلد القضاء كاليوم ونحوه فهو كالبلد الواحد لا يجوز إلا بأجل تختلف فيه الأسواق.
قلت: هو نقل ابن فتوح عن المذهب ومقتضى لفظ المدونة اعتبار ما هو مظنة لاختلاف سعريهما فكما اعتبر هذه المظنة في الزمان اعتبرها في المكان.
وفي لغو شرط تسمية الأجل فيه وافتقاره إليها أو إلى شرط الخروج عاجلاً قولا الموازية وابن أبي زمنين.
الصقلي: هذا أحسن.
اللخمي: لو لم يسميا أجلا ففي صحته ويجبر المدين على الخروج أو التوكيل عليه، وفساده قولان، وفساده أحسن.
قال: وسمع ابن القاسم سئل مالك عن قوم يقدمون من أرياف مصر على مسيرة يوم يبيعون لمن بالفسطاط طعاماً مضموناً يوفونه بالريف لا يضربون له أجلاً، قال: أذلك حال قال: نعم، قال: لا بأس به ولم يجعله على الجواز ولا على الحلول لمجرد العقد، وإلى هذا ذهب فضل إلى أن الدنانير والعروض سواء، فهو فاسد كذا وجدته في غير نسخة متصلاً بقوله: لا بأس به ولم يجعله إلى قوله فاسد.
وقال المازري، بعد إشارته غلى القولين، وأشار بعض شيوخنا لقول ثالث وهو كون السلم لا يحمل الخروج فيه على الفور او على التراخي وتعلق بما روي عن مالك لما سئل عن قوم من الريف يأخذون الدنانير على طعام يقضونه بالريف وبينه وبين موضع العقد مسافة قريبة فقال: أحال له فقيل نعم، فأجازه، وهذا لا يعد ثالثاً؛ لأنه إن

كان العقد محتملاً للتراخي والفور صار لأجل مجهول فيفسد كما لو شرط تأخير الخروج لأجل مجهول.
قلت: قوله: أشار إلى قول ثالث وهم إنما أشار إلى تقوية ما اختاره من القول بالفساد، ولذا قال آخر قوله فهو فاسد، وما ذكره اللخمي عن سماع ابن القاسم لم أجده بحال إنما فيه ما نصه، وسئل عن من سلف في طعام مضمون إلى أجل وشرط المشتري على البائع حمله من الريف إلى الفسطاط وإنما كان اشتراه منه على أن يوفيه إياه بالريف قال: ما أرى بهذا بأسا.
ابن رشد: لأنه بيع وإجارة أسلم إليه في الطعام على أن يوفيه بالريف واستأجره على حمله منه للفسطاط في صفقة واحدة.
وقول الباجي على اعتبار ما تختلف فيه الأسواق يجب أن يختلف رأس السلم باختلاف السلع إذ منها ما يكثر بغير أسواقه، ومنها ما يندر كالدر والياقوت، يرد بان الحكم المعلق على مظنة حكمه لا يختلف لندور حصول الحكمة كمسافة القصر بالنسبة غلى عموم الناس وأقلهم ذوي الترفه الذين لا يلحقهم بهذا القدر مشقة.
ابن بشير: لما حد ابن القاسم الأجل بخمسة عشر يوماً.
قال القاضي: هذا يجري على عوائد البلاد يختلف الأمر فيه باختلافهما، فظنه الباجي خلافاً، وليس كذلك ما قاله ابن القاسم شهادة بعادة، وما قاله القاضي تفسير.
قلت: ظاهره: أن الباجي صرح بكونه خلافا وليس كذلك، قال إثر قوله في مسألة الدر والياقوت: قال القاضي: تغير الأسواق لا يختص بمدة من الزمان إنما هو بحسب عرف البلاد، من قدر ذلك بخمسة عشر يوماً او أكثر غنما قدره على عرف بلده.
قلت: وهذا كالنص في جعله قول ابن القاسم وفاقا لقول من يخص كل موضع بعرفه.
قال ابن بشير: ظن اللخمي ان في المذهب قولين: أحدهما: أن مسافة ما بين البلدين تكفي عن الأجل.
والثاني: لابد من ذكره وليس كما ظنه بل لا خلاف في المذهب.
وللمسألة صورتان: إن كان السلم يحل بوصول البلد فلا حاجة للاجل، وإن كان يطول قدر زمن

الحلول فلا بد من ذكر الاجل.
قلت: ما نسبه للخمي لم يختص به؛ بل قاله المازري وغيره.
الباجي: ويجب على المسلم إليه الخروج لمحل القضاء متى بقى بينه وبينه قدر المسافة، فإن أبى أجبر على الخروج او توكيل من يقضي عنه.
ومن متأخري أصحابنا من قال: لا يكفي توكيله حتى يضمن الوكيل المسلم فيه خوف عزله فيبطل سفر المسلم، ويجوز عندي ان يقال: ليس له عزله لتعلق حق المسلم بوكالته كالوكيل على بيع الرهن، وعلى الخصومة بعد تقييد المقالات، وقال ابن بشير: ذكر الباجي عن بعض العراقيين انه يشترط في هذا أن لا يعزله، ورأى الباجي أن هذا لا يحتاج إليه؛ لأنه تعلق بالوكالة حق فليس له عزله، وإنما ينبغي ان يقال في هذا: ليس له عزله جملة ولكن له أن يستبدله إن لم يكن في ذلك مضرة على الطالب.
قلت: الذي في المنتقى وذكره ابن زرقون والمتبطي إنما هو شرط الضمان لا شرط عدم العزل، وشتان ما بينهما شرط عدم العزل يستقل به الموكل وشرط الضمان موقوف على التزامه الوكيل.
وفي سلمها الثالث: وإن أسلمت في طعام لأجل على أن تقبضه بإفريقية جاز، وليس لك اخذه بعد الأجل إلا بإفريقية.
عياض: انظر قوله إفريقية قال فضل: معناه سمى منها موضعاً وإلا لم يجز كمسألة مصر.
وقول الباجي يجب عليه الخروج متى بقي بينه وبينه قدر المسافة، ظاهره انه يجبر على الخروج قبل حلول الأجل ومثله قال اللخمي.
وقال ابن بشير: إذا حل الأجل امر بالخروج وهو أصوب لقولها: إن أبى الذي عليه الطعاك أن يخرج لما حل الأجل أو بعد حلوله أجبر، ومثله في كتاب الغرور منها.
اللخمي: وتقرر العادة بوقت قبض السلم تغني عن ذكره عادة وقت قبض سلم الزيت وقت عصره، وذلك شهر ينير، وفي الحبوب الخصاد، قال: والسلم في الشيء لمن هو من أهل حرفته جائز على الحلول.
قلت: ويخالف السلم أيضا في عدم وجوب نقد رأس المال في كتاب التجارة لأرض الحرب منها، وقد كان الناس يتبايعون اللحم بسعر معلوم يأخذ كل يوم شيئاً

معلومًا ويشرع في الأخذ ويتأخر الثمن إلى العطاء وكذا كل ما يبتاع في الأسواق ويسمي ما يأخذ كل يوم وكان العطاء مأمونا ولم يره دينا بدين، وتقدم أخذ التونسي السلم الحال مطلقا من جوازه ليومين وأخذه غير واحد من إجازتها البيع مرابحة، والثمن عرض وهو أبين من أخذه بعضهم من الشفعة والثمن كذلك؛ لأن بيع المرابحة بيع اتفاقا والأخذ بالشفعة يشبه الاستحقاق.
المتيطي: روى أبو تمام جوازه حالا، وفي المرابحة ما يدل عليه.
قلت: وفي شراء الغائب منها: من له عرض دين فباعه، من رجل جاز ظاهره وإن حل وهو نفس السلم الحال، وأصرح منه قول هباتها، وكل دين لك من عين او عرض فلك بيعه من غير غريمك قبل محله او بعد بثمن معجل.
الباجي عن القاضي: رواية ابن عبد الحكم جوازه ليوم، رواية بجوازه حالا كقول الشافعي.
ومنهم من قال: الأجل شرط قولاً واحداً؛ إنما اختلف الرواية في قدره، وقول الباجي يصح تعيينه بالحصاد والجذاذ وخروج العطاء غن كان معروفا لا يختلف وكذا قدوم الحاج.
وتقدم شيء من هذا في بيوع الآجال.
الباجي: ويبين الأجل فيه وفي البياعات فيقول إلى أول شهر كذا أو آخره وإن قال: إلى شهر كذا حل بأول ليلة منه.
المتيطي: الصواب تأجيله بقولنا في أول الشهر من عام كذا وإن قال إلى شهر كذا احتمل ان يكون إلى آخره لقوله تعالى" (إِلَى الْمَرَافِقِ) [المائدة:6]، قال ابن القاسم: المرفق داخل في الغسل، وقال ابن نافع: لا يدخل لقوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) [البقرة:187]، فدليل قوله أن يحكم عليه بدفع السلم أول الشهر، وقال بعض الموثقين: بدخول يوم منه يلزمه القضاء.
ابن شاش: لو قال: إلى ثلاثة أشهر حسبت بالأهلة إلا أن يكون الشهر الأول انكسر في الابتداء فيكمل ثلاثين من الشهر الرابع.
قلت: هو نصها في أكرية الدور وفي تلفيق كسر اليوم اختلاف وكذا في قصر المعدود على تسعة وعشرين يوما تقدم في الأيمان وقوله في شهر كذا قال الباجي عن ابن

العطار: هو ضعيف وليس باجل محدود يكره فإن نزل مضى ويدفع ما بين اول الشهر، وىخره وفي هذا القول نظر.
ابن زرقون عن ابن لبابة: هو أجل مجهول.
ولمالك في المبسوط: هو أجل معلوم، ومحل الأجل في وسط الشهر او وسط السنة إن قال: في سنة كذا كالبيع غلى الجداد والحصاد.
ابن عات: لابن مغيث في وثائقه عن ابن لبابة: أنه يحكم له بالشهر كله قال: وهو اقيس، لقول مالك في المدونة: من حلف ليقضين فلانا حقه في شهر كذا فقضاه في آخره بر.
قال ابن الحاجب: وفي رمضان بآخره وقيل: إن كان آجلا يغتفر معه الشهر.
قلت: لم يعز ابن عبد السلام القول الثاني وعزاه ابن هارون للباجي وهو وهم إنما قال الباجي إثر قول ابن العطار: (وفي هذا القول نظر) فقط.
ولابن بشير في التهذيب إثر قول الباجي نظر ولا شك إن كان هذا القدر إن نسب للأجل اثر في الثمن نقصا او زيادة في فسخ السلم، وإن لم يؤثر فيه ذلك لقلته بالنسبة لبعد الأجل صح قول ابن العطار، فظن ابن هارون ان هذا من كلام الباجي وليس كذلك.
ولما ذكر ابن عبد السلام قول ابن العطار قال: إن قلت: هل في مسألة الحالف ليقضين فلانا حقه في شهر كذا دليل عليه؟ قلت: لا؛ لأن الأجل في الأيمان لا ينافي التوسعة بخلاف البيع؛ لأنه لو قال: لأقضينك في هذا العاك في أي شهر أردت أنا أو أردت أنت جاز ولو كان في البيع فسد.
قلت: ظاهره انه لم يقف على احتجاج ابن مغيث بمسألة المدونة وعزاه ابن عبد الغفور لغير واحد، وفي رده الشيخ بما ذكر نظر، يتضح بتقرير القياس وبيان ضعفه، فنقول أجمعوا على مساواة زمن البر الموجب تأخير الفعل االمحلوف على إيقاعه عنه الحنث لزمن وجوب الحق المؤجل في قوله: لأقضينك حقك يوم كذا واشتريت منك هذه السلعة بثمن كذا على دفعه يوم كذا فيجب استواؤها في قوله: في شهر كذا، ولما كان زمن البر المذكور هو آخر يوم من الشهر وجب كونه كذلك في البيع عملاً بوجوب

المساواة السالمة عن ملزوميتها الغرور الموجب فساد البيع، والصورة التي زعم النقض بها غير واردة، على هذا القياس، المذكور؛ لأن المثبت بالقياس المذكور المساواة في مسمى الوقت فيهما وهي حاصلة في صورة النقض، ولكن المساواة اقتضت في صورة النقض فساد البيع لملزوميتها الغرر، وذلك غير قادح في قياس المساواة حسبما بيناه في البحث معه في مسألة الأمة تعتق أثناء الصلاة ونحو هذا قياس الفقهاء إبطال نفي الإرث في طلاق المريض على قاتل مورثه بجامع التعدي المثبت الحكم بمعاملته بنقيض مقصوده وإن كان حكم الأصل عدم الإرث وحكم الفرع نقيضه؛ لأن المثبت بالقياس نفس الحكم بالمعاملة بنقيض المقصود ومقتضاها في الأصل نفي الإرث وفي الفرع ثبوته وكذا المساواة في صورة النزاع اقتضت الصحة وفي صورة النقض اقتضت الفساد فكما لا يكون ذلك مانعا من صحة القياس لم يكن موجبا للتخلف في الصورة التي زعم النقض بها والصورة المدعي كونها نقضا إنما تكون نقضا إذا اشتملت على تخلف الحكم المثبت بالقياس، وفي لفظ صدر الشهر اختلاف.
ابن سهل: سألت عنه.
ابن القطان، فقال: الثلثان والنصف لسماع ابن القاسم في الحلف على قضاء صدر الحق، قال: الصدر: الثلثان، ولو كان النصف كان قولا، والثلثان احب إلي وسألت ابن مالك فقال يتقى في اليمين: الحنث، والصدر في العقد أقل من ذلك وهو الأشبه عندي إلا أن يكون ثلث الشهر او ما قرب منه.
وروى ابن حبيب: من حلف ليقضين غريمه لأجل كذا بر بإرضائه بقضائه صدرا مثل الثلث، ورواه ابن وهب وقاله ابن القاسم وغيره من أصحاب مالك لم أعلمهم اختلفوا فيه، فقد أطلق الصدر على الثلث.
قلت: وتقدمت في الأيمان وفي شرط محل القضاء طريقان: المتيطي: تعيينه مستحسن.
وقال ابن حارث: إن لم يذكر فسد السلم اتفاقا.
الباجي عن القاضي: الأفضل ذكره لرفع النزاع.
في الموازية: لا يضر عدم ذكره وإطلاق العقد يقتضي كونه ببلد العقد.

وسمع عيسى ابن القاسم: القضاء حيث قبض الدراهم فيختمل أن يريد موضع النقد ويحتمل ان يريد بلده وجعله سحنون كالحمل للحطب ونحوه يلزم إيصاله لمنزل المبتاع، ومن شروطه: علم قدرالمسلم فيه بمعياره العادي.
في ثاني سلمها: لا يجوز ابتياع طعام معين أو سلم موصوف بقدح معلوم أو قصعة ويفسخ غن نزل وكرهه أشهب ولم يفسخه.
ابن حارث: لابن عبد الحكم عن أشهب: يجوز بمكيال مجهول حجراً وغيره، وكرهه في المدونة.
اللخمي: وعلى قوله: يؤخذ المكيال المجهول فيعرف قدره من المعلوم ويكتب في وثيقة الدين خوف تلفه.
الباجي: كون طريق معرفة القدر بالكيل أو الوزن او العدد هو بحسب العرف في البيع ولا يتقرر في الثياب إلا بالذرع طولا وعرضا، فإن شرط ذراع رجل بعينه جاز، قال ابن القاسم في المدونة: فإن خفيف أو تغيب أخذ قدر ذراعه وإن لم يعينا ذراع رجل بعينه فقال في سماع أصبغ يحملان على ذراع وسط، أصبغ هذا استحسان، والقياس الفسخ ولو كان بالبلد ذراع معين جرى عرف البايع به كراع الرشاش بقرطبة وجب الحمل عليه عند الإطلاق.
وقال ابن رشد في مسألة سماع أصبغ: هي مثل قوله في المدونة خلاف قول ابن حبيب: لا يجوز السلم على ذراع رجل بعينه، قال: ويكفي أن يسميا الذراع فقط فإن اختلفا لزم الوسط هذا إن لم يكن القاضي جعل ذراعا لتبايع الناس فغن نصبه وجب الحكم به ولو يجز اشتراط رجل بعينه، كما لا يجوز ترك المكيال المعروف لمكيال مجهول، وإن لم ينصب للناس ذراع معين، ففي كون الوسط كذراع منصوب فيجوز على ذراع بعينه أو على وسط كشراء الطعام بمكيال مجهول حيث لا مكيال قولا ابن حبيب وابن القاسم، فيها: وفي سلمها الثامي أيجوز السلم في ثياب بذراع رجل بعينه؟ قال: قال مالك: لا بأس ببيع ويبه وحفنة إن أراه الحفنة، لأنها تختلف فأرى الذراع بهذه المنزلة وليأخذا قيسه فيكون عندهما.
قلت: لا يلزم من لغو غرر في تابع يسير لغوه في مقصود.

الصقلي عن بعضهم: لو دفن الرجل قبل أخذ قيس ذراعه واختلفا في قدره قرب العقد تحالفا وتفاسخا، وعند حلوله القول قول المسلم إليه إن أتى بما يشبه وإلا حملا على ذراع وسط.
ابن محرز: إن اتفقا على جعل قيسه بيد عدل فذلك وإلا أخذ كل منهما قيسه عنده، ولو كثرت الحفنات، ففي منعها نقلا عياض عن الأكثر من سحنون وعن أبي عمران عن ظاهر الموازية، وفي شرط رؤية الحفنة قولان لظاهرها، ونقل الصقلي عن ابن أبي زمنين عن ابن القاسم، إن وقع دونها لم يفسخ وقضى بحفنة عامة، وفي حجها الثالث والحفنة ملء يد واحدة.
وفي سلمها الثاني: ويشترط إذا أسلم في لحم وزنا معروفا وإن اشترط تحريا معروفا جاز لجواز بيع اللحم بعضه ببعض تحريا.
عياض: عن ابن أبي زمنين وغيره معناه أن يقول: أسلمك في لحم يكون قدره عشرة أرطال، وقال ابن زرب: معناه أن يعرض عليه قدرا فيقول: آخذ منك قدر هذا؟ قلت: وعلى الأول تعقب قياسها بأن إدراك الصواب بتحري موجود مشار إليه في الحس أقرب من إدراكه بالإشارة إليه في الذهب موصوفا.
الباجي: الأظهر انه لا يجوز تحريا إلا لتعذر الموازين وهو مع إمكانها خطر.
وفي سلمها الثاني: إنما يجوز الشراء بقدح او قصعة بموضع ليس فيه مكيال معروف كالأعراب يشترى منهم العلف والتبن والخبط.
اللخمي: هذا في الطارئ عليهم وما بينهم هو المكيال المعروف بينهم ولو كان مع الطارئ مكيال الحاضرة لم يجز أن يبايعوه به وكذا البادي يقدم الحاضرة يجوز أن يبتاع بمكيالها وإن لم يعلم قدره.
المتيطي عن أبي عمران: إنما خص ابن القاسم الخبط والتبن والعلف لأنه غالب على ما بأسواق الأعراب، وكذلك عنده الطعام حيث يتعذر فيه المكيال، وذكر عنه محمد أن ذلك في الطعام اليسير ولا أدري وجهه.
قلت: لأنه المضطر إليه غالبا.
وفي سلمها الأول: يسلم في الرمان عددا إذا وصف قدر الرمانة وكذا التفاح

والسفرجل، وفي الجوز عددا وكيلا إن عرف فيه، ولا يسلم في البيض إلا عددا ولا في الصوف إلا وزنا لا على عدد جزز.
الباجي عن ابن حبيب: يسلم في الرمان والسفرجل عددا وكيلا لا وزنا، ويذكر مقداره والعدد فيما عظم أظهر وكذا البطيخ والقثاء والخيار والموز والكمثرى ورؤوس الغنم واختلف في الجوز قول مالك وابن القاسم وابن حبيب، كاختلافهم في الرمان وصغير الفاكهة كعيون البقر والمشمش والزعرور والمضاع يتأتى فيه الكيل والوزن والأحمال، والمعتب عرف كل بلد.
ابن حبيب: وما ييبس ويدخر كاللوز والبندق وقلوب الصنوبر إنما يسلم فيه كيلا لا عددا.
الباجي: لمشقة عدده ومن شروطه: وصفه بما يندرج تحته ما لا تختلف فيه الأغراض بمعتبر عادة فما تختلف فيه الأغراض لا عادة لغو، وما اقتضى العرف ثبوته مغتفر عدم ذكره.
فيها: من أسلم في ثمر ولم يذكر برنيا، من صيحاني ولا جنسا من الثمر او ذكر الجنس، ولم يذكر جودة أو رداءة فالسلم فاسد حتى يذكر الجنس والصفة وإن أسلم في حنطة بمصر ولم يذكر جنسا قضى بمحمولة، وإن كان بالشام قضى بسمراء ولا بد من ذكر الصفة وإن اجتمع في الحجاز حيث تجتمع السمراء المحمولة ولم يسم جنسا فسد السلم.
الصقلي عن محمد: روى ابن القاسم إن لم يسم بمصر سمراء من بيضاء لم يجز وقاله ابن عبد الحكم وهو أحب إلينا وقال أصبغ: هو جائز، وقول ابن حبيب ما يجلب غليه جنسان فلابد من ذكر احدهما، وما ينبتان فيه لا يلزمه ذكره فيه لا وجه له.
ابن عبد الرحمن: لا يفتقر لذكر جديد من قديم؛ لأن الرواية لزوم قبول قديم لمن شرط جديدا فإنه لا يختلف عندنا بإفريقية، وهو مختلف عندنا بصقلية فلا بد من ذكره.
قلت: والذي شاهدته في أنباء هذا القرن الثامن وعلمته تواترا عن أوله والقرن السامع اختلاف الجديد مع القديم.
ونقل ابن فتوح عن المذهب كابن عبد الرحمن إلا أنه قال: يستحسن ذكر كونه

جديدًا أو من عام أو من عامين.
المتيطي عن ابن أبي زمنين: لا يضر عدم ذكر كون القمح جديدا أو قديماً، وقال عبد الملك عن بعض شيوخه كذا جاءت الرواية، وقال بعض الموثقين: لا بد من ذكر من ربع أي عام هو؛ لأن منه ما يجعل في المطمر، وفي الأهراء وفي الغرف.
الصقلي عن ابن حبيب: ويذكر في الزيت مع صفته بانه جيد أو وسط او رديء كونه زيت الماء، أو المعصرة وفي لزوم ذكر جنسه من الزيتون نقلا المتيطي عن ابن العطار مع ابن لبابة، وابن أبي زمنين مع موسى بن أحمد المعروف بالوتد محتجا بأنه لو لزم ذلك في الزيت لزم في الدقيق.
قال المتيطي: وقاله ابن العطار في الدقيق، وانتقد قوله في الزيت ابن الفخار وقال لا نعلم أن مالكا او أحدا من أصحابه قاله غنما قاله بعض الموثقين من غير رواية الباجي، في وثائقه عن بعضهم يفتقر لذكر جنس الزيت في بد لا تختلط فيه أجناسه في العصر، وحيث يخلط فلا، ويوصف الخل بكونه خل عنب او عسل والصفاء والنقاء والجودة.
قلت: حاصل أقوالهم وصف كل نوع تختلف أصنافه بما يعين الصنف المسلم فيه دون غيره.
المتيطي: إن اقتصر على قوله من قمح طيب فسد هذا القول المعمول به.
قال فضل: ولابن حبيب إجازته قال: والطيب بمقام الجيد.
قال ابن القاسم في الواضحة: لا يجزئ قوله جيد او وسط حتى يقول أبيض أو سمراء مع الجودة والنقاء، وخالفه أصحاب مالك وقالوا إذا قال جيد أجزأ.
قال أبو عمران: قول ابن القاسم هذا خلاف المدونة.
قلت: انظر قبول المتيطي قوله: إنه خلاف المدونة فإن أراد من حيث لزوم ذكر أبيضاء أو سمراء فليس كذلك، وإن أراد من حيث ذكره النقاء فحسن.
قال ابن فتوح: إن ذكر في وصف الشعير النقاء فحسن وإن سكت، لم يضره؛ لأن الجيد يجمع الطبيب والنقاء والوسط يعرف في الجودة والنقاء.
الباجي عن ابن حبيب: إن اخل بذكر النقاء في الحنطة وذكر الجودة أو الرداءة

أو التوسط لم يفسده.
قال الباجي: وليس عليه وصف التمر بالنقاء؛ لأنه لا غلث فيه ولا وصفه بأن لا حشف فيه؛ لأنه عيب.
المتيطي: عن ابن العطار: لا يجزئ قوله جيد حتى يقول غاية الجودة.
قال: وإن قال في القمح: طيب، ولم يقل: غاية الطيب فسد السلم، وأنكره الباجي، وقال: يلزم في وصف الثوب برقة او غلظ أن يقول غاية الرقة أو الغلظ.
قال: وشرطه هذا أقرب إلى الفساد.
وقال أبو عمر في كافيه: كره بعض اهل العلم شرط غاية الطيب في شيء من الأشياء لتعذر ذلك.
وفي سلمها الثاني: إن شرط في سلم في ثوب حرير طوله وعرضه دون وزنه جاز إن وصفه، ووصف صفاته او خفته وإن شرط صفة ثوب اراه فحسن، وإلا فالصفة تجري ولا أعرف في صفة الثوب جيدا ولا في الحيوان، فأراها غنما السلم فيهما على الصفة.
الصقلي: أنكر سحنون قول ابن القاسم في ثوب الحرير جاز.
قلت: لم يذكر موجب إنكاره فلعله عدم شرط وزنه، والصواب قول ابن القاسم بل شرط وزنه مع صفة ما شرط من صفاقة أو خفة متناف والنوازل تسهد لهذا.
وقوله: (إن شرط صفة ثواب أراه إياه فحسن).
قال الباجي: السلم على مثال، منعه ابن القاسم في الموازية، وأصبغ وأجازه في المدونة في الثوب وجوازه في المثلي أولى.
ابن بشير: الخلاف في السلم على المثال خلاف في حال إن قصدت كل صفات المثال منع لأنه يؤدي إلى إعواز الوجود وإن قصدت صفاته العامة جاز، وقوله: (لا أعرف جيدا ولا فارها) يريد: الاقتصار على أحدهما دون ذكر النوع وما يجب اعتباره من الصفات فيهما.
ابن فتوح: وغيره يصف الرقيق بالسن واللون والقد ولون الشعر، وحال سبوطته او جعودته وصفة العين بالشهلة او الزرقة أو الكحل، والأنف بالقنى أو الشمم، أو

الفطس أو الخنس وسائر الصفات المذكورة في بابها.
ابن شاس وغيره: ويذكر جنسه فيقول: رومي او تركي وغير ذلك من الأجناس.
قلت: وهو قولها في الرد بالعيب إذا ابتاعه على جنس فبان خلافه وكذا البكارة والثيوبة، وفي قول ابن شاس: إن اختلف الثمن لذلك اختلافا مقصودا نظر لوضوح اختلاف الأعراض فيهما.
وفيها: لا بأس بالسلم في الشحم واللحم إذا شرطا شحما معروفا، ولحما معروفا والجنس من ضأن ومعز ونحوه.
الصقلي عن محمد: قيل لابن القاسم: أيحتاج لذكر كونه من فخذ او يد او جنب؟ قال: لا، إنما يقوله أهل العراق وهو باطل غنما يسمي السمانة، وقاله مالك؛ أصبغ؛ وذكر وسط من السمانة يكفي.
محمد: إن اشترط سمينا ولم يحد السمانة جاز، وذكر اللخمي قول ابن القاسم في عدم شرط ذكر كونه من فخذ ونحوه، وقال: أرى أن يسمى ذلك فإن لم يفعل قضى من المقدم، والمؤخر، ويجب ذكر كونه من جذع أو غيره وذكر أو أنثى وخصي او فحل والتسمية في الرؤوس آكد منها في اللحم؛ لأنه لا سلم فيها بوزن فتسمية الصغير فيها من الكبير فيها آكد محمد عن ابن القاسم إن قضاه مع ذلك بطونا فلم يقبلها قال: أيكون لحم بلا بطون؟ قيل: ما قدره قال: (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) [الطلاق:3] البطن من الشاة كأنه يقول على قدر البطن من الشاة.
قال: وهذه اشياء عرف الناس وجهها.
اللخمي: يحمل قوله: أيكون لحم بلا بطون على أن ذلك عادة عندهم ولا يقضى به اليوم؛ لأن الشأن بيع البطون وحدها وما تعذر فيه بعض شروطه امتنع فيه.
فيها: لا يسلم في تراب المعادن لأن صفته لا تعرف، وجائز بيعه يد بيد؛ لأنها حجارة تعرف والمذهب منعه في الربع معادن الحديد وغيره مما يحتاج غي إخراج المقصود منه إلى عمل والمنصوص المعروف منعه في الربع؛ لأنه إن وصف بما يجب فيما تختلف الأغراض لأجله عادة تعين لذكر موضعه الشخصي فبطل تعلقه بالذمة، وإن لم يوصف بذلك صار مجهولا.

وقال اللخمي: لأنه إن عين موضعه صار غير مقدور على الوفاء به، وهذه الملازمة غير صادقة لنقضها بما هو في ملكه ولما ذكر الصقلي قولها يجوز السلم في القصيل والبقول على جزر او أحمال معلومة ولا يجوز ان يشترط من ذلك، فدادين معروفة بصفة طول وعرض وجودة او رداءة، ذكر عن محمد قال أشهب: ذلك جائز كله ومن لم يجزه؛ لأن الجيد منه يختلف والوسط منه يختلف لزمه في الحبوب.
الصقلي: قول أشهب هذا خلاف قول شوخنا المتأخرين، إن السلم في الربع والأرضين والحوائط لا يصلح؛ لأنه يؤدس إلى السلم في شيء معين وبيع ماليس عندك.
الزري المشهور عندنا منع السلم في العقار، وحاول بعض الأشياخ أن يضيف إلى المذهب جوازه في العقار ويجعل المذهب على قولين، وذكر ما تقدم للصقلي من إلزامه ذلك ثم قال: وهذا تعسف في التأويل، وأجاب بما حاصله أن إجازة أشهب السلم في القصيل على فدادين معلومة لا يلزم منه تعيين الموضع الشخص إذا لا أثر له في المبيع، غنما أثره في علم قدر من المشتري من القصيل بمجموع قدر مسافته وصفاقته وخفته.
قلت: وما أشار إليه من رده عليه بهذا صواب، وحقه ان لا يقول المشهور منعه في العقار؛ لأنه يدل على وجود القول بجوازه نصا شذوذا، وغنما هو إلزام بين كونه تعسفا.
اللخمي: ويجوز في عدد شجر لقبض بغير أرض، وكذا في البناء بغير أرض، إذا وصف وأمكن الوفاء بهما عند حلول الأجل والمذهب جوازه في جواري الوطء، ومال اللخمي او صرح بمنعه فيها لزعمه تعذر حصول المقصود هنا بالوصف، وضعف دليل المذهب على جوازه.
وفيها: يجوز السلم في اللؤلؤ وفي المكاتب منها إن كاتبه على لؤلؤ غير موصوف لم يجز لتفاوت الإحاطة بصفته.
عياض: أشار بعضهم إلى مناقضته بقوله في السلم وليس بشيء؛ لأن السلم يقدر على حصر صفته بذكر جنسه وعدده، وقدر كل حبة وصفتها، وفي الكتابة وقع مبهما ولشدة تفاوته بقدر إدراك الوسط منه.

باب ما يلزم فيه قضاء المسلم فيه من الجانبين

قصاؤه لحلوله بصفته، وقدره لازم من الجانبين مع يسر المدين، وبأقل قدرا فقط من صنفه، والقبض من المدين جائز.

باب حسن الاقتضاء والقضاء

حسن قضاء وعكسه حسن اقتضاء، وكذا في صفتي الرداءة والجودة مع اتحاد القدر ومنع أقل قدرا وأجود صفة واضح وعكسه اختلف فيه في سلمها الثالث من أخذ من مائة سمراء حل أجلها خمسين منها ثم حطه بعد ذلك بغير شرط جاز وكذا في خمسين سمراء من مائة محمولة.
وتعقب ابن عبد السلام أخذ الأدنى في الطعام بأنه غير ما في الذمة والإلزام قبوله وكونه غيره يوجب كونه بيع طعام قبل قبضه يرد بمنع إيجاب مطلق كونه غير ما في

الذمة كونه بيعًا؛ لأن كونه أدنى ككونه أقل في القدر إعطاء للجزء المعقول حكم الجزء المحسوس فيما لا خصوصية فيه لأحد العوضين عن الآخر، بل المغاير بالدناءة أقرب بكونه نفس ما في الذمة لجواز مبادلة أدنى بأجود ومنعه في أقل بأكثر.
اللخمي: أخذ خمسين محمولة عن مائة سمراء، أجازه ابن القاسم مرة لأنها أدنى صفة ومنعه مرة لإمكان أن يرغب فيها في بعض الأوقات والأول قول أشهب.
قُلتُ: لم يحك الباجي إلا المنع، وعزاه لرواية قلت: لابن القاسم في كتاب الصرف يجوز أخذ تبر أدنى أقل قدرًا من تبر لك أجود، ولا يجوز ذلك في محمولة عن سمراء، وأجازه أشهب وفرق ابن القاسم بقوله التبر عند الناس نوع واحد والسمراء والمحمولة متباعد ما بينهما، وعزا ابن حارث لسَحنون قول أشهب.
وفيها لو أخذ الخمسين محمولة عن خمسين سمراء ثم حطه الباقي جاز.
الباجي: أجاز ابن القاسم ما هو أشد قال من له مائة محمولة على رجل فأخذ منه بعد الأجل خمسين سمراء، ثم رهنه الباقي دون شرط جاز وهذه أشد تهمة.
ابن الحاجب: قضاؤه بجنسه بعد أجله بأجود يجب.
ابن هارون: نحوه حكى أبو الطاهر وابن شاس، وفيه نظر لأنه لا يلزمه قبول منته.
ابن عبد السلام: كنقل المؤلف قال غير واحد من المتأخرين: إنه يجب قبول الأجود وهو بعيد عن أصول المذهب لأنه معروف لا يلزم قبوله.
قُلتُ: ما نقله ابن هارون عن أبي الطاهر لم أجده فيه لا في ذكره الاقتضاء في كتاب الصرف ولا في كتاب السلم، وفيما ذكراه عن ظاهر المذهب نظر بل ظاهر قولها من اشترى جارية على جنس فوجد أجود منه لزمه كنقل ابن شاس لأن مسألة المدَوَّنة عامة في البيع والسلم، والأظهر إن دفعه المسلم إليه على وجه التفضل لم يلزم قبوله، وإن دفعه لدفعه عن نفسه مشقة تعويضه بمثل ما شرط لزم قبوله.
وفي سلمها الثاني، منع أخذ محمولة من سمراء بعد الأجل من الكفيل بخلاف الغريم لأنه منه بدل، ومن الكفيل بيع إذ لا يرجع بما أدى، وفيها مع اغيرها قضاؤه بصفته وقدره قبل الأجل جائز، ولا يجب قبوله وأجود مساويًا أو أقل أو أكثر وأدنى كذلك لا يجوز لأنه ترك

ضمان بعوض، وتقدم نقل اللخمي جواز ضع وتعجل.
وقال ابن زرقون في ترجمة (ما جاء في الربا في الدين)، تأمل ما حكاه اللخمي إن ابن القاسم يجيز التعجيل بالوضيعة فأراه وهمًا.
وفي سلمها الثاني إن أسلمت إلى رجل في ثوب موصوف فزدته بعد الأجل دراهم على أن يعطيك ثوبًا أطول منه في صفته من صنفه أو من غيره جاز معجلًا، ولا يجوز أخذ أدنى مع بعض الثمن إن كان لا يعرف بعينه، وغاب عليه، ولو كان يعرف بعينه جاز، وتعقبه بعضهم بأن رد العين لا ينافي السلف فيدخله ما يدخل فيما لا يعرف بعينه من علة دخول البيع فيما اقتضى والسلف فيما رد من رأس المال، ويجاب بأن العلة تهمة البيع والسلف لا حقيقته، والتهمة فيما لا يعرف بعينه واضحة لإمكان التصرف فيما قبض ورد مثله وامتناعه فيما يعرف بعينه تضعفها.
وفيها إن أسلمت لرجل في ثياب فزدته قبل الأجل دراهم نقدًا على أن زادك في طولها جاز لأنهما صفقتان، ولو كانت صفقة واحدة ما جاز كما لو دفعت له غزلًا ينسجه ستة في ثلاثة ثم زدته دراهم، وغزلًا على أن يزيدك في طول أو عرض جاز، وهما صفقتان.
الصقلي عن سَحنون: لا يجوز في السلم وأخاف كونه دينًا بدين.
اللخمي: الأول أصوب إن كانت تلك الزيادة لا يرتفع لها ثمن الأول، وإن كان ذلك مما يرتفع له ثمن الأول لم يجز.
قُلتُ: ما خافه سَحنون مردود بقول ابن القاسم لأنهما صفقتان، أن الصفقة الأولى باقية لثبوتها السالم عن تحقق منافيها، والمعاملة الثانية صفقة ثانية لتعلقها بغير متعلق الأولى، والقولان بناء على أن الشيء من حيث كونه وحده ليس بمخالف له من حيث كونه مع غيره أو هو مخالف له.
فإن قلت: قولها: في كتاب الأيمان بالطلاق من قال لامرأة: إن تزوجتك فأنت طالق، ثم قال لها مع نساء معها: إن تزوجتكن فأنتن طوالق، فإن نكحها لزمته طلقتان، يقتضي أن الشيء من حيث كونه وحده مخالف له من حيث كونه مع غيره، وإلا كان المعلق عليه فيهما واحدًا ولو كان واحدا لم يلزمه إلا طلقة واحدة، وهذه المخالفة ألغاها

في مسألة السلم في قول ابن القاسم، وقد يجاب بأن مخالفة الشيء من حيث انفراده لنفسه من حيث كونه مع غيره إنما هو باعتبار ذاته في نفسه لا باعتبار المقصود منه وتعلق الأغراض به، والمعتبر في تعدد الطلاق الأول لأنه يتغير بمطلق مغايرة ما علق عليه ولو بأمر عقلي، والحيثيتان توجبان التغاير العقلي، وهو قول ابن التلمساني في شرح المعالم وغيره الشيء في نفسه ليس كهو مع غيره.
والمعتبر في البيع التغاير الثاني لأن البياعات مبنية على الأغراض، والقصود، ولذا تختلف أثمان المبيع في وقتين مع اتحاد ذاته فيهما، وتتفق أثمان المختلفات في ذاتها، ولذا اعتبر اللخمي تغير ثمن الأول بالزيادة، وعدم تغيره، ومما يدل على لغو الاعتبار الأول في البيع أنه يجوز في المرابحة لمن اشترى مكيلًا أو موزونا بقيت له منه بقية أن يبيعها دون بيان قاله الصقلي وهو ظاهر المدَوَّنة، ولم يذكروا فيه خلافًا عن سَحنون ولا عن غيره فتأمله، ولابن عبد السلام فيها كلام حاصله: التمسك بما قررنا به قول سَحنون من وجوب التغاير بالحيثيتين.
الباجي: إن زاد على أن يزيده في الصفاقة والطول ففي الموازيَّة لا يجوز لأنه نقله لصفة أخرى.
ابن زرقون: ولا يجوز على أن يزيده في العرض.
قُلتُ: إن أراد مع الزيادة في الصفاقة فصواب وإن أراد دونها، ففيه نظر، وظاهر ما تقدم من لفظ المدَوَّنة في طول أو عرض جاز جوازه، والحق إن كان الثوب للتفصيل فزيادة العرض كالطول وإلا لم يجز لأنه يصير العرض صفة فيه.
وفيها: إن أسلمت في ثوب فزدته بعد الأجل دراهم على أن يعطيك ثوبًا أطول منه في صفته أو من غير صفته جاز إن تعجلت ذلك.
ابن محرز في غير صنفه إن كان مما يجوز أن يسلم فيه رأس المال.
اللخمي: معناه أن الثوب المأخوذ معين وإلا دخله السلم الحال.
قُلتُ: وفسخ في الدين ولذا قال عبد الحق: إنما شرط تعجيل الثوب لئلا يدخله بيع وسلف، إن كان من صنف المسلم فيه، وفسخ الدين في الدين إن كان من غير صنفه.

قُلتُ: تخصيصه دخول البيع والسلف بما إذا كان من صنفه إنما هو على ما تقدم في المسألة الأولى من أصل ابن القاسم، وأما على أصل سَحنون فيدخله فسخ الدين في الدين.
ابن شاس: إن زاده بعد الأجل دراهم على أن أعطاه أزيد في الثوب طولًا أو عرضًا جاز إن عجل الدراهم، قال في الكتاب لأنهما صفقتان، كما لو دفعت إليه غزلًا ينسجه ثوبًا ثم زدته في الأجر على أن يزيدك في طول أو عرض، وأنكره سَحنون ورآه دينًا بدين وأجازه في الإجارة لأنه شيء بعينه، والسلم مضمون.
قُلتُ: وتبعه ابن الحاجب وكلاهما واهم لأن قوله في «المدَوَّنة» لأنهما صفقتان إنما قاله فيما إذا كان ذلك قبل الأجل حسبما تقدم.

باب في جواز اقتضاء غير جنس ما أسلم فيه

واقتضاء غير جنس ما أسلم فيه ضبط ابن محرز: جوازه بصحة بيعه قبل قبضه، قال: فيمنع وهو طعام وبصحة بيعه المقتضي فيمنع ورأس المال ذهب، والمقتضى عن غير الطعام فضة والعكس، قال ولو كان رأس المال دنانير في عروض فأخذ عنها أقل من رأس ماله جاز، واتقاه عبد العزيز ومنع ابن القاسم هذا في الطعام أن يأخذ عن ثمن مائة إردب سمراء خمسين مثلها، وقال: أخاف أن تكون الخمسين ثمنًا للمائة، وأجازه في العروض وعللوه بأن الطعام يدخله التفاضل والضمان معًا، وفي العروض الضمان فقط، وفي الدنانير التفاضل فقط، ولما ذكر ابن بشير هذا في كتاب الصرف قال: والقولان في الطعام لما اجتمع فيه علتان.
وفي كتاب الآجال منها قال مالك: لمن باع طعامًا بثمن لأجل أن يشتري بمثل الثمن قدر ما باع منه من الطعام.
ابن محرز ظاهره منع شراء أقل منه كقول ابن القاسم في مسألة السلم: أخاف أن تكون المائة ثمنًا للخمسين وأجازه أكثر المذاكرين وفرقوا بأن البيعة الثانية في مسألة الآجال غير متعلقة بالبيعة الأولى، بخلاف مسألة السلم، ويصح هذا الفرق أنه لو اشترى منه شعيرًا أو قمحًا غير الجنس الذي باع منه جاز، ولا يجوز أن يأخذ ذلك

قضاء عن ثمن الطعام قال: ولو اقتضى ذلك قبل الأجل اشترط مع ذلك صحة سلم المقتضى في المسلم فيه فيمنع أخذ سلت والمسلم فيه قمح قال وأولى من هذا أن يعتبر صحة قرضه فيه ولذا لا يحتاج إلى اعتبار كون ما بقي من الأجل أنه كأجل السلم لأن محل القضاء في هذا الموضع محل القرض، ولو أسلم عرضا في حيوان اقتضى عنه عرضا يصح أن يسلم فيه جاز، وينبغي فيه اعتبار مقدار ما مر من أجل السلم فإن كان مثل أجل السلم جاز وإلا فلا لاعتبارهم صحة سلم رأس المال فيما اقتضى إلا أن الأجل في السلم لعمرى لا يبلغ مبلغ الربا في القوة وهو مما ينظر فيه ابن بشير في رعي أن يمر بين عقد السلم والاقتضاء مقدار أجل السلم طريقان للأشياخ وكذا يختلف ف 6 ي رعي بقاء أجله من وقت الاقتضاء لحلول أجل السلم.
ولزوم اقتضائه بحلوله: ابن بشير في التهذيب: حكى ابن محرز عن الأشياخ أنه إن عجل المسلم إليه قضاء السلم قبل أجله بيومين لزمه قبوله لأن الأسواق لا تتغير في هذا القدر ولا تختلف فيه الأغراض.
قُلتُ: إنما حكاه ابن محرلاز في السلم الثاني رواية لأشهب وهو خلاف نصها في السلم الثاني إن أتاك من لك عليه طعام من سلم به قبل الأجل لم يجبر على أخذه وفي القرض يجبر عليه.
وفي شرط محل القضاء طريقان: المتيطي تعيينه مستحسن.
ابن الحارث: إن لم يذكر، فسد السلم اتفاقًا.
الباجي عن القاضي: الأفضل ذكره، لرفع النزاع، وفي الموازيَّة: لا يضر عدم ذكره وإطلاق العقد يقتضي كونه ببلد العقد وسمع عيسى ابن القاسم القضاء حيث قبض الدراهم فيحتمل أن يريد موضع النقد، ويحتمل أن يريد بلده، وجعله سَحنون كالحمل للحطب يلزمه إيصاله لمنزل المبتاع.
وفي سلمها الثاني لابن القاسم من أسلم في طعام على أن يقبضه بمصر لم يجز حتى يسمى الموضع منها لأنها ما بين البحر إلى أسوان.
الصقلي: بخلاف كراء دابة إليها ذلك جائز وينزله بالفسطاط لأنه العرف عندهم ولا عرف لهم في القضاء.

قُلتُ: هو نصها في الرواحل والدواب.
وفيها: إن عينا الفسطاط جاز ويتعين سوق المسلم فيه فإن لم يكن له سوق فحيث ما قضاه منها لزمه.
الصقلي عن سَحنون: يلزمه في منزله ولو كان له سوق.
التونسي: وهو الحكم اليوم لأنه العرف.
قُلتُ: وكذا هو في وقتنا وما قبله في وقت شُيُوخنا.
ابن بشير: إن شرط موضعًا معينًا ففي أي موضع يقضيه فيه وقعت ثلاث روايات: سوق المسلم فيه.
الثانية: موضع العقد.
الثالثة: جميع نواحي البلد.
وليس هو بخلاف إنما هو نظر للعوائد.
ابن بشير: إن أتى المسلم المسلم إليه في غير البلد المشترط فيه القضاء، والدين عين، فالقول قول من طلب القضاء منهما، فإن كان عرضا له حمل لم يجبر من أباه منهما وإن لم يكن له حمل كالجوهر، ففي كونه كالعين قولان وهما خلاف في حال إن كان الأمن في الطريق فهو كالعين وإلا فكالعرض، وينبغي في الخوف أن يكون العين كالعرض، وللصقلي في بيوع الآجال عن أشهب: إن تقارب سعر الموضعين فيما خف حمله والبلد بعيد جدًّا فله أخذه بحقه في موضعه، وغن كان على غير ذلك لم يجبر إلا أن يطوع به فيجبر رب الحق على قبوله لأنه بموضعهما أغلى.
اللخمي: لأشهب في الموازيَّة ما يؤخذ منه إن اتحد سعر البلدين أو هو بالبلد الذي لقيه أرخص جبر المسلم إليه على القضاء.
وفيها: إن شرط قبض الطعام بالفسطاط لم يجز أن يقبضه بغيرها ويأخذ كراء المسافة لأن البلدان كالآجال فكأنك بعته قبل قبضه أو أسقطت عنه الضمان على مال تعجلته فإن وقع رد الكراء، ومثل الطعام بموضع قبض إن فات وأتبعته بطعامك بالفسطاط.
ابن محرز عن ابن الكاتب ولو لم يعطه الكراء أشبه أن لا يجوز لأنه ازداد حمله لغير البلد الذي شرطه ألا ترى إن قرض الطعام لا يجوز شرط قبضه في غير بلد قرض، ويؤكد المنع اختلاف الأسعار كما لو دفع غير الصنف، وزيادة.

ابن محرز: وفي الموازيَّة والواضحة جواز قضاء مثل ما له عليه بغير البلد إذا حل أجله وإن لم يحل لم يجز والنظر يوجب أن لا فرق بين الحلول وعدمه.
وفي النوادر وغيرها: قال يحيى بن عمر عن أَصْبَغ: قضاء مثل ما في الذمة من طعام بيع أو قرض بغير البلد وقد حل أجله جائز، ولا يجوز أدنى ولا أجود وقبل حلوله لا يجوز بحال، ولو كان مثل ما في الذمة، وقاله ابن القاسم في الموازيَّة في الطعام والعرض، قال: ويدخل في أخذ المثل ما يدخل في أخذ أدنى أو أرفع، وأجاز سَحنون أخذ المثل ولو قبل الأجل.
ابن عبدوس: هذا أجود والقياس أن لا يجوز بغير البلد على حال ونحوه لابن زرقون في آخر ترجمة جامع الدين والحول.
قُلتُ: ففي جواز اقتضاء المثل بغير البلد ثالثها: إن حل لسَحنون وابن الكاتب مع قول ابن عبدوس هو القياس، وأَصْبَغ مع ابن القاسم وغير المثل لا يجوز بحال.
والمنع لبيع الطعام قبل قبضه مؤثر في اقتضاء طعام السلم لا القرض ولضع وتعجل عام فيهما ولذا تساويا في المنع في اقتضائه بغير بلده فاقتضاء ما ليس من جنس الطعام عنه لا يجوز في البيع ويجوز في القرض لجواز بيعه قبل قبضه.
وفي آخر سلمها الأول: لا تأخذ من حنطة سلمًا دقيقًا.
الصقلي في السلم الثالث عن التونسي في سماع عيسى ابن القاسم: جواز اقتضائه منه، وفي رسم مسائل كراء وبيوع من سماع أشهب سئل ابن القاسم عمن أسلف مائة إردب قمحًا فأخذ تسعين إردبًا قمحًا وعشرة أرادب شعيرًا أو دقيقًا بعد الأجل، فقال: لا بأس به.
ابن رُشْد: إن كانت التسعون مثل المائة التي له لا أفضل ولا أدنى جاز أخذه ذلك في المجلس لأنها مبادلة، وجاز أخذها تمرا، لأن طعام القرض يجوز بيعه قبل قبضه، ولو كانت أدنى أو أفضل لم يجز أن يأخذ في المجلس بالعشرة الباقية شعيرًا ولا شيئًا من الأشياء على قول ابن القاسم، وعلى قول أشهب في كتاب الصرف من المدَوَّنة تفصيل مذكور في رسم أوصى من سماع عيسى وله بعد انصرافه أن يأخذ في مجلس آخر عن العشرة شعيرًا أو دقيقًا مثل كيلها أو تمرًا أو ما شاء من العروض والعين.

وحمل التونسي المسألة على أن المائة من سلم، فقال فيها: جواز اقتضاء الدقيق من القمح في السلم وليس بصحيح؛ لأنه قال: سئل عمن أسلف مائة إردب، ولم يقل في مائة إردب.
وسمع عيسى ابن القاسم: لمن أسلم ويبة قمحًا أخذ نصفها قمحًا، ونصفها دقيقًا أو شعيرًا أو ثمرًا كمن له ديناران، له أخذ دينار عينًا، ويأخذ بالآخر ما شاء قمحًا أو دراهم، فإن قيل الدينار لا يصلح أن يأخذ نصفه عينًا، ونصفه شيئًا آخر فالويبة بمنزلته قيل: ليس كذلك، لأن الدينار لا يتبعض والويبة تتبعض كدينارين وله أن يأخذ من ويبة القمح نصفها قمحًا، وبالنصف الآخر كل ما يجوز بالقمح متفاضلًا وما لا يجوز إلا مثلًا بمثل لا يأخذ إلا مثل ما بقي من الكيل إن كان له ويبة محمولة فلا خير في اخذه نصفها سمراء، ونصفها شعيرًا أو شيئًا من الأشياء في صفقة واحدة ولو كان ذلك في صفقتين في وقتين فلا بأس به.
ابن رُشْد: لابن أبي جعفر عن أشهب أن الويبة كالدينار فلم يجز ذلك فيها.
وقول ابن القاسم أصح كالدنانير والدراهم المجموعة، وإنما لم يجز في الويبة المحمولة نصفها سمراء ونصفها شعيرًا لأن السمراء أفضل من المحمولة والشعير أدنى فيدخله التفاضل المعنوي، ولا خلاف في منعه وكذا أخذ نصف ويبة سمراء، وفي النصف الآخر صنف آخر تمرًا وشبهه، ولو كان له عليه ويبة سمراء فأراد أن يخذ منه نصف ويبة محمولة ونصف ويبة شعيرًا أو كان له ويبة شعيرًا فأراد أن يأخذ منه نصف ويبة سمراء ونصف ويبة محمولة لجاز على أحد قولي ابن القاسم في المدَوَّنة، وقول أشهب فيها خلاف ظاهر قول ابن القاسم في هذه الرواية، وفي رسم إن خرجت بعد هذا دليل على القولين فهي ثلاثة أوجه: وجه جائز اتفاقًا، ووجه لا يجوز اتفاقًا، ووجه مختلف فيه.
فالاقتضاء يفترق من المبادلة والمراطلة في وجهين: أحدهما: أن من كان له على رجل ذهب أو طعام جاز له أخذ بعضه على صفته التي وجبت له وباقيه على صفة أرفع أو أدنى اتفاقًا، ولا يجوز بدل قفيز من قمح، بقفيزين أحدهما مماثل والآخر أجود أو أدنى ولا تجوز مراطلة ذهب بذهبين أحدهما مماثل

والآخر أجود أو أدنى إلا على اختلاف أجازهما ابن حبيب ومنعهما سَحنون، وأجاز ابن القاسم المراطلة لا المبادلة.
والثاني: من له على رجل دين ذهب أو طعام لا يجوز له أن يأخذ منه ذهبًا أو طعامًا أدنى مما له، من وجه وأفضل من وجه، وذلك جائز في المبادلة والمراطلة.
وفيها: إن قبضت طعام سلم أو بيع على تصديق الدافع جاز ولا رجوع لك بما تدعي من نقص إلا ببينة لم تفارقك من حين قبضك ثم ما ثبت من نقص أو زيادة كنقص الكيل وزيادته فلا رجوع به، وما زاد على المتعارف فلك وعليك.
اللخمي: في الموازيَّة منع أخذه على التصديق ولا أراه اليوم لقلة أمانة الناس فيؤدي للنزاع والخصومة إلا أن يكون الدافع ذا دين.
ابن بشير: ما علل به المنع يجري في المبيع على النقد ولا خلاف في جوازه فيه وإنما ذكر الأشياخ القولين في جواز بيعه بقبض التصديق.

جارٍ التحميل