المختصر الفقهي لابن عرفةصفحات 230-269

السلم: عقد معاوضة يوجب عمارة ذمة بغير عين ولا منفعة غير متماثل العوضين، فيخرج شراء الدين وإن ماثل حكمه حكمه لأنه لا يصدق عليه عرفاً،

والمختلفان يجوز اشتراكهما في حكم واحد والكراء المضمون والقرض ولا يدخل إتلاف المثلي غير عين ولا هبة غير معين، ويطلب تعجيل أول عوضيه.
وشرطه: عدم طول تأخيره.
ابن حارث: اتفقوا على أنه لا يجوز تأخير رأس ماله المدة الطويلة، أنه يجوز أن

يتأخر اليوم واليومين.
اللخمي: من شرطه تعجيل رأس ماله إن كان مضموناً، ولا يضر تأخير المعين، واختلف إذا اشترط تأخير المدة اليسيرة كاليومين أو يسير رأس المال المدة البعيدة، هل يصح أو يفسد؟ فأجاز مالك وابن القاسم تأخير جميعه بشرط ثلاثة أيام، وحكى ابن سحنون وغيره من البغداديين أنه فاسد.
زاد المازري عن عبد الوهاب: يومان لا أكثر.
قلت: ولم يذكر الباجي الثلاثة فاستدركها عليه ابن زرقون من المدونة وما ذكره من الخلاف مناف لنقل ابن حارث، الاتفاق في اليومين وعزا الصقلي وغيره كون الثلاثة كاليومين لكتاب الخيار قال: قال بعض أصحابنا: على إجازة السلم إلى ثلاثة أيام ونحوها لا يجوز تأخير رأس ماله اليومين؛ لأنه يصير ديناً بدين، ومثله لابن الكاتب وهو بين.
قلت: ذكره الباجي غير معزو كأنه المذهب قال: ويجب أن يقبض في المجلس أو ما يقرب منه، قال: وتأخيره من غير شرط إن كان عيناً إلى أجل السلم.
قال ابن القاسم مرة: يفسد ثم رجع فقال: لا يفسد إن لم يكن بشرط ربه قال أشهب ولابن وهب: إن تعمد أحدهما تأخيره لم يفسد وإن تعمداه فسد؛ يريد: إن فر أحدهما ليفسده لم يفسد على قولنا: الفرار من الأداء في الصرف لا يفسده.
الباجي: وعلى رواية ابن وهب قال ابن حبيب: إن كان المسلم هو الممتنع منه القضاء خير المسلم إليه في الأخذ ويدفع المسلم فيه، وفي حل الصفقة ورد ما قبض منه وإن كان المسلم إليه هو الممتنع لزمه عند الأجل قبضه، ودفع المسلم فيه وفي التهذيب: إن ادعى أحدهما أنهما لم يضر بالرأس المال أجلا أو أنه تأخر شهراً بشرط، وأكذبه الآخر، فالقول قول مدعى الصحة.
قال عبد الحق: نقص أبو سعيد من هذه المسألة لأن نصها في الأم قال: الذي عليه السلم: لم أقبض رأس المال إلا بعد شهر أو شهرين أو كان شرطنا ذلك واقتصر أبو سعيد على مسألة الشرط، وترك الأخرى وهي يستفاد منها أن تأخير رأس المال بغير شرط الأمد الطويل كالشهر يفسده، وقال ابن القاسم في الكتاب الثالث إن أخر النقد

حتى حل الأجل كرهته، وأراه من الدين بالدين ولا يجوز هذا وهو رأيي وذكر الصقلي هذا الأخر لابن أبي أبي زمنين عن بعض شيوخه.
اللخمي: أجازه أشهب في الموازية ولو تأخر الشيء اليسير بشرط وكله فاسد عند ابن القاسم؛ لأنه يرى الاتباع مراعاة في نفسها.
وعلى إجازة مالك في الموازية في الكراء المضمون: إن تأخر ثلث الكراء يجوز في السلم، والقياس بعد تسليم رعي الاتباع في أنفسها أن لا يبطل إلا قدر ما تأخر وإن تأخر الكثير النصف ونحوه فسد جميعه على معروف المذهب.
وحكى ابن القصار: إمضاء ما تناجزا فيه، ويجري فيها ثالث إن سمى لكل قفيز ثمناً صح ما تناجزا فيه وإلا فسد جميعه، حكاه القاضي في الصرف وتعقب المارزي أخذه من مسألة الكراء المضمون بأن ذلك ذلك للضرورة وإليه الإشارة بتعليله في الرواية بأن الأكرياء يقتطعون أموال الناس، وقول عبد الحق في تهذيبه قول أشهب: إن تأخر يسير رأس المال لشرط لم يفسخ ليس بخلاف لابن القاسم ليسارته خلاف ظاهر، كلام اللخمي، وغيره أنه خلاف.
وفي سلمها الأول: إن أصيب رأس المال نحاساً بعد شهرين؛ فله البدل ولا ينقض السلم إلا أن يعملا على ذلك فيفسخ وليس كتأخير النقد شهراً إذ للمسلم إليه الرضى بما قبض، وإن قال حين ردها سأبدلها بعد شهر لم يجز وإن قال: بعد يومين جاز كابتدائه.
ابن محرز: قال لنا أبو بكر بن عبد الرحمن: لو نزل قوله سأبدلها بعد شهرين وأدرك بعد يومين فسخ الشرط وأخذ بالدفع، وإن لم يدرك حتى طال فسخ السلم من أوله كأنهما عملا عليه، وقال بعضهم: لا ينتقض السلم لأنه وقع صحيحاً، وينتقض ما أخره فقط، وأراه قول أبي عمران، وهو أشبه.
قال أشهب: ولو بقي من أجل السلم يومان فقط جاز أن يؤخره بالبدل أكثر من شهر.
اللخمي: إن وجد رأس المال زيوفاً أو رصاصاً أبدلها وتم السلم وفي مختصر ما ليس في المختصر: إن ثبت في رأس المال درهم ناقص انتقض من السلم بقدره فرأى أن

النهي عن الكالئ بالكالئ غير معلل فأفسد السلم بالتأخير وإن لم يعملا عليه، وغلبا عليه واختلف في الغلبة في الصرف وفي لزوم تعيين الدنانير بشرط تعيينها.
ثالثها: إن شرطه دافعها فعلى عدمه الحكم ما تقدم من الخلاف من لزوم البدل أو فسخ العقد، ومن ألزم الشرط أجاز الخلف إن رضيا معاً وصار ابتداء عقد كرد رأس المال بعيب وهو عرض وقد اختلف في لزوم الوفاء بشرط ما لايفيد.
ولو شرط تعيينها لمعنى معتبر لزم الوفاء به كشرط البائع تعيينها لعدم ملكه غيرها أو لمشقة بيعه ما يخلفها به وكشرط المبتاع تعيينها لحلها وإن كان رأس المال عرضا أو مكيلا أو موزنا فرده بعيب انتقض السلم إن كان معينا وإن كان موصوفاً على جواز الموصوف على الحلول لم ينتقض السلم، وغرم مثله، وإن انتقض السلم برد رأس ماله رد عوضه إن لم يفت، فإن فات فقيمته إن كان من ذوات القيم ويفيته حوالة الأسواق، وإن كان من ذوات الأمثال رد مثله إن فاتت عينه، وعلى رواية ابن وهب بفواته بحوالة الأسواق في البيع الفاسد يفوت بها، ويرجع بقيمته.
وفي خيارها: لا بأس بالخيار في السلم إلى أمد قريب يجوز تأخير النقد لمثله كيومين أو ثلاثة إن لم يقدم رأس المال فإن قدمه كرهته لأنه سلف وبيع، وسلف جر نفعاً< هذه إحدى المسائل الأربع التي لا يجوز فيها النقد ولو طوعاً وعلته ما قاله ابن محرز وغيره، مآله لفسخ دين في دين وهي مقيدة بكون الثمن لا يعرف بعينه؛ لأنه بقبضه، تعلق بذمته بنفس غيبته عليه، فصار ديناً عليه للمبتاع، إذا أمضى السلم كان المسلم قد أخذ السلم متقرراً في ذمة المسلم إليه بدلاً مما تقرر في ذمته من رأس ماله وتقدم هذا في الخيار.
قال اللخمي: في آخر أو ترجمة من كراء الرواحل: إن نقد في الكراء على خيار تطوعا فقيل يمنع وقيل يجوز وهو أحسن؛ لأن نقده إنما كان لأخذ هذه المنافع فلم يدخله تقضي أو تربي هذا في المضمون وهو في المعين أخف للاختلاف في أخذ منافع عن دين أجازة أشهب.
قلت: وله خلاف هذا عن أشهب حسبما يأتي إن شاء الله تعالى في إجازة الطبيب في ترجمة الجعل، وقرر فيها دخوله سلف، وبيع وسلف جر منفعه بقوله: إن قدم النقد

فكأنه أسلفه الدنانير إلى أجل الخيار على أن جعلاها بعد أجله في سلعة إلى أجل فصارت الدنانير سلفاً، وصارت السلعة الموصوفة بيعاً بها فصار سلفاً نفعاً.
قلت: حاصل هذا بعد تسليمه أنه سلف جر نفعاً، ونص دعواه أنه يدخل مع ذلك البيع والسلف، ويحتمل أن يريد دخولها على البدلية فسلف جر نفعاً بما قرر.
ومراده بالبيع والسلف تارة يكون الثمن بيعاً إن بت العقد وتارة يكون سلفاً إن لم يبت وفيه نظر؛ لأن كلا منهما غير كائن في العقد فإن قيل: لعله بناء على أن الملحق بالعقد كأنه فيه، قيل يلزم منع الطوع بالنقد وبيع الخيار مطلقاً.
ابن محرز: ظاهر قولها إن رأس المال عين وربما كان عبداً أو ثوباُ، أو دابة، أو داراً وأمد الخيار يختلف في هذه الأشياء يبعت بنقد أو تأخير، فالصواب عندي أنه تعتبر ذلك فيها، فيضرب فيها من الأجل بقدر ما يحتاج إليه.
قلت: لا يلزم من الحكم بيعه أمد الخيار فيما بيع عليه بدين كونه كذلك إن كان رأس المسلم؛ لأن الموجب للفساد في تأخير رأس مال السلم إنما هو الأجل الذي يؤول به امرهما إلى الدين بالدين، والأجل في بيع الأجل بعين أضعف منه في السلم؛ لأنه في بيع الأجل قابل للسقوط بتعجيل المدين الثمن ويجبر ربه على قبضه، بخلاف السلم، ولا يلزم من عدم تأثير الأجل المعروض للسقوط الفساد عدم تأثير الأجل القوي ذلك.
وفيها: قلت: من أسلم في طعام ولم يضرب لرأس المال أجلاً، وافترقا قبل قبض رأس المال، قال: هذا حرام إلا أن يكون على النقد، وقال مالك: لا بأس به إن قبضه بعد يومين ونحو ذلك.
قال عياض إثر قوله: (حرام): قيل: لعله لم يكن عرفهم في السلم النقد؛ لأن مقتضى لفظ السلم وعرفه جوازه وإن لم ينصا على النقد ويكون قوله إلا أن يكون على النقد أي: بشرط أو عرف، وحملها ابن محرز على أنهما عملا على التأخير.
أبو عمران: وقول مالك: بعده أتى به ابن القاسم مع جوابه لأسد فأتى بما سئل عنه، وما لم يسأل.
وفيها: إن أسلم عبداً في طعام ولو يقبض العبد إلا بعد شهر جاز إن تأخر بغير

شرط ولم يؤقت لنا مالك في ذلك شهراً، ولو كان رأس ماله ثوباً بعينه أو طعاماً بعينه ولم يقبض ذلك إلا بعد أيام كثيرة فقد كرهه مالك ولم يعجبه ولا أحفظ عنه فسخه، وأراه نافذاً.
ابن محرز: عن اللوبي إنما كرهه فيهما؛ لأنهما مما يغاب عليه فقاربا الدين بالدين.
ابن محرز: الطعام أشد كراهة؛ لأنه لا يعرف بعينه.
وقال بعض المذاكرين: هذا على أن الطعام لم يكتل والثوب غائب على الصفة ولو نظر إليه، وكان الطعام وتركهما على غير شرط تراخ لم يكن فيه كراهة؛ لأنه لو أخذ من دينه سلعة نظرها وقام، ولم يقبضها جاز.
اللخمي: إنما كرهه في العبد والثوب والطعام خوف أن يكون عملا على ذلك فيكون بيع معين على تأخير قبضه لا لخوف الدين بالدين لأنهما معينان وهذا على أن الضمان مع قيام البينة من المشتري ولا يفترق حكم العبد من غيره، وعلى أنه من البائع يكره في العبد كالثوب، ومعنى قول مالك إن إبقاءه للإشهاد وشبهه ولو مكن البائع المشتري من العبد والثوب والطعام بعد كيله لم يكره وكان وديعة ولو حبس الطعام قبل كيله فتغير طعمه أو تسوس كان للمشتري رده إلا أن يكون ترك قبضه عمداً فلا رد له وفيها مع غيرها صحة كون رأس المال منفعة معين أو جزافاً من غير مسكوك ابن حارث في ترجمة قبالة الرحاء بطعام هو جائز ولو حل أجل الطعام المسلم فيه قبل استيفاء المنفعة التي هي رأس ماله.
ابن شاس: قال أبو الطاهر: ظاهر قول عبد الوهاب منع كونه جزافاً وكل المذهب على خلافه.
قُلتُ: لفظه في المعونة رابع شروطه كون رأس ماله معلوماً مقدراً، فظاهر قوله جواز كونه جزافاً، وخرج بعض المتأخرين منع كونه جزافاً كقول الشافعي خوفاً من منع الإقالة إن احتيج إليها بعد فوت رأس المال.
قال ابن عبد السلام: وهو بناء منه على الصور النادرة قال: وفيه نظر إذ ليس من لوازم كل سلم بحيث تصح الإقالة فيه في كل وقت، ألا ترى أن كل العروض المقومة يصح أن تكون رأس مال السلم، ومع ذلك لا تصح الإقالة بعد فوتها؟.

قُلتُ: إنما نقل المازري في توجيه قول الشافعي القياس على رأس المال في القرض والقراض وفرق بلزوم اقتضاء العقد ردهما بخلاف رأس مال السلم.
وقوله: ألا ترى أن العروض الخ ظاهره قصر ما ذكره من الحكم على العروض ذوات القيم وليس كذلك بل هو عام فيها، وفي العروض المثلية وهذا لأن قوله لا تصح الإقالة بعد فوتها إن أراد والمسلم فيه طعام فواضح كون المثلية كالمقومة في منع الإقالة بفوتهما وإن أراد في غير الطعام فإن أراد بالإقالة الممنوعة في العروض المقومة أنها وقعت مطلقة لا على شيء مسمى يدفعه البائع بدلاً عن المبيع فالحكم فيهما واحد ولو باع حديداً بعبد معين، ثم طلب بائع العبد رده إليه بمطلق الإقالة من غير ذكر فوات الحديد الذي قبضه لم يلزم دافع الحديد تلك الإقالة على مثله كما لو كان ثمن العبد ثوباً، وقد فات لقولها آخر السلم الثاني: وكل ما ابتعته من مكيل أو موزون من طعام أو غيره فقبضته فأتلفته فجائز أن تقيل منه وترد مثله بعد علم البائع بهلاكه وبعد أن يكون المثل حاضراً عندك وتدفعه له بموضع قبضته منه ولو طلب ذلك بعد فوات الحديد المعين على أن الإقالة على مثله جاز كما تقدم في نصها، وكذا على مثل الثوب سواء.
وفيها: منع كونه دراهم أو دنانير جزافا ولو عرفا عددها لأنه لا يصلح بيعها جزافا.
ابن حارث: يجوز فيها الجزاف.
وفيها: إن أسلما دراهم يعرفان وزنها مع دنانير لا يعرفان وزنها فسخ الجميع والبائع مصدق في وزن ما قبض بيمينه.
الصقلي: يريد إلا حيث تجوز عدداً؛ لأنه أمر عرفوه.
وفيها: لا خير في سلم حنطة في حنطة مثلها أو طعام في طعام مثله، ولا يجوز سلم الدنانير والدراهم في الفلوس.
وفيها مع غيرها: لا يجوز سلم شيء في أكثر منه ولا أقل منه ولا أدنى في أجود ولا عكسه لأن سلف جر نفعاً، وضمان بجعل، وقول ابن الحاجب: وكذلك في أجود، وأردأ على الأصح إلا أن تختلف منافعهما ومقابل الأصح لا أعرف وقبله ابن

عبد السلام، وقال يعني: إن سلم الرديء في الجيد كالقليل في الكثير وسلم الجيد في الرديء كالكثير في القليل فتمنع الصورتان على أصح القولين، والقول بالجواز؛ لأن اختلاف الصفة يغر الجنس الواحد كالجنسين، وفيه بعد وإذا تقاربت المنفعتان، وأحدهما أرادأ فالظاهر المنع.
قُلتُ: يعني بالصورتين الجيد في الرديء وعكسه، وقال ابن هارون: أجاز في غير المدَوَّنة سلم العبد التاجر في غير التاجر وهو الخلاف المشار إليه بقوله: على الأصح.
قُلتُ: قال عياض: أجاز في الكتاب العبد التاجر فيمن ليس بتاجر؛ لأن الآخر يراد للخدمة، ولمنفعة غير التجارة مما لا يستخدم فيها التاجر ولا يطيقه.
قُلتُ: وقال اللخمي: لا يسلم تاجر ولا صانع فيما تراد منه الخدمة ولا تجارة له ولا صنعة وهو كإسلام الجيد في الدنيء إلا أن يبين بفراهة أو جمال فتدخله المبايعة، ويجوز سلم التاجر والصانع في عدد تراد منهم الخدمة.
قُلتُ: فمقتضى طريقة اللخمي اتفاق المذهب على منع الجيد في الرديء، وأحرى في العكس وقرر المازري هذا المعنى معزواً لبعضهم.
ثم قال: وغيره يرى خلاف ذلك تعلقاً برواية المبسوط إجازة سلم العبد التاجر في غير تاجر، وإجازة البعير النجيب في بعير من حواشي الإبل فقايل هذا يلغي التهمة على ضمان بجعل التهمة على سلف بزيادة لشدة التهمة فيه وتكرر فعله وقلة دفع كثير في قليل.
ومثل رواية المبسوط إجازة الموازيَّة سلم فرسين سابقين في فرس ليس مثلهما وسلم طباختين في أمة لا تحسن الطبخ.
قُلتٌ: وهذا يقرر وجود القول بإجازة سلم الجيد في الرديء من صنفه لا العكس.
وقال ابن بشير: في سلم الرديء من كل صنف في الأجود أو بالعكس قولان فالأقوال والطرق ثلاث، للخمي، والمازري، وابن بشير وفيها إن أسلمت جذعاً في مثله صفة وجنساً فهو قرض إن ابتغيت به نفع الذي أقرضته وإن ابتغيت نفع نفسك رد السلف.
اللخمي: واختلف إن قصد في القرض في الثوب بيعه بمثله، فقال مالك وابن القاسم وغيرهما: ذلك فاسد، وأجازه في مختصر الوقار، وعلى الأول فهو في فسخه

وفوته كبيع فاسد.
وفيها: لا يسلم جذع في جذعين حتى يتبين اختلافهما كجذع نخل كبير طوله وعرضه كذا في جذوع صغار لا تقاربه.
عياض: عورضت بأنه يصنع من الكبير صغار، وصوب فضل منع ابن حبيب ذلك، وقال غيره: معناه: أن الكبير لا يصلح لما يصلح فيه الصغار ولا يرجع منه صغار إلا بفساد ولا يقصده الناس، ولا نقد على ما في الكتاب؛ لأن ظاهره أن الجذوع على خلقتها لم تدخلها صنعة ولا يمكن أن يجعل من الجذع الكبير الغليظ جذوع صغار رقاق إلا بالنشر والنجر، وإذا فعل هذا بها لم تسم جذوعاً بل جوائز، واختلاف الأعراض في الجذع الكبير والجذوع الصغار بين لاختلاف مصارفها.
اللخمي: لا يسلم جذع في جذع إن اتفقا فيما يعمل منهما ولو اختلف أصلهما وإن اختلف فيما يعمل منهما جاز، ولو اتحد أصلهما.
وفيها: لا يسلم جذع في نصف جذع ابن أبي زَمَنَيْن: أي من جنسه، ولو كان من صنوبر والنصف من نخل أو نوع آخر غير الصنوبر لم يكن به بأس على أصل ابن القاسم.
وفي الواضحة: الخشب صنف واحد وإن اختلف أصولها إلا أن تختلف منافعها كالألواح والجوائز.
الصقلي: هذا كله يرد قول ابن أبي زَمَنَيْن.

باب فيما يعتبر في عوض السلم

وفيها: مع غيرها المعتبر في السلم اختلاف منافع عوضيه، والأصل في أفراد النوع اتحاد منافعها، وفي تقرير ذلك أقوال وروايات.

أما الحمر ففي الطرر هي عند ابن القاسم ثلاثة أصناف: صغارها صنف، وكبارها صنفان: حمر مصر التي للركوب صنف، وحمر الأعراب التي للخدمة صنف.
عياض: مذهبها السير والحمل فيها غير معتبر، وحكاه ابن حبيب عن ابن القاسم وقاله أبو عمران قال: لجعله حمر مصر صنفاً، وبعضها أسير، وحملها فضل على خلافه، وأنكر تأويل ابن حبيب على ابن القاسم، وقال: كيف يصح هذا، وقد قال فيها: إلا أن يختلف اختلاف الحمار النجيب بالأعرابيين وباختلافهما بالسير؟ قال ابن حبيب وأَصْبَغ وعيسى، وأنكر أبو عمران تأويل فضل.
قُلتُ: احتجاج أبي عمران بجعل ابن القاسم حمر مصر صنفاً، وبعضها أسير يرد بأنه لا يلزم من لغو شدة السير مع سير دونه لغوه مع عدمه؛ لأن المراد بالسير سرعته لا مطلقه.
اللخمي: يجوز سلم حمار يراد للحمل في أقل حملا يراد للركوب والسرج، واختلف في سرعة السير ألغاه محمد واعتبره عبد الملك وهو أحسن؛ لأنه يزاد في ثمنه لأجله إن كان سيراً بيناً والآخر معه في معنى الدنيء يسلم المسيار في اثنين.
المتيطي: لمحمد عن ابن القاسم تسلم الأعرابية في المصرية والأشهر لا تختلف حمر مصر بحيث يسلم بعضها في بعض.
وقال عيسى وأَصْبَغ: اختلاف سيرها يبيح سلم بعضها في بعض.
وفيها: لا يسلف كبار الخيل في كبارها إلا فرس جواد له سبق فيما ليس مثله في جودته، وإن كان في سنه.
قُلتُ: ظاهره ولو لم يكن فيه معنى مقصود ليس في الأول.
وقيده اللخمي بأن يرغب أحدهما لجماله، والآخر لسرعته فتكون مبايعته ولو تساويا في السبق وأحدهما أجمل أو في الجمال والسمانة أو الرداءة وأحدهما أسبق لم يجز.
ابن زرقون عن ابن حبيب: لا يخرجها سرعة سيرها عن جنسها وإن فاتت به؛ لأن المقصود فيها السبق إلا البراذين التي لا جري فيها وعرفت بذلك فتكون جنساً.
وفيها: لا تسلف كبار الإبل في كبارها إلا ما بان في النجابة والحمولة فيجوز في حواشي الإبل وإن كانت في سنه.

اللخمي: الإبل صنفان صنف يراد للحمل وصنف للركوب لا الحمل وكل منهما جيد وحاش يسلم ما يراد للحمل فيما يراد للركوب، وعكسه اتحد العدد أو اختلف، وما يراد للحمل أوالركوب لا يسلم بعضه في بعض إلا أن يكثر عدد الرديء لتحصل المبايعة فيجوز سلم نصف جيد في كامل رديء.
المازري: الإبل لا تراد للجري والسباق بل للحمولة فيعتبر التفاضل فيها من هذه الناحية وتبعه ابن بشير وهو خلاف متقدم نقل اللخمي وذكر الباجي اعتبار الحمل فيها، ثم قال آخر كلامه: وأكثرها يركب بالسروج؛ لأنها للمشي السريع وليست للحمل.
فظاهره: أن سرعة السير للراكب معتبر فيها خلاف الحمل فيها قاله في ترجمة ما يجوز من بيع الحيوان بعضه ببعض وقال في أول ترجمة من البيوع: المقصود من الإبل القوة على الحمل، وليس السبق بمقصود فيها؛ ولذا لا يسهم لها وإن كان منها ما يسابق به وقد يكون من الخيل ما يشتد في القوة على الحمل ويتخذ لذلك، ولا يتميز به في الجنس.
وقول ابن عبد السلام: في قولهم بلغو السبق فيها نظر؛ لأن العرب كانوا يقاتلون عليها ويريدون بعضها للركوب دون الحمل وهو موجود إلى الآن، فينبغي أن يسلم منها ما يصلح للركوب فيما يصلح للحمل وعكسه.
قُلتُ: أول كلامه في السبق وآخره في السير بجواب قوله في لغوهم السبق نظر ما تقدم للباجي مستشهداً بعد القسم للإبل، وقوله: ينبغي هو مقتضى كلام الباجي أولاً.
وفيها قال ابن القاسم: لا بأس أن تسلم البقرة القوية على العمل الفارهة في الحرث وشبهها في حواشي البقر ولومن سنها.
الباجي: يعتبر القوة على الحرث في ذكور البقر اتفاقاً وهو ظاهر قول ابن القاسم في الإناث، وحكى ابن حبيب أن المقصود منها كثرة اللبن فعلى روايته يجوز سلم البقرة الكثيرة اللبن وإن كانت قوية على الحرث في الثور القوي عليه.
المتيطي: وتسلم البقرة الغزيرة اللبن في بقرات ليست مثلها.

وفيها: الغنم لا يسلم ضأنها في معزاها ولا العكس إلا غنماً غزيرة اللبن موصوفة بالكرم فلا بأس أن تسلم في حواشي الغنم.
الباجي: غزر اللبن معتبر في المعز وهو ظاهر قول ابن القاسم في الغنم فيها وليحيى عن ابن القاسم كثرة اللبن في الغنم لغو وعزاه اللخمي لابن حبيب عن مالك وأصحابه.
قال بعض الفقهاء: وهو ظاهرها.
الصقلي: ظاهرا أن الضأن كالمعز سواء في اعتبار غزر اللبن.
وقال يحيى بن سعيد: والمعز أغزر لبناً والضأن أفضل لبناً.
اللخمي: وذكور الغنم وإناثها صنف واحد، وأجاز ابن القاسم: أن تسلم الدجاجة البيوض أو ما فيها من بيض في ديكين فعليه يجوز سلم نعجة في كبشين وهو صواب؛ لأن أهل كسبها يرغبون في إناثها للنسل واللبن ولا يرغبون في ذكورها ولا يمسكون منها إلا ما تحتاجه الغنم.
ولا تسلم نعجة في كبش واحد؛ لأنهما أفضل إلا أن يكون في الكبش فضل عليها من وجه آخر، وأجاز ابن أبي سلمة الضأن في المعز، ورآهما صنفين وعليه الناس اليوم، منهم من يرغب في المعز عن الضأن ومنهم على العكس.
قُلتُ: ظاهره أنه جعل الضأن والمعز نوعين ونحوه قول ابن الحاجب في تمثيله ما تختلف منافعه بقوله: وكالحمار الفاره في الأعرابي والجواد في حواشي الخيل، وكذلك الإبل، البقر والمعز بخلاف الضأن على الأصح ويحتمل أن يريد أن أفراد الضأن لا يختلف بحال على الأصح فتكون غزارة اللبن فيها لغو إلا أن نوعها خلاف نوع المعز.
وفي اعتبار وصف الصغر، والكبر اضطراب، وسمع عيسى ابن القاسم لا خير في صغير بكبير لأجل من صنفه من البهائم ولا عكسه؛ لأنه سلف بزيادة أو لضمان ولا بأس به على وجه البيع أن يكون صغيران بكبير أو كبير بصغيرين أو كبيران بصغيرين لخروجهما من تهمة السلف بزيادة وتهمة الضمان.
ابن رُشْد: سكت عن صغير في كبيرين وإرادته إجازته وهو نصه في رسم باع شاة ومثله في "الموازيَّة".

قُلتُ: مقتضى تعليله منع صغير في كبير منع صغير في كبيرين لتهمة سلف بزيادة قال: ولمحمد في موضع آخر من كتابه لا يجوز صغير في كبيرين ويجوز كبير في صغيرين، فالأقوال ثلاثة: الأول: منع صغير في كبير وعكسه وإجازة ما سواه.
الثاني: منعه ومنع صغير في كبيرين وإجازة ما سواهما.
والثالث: قول ابن لبابة تأويلاً على ما لأَصْبَغ عن ابن القاسم: أنه لا يجوز صغير في كبيرين أنه لا يجوز الواحد في الواحد ولا الجماعة فيه ولا هو في الجماعة كيف ما كان، ويجوز ما سوى ذلك ولا يحمل القياس شيئاً من هذه الأقوال لأنه إذا جاز العدد في العدد جاز الواحد في الواحد؛ لأن المكروه لو دخل في الواحد كان أكثر دخولاً في العدد بالعدد، وما في رسم باع شاة من إجازة صغير الآدمي في المهد بكبير تاجر فصحيح معارض لها وهو أصح وعليه ينبغي أن تحمل المدَوَّنة لإجازته فيها كبار الخيل في صغارها وكبار الإبل، وكبار البقر في صغارهما ولم يفرق فيها بين واحد بواحد أو عدد بعدد، وجعلهما صنفين، والتفرقة بينهما لا يحملها قياس كما ذكرناه، وقد أجاز فيها ثوباً من غليظ الكتان مثل الزيقة، وشبهه في ثوب قصبي لأجل وثوب ثوب فرفى معجل، إنه شاذ إنما يأتي على أحد قولي مالك في أجازة جمل في جمل مثله نقداً، وجمل منه لأجل، ومشهور قوله: إنه لا يجوز.
عياض: ظاهره: لا يجوز كبير في صغير ولا جيد في رديء حتى يختلف العدد، ونحوه في سماع عيسى ولأَصْبَغ عن ابن القاسم، وقاله بعضهم.
وقال بعض الشُيُوخ: مذهب الكتاب جواز كبير في صغير، وصغيرين وصغير في كبير وكبيرين وهو نص الواضحة وأحد قولي الموازيَّة وتأويل ابن لبابة وابن محرز وغيرهما المدَوَّنة.
ولابن القاسم في العتبيَّة: جواز الكبير التاجر في العبد الصغير، فرأى الكبير والصغير صنفين على مذهب الكتاب الكتاب لاختلاف الأغراض سوى بني آدم والغنم؛ لأن المراد من الغنم اللبن واللحم فلم يفترق إلا بغزر اللبن.
قُلتُ: انظر قوله سوى بني آدم مع قوله قبله يليه عن ابن القاسم جواز الكبير

التاجر في الصغير فرأى الكبير والصغير صنفين؛ أخذ من هذا أن الصغير والكبير صنفان وهم لما قاله ابن محرز قال: الصغار والكبار يختلفان من سائر الحيوان إلا في الغنم لأن غالب المراد منها اللحم، وما سوى اللحم من الأغراض تابع له وإلا في الآدمي؛ لأن شراء صغيره إنما هو للخدمة إذا كبر، وما عدا الخدمة إنما يكون بتعليم فإذا باع صغيراً بكبير ليس فيه إلا الخدمة فلم تختلف الإغراض، والإبل والخيل مجبولة على أحوال شتى تختلف لها الأغراض.
منها: القوة على الحمل، ومنها الجري وهذه الأحوال لا تتبين في الصغر.
اللخمي: الصغار والكبار من الرقيق ينبغي كونهما صنفين فيسلم كبير في صغيرين وصغيران في كبير لا كبير في صغير ولا عكسه إلا كبير من الوخش لا يراد إلا للخدمة وللصغير جمال، ومما يراد للتجر إن كبر أو للصنعة.
الباجي: في الواضحة صغير الرقيق وكبيره صنف واحد، والقياس عندي أنهما جنسان لأن المنافع لا يتبين بها الجنس من التجر والصنائع لا تصح من الصغير.
اللخمي: يريد ابن حبيب إن تساوى العدد أو كان عدد الكبار أكثر.
الباجي: وهما في الخيل والبغال والحمير جنسان وكذا الإبل والبقر لا خلاف أن صغارها مخالفة لكبارها لأن العمل فيها مقصودة والحيوان المأكول إن لم يكن فيه عمل مقصود والحيوان المأكول إن لم يكن فيه عمل مقصود ولا منفعة فصغيره وكبيره سوا اتفاقاً كالحجل واليمام، وإن كان فيه منفعة لبن أو نحوه، ففي اختلافه بالصغر والكبر روايتا محمد.

باب حد الكبر في الخيل

وجد الكبر في الخيل بلوغها المنفعة المقصودة.
محمد: هو أن يسافر عليه كالجذع، وما دونه صغير والحولي صغير، وقاله مالك في البغال والحمير، والرباعي كبير ويحتمل كون الجذع كبيراً كالخيل.
وروى محمد: لا خير في ابنتي مخاض في حقة ولا في حقة في جذعتين فيحتمل منعه ابنتي مخاض في حقة؛ لأنهما من سن الصغير أو على رواية منع صغيرين في كبير ويحتمل

منعه حقة في جذعتين على رواية منع صغير في كبيرين فإن الجذع في الإبل أول أسنان الكبر أو لأنهما من سن الكبر.
قُلتُ: انظر قوله على رواية منع صغير في كبيرين مع متقدم قوله: وكذا الإبل والبقر لا خلاف أن صغارها مخالفة لكبارها قال: وحد الكبر في ذكور البقر بلوغ الحرث والإناث على قول ابن القاسم كذلك، وعلى قول ابن حبيب أن تبلغ سن الوضع واللبن والغنم إن فرق بين صغارها وكبارها، فكبرها بلوغها سن الوضع واللبن ويجيب على هذا كون ذكورها كصغارها؛ إذ لا منفعة فيها غير اللحم إلا النزو وهو لغو كما هو في الخيل والحمر، وحد الكبر في الرقيق إن فرق بين صغارهم وكبارهم بلوغ سن التكسب بعمله أو تجره، وهو عندي نحو خمسة عشر سنة ونحوها أو الاحتلام.
ابن زرقون: ولابن دينار لا يختلف صغير من كبير في جنس من الأجناس.
قُلتُ: فهو رابع لثلاثة أقوال.
ابن رُشُد: ابن الحاجب: وكذلك كبير في صغير وصغير في كبير على الأصح بشرط أن لا تفضي المدة إلى معنى المزابنة فيهما.
المازري: وطريقة ثانية أشار إليها بعض المتأخرين هي حمل رواية منع الصغير في الكبير على أنه لأجل يكبر فيه فيؤول للمزابنة وهذا تعسف وبعيد من ظاهر الروايات.
ووقع لمالك منع كبار الحمر في صغار البغال لأجلٍ يمكن أن تنتج فيه الحمير بغالاً وإن لم تمكن فيه كالخمسة الأيام جاز.
فإن قلت: قبوله هذه الرواية تنفي كون قول المتأخر تعسفاً، والرواية هي سماع عيسى ابن القاسم: لا خير في كبار الحمير بصغار البغال لأجل بحال قاله مالك، ولا بأس بكبار البغال بصغار الحمير اثنان بواحد لأجل.
قُلتُ: لم كرهت كبار الحمير بصغار البغال.
قال: ما فيه إلا الاتباع؛ لأن مالكا قاله قلت: من أي وجه أخذه؟ قال: كأنه من أن الحمير تنتج البغال.
قُلتُ: فلو كان لأجل قريب لا تهمة فيه قال: إن كان مثل الخمسة الأيام وشبهها لم أر به بأساً.
ابن رُشْد: ظاهره أن مالكاً لم يجز كبار الحمير في صغار البغال، وإن ابن القاسم

كره ذلك اتباعًا لمالك، وتأول عليه أن ذلك للمزابنة فأجازة للأجل القريب وأجاز كبار البغال في صغار الحمير، لأنها لاتنتجها على هذا حمل الشُيُوخ المسألة، واعترضوها، واعتراضهم على ما حملوها عليه صحيح، لأن كراهة كبار الحمير في صغار البغال ضعيفة، وحجة ابن القاسم باتباعه مالكا عليها غير صحيح إذ لايصح اتباع عالم عالًما فيما لايرى له وجه صحة وتأويله أنه للمزابنة بعيد لبعدها في ذلك، ويلزمه على هذا التاويل إجازة مالك إلى الأجل البعيد الذي لا يكن فيه من الحمار بغل ولا يقصره على خمسة أيام ونحوها، وكيف يصح على ما تأويله علي مالك وقد أجاز فيها كبار الخيل والإبل في صغارهما صغار ماتنتج الخيل والإبل تناج الإبل؟ ولعل معنى قول مالك في هذه العبارة أن الصغار والكبار من كل جنس صنفاً واحداً كما كذلك في بني أدم والضأن والمعز، وهو قول ابن دينارفي المدينة، ولو سئل على هذا القول عن كبار البغال لصغار الحمير لكرهها ولم يفرق بينهما كما فعلل ابن القاسم، والذي أقوله في هذه المسألة إن معنى قوله: لا خير في كبار الحمير بصغار البغال؛ أي لا خير في ذلك واحد بواحد قدم الكبير أو أخر كقوله في المسألة التي قبلها وذلك علي أصله أن البغال والحمير صنف واحد، وقوله بعد ذلك لا بأس بكبار البغال بصغار الحمير اثنان بواحد علي ما وصفت لك أي يجوز اثنان بواحد لأجل مع تباعدهما بالصغر والكبر والأجناس؟ ففال: لا أجد في ذلكم إلا الاتباع لقول مالك أي: لققوله: (أنهما جنس واحد والجنس الواحد لا يجوز الصغير منه بالكبير واحد بواحد)، فقال: من أي وجه أخذه؟ أي: من أي وجه أخذ كونهما جنساً واحداً؟ فقال: لأن الحمير تنتج البغال، فقال له: فلو كان لأجل قريب أي: لأجل لا تهمة فيه على الضمان لقربه فقال: إن كان لخمسة أيام ونحوه فلا بأس فعلى هذا تستقيم المسألة ويرتفع اللإلباس وأطال ابن لبابة كلامه عليها في المنتخبة وخلطه، وقال: إن ابن القاسم لم يفهم ما قاله مالك، قال: والذي قاله مالك إجازة كبار البغال في صغار الحمير عدداًً في عدد، وواحداًَ في واحد كالخيل في الحمير إذ لا يخرج الحمير من البغال كما لا تخرج من الخيل.
وسلم كبار الحمير في صغار البغال جاز في ذلك العدد في العدد ولم يجز فيه الواحد بالواحد ككبار الحمير في صغار الحمير؛ إذ تخرج صغار البغال من الحمير كما تخرج

صغار الحمير من الحمير، هذا عنى قوله وهو تعسف من التأويل بعيد عن اللفظ.
قُلتُ: في أول كلام ابن رُشْد ما يقتضي كون الصغير من الآدمي كغيره كاختيار الباجي، وفي إثباته ما يقتضي الاتفاق على عكس ذلك كقول ابن محرز وغيره ولابن زرقون: قال ابن دينار: ولا يختلف صغير من كبير في جنس من الأجناس، فهو لأقوال ابن رُشْد رابع وهو خلاف قول الباجي لا خلاف في يأن ما فيه عمل مقصود، كالإبل والبقر أن صغيره مخالف لكبيره، وي اعتبار مانعية المزابنة طريقان لنقل النازري عن بعضهم مع ظاهر سماع عيسي ابن القاسم عند بعضهم والباجي، وظاهر كلام المازري مع نص ابن رُشْد.
وتقدم قول الباجي في الطير وسمع عيسى ابن القاسم: الطير كلله جنس واحد لا يحل دجاجة بدجاجتين ولا شبيء من الطير واحد باثنين لأجل وإن تفاضلت في البيض والفراخ وصغيره ككبيره، وذكر كأنثان).
ابن رُشْد: لا خلاف في المذهب أن ما يقتنى من الطير للفراخ والبيض كالدجاج والأوز والحمام كل جنس منه صنف على حدته صغيره وكبيره ذكره وأثناه وإن تفاضل بالبيض والفراخ فإن اختلف الجنسان جاز منه واحد باثنين لأجل، وما كان منها لايقتنى لبيض ولا فراخ إنما يتخذ لحم فسبيلها سبيل اللحم عند ابن القاسم ولا يراعى حياتها إلا مع اللحم، وأشهب يراعيها في كل حال يجوز على مذهبه سلم بعضها في بعض إن اختلفت أجناسها بمنزلة ما يقتنى لبيض أو فراخ وتقدم للخمي عن ابن القاسم إجازة سلم للدجاجة البيوض أو ما فيها بيض في ديكين.
ونقل الصقلي والمتيطي عنه: الديك والدجاجة صنف.
وقال أَصْبَغ: إلا الدجاجة ذات البيض من صنف تسلم البيوض في ديكين أو ديك في دجاجتين منها.
وما عزاه اللخمي لابن القاسم خلاف ظاهر سماعه عيسى.
المتيطي عن ابن حبيب: الدجاج والأوز صنف واحد، والحمام صنف وما لا يقتنى من الوحش كالحجل واليمام هو كاللحم لا يباع بعضه ببعض حياً إلا تحريا يداً بيد.
قُلتُ: ظاهر كلام ابن رُشْد أن الدجاج والأوز جنسان وظاهر نقل المتيطي أنهما

جنس واحد وهما معاً ن قطر الأندلس.
وفيها: العبيد صنف غلا ذو النفاذ.
الباجي: ليست الذكورة والأنوثة بجنس في الرقيق ولا في الحيوان.
الخمي: قال ابن حبيب: الذكران والإناث صنف واحد، وعلي قول مالك في العتق الأول من قال: كل عبد أشتريه أو أكل جارية أشتريها حرة، لا شيء عليه؛ لأنه عم الجواري والغلمان فلم يلزمه اليمين في تعميمه الذكور دون الإناث ولا في العكس، فلو كان جنسًا واحداً لزمته فيهما وهو قول ابن الماجِشُون وقول مالك أحسن لاختلاف خدمة النوعين خدمة الذكور خارج البيت والأسفار والحرث وشبه ذلك، وخدمة الإناث ما يتعلق بالبيت من خبزٍ وطبخ وشبهه.
وقول ابن الحاجب: الذكورة والأنوثة في غير الآدمي ملغاة اتفاقاً صحيح باعتبار نصوص المذهب، وتقدم للخمي أنها معتبرة في الضان.
وذكر ابن عبد السلام: استقراء اللخمي غير معزو له، قال: في استقرائه جواز سلم أحدهما في لآخر نظر؛ لأن نتيجة الاستقراء أنهما جنسان واختلاف الجنسية أعم من اختلاف المنفعة افاقها والمعتبر اختلاف المنفعة والأعم لا إشعار له بالأخص، ولو سلك في الاستقراء دلالة العرف على تباين منفعة الذكور من منفعة الإناث كما دل عليه العرف المطرد لكان له وجه، وسلكه بعضهم وجعله كالمقوي لما أخذه من المدونة، وهذا الأخير وحده كاف.
قُلتُ: ظاهره أن بعضهم أخذه من مجرد استنتاج كونهما جنسين من مسألة العتق دون اعتبار اختلاف منافعهما ولا أعرف هذا الاستقراء لغير اللخمي إلا من هو بعده، واللخمي لم يستقره من مطلق الجنسين غير معتبر اختلاف منافعهما؛ بل مع اعتباره، وكذا حكاه المازري.
وقوله: اختلاف الجنسية أعم من اختلاف المنافع ييرد بمنع ذلك؛ بل هو مسارٍ له غالبًا والعيان يثبته.
وقوله جعل بعضهم اختلاف منافعهما مقويًا لما أخذه من المدونة وهو وحده كاف، يرد بأن ذكرهمن حيث كونه كافيًا في جواز سلم أحدهما في الآخر ليس كذكره

من حيث كونه مثبتاً كونهما جنسين؛ لأن الأول لا ينتج جواز سلم صغيرهما في كبيرهما مطلقاً وكونه مثبتاً كونهما جنسين يثبته وكلام اللخمي يدل على أنه إنما ذكره ليثبت به كونهما جنسين وهو بحسن فطرته يهتدي في كثير من أبحاثه لنكت لايدركها غالبًا إلا ذو حظ من علم أصول الفقه، ومقدماته منها تقريره هذا الموضع كونهما جنسين باختلاف منافعهما لما تقرر من أن أفراد كل نوع لا بد أن تباين أفراد ما هو نوع غير نوعها، وتختلف أفراد النوع بالتجر فيها لا بأس بسلم عبد تاجر في ثوبين أو غيرهما لا تجر فيهما.
عياض: من تأملها مع كراهة بيعهم، ذكروا أن لهم عهداًَ.
قُلتُ: نصها في التجارة بأرض الحرب والنوبة لا ينبغي شرائهم ممن سباهم؛ لأن لهم عهداً من عرو بن العاص أو عبدالله بن سعد.
قال عياض: وقيلك لعله فيما باعوه من عبيدهم أو يكون لفظًا للتمثيل لا للتحقيق؛ لأنه لم يقصد الكلام على جواز بيعهم.
ققُلتُ: ولعله شرط نقضوه.
اللخمي: يسلم أحدهما في الآخر إن اختلفت تجراهما كبزاز وعطار أو صنعتاهما كنجار وخياط، ويسلم التاجر في الصانع، لا أحدهما فيما يراد لمجرد الخدمة، وبسلم أحدهما في عدد تراد منه الخدمة واختلف في الحساب والكتابة، هل هما كالصنعة وأرى إن اشتغلا بهما فهما كالصنعة وإن اشتغلا بالخدمة فليسا كالصنعة.
ان محرز: من المذاكريين من ألغاهما بأنهما علم فقط لا صناعةوهو منقوض بالتجر فإنه علم وهومعتبر اتفاقا.
ز المتيطي: فيها لابن سعد لا بأس بسلم حاسب كاتب في وصفاء سواه وقاله اببن حبيب.
أبو عمران: قولهما خلاف المدونة.
الباجي: لمحمد عن ابن القاسم إذا نفذ في الكتابة والقراءة نفاذا يمكنه التكسب بها فهيي منفعة مقصوة.
ولمحمد عن ابن القاسم: ليست اكلكتابة بجنس في الإماء، ولعيس نه إن كانت فائقة فيها فهي جنس تبين به من غيرها فيحتمل أن يكون قولًا

واحدًا، وأن النفاذ فيه جنس ويحتمل أن يكون قولين.
ابن زرقون: انظر هذا فالذي لابن أبي زَمَنْين عن عيسى عن ابن القاسم ان الكتابة ليست بصنعة في الإماء وهى صنعة في الذكورإن كان فائقا فيها.
قال أبو عمران: لا توجد هذه الرواية لابن أبي زَمَنَيْن إنما لأَصبغ في الموازية، وقول ابن حبيب في الجواري، ففي كون الكتابة صنعة ثالثهما: في الذكور لابن القاسم مع مالك وابن حبيب مع أَصْبَغ وابن أبي زَمَنَيْن مع عيسى عن ابن القاسم.
اللخمي: روى محمد الطبخ والخبز صنعة.
ابن القاسم والرقم يريد: إن كان مقصوداً، منها، زاد الباجي: والنسج وكل نوع منها مخالف للآخر إلا الطبخ والخبز فهما جنس واحد.
اللخمي عن ابن القاسم: ليس الغزل وعمل الطيب بصنعة، والنساء أجمع يغزلن يريد ما لم تبن بذلك ويكون المقصود منها، ونقله الصقلي ولم يقيده التونسي لعله يريد بعمل الطيب علمه لا عمله باليد الذي يحتاج إلى علم.
الباجي: والحرث والحصاد لغو في الرجال.
ابن بشير: قال المتأخرون: الانفراد في الطبخ والغزل معتبر.
قُلتُ: هذا ييقتضي أن الطبخ كالغزل خلاف ما تقدم وتبعه ابن الحاجب فيه.
اللخمي: اختلف هل الجمال فيما للفراش من الجواري صنف تبين به الجارية من غيرها فقال ابن القاسم: هما صنف واحد، لا يسلم العلي في الوخش وروى محمد لا بأس بالرائعة بالجاريتين دونها قال: كل ما اختلف في هذا النسيئة فيه تحل، وقاله ابن وَهْب، وقال: أصْبَغ لا بأس بجارية جميلة فصيحة في جاريتين لأجل، وظاهر قول مالك: إجازة رائعة في رائعتين دونها وهو الأصل كسابق في عدد دونه.
الباجي: لعيسى عن ابن القاسم الجمال في الإماء ليس بجنس ولأََصْبَغ هو جنس مقصود.
قال بعض القرويين: ورواه ابن وَهْب.
محمدك وليس السواد والبياض والرومي والنوبي باختلاف في الرقيق.

ابن زرقون: حكى خلف عن ابن عبد الحَكم: إجازة سلم الأسود في الأبيض.
المازري: الأصح أن الجميلة التي تريد للفراش صنف مخالف للوخش المراد منه الخدمة.
ابن بشير في الاختلاف بالجمال قولان والصحيح عند المتأخرين اختلافه بالجمال الفائق، وجعل أصل كلامه في الحيوان الناطق، ومراده في الجمال ما خصه به غير واحد وهو الإماء، وذكر اللخمي وغيره قول أَصْبَع باعتبار الجمال مطلقًا ونقله عنه عبد الحق اعتبار كونه فائقًا، ويسير الصنعة في بعض النوع لغو وكثيرها معتبر في المزابنة وتقدمت وفي السلم.
الصقلي عن محمد: مغزول الكتان كأصله لا خير في سلم أحدهما في الآخر.
ابن أبي زَمَنَيْن هما عند أصحاب مالك صنف واحد، وأرى الغزل صنعة تبيح التفاضل نقدًا وإلى أجل إن عجل الغزل.
قُلتُ: ومقتضي قول محمد ومنعها سلم صوف في صوف منع الغزل بالغزل.
وقال اللخمي: يجوز سلم الغزل في الغزل إن اختلفا، فيسلم قليلًا جيدًا في كثير رديء؛ لأنه يعمل من أحدهما ما لا يعمل من الآخر.
المازري: كون الغزل بالغزل والكتان صنفًا واحدًا هو مشهور المهب، وأشار بعض المتأخرين إلى أن القياس كونهما صنفين.
ابن الحاجب: والمصنوع لا يعود إن قدم وهانت الصنعة كالغزل إن لم يجز على الأشهر بخلاف النقد.
قُلتُ: ظاهره جوازه نقدًا لا بقيد تبين الفضل وهو خلاف المشهور حسبما تقدم للمازري ونحوه لعبد الحق، في فضل المزابنة وإنما هو على خلاف المشهور.
وفيها: لا بأس بثوب كتان في كتان وثوب صوف فيه: قُلتُ: لامتناع زوال صنعة الغزل، ومنع الشَّيخ سلم ثوب خزِّ فيه معللَّا له بنفسْه.
اللخمي: يسلم ثوب الكتان فيه وفي غزله وإن بعد الأجل، منع أشهب الثوب بالغزل إلى أجل ونقدًا للمزابنة إلا أن يتبين الفضل، وقول مالك: من باع غزلًا فنسجه مبتاعه ثم فلس فلربه أخذه، يقوي قول أشهب.

وفيها: لا يسلم كتان في ثوب كتان لأنه يخرج منه.
وفي نوازل سَحنون من الجعل والإجازة: من تقبل من رجل أحواضًا للملح لها شربٌ معلوم من بئر أشهرًا بملح مضمون عليه لا بأس به.
ابن رُشْد: عاب قول سَحنون هذا الناس قديمًا وحديثًا، وروى زياده أكره أخذ الملاحة ببعض ما يخرج منها، ووجه الكراهة أن الملح يخرج من الماء الذي دفعه أخذ الملح، فأشبه سلم كتان في ثوب كتان، ووجه إجازته سَحنون: أن جل الكراء إنما هو للأحواض لا للماء، إذ لو اكترى الأحواض دون الماء على أن يسوق إليها ماءه لم ينتفع رب الماء به إن لم تكن له أحواض يسيره إليها، بخلاف من أسلم كتانًا في ثوبه؛ لأنه يعطيه من عينه.
اللخمي: يسلم الكتان وغزله في ثوبه إن قرب الأجل بحيث لا يمكن أن يمل منه في ذلك الأجل وإلا لم يجز إلا أن يكون ذلك الغزل لا يصلح عمل ذك الثوب منه فيجوز.
قُلتُ: دليل اعتبار الأجل قول سلمها الثالث: لا خير في شعير نقدًا في قصيلٍ لأجلِ إلا لأجلٍ لا يصير الشعير فيه قصيلًا ويكون مضمونًا بصفة.
اللخمي: ولو بعد الأجل فإن كان الغزل أجود جاز، قل وزنه أو كثر؛ لأنها مبايعة وإن كان أدنى لم يجز إلا أن يكون أكثر وزنًا إن كان مثل وزنه أو أدنى دخله سلف بزيادة هي فضل جودة غزل الثاني وصنعته، ومثله الصوف في ثوبه، وذو الصنعة المفارقة في أصله كأصله بخلاف ما تقدم في اللازمة كالنسيج.
فيها: لا يجوز سيوف في حديد لا يخرج منه لأنه نوع واحد ولو جازت لجاز حديد السيوف في الحديد الذي لا يخرج منه، ولأجزت الكتان الغليظ في الرقيق والصوف في الصوف لأجل وهو يختلف ولا يجوز بعضه ببعض.
قُلتُ: يريد بقوله: لأنه نوع واحد أن الصنعة المفارقة لغو فصار ما قامت به كما لم تقم به، وقوله: (ولو جازت ... إلخ) دليل صدق الملازمة، مقدمتان حذفتا للعلم بهما واضح صدقهما.
الأولى: الحديد الذي يخرج منه السيوف كالحديد الي لا يخرج منه؛ إذ لا يجوز

سلم أحدهما في الآخر.
والثانية: حكم أحد المتساويين حكم الآخر.
والثانية متفق عليها، وفي الأولى اختلاف.
اللخمي: الموزون من حديد وصوف وكتان غير مصنوع نوع واحد وإن تباينا في الجودة.
قال ابن القاسم: الحديد الذي تعلم منه السيوف والحديد الذي لا تعمل منه والصوف الذي يعمل منه السيجان العراقية والأسوانية، وما لا يعمل منه ذلك والكتان كذلك كل منها نوع واحد، وهذا حماية لئلا يتذرع بما يتباين لما يتقارب والقياس الجواز، وأصل المذهب أن ما يتباين اختلافه من الجنس الواحد، وقصد من أحدهما خلاف ما يقصد من الآخر جواز سلم أحدهما في الآخر كما هو في الحيوان والثياب.
قُلتُ: في تهذيب الطالب أجاز سَحنون الحديد الذي لا يخرج منه السيوف في سيوف إلى أجل وله أنه لا يجوز سلم سيف في سيفين بحال.
قُلتُ: فليزم منه جواز سلم حديد لا يخرج منه سيوف في حديد تخرج منه.
اللخمي: وتعليل المنع بأنه يمكن أن يعمل من الدنيء مثل الجيد إذا بولغ في عمله خلاف نص ابن القاسم بمنع سلم الصوف في الصوف وإن كان يعمل من أحدهما ما لا يعمل من الآخر أبدًا.
ابن حارث: قال فضل عن يحيى بن عمر: يجوز سلم سيوف في حديد كثوب كتان فيه ووافقني عليه البرقي.
فضل: وقول ابن القاسم أشبه بأصولهم؛ لأن السيوف قد تكسر فتصير حديدًا.
قلت؛ كذا نقله ابن حارث في حديد من غير تقييده بكونه لا يخرج منه سيوف ونقله اللخمي مقيدًا به، وزاد: ومنعه سَحنون، وقال: ليس ضرب السيوف صنعة تخرجه عن الحديد؛ لأنه يعاد حديدًا، قال: والأول أحسن، وليس إعادة السيف حديدًا بفعل عاقل، ويعاقب فاعله؛ لأنه فساد وإضاعة مال، وإن كان ذك مبلغ عقله وتمييزه حجر عليه.

ابن بشير: المشهور منع سلم سيوف في حديد لا يخرج منه، وأجازه البرقي ويحيى بن عمر، وأخذه اللخمي من قولها: لا بأس بتور نحاس به نقدًا، قال: فجعل الصنعة تخرجه عن الجنس، وقوله غير صحيح من وجهين: الأول: أن المذهب منعه على أن غير المصنوع إذا كان يخرج منه المصنوع لم يجز وما ذكره من مسألة المدَوَّنة هذه لم يفرق فيه بين كونه مما يخرج منه أو لا.
الثاني: أن حكم النقد يخالف حكم الأجل اتفاقًا يجوز ثوب بثوبين نقدًا لا لأجل.
ابن الحاجب: والمصنوع يعود معتبر فيهما.
ابن هارون: وهذا أحسن إذا قدم الأصل، وأما عكسه فمذهب المدَوَّنة المنع وأجازه يحيى بن عمر والبرقي.
ابن عبد السلام: ضمير فيهما عائد على صورتين: تقديم الأصل في المصنوع، وعكسه واعتبار الأجل في الأول ظاهر، وهو أن يكون الأجل لا يسع أن يصنع فيه مثل المصنوع خوف سلم الشيء فيما يخرج منه.
قُلتُ: قول ابن هارون هذا إذا قدم الأصل حسن وقبوله ابن عبد السلام أيضًا لا أعرفه معزوًا لنص ولا لتخريج، ولكنه من حيث كونه لأجل لا يمكن فيه خروج المسلم فيه منه كسلم حديد لا يخرج منه سيوف في سيوف وقد تقدم عزو عبد الحق إجازته لسَحنون، وفي أخذه من متقدم سلم كتان في ثوبه لأجل لا يخرج منه فيه نظر؛ لأن صنعة النسيج غير مفارقة وصنعة المتكلم فيه تفارقه.
وفيها: لا خير في سيف في سيفين دونه لتقارب المنفعة إلا أن يبعد ما بينهما في الجودة والقطع كتباعده في الرقيق والثياب فيجوز.
اللخمي والصقلي: ومنعه سَحنون الصواب الأول.
الصقلي عن محمد: الحديد جيده ورديئه صنف، حتى يعمل سيوفًا وسكاكين فيجوز سلم مرتفعها في غير المرتفع، وكذا ما صنع منه سيوفًا وسكاكين ومرايا وغير ذلك إذا صار أصنافًا مختلفة المنافع وكا النحاس، وتقرر فيما تقدم أجناس الحيوان وسلم بعضها في بعض وما في الضأن والمعز، وقول ابن لبابة في الزكاة: أنهما جنسان والطريقان في الأوز والدجاج، وفي كون البغال والحمير جنسًا أو جنسين قولان لها،

ولابن حبيب.
اللخمي: الأول أحسن لتقارب منافعهما ولا يفترقان إلا من باب الجودة أو الدناءة البغال في معنى الجيد والحمير في معنى الدنيء.
المتيطي: قال أَصْبَغ والبرقي كقول ابن حبيب.
قال فضل: تكلم ابن حبيب على حمر الأندلس وابن القاسم على حمر مصر وأجاب عبد الحق عن معارضة قولها في السلم بقولها في القسم لا يجمع البغال مع الحمير في القسم بالاحتياط في الحكمين، ونقضه غير واحد من المتأخرين بقولها في القسم يجمع ثياب الكتان والصوف والحرير في القسم ويسلم بعضها في بعض والحق أن هذه مشكلة والصواب عدم الجمع.
وفيها: ثياب القطن لا يسلم بعضها في بعض إلا غلاظها في رقيقها، وكذا ثياب الكتان، وفي ثالث سلمها من لك عليه ثياب فرقبية جاز بيعها منه قبل الأجل بما يجوز أن تسلف فيها من الثياب المروية والهروية إذا انتقدت ذلك ولم تؤخره.
عياض: خرج منه أثمتنا جواز سلم رقيق الكتان في رقيق القطن، خلاف قول بعضهم وهو قول مالك في المنتخبة: قال: لأنه رقيق كله وليس في المدَوَّنة ما يستدل به إلا هذا وعزا اللخمي المنع لأشهب، قال: وهو أحسن.
قال: وثياب الكتان والصوف والحرير يسلم بعضها في بعض لاختلاف منافعها ويسلم ما استوت جودته بعضه في بعض لاختلاف منافعها كالعمائم والأردية.
قُلتُ: أخذ بعضهم قول أشهب من قولها في البغال والحمير، ومنهم من فرق باتحاد المنفعة أو تقاربها فيهما واختلافهما في الثياب.
ابن بشير: إن تباين الجنس دون المنفعة فالمذهب المنع، وقد يظن أن فيه قولين من قولي ابن القاسم وأشهب في سلم جيد الكتان في جيد القطن أجازه ابن القاسم وأخذ له من إجازته في السلم الثالث فيمن له ثياب فرقبية وهي رقيق ثياب الكتان إلى أجل يجوز له بيعها من غير من هي عليه بثياب ثطن هروية أو مروية وهي من رقيق ثيابه؛ لأنه يشترط في هذا البيع شرط السلم، ومنعه أشهب وليس كا ظن؛ لأن الخلاف في هذا الفرع خلاف في شهادة هل المنافع متساوية أم لا؟ قلت: بهذا وجه المازري

قوليهما.
وفيها: إن أسلم فسطاطية في فسطاطية معجلة ومروية مؤجلة جاز، ولو عجلت المروية و الفسطاطية لم يصلح لأنه قرض بزيادة مروية.
اللخمي: إن أسلم فسطاطيًا في فسطاطيين مثله أحدهما معجل والآخر مؤجل فأجازه ابن القاسم ومنعه سَحنون.
محمد: اضطر المخزومي طرد القياس فيه لأشهب حتى أجاز دينارًا بدينارين أحدهما مؤجل يريد إن قصد بذلك المعروف كدينار بأوزن منه، ويجوز على قوله: أن يكون هو الأوزن هو المعجل وجوازه في الثياب أحسن وإنما يمنع من ذلك ما يقصد فيه إلى فساد فإن اختلفوا في الجودة، والمنفرد مثل المعجل من الثوبين أو أدنى جاز، وإن كان أجود من المعجل ومثل المؤجل أو أدنى لم يجز وهو سلف بزيادة هي المعجل مع فضل المؤجل إن كان أجود وإن كان المنفرد أجود منهما جاز وهي مبايعة.
المازري: في جمل بجملتين مثله أحدهما نقدًا والآخر مؤجل روايتان بالجواز والكراهة بالأولى أخذ ابن القاسم، وبالثانية أخذ ابن عبد الحَكم، وقال - أي سَحنون: هذا الربا، وعزا ابن محرز الروايتين لان بعد الحَكم، قال ابن عبد الحَكم وكراهته أحب إليَّ.
ابن محرز: وقول ابن القاسم في الجملين إذا تساويا الجواز، وأرى أن المنفرد إذا لم يكن فيه فضل عن المعجل فقد استغرقه، ولم يبق فيه تعلق بالمؤجل ولو خالف المعجل من الجملين المنفرد حتى اختلفت الأغراض فيهما تعلق المنفرد بهما معًا كان المعجل منهما زيادة في السلف، والتزم أشهب للمغيرة على ما أجازه من الجمل بالجملين جواز دينا بدينار مثله نقدًا ودينار لأجل لانحصار عوضية المنفرد بالمعجل، بخلاف كونهما معجلين لعموم عوضيته فيهما، ومن المذاكرين من يلزم أشهب ذلك، وإن كان الديناران نقدا وها لم يقله ولا أحد من فقهاء الأمصار وربما استدل من مذهبه على مصيره لذلك، بقوله في صلح المرأة ورثة زوجها عن دنانير بدنانير من أموالهم قدر ميراثها وترك الميت عروضًا أن الصلح جائز وهو بيع ذهب بذهب وعروض وليس كما توهم على أشهب.
ومعنى المسألة أن الدنانير المتروكة كانت بيد الورثة، وإذا كانت

بأيديهم فإن كانت مضمونة عليهم فإنما قضوا بدفعهم ما كان في متهم، وإن كانت في أمانتهم فقد ذكر محمد عن أشهب أنه لا بأس لمن كانت عنده دنانير وديعة في بيته أن يدفع بدلها من ماله فعلى هذا إجازة أشهب.
مسألة الورثة، فإن قيل: إنما أجاز أشهب مسألة الوديعة لأنها في يده فصارت كالمقبوة وهنا أمر زائد على القبض والمناجزة وهو التفاضل بين الذهبين، قيل: إ ن ثبت أن هذا هو علة أشهب في الوديعة حملنا مسألة الورثة على أنهم ضمنوه بتعديهم.
ابن بشير: جرت في مسألة الجملين مناظرة بين المغيرة وأشهب والتزم أشهب الجواز فألزمه المغيرة ذلك في دينار بدينارين فالتزمه وقد لا يلزمه؛ لأن باب الربا أضيق من غيره، فقد تقدر المقابلة في سلم العروض لأجل والإجماع على منع ذلك في الربويات واختلف الأشياخ هل يلزم أشهب ذلك في الدنانير نقدًا فألزمه ذلك بعضهم وأباه بعضهم، وذكر ابن الحاجب هنا أن أشهب هو الذي ألزم المغيرة بيع دينار بدينارين وأن المغيرة هو الملتزم وكذا في تنبيه ابن بشير في كتاب الصرف وللمازري في كتاب الصلح وفي بعض نسخ ابن الحاجب بالعكس وكذا في تنبيه ابن بشير في كتاب الصرف في السلم الأول، وكذا ذكره المازري وابن محرز، وظاهر لفظ اللخمي الأول فتأمله.
ابن رُشْد: السلم في الصناعات على قول ابن القاسم: إن لم يشترك تعيين العامل ولا ما يعمل منه المصنوع فحكمه كالسلم لا يجوز إلا بوصف العمل وضرب الأجل، وتقديم رأس المال وعكسه شرط تعيينهما ليس بسلم إنما هو بيع وإجازة في المبيع إن كان يعرف وجه خروج ذلك الشيء من العمل أو يمكن إعادته للعمل أو عمل غيره من الشيء المعين فيه العمل جاز على الشروع في العمل أو على تأخير الشروع لثلاثة أيام ونحو ذلك، فإن كان على الشروع جاز بشرط تعجيل النقد وتأخيره، وإن كان على تأخيره لثلاثة أيام لم يجز تعجيل النقد بشرط حتى يشرع، وإن لم يشترط عمله بعينه ويعين ما يعمل منه فهو أيضًا من البيع والإجازة في المبيع إلا أنه يجوز على تعجيل العمل وتأخيره إلى نحو ثلاثة أيام فتعحيل النقد وتأخيره، وإن اشترط عمله ولم يعين ما يعمل منه، لم يجز بحال لأنه يجتذبه أصلان متناقضان: لزوم النقد؛ لأن ما يعمل منه

مضمون وامتناعه لاشتراط عمل العامل بعينه.
قُلتُ: وقرر اللخمي القسم الثاني بقوله: إن كان لا تختلف صفة خروجه كشراء القمح على أن يطحنه البائع والزيتون على أن يعصره يأخه منه كيلًا معلومًا، أو الثوب على أن يخيطه أو تختلف، ويمكن عوده لحالته الأولى فيصنع على الصفة المشترطة جاز فيهما، وذلك كالحديد والرصاص إلا أن يشتري جملة الحديد والرصاص فلا يجوز؛ لأنه كلما أعيد نقص فلا يقدر أن يعمل في الثاني إلا دون الأول وإن كان يختلف خروجه، ولا يعاد لهيئته الأولى لم يجز كالثوب يشترط صبغه والغزل يشترط نسجه، والعود يعمل تابوتًا أو بابًا، ولو كثر الغزل واشترط إن أتى ناقصًا على الصفة عمل من بقيته حتى يأتي على الصفة جاز، واختلف في جواز استئجار الأجير على أن يأتيه بالغلة فعلى جوازه يجوز شراء الثوب على أن يصبغه، وقيل: لا يجوز شراء سلعة على أن البائع يبيعها لمبتاعها، وكل ذلك جائز على جواز الاستئجار للغلة.
قُلتُ: قوله: ولو كثر الغزل إلى قوله: جاز يرد بالغرر الناشيء عن جهل الأجير بماذا يستحق عوض عمله هل بصنعه المصنوع مرة أو مرتين؛ ولذا لم يذكره ابن رُشْد مع تأخره عنه، والله أعلم، وذكره ابن بشير غير معزو له ولم يتعقبه.
على المنع في المختلف خروجه، مع اتفاقهم على جواز الإجازة عليه نظر، لأن احتمال اختلاف الخروج إن أوجب غررًا أفسد عقده مطلقًا وإلا فلا، فإن قيل: هذا الغرر في مجرد عقد الإجارة مضطر إليه فألغى تأثيره الفساد فيد.
وفي عقد بيه مادة المستأجر عليه غير مضطر إليه فاعتبر تأثيره فيه، ولذا منعه سَحنون مطلقًا، قيل يلزم على هذا منع العقد على البيع والإجازة في غير المبيع.
قال اللخمي: وعلى الجواز إن هلك القمح قبل طحنه أو الثوب قبل خياطته أو الحديد قبل صنعه، فإن هلك ببينة أو دونها، والبائع غير منتصب لتلك الصنعة حلف على ضياعه ولم يضمنه، وحط عن المشتري قدر الصنعة وإن كان منتصبًا لتلك الصنعة ضمنه بالقيمة لا الثمن؛ لأن التمكين في المبيع تقدم، وإنما بقي لموضع الصنعة، وعلى المشتري ما ينوبه من الثمن، ويحط عنه مناب الصنعة كما تقدم، وأما الزيتون فضمانه من بائعه، ولو قامت بتلفه بينة لأجل حق التوفية بالكيل، ولو لم يسلم في الغزل على أن

ينسج واشتراه على أنه إن خرج على ما وصف أخذه، ونقد وإن خرج على غير ذلك كان لبائعه جاز.
ابن بشير: إن كان الصانع معينًا والمصنوع منه غير معين والصانع لا يفتر عن العمل غاليًا كالقصاب والخباز جاز الشراء منه وحكموا له بحكم النقد لما كان الغالب وجوده فهو في حكم المعين ومتى تعذر شيء من هذا وجب الفسخ فيه وظنه اللخمي سلما على الحلول فأخذ منه ذلك، ومقتضى الروايات خلاف ما قال: إنما هو بيع نقد ولا يفتقر إلى أجل السلم، وإن كان العامل لا يستديم عمله فقد أجازوه للضرورة على حكم السلم يشترط فيه أن يكون أجل المسلم فيه يبقى إلى أجل السلم فأكثر، ويقدم رأس المال وإن تعذر فيه شيء منه تعلق بالذمة، وكان كالصانع يبيع مصنوعًا كثيرًا على أن يبتدئ في الأخذ منه يوم العقد أو بعده بالزمن اليسير وأن كان المصنوع منه معينًا والصانع غير معين فمقتضى الفقه أنه هذا الذي فرغنا منه في الصانع يبيع ما ارتفع من صنعته، وما لم يرتفع؛ لأن هذا إنما يجوز إذا كان الصانع غير معين.
قُلتُ: ما ذكره من السلم للقصاب والخباز في قسم تعيين الصانع وعدم تعيين المصنوع منه خلاف ما ذكره فيه الأشياخ من أنه مجرد سلم لذى صنعة في مصنوعه لا بقيد تعيين المصنوع منه.
وما تقدم لابن رُشْد من قوله إن اشترط عمله ولم يعين ما يعمل منه لم يجز بحال فيه نظر لقولها في كتاب الجعل والإجارة، قال مالك: من استأجر من يبني له داره على أن الآجر والجص من عند الأجير جاز.
قُلتُ: لم جوزه ولم يشتر شيئًا من الجص والآجر بعينه؟ قال: لأنه معروف عند الناس.
قُلتُ: أرأيت السلم هل يجوز فيه إلا أن يضرب له أجلًا وهذا لم يضرب للآجر والجص أجلًا؟ قال: لما قال له: ابن لي هذه الدار فكأنه وقت له، وقت بنيانها عند الناس معروف فكأنه أسلم إليه في جص وآجر معروف إلى وقت معروف، وإجارته في عمل هذه الدار فلذلك جاز، وقال غيره: إن كان على وجه القبالة ولم يشترط عمل يده فلا بأس إذا قدم نقده.

قُلتُ: ظاهر المسألة خلاف نقل ابن رُشْد عن المذهب، إن العقد على تعيين العامل وعدم تعيين المعمول منه أنه غير جائز ووفاق لنقل ابن بشير.
الصقلي: قول الغير خلاف لان القاسم؛ لأن ابن القاسم يجيز ذلك في عمل رجل بعينه؛ لأنه يشرع في العمل كإجازاته على خدمته سنة؛ ولذا قال في الحمالة: إن دفعت لخياطٍ ثوبًا على أن يخيطه بنفسه جاز.
وقال بعض القرويين: إنما يصح قول ابن القاسم على أن يكون الأجير صاحب صنعة عمل الآجر والجص فيصير تأخير النقد جائزًا كالشراء من الجزار والخباز كل يوم خبزًا ولحمًا، والثمن مؤخر فعلى هذا يجوز قدم النقد أو أخره، ويشرع في العمل أو يكون المأخوذ منه من الجص والآخر شيئًا شيئًا يطول أخذ جملته حتى يكون المعجل منه يسيرًا في جنب ما يأخذ منه لا قدر المعجل منه لكثرته فيجوز لأنه قد تأخر كله لمثل أجل السلم.
وإنما قلنا ذلك؛ لأنه في عمل رجل بعينه والآجر والجص في ذمته مضمونًا، والمضمون يجب تأخيره لأجل السلم، ويكون جميع ما ينوب ذلك وما ينوب إجارته نقدًا لأنه لو تأخر من ذلك شيء كان قد تأخر منه قدر مما ينوب الآجر والجص ولا يقدر أن يخص ما ينقده بهما وإن نقد الجميع لأجل منابهما مع وجوب تأخر اقتضائهما لأجل السلم لزم تأخير عمل الأجير لذلك مع انتقاد إجارته وذلك لا يجوز.
قُلتُ: بعض القرويين هو التونسي، وهذا المعنى هو الذي أشار إليه ابن رُشْد بتعليل المنع بالتناقض والتعقب عليه بإطلاقه المنع فيه دون تفصيل الحال في المسلم إليه.
ولما ذكر المتيطي قول الغير في المدَوَّنة قال: ونحوه لعبد الملك في الثمانية.
قال ابن أبي زَمَنَيْن: هذه المسألة لا تحتمل النظر وجوازها استحسان، كذلك قال سَحنون، وإن وقع العقد بتسمية الثمن دون شرط نقده ولا تأخيره نقد منه ما قابل الآلة، وكلما عمل شيئًا دفع له بقدره.
قُلتُ: هذا خلاف قول التونسي لا يقدر أن يخص ما ينقده بالآلة ففي جواز السلم في سلم معين صانعه دون مادته ومنعه ثالثها: إن كان المسلم إليه من أهل حرفة صنعته أو قل ما يعجل منه لضرورة الشروع في العمل قبل مضي أقل مدة أجل السلم بالنسبة للباقي من المادة، ورابعها: إن نقد منابها لظاهرها مع حملها عليه.

ابن أبي زمنيْن وابن رُشْد والتونسي، والمتيطي، وتمام الكلام في السلم لذوي الحرف في فصل شرط الأجل.
وشرطه بتعلقه مبيعه بالذمه لازم: الباجي: اتفاقًا.

باب في الذمة

ابن عبد السلام: الذمة أمر تقديري يفرضه الذهن لا ذات ولا صفة لها.
قُلتُ: يرد بلزوم كون معنى قولنا إن قام زيد ونحوه ذمة والصواب في تعريفها أنها ملك متمول كلي حاصل أو مقدر عنه ما أمكن حصوله من نكاح أو ولاية أو وجوب حق في قصاص أو غيره مما ليس متمولًا؛ إذ لا يسمى ذلك في العرف ذمة.

وفي طرر ابن عات في ترجمة السلم في ثمر حائط بعينه: من استسلف ملا وأخذ سلمًا، وقال: أؤدي إليك من مالي من قرية، كذا فحيل بينه وبين ماله ذلك فطلبه المسلم بدينه فأفتى صاحب المظالم أبو عبد الله بن عبد الرؤوف، وابن الشقاق، وابن دحون وغيرهم بلزوم أداء دينة.
وأفتى أبو المُطَرِّف عبد الرحمن بن بشر: أنه لا يلزمه أداء دينه إلا من ماله بتلك القرية فعرض جوابه هذا على الفقهاء المذكورين فرجعوا إليه عن جوابهم الأول واحتج لجوابه بسماع أشهب وابن نافع في الرجل يتعين في عطائه فيحبس العطاء وله مال فيه وفاء لما عليه من تلك الغيبة إنه لا يؤخذ ذلك من ماله.
قال ابن سهل: أخبرني بجميعه أبو مروان بن مالك فذكرت ذلك المعينة انه لابن عتاب قال لي: لا أذكر أنها نزلت عندنا، وينبغي أن لا يجوز كما قال ابن القاسم في الرواحل والدواب من المدَوَّنة فيمن ابتاع سلعة بدنانير لع معينة غائبة، ولم يشترط خلف الدنانير إن ضاعت، قال: وليس مسألة العطاء من ذلك؛ لأن العطاء كان مأمونًا.
قُلتُ: فالحاصل أن في النازلة المذكورة ثلاثة أقوال: صحة البيع والقضاء بغرمه من عموم ماله.
وصحته وقصر القضاء على المال المشترط القضاء منه.
وفساد البيع، وأخذه ابن عتاب من مسألة الدنانير الغائبة، يرد بأن التعيين فيها أشد منه في النازلة المعينة؛ لأن مسمى ماله في قرية كذا وسماها ابن سهل بما أحرفه،

وهو أوسع من الدنانير المعينة.
قُلتُ: مسألة سماع أشهب هي في رسم الأقضية من كتاب المديان.
قال ابن رُشْد: (تكررت في آخر السماع)، ومعناها: أنه حكم للعطاء بحكم الدين الثابت في ذمة في أن مصيبته ممن اشتراه إن مات من عليه الدين أو فلس، ومعناه في العطاء: المأمون فإن اشترى سلعة بدين على أن يقضيه من عطائه إذا خرج فلم يخرج بطل حقه، وإن خرج بعضه حل عليه من الدين بقدره على ما في آخر السماع، وكذا لو اشترى العطاء فلم يخرج لم يكن له على هذا القول شيء، وقيل: إن تعين في عطائه أو باعه كان ذكر العطاء كالأجل وتعلق ذلك بذمته إن لم يخرج العطاء أو مات قبل خروجه واختاره محمد ورواه أشهب في الواضحة وهو الآتي على قول الغير فيها: فيمن اشترى سلعة بدنانير له غائبة انه يضمنها إن تلفت وإن لم يشترط الضمان، وعلى قول ابن القاسم فيها لا يجوز التعيين في العطاء إلا بشرط الخلف، فيتحصل ثلاثة أقوال: الأول: لا يجوز البيع إلا بشرط الضمان إن لم يخرج العطاء.
والثاني: الجواز والحكم الضمان.
والثالث: الجواز ولا يلزمه ضمان.
وأما العطاء غير المأمون فلا يتعين فيه حق باتفاق، ويختلف في جواز ذلك بغير شرط الخلف على قولين، ويحتمل حمل هذه الرواية على العطاء المأمون، وما فيه الواضحة، وقول محمد علي غير المأمون فلا يكون في المسألة اختلاف إلا في جواز البيع، بغير شرط الخلف في غير المأمون.
قُلتُ: فالحاصل أن معنى مسألة سماع أشهب غنما هو راجع إلى بيع العطاء نفسه دون تعلقه بذمة بائعه فصار.
كبيع دين على مدين حسبما نص عليه ابن رُشْد بقوله: حكم العطاء بحكم الدين الثابت في الذمة، وذلك خلاف ما فهمه منها أبو المُطَرِّف مستدلًا به على فتواه في النازلة المذكورة، لا يتصور أو كسلعة غائبة مأمونة، فانحصر تعلق البيع والعوضية به والعين، لا تنافي تعلق البيع بها من حيث تعيينها مع أمنها والنازلة

المذكورة هي سلم على أن يدفعه من ماله بقرية كذا، وهذا يمنع كونه كبيع دين؛ لأن طلبه إنما هو من بائعه لا من غيره، والدين المبيع إنما يطلب به غير بائعه، ويمتنع كونه كبيع سلعة غائبة؛ لأن السلعة الغائبة يمتنع السلم فيها لامتناعه في المعينات اتفاقًا حسبما قاله الباجي، وإذا بطل الأمران فيها لزم تعلق البيع فيها بذمة البائع وكلما تعلق بالذمة لزم تعلقه بكل مملوك لذي الذمة، والعجب من ابن عات في عدم ذكره كلام ابن رُشْد مع كثرة نقله عنه.
الباجي: وكون المسلم فيه موجودًا، عند حلول أجله شرط فيها ما ينقطع من أيدي الناس في بعض السنة من الثمار الرطبة وغيرها لا يشترط أخذ سلمه إلا في إبانه وإن شرط أخذه في غير إبانه؛ لأنه شرط ما لا يقدر عليه.
ابن بشير: وشرط أبو حنيفة كونه مقدورًا على تسليمه في جميع أثناء الأجل لئلا يموت المسلم إليه في أثنائه فيجب تعجيله، وعندنا خلاف في مراعاة الطوارئ البعيدة فيجري هذا الشرط على رعيها.
ابن عبد السلام: في هذا نظر لاحتمال اتفاق أهل المذهب على إلغاء احتمال الموت والفلس في هذا، وإن اختلفوا في مراعاة الصور النادرة لاحتمالها شهد الشرع بإلغائه في الأجل لجواز البيع إلى أجل طويل إذ لو روعي ذلك الاحتمال كان الأجل غير منضبط فيكون العقد ذا غرر فيمنع وهو باطل قطعًا.
قُلتُ: رده بقوله: لاحتمال اتفاق أهل المذهب على إلغاء احتمال الموت والفلس لا يخفى ضعفه لأن احتمال الاتفاق لا يوجب ثبوته؛ لأنه من جملة أفراد القضية الضرورية القائلة احتمال الشيء لا يوجب ثبوته وهي بديهية وربما برهنت باستلزام نقيضها المحال وهو اجتماع الضدين والنقيضين، ورده ثانيًا بقوله: شهد الشرع بإلغاء هذا الاحتمال إلى آخره، يرد بأنه إنما ألغاه لتعذر المنجي منه في أمر حاجي أو ضروري وهو البيع بثمن مؤجل وصورة النزاع المنجي منه ممكن وهو دوام وجود المسلم فيه مدة الأجل.
وفيها: لا يجوز السلم في نسل حيوان بعينه من الأنعام والدواب بصفة وإن كانت حوامل إنما يكون السلم في الحيوان مضمونًا لا في نسل حيوان بعينه.
اللخمي: لأنه إن لو يوجد بتلك الصفة كان رأس المال تارة سلفًا وتارة بيعًا،

ويجوز إن لم يقدم رأس المال وقرب الوضع إن خرج على الصفة أخذه، ودفع الثمن وإلا فلا بيع بينهما ويختلف إن بعد الوضع لموضع التحجير، فأصل ابن القاسم جوازه وأصل غيره منعه.
قُلتُ: هذا إشارة إلى قوليهما في عقد الكراء على أرض البعل غير المأمونة في أكرية الدور والأرضين فيها وهذا على أصله في إجازته بيع ما فيه غرر إذا وقف ثمنه وكرره في مواضع، ومثله قول المارزي إن شرطا وقفه الثمن فإن خرج الجنين على الصفة المشترطة تم البيع جري على القولين المشهورين فيمن اكتري أرضًا غرقة ووقف الثمن لاختبار انكشاف الماء وفيمن اكترى دابة بعينها على أن لا يركبها إلا إلى أجل بعيد بشرط وقف الثمن.
ورأى السيوري: إذا بيعت الثمرة قبل الزهو بشرط التبقية على وقف الثمن لاختبار سلامتها جاز بيعها كذلك، وهو ظاهر التعليل في قوله ?: أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه؟ ويجري هذا على القولين في الأرض والدابة.
وقال ابن شاس: لا يجوز السلم في نسل حيوان بعينه ولو وصف، نقد أو لم ينقد.
وقال السيوري: إن لم ينقد وشرط إن وافق الصفة تم البيع جرى على القولين في الأرض الغرقة.
قُلتُ: الصواب منع تخريج الجواز في مسألة السلم في نسل حيوان بعينه مما ذكرو.
وفي الثمر قبل زهوة على التبقية، ووقف الثمن لقيام دليل المنع وفساد التخريج فيهما أما دليل المنع، فالأحاديث الدالة على فساد بيع الغرر إذ لا خفاء في وجوده في مسألة نسل الحيوان وهو الغرر الناشئ عن احتمال حصوله بالصفة المشترطة وعدمه.
وفي مسألة السيوري: الغرر الناشئ عن احتمال سلامة الثمرة وفساده ونفي علة فساده المشار إليها في الحديث بوقفه لا نفي مطلق علة فساده بغيرها وهو الغرر اللاحق

للمبتاع في وقفه ماله لأمر يحتمل حصوله وعدمه، وفساد تخريجه من قول ابن القاسم فيها في الأرض الغرقة والدابة المعينة بالفرق بينهما وبين صورة النزاع، وذلك أن البيع يقتضي لذاته تعلقه بعوضين ويستحيل تقرره بأحدهما والعوضان في مسألة الأرض حاصلان؛ لأن الأرض حاصلة في ملك مكريها فصح تقرر عقد الإجارة لتقرر عوضيها حاصلين، وكذا في الدابة المعينة والغرر إنما تعلق بصفة العوض وهو انكشاف الماء عن الأرض واستمرار سلامة الدابة وهما خارجان عن ذات العوض، والغرر في صورة النزاع متعلق بذات المبيع وهو نفس النسل المسلم فيه لعدم تقرره في ملك البائع له حين العقد عليه، ولا يلزم من إلغاء الغرر المتعلق بأمر خارج عن ذات العوض إلغاء الغر المتعلق بذات العوض ونحو هذا مذكور في مسألة كراء الأرض.
ابن شاس: لو كان في نسل نعم كثيرة لا يتعذر الشراء منها جاز.
قُلتُ: ظاهره: أنه هو المذهب وظاهر المدَوَّنو منعه مطلقًا هنا وفي الزكاة الثاني في السلم إلى الساعي ويتخرج جوازه من قول بعض الشُيُوخ يجوز السلم في ثمر قرية صغيرة لمن لا ملك له فيها إن كان الغالب بيع بعض أهلها قدر ذلك.
قُلتُ: لا يجوز السلم في ثمر حائط بعينه قبل زهوه ولو شرط أخذه رطبًا فإن أزهى جاز بشرط أخذه رطبًا لا تمرًا؛ لأن مدة إرباطه، وغرر بعد مدة صيرورته تمرًا، وتأجيل قدر ما يأخذه مفرقًا وكله إن شرط أخذه دفعة؛ لان محله البيع لا السلف، والشروع في أخذه أو لأيام قليلة وتأخيره خمسة عشر يومًا قريب، وكون الحائط في ملك المسلم إليه ولو انقطع ثمر الحائط قبل تمام قبض الثمر ففي مضي ما قبضه بمناب قيمته من الثمر في أوقاته كالأكرية أو بقدره كجائحته في شراء جميعه، قولان، لابن محرز عن ابن شبلون، مع اللوبي وعبد الحق عن القابسي وابن محرز عن ابن مزين عن عيسى بن دينار.
اللخمي: إن كان شرط أخذه في يومين فعلى القدر، وإلا فعلى القيم، وسمع أشهب إن شرط أخذه رطبًا فأثمر قبل أخذ جميعه لم يأخذ بقيته تمرًا؛ لأنه بيع رطب بتمر.
ابن محرز لتهمتهما على تعمدهما تأخيره وكذا ما يتهمان عليه ولو أجيحت ثمر

الحائط جاز أخذه ما تراضيا عليه من عين وطعام وغيره لنفي التهمة، ويراعى في أخذه السلامة من فسخ الدين في الدين والصرف المستأخر وسلف جر نفعًا.
والفرق بين منع شراءه ثمر الحائط كيلا على تركه ليصير تمرًا، وجواز شرائه جزافًا على ذلك أن ضمان المكيل من بائعه فيما قل أو كثر والجزاف لا ضمان على البائع فيه إلا ضمان الجائحة، فكان الغرر في الجزاف يسير فلم يمنع صحة البيع، وكثر في المكيل فمنع، ويعتبر هذا المعنى بجواز النقد في عهدة السنة لقلة الغرر وكراهته في عهدة الثلاث لكثرته.
قُلتُ: في هذا التعليل نظر؛ لأن الضمان، مهما قل في حق البائع كثر في حق المشتري وكذا العكس فإن أوجبت الكثرة الغرر لزم مطلقًا ولأجل هذا وهم ابن بشير في هذه المسألة، فاعتقد المذهب على عكس ما نقله ابن محرز، فقال ما نصه: وهل يجوز أن يشتري بعد الزهو ويشترط أخذه تمرًا، أما إن اشترى مكيلة فيجوز ذلك، وإن اشترى جملة الحائط فلا يجوز، والفرق كثرة الغرر مع اشتراء الجملة؛ لأن الضمان من المشتري إلا حكم الجائحة، وقلة الغرر إذا اشترى مكيلة؛ لأن الضمان من البائع، وأراد اللخمي المساواة بينهما وليس كما قال.
قُلتُ: ألفاظ المدَوَّنة كالنص في أن الحكم ما قاله ابن محرز، وما نقله عن اللخمي من المساواة لم أجده في تبصرته، وإنما سوى بين الشراء على الكيل والجزاف في شراء الزرع بعد أن أفرك، وأشار في المدَوَّنة إلى الفرق بأنه إذا اشترى على الكيل لزم تأخير ضمانه لكيله، ومن لوازمه منه انتفاعه بشيء منه قبل إرطابه، ولا خلاف أنه مبيع من حيث تعيينه لا أنه مضمون، فإذا كان أمد كيله إرطابه قرب قبضه فلم يدخله بيع معين يتأخر قبضه.
وإذا اشتراه على الجزاف ضمنه بنفس العقد وكان له التصرف فيه من حينئذ، وانتفى عنه مطلق التأخير.
وفيها: إن انقطع ثمر الحائط بعد أخذه بعض سلمه رجع بحصة ما بقي من الثمن وله أن يأخذ بتلك الحصة ما شاء من السلع معجلًا.
الصقلي عن محمد: وكذا صبرة يشتري منها كيلًا فتقصر عنه، والمسكن ينهدم قبل تمام المدة.
ابن أبي زَمَنَيْن لبعضهم عن ابن القاسم: يأخذ به عنه ما شاء إلا ما هو من صنف

الثمر الذي أسلم فيه فلا يأخذ منه إلا قدر ما بقي له لتهمة التأخير على سلف جر نفعًا.
قال بعض القرويين: وعليه لا يأخذ ذهبًا عن ورق ولا عكسه لتهمة على صرف مستأخر.
قُلتُ: إن رد بأن مطلق التهمة على صرف مستأخر أضعف من تهمة دفع قليل في كثير.
قُلتُ: قد اعتبرها في بيوع الآجال إن كان الصرف بينهما على السعر وألغاها إن كان أقل من السعر فتعتبر هنا إن كان بأكثر من السعر وفيها: تراضيهما على تعجيله قبل الوقت الذي شرطاه جائز إن كان على صفته.
اللخمي: أجاز أخذ ما طاب الآن عن ما يطيب بعده وهو طعام بطعام غير يد بيد فإن قصد المعروف جاز، وإن قصد التصرف في ثمر حائطه وإن أجيحت الثمرة لم يرجع بشيء جاز وإن كان ليرجع بمثل ما دفع لم يجز إلا على وجه السلف.
ومنع ابن القاسم في كتاب الحبس من وهب عشرة أقساط من زيت جلجلان له أن يعطيه ذلك من غيره؟ قُلتُ: إنما شبه مسألة الجلجلان لو عجل له ذلك من غير ذلك الحائط، والمعجل هنا منه والمبيع منه غير معين فيه فما عجل منه كان نفس المبيع ولم يجب عنه المازري بشيء.
وفيها: (إن هلك المتبايعان لزم البيع ورثتهما).
وفي تهذيب عبد الحق: قال بعض شُيُوخنا: إن مات قبل إرطاب التمر أخر مبتاعه لإرطابه وحلول الحق بموت من هو عليه إنما هو فيما تعلق بالذمة، والحق هنا في معين لا في ذمة؛ لأنه لو أجيح رجع في رأس ماله.
عبد الحق: وينبغي أن يكون للورثة قسم التركة ويترك التمر لصيرورته ربطًا لمبتاعه، وليس له منعهم من القسم إن أجيح بأن الثمر قد يجاح فيرجع لرأس المال، لأن التأخير لإرطابه قريب، والغالب السلامة، ولو كان على الميت ديون وطلب أربابها بيع ثمن الحائط، ويستثنى منه قدر حق هذا من الثمر وهو كثير ففيه نظر.
الصقلي: الظاهر أن ليس لهم ذلك؛ لأن الذي له السلم مبدى فيه بحقه والصبر

للإرطاب قريب.
قال ابن عبد السلام: لو كان على الميت دين فطلب أربابه بيع ثمن الحائط لدينهم ويستثنى قدر حق المشتري، من الرطب، فقال بعض الشُيُوخ: في ذلك نظر ثم ذك كلام ابن يونس وقال: كان يمشي لنا في المذاكرات أن تمكينهم من البيع يتخرج على القولين فيمن استثنى في بيع غلة حائطه أو سقاء الثلث فأقل فأجيح ثلث الغلة فأكثر فعلى تبدئته فيما استثنى لا ضرر على المسلم في الصورة التي تردد فيها.
الشَّيخ: وعلى عدم تبدئته لا يمكن أرباب الديون من البيع؛ لأنه يبطل على المسلم حقه في تبدئته.
قُلتُ: فيما ذكره نظر من وجهين: الأول: أن المسألة التي توقف فيها عبد الحق إنما عبر عنها بقوله: ويستثنى منه قدر حق هذا من الثمر وهو كثير وكذا نقلها ابن يونس فظاهره أنه أكثر من الثلث، ونصه: أنه غير محدود به، والمسألة التي خرج منها مقيدة بكون المستثنى الثلث فأقل حسبما ذكرها كما هي في الروايات، فمسألة النظر مباينة مبطلة للقياس ضرورة أن حكم الأصل مشروط يكون المستثنى الثلث فأقل، وصورة الفرع وهو ما جعله عبد الحق محل نظر هذا الشرط فيها مفقود، إما لانها مفروضة على انها مقيدة بنقيضه وهو قوله: (وحقه من الثمر كثير) إن حملنا كثير على أكثر من الثلث أو على أنها عرية عن اعتباره لوضوح دلالة لفظ كثير على عدم التقييد بكونه الثلث فأقل.
الثاني: أن نقول قال اللخمي وغيره في كتاب الجوائح: من اشترى عشرة أوسق من حائط بعينه فأجيح بعضه بدي المشتري فيما بقي بالمكيلة التي اشترى ولو اشترى غيره بعده قدر مكيلة أخرى فأصيب بعض الحائط بدي المشتري الأول على المشتري الثاني وما فضل عنهما لرب الحائط، ولا يحاص الثاني الأول؛ لأن الثاني إنما حل محل البائع، وحق البائع مؤخر عن حق الأول.
واختلف فيمن باع ثمر حائطه جزافًا واستثنى مكيلة الثلث فأقل، فقال مالك: يبدى صاحب الحائط بما استثنى.

جارٍ التحميل