المختصر الفقهي لابن عرفةصفحات 390-429

كتاب النكاح

صفحات 390-429

يعتق عليه، وأن السنة مع ذلك معللة بقبول ملك مالك الأم ولدها، لا أنها محض تعبد.
الشيخ: في المجموعة عن سحنون: إن غرت امة أبا ربها؛ فتزوجته على أنها حرة فأولدها؛ غرم قيمتها لابنه، وكانت له أم ولد، ولا قيمة عليه للولد، ولا مهر مثل، ولا مسمى ونكاحه لغو، وذلك كوطئه إياها يظنها له أو عمداً، بخلاف غرور أمة الأب ولده بذلك هو فيها كالأجنبي في غرم مهر مثلها لا في قيمة ولدها.
قُلتُ: فقولها: لو غرت أمة الأب ولده، فتزوجها، وولدت منه، ثم استحقها الأب؛ فلا شيء له من قيمة ولدها؛ إذ لو ملكهم؛ عتقوا عليه، وكذا إن غرت أمة الولد والده؛ يريد في قيمة الولد فقط.
وفيها: وقف قيمة ولد المكاتبة إن عتقت أخذها الأب وإلا فسيدها.
الشيخ عن محمد: يتعجلها السيد؛ لتعلق حكم الكتابة بولدها، فإن وفت بالكتابة؛ عتقت وإلا حسب من آخرها كجناية عليها.
زاد الصقل عنه: إن زادت قيمته على الكتابة؛ سقط الزائد عن الأب، وقاله اللخمي.
قال: وأرى إن شك في عدم الواطئ؛ لاحتمال أدائها بقيت القيمة في ذمته إن كان مأموناً ملياً، أو أتى بحميل كذلك، وإلا تعجلها السيد إن كان مأموناً غير ملد بردها إن وجب وإلا وقفت.
وقول ابن عبد السلام: ظاهر كلام محمد لا فرق بين كون القيمة مثل بقية الكتابة أو أقل، وفهم بعضهم أنه إنما يكون هذا إن كانت مثل بقية الكتابة فأكثر؛ يقتضي أنها إن كانت أكثر؛ أخذها السيد، وإن كانت أقل؛ فالحكم بخلاف إن كانت مثل الكتابة، والمنصوص خلاف ذلك فيهما حسبما تقدم للصقلي واللخمي، ولا أعرف فيه خلافاً، ولا يخفى ضعفه؛ لأنها إن كانت أكثر؛ بقيت من القيمة فضله عن حريتها، فيجب سقوطها، ويمتنع توهم أخذها السيد، وإن كانت أقل؛ وجب أيضاً أخذها السيد في الكتابة؛ لرجاء أدائها أو عجزها؛ فيستحقها السيد.
وفيها: قيمة أو الولد على رجاء عتقه بموت سيد أمهم، ونفيه بموتهم قبله، ولو مات سيدها قبل القضاء بها؛ سقطت.

وولد أم الولد في كون الواجب فيه لمستحق أنه قيمته على رجاء عتقه بموت سيد أمه، ونفيه بموته قبل السيد، أو قيمته عبداً ثالثها: أجرة خدمته كل يوم من يوم استحق لا من قبله، فإن استحق صغيراً؛ فلا غرم يطيق الخدمة.
لمالك فيها/ وابن الماجشون.
ومالك: في الثمانية.
مُطرف: إن مرض؛ فلا شيء فيه حتى يصح، وإن صار ذا صنعة؛ ففيه الأجرة على أن لا عمل بيده.
وفيها: لو مات السيد قبل القضاء بقيمته؛ سقطت.
اللخمي: على قول المغيرة: القيمة يوم ولد؛ لا تسقط بموته، ولا موت السيد، ولو قتل الولد؛ ففي كون قيمته كذلك، أو عبداً نقلاً ابن محرز عن الشيخ وفضل، وعزاه الصقلي لبعض القريين، واحتج بأنها الواجبة في قتل ولد أم الولد، وغلطه الصقلي بأن القيمة فيه على المغرور بخلافها على الأجنبي.
ابن محرز: وحكم قطع يده يجري على القولين، وقيمة بقيته على الرجاء والخوف، ويحتمل كون اليد كذلك اتفاقاً، وهو أقوى لبقاء متعلق رجاء الحرية فيه.
الصقلي والشيخ عن محمد: وولد المعتقة لأجل قيمته على أنه حر إليه.
اللخمي: هذا على قولها، وعلى قوله في ثمانية؛ أبي زيد: تقوم خدمته.
ابن الماجشون: قيمته قيمة عبد.
وولد المدبرة: في كون قيمته على رجاء حريته بعتق التدبير، أو عبداً قولها وقول محمد.
اللخمي: لو مات السيد قبل النظر فيه؛ اعتبر حكم موته في رقة وعتقه أو بعضه مناب ما عتق منه ساقط، ومناب ما رق منه يغرمه أبوه.
وعتق الأمة تحت عبد يوجب تخييرها في فراقه.
في الإيمان بالطلاق منها: إن عتقت تحته؛ حيل بينهما حتى تختار، وعدم ذكر أكثرهم: حيل بينهما؛ يخل بفائدة معتبرة.
الباجي: روى القعنبي: عتق التدبير والإيلاد والكتاب؛ كعتق البتل؛ لأن حكمهن

كأمة ما بقي فيهن شعبة رق، والعتق تحت الحر المذهب لغوه.
وفيها: عتق بعضها لغو.
قُلتُ: فأحرى التدبير والكتابة والإيلاد بوطء السيد أمته الزوجة في غيبة زوجها بعد حيضة من وطئه، وهو نص اللخمي عن المذهب.
وروى اللخمي وغيره: علة تخييرها نقص زوجها بعدم حريته.
اللخمي: وقيل: لأنها كانت مجبورة على النكاح.
اللخمي: فيكون لها الخيار تحت الحر.
وعزاه ابن بشير لأبي حنيفة، وقال: لم يعين اللخمي قائله.
وعزاه أبو عمر لأبي حنيفة، وغيره خارج المذهب.
وسمع ابن القاسم: للمعتق بعضها تحت عبد الخيار بعتقها.
قُلتُ: لم، ولم أنكحت إلا برضاها؟.
قال: لن حدودها وكشف رأسها كالأمة.
ابن رُشد: علية تخييرها نقص زوجها لا جبرها على النكاح؛ ولذا قلنا: لا خيار لها تحت الحر، وعلى قول أهل العراق: لها الخيار علته جبرها.
وفيها: لها الخيار عند غير السلطان، وبعد مجلي علمها بالعتق ما لم توطأ.
وفي سماع القرينين من كتاب التخيير: قال أشهب: كتب مالك لابن فروخ بلغو قول أمة تحت عبد: إن عتقت تحته؛ فقد اخترت نفسي، أو قالت: اخترته؛ لأنه طلاق لأجل مشكوك فيه، وخلاف عمل الماضيين.
ابن رُشد: وقال مالك: من شرط لها زوجها: إن تزوج عليها، فأمرها بيدها، فقالت: إن تزوج علي؛ فقد اخترت نفسي، واخترت زوجي؛ لزم قولها؛ ففرق بين المسألتين، ولهذه المسألة التي تحكى أن ابن الماجشون سأله عن الفرق فيها بين الحرة والأمة، فقال له مالك: أتعرف دار قدامة؛ دار كانت يلعب فيها بالحمام معرضاً بقلة تحصيله، وترك إعمال نظره حتى لا يسأل إلا عن مشكل كقوله لابن القاسم في سؤال له: أنت حتى الساعة تسأل عن مثل هذا، ولعمري إن مثل ابن الماجشون في تحصيله وجلالة قدره لحرٍ أن يوبخ على مثل هذا السؤال؛ لأن مالكاً لم يفرق بين الحرة والأمة،

إنما فرق بين خيار وجب بالشرع بشرط، وخيار جعله الزوج باختياره بشرط.
قُلتُ: وسمعت في صغري والدي يحكي عن بعض الشُيُوخ، وأظنه شيخه؛ الشيخ الفقيه أبا يحيى ابن جماعة، أو الشيخ الفقيه الخطيب أبا محمد البرحيني أن قوله له: أتعرف دار قدامة؛ تعريض له بتقدم دخول كان.
لابن الماجشون: لدار قدامة فاته بها علم ما سأله عن من الفرق، ونحو هذين الأمرين قول عياض: قال ابن حارث: كانت لابن الماجشون نفس أبيه كلمه مالك يوماً بكلمة خشنة، فهجره عاماً كاملاً، استعصى عليه الفرق بين مسألتين، فقال له مالك: أتعرف دار قدامة، وكانت دار يلعب فيها الأحداث بالحمام.
وقيل: بل عرض له بالعجز، ثم قال ابن رُشد الفرق بينهما، فذكر ما تقريره تخيير العتق موجب به شرعاً، فلو لزم سابق قولها على العتق، بطل التخيير به ضرورة مناقضة التخيير اللزوم، كل ما بطل التخيير به؛ بطل ما أوجبه الشرع، فل لزم سابق قولها؛ بطل ما أوجبه الشرع، واللازم باطل قطعاً، واختيار ذات الشرط قبل حصوله لما لم يكن ملزوماً لإبطال ما أوجبه الشرع؛ لزم؛ لأنه التزام على تقدير وقوع أمر قبل وقوعه لو التزمه بعده؛ لزمه، فكذا قبله كقول الزوج امرأته طالق إن كان كذا، ثم استشهد على لغو التزام الأمة تعتق بقوله: ألا ترى لو أن غنياً قال: إن افتقرت؛ فلا آخذ الزكاة التي أباح الله للفقير، أو عن افتقرت؛ فأنا آخذها، ثم افتقر؛ لم يحرم عليه أخذه ولا يلزمه؛ لأن الشرع خيره فيهما.
قُلتُ: فيما فرق به نظر من وجهين: الأول: أنه يلزمه لغو الطلاق المعلق على العصمة قبل حصولها كقوله: إن تزوجت فلانة؛ فهي علي حرام؛ بيان الملازمة أن الشرع جعل النكاح موجباً لحلية الزوجة لزوجها، فإلزامه تحريمها قبلها؛ مناقض لموجب النكاح الواجب بالشرع.
الثاني: منع مناقضة إلزامها ما التزمت لما أوجبه الشرع من خيارها، وسنده أن اللزوم اللاحق لا يناقض التخيير الأصلي؛ كعدم مناقضة الوجوب العارض الإمكان الذاتي، واستشهاده بقوله: لو أن غنياً قال إلخ؛ يرد بأن الكلام في التزام ما يلزم غير

معلق إن التزم معلقاً، وما جاء به لا يلزم غير معلق بحال، ومن أنصف علم أن سؤال ابن الماجشون ليس عن أمر جلي؛ ولذا سوى بينهما مالك مرة وبعض أصحابه.
حصل ابن زرقون في التسوية بينهما في لزوم ما أوقعتاه قبل حصول سبب خيارهما وعدمه.
ثالثها: التفرقة المذكورة لابن حارث عن أصبغ مع رواية ابن نافع والباجي عن المغيرة مع فضل عن ابن أبي حازم، ومعروف قول مالك، وفرق الصقلي أيضاً بأن خيار الأمة؛ إنما يجب بعتقها، فاختيارها قبله ساقط؛ كالشفعة، وإسقاطها قبل الشراء، والمملكة جعل لها الزوج ما كان له إيقاعه، وله إيقاعه معلقاً على أمر، فكذا الزوجة.
قُلتُ: ينتج هذا لزوم ما أوقعته من طلاق لا ما أوقعته من اختيار زوجها.
فتأمله.
وقول ابن رُشد: لحر يقع بياء بعد الراء ودونها وكلاهما صحيح.
قال الجوهري: يقال: هو حري أن يفعل كذا بالفتح؛ أي: خليق لا يثنى ولا يجمع.
أنشد الكسائي: ومن حرىً أن لا يثبنك نقرة ... وأنت حرى بالنار حين يثيب وإن قلت: هو حرٍ بكسر الراء، أو حريٌ على فعيل؛ ثنيب وجمعت.
فإن نجزت مختارها حين علمها بعتقها فواضح، ولو وقفها الزوج، فقالت: أنظر وأستشير، ففي قبول قولها، والحكم عليها بتنجيزه.
نقل اللخمي عن المذهب مع نصها في الأيمان بالطلاق: قال مالك: لها أن تمنعه حتى تختار أو تستشير.
والشيخ عن رواية محمد: إن وقفها السلطان؛ قضت، وإلا أخرج ذلك من يدها.
وعلى الأول قال اللخمي: استحسن تأخيرها ثلاثة أيام، واختلف هل يوقف الشفيع على الأخذ، والترك بالحضرة، أو يؤخر ثلاثة أيام؟.
قُلتُ: الأول قولها، والثاني عزاه ابن رُشد، وغيره لرواية ابن عبد الحكم.
وفيها: ولو وقفت سنة فمنعته وطأها، وقالت: لم أسكت رضىً بالمقام؛ صدقت

دون يمين كالتمليك، وصوبه اللخمي بأن لها دليلاً على صدقها، وهو منعها نفسها طول المدة.
وقول ابن عبد السلام: حكى بعضهم في مسألة الكتاب هذه: سقوط خيارها لطول المدة لا أعرفه.
ونقله عن العتبية: أنها تحلف، وأن بعضهم أجراه على أيمان التهم؛ لم أجده في العتبية؛ إنما فيها في رسم حلف من سماع ابن القاسم في كتاب التخيير والتكليك: من قالت له زوجته عند سفره: أخاف أن تبطئ عني، فقال لها: إن لم آتك لأجل سماه، فأمرك بيدك، فمضى الأجل، وأقامت بعده شهرين، واختارت نفسها، وقالت: أقمت انتظاراً له، ولم أترك حقي؛ لها ذلك ولا يمين عليها.
ابن رُشد: لم يختلف قول مالك في هذه إلا في يمينها؛ أسقطها فيها، وأوجبها في الموازية، ورواه ابن عبد الحكم عن ابن القاسم في رسم باع من سماع عيسى: وهو على الخلاف في يمين التهمة.
ولو أقامت أكثر من شهرين؛ سقط خيارها بخلاف الأمة تعتق تحت العبد، وتمام كلامه في التمليك.
وفيها: إن عتق معها، أو قبل اختيارها؛ سقط.
وسمع عيسى ابن القاسم: إن لم تختر لمنعها الحيض ذلك حتى عتق؛ فلها الخيار؛ لأنه ثبت بالخيار لها إنما منعها حيضها.
ابن رُشد: فقوله: لها الخيار؛ ليس خلاف قولها: إن عتق قبل خيارها سقط لقوله: إنما منعها الحيض؛ يريد: أنها لم تفرط، وهو ظاهر الروايات، ويأتي على ذلك: لو عتق إثر عتقها حيث لا تفريط منها كانت على خيارها.
وقال ابن زرب: سماع عيسى خلاف المدونة، وهو القياس؛ لأن علة الخيار النقص، وقد ارتفع؛ وهو الظاهر من الروايات، ولما ذكر الباجي سماع عيسى قال: روى القعنبي: إن لم يبلغها العتق حتى عتق؛ بطل خيارها.
وقال: لا خيار لها إن لم تحتر حتى عتق، فيحتمل أن يكون على روايتين، ويحتمل الفرق بأن حيضها منعها.

ابن زرقون: بالأول قال ابن زرب، وبالثاني قال اللخمي.
قُلتُ: ففي بقاء خيارها إن عتق قبله ثالثها: إن عتق إثر عتقها لتخريج ابن زرب مع أبي عمر عن ابن القاسم مضعفاً له بأن زوال العيب يسقط خياره ولها ولتخريج ابن رُشد من تعليله في الحيض، وعزو ابن عبد السلام الأول لعلي بن زياد لا أعرفه.
اللخمي: إن عتقت وهي في عدة من طلاق رجعي؛ فلها الخيار لتسقط رجعته، ولو قيل: تمنع من الطلاق إن قال: لا أرتجع؛ رأيته حسناً.
وقول ابن عبد السلام: في هذا نظر؛ لاحتمال أن لا يفي لها بذلك ويرتجعها، يرد بتمكينها من طلاقه عملاً بموجبه السالم عما يعارضه.
ابن شاس وابن الحاجب: إن طلقها قبل اختيارها؛ فلها الخيار إن كان رجعياً، وإن كان بائناً؛ فلا.
ابن عبد السلام: إن قيل: على القول: إن طلقة اختيارها رجعية؛ لا يكون لها طلاق لحصوله بطلقة الزوج، فالجواب بأن طلقة اختيارها، وإن كانت رجعية؛ فالرجعية فيها مشروطة بعتقه، فهي أشد من طلاقه الرجعي؛ فلم يغن عنها.
قُلتُ: يرد بأن مقتضاه لو لم تكن أشد بما ذكره ما كان لها الخيار، وهو خلاف قولها في التمليك لو قال لها: أمرك بيدك، ثم طلقها، فإن قضت بواحدة؛ لزمته طلقتان، وطلقة التمليك رجعية تمكنها من طلقة رجعية، وهي في عدة من طلقة له رجعية، والجواب الحق الذي يتوجه به قولها: إن الطلاق كلي شائع في عدد آحاد متباينة بخصوصيات الأولى والثانية والثالثة، فما أوقعه الزوج من طلقة هي غير ما يجب بتخيير عتق أو تمليك؛ لأنهما إنما يتعلقان بما يصح إيقاعه حين حصول العتق، وإرادة القضاء بالتمليك، وما يصح إيقاعه بهما حينئذ مباين لما سبق قبله بالأولية، وبكونها ثانية والمباين لا يقوم مقام مباينه بحال.
وفي ثاني نكاحها: إن اختارت قبل البناء؛ فلا مهر لها، وإن قبضه سيدها؛ رده؛ لأن الفسيخ من قبله.
محمد: هذا إن كان السيد موسراً به يوم عتقها.
ابن محرز: هذا أصل يخالف فيه ابن القاسم، يرى في هذه وشبهها أنه دين طرأ بعد

العتق؛ فلا يبطله، وإن كان معسراً به يوم العتق.
ابن شاس: إن كان معسراً به يوم أعتقها؛ ففي سقوط خيارها؛ لأنه يؤدي لطلب سيدها بمهرها، وهو عديم به يوم أعتقها فيرد؛ فيبطل خيارها ناداً ثبوته لنفيه وثبوته، ثم تباع في مهرها نظراً لموجب الأحكام ثالثها: ثبوته ولا تباع؛ لأنه دين طرأ بعد عتقها.
قال ابن عبد السلام: هذا الذي يشبه أصل المدونة لقولها في العتق الأول منها: قال ابن القاسم: إن باع عبدك سلعة بأمرك، ثم أعتقته، ثم استحقت السلعة، ولا مال لك؛ فليس للمبتاع رد العتق؛ لأنه دين لحق السيد بعد العتق، فلم يجعله سابقاً على العتق مع أن استحقاق السلعة يوجب نقض البيع من أصله، وليس كذلك الطلاق؛ لأنه يقتضي وجود زوجته يقع عليها الطلاق.
قُلتُ: تقدم له هذا الأخذ في بيع الأمة من زوجها، والتنبيه على أن الأخذ من مسألة الرهن أقرب؛ وهي من استهلك مهر أمته قبل البناء وأعتقها، ثم طلقها زوجها قبل البناء، ولا مال للسيد؛ لم يرد عتقها؛ لأن الدين إنما لزم السيد حين طلق الزوج لا يوم العتق.
وفي ثاني نكاحها: إن اختارت بعد البناء؛ فمهرها لها كمالها، إلا إن اشترطه السيد أو أخذه، ولو كان نكاحها تفويضاً، وفرض لها زوجها بعد العتق؛ فهو لها ولا سبيل لسيدها عليه؛ إذ لم يكن مالاً لها فيشترطه، وإذ لو مات الزوج، أو طلق قبل الفرض؛ لم يكن لها شيء.
ابن محرز: يجري على ألسنة المذاكرين: إنما هذا على قول ابن القاسم فيمن أعتق عبده، وعليه مائة دينار أنها ساقطة، وعلى قول مالك بلزومها؛ فلسيد ما اشترطه من مهرها قبل فرضه.
ابن محرز: وهذا غلط؛ لأن قول مالك؛ إنما هو فيها ألزمه السيد ذمة عبده، استثناؤه المهر قبل فرضه؛ ليس إلزاماً لذمتها.
قُلتُ: قد يرد بأن إلزام شرطه في الذمة أشد في مناقضة حكم العتق منه في جزئي جرى سببه؛ فلزومه في الجزئي أحرى.
وفراقها إياه بطلقة المشهور بائنة.

فيها: لم جعلها مالك بائنة، وهو لا يعرف طلقة بائنة قال: لأن كل فرقة من السلطان بائنة.
اللخمي: روى ابن شعبان: إن عتق في عدتها؛ فله رجعتها؛ وهو القياس كمن طلق عليه لعيب، فزال في العدة.
قال محمد: إن طلق عليه لجنون أو جذام أو برص، ثم ذهب عنه في العدة؛ فله الرجعة.
وسمع عيسى ابن القاسم في كتاب العدة: إن عتقت أمة تحت عبد، فطلقت نفسها ثم مات زوجها وهي في عدتها؛ رجعت لعدة الوفاة أربعة أشهر وعشراً.
ابن رُشد: هذا خلاف المدونة لنصها: لا ترجع إلا في طلاق رجعي، ونصها: طلقة الأمة لخيارها بائنة.
وروى ابن نافع: له الرجعة إن عتق في عدتها.
ابن نافع: ولا أقوله.
أبو عمر: لا معنى للقول: إنها رجعية؛ لأنه لو ملك زوجها رجعتها لم يكن لاختيارها معنى.
ابن رُشد: قول أبي عمر هذا وهمٌ؛ لأنه لم يقل أحد أنه أملك لها، وإن لم يعتق.
قُلتُ: في الكافي له ما نصه: وهي طلقة بائنة.
وقال بعض أصحاب مالك: إنها رجعية وليس بشيء.
قُلتُ: ظاهره: أنها رجعية طلقاً خلاف نقل ابن رُشد، فعلى قول أبي عمر الأقوال ثلاثة.
اللخمي: اختلف قول مالك: إن قضت باثنتين في سقوط الثانية، وسقوطها الثانية، وسقوطها أصوب؛ لزوال ضررها بواحدة.
ابن زرقون عن الباجي: اختل قول مالك: إن كانت مدخولاً بها فقال في المدونة مرة: لا تطلق إلا واحدة، ثم قال: لها أن تطلق ثلاثاً.
وفي المبسوط عن ابن القاسم: ثنتين؛ لأن ذلك جميع طلاق العبد.
وفي المدينة: قوله الأول: لها إيقاع الثلاث.

عيسى: وبه قال ابن القاسم: ووجهه أن جهة الزوجة لما انتقل إليها الطلاق انتقل إليها العدد، وكانت جهة حرية، فكلمت فيها الثلاث.
وقد روى زياد بن جعفر: إن طلقها طلقتين؛ فهي أملك بنفسها، وهو خاطب من الخطاب؛ فلم يحرمها بالثنتين.
وروى محمد بن يحيى السبائي في أمة تحت عبد طلقها، ثم أعتقت في عدتها، فاختارت نفسها: بانت منه؛ لأن طلاق العبد ثنتان، فثبت في المسألة روايتان.
ابن زرقون: تأمل هاتين الروايتين في قول أبي الوليد فيهما نظر.
قُلتُ: أخذه الثلاث من لفظ: لها إيقاع الثلاث؛ يرد باحتمال أن يريد به البتات لا عدد الثلاث، وبتات العبد باثنتين، ويأتي من لفظ المدونة ما يؤيده، وأخذه من رواية: وهو خاطب من الخطاب؛ يرد باحتمال إرادة بعد زوج، وبأنه طلاق صدر من عبد لا من زوجته بعد عتقها، فلا يتناوله توجيهه المذكور، فإن صح ما ذكره فظاهر تحصل عليه في كون طلاق العبد الحرة ثنتين أو ثلاثاً، ثالثها: هذا إن صدر من زوجته؛ لعتقها تحته للمشهور، ورواية زياد ورواية المدنية، وظاهر نقل اللخمي، وغير واحد أن اختلاف قول مالك فيها زاد على الواحدة؛ إنما هو بعد الوقوع، وظاهر كلام الباجي وأي عمر في الكافي، وأول لفظ المتيطي أنه قبل الوقوع، وهو ظاهر لفظ البراذعي في النكاح الأول، والصواب الأول في نكاحها الأول.
قال مالك: إن طلق السيد على عبده لتزوجه بغير إذنه واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً؛ فذلك جائز.
قُلتُ: إنما طلاق العبد طلقتان، فما قول مالك: ثلاثاً؟ قال: كذلك قال، وإنما يلزم الاثنتان، ألا ترى أن في حديث زبراء قالت: ففارقته ثلاثاً، وإنما طلاقه اثنتان، فإن قلت: لفظ حديث زبراء أخف من قول مالك؛ لاحتمال أن تريد زبراء بالثلاث البتات لا عدد الثلاث، ولفظ مالك لا يقبل هذا لقوله: اثنتين أو ثلاثاً، فعطفه الثلاث على اثنتين يدل على إرادة العدد لا البتات، وإلا لزم عطف الشيء على نفسه.

قُلتُ: إنما قاله مالك حكاية لأمر وقع فبين حكمه، ولفظها في الأيمان بالطلاق: إن طلقت نفيها اثنتين؛ فهي اثنتان تحرم عليه حتى تنكح زوجاً غيره؛ لأن ذلك جميع طلاق العبد.
وفيها: إن عتقت وهي حائض، فاختارت نفسها أيكره ذلك؟ قال: لم أحفظه من مالك، وأكره ذلك إلا أن تختار، فيجوز ذلك لها.
وسمع عيسى ابن القاسم في كتاب التخيير: لا تختار حتى تظهر، فإن فعلت؛ جاز على الزوج، ولو أخرت وعتق زوجها قبل طهره؛ لم يقطع خيارها.
ابن رُشد: إن طلقت وهي حائض؛ لم يجبر الزوج على رجعتها؛ لأن الطلقة بائنة، وعل رواية أن له الرجعة إن عتق؛ أجبر على رجعتها.
قُلتُ: ظاهره: ولا طلاق لها بعد ذلك.
وقال اللخمي: على أنها رجعية في جبرها إشكال؛ لأن الرجعة ليست بيدها، ولا بيد الزوج؛ لأن ذلك حق عليه، فإن ارتجعها السلطان، وعادت زوجة؛ أبطال حقها في الخيار، وليس لها أن تطلق أخرى؛ لأن الطلقة التي كانت بيدها قد أوقعتها، وأرى إن جبرها السلطان وعادت زوجة أن يكون لها أن توقع أخرى، وهذه ضرورة.
قال: فإن كانت صغيرة؛ نظر السلطان بما يراه حسناً لها، وكذا السفيه إلا أن تبادر باختيار نفيها، ولو رضيت بالمقام؛ لم يلزمها على قول ابن القاسم إن لم يكن حسن النظر، ولزمها على قول أشهب.
قُلتُ: قوله: ولو رضيت بالمقام؛ يريد: الصغيرة، ويريد بقولي ابن القاسم وأشهب ما ذكره عنهما في كتاب التخيير قال فيه: اختلف إن خيرها، وهي صغيرة، فاختارت نفسها، فقال مالك: ذلك طلاق إن كانت بلغت في حالها.
قال ابن القاسم: يريد: إذا بلغت الوطء فيما أظن.
وقال أشهب وعبد الملك: ذلك خيار، وإن كانت صغيرة، وتمامها في التمليك.
ويسقط خيارها فيها بقولها: رضيت بالزوج أو بوطئه إياها بعد علمها بعتقها، ورواه محمد وقال: يعني طائعة.
اللخمي: القبلة والمباشرة كالإصابة، وكذا إن أمكنته ولم يفعل.

قُلتُ: هو ظاهر قولها؛ يريد: إن أمكنته بعد العلم بعتقها؛ فلا خيار لها.
قال: ولو ادعى علمها بالعتق قبل وطئه إياها وأكذبته؛ صدقت.
الشيخ عن محمد: لو ادعى وطئها بعد علمها بالعتق وأكذبته، فإن ثبت خلوته بها؛ صدق مع يمينه، وإلا صدقت دون يمين.
اللخمي: إن اتفقا على المسيس، وادعت الإكراه، وزوجها الطوع؛ صدق مع يمينه.
ابن بشير: إن وطئها بعد عتقها قبل علمها به؛ لم يسقط خيارها اتفاقاً، ولو وطئها بعد علمها به، وقالت: جهلت أن لي الخيار فطرق: اللخمي: في تصديقها روايتان لابن عبد الحكم ولها، والأولى أحسن؛ لأنه لا يعرفه إلا العلماء، وقد قال: من وطئ زوجته بعد طلاقها ثلاثاً، وادعى الجهل؛ لم يحد، وحرمة المثلثة أشهر من خيار الأمة.
قُلتُ: الحد يدرأ بالشبهة.
ابن محرز: القياس أن تعذر بجهلها، ووجه المشهور قوله (صلى الله عليه وسلم) لبريرة: ((لك الخيار ما لم يطأك)).
المازري: معروف المذهب سقوط خيارها.
وقال بعض أصحابنا: هذا بناء على أنها ادعت ما لا يشبه؛ لاشتهار الحكم بالخيار عند الإماء، ولو كانت ممن يتبين جهلها به؛ كحديث عهد بسبي جرت على القولين فيمن زنى جاهلاً بحرمة الزنا هل يحد أم لا؟.

والصحيح: إن لم يثبت أثر بسقوط خيارها مع جهلها بقاء خيارها؛ لأن من ثبت له حق؛ لم يسقط إلا بنص أو فعل يقوم مقامه، فتمكين العالمة كنصها، وتمكين الجاهلة لا دلالة له، ومثله لابن بشير قائلاً: علل ابن القُصار سقوط خيارها بشهرة حكم التخيير بالمدينة، وعليه تكلم مالك.
قُلتُ: ظاهر كلام اللخمي وابن القُصار: أن متعلق الخلاف هو تصديقها في الجهل بالحكم وعدمه، وظاهر قول المازري، والصحيح: إن لم يثبت أثر بسقوط خيارها مع جهلها بقاؤه إلى آخر كلامه أن متعلق الخلاف هو سقوط خيارها في حالة جهلها وثبوته فيها، وإلا كان استلالاً منه في غير محل النزاع، وصحة الطريقين تثبت تعلق الخلاف بالأمرين، وللمسألة ذكر في عدد ما لا يعذر فيه بالجهل مذكوراً في كتاب التخيير والتمليك.
الشيخ: روى محمد: إن بيع زوجها قبل عتقها بأرض غربة، فظنت أن ذلك طلاق، ثم عتقت، فلم تختر نفسها حتى عتق زوجها؛ فلا خيار لها.
قُلتُ: في جري الشاذ في هذه نظر، والأظهر عدمه.
الشيخ عن محمد: إن عتقت وزوجها قريب الغيبة؛ كتب له خوف تقدم عتقه، فلو اختارت قبل ذلك؛ لزم، ولا حجة لزوجها، ولو عتق في عدتها، ولو بعدت غيبته حتى يضرها انتظاره؛ فهي كمن أسلمت وزوجها الكافر بعيد الغيبة.
اللخمي: إن عتقت في غيبة زوجها، فاختارت نفيها، ثم ثبت عتقه قبلها؛ فهو أحق لها ما لم تتزوج، وفي فوتها بالتزويج أو الدخول ثالثها: لا تفوت به.
الشيخ عن ابن حبيب عن أصبغ: إن عتقت، فاختارت نفسها، ثم تزوجت، وثبت عتق زوجها قبلها وهو حاضر؛ فهو أحق بها، وإن دخلت، وإن كان غائباً؛ لم يكن أحق بها إلا أن يدركها.
قُلتُ: الأظهر العكس.
اللخمي: إن علمت بعتقها قبل بنائه بها بعده؛ فلها الأكثر من المسمى، ومهر المثل على أنها حرة، وإن كان العقد فاسداً؛ فمهر مثلها حرة اتفاقاً.
الشيخ عن ابن حبيب عن أصبغ عن ابن القاسم: إن عتقت تحت عبد، وقد أراد

لعانها قبل بنائه بها إن اختارت نفسها قبل اللعان؛ فلا شيء لها من المهر، وإن اختارتها بعده؛ فلها نصفه.
وله عن الموازية: إن كان الزوجان نصرانيين لمسلم فعتقت؛ فلها الخيار.
وقال ابن عبد الحكم: أحب إلى أن يحكم لها بحكم الإسلام، وقاله أصبغ، وذكرها سحنون عنه، وزاد: وكذا لو كان السيد نصرانياً.
وقال سحنون: إن كان نصرانياً؛ لم أعرض لهما.
قُلتُ: هذا الجاري على المذهب في عتق الكافر وطلاقه.
التنازع في الزوجية ودعوى النكاح على منكره دون شاهد في سقوطها ولزوم يمين المنكر كغير النكاح ثالثها: إن كانت بين طارئين لمعروف المذهب، ونقل حكاية المتيطي، نقل ابن الهندي قائلاً: لما روي أشبه شيء بالبيع النكاح وقول ابن حارث: اتفقوا على لغو دعوى النكاح اتفاقاً مجملاً، فسره سحنون بقوله: إن كانا طارئين؛ وجبت الأيمان بينهما، وقول ابن عبد السلام: قول غير واحد: الدعوى في الطارئين متوجهة؛ لأنهما لو تصادقا على النكاح صدقا فيه نظرٌ؛ لأن مراد أهل المذهب بتصديق الطارئين إنما هو إذا قدما مجتمعين مردود بنقل اللخمي في ترجمة الصداق بين النصرانيين في النكاح الثالث ما نصه: لو طرأت امرأة، ثم طرأ رجل ادعى نكاحها، فأقرت له؛ صدقا، ويأتي نحوه لابن رُشد: وكانت نزلت بتونس عام بضع وأربعين وسبعمائة، وكان قاضي الجماعة بها، فبحث عن المسألة، وقضى فيها بنقل اللخمي قاضي الأنكحة يومئذ الشيخ الفقيه أبو محمد الأجمي بموافقته لهز.
وسمع يحيى ابن القاسم: من زوجه امرأة وليها، وأشهد له، ثم أنكرت علمها ذلك ورضاها، إن كان الإشهاد ظاهراً، وإطعام الوليمة، واشتهار الأمر في دارها أو حيث يرى أنها تسمعه وتعلمه أحلفت: ما وكلته، ولا فوضت إليه ذلك، وما ظننت ما كان من لعب وطعام إلا لغير وليمتي، فإن نكلت؛ لزمها النكاح، وإن كان الإشهاد بحيث يرى أنها لم تقارب علمه ككونه بالمسجد وشبهه؛ فلا يمين عليها.
ابن رُشد" قيل: لا يمين عليها بحال؛ لأنها لو نكلت؛ لم يلزمها، وقيل: تحلف رجاء أن تقر، فإن نكلت؛ لم يلزمها نكاح، وتقسيمه في السماع قول ثالث.

وقوله فيه: إن نكلت؛ لزمها النكاح؛ يريد: مع يمين الزوج إن حقق عليها الدعوى، وإلا فعلى الخلاف في رجوع يمين التهمة.
وسمع ابن القاسم: من زوج أخته وهي بنت عشر سنين ابن عمها ولها أم، فأقام زوجها معهم يجوز مال امرأته، ويقوم به، ثم طلب الدخول بالجارية، فقال أخوها: لا زوجة لك؛ لأن أختي لم تكن رضيت ولا أعلمناها، فأنكرت الجارية أن تكون رضيت إن كانت للزوجة بينة على رضاها، وإلا حلفت هي أخوها على ذلك، وفرق بينهما.
ابن رُشد: إيجابه يمينها رجاء أن تقر بالنكاح، فإن حلفت؛ سقط عنها النكاح، وإن نكلت؛ لم يلزمها، قاله مالك في المبسوط؛ ومعناه: إن كانت بلغت، وقيل: لا يمين عليها؛ لأنها إن نكلت؛ لم يلزمها نكاح، حكى القولين ابن حبيب.
وفي رواية يحيى: فذكر ما تقدم قال: ولا وجه لإيجابه يمين الأخر؛ لأنه مقر بالتزويج، وإنما يجب حلفه إن أنكر معها التزويج، فإن حل أحدهما؛ سقط النكاح، وإن نكلا؛ لم يلزمهما؛ لأن حلفهما رجاء أن يقرا.
ولو أقام المدعي منهما شاهداً؛ ففي لغوه، وثبوت دعوى مقيمه مع يمينه ثالثها: يجب حلفه إن نكل، فإن كانت؛ فلا شيء لها ولا حبس، وإن كان الزوج؛ غرم نصف المهر لنقل المتيطي عن مالك وجميع أصحابه.
وعن ابن القاسم في الموازية حاكياً قول القاضي: إن نكل؛ جرى على اختلاف قول مالك في دعوى الطلاق مع الشاهد، ونقل ابن شاس.
وفيها: في كتاب الأيمان بالطلاق: من ادعى نكاح امرأة فأنكرته؛ فلا يمين له عليها، وإن أقام شاهداً، ولا تحبس ولا يثبت نكاح إلا بشاهدين.
وسمع أصبغ ابن القاسم: من ادعى نكاح امرأة تحت زوج، وأقام شاهداً واحداً أنه تزوجها قبله عزل عنها زوجها إن كان ما يدعي قريباً لا شهادة بعيدة، وقاله أصبغ.
ابن رُشد: هذا صحيح على ما في المدونة الموازية والواضحة من وجوب توقيف العرض المدعى فيه بشاهد واحد.
قال عبد الملك في الواضحة: لا يعزل بدعواه حتى تقيم شاهداً عدلاً.
قال محمد: فإن لم يصح له شاهداً آخر، أو كان ذلك بعيداً؛ فلا شيء على الزوجة

ولا الزوج.
ابن رُشد: لأنهما لو أقرا أو أحدهما بدعواه النكاح؛ لم ينتفع بذلك.
ولو لم تكن المرأة تحت زوج، وادعى رجل نكاحها وهما طارئان، وعجز عن إثبات ذلك؛ لزمها اليمين؛ لأنها لو أقرت له بدعواه النكاح كانا زوجين، وقيل: لا يمين عليها؛ لأنها لو نكلت؛ لم يلزمها نكاح، وهذا على الخلاف فيمن زوجها وليها، فأنكرت أن تكون علمت، لا فرق بين المسألتين؛ لثبوت النكاح بإقرار الزوجة، وكان القياس إن نكلت في المسألتين أن يحلف الزوج، ويجب له النكاح إلا أن ذلك لا يوجد لهم نصاً، وقد ألزمها النكاح بالنكول في آخر سماع يحي: إذا كان ثم سبب يدل على علمها به، وقد مضى القول فيه.
قُلتُ: الذي مضى له انه لا يثبت النكاح بمجرد نكولها؛ بل حتى يحلف الزوج، وظاهر قوله هنا ثبوته بمجرد نكولها.
المتيطي: إن أتى المدعي ببينة سماع فاش من أهل العدل، وغيرهم على نكاحه، وشهرته بالدف والدخان؛ ثبت بينهما، هذا المشهور المعمول به.
وقال أبو عمران: إنما تجوز شهادة السماع في النكاح: إن اتفق الزوجان على ذلك، وإن أنكر الآخر؛ فلا.
وسمع أصبغ ابن القاسم: من ادعى نكاح امرأة، فأنكرته، وادعى بينة بعيدة لا تنتظره إلا أن تكون بينة قريبة لا تضر بالمرأة، ويرى الإمام لما ادعاه وجهاً، فإن عجزه، ثم أتى بينة، وقد نكحت المرأة أولاً؛ فقد مضى الحكم.
ابن رُشد: قوله: لا يقبل منه بعد تعجيزه بينة خلاف سماع أصبغ من كتاب الصدقات وظاهر المدونة؛ إذ لم يفرق فيها بين تعجيز الطالب والمطلوب، وقال: يقبل منه القاضي ما أتى به بعد تعجيزه إن كان طالباً أو مطلوباً، وفرق ابن الماجشون بين أن يعجزه في أول قيامه قبل أن يجب على المطلوب عمل، وبين أن يعجز بعد أن وجب عليه عمل، ثم رجع عليه، ففي تعجيز المطلوب قولان، وفي تعجيز الطالب ثلاثة، قيل: هذا في القاضي الحاكم لا من بعده من الحكام، وقيل: فيهما، والخلاف إنما هو إن عجزه القاضي بإقراره على نفيه بالعجز، وإن عجزه بعد التلوم والإعذار، وه يدعي حجة لم

يقبل منه ما أتى به بعد ذلك من حجة؛ لأنه رد من قوله: قبل نفوذ الحكم عليه.
قال ابن عبد السلام: التعجيز في النكاح مشكل؛ لأنه يتضمن حقًا لله في لحوق الولد وغير ذلك.
قلت: لما حكى ابن سهل القول بالتعجيز قال: إلا في ثلاثة: العتق والطلاق والنسب، قاله مطرف، وابن وهب، وأشهب، وابن القاسم.
قال ابن سهل: وشبهها الحبس وطريق العامة، وليس النكاح منها لما في سماع أصبغ، وبالتعجيز فيه أفتى ابن لبابة، وابن وليد، ومحمد بن غالب، ومحمد بن عبد العزيز، وأيوب بن سليم، وأحمد بن يحيى، وأشار إلى استدلالهم بسماع أصبغ.
قال ابن سهل: ولا يضرب فيه من الآجال ما يضرب في الحقوق لما في عقل الفروج من الضرر الذي ليس في الأموال.
قلت: فقوله: لا يضرب فيه من الآجال ما يضرب في الحقوق، عكس استشكال ابن عبد السلام التعجيز فيه، وجوابه: أن منع التعجيز؛ إنما هو فيما ليس للمكلف إسقاطه بعد تقرر ثبوته، والنكاح ليس من ذلك للمكلف إسقاطة إجماعًا وأحكامه، واللد الممتنع إسقاطهما؛ إنما بعد ثبوتها، والتعجيز إنما يتعلق بما فيه الخصومة، والنزاع وهو النكاح نفسه لا أحكامه.
فتأمله.
وسمع يحيى ابن القاسم: من ادعت في ميت أنه زوجها ببينة على إقراره في صحته أنها امرأته كان أصدقها كذا، ولم تشهد البينة بإقرارها بذلك في حياته إن كانت في ملكه وتحت حجابه قبل قولها، وإن كانت منقطعة عنه بمسكنها؛ فلا مهر لها ولا إرث؛ إذ لو ماتت؛ لم يرثه بذلك الإقرار حتى يعرف إقرارها ما ادعاه مع شهرة ذلك وإعلانه، وتقادم إدعائه ذلك، ولو ادعت كونها في عيال ببينة على إقراره أن له امرأة لم يسمعها ولا عرفوها، ولا أدعى زوجيته غيرها؛ فلا إرث لها؛ لأنها شهادة غير قاطعة.
ابن رشد: لثباته إرثها بإقراره، وكونها في ملكه؛ لأن ذلك كإقرارها بنكاحه، ولو ماتت لورثها على سماع عيسى فيمن ابتاع جارية، فولدت منه أولادًا، فكان يخبر الناس أنه تزوجها، ويحلف بطلاقها، وقيل: إنما ثبت إرثها لظهور الولد بعد إقراره بنكاحها، ولو لم يكن ولد؛ لم ترثه بكونها تحت حجابه؛ لأنها على ذلك بأصل الملك، ولو تقارا

بالزوجية معًا، ولم تكن في ملكه، ولا تحت حجابه؛ ففي ثبوت نكاحها بذلك، وعدمه قولان لابن القاسم في هذه الرواية مع سماع يحيى ابن وهب، وسماعه ابن القاسم مع أشهب: لا يثبت إلا ببينة، ويصح للشاهد أن يشهد بالقطع عليه من ناحية السماع إذا حصل العلم به؛ لكثرته وتواتره على ما في سماع أبي زيد ونوازل سحنون.
وفي سماع ابن القاسم: روى أشهب وابن نافع: الجارية ينكحها أخوها، فيموت زوجها فيقول ورثته: أقيموا البينة أنها كانت رضيت تسأل إن كانت رضيت.
ابن رشد: القول قولها مع يمينها أنها رضيت، فإن نكلت؛ حلف الورثة إن حققوا دعوى أنها لم ترض، وسقط إرثها، واختلف إن لم يحققوا في وجوب يمينها، وفي وجوب ردها إن نكلت.
وفي شماع أشهب: ابن القاسم قال لي أشهب وابن وهب: من أقام بينه أنه تزوج امرأة وهي تجحد، وأقامت أختها بينة أنه تزوجها، وهو ينكر، ولم توقت البينتان؛ فسخ النكاحان تكافأتا في العدالة أو لا، شهدتا بالدخول أو لا، وللمدخول بها مهرها.
ابن رشد: لأن أحد النكاحين فاسد بكل حال، فلما جهل؛ وجب فسخهما بطلاق، ولا عدة ولا مهر لمن لم يبن بها، وإن ماتت التي أقام البينة أنه تزوجها قبل الفسخ؛ فله نصف ميراثها؛ لنزاعه فيه مع وارثها، يقول: هي زوجتي، ويقول الوارث: بل الأخرى؛ ونكاح هذه فاسد، وإن شك الوارث في ذلك؛ حلف مدعي الزوجية، واستقل بالإرث، وقيل: لا إرث منها لعدم اليقين، وإن ماتت قبل الفسخ؛ فلمن أدعى نكاحها مهرها والإرث؛ لتيقن إرث إحداهما ادعته إحداهما، وأنكرته الأخرى؛ فلا إرث لها ولا مهر إن لم يبن بها، وتعتد كل واحدة أربعة أشهر وعشرًا إن لم يبن بها، وأقصى الأجلين إن بنى.
ومن ادعت نكاح ميت بشاهد واحد؛ ففي ثبوت إرثها به مع يمينها ثالثها: الوقف للخمي عن ابن القاسم وأشهب وابن شاس عن أصبغ قائلًا: بناء على ما ليس بمال يئول إليه.
قلت: نحوها قول ولائها: من مات عن ابنتين شهدتا لمدعي ولاء أبيهما بعد موته، وهما عدلتان؛ حلف وورث الثلث.

وقال غيره: لا يحلف ولا إرث له؛ لأن شهادته بالعتق لا تجوز.
ابن شاس: من أقر في صحته بزوجة، ثم مات، فإن كانا طارئين، أو كان معها ولد أقر به ورثته مطلقًا، وإلا ففي ذلك خلاف، واختصره ابن الحاجب فقال: وتورث بإقرار الزوج الطارئ، وفي غيره قولان، وقبله ابن عبد السلام دون تقييد، وقول الثلاثة خلاف ما تقدم من سماع يحيى: أن ذلك مقيد بشهرة ذلك وإعلانه، وتقادم إدعائه ذلك.
ابن شاس: ولو أقر بوارث غير الزوجة جرى على الخلاف في إقراره بالزوجة حيث لا ولد بناء على أن الإقرار بهما كإقرار بمال أو لا؟ قلت: عبر عنه ابن الحاجب بقوله: وفي الإقرار بوارث غير الزوج والولد قولان، فقال ابن عبد السلام: أراد في إقرار المرأة بوارث ليس زوجًا، ولا ولدًا قولان، أما إقرارها بزوج؛ فلا يصح لما تقدم، وبالولد قالوا: لا يصح؛ لأنه استلحاق، ولا يصح استلحاق غير الأب، وفيمن عدا هذا من القرابة قولان، فإن أراد هذا؛ فلا معنى لفرض المسألة في إقرار المرأة خاصة؛ لأن الخلاف أيضًا في إقرار الرجل بأخ أو ابن عم.
قلت: تعقبه عليه فرض المسألة في إقرار الزوجة إلى آخر وهم؛ لأن ابن الحاجب لم يقل: وفي إقرار الزوجة، أنما قال: وفي الإقرار؛ وهو عام في إقرار الزوجة وغيرها أو أعم إن لم تكن (أل) للعموم، فحمله هو على الزوجة، وتعقبه عليه كمن رمى بريئًا وحده، وتقدم نحو هذا في قوله: والجاري كالكثير إذا كان المجموع كثيرًا، والتمسك في حمله هو على المرأة بقوله: بوارث غير الزوج لا يتم؛ لأن لفظ الزوج ليس خاصًا بالرجل؛ بل يصدق على المرأة صدقا غير شاذ.
الشيخ عن ابن سحنون: إقرار أبوي غير بالغين بنكاحهما يلزمهما إياه، وإقرار سيد الأمة بنكاحها يلزمها بخلاف سيد العبد.
قلت: أصل المذهب في جبره يوجب إلزامه، والفرق بجواز مباشرته العقد دون غير البالغ والأمة لغو.
قال: وإن قال: ألم أتزوجك أمس، أو ما تزوجتك أمس، فقالت: بلى، ثم جحد؛ فهو إقرار منه، وإن قال: قد تزوجتك أمس فأنكرت، ثم قالت: بلى قد تزوجتني، فقال:

ما تزوجتك؛ لم يلزمه، وقال غيرنا: يلزمه، وإن قالت له: طلقني أو خالعني وهما طارئان، فإقرار منها بالزوجية، وكذا لو قال الزوج: اختلعت مني.
ابن عبد الحكم: قولها: خالعني أو راجعني من طلاقك إياي، إقرار منها.
ابن سحنون: وقوله: اختاري أو أمرك بيدك؛ إقرار.
وقوله: أنت على حرام أو بائنة أو بتة؛ فليس بإقرار؛ لأن الأجنبية كذلك إلا أن تسأله الطلاق، فيجيبها بذلك فإقرار، وكذا أنا منك مول؛ بخلاف أنت علي كظهر أمي.
وقوله: أنا منك مظاهر، أو أنت علي كظهر أمي إن وطئتك أو دخلت دار فلان؛ إقرار، وقولها -وهما طارئان-: خالعتني أمس، وأنت مظاهر أو مول مني، أو هذا ابني منك؛ فصدقها، أو قاله فصدقته إقرارً.
ابن عبد الحكم: قولها: (ما أنفقت علي كما ينفق على الزوجات، أو أجر على ولدك مني هذا النفقة، أو اجعل لي طلاق نفسي منك) إقرار، ولو قال: تزوجتك قبل أن أولد؛ لم يلزمه في قولنا وقول أبي حنيفة، وهذا يدل أن اللعب في النكاح لا يلزم.
قلت: إجراؤه عليه يوجد فيه قولا بلزومه، والحق أنه لا يدل على أن اللعب في النكاح لا يلزم؛ لأن هذا لعب في الإقرار بالنكاح لا نكاح لعب، والفرق بينهما واضح كوضوحه بين الإقرار بالنكاح والنكاح الثابت.
وفي كتاب ابن سحنون: لو قال: تزوجتها بعد عدتها، وقالت: فيها؛ فالقول قوله، ولو قال: بعد أن أسلمت -وكانت مجوسية وهو مسلم- وقالت: قبل أن أسلم؛ فالقول قوله، وقال محمد بن عبد الحكم: القول قولها أنها كانت مجوسية.
قلت: وعليهما لو قال: بعد أن عتقت؛ قالت: قبله.
ابن سحنون: لو قال في يتيمة بعد أن بلغت وقالت: قبله، فرجع سحنون عن قبول قولها لقبول قوله.
ابن سحنون: لو قال: تزوجتك وأختك في عقد واحد.
ابن عبد الحكم: أو قال: وأختك عندي؛ وقالت: تزوجتني وحدي، ولم تكن عندك أختي فسخ لإقراره بفساده، وعليه نصف المسمى إن لم يبن، وإن لم يسم؛ فلا

شئ عليه.
ابن عبد الحكم: لها المتعة.
ابن سحنون: وإن بنى؛ لم يصدق في إبطال الطلاق والسكنى، وكذا إن قال: تزوجتها في عدة.
قلت: كذا وجدته في نسخة عتيقة مصححة في إبطال الطلاق والسكنى وهو وهم في السكنى لاقتضائه سقوطها، لو ثبت قوله: بيمينه، وليس كذلك، وتقدم نحوه لابن بشير، والرد عليه بثالث نص نكاحها: من نكح ذات محرم، ولم يعلم، ففرق بينهما بعد البناء؛ فلها السكني؛ لأنها تعتد منه، وإن كان فسخًا.
الشيخ عن كتاب ابن سحنون: من أقر في صحته بنكاح امرأة بمهر سماه وصدقته، تم جحد وهما طارئان؛ لزمه، وإن كانا حاضرين؛ صح إن أقر به الولي، وأشهدا إن لم يعترفا بالوطء وإلا حدا، ولو مات قبل إدعائها، ولم يبن صدقت إن أقر به الولي وورثته، ولو أقر بذلك في مرضه، فإن كانا طارئين؛ صدق في النكاح مطلقًا، وفي المهر إن ورثه ولد، وكان مهر مثلها، ولو كانا حاضرين، وصدقها الولي؛ بطل ولا إرث ولا مهر، وإقرار مثله في الجميع إلا سقوط المهر إن كان صحيحًا، ولو قال: تزوجتها ببينة، وقالت: بغير بينة؛ وعجز هو عن البينة، وصدقها الولي؛ صح وأشهدا، ولو أقرا بالبناء حدا إن عجزا عن البينة.
قلت: هذا خلاف سماع عيسى ابن القاسم: من تعلق بها رجلان كل يدعيها زوجة، وزعمت أنهما زوجاها، وأن أولهما أجاعها وضربها، فهربت وظنت أن ذلك فراقه، فتزوجها الآخر، وأنه طلقها فسأل الأول البينة إن أقامها؛ ردت إليه بعد حلفه ما طلقها، ولا صالحها ولا يطؤها حتى يستبرئها بثلاث حيض، وإلا فرق بينهما، وتنكح من أحبت منهما.
ابن رشد: معنى المسألة: أنها ليست في ملك أحدهما وتحت حجابه، وقوله: يسأل الأول البينة؛ تحتمل أنه الذي أقرت أنه أول أو الأول على دعوى الرجلين كقول أحدهما: تزوجان في محرم عام كذا، ويقول الآخر: في رجبه ولا أعلم فيها نكاحًا قبلي؛ والأول أظهر، وإنما حلف الأول مع بينته، ولم تدع امرأته طلاقه؛ لبينونتها بنفسها عنه،

ومصيرها إلى غيره على ما زعمت شبهة على طلاقها لعلها أقوى من الشاهد الواحد، ويمين الثاني لدعواها طلاقه مع كونها خارجة عن حوزه، وكذا يقول على هذا: لو انتقلت امرأة عن زوجها، وبانت بنفسها، ولم يظهر منه إنكار حتى طال الأمر، وأرادت التزويج، وزعمت أنه طلقها؛ لزمته اليمين، وإن لم تقم شاهدًا، ولو أقام كل منهما بينة ولم تؤرخا؛ لم يكن لواحد منهما نكاح إن كانتا عدلتين، وإن كانت إحداهما أعدل، ولو كانت في ملك أحدهما وعياله، وتحت حجابه، وهما طارئان أو مقران بالنكاح مع شهرة ذلك، وإعلانه كانت البينة على الآخر، فإن عجز؛ ثبتت لمن هي في ملكه دون يمين عليه على ما في سماع يحيى.
وسمع عيسى ابن القاسم: من تعلقت برجل زعمت أنه زوجها، وأن نبطية زوجتها منه، وادعت بشهود، فجحد الشهود ما ادعت إن أقرا بالدخول؛ أحسن أدبهما وفرق بينهما ولو دخل؛ لأنه لو ثبتت لها بينة؛ كان نكاحهما حرامًا، ومنعني أن أعاقب في المسألة الأولى أن ذلك أمر طال عسى الشهود أن يكونوا ماتوا أو غابوا.
ابن رشد: إنما لم يحدهما لإظهارهما الأمر قبل العثور عليهما، ولو أخذا في بيت فأقرا بالوطء، وادعيا الزوجية؛ حدا إن لم يأتيا ببينة على ما في قذفها ورجمها، ولو لم يقرأ بالوطء، ولا شهد به عليهما؛ أدبًا لو يحدا، وعليه محمل ما في نكاحها الأول، ويحتمل سقوطه لشهادة الأب والأخ: أن الأب زوجها إياه فرآه شبهة؛ ويريد بالمسألة الأولى التي قبلها؛ لأن كلا من الزوجين أقر بالبناء بالمرأة، وأدعى أنها زوجته، فلم ير على من عجز عن البينة حدا؛ لأنه أقر طائعًَا بأمر لا ريبة فيه، ولا رأى عليه؛ أدبًا لما ذكر من طول الأمر.
قلت: ظاهر ما نقله الشيخ عن كتاب ابن سحنون: إن جحد من صدق دعوى امرأة نكاحه وهما طارئان أنه لا يعد طلاقًا منه.
وقال المتيطي: من ادعت نكاح رجل، وأقامت عليه بينة، وهو ينكرها، وعجز عن دفعها؛ لزمه النكاح والنفقة، ولا ينحل نكاحه إلا بطلاق، فلو أبى الدخول؛ عزم عليه فيه أو الطلاق، إن طلق؛ لزمه نصف المهر الذي شهدت به البينة، فإن أبى البناء والطلاق.

قال ابن الهندي: كان بعض من أخذت عنه يقول: يطلق السلطان عليه بعد أربعة أشهر من وقت إبايته كالمولى؛ لأنه مضار، ويغرم نصف المهر.
المتيطي: لم يجعل ابن الهندي ولا ابن العطار ولا غيرهما من الموثقين فيما أعلم إنكار الزوج النكاح طلاقًا، ولا شك أنه أصل مختلف فيه.
قال أصبغ في الواضحة: من قال لأب: أنكحتني فلانة، وقال الأب: بل فلانة؛ فسخ ولا أيمان بينهما، وإن رجع أحدهما لتصديق صاحبه؛ لم يقبل منه، وغرم الزوج نصف مهر كل واحدة الأولى بإقراره، والثانية برجوعه لها.
واختلف في مسألة الابن الذي زوجه أبوه وهو ساكت هو نكوله طلاق أم لا؟ وفي العتبية ما ظاهره لزوم النكاح، ونحوه لأصبغ في النوادر عن أشهب.
ولابن زرب: إن أنكح وصي يتيمته من رجل، فأنكر الناكح، فقال له القاضي: طلقها، فقال: كيف أطلق من لم أنكح؟ قال له: ولعلك فعلت، فطلاقك خير لك ولها؛ فلم ير الإنكار طلاقًا.
قال: وفي رسم العزبة وسماع عيسى من رواية أصبغ عن ابن القاسم: من قال في جارية بيده: اشتريتها، وقال سيدها: بل تزوجتها؛ تحالفًا وتفاسخًا، ولا تكون زوجة ولا أم ولد، وترجع الأمة لسيدها؛ لأن المشتري أقر بأنها ليست له بزوجة؛ فهو كمطلق، وأدعى أنها أمته ولا بينة له.
ابن زرب: قوله: هو كمطلق؛ ليس على أصولهم، وليس إنكاره طلاقًا، واختلف أيضًا في نكاح الهزل فقال الشيخ أبو الحسن: إذا لم يقم عليه دليل؛ لزم الزوج نصف المهر، ولم يمكن من الزوجة لإقراره أن لا نكاح بينهما.
وقال أبو عمران: يمكن منها ولا يضر إنكاره.
قلت: هذا هو الحق؛ لأن العدم اللاحق مباين للعدم السابق كعدم العالم السابق هو ثابت في الأزل؛ لإنتفاء نقيضه وعدمه اللاحق حادث؛ لأنه بعد وجوده الحادث، إذا ثبت هذا؛ فالطلاق شرعًا إنما هو من باب العدم اللاحق، وهو رفع العصمة، أو بعض أجزائها، وإنكار النكاح من باب العدم السابق؛ فهما متباينان، والمباين لا يستلزم مباينه بل ينافيه، وما أشار إليه في رسم العزبة هو سماع عيسى في كتاب الدعوى والصلح إثر

سماعه رواية ابن القاسم: من طلب ثمن جارية بيد من ولدت منه، وزعم أنه باعها منه فقال من هي بيده: لم أشترها؛ بل زوجتنيها، إن كان ممن لا يتزوج الإماء لشرفه وماله؛ غرم ثمنها، وإن كان ممن يتزوجها قبل قوله: وتركت؛ له يطؤها؛ لأنها حلال له زوجته، أو أم ولده لإقرار خصمه أنها ولدت منه بابتياع، ولو لم يكن ولد حلف أنه صادق، وفسخ النكاح، وأخذ الجارية ربها.
وقال سحنون وأصبغ: رب الجارية أقر أنها أم ولد؛ فولدها أحرار، وأدعى مالًا؛ فلا يثبت له إلا ببينة، فتوقف الجارية، وتنفق على نفسها، فيأخذ ربها من تركتها ثمنها، ويوقف باقيهما حتى يقر من هي بيده بشرائها فيأخذه.
قال: فإن مات من أدعى نكاحها قبلها؛ كانت حرة لإقرار ربها أنها أم ولد، فإن ماتت بعد ذلك؛ فمالها لورثة من أقر ربها أنه باعها منه.
ابن رشد: قوله: إن كان ممن لا يتزوج الإماء غرم ثمنها؛ معناه: أن القول قول رب الجارية مع يمينه إن كان ما ادعاه من الثمن يشبه، وإن لم يشبه؛ تحالفًا وغرم قيمتها يحلف ربها لقد باعها منه بما أدعى؛ ليحقق عليه شراءها، ويحلف الآخر لقد تزوجها، وما اشتراها؛ ليسقط عنه ما زاد على قيمتها.
وقيل: لا يصدق ربها فيما ادعاه من الثمن، وإن أشبه إن كان أكثر من قيمتها، وهو الآتي على قول الغير في الجعل والإجارة منها: فعليه يحلف ربها لقد باعها منه بالثمن الذي ادعاه؛ ليحقق الشراء، ويحلف الآخر ما اشتراها، وإنما تزوجان؛ ليسقط ما زاد على قيمتها.
وقوله: إن كان ممكن يتزوج الإماء قبل قوله؛ معناه: في تكذيب رب الجارية أنه باعها منه لا في أنه تزوجها؛ لأنه في ذلك مدع، وإن زاد في يمينه: (ولقد تزوجها منه) تحقيقًا لدعواه عند من سمعه؛ لم يثبت بذلك زوجيتها؛ لأنها لو لم تلد حلف أنه صادق في دعواه أنه تزوجها، وما اشتراها، ويحلف ربها لقد باعها منه، وما زوجها منه، ويفسخ النكاح والبيع، ويأخذ الجارية ربها.
وقول سحنون: إن ولدت؛ وقفت حتى تموت؛ أظهر من قول مالك؛ لأن كل واحد من المتنازعين مدع على صاحبه، وقد أبطل صاحبه دعواه عنه بيمينه، فلم يثبت

كونها زوجة ولا أم ولد.
وضعف ابن دحون قول سحنون بأن الأمة لا تخلو عن كونها زوجة على دعوى من هي بيده أو أم ولد على دعوى ربها؛ فهي مباحة له؛ لأنه لو قال رجل: كنت أولدت إمائي كلهن، وتزوجتهن كلهن إلا واحدة لا أدري هل هي زوجة أو أم ولد؟ لم يمنع من وطئها؛ لأنه حلال على أي وجه كانت.
ابن رشد: تضعيف ابن دحون ضعيف؛ لأن الشراء والتزويج لم يصحا، وانفسخا بيمين كل منهما على تكذيب صاحبه؛ فلا يصح لحاكم أن يقرها بيد من هي بيده بدعواه تزويجها لانفساخه بيمين من هي بيده، ولاحتمال كذبهما معًا، وما نظرها به ابن دحون لا يشبهها؛ لأن من شك في المرأة هل هي زوجة أو أم ولد؟ لا شك في حليتها له، والحاكم في مسألتنا يشك في حليتها؛ لاحتمال كذبهما كما قررناه، وقول سحنون: الولد أحرار مفسر لقول مالك.
قلت: هذا يضعف قول ابن رشد، ويصحح قول ابن دحون؛ لأن الحكم بحرية الولد؛ حكم يلازم الدعويين، وإلا لزم رقه؛ لأن أمة أمة، فكما حكم بلازمهما في الولد، فكذا في حلية وطئها من هي بيده.
قال: وقوله: نفقته عليها صحيح، فإن عجزت؛ أنفقا عليها أو أعتقاها، ولا توقف بغير نفقة.
وقوله: إن ماتت؛ أخذ ربها من تركتها الثمن؛ صحيح، لإقرار من هي بيده أن جميع تركتها لربها، وباقيها موقوف من كذب منهما نفسه أولًا، ورجع لقول صاحبه أخذه.
وقول أصبغ: إن مات من ادعى تزويج الأمة قبلها؛ عتقت صحيح لإقرار ربها أنها أم ولد له، وكذا قوله: إن ماتت بعد ذلك لا يكون لربها من مالها شئ؛ لأنها ماتت حرة، فيرثها عصبتها الذين يرثون ولاءها لإقرار سيدها أنها أم ولد، ولا حق له قبلهم، إنما حقه قبل الميت الذي أدعى أنه باعها منه.
قلت: وفي الرسم المذكور مسألة إثر هذه المسألة هي: قال سحنون: لو قال حائزها: اشتريتها، وقال ربها: زوجتكها؛ فالقول قوله، وولدها رقيق ينسب لأبيه.

أصبغ عن ابن القاسم: يتحالفان ويتفاسخان وترد لربها، ولا تكون زوجة ولا أم ولد، والحائز بإقراره أنها ليست له زوجة كمطلق، والولد في الوجه الأول حر تبع لأبيه لا قيمة عليه فيه، وفي الوجه الثاني الذي قال: زوجتك؛ رقيق.
ابن رشد: هذه عكس التي قبلها لا يقبل قول حائزها؛ لأنه مدع شراءها دون بينة، وولده رقيق ينسب إليه، ويفسخ النكاح لإنكاره تزويجها مع يمينه على ذلك، فترد لربها ولا يلزمه فيها طلاق؛ بل يكون عنده إن تزوجها على طلاق مبتدأ على ما قاله أصبغ عن ابن القاسم: أنهما يتحالفان ويتفاسخان.
وقوله: أنه كمطلق؛ يريد: أنه لا يصح له المقام عليها؛ لإنكاره نكاحها.
قلت: هذا خلاف ما تقدم لابن زرب من حمله على أنه طلاق.
ابن رشد: ولو لم تشبه دعوى ربها أنه زوجها منه؛ لكونه ليس مثله من يتزوج مثلها الإماء لشرفه وحاله موجب أن يكون القول قوله في دعواه الشراء، ويكون ولده حرًا على ما قاله مالك في المسألة التي قبلها.

الصداق الأظهر أن غير ركن في صحيح النكاح، وإسقاطه مناف له، فإمكان لزوم الصداق شرط في صحيح النكاح، ولا يرد بلزومه في نكاح التسمية؛ لأن اللزوم لعارض لا ينافي الإمكان الأصلي.
وقول ابن الحاجب وغيره: ركن؛ يرد بعدمه في نكاح تفويض وقع فيه طلاق أو موت قبل البناء؛ لأن ركن الأعم لا يوجد أخصه بدونه، فإن قيل: يمنع عدمه فيها ذكر، وسنده أن عدم الشئ في وقت ما لا يدل على عدم تقدم وجوده؛ فعدمه في الطلاق والموت قبل البناء، كعدم أحد الزوجين بموته لحكم الشرع بإسقاطه بهما، كما أسقط نصف أقله المسمى بالطلاق وأبقى نصفه، وإن لم يكف في ركنيته، أجيب بأنه لو كان ثابتًا قبل في الطلاق والموت كالنصف الثاني في المسمى، أو كثبوت كله على قول لما صح قولها: لو استثنى من أعتق أمته قبل البناء مهرها؛ صح في نكاح التسمية، وبطل في التفويض قبل فرضه؛ إذ ليس بمال لها، فيشترطه، ولما ذكر ابن عبد السلام ما رددت به قول ابن الحاجب قال: والجواب أن عقد النكاح عقد معاوضة كل من العوضين فيه ركن، والصداق في النكاح أحد العوضين، ونكاح التفويض أحد تحكمات الشرع في الصداق، وتحكماته مألوفة في أركان النكاح عمومًا، وفي الصداق خصوصًا.
قلت: فحاصل جوابه: أن الصداق ركن في مطلق النكاح؛ لأنه عقد معاوضة، وأنه في نكاح التفويض غير ركن، وإليه الإشارة بقوله: ونكاح التفويض أحد تحكمات الشرع، ومن تأمل هذا الكلام علم تنافيه، لأن كون الشئ ركنًا لمطلق ماهية غير ركن لأخصها متناف.
وأكثر المهر لا حد له، وقول عمر ورجوعه عنه؛ لإنصافه قصته فيه مشهورة.
أبو عمر: لم يختلفوا في أكثره لقوله تعالى: (وآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنطَارًا) [السناء: 20].
الباجي عن الجلاب: لا أحب الإغراق في كثرته.
قلت: لحديث عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يمن المرأة تسهيل أمرها

وتيسير أمرها وقلة صداقها".
قالت عائشة: "وأنا أقول من عندي: ومن شؤمها تعسير أمرها وكثرة صداقها"؛ أخرجه الحافظان الحاكم وابن حبان واللفظ له، وذكر الحاكم أنه على شرط مسلم.
وأقله: المشهور ربع دينار أو ثلاثة دراهم، أو ما قيمته أحدهما، وقيل: أو ما قيمته ثلاثة دراهم فقط.
اللخمي: هو كقول ابن القاسم في نصاب السرقة قال: ولابن وهب: يجوز بالدرهم والسوط والنعلين.
وعزا المتيطي الثاني لابن شعبان.
وزاد عن ابن وهب في الواضحة: يجوز بأدنى من درهمين، وبما تراضى عليه الأهلون.
وفي نكاحها الأول: لا يزوج الرجل عبده أمته إلا ببينة وصداق، ومن نكح بأقل من أقله؛ أتمه وإلا فسخ.
فيها: إن نكح بدرهمين، أو بما يساويهما، ولم يبن؛ أتم ثلاثة دراهم وإلا فسخ.
قلت: لم أجزته؟ قال: لأن من الناس من أجاز هذا الصداق، وفي لزوم نصف الدرهمين في فسخه نقلا الباجي عن محمد مع جماعة من أصحابنا، والجلاب مع التلباني، وجماعة من المتأخرين.
ابن محرز: صوب القابسي الأول، وابن الكاتب الثاني؛ لأنه فسخ يجبر، بخلاف لو طلق؛ لأنه بنفس اختياره، وكون الزوج قادرًا على إتمامه بتكميله كحالة في اختلافهما في المهر مع قدرته على إتمامه بتصديق منازعه.
المتيطي: صوب الأول غير واحد من القرويين.
وقيها إن بنى؛ أجبر على إتمامها.

قال بعض الرواة: لا يجوز قبل البناء، وإن أتم الزوج ربع دينار، فإن بنى؛ فلها مهر مثلها، والنكاح مفسوخ قبل البناء وبعده؛ لأنه كأنه تزوج بغير مهر.
وعزا الباجي الأول لأشهب وابن القاسم، والثاني لابن الماجشون، وفسر المتيطي بعض الرواة به، وقال إثر نقله قوله: يفسخ قبل البناء؛ زاد في رواية الدباغ: ويفسخ أيضًا بعد البناء، ولها صداق المثل كمن تزوج بغير صداق، وعلى هذه الرواية اختصر ابن أبي زمنين، والبراذعي وغيرهما، وأسقطها ابن أبي زيد وغيره.
قلت: ففي حمل قول الغير على الفسخ بعد البناء طريقان: الثانية: نقل ابن رشد عنه.
وفيها: إن طلق قبل البناء؛ قلها نصف الدرهمين.
اللخمي: وعلى قول الغير لا شئ عليه.
قلت: تقدم لابن الكاتب ما يرد تخريجه عليه، ونقله ابن بشير نصًا لا تخريجًا.
وسمع عيسى ابن القاسم: من أعطته ثيب دنانير على أن يتزوجها إن زادها عليها ربع دينار؛ فلا بأس، ومن أعطته بكر ذلك؛ فسخ نكاحه قبل البناء إن لم يتم لها المهر، وإن بنى؛ لزمه مهر المثل، ثم رجع إلى ثبوته، وإن لم يبن، وعليه ما أصدقها من ماله.
ابن رشد: إن زاد الثيب ربع دينار؛ جاز النكاح؛ لأنها مالكة أمر نفسها، وإن زادها أقل من ربع دينار؛ كان كمن تزوج به، فذكر قول ابن القاسم فيها: وقول الغير معبرًا عنه بقوله: يفسخ قبل البناء.
وفي فسخه بعده كالموهوبة وثبوته بعده بمهر المثل كنكاح فاسد لمهره قولان: والبكر قال ابن القاسم: إن أعطاها ما أصدقها من ماله قبل البناء؛ ثبت نكاحه وإلا فسخ، وإن بنى؛ صح ولزمه مهر المثل؛ لأنه لم يرض بالمسمى إلا لظنه إمضاء العطية، ثم رجع للزوم نكاحه بغرمه ما أصدقها لاستحقاقها إياه كمشتر عبدًا بمال أعطاه إياه، ولم يستثن ماله.

باب شروط الصداق

وشرطه: كونه منتفعًا به للزوجة متمولًا.
الباجي عن ابن مزين عن يحيى بن يحيى: من نكح بقرآن يقرؤه؛ فسخ قبل البناء وثبت بعده.
أبو عمر: روى ابن القاسم مثله.
قال ابن القاسم: وكذا من تزوج بقصاص؛ وجب له على امرأة.
وقال سحنون: النكاح جائز، وإن لم يدخل.
قلت: هو جار على قول أشهب: يجيز القاتل على الدية.
ويطلب كونه لا غرر فيه.
في نكاحها الأول: من نكح امرأة على أحد عبديه أيهما شاءت المرأة؛ جاز، وعلى أيهما شاء؛ لم يجز كالبيع.
قلت: لم يقع استثناء البائع النصف إلا هنا، ويمنع بما لا يملك، أو بذي غرر فيها كالخمر والخنزير والبعير الشارد والجنين والثمرة قبل بدو صلاحها.
قلت: يريد على البقاء.
اللخمي: إن نزل؛ ففي مضيه كنكاح التفويض يثبت فيه بمهر المثل، ويسقط بالطلاق وفسخه قبل البناء، ثالتها: وبعده لروايات ابن القصار مع القاضي قائلًا في حمل رواية الفسخ قبل البناء على الوجوب أو الاستحباب قولًا أصحابنا.
وسمع ابن القاسم: كراهة إنكاح مدين بخمسين دينارًا ممن هي له على أن

يؤخره بها.
ابن القاسم: هو حرام يفسخ قبل البناء، وبعده لها مهر المثل، ويرد المال لأجله.
ابن رشد: معنى قول مالك: أن الولي اشترط ذلك في العقد دون تسمية مهر فكرهه؛ إذ لا أثر له في فساد العقد؛ إذ لم يقع عليه المهر، فيمضي النكاح، ويسقط التأخير، وتكلم ابن القاسم على أنه زوجه بمهر مسمى على ذلك، فيكون التأخير فسادًا في المهر؛ لأنه حط منه بسببه، فوجب فسخه قبل البناء، ويكون فيه مهر المثل بعده، وظاهر قوله: مهر المثل سواء كان أقل من المسمى أو أكثر، ويأتي على المشهور في البيع والسلف أن يكون لها بعد البناء الأكثر من مهر المثل أو المسمى.
قلت: يرد بأن النكاح مبني على المكارمة.
قال: ويفسخ قبل البناء في كل حال، وقول بخلاف البيع والسلف الذي يثبت إن أسقط السلف مشترطه؛ لأنه بين المتبايعين، وليس هو هنا بين الزوجين.
وفيها: إن تزوجها على دار فلان، أو على أن يشتريها لها؛ فسخ قبل البناء وثبت بعده بمهر المثل.
وسمع ابن القاسم: من تزوج امرأة على أن يعتق أباها، فاشتراه فأعتقه، ثم طلقها قبل البناء؛ غرمت نصف قيمته، وجاز عتقه.
ابن القاسم: لا يجوز هذا النكاح؛ لأنه لم يصل إليها شئ من المهر، هو أعتقه، وله ولاؤه، ويفسخ إلا أن يبني، فيثبت بمهر المثل، ولا يرجع عليها بشئ، وأخبرني من أثق به عن مالك أنها تغرم نصف قيمته، وأخبرني بعض جلسائه عنه أن لا غرام عليها، والأول أحب إلي.
ابن رشد: قوله: فاشتراه؛ بدل أنه لم يكن في ملكه يوم عقد النكاح، ومعروف قوله: لا يجوز النكاح على عبد فلان، وجوزه هنا؛ إذا لم ير النكاح فاسدًا؛ لأنه أوجب للزوج الرجوع عليها إن طلق بنصف قيمته، وجوز العتق كنكاح صحيح؛ لأن الفاسد لصداقه لا يجب صداقه إلا بالبناء، فلو كان فاسدًا؛ لم يجب له عليها في طلاقة قبل البناء شئ؛ لأنه هو أعتقه، أو لا وجب له عليها كل ثمنه؛ لأنه لما أعتقه بأمرها، فكأنها قبضته وأعتقته.

وروى أبو عبيد عن مالك: أن النكاح على عبد فلان جائز، وإنما أجاز مالك نكاحه وإن لم تملكه المرأة ولا ولاءه؛ لأنه مال من أمواله بعد الشراء لو قالت: أعطيك مالًا على أن تعتقه ولك ولاؤه؛ جاز، وصح له أخذ المال، فهو لم يرض أن يخرجه عن ملكه إلا ببضعها، وإن لم تملكه طرفة عين، ولا وصل إليها شئ من المهر؛ فلا بأس به؛ لأنهم أجازوا أن تقول المرأة: أتزوجك على أن تعطي عبدك فلانًا، وإن لم تملكه، ولا وصل إليها منه شئ، وعلل ابن القاسم فساد النكاح بأنها لم يصل إليها من المهر شئ؛ إنما أعتقه وله ولاؤه، فعليه لو تزوجها على أن يعتق عنها أباها ويكون لها ولاؤه، ومنعه ابن الماجشون، ففي جوازه: ولو أعتقته عن نفسه، ونفيه: ولو على أن يعتقه عنها، ثالثهما: على أن يعتقه عنها لمالك وابن الماجشون وابن القاسم على أصله في فسخ نكاح من أعتقه ربه عن زوجته بمال أخذه منها.
ونقل ابن القاسم اختلاف قول مالك في رجوعه عليها في طلاقها بنصف قيمته؛ إنما هو في مسألة المدونة فيمن تزوجها على من يعتق عليها بدليل اختيار ابن القاسم قول مالك الأول كما قاله في المدونة؛ لأن مسألة العتبية لا يوجب ابن القاسم فيها للزوجة شيئًَا قبل البناء؛ لأنه نكاح فاسد، فوهم العتبي في سياقته عليها، ونكاحها على من يعتق جائز إتفاقًا، ويعتق عليها علمًا أو جهلًا أو أحدهما، بكرًا كانت أو ثيبًا.
قاله ابن حبيب، وهذا في البكر إن لم يعلم الأب أو الوصي، وإلا لم يعتق عليها.
وفي عتقه عليه قولان، وإن عتق عليها، ولم تعلم، وعلم الزوج؛ تبعته بقيمته؛ لأنه غار، وقيل: لا يعتق عليها إذا غرها، ويرد إليه، وتتبعه بقيمته أو نصفها إن طلقها قبل البناء، اختلف فيه قول ابن الماجشون.
ولابن كنانة: إن غرته هنا؛ فسخ قبل البناء، وثبت بعده ويعتق وتغرم له قيمته، ويغرم لها مهر مثلها، ولو علمت دون الزوج؛ لم تتبعه بشئ وله إن لم يعلم -علمت أم لا إن لم يكن لها مال- رد عتقه ليباع لجهازه، وأن يرجع في نصفه إن طلقها قبل البناء.
وفي كونه بمطلق من صنف غير موصوف جائزًا إبتداءً أو بعد وقوعه، أو إن خصص بجنس له رابعها: لا يجوز لقول التلقين: يجوز على وصف، أو عبد مطلق أو جهاز بيت مع ظاهر نقل عياض عن ابن القصار أنه كنكاح تفويض، وظاهرها

والصقلي عن ابن محرز عن سحنون، وغير واحد عن ابن عبد الحكم، وفي كون قول ابن محرز: (إن كان للنكاح جنس معتاد؛ جاز وإلا فسد) خامسًا نظر.
وكونه بمطلق من جنس اعم ممنوع لقول الشيخ عن محمد: نكاحها بعرض؛ لم يوصف من أي العروض يفسخ قبل البناء حتى يقول: بثوب كتان أو صوف، وإن لم يصفه؛ فلها الوسط، وكذا في اللؤلؤ، قاله ابن القاسم.
قلت: يريد: أنه يمنع بلؤلؤ غير موصوف مطلقًا لقولها: إن كاتبه بلؤلؤ غير موصوف؛ لم يجز لتفاوت الإحاطة بصفته، والكتابة أخف من النكاح في الغرر، وقول ابن حارث: اتفقوا فيمن تزوج امرأة على عبد أن لها عبدًا وسطًا خلاف نقله قول ابن عبد الحكم.
وفيها: قال مالك: إن تزوجها على خادم أو بيت؛ جاز، ولها خادم وسط والبيت الناس فيه مختلفون، للأعراب بيوت عرفوها وشورة عرفوها، وشورة الحضر لا تشبه شورة البادية.
قلت: فعلى بيت من بيوت الحضر قال: جائز إن كان معروفًا كما في البادية.
قلت: فعلى شوار بيت؟ قال: نعم، إن كان معروفًا عند أهل البلد، وإن لم يضرب لذلك أجلًا، وفي كون المراد بالبيت الشورة أو المبنى طريقا عياض مع ابن محرز، وظاهر نقل الصقلي عن أبي عمران: يجوز على بيت يبنيه لها إن كان ببقعة معينة في ملكه ووصف بناءه وقدره.
ابن محرز: لا يجوز على بيت مضمون يبنيه؛ إذ لابد من ذكر موضعه، فيصير المضمون معينًا.
الشيخ: لا يجوز على بيت مضمون يبنيه.
الصقلي: لأنه يصير إلى السلم في معين، وهو ظاهر الواضحة، وفي الموازية خلافه، ولو تزوجها بنصف عرصه له على أن يبنيها لها بناءً تواصفاه؛ ففي جوازه فتوى ابن رشد على قول ابن القاسم بجواز البيع والإجارة في المبيع، وقول بعض الأندلسيين.
قلت: ولا يمنع على قول سحنون بمنع البيع والإجارة في المبيع؛ لأن النكاح أخف في البيع.

ولابن فتوح: إن تزوجها بعرصه على أن عليه بناءها ولم يبينه؛ فعليه أن يبني لها دارًا وسطًا من دور مثلها، وتم النكاح، وعلى المشهور سمع عيسى ابن القاسم: يقضي بوسط الصنف فيها لمالك به حالًا، وليس للزوج دفع قيمته إلا باختيارها، وسمع ابن القاسم من نكحت بأرؤس اشتري لها الإماء لا العبيد، وليس فيه سنه إلا ما جرى عليه عمل الناس، وسمع من نكحت بأرؤس دون ذكرها من حمران ولا سودان؛ فلها نصف القيمتين.
سحنون: إن كان رقيق البلد من أحدهما قضي به وإلا فكما قال: ويقضي بالإناث لا الذكور.
ابن رشد: إنما يقضي بنصف القيمتين إن كان رقيق نكاح البلد الصنفين والمهر عبد أو ثلاثة، ففي الثلاثة عبدان من الصنفين، ونصف قيمة واحد من أحدهما، وباقيها من الآخر، كما لو كان رأسًا واحدًا، والقيمة يوم عقد النكاح، ولو طلق، سمعه عيسى من ابن القاسم، والأشبه لزومه عبدان من الصنفين شركة بينهما لسماع أصبغ ابن القاسم: من قطع أنملة رجل عليه عشرة من الإبل بأسنان الدية يشركه المقطوع فيها بقدر دية الأنملة، ثم يتقاسمان أو يبيعان، والقيمة في ذل جارية على قولهم في الخطأ في الزكاة تجب عليهم شاة.
اللخمي: إن تزوجت بعبد لم يصفاه، وطلقها قبل البناء، فروى محمد وابن حبيب عن مالك وأصحابه: لها نصف قيمة عبد وسط يوم العقد.
اللخمي: وليس بحسن، وأرى عليه عبدًا على الصفة يكون بينهما ليس كمن وهب نصف دينار لمن هو عليه هذا يقضي عليه بنصف قيمته دراهم؛ لأن الأغراض تختلف في العبد لا في الدينار.
قلت: يرد بأنها لا تختلف في آحاد الدنانير والدراهم لا فيما بين الدنانير والدراهم.
وسمع عيسى ابن القاسم: من نكحت على رأسين بمائة كل رأس بخمسين، ثم غلت الرقيق كل رأس بمائة إن ذرت الخمسون صفة للرأس، كصفة معلومة في البيع والسلم؛ لزمت الصفة، غلت الرقيق أو رخصت، وإن ذكرت كي لا تزول غلت الرقيق أو رخصت؛ فالزوج كوكيل على الشراء بخمسين ليس عليه غيرها.

ابن رشد: أمرهم على العدد حتى يعلم قصدهم الصفة.
وفي رسم مرض من سماعه: إن سموا للرؤوس ثمنًا؛ لم يعتبر الوسط، والمرأة مخيرة في أخذه بالأرؤس على تلك التسمية، أو بها دون الأرؤس إلا أن يحضرها على التسمية قبل تخييرها التسمية؛ فلا خيار لها كوكيل على شراء شئ لموكله نهاه عنه قبله لا بعده، ولو طلقها قبل البناء؛ فلها نصف التسمية من الثمن، ولا يجبر الزوج على رأس بتلك التسمية يكون بينهما، قاله ابن حبيب عن مالك وأصحابه.
قال: ولم أعلمهم اختلفوا فيه إلا ما لأصبغ في المرأة الدنية يسمى لها في الثياب ثمن رفيع.
اللخمي: إن كانوا يسمون الثمن تجملًا، ففي لزوم الوسط من المثمون، ولزوم الشراء بالثمن قولًا أصبغ إن سمى الرداء بعشرين دينارًا للسمعة أعطى الوسط وغيره.
وفيها: إن تزوجها على غائب من دار أو أرض أو غنم؛ جاز إن وصف، وإلا فسخ قبل البناء ومضى بعده بمهر المثل.
زاد في سماع أصبغ ابن القاسم: وله البناء إن قرب المهر، وإلا فلا كالشراء.
فيها: وإن هلك العبد؛ فلها قيمته.
ابن رشد: يريد: ما لم يتفاحش بعده، وفي حده خلاف.
قال فضل: إجازته.
اصبغ بالمدينة: ففي إفريقية غلط؛ لن ابن مزين حكى عنه: إنما يجوز بالمدينة فيما بمصر، وبمصر فيها بإفريقية، وقاله ابن حبيب.
الباجي: روى ابن حبيب: لا خير فيه بإفريقية بما في المدينة.
ابن رشد: وحد القرب كالبيع ثلاثة أيام ونحوها.
أصبغ: الأربعة والخمسة.
وقال ابن حبيب: له البناء في بعيد الغيبة، ويستحب تقديمه ربع دينار.
قلت: في تهذيب عبد الحق عن ابن القاسم: لا يبني في بعيد الغيبة، ولو قدم ربع دينار كان سماه مع الغائب؛ لن النقد في الغائب لا يجوز.
عبد الحق: في قوله نظرً؛ لأن الممنوع فيه شرط النقد لا الطوع به فكذا البناء.

قلت: ظاهره: أنه فهم كلام ابن القاسم على منع البناء، ولو كان غير مشترط، وظاهر قوله في السماع: كالشراء أنه مثله إنما يمنع بشرط.
ابن رشد: قوله: إن هلك العبد؛ فهو منه؛ يريد: قرب أو بعد على ما اختاره في ضمان الغائب.
وقوله: لها قيمته على أصله في العرض المهر يستحق.
وعلى سماع أشهب: لها مهر المثل.
وفي العشرة ليحيى: مصيبة المهر من المرأة بالعقد بخلاف البيع.
وزاد: لو ماتوا قبل النكاح؛ انفسخ، ويلزم عليه إن استحق المهر العرض قبل البناء؛ انفسخ النكاح، وكذا إن مات العبد الغائب المهر بعد العقد قبل قبضه على أن المصيبة من الزوج.
ابن بشير: إن قريبت غيبته؛ صح البناء، وإن توسطت؛ ففي صحته بشرط النقد قولان.
قلت: فالأقوال أربعة، ولفضل: قول ابن القاسم: إن تزوجت بعبد غائب، فمات بعد العقد فسخ النكاح بعيد؛ بل الواجب قيمته.
ابن محرز: الصواب: يخيره في غرم قيمته؛ ليتم نكاحه وفسخه.
قلت: فالأقوال ثلاثة.
وفيها: إن نكحها على عبد موصوف؛ لم يضرب له أجلًا جاز حالًا كقول مالك: إن نكحها على عبد؛ لم يصفاه ولم يؤجلاه، كان عليه عبد وسط حال.
وروى صاحب الكفي: من نكح بمهر لغير أجل فسخ قبل البناء، وثبت بعده بمهر المثل.
ابن عبد السلام عن بعضهم: إن كان مع حال وأجل؛ لم يجزه لتعارض احتمال كونه مع أحدهما، فحصلت الجهالة، وأظن في أحكام ابن سهل خلافه فينظر فيها.
قلت: ما نقله عن بعضهم لا أعرفه، ولم أجد في احكام ابن سهل مثله، ولا خلافة وتوجيهه بما ذكر لغو على المشهور؛ لأن ما معه من حال يقابل الأجل، فيجب اعتبار حكم نفسه، وهو الحلول على رواية أبي عمر.

وفيها: إن تزوجها بدنانير بعينها غائبة؛ لم يجز إلا أن يشترط بدلها إن تلفت كالبيع، ولو حضرت ونقدها؛ جاز فيهما.
بعض القرويين: إنما يلزم شرط البدل إن شرط قبض السلعة.
قال محمد: وهو تفسير.
زاد محمد: وإن لم يشترط بدلها؛ جاز البيع ووقفت السلعة حتى تقبض الدنانير.
المتيطي: وعليه يجب منع الزوج البناء حتى تقبض.
قلت: قول غيره فيها يجوز البيع دون شرط البدل والحكم يوجبه؛ جار في النكاح، وظاهرها مع غيرها فساد النكاح بمعين غير معلوم ولا موصوف.
وأجاب ابن رشد القاضي ابن مسرة فيمن نكح على دار بقرية كذا، وتكسير ثلث مدي نصفه في أرضه البيضاء، ونصفه في زيتون والتكسير بقرية الزوج مجهول: بجواز النكاح ما لم يكونا جاهلين بصفة ما ذكر، وهم على العلم به حت يثبت جهلهم، فيفسخ قبل البناء، ويثبت بعده بمهر المثل، وعدم كتب علمهم بذلك تقصير لا يوجب فسادًا، فيعرف تكسير مبذر المدى بأرض تلك القرية، ويكسر كل ما للزوج بها حين عقد نكاحه، فتكون شريكة للزوج بذلك الجزء ما بلغ في كل أرضه بها جيدها ورديئها سقيها، وبعلها على الإشاعة، وكذا فيما له من الزيتون، وأما الدار التي ساق لها، ولم تعين في كتاب الصداق، ولم تحد فيه، فإن كان له بالقرية دار على صفة ما ذكر في كتاب الصداق قضى بها لها، وإلا لزمه لها قيمة دار بالقرية المذكورة على صفة ما ذكر في كتاب الصداق في أوسط مواضع القرية.
فقال ابن مسرة: أين يقع هذا من قول ابن حبيب النكاح بأرض لزوج لا يذكر موضعها، ولا حدودها ولا ذرعها، ولا يعرف مبلغها، ولا توصف بحالها يفسخ قبل البناء، ويثبت بعده بمهر المثل، وسواء أصدقها أرضًا وسكت، أو قال: أرضًا لزوج بقرية كذا، أو قال: أرضًا لزوج يختارها إن كانت في قرية فلانة إلا أن يقول: أرضًا للزوج في قرية فلانة، ولم يقل: تختارها، فإن عرفت أرضه في تلك القرية أو عرفها أبوها وهي بكر؛ جاز، وكانت شريكة له في أرض قريته بأرض زوج إن كانت أرضه ثلاثة أزواج؛ فلها ثلثها، كذا روى أصبغ وغيره عن مالك.

ابن رشد: قول ابن حبيب: إلا أن يقول: أرضًا لزوج في قرية فلانة؛ معناه: إلا أن يقول: أرضًا لزوج من أرضي بقرية فلانة؛ لأن الاستثناء لأقرب مذكور.
قلت: قول ابن رشد: معناه: إلخ؛ تقييد للمستثني بزيادة (لي) الدالة على ملك الزوج.
وقوله: لأن؛ الاستثناء لأقرب مذكور؛ فظاهره تعليل للتقييد، وهو غير مناسب له، فيجب كونه تعليلًا؛ لصحة الكلام المدعى تقييده بتقرير نفي ما يوهم بطلانه، وهو استثناء غير مذكور؛ لأن قول ابن حبيب: غلا أني قول إلخ؛ هو نفس القول الثاني المعبر عنه بقوله أو قال: أرضًا لزوج بقرية كذا؛ فصار كقولنا: ما جاءني زيد ولا عمرو ولا أعمامي إلا عمرًا إن رد الاستثناء للثاني؛ بطل، وللأخير صح، فيجب له لقربه.
ابن رشد: فمذهبه إن قال: أرضًا لزوج من أرضي بقرية فلانة؛ فلم يجز إن قال: تختارها، ولو تساوت في الطيب، وجاز إن لم يقله، وكانت شريكة بقدر ذلك من أرضه، ولو اختلفت في الطيب على أصله في منع شراء ثوب يختاره من ثبات إلا أن تتخذ صفة الثياب في الجودة؛ لأن الأرض، وإن ستوت الأغراض تختلف في نواحيها، ومنه منع الغير في كتاب كراء الأرضين: كراء الأرض بالذرع، ولو استوت، ويتخرج في النكاح بأرض تختارها المرأة من أرض الزوج، وهي مختلفة للطيب والكرم، وهي على صفة واحدة من سقي أو نضح أو بعل.
لابن القاسم قولان: الجواز: من إجازته في كتابة الخيار شراء ثوب يختاره من ثياب، وإن كان بعضها أفضل من بعض إن كانت على سرد واحد.
والمنع: من قوله في كتاب الدور والأرضين: كراء الأرض بالأذرع لا يجوز إن كانت مختلفة، ويقوم اختلافه أيضًا من اختلاف قوله في قسم الأرض: إن اختلفت في الطيب والكرم، وإن اختلفت في السقي بالعين والنضح والبعل؛ لم يجز النكاح بأرض زوج منها تختارها إلا على قول ابن أبي سلمة، وعلى أنها لا تختارها جائز استوت أو اختلفت.
قلت: في فتوى ابن رشد نظر من وجهين:

الأول: أن في السؤال النص على أن تكسير مبذر المدي في القرية مجهول؛ ومعناه: أن قدر مساحته مجهول، وإذا كان مجهولًا؛ كان النكاح على قدر مجهول، وهذا يوجب فسخه قبل البناء.
الثاني: قوله: إن لم يكن بالقرية دار؛ لزمته القيمة إن أخذه، فالنكاح على هذا التقدير وقع على دار ليست في ملكه، فيصير كمن نكح على دار فلان، وهذا يجب فسخه قبل البناء، وإن حملها على أنها مضمونه؛ فكذلك حسبما مر فتأمله.
فتعقب ابن مسرة: إن أراد به هذا فواضح، على أنه بعيد من لفظه، وإلا فقيه نظر.
وابن عات: سئل ابن زرب: عن من تزوج امرأة على دار يقيمها في قريته إن كانت له أرض بقيمتها فيها جاز النكاح، وبنى لها دارًا متوسطة، وإن كان لا أرض له لم ينفذ النكاح بخلاف النكاح على خادم ولا خادم له؛ لأن التسليف يجوز في الخدم لا في الدور.
وروى محمد: يجوز بدين على رجل، ولا يبني حتى يقتضي ثلاثة دراهم، وقال أيضًا: له البناء، وإن لم تقبض شيئًا؛ لنه حق لها بيعه.
اللخمي: شرطه دينار يسر المدين، وعدم امتناعه من القضاء بالغًا ربع دينار إن كان حالًا، أو بلوغ قيمة ذلك إن كان مؤجلًا.
وللشيخ عن ابن سحنون: لو برئ مجروح امرأة بموضحة او منقلة؛ ففي جواز نكاحه إياها بالأرش، وكراهته قولًا أصحابنا، فإن طلقها قبل البناء؛ تبعها بنصف الأرش، ولو لم يطلقها، وانتقض جرحه، ونزي فيه ومات، فإن أقسم ورثته لمن جرحه مات؛ وجبت ديته على عاقلتها، وأخذت هي منها، أو من صلب ماله دية الموضحة أو المنقلة، وترث من ماله دون ديته، وإن لم يقسموا؛ سقط عنها الأرش، وصارت كمن تزوجته بدين له عليها ومات، ولو تزوجها، وهو مريض على أرض الضربة، وما يحدث عنها ومات؛ لم يجز؛ لأنه نكاح مريض لا إرث لها ولا مهر، فإن اقتسموا أخذوا الدية من عاقلتها، وإلا فعقل الموضحة أو المنلقة في مالها.
وفيها: من تزوجت على قلال خل بأعيانها، فوجدتها خمرًا كمن تزوجت على مهر وجدت به عيبًا؛ ترده وتاخذ مثله إن كان يوجد مثله وإلا فقيمته.

أبو حفص وعبد الحق: إنما لم يفسخ النكاح بخلاف البيع؛ لثبوت أثر العقد بحرمة الصهر.
قلت: يتخرج القول بفسخه على ما في استحقاق المهر.
ابن رشد: في رسم العشور من سماع عيسى: إن نكحها بعبد، وأحدها يعلم أنه حر؛ فسخ قبل البناء، وثبت بعده بمهر الثل، وعزاه اللخمي لسحنون نصًا.
عياض: في رجوعها بمثلها أو قيمته، ثالتها: إن دخلا على الكيل؛ فمثلها وإلا فقيمتها، ورابعها: إن قضت الأغراض فيها كالعين؛ فمثلها وإلا فقيمتها، وخامسها لابن عبد الحكم: مهر مثلها، وعورض بقوله في العبد المهر: يستحق بحرية لها قيمته.
ابن محرز: لا معنى لقول سحنون؛ لأنه جزاف يعرف قدره، فقوله فيه: خلاف قول ابن القاسم: أنه كمكيل وفاق لقول محمد: فاسد شراء الطعام جزافًا يفوت بحوالة الأسواق.
عبد الحق عن أبي عمران: ووفاق لقوله: من استحق ما اشتراه بصبرة جزافًا فاتت بعد معرفة كيلها؛ رجع بقيمتها لا مثلها، وعلى الأول قال ابن محرز: إن طهرت بالغسل؛ ملئت خلًا، وإلا عبرت بالماء، وغرم مثله خلًا.
أبو حفص: ومعناها: أنها حاضرة مطينة عقد عى صفتها؛ لأن تطيينها عذر، واستشكل عياض تصويرها، ثم قال: لا وجه لصورتها إلا أن يكونا رآياها فظناها خلًا بما شبه عليهم، أو اطلعا على بعضها، وحملا على ذلك بقيتها، أو كانت معفصة، وحلها يفسدها، فاستغنى بالإطلاع على بعضها.
قلت: مقتضى هذين الجوابين: أن المطلع على كونه خمرًا بعضها لا كلها، ولفظ المسألة ظاهر، أو نص في أنه كلها.
وكلام الشيخين يدل على عدم وقوفهما على نقل العتبي عن أصبغ.
قوله: قلت لابن القاسم: إتباع قلال خل مطينة لا يدرى ما فيها ولا ملؤها.
قال: إن مضى عليه عمل الناس؛ أجزته، كأنه لا يرى به بأسًا، وتمامها في شراء الغائب.
اللخمي: لو تزوجها بقلال على أنها خمر، فظهر كونها خلًا؛ ثبت النكاح إن

جارٍ التحميل