الندب لذاتها، ويتعذر عروض وجوبها لا كراهتها أو تحريمها.
في هباتها: من قال: أعمرتك هذه الدار حياتك أو هذا العبد أو هذه الدابة فهو جائز، وترجع بعد موته إلى من أعمرها أو إلى ورثته.
زاد في العارية والناس عند شروطهم
باب في صيغة العمري
الصيغة: الباجي ما دل على هبة المنفعة دون الرقبة كأسكنتك هذه الدار عمرك أو وهبتك سكناها عمرك.
وفيها: من أعمر رجلاً عمري له ولعقبه رجعت بعده لربها، وكذا: هي لك صدقة سكني.
ابن فتوح عن ابن الهندي: إنما ترجع للمعمر أو لورثته إن كانت غير معقبة، وإن كانت معقبة على مجهول من يأتي من ولد وولد ولد خرجت من العمري ولحقت بالأحباس.
ابن عات: هذا خلاف قول مالك وأصحابه أن العمري معقبة أو غير معقبة إن كانت بلفظ العمري أو بغيره من الإسكان أو الإمتاع أو وقت أنها لا تلحق بالأحباس بل تكون ملكاً للمعمر أو وارثه.
ولعل ابن الهندي أخذ بظاهر قول مالك في الموطأ عقب قول القاسم بن محمد.
قال مالك: وعلى ذلك الأمر عندنا أن العمري ترجع للذي أعمرها إن لم يقل: هي لك ولعقبك.
وإنما يريد مالك أنه لم يتلفظ فيها بلفظ العمري، ولا بما في معناها، وإنما قال: هي لك ولعقبك، ولم يحك المتيطي عن المذهب غير ما حكاه ابن فتوح، وابن الهندي خلاف ما ذكر ابن عات فاعرفه.
الباجي: في الموازية والمجموعة لابن القاسم وأشهب: من قيل له: هي لك صدقة سكني فليس له إلا سكناها دون رقبتها.
محمد: حياته، ومسألة هذه الدار حبس على فلان مذكورة في الحبس.
أبو عمر: الإفقار، والأخبار ونحوه من ألفاظ العطايا كلفظ العمري.
قلت: في الصحاح أفقرت فاناً ناقتي؛ أي: أعرته فقارها ليركبها، وأخبلته المال إذا أعرته ناقة لينتفع بلبنها ووبرها أو فرساً يغزو عليه.
اللخمي: قوله: كسوتك هذا الثوب وحملتك على هذا البعير أو الفرس هبة للرقاب.
ابن فتوح والمتيطي: للمعمر جعل مرجعها بعد مدتها بتلاً لمن شاء، ولو لوارث ما لم يشترط المعمر رجوعها له إن كان حياً؛ لأنها وصية لوارث.
وقول المتيطي: إلا رقاب جائز، وهو إسكان المالك داره غير مدة حياته واضح ومقتضي قول غيره أنها من صور العارية.
وفي عاريتها: تكون في الحيوان كله، ولم أسمع منه في الثياب شيئاً، وهي عندي كذلك، وفي هباتها.
قلت: فإن أعمر حلياً أو ثياباً.
قال: لم أسمع في الثياب شيئاً، وأما الحلي فأراه كالدور.
واختصرها أبو سعيد سؤالاً وجواباً لإشكالها من حيث مناقضة مفهوم تفصيلها منطوق قولها في الثياب في كتاب العارية.
ويجاب بأن التفصيل في وضوح كون الحلي كالدور لمساواته إياها في عدم ذهاب عينهما بالانتفاع وذهاب ذوات الثياب به.
باب في الرقبى
وفي عاريتها: لم يعرف مالك الرقبي ففسرت له فلم يجزها، وهي تحبيس رجلين داراً بينهما على أن من مات منهما أولاً فحظه حبس على الآخر، وسأتله عن تحبيسهما عبداً بينهما على أن من مات منهما فحظه يخدم آخرهما موتاً حياته، ثم يكون العبد حراً، فلم يجزه وألزمهما عتقه بعد موتهما، ومن مات منهما فحظه يخدم ورثته دون صاحبه فإذا مات آخرهما كان حظ كل منهما حراً من ثلثه كمن قال: إن مت فعبدي يخدم فلاناً حياته ثم هو حر.
اللخمي: إن نزل في الدار فعلي القول أن الحبس على معين يرجع ملكاً يبطل تحبيسها، وترجع ملكاً لهما.
وعلى رجوعه حبساً تبطل السكني فقط، وتكون ملكاً لهما حتى يموت أحدهما فترجع مراجع الأحباس.
الصقلي: ألزمهما العتق؛ لأنه كعتق لأجل لوقفه على موت فلان، وجعله من الثلث لقوله: بعد موتي فجمع له الحكمين:
ابن عبد السلام: استشكل إلزامه العتق من كونه من الثلث؛ لأنه إن كان معتقاً لأجل خرج من رأس المال، وإن كان موصي بعتقه لم يزلمه العتق.
وأجيب بأنه كالمدبر، وفيه نظر؛ لأن أصله في مثل هذا أنه لا يكون مدبراً إلا بقصد التدبير، وإن كان وصية على ما قاله في أول كتاب المدير.
قلت: إنما قال ذلك في أول كتاب المدبر في العتق الموقوف على موت المعتق فقط، وفي هذه المسألة الوقوف عليه، وعلى موت الأجنبي، وإليه أشار الصقلي، وتقريره أن مطلق وقفه على موت الأجنبي يوجب لزومه وكونه من رأس المال، ومطلق وقفه على موت مالكه يوجب عدم لزومه، وكونه من الثلث فلما جمع بينهما
صار كدليلين متنافين تعارضا، وأمكن الجمع بينهما فيجب حسبما تقرر في أصول الفقه فجمع بينهما إنما أنتج حقيقة شرعية يمكن القصد إليها، وهي حقيقة التدبير فأعمل الأول في حكم لزومه دون حكم كونه من رأس المال، وأعمل الثاني في حكم كونه من الثلث، لا في حكم جواز الرجوع عنه ويمنع إعمال الأول في لزومه مع إعمال الثاني في جواز الرجوع عنه لتناقضهما، وكذا إعمال الأول في حكم كونه من رأس المال مع إعمال الثاني في حكم كونه من الثلث لتناقضهما، ومع إعمال الثاني في حكم جواز الرجوع عنه لصدق منافيه، وهو كل ما هو من رأس المال لا يجوز الرجوع عنه فانحصر إعمالها فيما ذكرناه.
وفي أول المدبر ما يشهد لهذا قال فيه: إن قال: أنت حر بعد موتي وموت فلان، فهو من الثلث وكأنه قال: إن مات فلان فأنت حر بعد موتي، وإن مت أنا فأنت حر بعد موته.
سحنون: وقال أشهب.
قلت: قول سحنون: وقاله أشهب، يدل على أنه لا رجوع له فيه، وإلا كان مناقضاً لقول أشهب يدل على أنه لا رجوع فيه، وإلا كان مناقضاً لأصل أشهب فتأمله.
وكذا قال الصقلي: يريد: ولا رجوع له فيه لذكر الأجنبي كعتق لأجل.
وقال التونسي: كأنه جعله كالتدبير لا رجوع له فيه وتقريره بقوله: إن مات فلان فأنت حر بعد موتي يشبه كونه كالتدبير كقوله: إن دخلت الدار فأنت حر بعد موتي بشهير فيكون له الرجوع.
باب الهبة
والهبة: لا لثواب تمليك ذي منفعة لوجه المعطي بغير عوض والصدقة كذلك لوجه الله بدل لوجه المعطي.
وفي الهبة لكونها كذلك مع إرادة الثواب من الله صدقة، أو لا، قولاً الأكثر ومطرف حسبما يذكر في الاعتصار، وتخرج العارية، والبيع.
باب في صيغة الهبة
الصيغة: ما دل على التمليك ولو فعلاً كالمعاطاة.
سمع ابن القاسم: من مات بعد أن حلي ابنه الصغير حلياً فهو له لا ميراث.
ابن رشد: لأنه يجوز لابنه الصغير ما وهب له ما حلاه به مثل ما كساه من ثوب إلا أن يشهد الأب أنه على وجه الإمتاع.
وفي شرط صحتها فيما لا يحاز بلفظ ولي فقط، أو بلفظ العطية، أو ما يستلزمهما، قولان لسماع ابن القاسم: من أشهد أنه ولي أبنه الصغير حائطاً بثمن هو أقل من قيمته بكثير، ومات صح للابن إن حازه له مع ابن رشد عن الأخوين، وأصبغ في الواضحة، وقول ابن القاسم في كتاب داود مع أصبغ في سماعه ابن رشد، وعليه وعلى الأول: إن لم يحزه له في كون الواجب للابن مناب ثمنه من الحائط بقيمته أو تخيير وليه في ذلك.
وفي إتمام ثمنه وأخذ جميعه قولان ودلالة الالتزام معتبره.
المتيطي: من تصدق من دار ببيت فقط لزمه مرفق الدخول والخروج والبئر والمرحاض.
قلت: هو سماع عيسي ابن القاسم.
ابن رشد: هذا مثل سماع أشهب في البيع المبهم أنه يقضي بهذه المرافق.
وقيل: لا شيء له من ذلك إلا أن لا يكون له حيث يفتح له باباً فيكون له المدخل على دار المتصدق وسائر مرافقه، وهو دليل قول أشهب في رسم باع شاة من سماع عيسي من جامع البيوع، وعلى لزوم المرافق في إبهام لفظها إن قال المتصدق: إنما قصدت البيت دون مرافقه، فقيل: لا يصدق، وهو ظاهر هذا السماع، ومعناه إن لم يقم دليل على صدقه كصدقته ببيت يلاصق دار المتصدق عليه.
وقيل: يصدق مع يمينه إلا أن لا يكون له انتفاع بالبيت إلا بالدخول من دار المتصدق.
وهذا يأتي على سماع أصبغ.
ابن رشد: تحصيلها: من تصدق بأرض بها ماء تبعها اتفاقاً.
فإن قال: لم أتصق به، ففي لغو قوله وقبوله بيمينه إن قدر المتصدق عليه على سقيها بغيره، قولان لابن القاسم مع الأخوين وغيرهم.
ولو كان الماء بغير المتصدق بها، أو بمشاع منها ولها شرب منه، ففي بقائه واندراجه قولان.
الأول يأتي على دليل قول أشهب في البيوع، ومعناه: إن قدر على سقيها من غيره أو استغني بها عنه.
وعلى الثاني إن قال: إنما تصدقت بها دونه، ففي قبول قول بيمين سماعاً أصبغ وعيسي ابن القاسم.
ومعني الأول: ما لم تكن لا تستغني عنه بحال.
ومعني الثاني: ما لم تكن بإزاء أرض للمتصدق عليه لها ماء إعمالاً لدلالة الحال.
والبيع إن وقع مبهماً كالصدقة.
وإن ادعيا البيان نطقاً أو في نيتهما، فقال أصبغ: يتحالفان ويتفاسخان كان الماء بها أو خارجاً عنها إلا أن يكون المشتري قبض الأرض، وفوتها بإدخال العين فيها أو بغيره من مفوت فيقبل قوله.
وقول ابن القاسم في هذا السماع: يتحالفان ويتفاسخان إلا أن يكون الماء
بالأرض أو بغيرها أو ينفرد المشتري بالشبه بأن لا يكون للأرض سقي إلا من ذلك الماء، فيكون القول قوله، فرعي الشبه مع القيام خلاف المشهور.
وألغاه أصبغ، وهو المشهور.
ابن عات عن ابن مزين: وقول الأب لولده: أجعل هنا كرماً أو داراً ففعل وتكرر قوله: هذا كرم أبني، ودار ابن عارية للعرصة لا تمليك لها.
وسمع أصبغ قول ابن القاسم: هذه القرية لابني لغو حتى يصرح بأنها هبة أو صدقة.
ابن رشد: لأن اللام لا تدل على التمليك لقوله صلي الله عليه وسلم: ﴿أنت ومالك لأبيك﴾.
وفي صدقتها: الثمر المأبور لا يندرج في عطية تمليك الأصول، وفي عتقها الثاني: لا يندرج مال العبد في عطيته.
وقيل: يندرج؛ لأنه بغير عوض كالعتق.
ابن شاس: ركنها الأول الصيغة مع القبول ويستشكل كون القبول ركناً بقول عتقها الأول: من وهب لعبد نفسه أو تصدق به عليه عتق، وإن لم يقبل، ولو قال له: أنت حر إن شئت، لا عتق إلا أن يشاء، فلو كان القبول ركناً في الهبة كان كقوله: أنت حر إن شئت، ويجاب بان هبة العبد نفسه عتق له لا هبة، فهو في الأولى غير معلق على شيء وفي الثانية معلق على أمر فاعتبر.
ومن دليل كونه ركناً سماع يحيي ابن القاسم: إن امتنع مدين من قبول هبة فلا جبر لغرمائه عليه وقبولهم لغو.
ابن عات عن المشاور: من سكت عن قبول صدقة زماناً فله قبولها بعده، فإن طلب غلتها حلف: ما سكت تاركاً لها، وأخذ الغلة.
قلت: فيه مع ركنية القبول نظر إلا على أن بت الخيار موجب بته من يوم عقده.
اللخمي وغيره: هي والصدقة مندوب إليها، والأفضل عطية الصحة، ويستحب كون الصدقة من أنفس ماله وكونها في الأقارب ثم الجيران، وما يرفع الشحناء.
قلت: هذا مع التقارب في الحاجة، وفي ترجيح الأحوج على المحتاج الأصلح نظر قال: وكون المعطي صحيحاً شحيحاً، وأفضلها ما خلف غني.
وفي صحتها بكل ماله رواية محمد وقوله سحنون: إن لم يبق ما يكفيه ردت صدقته، وهو أحسن، وصدقه أبي بكر بكل ماله كانت لاستئلاف الناس للإيمان، وهو حينئذ واجب، والمعروف لزوم العطية بعقدها.
ابن زرقون: قال المازري: للواهب الرجوع في هبته قبل حوزها عند جماعة.
وفي قوله شاذة عندنا، وحكاها الطحاوي عن مالك، ومحكاه ابن خويز منداد عن مالك.
قلت: تقدم في الحبس نقل ابن رشد الاتفاق، وهي لمعين دون يمين، ولا تعليق يقضي بها.
ابن رشد: اتفاقاً، وعلى غير معين كذلك فيها لا يقضي بها.
ابن رشد: في القضاء بها قولان على اختلاف الرواية فيها وعلى معين في يمين أو تعليق فيها لا يقضي بها ابن رشد هذا المشهور.
ولمحمد بن دينار: من تسرر على امرأته، وقد شرط لها إن تسرر عليها فالسرية لها صدقة تامة، وأعتقها بطل عتقه، وكانت لها، وهو خلاف المشهور.
وقول ابن نافع: من شرط لمبتاع سلعة إن خاصمة فهي صدقة عليه، فخاصمه لزمته الصدقة أن حمل اللزوم على القضاء بها فهو مثله.
ابن زروق: لابن نافع: من قال: إن تزوجت عليك فأمتي صدقة عليك قضي عليه بذلك، وقاله ابن دينار.
قلت: هذا خلاف عزو ابن رشد مسألة الأمة لابن دينار ومسألة السلعة لابن نافع وجزمة به خلاف جعله ابن رشد محتملاً.
وفي القضاء بالمعلق بيمين لغير معين:
نقل ابن زرقون عن أصبغ والمعروف.
وفي إيجاب دعوى هبة معين يمين الواهب، قول الجلاب، ونقل الباجي عن ظاهر المذهب قائلاً: دعوى المدين هبته رب الدين دينه يوجب يمينه اتفاقاً.
قلت: وكذا من ادعي هبة ما بيده من معين.
باب الموهوب
ابن شاس: الركن الثاني الموهوب: وهو كل مملوك يقبل النقل، وتبعه ابن الحاجب.
فقال ابن عبد السلام: كالدار والثوب ومنافعهما إلا ما لا يقبل كالاستماع بالزوجة، وأما الولد قاله ابن هارون وزاد: وكالشفعة، ورقبة المكاتب، وما زاده حسن؛ لأنهما ماليان.
وكذا الحبس لا تصح هبته: وهو مندرج تحت كل مملوك، ودخول المنافع فيه تدخر العارية، وهو خلاف العرف.
وفيها: ومن وهب مورثه، وهو لا يدري كم هو جاز.
والغرر في الهبة لغير الثواب يجوز بخلاف البيع.
اللخمي: هبة المجهول والصدقة به ماضية، ويستحب كونهما بعد معرفة قدر العطية خوف الندم.
وفيها: هبة ما جهل قدره من إرث ناجز في لزومها، ثالثها: إن عرف قدر الميراث، ولو جهل نصيبه منه، وإن جهل قدر الميراث لم يلزمه، ولو عرف نصيبه منه لها مع ابن
رشد عن أشهب وابن عبد الحكم قائلاً: ولو ظهرت كثرتها.
ونقل اللخمي عن ابن القاسم في العتيبة: من تصدق بميراثه، ثم بان أنه خلاف ذلك له رده، وكذا في الواضحة، وابن فتوح عن بعضهم مع ابن رشد عن بعض المتأخرين على معني ما في المدونة.
ابن رشد: وهو تفريق غير صحيح لا وجه له إلا إن شك فيما بين الجزاين ككون الزوج لا يدري إرثه النصف أو الربع، فيكون للتفرقة بين ذلك وبين جهل قدر المال وجه، وهو أن من شك فيما بين الجزأين رضي بهبة أكثرهما فوجب أن يلزمه.
وقال ابن رشد: قول ابن القاسم إنما هو فيمن وهب إرثه من أبيه في مرضه قبل موته.
والصحيح لا فرق بين كونه في مرض موته أو بعد موته.
وعلى الثاني قال اللخمي: إن ظن الموروث داراً معينة بأن أنها دار أخرى أو طرأ مال لم يكن يعلمه حاضراً فله رد الدار والطابي، وإن ظن في الحاضر قدراً بأن أنه أكثر كان شريكاً بالزائد.
وفي عارضة ابن العربي في باب القطاع في جواز هبة المجهول روايتان.
وفيها: من وهب نصيباً من دار لم يسمه.
قيل له: قر بما شئت مما يكون نصيباً.
اللخمي: هذا على مراعاة اللفظ.
وعلى المقصد إن أقر بما يشبه هبه مثله لمثل الموهوب قبل، والإلزام ما يشبه.
وعلى الأول في لزوم حلفه نقلاً ابن أبي زمنين عن أشهب، وابن فتوح عن المذهب.
وسمع عيسي ابن القاسم: من تصدق بإرثه من أبيه إن مات، والأب باق لم يلزمه لجهله قدره.
ابن رشد: أسقط لزومه لجهله قدره لا؛ لأنه وهب ما لم يملك بل ما يملك لتقييده بموته خلاف سماعه أصبغ أنه يلزمه إلا أن يقول: ظننت قلته، ولو علمت هذا القدر
ما وهبته وأشبه قوله فيحلف ولا يلزمه.
وحمل بعضهم سماع أصبغ على أنه بعد موت الأب، وسماع عيسي على أنها قبله.
قال: وهو قولها آخر الوصايا الثاني أن الوارث لا يملك الإرث في مرض مورثه إنما يملك الحجر عليه فيما زاد على الثلث.
ما وهبته وأشبه قوله فيحلف ولا يلزمه.
وحمل بعضهم سماع أصبغ على أنه بعد موت الأب، وسماع عيسي على أنها قبله.
قال: وهو قولها آخر الوصايا الثاني أن الوارث لا يملك الإرث في مرض مورثه إنما يملك فيه الحجر عليه فيما زاد على الثلث.
قال: وفي الموطأ ما يدل على سقوط ما وهبه في مرض مورثه من إرثه منه وكل ذلك غير صحيح، بل في الموطأ أن هبته إرثه في مرض مورثه لأزمة، وليس في المدونة خلافه، ولا في هذا السماع نص على ذلك لاحتمال حمله على أن هبته كانت في صحة مورثه.
وفي الحقيقة لا فرق بين الصحة والمرض ففي لزوم ذلك في المرض والصحة، ثالثها في المرض، وفي التنبيه لابن بشير في كتاب العرايا حكي محمد الإجماع على جواز هبة المجهول، وقال: من لا تحقيق عنده من الملقبين بالفقهاء في هبة المجهول قولان، وهو غلط منه لما روي من الخلاف.
فيمن وهب مجهولاً، وقال ما ظننت هذا المقدار هل له رده أم لا؟
وقول ابن شاس: تصح هبة الآبق والكلب واضح لتقرر الملك، ولغو الغرر في الهبة.
ولو وهبة خمراً فاطلع عليها بعد كونها خلاً فلا نص، ففي اعتبار الهبة يوم عقدها هي للواهب، وعلى اعتبارها يوم الحوز هي للمعطي، والقولان يأتيان.
وفي هبتها: من وهب ما رهنه جاز، وقضي عليه بافتكاكه إن كان ملياً، وإن لم يقم عليه حتى فداه فللموهوب أخذه ما لم يمت الواهب.
بعض شيوخ عبد الحق: إن كان الدين عرضاً لم يجبر المرتهن على قبضه، ولا أخذ رهن غيره.
قلت: يريد: والدين من بيع لا قرض على المشهور.
اللخمي: قيل: في هذا الأصل ليس عليه تعجيل الدين إن حلف ما أراده، فإن تمسك المرتهن برهنه بقي لحلول أجله، فإن كان موسراً قضي الدين وأخذه الموهب له،
وإن كان يجهل أن الهبة لا تصح إلا بعد تعجيل الدين حلف على ذلك، ولم يجبر على تعجيله اتفاقاً.
محمد: ولو وهبة قبل حوزه المرتهن، وقبضه الموهوب له فهو أحق إن كان الواهب موسراً، ولم يجعل للمرتهن حقه لتفريطه في حوزه، وإن كان معسراً فالمرتهن أحق به.
ولو قاما قبل حوزه أحدهما، فإن كان موسراً فالموهوب أحق به، وعجل للمرتهن حقه، فإن أعسر بعد ذلك تبعه بحقه، ورآه كمن وهب، ثم وهب، وحازه الثاني أنه أحق.
وقال ابن القاسم في هذا الأصل إن كان الأول أحق، وإن كان الرهن شرطاً في عقد البيع أو القرض كان أبين في حقه في قبضه.
وفيها: هبة الدين جائزة إن أشهد بها وجمع بين المدين والموهوب له، ودفع له ذكر الحق، فإن لم يكتب ذكر حق بأن أشهد له، وأحاله عليه فهو قبض، فإن غاب المديان كفي إشهاده، ودفع ذكر الحق وإحالته عليه، وقوبل هبة الدين على غائب بإشهاد به قبض.
المتيطي وابن فتوح عن ابن أبي زمنين: إن أشهد له، ولم يدفع له ذكر الحق، فذلك جائز إن قبل.
قلت: ظاهره، ولو لم يحضر المديان، فإن كان لغيبته فهو كقولها، وإن كان ولو كان حاضراً فهو خلاف قولها فالحاصل إن أشهد له وأحاله على المدين لحضوره، ودفع ذكر الحق كفي اتفاقاً، وإن تعذر كفي الإشهاد والقول في لزوم دفع الذكر الحق إن كان قولان لظاهرها، وظاهر قول ابن أبي زمنين، والأول هو ظاهر الكلام اللخمي، ونص عبد الحق عن بعض شيوخه: إن لم يدفع ذكر الحق للموهوب حتى مات الواهب، بطلت الهبة كدار مغلقة لم يعطه مفتاحا.
ومقتضي قول ابن رشد في سماعي عيسي ابن القاسم فيمن تصدق بدين عليه على غيره فدفعه بعد علمه بالصدقة دون دفع ذكر حقها للمتصدق عليه غرمه للمتصدق عليه؛ لأنه بقبوله إياها دون قبضه ذكر حقها صادر المدين قابضاً له عدم شرطية قبض
ذكر الحق كابن أبي زمنين.
وفيها: قبض هبة المدين ما عليه قبوله.
اللخمي والمتيطي: لو لم يقل الموهوب في عقد الهبة: قبلت حتى مات الواهب، ففي بطلانها قولاً ابن القاسم وأشهب قائلاً: كون الدين عليه حوز له.
قال: ولابن العطار وغيره، من الموثقين عدم ذكر قبض الزوج رسم الصداق في هبة الزوجة إياها، وذكر قبض المدين رسم الدين في هبة ربه إياه، ولا فرق إلا أن يقال: لم يبق بين رب الدين والمدين بعد هبته علقة بخلاف الزوجين.
قلت: بقاء حقها في طلب نفقة الزوجية يوجب تمسكها به.
وقول ابن عبد السلام: اختلف الشيوخ هل دفع ذكر الحق من شروط الصحة أو من شروط الكمال يقتضي شهرة القولين، ولا أعرف الثاني إلا ما مر عن أبن أبي زمنين وابن رشد وابن شاس.
باب الواهب
وابن الحاجب: الواهب من له تبرع.
قلت: ليس التبرع أعرف من الهبة؛ لأن العامي يعرفها دونه، والأولى هو من لا حجر عليه بوجه، فيخرج من أحاط الدين بماله.
في هباتها: من وهب عبداً لثواب فأعتقه أو وهبة أو تصدق به، فإن كان ملياً جاز،
وإلا منع، وإن كانت بدنة فقلدها وأشعرها فللواهب أخذها، ولو ابتاعها ففعل بها هذا حلت قلائدها، وبيعت للمشتري في الثمن.
الباجي عن أصبغ في العتيبة: إن كانت قيمة العطية أكثر من الدين إن بيع جميعها، وإن بيع بقدره قضي عنه للتبعيض بيع جميعها، وكان الفضل للمتصدق ولا للمتصدق عليه كما لو استحقه مستحق.
قلت: هذا قوله في رسم الوصايا.
ابن رشد: اتفاقاً.
وتصح من المريض في ثلثه؛ إذ لا حجر عليه فيه، وتقدم حكم لزوم عقدها.
الموهوب له: من صح ملكه للهبة ولو لم يدم.
فيها: من وهب له من يعتق عليه عتق إن قبله، ولو كان صغيراً أعتق، ولو لم يقبله وليه.
المتيطي: وتجوز الصدقة على الحمل فيملكها إن استهل.
الباجي: وقيل: لا تصح، وتقدم في الحبس عليه، والمذهب وقف تماماً على حوزها.
ابن زروق: روي أبو تمام: عدم وقف الصدقة والحبس على الحوز، ووقف الهبة عليه.
باب الحوز الحكمي في الهبة والصدقة
والحوز حكمي ومعنوي؛ وحسي فعلي الأول حوز الولي لمن في حجره، فيدخل الكبير السفيه.
فيها: إلا الوالد لولده العبد، ولا الأم لولدها إلا أن تكون عليه وصياً، ومر عمل الموثقين على كتبهم، وتولي الأب قبض هذه الصدقة من نفسه لابنه، واختارها له من نفسه.
وفي كتاب المتيطي: حرمها له من ماله، وأبانها عن ملكه، وصيرها من أملاك ابنه، ثم قال: والإشهاد بصدقته يغني عن الحيازة، وإحضار الشهود لها فيما لا يسكنه الأب، ولا يلبسه.
وكره ابن القاسم كتب أن الأب احتاز ذلك من نفسه بما يجوز به الآباء لأبنائهم، ورأي السكوت عنه أحسن؛ لأن السنة أحكمت أنه الحاكم لهم.
قلت: ونقله ابن عات
وفي آخر رهانها مع غيرها، سكني الأب ما أعطاه لصغار بنية يبطل حوزة لهم.
المتيطي: شرط صدقة الأب على صغار بنية بدار سكناه إخلاؤها من نفسه وأهله
وثقله ومعانيتها البنية فارغة من ذلك ويكريها لهم.
ابن عات عن ابن رشد: من تصدق على ابنه الصغير بدار سكناه، فباعها قبل أن يرحل عنها صح الثمن للابن، ولو مات الأب فيها، لأنه مات وهي للمشتري لا لابنه إلا أن يكون باعها لنفسه استرجاعاً للصدقة، وغفل عن ذلك حتى مات، فإن الصدقة تبطل، ولو علم ذلك في صحته فسخ البيع، وردت لولده.
وبيعه بعد خروجه منها محمول على أنه لابنه حتى ينص على استرجاعه فبيعه مردود للولد، ولو كان ميتاً، لأنها كات صدقة ببينونته عنها إلى أن باعها، والثمن للمشتري في مال الأب وحده أم لا، لا شيء في مال الولد، قاله ابن حبيب في الواضحة.
ولو كان حبسها، وهو ساكن بها، ثم رهنها لنفسه قبل أن يرحل منها حتى مات بطل الحبس، وكذا لو باعها بعد أن حبسها قبل أن يرحل منها، ولم يعثر عليه حتى مات، أو مرض، ولو لم يعثر عليه في صحته فسخ بيعه، وصحح حبسه بالحيازة.
قلت: قول ابن رشد هذا هو في رسم أوصى من سماع عيسي من كتاب الحبس أتي به على أنه المذهب، ولم يعزه لأحد، وهو في النوادر لابن حبيب عن أصبغ، ولم يتعقبه ابن عات، وفيه نظر؛ لأن شرط صدقته بدار سكناه ارتحاله فبيعه إياها قبله بيع لها قبل تمامها لولده فيجب كون ثمنها ميراثاً لقول ابن القاسم أول مسألة من كتاب الصدقة: من باع ما تصدق به قبل حوزه المتصدق عليه ومات، الصدق باطلة.
وذكرها الباجي عن الواضحة ل أصبغ، وفي لفظه: لو خرج منها بعد الصدقة، ثم باعها لنفسه، أو استرجاعاً، أو على غير ذلك فالبيع مردود للولد.
ابن زرقون: لا أدري ما يريد بقوله: أو غير ذلك، وهو إذا باعها بيعاً مبهماً فهو جائز، والثمن للابن.
وفي آخر رهونها: من حبس على صغار ولده داراً، أو وهبها لهم، أو تصدق بها عليهم، فحوزه لهم حوز إلا أن يسكنها أو جلها حتى مات فيبطل جميعها.
وإن سكن من الدار الكبيرة ذات المساكن أقلها، وأكرى لهم باقيها نفد لهم ذلك فيها سكن، ولم يسكن.
ولو سكن الجل وأكرى لهم الأقل بطل الجميع، وكذلك في دور يسكن واحدة هي أقلها أو أكثرها.
بعض شيوخ عبد الحق: إن سكن الأقل صح جميعها، ولو كان الولد كباراً، وإن سكن الأكثر بطل الجميع إن كان الولد صغاراً، أو ما سكنه فقط إن كانوا كباراً.
وقال غيره منهم إن سكن أكثر من النصف بطل الجميع، وفي الأقل يصح الجميع، وإن سكن النصف صح ما لم يسكن وبطل ما سكن.
قال غيره منهم: إن سكن القليل وأبقي الكثير خالياً بطل حتى يكريه لهم؛ لأن تركه منع له فكأنه أبقاه لنفسه.
قلت: عزاه عياض للصقليين.
قال: وهو صحيح في النظر ظاهر من لفظ الكتاب.
قال: وقوله: إذا سكن منها المنزل، وهو ذات منازل فحاز الكبار سائر الدار، وكانوا أصاغر.
ثم قال آخر: إن سكن أقل الحبس جاز ذلك كله، وإن سكن أكثره لم يجز منه شيء.
ظاهرة تسوية الصغار والكبار في حوز الأب الجل وسقط قوله فحاز الكبار سائر الدار من كتاب الرباع، ولم تكن عند ابن عتاب، وصوب سقوطه ابن وضاح.
وثبت عند يحيي قال: فضل: إثباته غلط، لأن من قول ابن القاسم: إن حاز الكبار ما تصدق به عليهم، ولو قل جاز إلا أن يكون قوله هنا: إن حاز الجل بطل الكل على الصغار فقط.
عياض في الموازية له ولأشهب: يبطل الأقل إن سكن الجل كان هو الحائز للصغار أو حوزه لغيره، فأخذ منه بعضهم بطلان الجميع على ظاهر رواية يحيي ونحوه في صدقة العتيبة.
وقال ابنأبي زمنين: لفظ ابنه الكبير ساقط في بعض الروايات يعني في
أول المسألة.
قال: وهو الصحيح على قول ابن القاسم وروايته وبين أصحاب مالك في هذا الأصل تنازع.
عياض: وهو على الخلاف في مراعاة الأتباع.
اللخمي: للأكثر حكم نفسه في حوزه وسكناه، والأقل في الحبس تبع للأكثر عند ابن القاسم وأشهب، وقصر عبد الملك تبعيته للأكثر في الصغار على حوزه بنفسه لحسن نظره، وإن حوزه غيره بطل الأقل بسكناه.
وفي الصدقة تبطل مطلقاً جاز الأكثر، أو حوزه غيره.
وقال سحنون: إن قبض الكبار الأكثر، وسكن الأقل بطل.
ولم خلافاً في صحة محوز الكبار، ولو قل، وعلى قولي ابن القاسم وأشهب: إن حاز للصغار القليل، أو حوزه أجنبي بطل يبطل محوز الكبار إن قل.
وقال أصبغ إن سكن داراً من دور بطلت، ولو قلت.
وصح ما حازه للصغار أو حوزه غيره، ولو قل كل ذلك كحبس منفرد.
والدار الكبيرة إن قل ما سكن منها صح جميعها، وإن كثر صح ما سواه حازه لهم أو حوزه غيره الصغار والكبار فيه سواء، فإن حاز الكبار الأكثر صح الجميع على قول ابن القاسم، ولم يصح على قول عبد يصح حظ الصغار والكبار فيه سواء؛ لأنه يحوز عن الأب، وبطل ما سكنه الأب في جميع هذه الوجوه؛ لأنه الأكثر، وإن سكن الأب بعضاً وحاز بعضاً والكبار بعضاً كل ذلك قريب من السواء صح حظ الصغار من كل الصدقة إلا على قول ابن القاسم؛ لأنه سكن أقل عطيتهم، والأكثر محوز لهم بيده ويد الكبار، ولم يصح للكبار إلا ما حازوه، وبطل ما بيد الأب؛ لأنه الأكثر من صدقتهم، وهو لا يجوز لهم.
وفي آخر سماع عبد الملك: ما حد الذي إن سكنه الأب من الدار حتى مات لم يكن للود فيه صدقة؟
قال: إن سكن الثلث فالصدقة ماضية، وإن سكن أكثر منه فهي باطلة.
ابن رشد: الثلث عند مالك يسير إلا في معاقلة المرأة الرجل، وما تحمله العاقلة والجوائح.
قلت: للشيخ في كتاب الحبس عن أبن حبيب: حد القليل فيما سكنه المتصدق مما تصدق به مما هو أقل من الثلث، وسمعت من يستكثر ذلك.
ابن عات: إن تصدق على ابنه صغيراً أو كبيراً وشرط سكني أمه معه، ولم يكن سكنها الأب بخاص جاز، ولو كانت الأم في العصمة قاله بعد هذا في ورقة سابعة.
قلت: مقتضي قولها في قصر المسافر أن من مر بقرية فيها أهله أتم خلافه، ونحو ما ذكره ابن عات في سماع عيسي صحة حوزة لصغير ولده الدار مع إسكانه بها أمهات أولاده.
ابن رشد: وجعله الأشياخ خلاف ما في سماع يحيي، أن إسكانه بها صغير ولده غير المتصدق عليه يبطل حوزه، ويحتمل أن يفرق بسكني الابن المتصدق عليه مع أمهات أولاده، وسواء كانت أمهات أولاده تحته بملك أو تزويج ما لم يكن ذلك مسكناً له خاصاً يستوطنه.
ابن عات: أنظر لو تصدق على من في حجره بدار سكناه، وألحق بالصدقة جميع ما في الدار، ثم سكنها الأب حتى مات هل تصح الصدقة؛ لأن سكناه بها صار كالنظر لابنه، وكما إذا ألحق بالأملاك الزرع النابت بها، وذكر أن في وثائق ابن العطار جواز ذلك.
قلت: ظاهر الروايات بطلان الصدقة؛ لأنه قادر على أن يخرج ما في الدار لينظر فيه.
وقول الموثقين: استثناؤه سكني بيت معين حياته على أنه ملحق بعد وفاته بصدقة سائرها لا يبطلها.
ويلحق بها إن عاينت البينة إخلاء غير المستثني وضمنت أن قيمته الثلث فأقل تقدم عزوه للمتقدمين وتقريره في كتاب الحبس.
الشيخ لابن حبيب عن الأخوين: لو جعل من يجوز لصغير ولجه ما أعطاهم، وحوزه ذلك ببينه، ثم وجه بيده بعد موته، فهو ميراث، لأنه بتحويزه غيره ألغي حيازته لولده.
ولو أشهد حين رجوعها له أنه لحيازته لهم ففي صحتها مطلقاً أو إن حدث ممن حاز لهم سفه أو سوء ولاية قولاً مطرف وابن الماجشون مع أصبغ.
الباجي: وقولهم وفاق لابن القاسم إلا أنهم شرطوا الإشهاد بأن قبضه للحفظ للابن، وزاد ابن الماجشون: مع ضرورة أخذها.
وفي أجوبة ابن رشد: من أشهد بهبة ما في تابوت بيته مغلقاً لابنته الصغيرة ووجد به بعد موته حلي وثياب هبته باطلة إلا أن يدافع مفتاحه للبينة، وتعاينة مقفلاً.
وفيها: من حبس على صغار بنية وكبارهم ومات قبل حوزهم بطل الجميع.
ابن رشد: اتفاقاً.
ولابن حبيب: اتفق المدنيون والمصريون على أنه إن حاز حظ الأصاغر، ولو بقسمة بعد عقد الحبس صح لهم قاله في سماع عيسي.
وزاد في رسم المكاتب من سماع عيسي: قال فضل: رأيت لابن حبيب هذا في قسمه في عقد الحبس، وسكت عن قسمه بعده.
ابن رشد: وهو القياس؛ لأن قسمه على أبنه الكبير الغائب لغو.
ووجه اعتباره رعي القول بعدم لزوم عقد العطية فقسمه بعده كقسمة فيه.
ومعني قول ابن القاسم فيها؛ لأن الحبس لا يقسم أنه عقد على أن ليس للصغار منه جزء معلوم، وإن مات منهم صغير وكبير فحظه لمن بقي.
ولو كان على ابنين بأعيانهما أحدهما صغير صح حوزه له على قول مالك: من مات منهم رجع حظه للمحبس أو لأقرب الناس منه لا علي أخيه.
قلت: لو كان عليهم صدقة فكذلك.
وروي ابن نافع: وعلى حظ الصغار جائز لهم.
الباجي: القولان بناء على الخلاف في هبة المشاع، ثم قال: من تصدق على ابنه
الصغير أو وهبه نصف غنمه أو عبده أو داره مشاعاً، ففي صحته، وإبطاله نقل القاضي روايتين معناه ترك باقية لنفسه أو جعله في السبيل وحازه حتى مات بالأولى قال ابن القاسم، وهي رواية أشهب، وبالثانية قال أصبغ.
ومن تصدق على ابنه بمائة شاة من غنمه، ولم يعينها بما تعرف به، فعن مالك فيه روايتان في الموازية والعتبية لمالك: لا تجوز.
وبه قال ابن القاسم ومطرف.
قال محمد وابن حبيب: قال أصبغ كان يجيزه، ثم رجع.
زاد في العتيبة: هو وأصحابه.
قال ابن حبيب: وبهذا ابن زرقون، يريد: بالجواز أخذ ابن وهب وابن عبد الحكم وابن الماجشون والمغيرة وابن دينار، واستثني ابن الماجشون العتق والمسكن والملبوس، فإنه يبطل، يريد: إذا لبسه أو سكنه.
قال: ففي صحة حوزه المشاع لابنه الصغير وباقية له أو صدقه على كبير أو في السبيل، ثالثها: إن أبقاه لنفسه أو لنفسه مما صدق على ابنه إلا ليحوز له مقسوماً، فلم يجز مشاعاً، وفي غيره تصدق ليحوز مشاعة.
قال: كذا حصلها ابن رشد، ولو تصدق نصف أرضه مشاعاً على رجل فعمرها معه على الإشاعة، ففي صحته له قولاً ابن القاسم في تفسير ابن مزين وأصبغ.
وفي صحة حوزه لابنه الصغير جزءاً مشاعاً، أو عدداً غير معين ثالث الروايات في الجزء المشاع لا العدد.
قلت: لتحقق قدر المشاع باسمه، وفي العدد إنما هو بتسمية عدد الموهوب من عدد الجملة.
وجوز الأب لصغير ولده ما يعرف بعينه صحيح.
ابن رشد: اتفاقاً.
قال: في سماع ابن القاسم: والذهب والورق وما لا يعرف بعينه بعد الغيبة عليه من كل مكيل وموزون، ولو كان غير مأكول كالكتان، أو غير مكيل ولا موزون، وهو اللؤلؤ والزبرجد في لغو حوزه إياه مطلقاً، وصحته إن طبع عليه بحضرة البينة قولان لسماع ابن القاسم، ورواية مطرف إن صرفها بحضرة البينة، وختم عليها بخاتمة، ورفعها عنده، ووجدت كذلك بعد موته، ولو لم تختم عليها البينة وختمها أحسن مع قول ابن الماجشون ولابن نافع والمدنيين، وقول الموطأ.
وعزا الباجي الأول لابن القاسم، والمصريين وعزا اللخمي الأول لمحمد قال:
والتبر ونقار الفضة كالعين يجري على الخلاف.
وكذلك اللؤلؤ والزبرجد والكتان.
قال مالك: والمطوق والسوار كالعرق.
وفي السماع: لو تصدق على ابنه بعبد موصوف في ذمه رجل صح قبضة الأب، أو لم يقبض.
ولو تصدق عليه بدنانير دين على رجل ومات الأب، وهي بيده صحت؛ لأنها قد حيزت لكونها على الغريم.
وكذا لو تصدق عليه بدنانير ووضعها على يدي غيره، ثم أخذه منه لسفره، أو بعد موته؛ لأنها قد حيزت كالدار يحوزها عن السنتين أو السنة، ثم يسكنها ويموت فيها صدقتها ماضية.
وكل صدقة حيزت مدة فهي جائزة.
ابن رشد: لا يشترط في الدنانير الدين بقاؤها على الغريم بعد الصدقة حولاً، لأنه لم يزل محوزاً عنه.
والدنانير التي حوزها غيره كالدار إن قبضها اختياراً من غير عذر سفر، ولا موت قبل الحول بطل حوزها كالدار.
قلت: زاد الباجي أنه إن تسلف الدنانير الدين بعد حوزها لم يبطل لتشبيهها برجوع الدار في لفظ مالك.
وتسلفه ما حازه الأجنبي يبطل حوزه.
وقال الشيخ أبو بكر: لو ختم على المكيل والموزون بعد وضعه في شيء وأشهد صح حوزه له؛ لأنه حينئذ يتميز كالعبد.
قلت: أنظر هل يؤخذ من قوله: يتميز كالعبد أن ركائب الكتان، ومزاود النيلج ونحو ذلك إذا بيعت كذلك على الوزن أنها مما تعرف بعينه يستحقها بائعها في الفلس بالبينة عليها بعد الغيبة عليها ومفارقتها البينة أولى، لأنها من جملة الموزون.
قال: وهذا على قول المدنيين في الدنانير ظاهر.
وعلى قول المصريين يحتمل أن يقوله في كل مكيل وموزون ومعدود ويحتمل أن يفرق بأن الدنانير لا تتعين بالعقد، وهذا يتعين بالعقد اتفاقاً.
ونقل ابن عبد السلام: أن المكيل والموزون كالعرض في الحوز لا بقيد الطبع عليه لا أعرفه إلا قول ابن عات.
قال ابن عتاب: اختلف فيما لا يعرف بعينه إذا وهب الأب واحتازه، ولم يخرجه من يده لغيره.
وفي المدونة لابن القاسم ما يدل على جوازه أنظر ذلك في الثاني لابن سهل.
قلت: لم أجد ما أشار إليه في أحكام ابن سهل؛ فتأمله.
ولو وهب ماله على عبده من كتابه أو دين لابنه الصغير، ففي كونه على العبد حوازاً لا يبطل باقتضائه الأب ثالثها في الدين؛ لأنه يحاص به غرماء عبده، لابن رشد عن بعض المتأخرين وغيره وسماع عبد الملك ابن وهب وأشهب.
وسمع عيسي رواية ابن القاسم: كراء الأب ما وهبة لابنه الصغير من ريع حوز، وإن لم يقل أكريت لابني، ولم يخرجه لمن يجوزه له زاد في رسم يدبر من هذا السماع، وفي سماع أصبغ، وإن لم يكتب الكراء باسم ولده.
قال: ومن يكري له إلا أبوه وأنكر قول من قال: لا تجوز إن كتب الأب الكراء باسم نفسه، وعابه ورآه خطأ.
قال: وهو خلاف سنة المسلمين لا أعلم أحداً، قاله من الناس؛ يريد: من
أهل العلم.
ابن رشد: مثله قول مالك في رسم يدبر، ولا أعلم فيه خلافاً في المذهب.
ابن زرقون: ذكر أصحاب الوثائق أن الأب إن قامت البينة فيما تصدق به على ابنه الصغير مما له غلة أنه يستغل، ويدخل الغلة في مصالح نفسه إلى أن مات فصدقته باطلة كالسكني إذا لم يخل الدار حتى مات.
ومثله في المدنية لابن كنانة، وظاهر المدونة خلافه، وأن الصدقة جائزة؛ لأن الكراء إذا كان محمولاً على أنه لابنه، فإنما استنفق مال ابنه.
وهو قول أصبغ في ثمن الدار إذا باعها بعد أن حازها الأب وباعها بيعاً مبهماً أن ثمنها للابن في حياته وموته.
وفي حوزه حبسه على ابنه الصغير زيادة مذكورة في الحبس.
ولأصبغ في رسم الوصايا: من أشهد في صحته أنه اشتري هذه الدار لابنه من مال ابنه وأنه يكريها له فهو تلويج تورث عن الأب؛ لأنه لم يتصدق عليه إنما زعم أنه مال لابنه، ولم يعرف له مال من وجه.
ابن رشد: وجعله بعضهم خلاف سماع ابن القاسم: من أشهد في غلام أنه اشتراه لابنه الصغير، ثم مات الأب أنه للابن غير صحيح؛ لأنه في هذه إنما اشتراه من مال الابن فإن لم يكن له مال كان توليجاً، ولم يقل في سماع ابن القاسم أنه من مال ابنه بل اشتراه بمال وهبه لابنه.
وسمع يحيي ابن القاسم: الحوز في صدقة السيد على أم ولده كصدقته على زوجته.
ابن رشد: قولها؛ لأن من تصدق بصدقة على غيره أو وهبة هبة لا يكون الواهب جائزاً له إلا أن يكون والداً أو وصياً أو من يجوز أمره عليه في قول مالك يدل على صحة حوز السيد لأم ولده وعبده الأكبر ما أعطاه إياهما كابنه؛ إذ لا أحد أجوز أمراً على أحد من السيد عليهما؛ إذ له انتزاع أموالهما فتحجيره عليهما أقوي من الأب.
ووجه ما في السماع أن جواز انتزاع المال يضعف حوزه لهما؛ لأنه منه لهما يشبه الانتزاع.
فسماع يحيى أظهر.
واستجب أبو عمر الإشبيلي العمل به، فإن عمل بما في المدونة مضي، ولم يرد.
قلت: أخذه الأول من المدونة عزاه الباجي لابن العطار، ولم يتعقبه.
وما حكاه عن أبي عمر هو في أحكام ابن سهل.
الباجي: حوز المعطي للمعطي الصغير ما أعطاه خاص بالأب ووصيه والسلطان ومقدمه.
رواه أشهب وقاله ابن القاسم.
ولابن حبيب عن الأخوين: الأم في ولدها اليتيم كالأب، وكذا من ولي صبياً احتساباً من أجنبي أو قريب قبل إعطائه ذلك.
وليحيي عن ابن وهب: الحوز له خاص بالأب والوصي والأم.
والأجداد كالأب في عدمه والجدات كالأم في عدمها إذا كان في حجر أحد من هؤلاء.
ابن رشد: في سماع عبد الملك من كتاب الوصايا: كل من ولي يتيماً من قريب أو بعيد يجوز له ما وهبه له، ومثله من بيده اللقيط رواه ابن غانم.
ونحوه قولها: تجوز مقاسمة ملتقط اللقيط عليه.
وقول نكاحها الأول: الحاضر والمربي في حياة الأب كوكيلة في تزويج ابنته المحضونة.
قلت: إن كان ما ذكره ابن رشد خاصاً دون الأم إذا لم يكن الصغير في حضانتها كان قولاً رابعاً، وهو مقتضي قولها عندي لنصها على لغو حوز الأم، وإجازتها بمقاسمة ملتقط اللقيط، ففي قصر حوز المعطي عطيته لصغير على الأب ووصية والسلطان ومقدمة، وعليهم مع الأم وكل من وليه، ثالثها: هذا بشط كونه جداً في عدم الأب أو جدة في عدم الأم، ورابعها: الأول مع من وليه السلطان مطلقاً للمشهور مع رواية أشهب وابن حبيب عن الأخوين وسماع يحيي ابن وهب وابن رشد عن سماع عيسي مع دليل قولها في القسم والنكاح الأول.
الباجي عن ابن العطار: إن وهب أحد الوصيين يتيماً لم يجز حوزه له.
وقيل: يجوز.
قلت: الأظهر هذا إن رضي الثاني، وإلا فالأول وفيها: مع غيرها: السفيه كالصغير وحده فيهما الرشد به يبطل حوزه لهما.
ابن عات: في الاستغناء عن ابن عيشون: إنما يبطل به إن علم المعطي بالعطية، وإلا فالأول، وقيل: لا يبطل بحال وهو أحسن.
ولو حاز السفيه لنفسه، ففي بطلان حوزه وإعماله نقل المتيطي عن وثائق الباجي ومحمد مع سحنون ومطرف وقول ابن الحاجب متبعاً.
ابن شاس: شرط استقرارها الحوز كالصدقة إلا في صدقة أب على صغيره، وعلى ذلك علماء المدينة تركه خير من ذكره لاقتضائه العموم في كل عطية من عين، أو مثلي، أو مسكن، وإبهام قصره على الصدقة، والصغير دون السفيه، والأب دون وصية، والقاضي ومقدمة فيوقع الناظر في خطأ فاحش لأجل هذا، ونحوه طرحه كذلك كثير من متقدمي الشيوخ ومتأخريهم.
باب التحويز
والمذهب: لغو التحويز في الحوز في هباتها إن قبض الموهوب له الهبة بغير إذن الواهب؛ جاز قبضه؛ إذ يقضى عليه بذلك إن منعه.
وقول ابن عبد السلام: يشترط إذن الواهب على القول الشاذ بعدم لزوم الهبة بالعقد هو مفهوم تعليلها.
وقوله: ولا يبعد تخريجه على المشهور من افتقاره في الرهن؛ لإذن الراهن يرد بقوة بقاء ملك الراهن.
وشرط الحوز كونه في صحة المعطي وعقله، في عتقها الثاني، والحمالة، والهبات منها: ما أقر به المريض أنه فعله في صحته، فلم يقم عليه المقر لهم حتى مات أو مرض؛ فلا شيء لهم.
وإن كانت لهم بينة إلا العتق والكفالة إن قامت به بينة.
وسمع عيسى ابن القاسم: من تصدقت بعبد أو غيره في صحتها، فذهب عقلها قبل حوزه؛ فحوزه باطل كموتها.
ابن رُشْد: هو كالمريض رجوع عقلها كصحتها، ومثله سمعه أَصْبَغ.
قُلتُ: لم يحك هو والباجي خلافًا في ذلك.
ورأيت لابن حارث ما نصه بعد ذكره هذا السماع: وقال سَحنون وابن عبد الحَكم: يقضى عليه بدفع الصدقة، وهو كالصحيح.
ابن حارث: إن كانت حالته بما عرض له حالة مريض؛ لم يقض عليه بالدفع، وإلا قضي عليه.
قُلتُ: هذا هو قول سَحنون، وابن عبد الحَكم.
وفي السماع المذكور: لا يحاص بها الورثة أهل الوصايا كما يحاصوا بالوصيَّة لوارث.
ابن رُشْد: لأنه لم يرد كونها من الثلث، وفي الوصيَّة: للوارث إرادة.
وفي دخول الوصايا فيها سمَاع عيسى ابن القاسم في الوصايا، وهذا السماع مع الموطأ، ورواية ابن وَهْب بناء على ترجيح دلالة عدم تحويزه في صحته على علمه ببقائها على دلالة تحويزه في مرضه على إتمام فعل صحته؛ ليكون من رأس ماله أو العكس، وإحالة الدين بماله قبل العطَّية يبلطها اتفاقاً كما مر.
وفي كون إحاطته بعدها قبل حوزها كذلك، وصحة حوزها حينئذ نقلا الباجي عن الأخوين وأصبغ قال: بناء على اعتبار يوم الحوز أو العقد.
ولو نازع كبيرًا حاز عطية من له دين على معطيها، وجهل كونه قبلها؛ لم يردها.
ابن رشد: اتفاقًا.
ولو نازع في عطية صغير حوزها حوز الأب إياها، وجهل كونه قبلها، ففي صحتها وتقديم الدين عليها قولا أصبغ مع الأخوين وابن القاسم فيها، وصوبه ابن رشد وقال: في اعتبار تاريخ أحدها مع خلو الآخر عنه ولغوه قولا مالك مع أصحابه غير المغيرة وابن القاسم معه، فعلى هذا في تقديم العطية على الدين مطلقًا، أو ما لم يؤرخ الدين، فيقدم عليها، ثالثها: الدين مقدم مطلقًا، ورابعها: ما لم تؤرخ الصدقة فتقدم، ويتخرج في الصدقة على الكبير تقديمها مطلقًا، وتقديمها ما لم يؤرخ الدين فيقدم.
وفيها: إن تأخر الحوز لموت الواهب؛ لخصومته بإنكاره إياها قضي بها إن عدلت بينة الموهوب له.
الباجي: قاله مطرف وأصبغ، وقال ابن الماجشون: تبطل.
ولابن القاسم: إن وقف القاضي العطية؛ لينظر في حجتهما؛ قضي بها.
أشهب: إن منعها من الواهب، فرفع حكمه عنها؛ قضي بما يثبت عنده كما يقضي
به في حياته، وإن لم يمنعه منها؛ بطلت.
قلت: فالأقوال ثلاثة عزوها بين، وعزا عياض الأولين لمالك.
وفيها مع غيرها: العارية والقرض كالهبة في الحوز والحبس تقدم، وما حيز في مرض موت معطيه في بلاطنه وصحة ثلثه للمعطى، ثالثها: جميعه من الثلث لها مع سماع عيسى ابن القاسم: في الجنون، والباجي مع اللخمي عن أشهب، وتخريجه من قولها: يقوم على المريض في ثلثه؛ لعتقه حظه في صحته، ويرد بتشوف الشرع للحرية، ولم يحك ابن رشد فيه خلافًا.
وتبع ابن عبد السلام الصقلي في قبوله قول محمد إثر نقله قول أشهب يعني: أنه لم يدع غيرها مع أن في كلاه، ولا أرى قول من قال بحوز جميعها من الثلث، ولا قول من قال: يبطل جميعها.
محمد: أظن جوابه: أنه لم يدع غيرها؛ فلذا قال: ثلثها.
وقول محمد هذا وقبوله وهم لقول أشهب: ولا أرى قول من قال: تجوز كلها من الثلث.
الباجي: إذا حجر على المفلس؛ بطل حوز عطيته في ملائه.
قال أصبغ في العتبية: إن زادت قيمة العبد الموهوب على الدين إن بيع جميعه، وإن بيع بقدره قصر عنه للتبعيض بيع جميعه، وما فضل عن الدين للواهب لا للموهوب لها، كما لو استحق؛ لأن الغرماء استحقوه.
الشيخ: لو ثبت رهن أو هبة في الصحة، ووجد ذلك بيد حائزة بعد موت ربه، ففي قبول قول حائزه إن حازه في صحة ربه قولا أصبح مع مطرف وابن حبيب مع ابن الماجشون.
قلت: وقيل بالأول في الهبة، وبالثاني في الرهن.
وفي نوازل ابن الحاج قولا مطرف وابن الماجشون قائمان من المدونة، وبقاء تصرف المعطي في العطية لنفسه يمنع حوزها الحكمي كالحسي حصل ابن رشد مسألة أطال أصبغ في نوازله كلامه فيها بقوله: الأب في الأرض يتصدق بها على ابنه الصغير؛
محمول على أن تعميره إياها لولده حتى يثبت أنه لنفسه على ما كان يفعله قبل الصدقة.
"وفي الدار يتصدق بها عليه"؛ محمول على أنه كان يسكنها، أو يشغلها بمتاعه وحشمه حتى يثبت إخلاؤه إياها، وأنه لم يكن قبل يسكنها ولا يشغلها.
زاد ابن عات في أحاك ابن زياد: لأبي صالح وابن لبابة وابن وليد: من تصدق على ابنته البكر بنصف دار إلى ناحية بعينها على السواء أن على من ادعى أنها كانت معروفة لسكنى الأب البينة على ذلك؛ قال أبو صالح: هذا قول سلفنا، وقاله سعد بن معاذ، وهو خلاف قول ابن رشد.
قلت: هو من كلام ابن سهيل: إن لم يأت مدعي سكني الأب إلا بشاهد واحد؛ حلفت مع شاهدها على الصدقة، وقاله يحيى بن عبد العزيز.
قلت: في هذا نظر، والصواب: أن يحلف مدعي السكني مع شاهده، وتبطل الصدقة؛ لأنها دعوى في مال قام بها شاهد واحد.
فتأمله.
وفي صحة حول أحد الزوجين يعطي أحدهما الآخر دار سكناهما بسكناهما معًا، ثالثها: في هبة الزوج لابن زرقون عن رواية ابن القاسم، وابن بطال عن رواية أشهب، وسماع عيسى ابن القاسم.
ولم يحك ابن رشد والباجي غيره.
ابن سهل: خاض أهل مجلس ابن زرب في صحة حوز الزوجة دارًا تصدق بها عليها زوجها بسكناها إياها معه فقال جلهم: هو حوز، فأنكره عليهم ابن زرب لوجوب السكنى على الزوج قالوا به: فما تقول؟ فقال: هي مشتبهة، ولم يفصل فيها بشيء، وتوقف عن جوابها.
قال ابن سهل: كذا وقعت فيما جمع من مسائل ابن زرب، وفيه قوة الدليل على عدم الاجتهاد؛ لعزوب هذه عندهم مع نصها في سماع عيسى، فينبغي أن لا يغفل عن درس المسائل فآفة العلم النسيان.
وحكي لنا عن أبي عمر الإشبيلي: أنه كان يقول: لا يبقى مع الحافظ آخر عمره إلا
معرفة مواضع المسائل، وما هي إلا منزلة كبيرة لمن كان بهذه المنزلة في العلم، ولم يكن كما ذكر عن بعض من اتسم بالفتيا أنه طلب باب الحضانة في طلاق السنة، فلم يزل يقلب ورقة حتى لآخره، فلم يجد شيئاً، فرمى بالكتاب في محراب مسجده، وهذا هو الموجود في وقتنا.
الباجي: روى ابن القاسم في الموازية والعتبية: من تصدق على زوجته بخادم معهما في البيت تخدمهما بحال ما كانت؛ فهو جائز.
قال محمد عن ابن القاسم وابن عبد الحكم: وكذا متاع البيت وبه أقول.
وروى أشهب في الكتابين: أن هذا إلى الضعف، وما هو ببين.
وكذا هبتها إياه خادمًا أو متاعًا بالبيت أقام بأيديهما؛ هو ضعيف.
ابن زرقون: في صحة حوز الزوجة الصدقة والرهن من زوجها على هذا الوجه، ثالثها: في الصدقة لسحنون قائلاً: ذلك في الرهن، فأحرى الصدقة.
وسماع ابن القاسم في كتاب الرهن مع سماع أشهب، وسماع أصبغ ابن القاسم في الرهن وكذا في حوز الزوج إياهما منها لرواية أشهب؛ لأن أيديهما معًا على الخادم.
والأظهر الفرق بين كونها واهبةً، أو راهنةً، أو وهبها أو رهنها؛ لاتفاقهم أن القول قول الزوج في اختلافهم في متاع البيت مما يكون للرجال والنساء.
وقد قيل: القول قوله فيما يعرف للنساء، وأنه لا يد لها معه.
قلت: كله كلام ابن رشد في البيان.
الباجي: وأما ما يستعمل منفردًا، فسمع أشهب: نحلة الأم ابنها الصغير عبد خراج ماتت قبل حوزه الأب باطلة.
ولو كان عبد خدمة يختلف معه، ويقوم في حوائجه كان حوزًا.
وكذا نحلة الأب إياه اختلافه معه، وخدمته له حوز، وإن خدم الأب مع الغلام إلى موت الأب.
قلت: كذا نقل ابن زرقون بلفظ: وإن خدم الأب مع الغلام، فظاهره: أنه لا يضر خدمته الأب مع خدمته الولد.
ولفظها في العتبية: وكذا الرجل ينحل ولده الغلام يكون معه يخدمه، ويختلف معه للكتاب، وهو في ذلك مع أبيه، فيكون ذلك له حوزًا وله حائزًا.
ابن رشد في الموازية بإثر المسألة: قال ابن القاسم وأشهب: إن لم تكن الأم وصيًا؛ فليست حيازتها حيازة بحال، فلم يراع في السماع كون العبد مع الأم في منزل واحد، ورأى الصبي هو الحائز له باختدامه إياه، وراعاه ابن القاسم وأشهب، وغلباه على اختدام الصبي إياه، فجعلاها الحائزة دونه، فلم يجيزا حيازتها له إلا أن تكون وصيًا، وهو الأظهر؛ لأنه إنما يختدمه، ويتصرف له بأمرها ونظرها.
ولو كان كبيرًا سفيهًا؛ كان قول مالك في السماع أظهر؛ لأن يدها مع السفيه الكبير أضعف منها مع الصغير، ولو انفرد الصغير بالسكنى عن الأم؛ كان حائزاً له باختدامه قولاً واحدًا، وكذا لو انفرد الكبير.
ولو كان الأب ساكنًا مع الأم، كان هو الحائز باتفاق.
قلت: هذا على صحة قبض الصغير لنفسه، وتقدم في صحة حوز السفيه نقلا المتيطي عن محمد مع سحنون ومطرف والباجي في وثائقه.
وللمتيطي في أثناء فصول الصدقات والهبات في مسائل ابن القاسم: ابن الكاتب: حوز الصغير الذي يعقل أمره ما وهب له؛ جائز.
وقاله اللؤلؤي في مسائل الشعبي.
ولو حوز الأب صدقته على ابنه الصغير أجنبيًا، ففي صحة حوز له قولا محمد وأشهب مع ابن القاسم.
ورجوع العطية لربها بعد حوزها منه عن قريب يبطلها:
الباجي عن ابن حبيب: اتفق عليه أصحابنا.
ابن سهل: سأل ابن دحون القاضي ابن زرب عمن وهب دارًا ثم أعمر فيها واهبها بعد مدة يسيرة لا تكون حيازة، فأراد رد العمرى خوف بطلان هبته، فأطرق حينًا، ثم قال: إن كان ممن يرى أنه يجهل بطلان هبته بذلك؛ فله ذلك، وإلا فلا.
قال: والمسائل إنما هي بتكرار درسها.
شاهدت اللؤلؤي أفتى في استبراء امرأة
فاسدة باستبرائها بحيضه؛ فقلت له بعد ذهاب السائل: إنما استبراء الحرائر بثلاث، فرد السائل، ومحى جوابه، وأجاب بالصواب.
وقال في وصية بخدمة فتى لزوجته: فإن شاح الورثة في خدمته؛ فهو حر، فقلت له: هذا لا يجوز، فأتيته بالرواية فيه فتذكرها، وأصلح ذلك، فقال له ابن جني: هذا عجيب مثل اللؤلؤي يغلظ في مثل هذا، فقال له القاضي: لو تركت الدرس عامين نسيت ما هو أقرب من هذا، فكيف بشيخ بعد عهده بالدرس.
قلت: إبطاله العمرى بجهل الموهوب له بطلان هبته بها، فيه نظر.
والأظهر نزعها من يد الواهب، وإكراؤها من غيره تبرع؛ لإتمام الحوز في الهبة كقولها في مدبر الذمي: يسلم أنه ينزع من يده، ويؤاجر عليه، وكذا أم ولده في أحد قولي مالك، ولا يبطل ذلك الحوز للموهوب له كمؤاجرة الرهن لراهنه مع صحة حوزه فتأمله.
ويؤخذ من قوله: لو تركت الدرس عامين أنه ينبغي لمن يلي الفتوى أن لا يترك ختم التهذيب مرة في العام، وكذا كنت أفهم ممن ذكر لي عن بعض شيوخنا.
وفي بطلانها بموت المعطي وهي في حوزه برجوعها إليه اختيارًا بعد مدة طويلة نقلا الباجي عن الأخوين، ورواية محمد عن أصحاب مالك.
زاد الصقلي عن الأخوين: وكذا لو كتب المعطي كتابًا أنه أسكنه إياها أو أكراها منه مدة بعد أن حازها المعطي زمانًا طويلاً، فلم يسكنها المعطي حتى مات؛ فهي باطلة كما لو سكنها.
قلت: ظاهرة: ولو كان المعطي ساكنًا بها، والأظهر تقييده بعدم سكناها إياها والمدة الطويلة.
قال الباجي: وروى محمد عن مالك وأصحابه: هي سنة.
قلت: وفي سماع عيسى في رسم استأذن السنتان أو السنة، وفي رسم أو وصى السنة أو ما أشبهها، وقول ابن عبد السلام: وربما وقع في بعض الروايات: سنتان ظاهره أنه وقع مستقلاً، ولا أعرفه إلا مقرونًا بقوله: أو سنة حسبما تقدم.
الباجي: ولغو الرجوع بعد طول الحيازة؛ إنما هو فيمن يحوز لنفسه، ولو كان صغيرًا؛ حاز عليه الأب أو غيره، ثم رجع الأب إليها قبل حوز الولد لنفسه بكبره سنة؛ لبطلت.
محمد: اتفاقًا.
الباجي عن محمد: لو اختفى الواهب؛ لخوفه عند من وهبه دارًا، فمان بها أو أضافه، فمات بها؛ لم يبطل حوزها.
قال: وزاد ابن حبيب عن الأخوين: ولو كان بعد حوز الموهوب له بيوم.
قلت: قال ابن حارث: اتفاقًا.
قال: وكذلك الزيارة.
(ص 12) ما وهبه قبل حوزه الموهوب له، ففي مضيه، ورده للموهوب له إن لم يمت الواهب، ثالثها: إن علم الموهوب، ولم يحز حتى بيع نفد، والثمن له.
وإن لم يعلم والمبيع للموهوب له ما لم يمت الواهب.
الباجي عن ابن القاسم مع أشهب، وأبي زيد عن ابن القاسم ومالك فيها.
وعلى الأول في كون الثمن للبائع أو للموهوب له قولا ابن عبد الحكم مع أشهب ومطرف: إن كان الواهب حيًا.
وعلى الثاني قال ابن القاسم: إنما يرد إن كان المعطى معينًا؛ لأنه يقضي له به، وإلا فلا لعدم القضاء به ككونه للسبيل.
الباجي عن مطرف: ولو كان المعطى غائباً فقدم والواهب حي؛ خير في رد البيع وأخذ الثمن، ورواه ابن حبيب والعتبي عن ابن القاسم.
ابن رشد: في رسم الوصايا من سماع أصبغ في كون المبتاع أحق من الموهوب له بالمبيع وعكسه: إن لم يفرط الموهوب له في حوزه، فإن فرط؛ فله الثمن.
ثالثها: وإن فرط؛ فلا شيء له.
واربعها: إن لم يمض وقت يمكن فيه الحوز؛ فهو أحق بالمبيع، وإلا فله الثمن.
وخامسها: وإلا فلا شيء له لأشهب فيها، ولها، وهذا السماع والأخيران مخرجان
على قولي المخزومي في العتق.
الصقلي: لو علم الموهوب له، فغاضبه الواهب بالبيع؛ فله نقض البيع.
ابن فتوح: إن ادعى عليه العلم؛ حلف، فإن نكل؛ حلف المبتاع وتم البيع.
ولو ادعى المبتاع فيما ثبت من الصدقة مدفعًا وعجز عنه؛ فلا رجوع له على البائع بشيء من الثمن لإقراره أنه إنما باعه ملكه، والمتصدق عليه ظلمه.
قلت: في هذا الأصل اختلاف مذكور في إقرار المستحق من يده ما ابتاعه لصحة ملك بائعه، ولو أعطى ما وهب قبل حوزه الموهوب له، وحازه الثاني، ففي رده للأول ومضيه للثاني، ثالثها: إن فرط في الحوز؛ فالثاني أحق وإلا فالأول أحق به أو بقيمته إن فات للباجي عن ابن القاسم، ومحمد مع الغير فيها، وأصبغ في العتبية.
ابن رشد: في كون الأول أحق، ولو فرط حتى قبض الثاني أو الثاني إن قبض، ولو لم يفرط الأول، ثالثها: الفرق بين أن يعلم، فيفرط أو لا يعلم، ورابعها: الفرق بين مضي وقت يمكنه فيه القبض إن علم، أو لا يمضي ما يمكن فيه ذلك لظاهر قولي ابن القاسم وأشهب فيها، ولم يعز الأخيرين لدلالة متقدم كلامه على أنهما لأصبغ والمغيرة.
ولو أعتق الأمة أو أولدها معطيها قبل حوزها المعطي، ففي مضي فعله، ورد عتقه وعزمه القيمة في الإيلاد نقلا الباجي عن ابن القاسم وابن وهب.
ابن رشد: في سماع محمد بن خالد في كون العتق أحق مطلقًا، ولو لم يعلم المتصدق عليه بالصدقة أو الصدقة مطلقًا، ثالثها: إن مضى وقت يمكن فيه الحوز لو علم بالصدقة لرواية ابن القاسم، وسماع عبد الملك محتملاُ كونه من ابن القاسم أو ابن وهب والمغيرة، ورابعها: ما اخترته من أن الصدقة أحق إلا أن يفرط المتصدق عليه في الحوز.
قال: ولو أحبل الأمة من تصدق بها قبل حوزها عنه؛ كان كعتقه إياها على أن الصدقة أحق من العتق يكون للمتصدق عليه أخذها، وقيمة ولدها أو قيمتها يوم أحبلها دون قيمة ولدها على اختلاف قول مالك في ذلك، وعلى أن العتق أحق تكون أن ولد لمن تصدق بها.
وفي غرمه قيمتها سماع عبد الملك ابن وهب مع قوله في هذا السماع: لعل ذلك أن يكون.
وسماع أصبغ ابن القاسم مع قوله: أنه كالعتق، والصحيح الأول؛ لأنه أفاتها بما له فيه استمتاع.
قال في سماع أصبغ: والتدبير لأجل والكتابة والعتق كالإيلاد، سواء قيل: الصدقة أحق وقيل: العكس، ولا شيء للمتصدق عليه، وقيل: له القيمة، ويدخل فيه القولان بالتفريق بين تفريط المتصدق عليه، وعدم تفريطه، وبين مضي مدة ما يمكن فيه الحوز وعدمه.
ولو قتل العبد واهبه غرم قيمته اتفاقًا.
ولو قال: نصف عبدي صدقة على فلان ونصفه حر، ففي تقديم الصدقة عليه وعتق جميعه دون تقويم قولا ابن القاسم في سماع يحيى راجعًا للثاني.
وعلى الأول في غرمه نصف قيمته، أو قيمة نصفه قولان لسماع عبد الملك ابن القاسم، مع الآتى على أصل المذهب، وسماعه يحيى، مع قولها في الجنايات، والغير في أمهات الأولاد منها: ولو بدأ بالعتق قبل الصدقة؛ فلابن القاسم في سماع يحيى: يعتق دون تقويم.
ابن رشد: هذا القول بالسراية، وعلى المشهور يقوم عليه، قال: ففي بطلان الصدقة مطلقًا، وتقويمها، ثالثها: إن تقدم العتق كل هذا على وجوب العتق والصدقة بنفس تمام اللفظ على قولها في: أنت طالق ثلاثًا، وأنت علي ظهر أمي أن الظهار لا يلزمه، وعلى أنهما لا يجبان بنفس تمامه؛ بل بسكوته سكوتًا يستقران به، وهو الصحيح على ما في الأيمان بالطلاق منها في القائل قبل البناء: أنت طالق أنت طالق أنت طالق أنها ثلاث إلا أن يريد التأكيد، فسواء قدم العتق أو أخره يلزمه تقويم الصدقة وهبة المغصوب جائزة بخلاف بيعه.
اللخمي: إن قبض الموهوب له في حياة الواهب؛ صح، وإن لم يأخذه حتى فلس أو مات، ففي بطلانها قولا ابن القاسم ومحمد مع أشهب قائلاً: ليس فيها حوز
غير هذا.
محمد: لأن الغاصب ضامن؛ فهو كدين.
اللخمي: الأول أحسن؛ لأنه إنما وهبه نفس المغصوب لا قيمته.
وعزا الصقلي لسحنون مثل قول محمد قال: وأنكره يحيى.
وفيها: قول المودع في هبته الوديعة: قبلت، حوز.
ولو كانت ببلد آخر، ولو تأخر قبوله لموت واهبها، ففي بطلانها وصحتها قولا ابن القاسم وغيره فيها، وهو في الموازية لأشهب.
الباجي والصقلي عنه: إلا أن يقول: لا أقبل.
الباجي عن محمد: وهو أحب إلي؛ لأنها بيد المعطى، فتأخر القبول لا يمنع صحتها كمن وهبته هبة، فلم يقل: قبلت، وقبضها لينظر رأيه، فمات المعطي فهي ماضية إن رضيها، وله ردها.
وكمن بعض بهبته لرجل وأشهد، فلم يصل حتى مات المعطي؛ فله قبولها، وتكون من رأس ماله وله ردها.
ابن الحاجب: وفي هبة المودع: لم يقل: قبلت حتى مت الواهب قولان، وكذا من وهب له، فقبض ليتروى ثم مات الواهب، ونحوه لابن شاس.
فظاهره: دخول القولين في مسألة التروي، وظاهره سياقها.
الباجي عن محمد: محتجًا بها على ترجيح قول أشهب الاتفاق على صحة قبوله بعد الموت في مسألة التروي.
وفيها: من وهب دينًا له عليك؛ فقولك: قبلت قبض، وإذا قبلت سقط، وإن قلت: لا أقبل بقي الدين بحاله.
قلت: مفهوم قوله أولاً: قولك: قبلت مناف لمفهوم قوله أخيرًا.
إن قلت: لا أقبل؛ بقي الدين بحاله في حالة السكوت.
ولما ذكر ابن رشد قولي ابن القاسم وأشهب في رسم الوصية من سماع القرينين.
وعزا لسحنون قول أشهب قال: وإن مات المتصدق قبل علم المتصدق عليه،
فقول مالك في هذا السماع: أن ذلك جائز له إن كان أمره على وجه الإنفاذ، وأشهد من يرى أنهم يبلغونه ذلك شذوذ؛ لأنه يقتضي أن هبة المال لا تفتقر لقبول، وتجب بنفس الهبة حتى لو مات الموهوب له قبل علمه ورثت عنه ولم يكن لوارثه ردها إلا على وجه الهبة إن قبل ذلك الواهب، وهو بعيد إنما يصح ذلك في الحرية إذا قال لعبده: وهبت لك نفسك؛ فهو حر، وإن لم يقبل قاله في العتق منها.
ولو لم يعلم الموهوب له بالهبة حتى مات الواهب؛ بطلت الهبة اتفاقًا؛ لافتقارها للحوز إلا على هذا السماع الشاذ.
ومن وهب شيئًا لغائب، وجعله له على يدس من يحوزه له؛ صح.
ولو لم يعلم حتى مات الواهب بخلاف ما إذا كان الموهوب بيد الموهوب له الغائب؛ لأنه إذا كان بيده بإذن الواهب، فكأنه في يد الواهب حتى يعلم بالهبة، فيكون يعلمه بها جائزًا لنفسه.
واختلف في الوصية قيل: تجب للموصى له بموت الموصي مع القبول بعد الموت وهو المشهور، وقيل: بموت الموصي دون القبول؛ فعليه إن مات الموصى له بعد موت الموصي قبل علمه، وجبت الوصية لورثته، ولو لم يكن لهم تركها إلا هبة لورثة الموصى.
وسمع عيسى ابن القاسم: من تصدقت عليه امرأته بمهرها، وكان لها به كتاب، ثم سخط فرد عليها الكتاب بعد أيام، فقبلت بشهود، ثم مات؛ لا شيء لها في المهر كصدقة لها لم تقبضها.
ومن وهب وديعة لغير مودعها، ولم يأمره بحوزها له، ففي صحة حوزها له بمجرد كونها بيده، أو بشرط علمه بالصدقة بها، ثالثها: بعلمه ورضاه بالحيازة لابن رشد في رسم العشور من سماع عيسى عن المدونة، وابن القاسم في نوازل سحنون مع سماعه إياه في كتاب الوديعة، والتخريج على رهن فضله الرهن إلا أن يفرق بقوة حوز الرهن، وإنما يصح حوزه على الأولين إن قبل الموهوب له في حياة الواهب.
ولو لم يعلم قبوله حتى مات؛ فلا شيء له، ولا شيء على المودع في ردها لربها قبل قول الموهوب له وعلمه بها إن كان غائبًا.
وإن كان حاضرًا؛ صح حوز المودع له، وإن مات الواهب قبل قوله.
وفي سماع سحنون: لو دفعها المودع بعد علمه بالصدقة لربها؛ ضمنها للمتصدق عليه.
الباجي: وسمع عيسى ابن القاسم: من تصدق على رجل بمائة دينار، وكتب لوكيله يدفعها إليه، فأعطاه خمسين ومات المعطي؛ أنه لا شيء له غير ما قبض، وقاله مطرف.
ابن حبيب وأصبغ: والفرق أن الوكيل نائب عن المعطي.
وفي الموازية في الوديعة: إن جمع بينهما وأشهد؛ صحت.
وكذا لو قال المعطي: دعها لي بيدك.
قلت: مفهوم قوله: وجمع بينهما، كالمخالف لما في سماع سحنون: ولم يأمره بحوزها له.
وقول ابن عبد السلام: في فرق الباجي نظر، يرد بأن للوكيل تصرف فيما بيده للواهب زائدًا على مجرد حفظه، فأشبهت يده يد الواهب والمودع إنما له مجرد الحفظ فلا قياس شبه يلحقه بالواهب.
ولو وهب نصف الوديعة، ورضي المودع بحوزه له، ففي صحته ككل، وبطلانه لبقاء يده للواهب في النصف الثاني، قولان لنقل اللخمي، وعزوه لابن الماجشون قال: والأول أحسن؛ لأنه أمين لهما، وفي صحة حوز مخدم عبدًا رقبته لمن وهبت بمجرد قبضه مطلقًا، أو بشرط كون الإخدام والهبة في عقد واحد قولها، ونقل غير واحد عن ابن الماجشون.
اللخمي: إن وهب الرقبة بعد انقضاء الخدمة؛ لم يكن قبضه حوزًا، ولو قتل؛ فقيمته لربه، وإن بتل الرقبة من الآن ونفقته على ربه؛ فكذلك.
وإن كانت على الموهوب له؛ فسدت الهبة.
وإن كانت على المخدم صار كالمغصوب لرفع يد الواهب عنه، فإن رضي المخدم بحوزه له؛ صح بخلاف ارتهان فضلة الرهن؛ لأن المرتهن حقه في الرهن، وثمنه