باب في أجرة الذبح
وأجر الذبح؟ قال الصقلي: أراه بينهما على قدر قيمة اللحم وقيمة الجلد وحكاه ابن محرز غير معزو وزاد، وقيل: لا شيء عليه وهو الصواب؛ لأن المبتاع غير مجبور على الذبح بخلاف استثناء الأرطال؛ لأنه مجبور عليه.
المازري إن قلنا المستثنى مبقي فعلى البائع السلخ، ليتمكن المبتاع من أخذ المبيع كبائع عمود عليه بناء، وجفن سيف عليه حلية، وإن قلنا مشتري فيختلف على من تكون إزالة الجلد؟ كبائع صوف على ظهر غنم أو ثمر في شجر، وأشار بعضهم أن الأجرة بينهما بقدر قيمة الجلد وقيمة الشاة، وقد اختلف المذهب في الأجر على عمل واحد في مال بين الشركاء على التفاوت، هل الأجر عليهم بالسوية أو بقدر الأموال؟ وفيها: إن استحيى مشتري البعير المستثنى جلده فعليه شراء جلده أو قيمته.
ابن رُشْد: هذا استحسان، والقياس شركتهما بقيمة الجلد والبعير دونه وفي كون الخيار في أحدهما لبائعه أو مبتاعه، ثالثها بينهما شركة للحاكم لنقل ابن محرز وصوب الثاني.
قُلتُ: هو ظاهرها وقول ابن الحاجب: عليه القيمة لا المثل على الأصح لا أعرفه إلا قول: المازري الأصل في إتلاف العروض القيمة.
ووقع القضاء فيها بالمثل فيما لا قدر له، ولو مات ما ستثنى جلده، حيث يجوز، ففي ضمان المبتاع الجلد سماعا أَصْبَغ وعيسى ابن القاسم.
ابن دحون: معنى الأول إن فرط بتأخير الذبح، ومعنى الثاني إن لم يفرط في الذبح فلا اختلاف قال: وقيل علة الأول أن الجلد في السفر لا قيمة له، فكأنه اشترى الكل.
ابن رُشد: إلى اعتبار التفريط نحى ابن حبيب ورواه أبو قره، قال: من باع شاة واستثنى رأسها فماتت إن تركها بإذن البائع لم يضمنه وإلا ضمنه، وإن صحت فأبى ذبحها فعليه قيمة رأسها، وإن استحياها بإذنه فهو شريك فيها وكله استحسان، والقياس خلافه؛ لأنه إن كان على المبتاع في الجلد، حق توفية ضمنه مطلقًا، وإلا فلا، وتعليل الأول بما ذكر متناقض ينتج العكس.
والصواب، حمل السماعين على الخلاف وهما على أن المستثنى مشتري أو مبقي.
قُلتُ: لا يتم إجراء الأول على الأول إلا بزيادة أن السلخ على المشتري كتوفية، وإلا فضمان الجزاء بالعقد قال: وليس معنى ضمان الجلد غرم قيمته أو مثله؛ بل غرم جزء من قيمة الشاة، سيما للخارج من تسمية قيمة الجلد منها مع ثمن الشاة، ولو استثناه حيث لا يجوز بالحضر، فهلكت الشاة بعد قبضها مبتاعها بأمر من الله تعالى ففي ضمانه قيمتها بجلدها أو دونه على تقدير جواز بيعها دونه.
نقل ابن رُشْد عن ظاهر سماع عيسى رواية ابن القاسم مع قوله في رواية عيسى وأَصْبَغ وقول سَحنون والتخريج على أن المستثنى مشترى وقول غيرهم على أنه مبقى.
الصقلي عن بعض القرويين: لا يضمن المبتاع منه يسير لحم إن مات قبل ذبحها اتفاقًا لأنه يجبر على الذبح، بخلاف مبتاع ما استثنى جلده، وفي تضمين الصناع منها: من وهب لرجل لحم شاة ولآخر جلدها فغفل عنها حتى ولدت فولدها لذي اللحم وعليه مثل الجلد أو قيمته لصاحبه، ولا شيء له من قيمة جلد الولد ولا مثله، ولذي اللحم استحياؤها، ويغرم لذي الجلد مثله أو قيمته، ولو هلكت الشاة، لم يكن له في الولد شيء.
وفي جواز بيع الصبرة جزافًا واستثناء كيل منها فأقل ومنعه معروف المذهب، ونقل المتيطي عن القاضي رواية عبد الملك مع قوله ابن رُشْد: ولا يجوز أكثر من الثلث اتفاقًا.
وسمع عيسى ابن القاسم لا بأس ببيع باقي صبرة بعد خمسة أوسق باعها ربها قبل كيله الخمسة منها إن كانت ثلثًا فأقل.
ابن رُشْد: اتفاقًا.
قُلتُ: هذا خلاف نقل المتيطي وعلى المعروف فلو هلكت.
وفي الموَّازية: لا شيء على المبتاع، ولو هلك ما زاد على قدر المستثنى، ففي كون الباقي للمستثنى أو بينهما قول الموَّازيَّة وقول الصقلي ولو قيل بينهما كان صوابًا.
قُلتُ: لازم الأول غرم المبتاع في هلاك كلها جزءًا من قيمتها سيما للخارج من تسمية قيمة المستثنى منها، مع الثمن المسمى كبائع صبرة طعام بمائة دينار، وقنطار كتان فاستحق، والروايات جواز بيع ثمر الحائط واستثناء ثلث ثمرته كيلًا من صنف إن كان المستثنى ثلثه، فإن كان أكثر منه، وهو ثلث ثمر الحائط، ففي منعه مطلقًا، وجوازه إن
كان في الصنف فضل بين بعد المستثنى، ثالثها يكره لأَصْبَغ مع سَحنون وسماعه ابن القاسم وسماع القرينين وسماع ابن القاسم.
الصقلي عن محمد: لمن باع كل ثمر حائطه جزافًا أو صبرة طعام شراء ثلث ما باع فأقل كيلًا قبل قبض ثمنه بقدر معلوم منه، وغير حائطه كحائطه إن كان ثمرها صنفًا واحدًا.
أصبغ: اشترى ذلك بسرًا أو رطبًا أو تمرًا.
محمد: وبعد قبضه منه وتفرقهما، جائز مطلقًا كأجنبي، إلا أن يكون من أهل العينة.
وسمع أَصْبَغ ابن القاسم: من باع حديدًا أو طعامًا جزافًا بنقد ولم ينتقد، فله شراء ثلثه فأقل مقاصة، وإن اتقد وتفرقا فلا بأس به على حال إلا أن يكون بائعه عينيًا فلا يعجبني.
ابن رُشْد: قوله: له أن يشتري ثلثه فأقل إن كان لم ينتقد مقاصة، والمعروف من قولهم الآتي على أصولهم جوازه نقدًا ومقاصة إن لم يكونا من أهل العينة؛ لأن بيع النقد لا يتهم فيه إلا عيني، فإن كانا من أهل العينة، لم يجز شراؤه إلا مقاصة.
وقوله: يتهم فيه بعد النقد والتفرق أهل العينة: الصواب أن تفرقهم بعد التناقد يرفع تهمتهم، وعلى قوله لا ترتفع تهمتهم إلا بعد التفرق والطول كقولها فيمن باع دراهم من رجل بدنانير، ثم أراد أن يشتري بها منه دنانير، وهو في هذه المسألة بعيد.
باب في بيع حائط من عنب واستثناء سلل منه
وسمع ابن القاسم: من باع حائطه واستثنى منه سللًا أقل من الثلث فنفد الكرم قبل استيفائه سلله، يتراضيان على ما بقي له، وله أخذه من غير كرمه.
ابن القاسم: لا يأخذ إلا قدرها ومثلها عاجلًا.
ابن رُشْد: هذا على أن المستثنى مبقىً، وعلى أن نفاد العنب ببيع المبتاع فصار متعديًا على البائع فيما استثناه، فوجب تخيير البائع في أخذ ثمنه أو مثله عاجلًا، وإلا كان
فسخًا لما وجب له من الثمن في مؤخر، ولو نفد المستثنى بغير بيع فأكل أو أعطى تعين غرم مثله، وجاز تأخيره إلا أن ينقضي الإبان، فلا يجوز تأخيره به إلى قابل؛ لوجوب القيمة بخروج الإبان، فيصير فسخ دين في دين، وقوله: يتراضيان، يريد على ما يجوز من دنانير أو دراهم بعد معرفة ما يجب له من الثمن أو عروض أو طعام من غير صنف العنب معجلًا، ولا يجوز على عنب أرفع أو أدنى، إلا مثل السلال نقدًا، وأما على أن المستثنى مشترى فيرجع البائع على المبتاع بقدر ما استثنى من قيمة الكرم كعرض من الثمن استحق.
ويجوز أخذه نقدًا ما تراضيا عليه من قليل السلال وكثيرها، وجميع الطعام والعروض ودراهم من دنانير.
وروي الحارث عن ابن القاسم منع أخذ سلال من غير كرمه، ولا وجه لمنع أخذ مثلها نقدًا، فلعل معنى منعه: إن تأخر، والمذهب جواز استثناء مبتاع عبد ماله في العقد، ولو كان هو وثمنه عينين.
واختار اللخمي منعه إن كانا عينين.
وعلى المعروف قال عبد الحق: لو كان في ماله جارية حاملة منه، واستثناه مبتاعه تبعته، وبقي ولدها لبائعه، ويصح بيعه كما لو كان ماله آبقًا أو شاردًا.
محمد: أظنها لأبي زيد عن ابن القاسم، وأنا أتوقف فيها.
باب في بيع العبد وله مال
وسمع أصبع ابن القاسم: لو قال أبيعك عبدي هذا وله مائة دينار أو فيكها، لم يحل.
ابن رُشْد: إن سمى عينا مال العبد لم يجز اشتراطه في الصفقة كذا كنت أقول، وأقول الآن: جائز أن يستثنيه ولو كان عينًا وسماه والثمن عين، ولو كان لأجل؛ لأنه للعبد لا لمبتاعه، وهو بين من قوله في الموطأ: الأمر المجتمع عليه عندنا أن للمبتاع اشتراط مال العبد دينًا أو عرضًا؛ لأن ماله لا زكاة فيه على سيده، والعبد يستحل فرج جاريته بملكه إياها، وإن عتق تبعه ماله.
ابن زرقون: حكى ابن القُصَّار أن أهل العراق لا يجيزون للعبد أن يطأ جاريته وتقدم نحوه من كلام أبي عمر.
قُلتُ: هو قول أبي عمر من يقول العبد لا يملك لا يجيز له التسري بحال.
ابن رُشْد: لو اشترى مشتري العبد ماله لنفسه لم يجز إلا بما يجوز بيعه به، وقوله في الرواية: لم يحل؛ لأن قوله: أوفيكها، ظاهر في أنه استثناها لنفسه، ولو قال: أوفيكها مالًا له، أو أوفيها إياه جاز.
ولو قال: أشتري منك العبد وماله، لم يجز إلا بما يجوز بيعه به.
ولو قال: أشتريه بماله أو أشتريه وأستثني عليك ماله، جاز مطلقًا.
باب في شراء مال العبد بعد شرائه
وفي جواز شراء مال العبد بعد شرائه كشرائه معه، ثالثها بالقرب لابن رُشْد عن عيسى عن ابن القاسم، ورواية أشهب، وأَصْبَغ عن ابن القاسم مع عيسى، قال: ورجعت عن جعل الثالث مفسرًا للأولين، وأن الخلاف في القرب لا البعد إلى كون الأقوال ثلاثةً.
في كتاب العيوب: سمع القرينان: لا والله لا يجوز لمشتري حائط أبر ثمنه اشتراء ثمرته بعده كاستثنائها مع أصلها قبل بدو صلاحها.
ابن رُشْد: في جوازه، ثالثها بالقرب لسماع عيسى ابن القاسم مع قولها في الجوائح، وسماع القرينين وأَصْبَغ عن أبي القاسم مع عيسى فحملها بعض الناس على ظاهرها، والذي أقوله أن الثالث مفسر للأولين، وأن الخلاف في القرب لا البعد؛ لأن الأمر إذا طال فليس الذي اشتراه هو الذي كان له أن يستثنيه، وأجاز أشهب في قول شراء ثمر النخل، ولم يجز شراء مال العبد، وجواز الثمر أبين من مال العبد، لضمان المشتري الثمرة بالعقد؛ لأنها في أصوله، وعلة منع بيع الثمر قبل بدو صلاحه كون ضمانه من بائعه لأنها في أصوله وعزا هذا في كلامه في سماع عيسى للتونسي، وقال: وعندي لا فرق بينهما؛ لأن مال العبد إنما يشتريه له ليكون للعبد كما كان، وإنما جاز لكونه حقا بالعبد في بيعه لأنه لو اشتراه لنفسه أو بعد بيع العبد لم يجز كما لم يجز شراء الثمرة بعد بيع
الأصل، قال يحيى: وحد القرب في ذلك عشرون يومًا ونحوها.
قُلتُ: عزا الباجي الثاني في مال العبد أيضًا لابن وَهْب، وابن عبد الحَكم قائلًا: ولا يجيزانه في الثمرة، والثالث لأَصْبَغ وأبي زيد عن ابن القاسم، بلفظ: إن كان ذلك بحضرة البيع وقربه، وإلا لم يجبر، قال: والقرب في المبسوط أن لا يدخل المال زيادة ولا نقص.
قُلتُ: ظاهر قوله: بالحضرة خلافه، وخلاف نقل ابن رُشْد: عشرين يومًا، فالأقوال في حد القرب ثلاثة.
باب في بيع العبد وثمر الحائط
واستثناء نصف الثمرة أو مال العبد
وفي جواز بيع العبد وثمر الحائط واستثناء نصف مال العبد أو الثمرة، رواية سَحنون عن أشهب، وسماعه ابن القاسم.
ابن رُشْد: هو قوله في المدَوَّنة وروايته، وعليه في فسخه مطلقًا أو ما لم يسلم البائع كل ماله نقلاه عن ابن القاسم قائلًا: للأول رجع، وذكر الباجي قول أشهب في الواضحة بلفظ: أجازه حين العقد وبعده.
ابن فتوح: لا يجوز اشتراط المبتاع نصف الزرع إن كان جميعه لبائعه، ويفسخ إن وقع.
وأجازه سَحنون، وفي نصف حلية السيف.
قبول ابن أبي زمنين، وعبد الحق والصقلي قول ابن حبيب أن: لا يجوز لبائع عبدين استثناء مال أحدهما فقط، كاستثناء نصف مال عبد، يرد بقول كل أهل المذهب: استحقاق أحدهما ليس كاستحقاق بعض عبد.
باب في بيع أحد الشريكين حظه في عبد
وفي جواز بيع أحد الشريكين في عبد له مال حظه من شريكه، ولم يستثن مبتاعه ماله مطلقًا.
ومع شرط البائع حظه منه لنفسه ومنعه فيهما، ثالثها: إن اشترطه، لابن زرقون عن تأويل أبي الوليد على مذهب ابن القاسم وعن المغيرة وسَحنون.
الباجي: إن اشترطه مبتاعه، فعلى قول ابن القاسم: يجوز اشتراط المبتاع بعض مال العبد يجوز، وعلى منعه أشهب محتملة، والجواز لعدم بقاء شيء منه لبائعه.
قُلتُ: كذا في المنتقى، وقبله ابن زرقون، والذي في العتبية، عكسه حسبما مر.
ابن رُشْد: بيعه من شريكه جائز اتفاقًا استثنى المبتاع ماله أم لا؛ لأنه إن لم يستثنه مقاسمه منها لماله.
الباجي: وإن باعه من غير شريكه واشترطه البائع أو أطلق فروى أشهب وعيسى عن ابن القاسم: لا يجوز لأنه انتزاع دون إذن شريكه، وإن اشترطه المبتاع فعلى جواز اشتراط المبتاع بعض ماله جائز.
وعلى منعه روى عيسى عن مالك جوازه.
العتبي: سمع عيسى رواية ابن القاسم: إن لم يستثن المبتاع ماله فبيعه فاسد.
ابن رُشْد: وسمعه أشهب في كتاب الشركة.
وقيل: يفسخ إلا أن يرضى البائع بتسليم ماله لمبتاعه وهو دليل رسم العرية من سماع عيسى في العتق، ورسم كتب عليه من سماع ابن القاسم في استثناء نصف الثمرة.
الباجي: وبيع ما بعضه حر لا يجوز إلا بشرط بقائه بيد العبد.
قُلتُ: لا يخفى أخذ جواز بيع أرض ذات زرع أخضر لبائعها جزء معلوم منه فقط مع حظه منه مما تقدم، وهو نقل المتيطي عن المذهب، وقول ابن الحاجب.
وفي اشتراء البائع مال العبد المبيع بماله قولا ابن القاسم وأشهب يقتضي أن من باع عبدًا مع ماله، ثم أراد البائع أن يشتري ماله إن فيه القولين:
فإن أراد على وجه الرخصة ككونه عينًا، والثمن عرض، فمن نظر مستوفيًا، وأنصف عرف منعه اتفاقًا.
وإن أراد لا على وجه الرخصة ككونه عينًا والثمن عوض وعكسه، فجوازه اتفاقًا واضح.
والأقرب أنه أراد وفي اشتراء المبتاع مال العبد المبيع دون ماله، ووقع في كتبه سهو؛ لأن المسألة على هذا الوجه مشهورة، مشهور فيها قولا الإمامين، فلو صح
مقتضى لفظه عنده مع مخالفته أصل المذهب لما اقتصر على ذكره دون ذكر المسألة المشهورة، وغقتصاره عليه بعيد لا يليق بإمام فعله فوجب حمله على ما ذكرناه، والله أعلم بالصواب.
باب في بيع الجزاف
وبيع الجزاف: بيع ما يمكن علم قدره دونه، فالأصل منعه، وخفف فيما شق علمه أو أقل جهله، روى محمد: منعه في كبير الحيتان.
زاد العُتْبِيّ في سماع ابن القاسم أحمالًا أو صبرًا، وسمعه يحيى.
وفي كبير الخشب المجموع بعضه على بعض؛ لأنه غرر تخف مؤنة عده، كالبقر، والغنم، وشبه ذلك.
وفي صغير الحيتان في أوعية، كجملة من قلال صيرووي.
محمد: وفي الثياب والحيوان وسائر العروض التي لا تكال ولا توزن.
التلقين: وفي الجواهر المازري: ولم يفصل بين كبيره وصغيره، والصواب: إن تساوت آحاده وقصد مبلغه لا حال كل واحدة في نفسها، جاز بيعه جزافًا وإلا منع.
ابن حبيب: وفي حي الطير في الأقفاص.
ابن رُشْد: اتفاقًا.
وفيها مع رواية محمد: وفي الدنانير والدراهم والفلوس، والمذهب مع رواية محمد: جوازه فيما يكال أو يوزن غير الدنانير.
وثالثها: وفيما كثر من معدود يشق عده كالجوز والبيض والرمان والفرسك والقثاء والتين والموز والأترج والبطيخ وصغار الحيتان، وذلك فيما كثر وشق عدده لا فيما إذا نظره الناظر أحاط بعده.
ابن حبيب: وفيما كثر من الطير المذبوح لا فيما قل.
قُلتُ: هذا وما للمازري خلاف نقل ابن رُشْد عن المذهب جواز الجزاف في يسير ذلك.
قال لأنه يراه ويحيط به، إلا أن يحمل قوله على اليسير جدًّا وما تقدم على ما فوقه.
ونحو نقل ابن رُشْد نقل اللخمي عن ابن القاسم جوازه في الطير المذبوح لا بقيد.
ونقل ابن بشير عن المذهب جوازه في المعدودات إن قل ثمنها.
ابن حارث: يجوز في الطعام ولو قل وحضر مكياله.
المازري: في المعدود اضطراب روايات في الموطأ لا يجوز جزاف فيما يعد عدًّا.
فإن حمل على إطلاقه فرق بينه وبين المكيل والموزون بتعذر آلتهما بعض الأوقات.
وقيده حذاق المتأخرين بالمعدود المقصود صفة آحاده كالرقيق والأنعام.
وما تساوت آحاده جاز جزاف كثيره لمشقة عده دون يسيره.
وفيها مع غيرها: وفي الذهب والفضة غير مسكوكين، وفي الدنانير والدراهم طرق: الصقلي وابن رُشْد نقل قولها، والموَّازية: المنع فيها، وفي الفلوس.
ابن حارث: في منعه، وإجازته في الدنانير والدراهم قولا مالك فيها وابن عبد الحَكم.
اللخمي: إن تعومل بها عددًا لم يجز، وإلا ففي منعه فيهما وكراهته قول ابن القُصَّار: كرهه مالك.
وقول ابن عبد الحَكم: لم يفسخ بيعها جزافًا أحد من أصحابنا، وهو الصحيح كالتبر والنقار إن لم تكن عادة في بيع ذلك جزفًا لم يجز، وإن كانت حتى لا يخطئ حزرهم عن وزنه إلا يسيرًا جاز، وإن تفاوت لم يجز ولا في تبر.
وأجاز محمد بيع الحلي المحشو جزافًا ما لم يعلم البائع وزنه، يريد: إن دل دليل على ما فيه كقطع طرف منه يدل على كثافته أو رقته.
قُلتُ: نص قوله أولا: المنع والكراهة، وحاصل نقله الكراهة فقط، أو الكراهة والجواز، وما ذكره في المحشو، وقيده به، ذكره المازري غير معزو كأنه المذهب.
الباجي: اختلف أصحابنا في منعه في الدنانير والدراهم، فقال محمد بن مسلمة: كل معدود ذي قيمة كثيرة، لا يجوز فيه جزاف، كالحيوان والثياب، إنما يجوز فيما لا قدر له كالقثاء والجوز وينتقض قوله: بصبر الحنطة والتبر والحلي والمسك والدراهم فإنها موزنة لا معدودة.
قُلتُ: يرد نقضه بالحنطة وما بعدها، بأن قوله إنما هو في المعدود.
قال: وحمل ابن القُصَّار وغيره منعه في الدنانير والدراهم على الكراهة.
وحمله القاضي والأبهري على التحلايم حيث تجري عددًا؛ لأنه يرغب في الخفاف؛ لأنها في الوزن أكثر عددًا، ففي جزافها الغرر من وجهين: مبلغ العدد، ومبلغ الوزن، وغرر جزاف المكيل أو الموزون من مبلغ الكيل أو الوزن فقط.
وقولهما يقتضي جواز جزافهما حيث لا يجريان إلا وزنًا والمسألة جارية على تعينها فيجوز جزافهما وعدمه، فيمتنع لتعلقهما بالذمة القولان في تعيينها لابن القاسم في الرواحل، وفي السلم الثاني: مع أشهب في الرواحل.
ابن بشير عن جل أهل المذهب: إن تعومل بهما وزنًا، جاز فيهمًا وإلا لم يجز، وحكى ابن القُصَّار الكراهة، وانفرد الباجي بقوله: إن تعومل بها عددًا لم يجز اتفاقًا, وإلا فقولان.
اللخمي: لا تباع الثياب على غير قيس إلا أن يكون قيسها معلومًا، وما جرت العادة ببيعه جزافًا دون قيس، ولا وزن كالدور لا يجوز بيعها على القيس؛ لأنه غرر، إن كثرت الأذرع تضرر مبتاعها، وفي العكس بائعها.
قُلتُ: هذا قبل علم ما فيها، وبعده جائز، ويأتي لا بن رُشْد ما ظاهره جواز بيعها مذارعة بعد رؤيتها، فيحمل قول اللخمي على ما تقررت العادة فيه ببيعه جزافًا على المشاهدة، وفيها وغيرها: شرط كونه مرئيًا، في التلقين والجلاب: يجوز في المكيل في الغرائر وصبًّا على الأرض ابن شاس: إن اشترى صبرة تحتها دكة تمنع القدر، إن تبايعا على ذلك لم يصح البيع للغرر، وإن اشترى فظهرت فله الخيار.
قُلتُ: والحفرة كذلك، والخيار هنا للبائع.
محمد: بيع ملء غرارة قبل ملئها لا يجوز.
الصقلي: كمن أسلم في طعام بمكيال عنده، وأجازه أشهب إن نزل.
محمد: شراؤها مملوءة جائز، فلو قال: فرغها واملأها لم يجز.
ابن حبيب: وكذا قارورة مملوءة أو بعد تفريغها، وفي العتبية: جوازه في سله وبعد تفريغها.
الصقلي: وكذا عندي في القارورة ولو قاله قائل: في الغرارة ما أبعد، والقارورة أبين.
قُلتُ: في سماع مسألة السلال ما يمنع قياس القارورة عليها، وهو سماع أبي زيد ابن القاسم شراء سلة مملوءة ومثلها أخرى بدرهم، خفيف لجواز السلم في السلال ولا خير في مثل ذلك في غرارة قمح؛ لأنه لا يجوز أن يسلم فيها، وذكر المازري أن بعضهم فرق بين الغرارة والسلة بأن القمح مكيل، فملء الغرارة منه بيع بمكيل مجهول، والعنب غير مكيل فلم يكن ملء السلة منه كذلك.
باب في الشراء بمكيال مجهول
وسمع عيسى ابن القاسم: من اشترى مكيلًا مملوءًا طعامًا بدينار، ففرغه وقال: املأه ثانية بدينار بموضع فيه مكاييل، لم أحبه، كصبرة اشتراها بدينار لا بأس به، فلو قال: أعطني كيلها بدينار فلا خير فيه.
ابن رُشْد: لأن شراء ما وجده بحاله الغرر فيه غير مقصود وجزاف ما لم يجده بحالة جزافه الغرر فيه مقصود لتركه شراءه بمكيال معلوم، ولو قال: صبر من طعامك صبرة أشتريها منك جزافًا انبغى أن لا يجوز، لقصد الغرر.
محمد عن ابن القاسم: لا بأس ببيع ما في البرج من حمام أو بيعه بحمامه جزافًا، وسمعه أصبغ: وقال: إذ عاينه وأحاط به نظرًا ومعرفة، رب كبير قليل العمارة، وصغير كبيرها.
ابن رُشْد: لابن نافع في المدينة: لا يجوز جزافًا؛ بل عددًا، فقيل: هو كقول ابن حبيب في منع بيع طير أقفاص جزافًا، وقول ابن القاسم في البرج خلاف قول ابن
حبيب، وليس عندي بخلاف، إذ لا مشقة في عد الأقفاص، ونحل الأجباح جائز فيهما اتفاقًا.
قُلتُ: شرطه رؤيته مع قبول غير واحد قول مالك فيها، وكذلك حوائط التمر الغائبة يباع تمرها كيلًا أو جزافًا، وهي على مسيرة خمسة أيام لا يجوز النقد فيها بشرط، وان بعدت جدًا كإفريقيَّة من مصر لم يجز شراء ثمرها فقط؛ لأنها تجد قبل الوصول، إليها أن يكون ثمرًا يابسًا، متناف، لاقتضائه جواز بيعها غائبة جزافًا.
باب في الصفة تقوم مقام العيان في الحزر
وفي كون الصفة تقوم مقام العيان في الحزر نظر، والمذهب: نص محمد وابن حبيب.
باب في شرط الجزاف
شرطه: جهل العاقدين قدر كيل المبيع أو وزنه أو عدده.
ابن حبيب: إلا فيما يختلف قدره لا يضر علم عدده، كالقثاء والبطيخ والأترج.
المازرري: لا يصح ما في كتاب ابن حبيب من جواز الجزاف في الأترج والبطيخ، وإن اختلف آحاده بالكبر والصغر، إلا أن يكون الثمن عند العاقدين لا يختلف باختلاف كبره وصغره.
قُلتُ: عدم اختلافه بذلك بعيد عادة.
ابن حبيب: من علم كيل طعامه ثم كال منه صدرًا لم يبع باقيه إن عرفه على التقدير، وإن جهله لكثرة ما كان منه جاز.
سَحنون: روى ابن وَهْب: لا يبيع الجواز جزافًا من علم عدده، ويبيع القثاء جزافًا من علم عددها.
ابن رُشْد: لأن الجوز يقرب بعضه من بعض.
القاضي مع رواية محمد: لا يجوز شراء جزاف، ذكر بائعه علمه بقدره، ولو رضي مبتاعه على علم ولو بان ذلك بعد بيعه، فله رده وإمضاؤه المازري: انفرد الأبهري بجعله اطلاع المبتاع على علم البائع بقدر المبيع، موجبًا، لفساد المبيع، لا عيبًا يوجب خياره، والمعروف من المذهب أن اطلاع
البائع على علم المبتاع بذلك يوجب خياره، وذكر بعضهم أن بعض أهل المذهب قال: لا خيار بذلك للبائع وهو غير مستقيم، وناقض ابن القُصَّار كونه عيبًا مع كونه ذكره في العقد مانعًا، ورده القاضي بأن العيب قد يكون ذكره في العقد، يوجب فسادًا؛ لأنه يوجب غررًا أو بيع ما لا يحل بيعه لوصفه، ونقل ابن عبد السلام عن بعضهم عن فضل عن سَحنون جواز بيع ما ذكر البائع في العقد علمه بقدر المبيع جزافًا، لا أعرفه لغير ابن زرقون.
المازري: قال بعضهم: لو كان المبيع يباع على مبلغين فباعه إياه على أحدهما وهو يعلم الآخر دون المبتاع لم يكن له خيار كبيعه دنانير تباع وزنًا وعددًا على الوزن وهو يعلم عددها.
المازري: وفيه نظر.
اللخمي: وشرط الجزاف كونه ممن اعتاد الجزرفيه؛ لأنه لا يخطئ إلا يسيرًا، ولو كان أحدهما غير معتادله، لم يجز ولاعتياده في الصحابة كانوا يبعثون الخراص.
وتبعه المازري.
ابن رُشْد: بيع جزاف مع مكيل صفقة، منعه مالك وأصحابه اتفاقًا مجملًا، وتفصيله:
أنه لا يجوز مما أصل بيعه كيلًا أو وزنًا مع مكيل منه، ولا مما أصل بيعه جزافًا كالأرضين والثياب ولا يجوز جزاف مما أصل بيعه جزاف مع مكيل منه، وفي بيعه جزافًا مع مكيل أصل بيعه كيلًا قول ابن زَرْب مع أخذه من قولها: يجوز السلم في ثياب وطعام صفقة واحدة وغيره من المتأخرين والصحيح الأول.
قُلتُ: لابن محرز مثل ابن زَرْب زاد: ومنع منه محمد في أحد موضعين.
ابن الهندي بفسخه جرى العمل.
المتيطي: ورواه أَصْبَغ عن ابن القاسم، قال أصبغ: أقوله استحسانًا واتباعًا، وقد أجازه أشهب.
قُلتُ: الذي وجدت في سماعه أَصْبَغ أنه لا يجوز دون لفظ الفسخ.
المتيطي: ولخوف الوقوع فيه قلنا في رسم بيع الأرض المبيعة مع دور أن تذريع
الأرض كان رغبة من المبتاع للبائع.
ابن رُشْد: وفي الجزاف مع العروض ثلاثة:
أشهب وأصبع: جائز، ولو كان الجزاف على الكيل.
ابن حبيب: لا يجوز ولو كان على غير الكيل.
ابن القاسم: الجواز إن كان على غير الكيل، والمنع إن كان عليه، وهو المشهور.
وبيع الجزافين على الكيل إن اتفق الكيل والطعام جاز، وإن اختلفا لم يجز اتفاقًا فيهما، وإلا كصبرتي طعام واحد، إحداهما ثلاثة بدينار، والأخرى أربعة به أو صبرتي قمح وشعير كل منهما ثلاثة بدينار، ففي جوازه قولا أَصْبَغ مع أشهب وابن القاسم، ولا يجوز عنده بيع مبذر عشرة أمداد كل قفيز بكذا، إن اختلفت الأرض وإن نظر إلى جميعها، ولا إن اتفقت مع ثمرة أو دار أو عرض، ويجوز على قول أشهب وأصبغ.
اللخمي: لا بأس ببيع صبرتين جزافًا وإن اختلفتا في الجودة، وأجاز مالك في العتبية: بيع صبرة قمحٍ وصبرة عدس جزافًا، ولمجمد عن ابن القاسم: جواز بيع صبرتي قمح وتمر جزافًا، وإن اختلف الثمن، ويجوز بيع ثمر الحائطين جزافًا، وإن اختلفت ثمرها بثمن واحد.
باب في بيع ما تقدمت رؤيته
ورؤية المبيع علم به:
ابن رُشْد عن مالك وأصحابه: ولو كان ذا صوان ورؤية بعض المثلي ككله وتقدم رؤيته لما لا يتغير فيه كافية.
المازري: اتفاقًا.
وفيها: منع بيعه برؤية لمدة يتغير فيها، وجوازه بصفة مؤتنفة.
الشَّيخ: في كتاب محمد: من رأى عبدًا منذ عشرين سنة ثم اشتراه على غير صفة جاز، ولا ينقد وهو بيع على الصفة التي كان رأى.
قُلتُ: ظاهر هذا خلاف أصل المذهب، ومفهوم قولها: بصفة مؤتنفة ولم يتعقبه الشَّيخ، ونقلها الصقلي مسقطًا قوله على غير صفة وفيها: جواز شراء الزرع الغائب
بتقدم رؤيته.
ابن رُشْد: وفي الصبرة كذلك قولا ابن حبيب وابن القاسم في المدنيَّة ولا وجه له.
قُلتُ: وجهه أنه يطلب في الصبرة زيادة على معرفة صفتها، معرفة قدرها بالحزر حين العقد، وللرؤية المقارنة له في ذلك أثر، ويلزم مثله في الزرع الغائب.
وفيها: ما وجد على ما وصف أو رئي لا خيار فيه، فلو قال مبتاعه: تغير عن حال رؤيتي وأكذبه البائع، ففي قبول قوله بيمينه أو قول مبتاعه قولا ابن القاسم وأشهب فيها فخرجهما المازري والتونسي على تبعيض الدعوى ونفيه.
اللخمي: إن قرب ما بين الرؤيتين بحيث لا يتغير في مثله قبل قول البائع وإن بعد بحيث لا يبقى على حاله قبل قول المشتري اتفاقًا فيهما وتسقط يمين البائع إن قطع بكذب المشتري كقوله في زيت أو قمح اشتراه بالأمس تغير الزيت واستاس القمح، وإن أشكل الأمر فالقولان.
قُلتُ: ظاهر لفظها أن اختلافهما في تغيره فيما بين رؤيته، والعقد، وهذا يمتنع تقسيمه لبعد لا يبقى المبيع فيه على حاله.
ونص اللخمي: أنه فيما بين الرؤيتين وفيه نظر؛ لأنه إنما يتصور على أن الضمان بنفس العقد من المبتاع.
باب في بيع ذي ورم تقدمت رؤيته
ومذهب ابن القاسم أنه من البائع، واحتجاجه فيها بقول مالك في رؤية ذي ورم قال مبتاعه: زاد وأكذبه بائعه أحروي؛ لأن حدوث ما ثبت سببه أقرب مما لم يثبت سببه.
عياض: في خلاف أشهب في ذي الورم ووفاقه طريقا الأكثر والأقل زاعمًا أن مبيع ذي الورم حاضر لا غائب، ورده عياض بدلالة ألفاظها على كونه برؤية تقدمت.
قُلتُ: نقل اللخمي: إن كان اختلافهما بأثر رؤيته فالقول قول البائع، وإن طال بحيث يتغير فالقول قول المبتاع إلا أن يكون أخذ في النقض فالقول قول البائع.
باب في شرط لزوم بيع الغائب
والمذهب شرط لزوم بيع ما غاب وصفه بما يختلف الأغراض به؛ لأنه المعتبر في السلم المقيس هذا عليه، وقاله الباجي.
وقول ابن الحاجب والتلقين: وصفه بما يختلف الثمن به قاصر؛ لأنه أعلم من الأول.
وسمع القرينان: لا تباع دار غائبة بصفة إلا مذارعة، وقاله سَحنون.
ابن رُشْد: أي لا بد في صفتها من ذكر ذرعها وذرع كل بيت طولًا وعرضًا، ولا يريد قصر جواز بيعها على كل ذراع بكذا؛ بل لا يجوز هذا إلا فيما تقدمت رؤيته كالأرض والصبرة.
وبيع الغائب دون وصفه وتقدم رؤيته لا على خيار مبتاعه حرام، وعلى خياره عند رؤيته: المعروف، ونص غررها وظاهر سلمها الثالث: جوازه.
المازري: أنكره ابن القُصَّار، والقاضي، والأبهري، لجهله حين العقد، وظاهر سلمها الثالث: جوازه.
عياض: أنكره البغداديون.
قُلتُ: وإنكاره بعضهم، وزعمه أن ما فيها من بقايا أسئلة أسد محمد بن الحسن جهل سماع سَحنون أسئلتها من ابن القاسم وثبوت ذلك في غيرها، وقول ابن الحاجب فيها صريح في الجواز من غير صفة، وللمشتري خاصة الخيار، ظاهره: جوازه دون شرط خياره، ويلزم خياره: وليس كذلك.
الشَّيخ عن ابن حبيب: يجوز بيع الغائب على الصفة ما لم تتفاحش غيبته جدًا.
فنقله المازري كأنه المذهب غير معزو.
ولم يحده بتعيين مسافة.
وقال ابن شاس: كإفريقيَّة من خراسان.
اللخمي: لا يجوز إن كان بحيث يتغير عما رآه به أو وصفه له، وكون الثمن ثوبًا أشد غررًا لوقفه تلك المدة ولا يدري هل يجد الغائب أم لا؟ وكونه عبدًا أو دابة أشد.
قُلتُ: ظاهرها مع الجلاب والتلقين: الإطلاق، وهو ظاهر في الأرض البيضاء.
وفيها: إن بعدت الحوائط كإفريقيَّة من مصر لم يجز بيع ثمرها لجدها قبل الوصول إلا أن يكون تمرًا يابسًا فيجوز.
وبيع رقابها جائز كالرباع البعيدة، والمعروف منع بيع حاضر العاقدين بصفته.
وسمع عيسى ابن القاسم: لو قال مبتاع: ما بهذا الصندوق على الصفة بعد ذهابه وجدته على خلافهما، لم يصدق ولزمه بيعها.
فأخذ منه اللخمي جوازه.
ورده المازري باحتمال مشقة إخراج ما فيه كالبرنامج أو فساده برؤيته كالساج المدرج في جرابه.
قُلتُ: وأذكر حمله بعضهم على غيبتة مفتاحه فصار ما فيه كغائب وتلقيها ابن رُشْد بالقبول كتقصير، ودليل قولها: من ابتاع ثيابًا مطوية لم ينشرها ولا وصفت له لم يجز جوازه.
وفي غير موضع منها جواز بيع حاضر البلد على الصفة.
وروى محمد منعه واختاره فجعله ابن الحاجب الأشهر.
ابن شاس: حمل الأصحاب قولها على ما في رؤيته مشقة.
قُلتُ: فيكون ثالثًا على عد التأويل قولًا، وعلى المنع المعروف جواز الغائب على مسافة يوم.
اللخمي: روى ابن شعبان منعه.
المازري: ليسر إحضاره.
باب في بيع البرنامج
وفي جواز بيع ما بالعدل ببرنامجه قولها مع الموطأ، وابن حبيب عن المذهب ورواية ابن شعبان.
القاضي: شرطه ذكر عدد ما فيه ووصفه بما يختلف به الأغراض.
وفي جواز بيع الساج المدرج في جرابه على الصفة نقل اللخمي روايتي محمد قائلًا: في الأولى على صفته أو على أن ينشره.
اللخمي: إن كان لا مضرة في إخراجه من جرابه جرى على الخلاف في بيع الحاضر على الصفة وإلا جرى على الخلاف في بيع البرنامج.
الباجي: في الموَّازية: من باع ثوبًا في جرابه فوصفه له وكان على أن ينشره، جاز نشره قبل البيع أو بعده، وفي الموَّازيَّة أيضًا الثوب مدرجًا بجرابه أو مطويًا وإن ظهر ظاهره لا يجوز بيعه بالصفة.
ابن زرقون: الظاهر أن قول مالك اختلف في بيعه على الصفة وعليه حمله اللخمي.
وظاهر سياق الباجي أنه وفاق، وفي الموطأ جواز بيع البرنامج بخلاف الساج المدرج والثوب المطوي فرق بينهما عمل الماضين ومعرفته في صدور الناس ونحوه فيها.
ونقل الشَّيخ تفرقة ابن حبيب بكثرة الثياب وعظم مؤنة فتحها، ونظرها العُتْبِيّ عن أصبغ.
قُلتُ: لابن القاسم: اتباع قلال خل مطينة لا يدرى ما فيها ولا ملؤها.
قال: إن كان مضى عليه عمل الناس أجزته، كأنه لا يرى به بأسًا.
أصبغ: لا بأس به؛ لأن فتحه فساد وذوق واحد منه وبيعه عليه صواب.
ابن رُشْد: جوازه على الصفة من خل طيب أو وسط كجواز بيع البرنامج والثوب الرفيع الذي يفسده النشر على الصفة، وقوله: لا يدرى ملئها، أي: قدره لا أنه لا يدري هل هي ملأى أو ناقصة؟ هذا لا يجوز؛ لأنه جزاف غير مرئي.
وفيها: له فبض العدل بذلك فإن وجده دون الصفة أو العدد بالحضرة، أو بعدها بيبة لا تفارقه صدق وإلا فالقول قول البائع بيمينه لقبضه بتصديقه كمقتضي على تصديق دافعه في صفته أو قدره.
اللخمي: إن قبضه على تصديق المبتاع صدق بيمينه فإن ثبت نقص عدد رجع بما ينوبه من الثمن.
وفيها: إن وجد في عدل ابتاعه على أن فيه خمسين إحدى وخمسين، رد جزءًا من اثنين وخمسين جزءًا من الثياب.
عياض: كذا رواية ابن باز، ويحيى بن عمر وأحمد بن داود، وسماع عيسى وأَصْبَغ ابن القاسم قوله وروايته، وقالا: بل يقسم ثمنها على أحد وخمسين، وعليه صححت المدَوَّنة وكذا في كتاب أحمد بن خالد قالوا: وغير هذا وهم من روايه عن ابن القاسم أو مالك.
عبد الحق عن ابن حبيب: قاله الأخوان وروياه، ورواية ابن القاسم غلط.
عبد الحق: وصوبها ابن اللباد بإدخال اللفافة في العدد.
عياض: ولا يستقيم؛ لأنها ليست من جنس الثياب وهي ملغاه كحبال الشد، وكما لو كانت الثياب مختلفة لم يعتبر عددها؛ بل قيمة كل ثوب منها.
أبو حفص: رواية بجزء من اثنين وخمسين جزءًا على عد اللفافة، والأخرى على إسقاطها وتركها للمشتري.
وفيها أيضًا: إن وجد في عدل ابتاعه على أن فيه خمسين إحدى وخمسين، رد ثوبًا كعيب وجده به.
وفي رواية قال غيره: إنما يرد جزءا منها.
عياض: في كونهما خلافًا أو وفاقًا قولا الأكثر محتجين بقول ابن القاسم: الأول أعجب إلي والأقل، وحكي عن أبي عمران.
قُلتُ: حكاهما اللخمي روايتين ونحوه نقل التونسي عنها قال: قال مالك: يرد جزءًا من اثنين وخمسين قيل: فإن كان الجزء أقل من ثوب أو أكثر قال: يرد ثوبا من اثنين وخمسين، ثم أعدت عليه.
فقال: يرد ثوبًا كعيب وجده.
قُلتُ: أفلا يقسمها على الأجزاء؟ فانتهرني وقال: يرد ثوبًا كأنه عيب وجد.
ابن القاسم: قوله الأول أعجب إلى التونسي: حاصل القولين هل للمشتري رد ثوب يختاره ثم يقوم، أو ليس إلا ما يخرجه السهم إلا أن يقال: يعطيه ثوبًا دون تقويم لتقاربها وهو بعيد في القياس.
وعلى الخلاف في تفسير الأول يرد ثوب يختاره كعيب يزيله، أو ما خرج ليده منها
دون تخيير.
ثالثها: وسطا منها.
اللخمي مع عبد الحق عن أبي عمران وابن لبابة وعبد الحق عن بعض القرويين، ورده عبد الحق، والأول لو فاق فإن كانت قيمة المردود جزءًا من أحد وخمسين جزءًا من جملة ثمنها تفاضلا، وإلا كانا شريكين فيه إن كانت قيمته أكثر أو في آخر إن كانت قيمته أقل، وعلى قول الغير وهو شركة البائع بجزء منها في كلها في قسم ثمنها إذا بيعت أو ثمنها معجلًا بيعها ثالثها لا تباع وتقسم على أحد وخمسين جزءًا بالقرعة، لعياض عن ابن لبابة وعيسى مع أَصْبَغ مخطئين من تأول عليهما غيره.
وعلى الثالث إن وجد جزء البائع أو تمامه في مشترك فيه في كونهما فيه على حكم الشركة وإلزام ذي الأقل منه ذا الأكثر حظه بثمنه نقلاه عن أبي عمران وابن محرز.
قُلتُ: وقاله اللخمي.
وعلى رد الروايتين لو فاق تقسم على أحد وخمسين جزءًا على حكم القسم.
عياض: هذا على أنه جنس، ولو تمثلت في صفتها رد واحدًا وإن كان الزائد مخالفًا للصفة رده.
عياض: وحيث يحكم بالشركة يجوز تراضيهما على معين بعد مغرفة قيمة ما يجب له.
اللخمي: إن كانت أجناسًا عرف ما ينوب جنس ذي الزيادة من الثمن ثم يفعل فيه ما مر.
وفيها لمالك: إن وجد فيه تسعة وأربعين ثوبًا وضع من ثمنها جزءًا من خمسين جزءًا، وإن نقصت كثيرًا لم تلزم المشتري ويرد البيع لما فسرت لك من قول مالك في كيل الطعام.
وفي كون تشبيهها بالطعام في رجوعه بقدر النقص منها من ثمنها دون تقويم؛ لأنها موصوفة إن قل نقصها، وإن كثر فله ردها لا في إن نقص ثلثها كثيرًا كالطعام أو فيهما قول ابن محرز، ونقله عن بعض المذاكرين.
اللخمي: إن ثبت نقص عدد رجع بما ينوبه من الثمن على أنه من وسطها.
وفيها: إن كانت ثيابه أصنافًا فنقص صنف منها ثوبًا عرف مناب صنفه من الثمن
بالقيمة، فإن نابه ربعه وعدده عشرة، والنقص واحد، وضع عنه عشر ربع الثمن.
عياض: هذا مع استواء ثياب الصنف وإلا قومت على اختلافها وعرف ما يجب لكل ثوب وما للناقص فيوضع عن المشتري.
قُلتُ: إنما يتصور مناب الناقص بمعرفة صفته، وهي مجهوله، فلا يتم ذلك إلا بما تقدم للخمي من جعله من وسطها.
ومقتضى الأصول: جعل نقص بعضها كمستحق يعتبر كونه الأكثر منها، أولا إن كانت جنسًا واحدًا وإلا اعتبر كونه كذلك من صنفه، فإن كان أكثره اعتبر كون صنفه أكثرها.
وإذا ثبت صفة ما بيع عليه سقطت دعوى المشتري رده.
اللخمي: وإن ثبت خلافها فله رده، وإن اختلفا في الصفة التي بيع عليها صدق مبتاعه بيمينه، وإن اختلفا في كونه عليها، دعي لها أهل المعرفة.
أبو عمر: لا بأس ببيع البز والقطن والكتان في أعداله بغير برنامج إذا فتح، ونظر لبعضه على إن ءاخره على صفة ما رأى، فإن وجد فيه خلافًا يسيرًا، والصنف واحد، وأشبه بعضها بعضًا إلا أن الأول أجود؛ لأنه وجه الشيء لزم البيع، وإن جاء بخلاف الصفة أو تغير كثيرًا فله الرد.
قُلتُ: هذا نص فيما عليه بيع زكائب الكتان وسلل التين والعنب ونحوهما في بلدنا، وكان بعض قضاة شُيُوخنا يتوقف في بيع الزكائب كذلك، والصواب جوازه؛ لأن نشر ذلك فساد له.
وكان بعضهم يوقف بعض المرئي بيد أمين ليبين صدق مدعي الخلاف أو كذبه.
واغتفار يسير الخلاف فيه صواب لقولها في الخيار: إن اشترى خيارًا ثيابًا أو رقيقًا أو غنمًا على أنه بالخيار إذا نظرها فنظر أولها وصمت ثم لم يرض آخرها حين رآه فله رد ذلك، ولو كانت حنطه رضي بعضها ثم أنكر باقيها، فإن كانت على صفة ما رضي لزمه جميعها، وإن خالفه اختلافًا كثيرًا فله رد الجميع وليس لأحدهما إلزام البيع في المرضي فقط إلا برضى الآخر.
باب في بيع الأعمى
وبيع الأعمى، قال المازري: إن كان بعد إبصاره أجناس البيع وصفاته بحيث يتخيله بالوصف جاز، ومن خلق أعمى، منع الأبهري بيعه، وأجازه القاضي كالأول.
قُلتُ: هو نقل ابن رُشْد عن المذهب ومفهوما كلام المازري فيمن عمي صغيرًا متعارضان والأظهر كالثاني، وإسناد بيع الأول للوصف واضح.
وفيه: للثاني نظر والأقرب وصفه بقدر قيمته لا لصفة أعراضه المرئية.
باب في نقد ثمن الغائب
ونقد ثمن الغائب غير الدور والعقار لا يجب، وفي الدور والعقار نقلا الصقلي عن أبي عمران قائلًا: كما لو كانت حاضرة؛ لأنها رهن بثمنها، وبائعها أحق بها في الفلس والموت من الغرماء، حتى يقبض ثمنها، وابن عبد الرحمن محتجًا بضمانها مبتاعها بالعقد.
قُلتُ: كذا قررهما الصقلي وقرر المازري حجة أبي عمران بلفظ: لكون مشتريها غير متمكن من قبضها، وهي في يد بائعها كرهن؛ لأنه أحق بها في الفلس والموت، واعتبار عدم التمكن مناسب لعدم الحكم بالنقد.
وقبول الصقلي ما ذكره من احتجاج أبي عمران يرد بأنه ينتج له عكس دعواه في الحاضر المقيس عليه؛ لأن الراهن مبدأ بدفع ما الرَّهن به رهن قبل قبض الرهن، ونظير الراهن المبتاع فيلزم تبدئته بدفع الثمن، ومال قياسهما استنادهما لأصل واحد هو المبيع الحاضر، وحكمه عند ابن عبد الرحمن وجوب النقد، وعند أبي عمران عدمه فتأمل ذلك، وعزا الثاني عياض أيضًا لابن محرز، وابن القُصَّار قائلًا: هذا الصحيح من مذهب مالك المازري: واتفق الشَّيخان على عدم وجوبه فيما قرب من العروض للخلاف في ضمانه، ولو رأى ابن عبد الرحمن رأي ابن حبيب، أنه لا يختلف في ضمانه، لا وجب النقد فيه كالعقار.
قُلتُ: على اعتبار المدارك في التخريج دون تعيين قائلها يتخرج وجوب النقد فيما قرب من العروض المازري: وما بعد من العروض لم يختلف في عدم وجوب النقد فيها لتسليم ابن حبيب شهرة الخلاف في ضمانها.
باب في شرط النقد في بيع الغائب
والنقد بشرط:
ابن الحارث: جائز في قريب العقار، غير جائز في الحيوان البعيد اتفاقًا فيهما ابن عبد السلام: نقل ابن الحاجب منع شرطه في العقار عن أشهب لا أذكر موضعه.
قُلتُ: نقله ابن الحارث.
قال: قال أشهب: إن كان بعيدًا لم يجز فيه النقد كان المبيع دارًا أو ما كان من شيء، وقد روي جواز النقد في الدور كرواية ابن القاسم.
المازري: يجوز شرط النقد في بستان فيه حيوان؛ لأنه بيع له كالشفعة فيه بما فيه، وعزاه الصقلي لمحمد وزاد: وضمانه من مبتاعه ولو بعد.
اللخمي: الثياب كالحيوان إن بعدت وإن قربت أو بعد زمن رؤيتها لم يجز شرطه فيهما، وإلا ففي جوازه قول ابن القاسم مع الأكثر معها، ورواية ابن عبد الحَكم لا ينبغي أن ينقد في الحيوان ولو قرب ونقلها ابن حارث بلفظ: لا ينبغي أن ينقد في الحيوان وإن كان رآه لا قريبًا ولا بعيدًا، ونقل ابن شاس القول الثاني بلفظ: لا يجوز ولم يعزه، وظاهر كلامه: إن شرطه فيما قرب من غير الحيوان متفق عليه، وصرح به ابن الحاجب وقبله ابن عبد السلام، وفي أول سماع يحيى ابن القاسم في كتاب المرابحة: لا يجوز لمن ابتاع طعامًا غائبًا بعينه أن يوليه أحدًا.
ابن رُشْد: يحتمل أن قوله هذا على القول إن النقد في الغائب، وإن قربت غيبته لا يجوز وفي المقدمات: في جواز شرطه في العروض القريبة قولان لها وللموطأ مع رواية موطأ ابن وَهْب وسماع ابن القاسم.
وقال ابن عات: قال ابن العطار: بيع الغائب على الصفة جائز ولا يجوز فيه النقد؛ لأنه بيع وسلف وقيل لا يجوز البيع بصفة البائع، ورواه يحيى عن ابن القاسم، وبالأول القضاء لابن رُشْد في التعقب عليه، قوله: قيل إن البيع لا يجوز بصفه البائع غير صحيح، إنما لا يجوز النقد فيه بصفة البائع وهو الذي في سماع يحيى.
باب في بيع دار على الصفة من غير البائع
وإذا بيعت الدار على الصفة من غير البائع جاز النقد في ذلك لأنها مأمونة، وأما بصفة البائع فلا يجوز لأنه لا يدري أصدق أم كذب؟ اللخمي: إن عرف البائع بالعدالة والخير وقله الحرص جاز شرط النقد في المبيع على وصفه، ولا يجوز على وصف غير مأمون، ولو كان غير البائع.
أبو حفص: إنما يجوز أن تشترى السلعة الغائبة بصفة المخبر لا بصفة البائع.
قال: ويجوز بصفة المشتري؛ لأنه إن تطوع بالنقد فهو على صفته إنما لا يجوز بصفة البائع لئلا يتطوع المشتري بالنقد، وعلى قول الأكثر المشهور في حد القرب أقوال: الصقلي روى ابن القاسم في الحيوان والطعام هو بريد إن قال، وفيها مع ابن القاسم وأشهب: فيهما وفي العروض يومان.
وروى اللخمي في الطعام وشبهه مثل اليوم ونحوه.
قال: وروى ابن وَهْب يكره في الطعام على نصف يوم إلا أن يقرب جدًّا؛ لأنه يسرق ويفسده المطر.
اللخمي: أرى ثلاثه أيام في الطعام المخزون والثياب قريًا، وفي الزرع والثياب في البحر والحيوان في الرعي يومًا.
المازري: مقتضى رواية ابن وَهْب اعتبار قرائن الأحوال الدالة على الأمر أو شدة الخطر في كل صنف.
ابن شاس: في حد القرب في الحيوان خمسة: نصف يوم، ويوم، ويومان، وبريد، وبريدان.
وفيها: من اكترى دارًا بعبد بعيد الغيبة بصفة أو رؤية تقدمت على الشروع في سكناها لم يجز بشرط نقد عوضه، وعلى تأخيرها لقبضه جائز، وفي عد السنة من يوم العقد مسقطًا منها أمد الوصول المعتاد والباقي كل الثمن أو من يوم يتم العقد بقبض العبد؛ لأن أمد الوصول معروف عادة ككراء دار سنة بخيار شهر نقل الصقلي عن بعض القرويين.
وقوله: قائلًا؛ لأنه لو كان من يوم العقد لزم بيانه للمكتري، وإلا كان طرح أمد الوصول ظلمًا له، وأظن قائله قاسه على قول ابن القاسم في العتبية: من باع
غائبًا لا يجوز فيه النقد بثمن لسنة من يوم قبضه لم يجز إلا من يوم عقده، كمن نكح بمائة إلى سنة من يوم البناء، لم يجز إلا من يوم العقد، وقياسه غير صحيح؛ لأن كون السنة من يوم العقد لا يوجب نقصًا من الصداق، وفي السكنى يوجب نقصًا منها، وبأن الصواب في كونه من يوم البناء جوازه كما قال الشَّيخ: فيها نظر لإجازتهم النكاح على مائة تحل بالبناء؛ لأن البناء إلى الزوجة متى شاءت فكأنه حال.
قُلتُ: وقبله المازري ويرد بأنهم إنما أجازوه ليوم البناء على أن وقت البناء عندهم معتاد؛ لأنه باختيار الزوجة، والعجب أن الصقلي قيده في كتاب النكاح بما قلنا.
قال: ذوو الأول وما زاد أمد الوصول على معتادة كمستحق من الدار يرجع بمنابه في قيمة العبد أو عينه على قولي ابن القاسم وأشهب، وفيها: لا بأس ببيع سلعة غائبة لا يجوز النقد فيها بسلعة مضمونة لأجل أو بدنانير مؤجلة.
المازري والصقلي قيدها في الدور بشرط كون أمد مسافة الغائب لا يحل أجل الثمن قبله وإلا كان شرطًا لنقده.
المازري: مفهومه لو شرط وقف الثمن إذا حل حتى يقبض الغائب جاز.
قُلتُ: مدلول هذا المفهوم نقله ابن محرز نصًا كأنه المذهب قال: وقول بعض المذاكرين إن كان الأجل أقل من أمد مسافة الوصول بقدر ما يجوز فيه النقد كأجل ثمانية أيام، في مسافة عشرة جاز كشرط نقد في مسافة يومين غلط؛ لأنه إنما جاز في قريب الغيبة حين العقد؛ لأنه مظنة لعلم حاله حين العقد وتعيين موضع قبض الثمن كتركه إن كان عينًا وإن كان عرضًا، فإن شرطاه بموضع يقرب من مكان الغائب لأجل يتهيأ فيه إيصال خبر المبيع الغائب جاز.
قُلتُ: هذا يناقض تغليطه غيره، بأن علم حال الغائب إنما يعتبر حين العقد لا بعده إلا أن يريد أو حين النقد ويكون تغليطه غيلره فيما لا يحصل فيه علم حال المبيع حين عقده، ونقده فيتم تغليطه وقوله: (والطوع بنقده وبيعه) بت جائز ويمتنع فيه، وفي السلم والأمة المتواضعة، وشراء منافع على خيار لامتناع أخذ أحدهما عن دين على المشهور.
وفي عموم جوازه في كل ثمن وقصره على ما يجوز قرضه ثالثها على المكيل والموزون لظاهرها مع التلقين وغيرهما، وتفسيرها اللخمي به قائلًا: (إلا إن كان دارًا
أو منافعها أو جزافًا)، ولابن محرز قائلًا: لأن غير المكيل والموزون غرر إن سلم الغائب كان ثمنه، وإن هلك رد قيمته، وعلى الثاني قال اللخمي: إن طاع بما يجوز قرضه ولم يتم البيع رجع بمثل ما دفع لا قيمته؛ لأنه قرض ولو كان ثوبًا؛ لأن ذوات القيم في القرض كالمكيل والموزون.
ابن محرز: إن عجل ما لا يكال ولا يوزن سلفًا إن لم يتم البيع رد مثله جاز كالعين.
عياض يتعقب بما يتعقب به قول ابن عبد الحَكم في قرض الجواري بشرط رد المثل.
قُلتُ: التعقب على ابن محرز أشد؛ لأن شرط ابن عبد الحَكم ذلك في الجواري خوف عارية الفروج، وشرط ذلك في الثوب لا موجب له، والحق قول اللخمي إن مجرد الطوع به يوجب رد مثله إن لم يتم البيع؛ لأنه قرض.
قُلتُ: لازم تعجيله بنص كونه سلفًا إنه لو فلس البائع، وتم البيع لغرم المبتاع الثمن للبائع، وحاص فيه مع الغرماء، بما طاع بدفعه، ولا يلزم هذا فيمن عجل ما يجوز تعجيله من دين؛ لأن هذا تعجيل بشرط براءة ذمة المعجل يلزم شرط براءته؛ لأن هذا دين وجب، وثمن الغائب لم يجب بعد فشرط البراءة منه لغو، كمن أسقط حقًا قبل وجوبه، والمذهب أن الغائب المبيع بمضون يجب به كمعين، وفي كونه بمضمون تقرر كذلك، أو كمضمون فيمتنع، قولا أشهب والمشهور، فمن ثم صح كونه رأس مال سلم كالمنافع في الوجهين، وإذا لم يمن شرط ولا طوع، ففي وجوب وقفه طرق.
باب في من اشترى غائبًا هل يوقف ثمنه؟
اللخمي: إن كان الثمن عينًا والمشتري موسر لم يوقف، وإن خفيف إعساره لوقت قبضه أو كان غير عين ولا غله، له وقف، وإن كان عبد خراج بقي بحاله فعلى أن ضمانه من بائعه له أخذ خراجه، وعلى أنه من مبتاعه وقف، فإن تم البيع أخذه وإلا رد لبائعه، وإن كان عبد خدمة فعلى أنه من بائعه لم يمنع من خدمة وعلى أنه من مبتاعه منع منها، ودار الغلة كعبد الخراج، ودار السكنى كعبد الخدمة، وما هلك في وقفه كان ممن يجب له وكذا إن هلك قبل وقفه على أنه من مبتاعه وعلى أنه من بائعه يفسخ البيع ولو سلم
الغائب.
أبو حفص: يجب وقفه مطلقًا؛ لأن مبتاع الغائب يذهب لأخذه، وعزاه عياض للواضحة والموَّازيَّة وسَحنون وأحد قولي مالك وعبد الحق وأبي عمران وجل أهل المذهب.
قال: وفي العتبية: ليس عليه إيقاف واختاره بعض الفاسيين.
اللخمي: إن وصل مشتري الغائب له فليس لبائعه منعه خوف كون الثمن هلك إن كان وقف؛ لأن هلاكه ممن يصير له وإلا فعلى أن المحبوسة بالثمن من مشتريها فكذلك، وإلا فله منعه ولمن دعا لوقفه وصار عوضه كغائب وقف ثمنه فإن لم يقفاه وعادا للأول كان لبائعه منع قبضه لإمكان هلاك الغائب.
قُلتُ: فترك الوقت يؤدي للتسلسل فيجب الحكم به، وهو قول أبي حفص، وعليه قال: لو باع سلعة بمصر بأخرى بتونس بعث لها فوقفت بها وصارت كحاضر وقف.
باب في ضمان بيع الغائب غير ذي توفيةٍ
وفي ضمان الغائب غير ذي توفية فيه بعد عقده قبل قبضه مبتاعه أو بائعه، ثالثها في الربع، ورابعها وفيما جاز شرط نقده لقربه لروايات المازري مع اللخمي ونقلهما قول ابن حبيب.
زاد التونسي عنه: لم يختلف قول مالك فيهما.
قُلتُ: لم يختلف قوله في الربع.
الصقلي عن محمد عن مالك: الدور من البائع.
ولمالك: الرباع من المبتاع ولو بعدت، وعليه أصحابه أجمع اللخمي: وعلى الأول يجوز شرطه على بائعه، وعلى الثاني في جوازه على مبتاعه قولان لها ولرواية العتبي: لا يجوز بيع طعام على إن أدركته الصفقة مثل زرعٍ قائم تم يبسه، فرآه كمشتري فيه سقي على أن لا جائحة، أو مشتري فيه إجازة؛ لأنها تمنع التصرف المقصود من المشتري غالبًا، كمنع غيبته ذلك، وتمكنه من بيعه وهبته لغو؛ لعدم قصدهما بالشراء غالبًا، وتأويلها ابن القاسم بالزرع المخزون خلاف نص مالك.
قُلتُ: نصها قال مالك: لا ينبغى بيع طعام على إن أدركته الصفقة مثل الزرع
القائم اليابس، سحنون: سئل عنه ابن القاسم فقال: ذلك رأيي، ما كان في البيوت من الطعام المخزون، سَحنون: هذا في الجزاف.
ابن رُشْد: قول ابن القاسم وسَحنون مفسر لقول مالك، أي: لا يجوز بيع الطعام الغائب جزافًا على الصفة.
ولا يقوم من قوله: لا يجوز على شرط إن أدركته الصفقة جوازه دون شرط ذلك؛ بل لا يجوز في الحالين إذ لا يجوز أن يشتري على الصفة إلا ما يجوز السلم جوازه دون شرط ذلك فيه على الصفة، فكما لا يجوز السلم في الطعام على الصفة جزافًا فكذا لا يجوز بيعه غائبًا على الصفة جزافًا، وقوله: مثل الزرع القائم إذا يبس يحتمل أن يريد لا ينبغي كما لا ينبغي في الزرع القائم إذا يبس والأول أصح؛ لأن المعلوم من قول ابن القاسم وروايته في المدَوَّنة وغيرها، أنه لا يجوز السلم في فدادين من زرع على صفة، وإنما يصح الثاني على قول أشهب، يجوز السلم في قصيل على فدادين موصوفة وشراء الصبرة والزرع على رؤية متقدمة جائز اشترط الصفقة أو لا؟ قاله ابن حبيب وفرق في المدنيه من رواية ابن القاسم بمنع شراء الطعام على رؤية متقدمة، وأجازه في الزرع القائم، وهي تفرقة لاحظ للنظر فيها، وعزا التونسي قولها لابن الماجِشُون قائلًا: هذا المبيع على اشتراط الصفقة بيع براءة وقاطع عهدة الثلاث والستة،: وكأنه لما اشترط الضمان إن كانت موجودة حين العقد برئ من كل شيء.
قُلتُ: ظاهر قول ابن القاسم فيها: الدور والأرضون من المبتاع على كل حال أنه كذلك، ولو شرطه على البائع فتكون الأقوال ستة.
ابن الحاجب: في ضمانه ثالثها من البائع إلا أن يشترطه، ورابعها إن كان عقارًا فمن المشتري.
ابن عبد السلام: نقله الثالث صحيح، وفي صحة الرابع نظر ولا يبعد صحته والأولان غير صحيحين كونه من البائع، ولو شرطه على المبتاع، وعكسه.
قُلتُ: الأول نقله اللخمي، وضعف تأويله ابن القاسم.
باب في صحة اشتراط الضمان عقب العقد
وفي صحة اشتراط الضمان عقب العقد على من ليس عليه حيث يجوز فيه قولان خرجهما اللخمي على فعله عثمان، وعبد الرحمن بعد عقدهما أو فيه بعد مراوضتهما العقد مصوبًا منعه؛ لأنه ضمان بجعل، والمازري على أن الملحق بالعقد كواقع فيه أولا، ورد التونسي تخريجه على إلحاق مال العبد به والثمرة بأصلها، بأن الإلحاق فيهما للمشتري مع ما اشتري والضمان إنما يرجع للبائع وهو لو باع عبدًا بماله ثم أراد بائعه شراء ماله ما جاز، وقصر ابن محرز الخلاف في ضمان الغائب على ما في قبضه مشقة سفر.
قال: وما يقبض دونها لقربه كحاضر لقول ابن القاسم في ثاني نكاحها: إن تزوجها بثوب فهلك ببينه ضمنته مع قوله في الغائب إنه من بائعه فدل أن الثوب المهر لا مشقة في قبضه.
قُلتُ: هذا خلاف نقل المازري واللخمي قول ابن حبيب رابعًا، وخرج المازري الخلاف على اعتبار قدر التسليم قائلًا: وعليه يرتفع الضمان على البائع بمضي زمن الخروج لقبضه عادة، وبه صوب تفرقة شيخه اختيار ابن القاسم من قولى مالك في ضمان الغائب ضمانه البائع، وفي المحبوسة بالثمن: ضمانه المبتاع لعجزه عن التسليم في الغائب، وقدرته عليه في المحبوسة.
اللخمي والمازري: لو بيع الغائب على كيل أو وزن ضمنه بائعه اتفاقًا.
اللخمي: إنما الخلاف فيما صدق المبتاع بائعه في صفته وما كان على وقفه على كونه على الصفة أو اختياره فمن بائعه، ورده المازري بأن كونه على الصفة أو لًا ككونه موجودًا حين العقد أو لا؟ فكما تقرر الخلاف في الكون الثاني فكذا الأول لاستوائهما في احتمال المطابقة ونفيها يرد بوضوح الفرق بين ما بيع على خيار ضمانه من بائعه وما بيع على بت، ضمانه من مبتاعه وبين اقتضاء شيء على تصديق دافعه في صفته ضمانه من قابضه وعلى عدم تصديقه؛ بل على اختياره ضمانه من دافعه، ولو كان دارًا على مذارعة أو نخلًا على عدها ففي كونهما من البائع أو المبتاع رواية المازري ونقله عن ابن حبيب مع الأخوين فخرجهما على أن الذرع والعد حق توفية أو مجرد صفة.
زاد الصقلي عنهم: تقاس الدار وتعد النخل على ما هي به فما كان منها لزمه قال: وإنما يصح هذا إن وفي قيسها وعدها بما شرط أو نقص يسيرًا ويحط منابه، وقولهم بلزوم ما وجد غير صحيح؛ لأنه إذا نقصت الأذرع بمثل الثلث فالمصيبة من البائع.
وسمع أَصْبَغ ابن القاسم: من اشترى سلعة غائبة بعينها وهي ببلد على أن يوفاها بموضع آخر أو بموضعه، شك.
أصبغ: لا خير فيه للضمان.
ابن رُشْد: هذا بين؛ لأن بعض الثمن وقع للضمان ولا يحل وهو حرام بإجماع، وسمعه أيضًا من اشترى جارية غائبة بالشام على أنها من البائع حتى يوفيه إياها بمصر لا خير فيه من الضمان والتغرير، ولو كان يقبضها في مكانها بالشام لم يكن بذلك بأس.
ابن رُشْد: هذا مثل الأول لا فرق بين السلعة والجارية في شرط ضمان ذلك في البيع لا يجوز.
قُلتُ: لا يتوهم أن هذا خلاف المذهب في جواز شرط الضمان على البائع في الغائب؛ لأن ذلك في مدة الوصول إليه لا في مدة إيصاله.
اللخمي: الإتيان بالغائب على مبتاعه وشرطه إياه على بائعه مع ضمانه إياه يفسد بيعه، وضمانه في وصوله من بائعه وإن هلك بعد قبضه ضمن قيمته، وإن شرط ضمانه في إتيانه من مبتاعه جاز، وكان بيعًا وإجارة، فإن هلك قبل خروجه من موضع بيعه أو في الطريق حط عن المشتري من الثمن بقدر الإجارة.
ولابن القاسم: من اشترى غلامًا غائبًا بغنم غائبة فتقدم بالعبد ثم مات قبل وصول الغنم، إن جاءت على الصفة أو على غيرها فرضيها مشتريها فالعبد ممن كان إليه صائرًا، ومحمل قوله: إن بائع الغنم تطوع بجلبها.
عياض عن فضل: مسائل المدَوَّنة دالة على أن على بائع الغائب الإتيان به، وجواز اشتراطه المبتاع عليه خلاف سماع أصبغ، ابن القاسم منعه، وإن المشتري هو الذي يخرج لأخذه وصوبه أبو عمران وأنكره غيره، وتأول بعضهم قولها: إن البائع طاع بذلك، وقال: إن شرطه عليه المبتاع دون ضمان جاز والإ فسد.
قلت ظاهر جعله سماع أَصْبَغ خلاف ما ذكر قبله، إن معناه جواز اشتراط ضمانه
مدة الإتيان به، وذلك خلاف ما ذكره قبله أن معناه ما تقدم لابن رُشْد.
وفيها: احتيار ابن القاسم الضمان من البائع في الموت والنماء والنقصان، التونسي: ظاهره يحدث للبائع بالنماء خيار كخيار المشتري بالنقض، وعن سَحنون: إن ذلك في مال يحدث للعبد ولا فرق بينهما، والأشبه النقص اليسير، والنماء اليسير لا يوجبه؛ لأنهما دخلا عليهما، وما كان غير معتاد من نقص ونماء يوجبه.
ابن محرز: حمله بعض المذاكرين على ظاهره، وقال: حدوث النماء ولو في البدن يوجب خيار البائع في فسخه ثم صوب قول سَحنون، ونص أشهب: لا خيار له إن حدث نماء وإن كان في ضمانه كحاله في عهدة الثلاث.
وفيها: ما بيع بصفة أو تقدم رؤية وهلك فقال بائعه: هلك بعد الصفقة، والمشتري قبلها هو من البائع في قول مالك الأول إلا أن يأتي ببينة وإلا حلف المبتاع على علمه إن ادعى البائع علمه وإلا فلا يمن كما لو جهلا وقت هلاكه، وعلى آخر قول مالك هو من البائع في كل حال فخرجه المازري على تغلب استصحاب حالة موجودة على استصحاب حالة سابقة فيما شك في كونه بينهما على السابقة أو اللاحقة، وخرج هو واللخمي نقيضه من أحد القولين في مسألة كتاب عيوبها، من ابتاع عبدًا بالبراءة من إباقه فأبق في الثلاث ووجد ميتًّا بعدها، فقال المبتاع: مات فيها والبائع بعدها فى كون القول قول المبتاع بناء على تغليب اللاحقة أو البائع بناءً على تغليب السابقة، ومن قول ابن القاسم في الموَّازيَّة في عبد بيع على خيار وجد ميتًا بعد مدته، قال مبتاعه: مات فيها وبائعه بعدها، القول قول البائع.
قُلتُ: يرد بتحقق ثبوت متعلق البيع يوم الصفقة في المبيع بالبراءة والخيار ضرورة حضورهما وعدمه في الغائب لغيبته، وما قال مبتاعه بصفة أو تقدم رؤية في عيب اطلع عليه به حين قبضه هو قديم، بائعه حادث، قال التونسي: لا جواب فيها عنه، ولابن حبيب والأخوين وابن القاسم: لو ظهر بعبد، بيع على إن أدركته الصفقة عيب.
قال: مبتاعه قديم وبائعه حادث، القول قوله مع يمينه أنه: ما علمه، فناقض التونسي قول ابن القاسم فيه بقوله في هلاكه: هو من بائعه.
قال: والجزء كالكل، وفرق ابن محرز بأن هلاكه قادح في وجود متعلق البيع وهو المبيع بخلاف العيب، الاختلاف في قدمه
كالاختلاف فيه والمبيع حاضر، وعزا المازري المناقضة لبعض أشياخه قال: وأشار بعض المتأخرين إلى أن ابن القاسم فرق بينهما ولم يشر إلى الفرق، قال: وعندي أن الفرق بينهما، وذكر مثل ما تقدم.
وفيها: لمن اكترى دارًا بثبوت موصوف ببيته شراؤه من المكري إن علم وجوده يوم شرائه.
ابن رُشْد: في هذا نظر: إذ ليس من شرط بيع الغائب علم قيامه حين عقده، فمراده إن الصفقة إن علم بعدها قيام الثوب حين عقدها صحت، وعلم انتقال الملك عن المشتري للبائع والضمان عنه للمشتري على قول مالك الآخر، أو منه للبائع على القول الأول، وإن علم تلفه أو جهل، فالصفقة باطلة لا ينتقل بها ملك ولا ضمان: عبد الحق عن بعض شُيُوخه: إنما شرط علم ذلك؛ لأن جهله يؤدي للجهل بما يرجع به إن تهدمت الدار في بعض المدة إن كان الثوب موجودًا يوم الصفقة انتقص من الثوب قدر باقيها وإن لم يكن رجع بقدر ذلك في الدراهم إذ كان الكراء إنما وقع بها، وقال غيره: لأنه لا يدري هل باع منه موجودًا أو لا؟ فعقد البيع إذا وقع جائز، ثم ينظر فإن علم وجوده، حينئذ صحت الصفقة الأولى والثانية وإلا فلا.
المازري عن بعضهم: لأن عدم علمه يوجب غررًا في بيعه؛ لأنه إن ادعى بائعه ضياعه لم يقبل إلا بيمينه فإن نكل خير مشتريه في فسخ بيعه أو إلزامه قيمته.
ابن رُشْد: قوله•انتقض من الثوب قدر باقيها) يريد ويرجع بقدر ذلك في قيمة الثوب؛ لأنه فات بيعه منه كفواته ببيعه من غيره، وقال التونسي: يرجع في الثمن نفسه بقدر ما بقى من السكنى، وعلته إن استحق من الثوب بقدر ما انهدم من الدار وذلك غير صحيح؛ لأن الثوب إنما يجب الرجوع فيه ما لم يفت، وهو قد فات ببيعه من ربه ولا فرق بين بيعه منه أو من غيره؛ لأن شراء من اشترى عبدًا ممن باعه منه بيعًا فاسدًا فوت يوجب صحة بيعه البيع الفاسد، وقول بعض القرويين: إن لم يكن الثوب عنده وقت الصفقة الثانية، فكأن الكراء إنما وقع بالدراهم، فإذا انهدمت الدار وجب الرجوع فيها غير صحيح، والواجب إن تلف قبل الصفقة الأولى أو بعدها، وقبل الثانية على أن ضمان الغائب من بائعه رجوع رب الدار على رب الثوب بقيمة ما سكن، كمن اكترى
دارًا بثوب استحق، وإن تلف بعد الأولى وقبل الثانية على أن الضمان من مبتاعه رجوع المكتري على رب الدار في قيمة الثوب بقدر ما بقي من السكنى وبالثمن لانتقاض البيع في الثوب بتلفه قبل وقوع الصفقة.
وتعليل غيره الاشتراط بأنه لا يدري هل باع منه موجودًا أم لا؟ فعقد البيع إذا وقع جائزًا كلام صحيح، وقوله: (ثم ينظر ... إلى آخره): معناه على أن الضمان من البائع صحة الأولى مطلقًا؛ لأن بيعه مبتاعه قبض له، والثانية إن قبضه مبتاعه بعد ابتياعه وإلا ضمنه مبتاعه وعلى أن المبتاع من الضمان يصحان مطلقًا، وقول ابن الحاجب وعلى تضمين المشتري لو تنازعا، فقولان لتعارض أصلى الله عليه وسلم السلامة وانتفاء الضمان يتقرر بإجرائه على ما ذكر بمسألة قولي ابن القاسم وأشهب في قول مبتاع غائب تغير عن حال رؤيته المتقدمة وكذا ذكر ابن شاس المسألة بلفظ (تنازعا) وظاهر قول ابن الحاجب يتناول تنازعهما في وقت هلاك ما هلك، وتقدم أن الخلاف فيه إنما هو بتخريج اللخمي والمازري، وقول ابن عبد السلام في تفسيره تنازعهما في نقد ثمنه، وقول ابن عبد الرحمن به، وقول ابن عبد الرحمن به، وقول أبي عمران، لا يجب قال: وظاهر قول المؤلف عموم قوليهما في كل ما ضمنه المبتاع ربعًا كان أو غيره، وابن عبد الرحمن نص على قصر قوله في الربع فقط واضح البعد، والوهم مع يسر تفسيره بما تقدم، ومن نظر وأنصف علم ذلك والله أعلم بالصواب.
باب ما يحرم به فضل القدر والنساء
ويحرم فضل النقد والنساء بين عوضي متحدي جنس الفضة أو الذهب، أو ربوي الطعام، وقول ابن الحاجب: الفضل بدل فضل القدر، ومن النقود بدل الذهب
والفضة عام في فضل الصفة خاص بالمسكوك دون أصله.
باب ما يحرم فيه النساء
والنساء فقط بين عوضي مختلف جنسه وبين الذهب والفضة.
كتاب الصرف