الشهادات: ابن عبد السلام: لا حاجة لتعريف حقيقتها؛ لأنها معلومة.
قلت: وقال القرافي في قواعده: أقمت نحو ثماني سنين أطلب الفرق بين الشهادة والرواية، وأسأل الفضلاء عنه، وتحقيق ماهية كل واحدة منهما، فيقولان: الشهادة؛ يشترطون فيها العدد والذكورية والحرية بخلاف الرواية، فأقول لهم: اشتراط ذلك فرع تصورها، وتمييزها عن الرواية، فلو عرفت بآثارها وأحكامها التي لا تعرف إلا بعد معرفتها؛ لزم الدور وإذا وقعت حادثة غير منصوصة من أين لنا أنها شهادة، فيشترط فيها شروطها أو رواية؛ فلا يشترط فيها ذلك، وإجراء العلماء الخلاف في قبول خبر الواحد في رؤية هلال رمضان على كونه رواية أو شهادة، وفي خبر الواحد بعدد ما صلى إمامه على ذلك لا يتصور مع جهل حقيقتها؛ وإنما يتصور ذلك مع إدراك حقيقة كل منهما، ولم أزل كذلك في شدة قلق حتى طالعت شرح البرهان للمارزي رضي الله عنه، فوجدته حقق المسألة، وميز بين الأمرين من حيث هما، واتجه تخريج الفروع اتجاهًا حسنًا، وظهر أي سببين أقوى، وأي القولين أرجح، وأمكننا إذا وجدنا خلافًا لم يذكر سببه أن يخرج على وجود السببين فيه إن وجدناهما، ونشترط ما نشترطه، ونسقط ما نسقطه، وكنا على
بصيرة في كل ذلك، فقال: هما خبران غير أن المخبر عنه إذا كان لا يختص بمعين فه الراية كقوله صلى الله عليه وسلم: ((الأعمال بالنيات))، والشفعة فيما لا ينقسم لا يختص بشخص معين؛ بل هو في كل الخلق والأعصار والأمصار بخلاف قول العدل عند الحاكم: لهذا عند هذا دينار؛ إلزام لمعين لا يتعداه، فهذا هو الشهادة، والأول هو الرواية، ثم تجتمع الشوايب بعد ذلك، ووجه مناسبة شرط العدل في الشهادة، وبقية الشروط أن إلزام المعين يتوقع فيه عداوة باطنة؛ لم يطلع عليها الحاكم، فاختلط الشارع لذلك، فاشترط معه آخر، وناسب شرط الذكورية؛ لأن إلزام المعين حكمًا غلبة وقهرًا تأباه النفوس الأبية، فهو من النساء أشد نكاية، فخفف ذلك عن النفوس بشرط الذكورية؛ ولأنهن ناقصات عقل ودين، واستقام تخريج الخلاف في رؤية هلال رمضان؛ لاشتماله على مثالية الخبر وهي العموم؛ لأنه لا يخص واحدًا بعينه وشائبة الشهادة؛ وهي خصوصة هذا العام، وأهل هذا القطر الطرق.
ثم قال: إن قلت: ما قررته من أن الشهادة حقيقتها التعلق بجزء، والرواية حقيقتها التعلق بكل منتقض، أما في الشهادة؛ فقد تنقض كالشهادة بالوقف على الفقراء إلى يوم القيامة، وكون الأرض عنوة أو صلحًا، فإنها كذلك إلى يوم القيامة، أما في الرواية؛ فإنها قد تكون في الأمور الجزئية؛ كالإخبار عن النجاسة بالماء المعين والثوب المعين، وأوقات الصلوات، وأوقات الصلوات، وأجاب عن الأول بأن العموم فيما ذكر من الشهادة إنما هو بالعرض، ومقصودها الأول؛ إنما هو جزئ، أما الوقف؛ فالمقصود بالشهادة فيه إنما هو الواقف لينزع منه المال الموقوف، وكون الموقوف عليه غير معين لا يقدح في ذلك.
وأما كون الأرض عنوة أو صلحًا؛ فلم أر فيه لأصحابنا نصًا، وأمكن أنه من باب الخبر والرواية؛ لعدم الاختصاص في المحكوم عليه، وأمكن كونه من باب الشهادة
لتعين المعلوم فيه؛ وهو الأرض.
وأما النقض على الرواية؛ فجوابه أن الأخبار عن نجاسة الماء المعين؛ إنما هو باعتبار وصفه من حيث كون صفته كلية لا باعتبار ذاته المخصوصة؛ ولذا كان كل ماء مماثل له في الصفة التي حكم عليه بالنجاسة لأجلها مماثل له في الحكم بنجاسته، وكذا الثوب.
قلت: هذا حاصل كلامه، وواضح كلامه أولاً: أقمت أطلب الفرق، وأسأل الفضلاء عنه، وعن تحقيق ماهية كل منهما.
نص في منافاته ابن عبد السلام: لا حاجة لتعريف حقيقة الشهادة، والحق قول القرافي: إنها لمعرفتها، وكان بعض شيوخ بلدنا يتعقب قول القرافي: أقمت مدة كذا أطلب الفرق بينهما حتى وقف على كلام المازري بأن الفرق المذكور في أيسر الكتب المتداولة بين مبتدئي الطلبة؛ وهو التنبيه لابن بشير.
قال في كتاب الصيام: لما كان القياس عند المتأخرين رد ثبوت الهلال لباب الأخبار؛ إذ رأوا أن الفرق بين باب الخبر وبين الشهادة؛ أن كل ما خص المشهود عليه فبابه باب الشهادة، وكل ما عم، فلزم القائل منه ما يلزم المقدار، فبابه باب الأخبار جعلوا في المذهب قوله بقبول خبر الواحد في الهلال، ولا تجده إلا في النقل عن ما يثبت عند الإمام، وكذا كان يتعقب عليه حكايته عن نفسه مثل ذلك في الفرق بين علم الجنس وعلم الشخص؛ فإنه مذكور في الجزولية، وتتميم الكلام في هذا يخرج عن المقصود، وما ارتضاه، وتبع فيه المارزي من أن الشهادة هي الخبر المتعلق بجزئي والرواية الخبر المتعلق بكل؛ يرد بأن الرواية تتعلق بالجزئي كثيرًا لحديثه صلى الله عليه وسلم: ((يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة))، وحديث تميم الداري في السفينة التي لعب البحر بهم فيها حتى ألقتهم بجزيرة، ووجدوا فيها الرجل المفسر بالدجال إلى غير ذلك من
الأحاديث المتعلقة بأمور جزئية، ولأجل هذا تجدهم يقولون: اختلف في القضايا العينية تعم أم لا؟، وكآية ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:1]، ونحوها كثير.
والصواب: أن الشهادة قول هو بحيث يوجب على الحاكم سماعه الحكم بمقتضاه إن عدل قائله مع تعدده، أو حلف طالبه؛ فتخرج الرواية والخبر القسيم للشهادة، وإخبار القاضي بما ثبت عنده قاضياً آخر يجب عليه الحكم بمقتضي ما كتب به إليه؛ لعدم شرط بالتعدد أو الحلف، وتدخل الشهادة قبل الأداء وغير التامة، لأن الحيثية لا توجب حصول مدلول ما أضيفت إليه بالفعل حسبما ذكروه في تعريف الدلالة، وهي باعتبار تحملها الروايات واضحة بأنها فرض كفاية.
في نوازن سحنون: سئل عن قوله تعالي: ﴿وَلا يَابَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة:282] فقال: إذا كان للرجل عندك علم، فأشهدك عليه، وإن لم يكن له عندك علم؛ إنما يريد أن يشهدك ابتداء؛ فأنت في سعة إن وجد في البلد غيرك ممن يشهده، فقرره ابن رشد بأن تحمل الشهادة فرض كفاية يحمله بعض الناس عن بعض كصلاة الجنازة، فمن كان بموضع ليس فيه من يحمله عنه تعين عليه، وأما أن يدعي ليشهد بما علمه أو استحفظه، فإن ذلك واجب عليه، فمن كانت عنده شهادة؛ فلا يحل له كتمها، ولمه إذا دعي إليها أن يقوم بها.
الصقلي: اختلف في قوله تعالي: ﴿وَلا يَابَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة:282]؛قال مالك وغيره: إنما ذلك أن يدعي لما كان شهد به قبل ذلك، قال مالك: وأما قبل أن يشهد، فأرجو أن يكون في سعة إن كان ثم من يشهد له.
المتيطي: اختلف في قوله تعالي: ﴿وَلا يَابَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة:282]، قيل: حين يكتب الشهادة، وقيل: إذا دعوا لأدائها، وقيل: المراد الأمران، وذكرها المازري، وعزا لمالك الثاني، وظاهر ما ذكرناه عنهم أن الأداء فرض عين لا كفاية.
وقال ابن عبد السلام: إن كان الذي تحملها عدد أكثر من النصاب، كان الأداء فرض كفاية، وإن كان مقدار النصاب فأقل؛ فرض عين.
قلت: والصواب: إن كان المحتملون أكثر من النصاب أن ينظر في كيفية تحملهم،
فإن كان في مجلس واحد؛ فعليهم أن يجيبوا من طلبهم للأداء ما لم يستقل موجب الحكم، فلا يجب على من طلب بالأداء بعده، وإن كان تحملهم في أوقات مختلفة تعين الأول فالأول ما لم يظهر سقوط من يفتقر بعده لتمام النصاب، وهو قائم من قولها في كتاب الجعل والإجارة: ومن واجر على رضاع صبي، ثم واجر أخرى تطوعاً منه، ثم ماتت الأولى؛ فعليه أن يأتي بمن يرضع مع الثانية، فجعل من التزم حكماً بعد آخر؛ لا يلزمه منه إلا الزائد على ما يجب على الأول منه، وظاهر قولهم: إنه فرض عين مطلقاً هو القائم من قولها في كتاب الحمالة: من أخذ من غريمة كفيلاً بعد كفيل؛ فله في عديم الغريم أن يأخذ بجميع حقه، أي: الكفيلين شاء، فجعل من ألتزم حكماً بعد آخر يتعلق به كتعلقة بالأول.
ابن رشد: وقول بعض أهل العلم: يجب على كل من دعي لها أن يجيب إليها أداء، أو تحملاً للآية غير صحيح، لأنه قبل التحمل لا يصدق عليه اسم شاهد، وأما أن لم يدع إلى أدائها، فقد قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: (خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها، أو يخبر بشهادته قبل أن يسألها)، وهذا فيه تفصيل استوفيناه في رسم شهد من سماع عيسي.
قلت: يذكر إن شاء الله عند قول ابن الحاجب السادس: الحرص على الشهادة، ولما كانت الشهادة موجبة لحكم الحاكم بمقتضاها؛ اكتسبت من الشرف منزلاً.
باب في شروط الشهادة في الأداء
تشترط فيها شروط منها في أدائها الكافي: الإسلام اتفاقًا، وشهادة المبتدع ساقطة؛ لأنه كافر أو فاسق.
المازري عن ابن القصار: ساقطة لفسقة، ولو كان عن تأويل غلط.
فإن قيل: قبول بعضهم كالبخاري رواية بعضهم يوجب قبول شهادته أحروياً؛ لأنها في جزئي، والرواية في كلي؛ ولذا أسقط أبو حنيفة رواية الكافر مطلقاً، وأثبت شهادة بعضهم على بعض؛ يرد بأنها منصب رفيع عندهم بخلاف الرواية.
وفيها: الحرية اتفاقاً والعقل.
المازري: وشرط العقل واضح؛ لأن المجنون لا يعقل ما يقول ولا يضبطه، ومن هو كذلك لا يلتفت إلى قوله.
ابن عبد السلام: لا يختلف في اعتبار العقل في حالتي التحمل والأداء ولا يضر ذهاب العقل في غير هاتين الحالتين، ونص عليه عبد الملك.
قلت: ما ذكره هو مقتضي المذهب، ونص عبد الملك عليه لا أعرف؛ بل نقل الشيخ عن المجموعة: قال ابن وهب عن مالك في الكبير يخنق، ثم يفيق إفاقة يعقلها: جازت شهادته، وبيعه وابتياعه، والبلوغ منها اتفاقاً.
المازري: لأنه إن لم يبلغ غير مكلف، ولا يأثم فيما يفعله من منهي عنه، وهذا يمنع الثقة بشهادته.
وفي سماع أبي زيد لابن القاسم: لا تقبل شهادة ابن خمسة عشر عاماً إلا أن يحتلم حتى يبلغ ثمانية عشر عاماً؛ فتجوز شهادته، وإن لم يحتلم.
ابن وهب: تجوز شهادته إن أتي عليه خمسة عشر عاماً، وإن لم يحتلم إن كان عدلاً؛ لأنه صلي الله عليه وسلم أجاز للقتال ابن خمسة عشرة سنة، ولم يجز ابن أربعة عشرة سنة.
ابن رشد: روي عن ابن القاسم: أنه لا تجوز شهادته إن لم يحتلم حتى يبلغ سبع عشرة سنة، ففي الحد الذي يحكم فيه لمن لم يحتلم بحكم من احتلم ثلاثة أقوال ترجع لقولين: أحدهما: لا يحكم له للبلوغ إن لم يحتلم حتى يبلغ سبعة عشر عاماً، أو الثمانية عشر عاماً، والثاني: أنه خمسة عشر عاماً، فيحكم له بالبلوغ عند ابن وهب عند بلوغه.
وفي شرط عدم الولاية في المال خلاف:
سمع أشهب: أتجوز شهادة المولى عليه وهو عدل؟ قال: نعم، ابن رشد مثله.
روي ابن عبد الحكم في الموازية: وهو قياس المعلوم من قول ابن القاسم في لغو الولاية على اليتيم البالغ في جواز أفعاله وردها، والآتي على مشهور المذهب المعلوم من قول مالك وأصحابه في أن المولى عليه لا تنفذ أفعاله، وإن كان رشيداً في أحواله أن لا تجوز شهادته، ولو كان مثله لو طلب ماله؛ أخذه، وهو نص أشهب في المجموعة، ونحو سماعه أصبغ: لا يجوز أن يكون وليًا في النكاح، ولو كان عدلاً.
ولابن حبيب عن مالك وأصحابه: إن حكم قاض بشهادته أو بشهادة العبد، ثم أنكشف ذلك بعد الحكم؛ ردت القضية بخلاف أن لو انكشفت إنه مسخوط أو سفيه، ورواه أبو زيد عن ابن الماجشون.
وقال أصبغ: إن قضي بشهادته، ثم تبين أن مولي عليه سارقاً فاسداً بين الفساد، أو مسخوطاً بين الفسق والفساد؛ ردت قضيته كما تريد إن تبين أنه عبد.
باب العدالة
والعدالة لما كانت شرطاً في الشهادة والرواية تكلم عليها الفقهاء والأصوليون، وابن الحاجب في أصلية وفقيه، وأطال المازري فيها الكلام، والأولى صفة مظنة، لمنع موصوفها البدعة، وما يشينه عرفاً، أو معصية غير قليل الصغائر، فالصغائر الخسيسة
مندرجة فيما يشين، ونادر الكذب في غير عظيم مفسدة؛ عفو مندرج في قليل الصغائر؛ لدليل قولها في آخر شهاداتها مما يجرح به: أنه كذاب في غير شيء واحد، وأطول منه قول ابن الحاجب في الفقهي: العدالة، المحافظة، الدينية، على اجتناب الكذب والكبائر، وتوقي الصغائر، وأداء الأمانة، وحسن المعاملة ليس معها بدعة، ويتعقب بحشو لفظ الدينية لاستقلاله دونه، وإجمال قوله: وتوقي الصغائر؛ لاحتمال جميعها أو أكثرها.
ابن عبد السلام: الضمير في قوله: ليس معها بدعة؛ راجع إلى العدالة، وظاهره: أن السلامة من البدعة أمر زائد على العدالة؛ لكن تعليله اشتراط هذه المعية بقوله؛ فإنها فسق يوجب كونها مضادة للعدالة، فيستغنى بذكر العدالة عنها، كما استغني بذكر العدالة عن سائر أضدادها، وقد يجاب بأن هذا النوع من أضداد العدالة كثر النزاع فيه.
قلت: يرد إعادته الضمير على العدالة، فإن فهم معية الشيء؛ لا تعلم إلا بعد فهم ما نسبت إليه؛ لأن من أمر عبده أن يأتيه بزيد مع عقيلته؛ لا يفهم ما أمر به إلا من يفهم مسمى العقلية، وهي المرأة الشريفة أو المخدرة؛ ولذا تعقب على الشيخ المحدث
الأديب البارع أبي عبد الله محمد بن عبد الله القضاعي، شهر بالأبار في قصيدته الشهيرة التي بعث بها صاحب بلنسية زيان بن مرد نيس إلى ملك إفريقية أبي زكرياء بن أبي حفص يحرضه على قتال الروم، والأخذ بثأر أهل الأندلس التي مطعلها:
أدرك بخيلك خيل الله أندلسا ... إن السبيل إلى منجاتها درسا
قوله فيها:
تقاسم الروم لا نالت مقاسمهم ... إلا عقائلها المحجوبة الأنسا
وفي بلنسية منها وقرطبة ... ما ينسف النفس أو ما ينزف النفسا
بأنه دعاء للروم بنيل مقاسمهم شريفات النساء ومخدراتها، وجواب بعضهم بأن لا نالت، جواب تقاسم لا دعاء، قال: وتوهم كونه دعاء جهالة؛ يرد بنقل ابن هشام، وابن عصفور، وابن الضايع الآمدي، وغير واحد أن جواب القسم إن كان فعلاً ماضياً؛ لزمته (كما) كقوله تعالي: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:3]، أو (إن) كقوله تعالي: ﴿إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر:41]، والإنصاف أن التعقب غير جهالة لصحة استناده لظاهر نقل الأندلسيين، وأنه غير وارد لقول سيبويه في الكتاب عن الخليل، تقول: والله لا فعلت ذلك أبداً؛ تريد: لا أفعل، وهذا، وإن كان استطراداً؛ فهو مفيد بيان حكم مسألة ذات نظر.
وقول ابن عبد السلام: وظاهرة: أن السلامة من البدعة أمر زائد على العدالة؛ ظاهرة: أن ما هو زائد على حقيقة الماهية المعرفة لا يصح الإتيان بها في تعريفها، وإلا لما حسن إتيانه به، ويرد باتفاقهم على صحة التعريف بالخاصة، وهي زائدة على ماهية المعرف، وقوله: لكن؛ تعليله اشتراط هذه المعية بقوله: فإنها فسق يوجب كونها مضادة للعدالة؛ يستغني بذكر العدالة عنها وهم لا يليق بطبقته؛ لأن العدالة هي المعرف، والمعرف يستحيل أن يستغني به في التعريف ضرورة امتناع تعريف الشيء بنفسه، أو ما يتوقف معرفته عليه، والحق الواضح أن الضمير في (معها) عائد على المحافظة.
والروايات ورادة بذكر بعض ما هو مناف للعدالة في شهاداتها مما يجرح به الشاهد
ثبوت كونه شارب خمراً، أو آكل ربا، أو صاحب قيان، أو كذاباً عن غير شيء واحد.
وفي أولها: لا تجوز شهادة المغني والمغنية إذا عرفا بذلك، ولا النائحة ولا الشاعر الذي يمدح من أعطاه، ويهجوا من منعه، فشرب ما قل من الخمر جرحه، والنبيذ المسكر شرب ما يسكر منه جرحه شرب اليسير منه الذي لا يسكر ممن لا يري إباحته، ولا قلد من رأها؛ كالحنفي، وفي كونه ممن يراها، أو قلد من رآها كذلك أولاً نقل المازري، أن بشربه الحنفي؛ حد عند مالك، وسقطت شهادته مع ظاهر سماع أشهب أن الرجل المرضي في كل حالة لا تعرف له زلة شرب نبيذ التين الذي يسكر؛ ردت شهادته.
وقول ابن رشد هذا: إن شرب؛ صح منه قدراً يسكر أو لا يسكر، وهو غير متمذهب بمذهب من يبيحه، ولو شربه متمذهب بمذهب من يبيحه، وهو معلوم بالصلاح والفضل غير متهم باستباحة ما لا يحل؛ لم ترد شهادته إلا أن يسكر منه، وكذا قرأناه إن كان يسكر بضم الياء وكسر الكاف، ويحتمل إن يقرأ إن كان يسكر بفتح الياء والكاف، ولابن رشد في رسم إن خرجت من سماع عيسي: شرب الخمر جرحه، ويعاقب عقوبة موجعة، وهو نص كتاب الرجم منها.
وفي الموازية والمجموعة: لمالك: ولو باعها عصي؛ لم ترد شهادته.
قلت: زاد الشيخ عن الكتابين: إلا أن يكون تقدم إليه ووعظ، فلم ينته، فترد شهادته، وهذه الرواية مشكلة؛ لأن بائعها إن كان يبيعها ممن يشربها حراماً، وجب رد شهادته، وإن لم يتقدم إليه، وكذا بائع النبيذ، وفي كون مكري بيته ممن يبيع به الخمر كذلك، أو لا ترد شهادته ثالثها: إلا أن يعذر بجهل لسماع عيسي، ومحمد بن إبراهيم بن دينار، وابن القاسم في المدنية والمبسوطة قائلاً: بيع بيته ممن يبيع به الخمر؛ ككرائه منه والربا كل ما حصل لمدعي ملكه بوجه لا يحل كالثمن في المعاملات الفاسدة، ورواتب المكس والظلم، وفي الواقع جزءيات حكمها؛ لزيادة بيان والسعي فيها للغير إعانة عليها.
وقبول بعضهم شهادة بعض من تلبس بشيء لا يخفي على منصف حكمه، وتقدم
في المزارعة نقل قول الشيخ الفقيه أبي عبد الله بن شعيب محتجاً بقوله تعالي: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف:6].
وأما الكذب؛ فنصها: مما يخرج به الشاهد قيام بينة عليه أنه كذاب في غير شيء واحد، ونقلها ابن الحاجب بأنه معروف بالكذب في غير شيء واحد.
قال ابن عبد السلام: كلامه يعطي تكرار الكذب ممن ثبت عليه ذلك، وأنه مشهور به من قوله معروف، ولم يشترط هذا القيد الأخير في المدونة، ويكفي تكرار الكذب.
قلت: قوله: لا يعطي تكرار الكذب لا وجه لتخصيصه به دون المدونة؛ لأن فيها لفظ كذاب وفعال؛ يدل على التكرار ضرورة، وقوله: إنه مشهور من قوله: معروف؛ يرد بمنعه؛ لأن مدلول مشهور أخص من معروف، ولا يلزم من صدق الأعم؛ صدق الأخص.
قوله: لم يشترط هذا في المدونة: إن أراد به كونه مشهوراً؛ فلا يضر لما بينا أن لفظ معروف لا يستلزمه، وأن أراد لفظ معروف؛ لم يشترطه في المدونة إن أراد نصاً، فمسلم وإن أراد ولا ملزوماً منع، وهذا لأن لفظ قولها: قيام البينة العادلة أنه كذاب بصيغة المبالغة؛ يدل على أنه معروف بمطلق الكذب عادة؛ لأن الغالب في العادة أنه لا يثبت بالبينة العادلة على رجل أنه كذاب في غير شيء، إلا وهو معروف، وبمطلق الكذب، فتأمله منصفاً.
قال: ولو لم يشترط التكرار؛ لكان له وجه؛ لأن التجريح بهذه المواقع كلها على كثرتها؛ إنما هو على تحصيل الصدق، وأنه لا يغتفر للشاهد من الأوصاف ما يظن ممن شرب خمراً، أو أكل ربا، أو أخل بمروءته.
قلت: ظاهر قوله: لو قيل: إن المنصوص أو المعروف؛ أنه لا يجرح بثبوت مطلق الكذب بصدوره مرة، ولا أعلم فيه نصاً، ويحصل من نقل الباجي وابن رشد في هذا الأصل خلاف.
قال الباجي: ما نصه: ترد شهادة من ترك واجباً كالصلاة والصوم حتى يخرج الوقت المشوع لها، وترك الجمعة جرحه في الجملة، واختلف في تركها مرة واحدة، فقال أصبغ: جرحه كالصلاة الفريضة يتركها مرة واحدة.
قلت: فاستدلاله هذا نص في أن ترك الصلاة مرة واحدة جرحه، وأنه متفق عليه، وترك الصلاة مرة واحدة؛ كالكذبة الواحدة، وهو خلاف ما يأتي.
لابن رشد: أن ترك الصلاة الواحدة من الصلاة المفروضة حتى يخرج وقتها بغير عذر؛ لا يوجب رد الشهادة حتى يكثر ذلك من فعله.
والقيان: جمع قينة، وهي المغنية، فجعل في المدونة كسبها جرحه، ولذا نقل عياض عن بعض فقهاء الأندلس: أنه رد شهادة صاحب له، فسأله عن سبب ذلك، فقال له: حضرتك، وقد عرض عليك شراء جارية من جاريتين وقفتا للبيع، وقيل لك: هذا مغنية، فزدت في ثمنها، وتقدمت قضية إبراهيم بن سعيد الذي ذكرها الخطيب عنه في باب الوليمة، وما نقل فيها عن مالك، فتذكره المازري: الغناء لا بآله عندنا مكروه.
وذكر محمد بن عبد الحكم: أن من أدمن على سماعه؛ ردت شهادته، فيمكن أن رأه علماً على سقوط المروءة.
وقال مالك فيها: ترد شهادة المغني والمغنية والنائحة إن عرفوا بذلك، فشرط اشتهارهم بذلك، والاشتهار بذلك يدل على الخساسة، وكذا الرقص بالطاقتين اللتان تسميان عندنا بالشيزانة.
والعناء بآله: فإن كانت ذات أوتار كالعود والطنبور والمعزف والمزمار؛ فالظاهر عند بعض العلماء حرمته، وأطلق محمد بن عبد الحكم أن سماع العود مكروه، وقد يريد به الحرمة، ولما كان ذلك يقارن غالباً شرب الخمر ويبعث عليها؛ انسحب عليه حكم التحريم.
قال ابن عبد الحكم: سماع العود جرحه إلا أن يكون في صنيع لا شرب فيه؛ فلا يجرح، وإن كره على كل حال، وذكر ابن شعبان: الخلاف في رد شهادة قارئ القرآن بالألحان، ولعله يريد الألحان التي تفسد نص القرآن، ومخارج حروفه، وأما الترنم به،
وتحسين الصوت به؛ فلا، قد تسمع رسول الله صلي الله عليه وسلم قراءة أبي موسي الأشعري وقال: "لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داوود".
قلت: ذكر الشيخ قبل نقل قول ابن شعبان ما نصه: وأكره القراءة بالألحان حتى تشبه الغناء، ولا أرد شهادة من فعله.
المازري: وأما الغناء بما لا يطرب كالدف؛ فجائز.
وقال مالك: لا بأس بضرب الدف والكبر، قال بعض أصحابه: يريد في العرس.
واختلف في المزهر؛ فكرهه بعض أصحابه في غير العرس، ويلحق به ضرب الغربال؛ وهو دف يضرب من جهة واحدة، قلت: وتقدم شيء من هذا في الوليمة.
ولبس الحرير الإدمان عليه جرحه، وكذا الجلوس عليه، ووقوعه مرة واحدة من غير عذر؛ الأظهر أنه غير جرحه في مرة تؤذن بأنبس الحرير وتصرفه؛ بحيث يكون علماً على سقوط مروءته، فيكون جرحه، وأغرق بعض الشافعية بقوله: لو جلس شهود عقد النطاح على حرير؛ لم يصح النكاح، ولو بمرة واحدة.
وفي سرقتها: إن قامت ببينة على الشهود أنهم مجان؛ فذلك ما تجرح به شهادتهم.
الجوهري: المجون أن لا يبالي الإنسان بما صنع.
الشطرنج: المازري كره مالك النظر إليها وإن قل، وقال: هي شر من النرد، ولكن لا ترشد شهادة اللاعب إن كان المرة بعد المرة، بل إذا أدمن على اللعب، وربما أطلق لفظ الكراهة على التحريم.
الأبهري: علق مالك رد الشهادة به على الإدمان لا المرة بعد المرة، قال الأبهري في تعليل هذا: لأنه للا يسلم الإنسان من يسير لهو.
وقد قال بعض الشعراء.
أفرد طبعك المجدود بالجد راحة ... يجم وعدله بشيء من المزح
ولكن إذا أعطيته المزج فليكن ... بمقدار ما يعطي الطعام من الملح
ولابن رشد في سماع عبد الملك من كتاب الوصايا: ابن وهب: إن وجد الوصي الشطرنج في تركه الميت؛ نحت وجوهها، وباعها خطباً بغير أمر السلطان إن كان ممن سمع الأحاديث والعلم، وإن لم يكن كذلك، والوصي يخافه لجهالته ما ورد في ذلك؛ فلا يفعل إلا بأمره.
ابن رشد: لا خلاف بين مالك وأصحابه إن الإدمان جرحه، وقيل: الإدمان اللعب بها في العام أكثر من مرة واحدة.
قلت: عزاه عبد الحق لأحمد بن نصر.
الصقلي عن محمد بن عبد الحكم: من يكثر اللعب بها حتى يشغله عن الصلاة في جماعة طرحت شهادته وإلا جازت.
قلت: ففي كون اللعب بها دون إدمان جرحه بكونه أكثر من مرة واحدة في العام، أو بأكثر من ذلك ثالثها: هذا مع شغلها عن صلاة الجماعة.
لابن رشد عن المذهب: وظاهر لفظها المرة بعد المرة، وابن عبد الحكم، وحكاية المازري عن ابن المسيب: لا بأس باللعب بها، وعن أبي هريرة ما ظاهرة الإباحة، وعن الشافعي عن سعيد بن جبير: أنه كان يلعب بها استظهاراً، وهو أن يولي المتلاعبين ظهره، ويقول لأحدهما: ما الذي دفع صاحبك، فيقول: كذا فيقول له: أدفع كذا، خلاف قول الباجي.
ما روي عن ابن عبد الله بن مغفل، والشعبي، وعكرمة: أنهم كانوا يلعبون بالنرد، وأن الشعبي كان يلعب بالشطرنج، غير ثابت، وكذا عن ابن المسيب، وابن شهاب؛ وإنما هي أخبار يتعلق بها أهل البطالة.
وقال عبد الوهاب: يكره أن يجلس مع اللاعب بها وينظر فيها؛ لأنه يدعو إلى المشاركة فيها.
وفي العتيبة: قيل لمالك: أيسلم على اللاعب بها؟ قال: نعم.
والنرد المازري: ظاهر المذهب: أنه كالشطرنج.
وفيها: الشطرنج شر من النرد، والصحيح من أحاديث الباب حديث مسلم عن بريده: أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (من لعب بالنرد شير؛ فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه).
ابن سحنون: روي داوود: من كان يبيع النرد، والزمامير، والعيدان، والطنابير؛ لم تجز شهادته.
قلت: وكذا من يشتغل بمطلق الكيمياء.
وأفتي الشيخ الصالح الفقيه أبو الحسن المنتصر: بمنع إمامته.
واللعب بالحمام في سرقتها: يجرح الشاهد بثبوت لعبة بالحمام.
وفي الرجم منها: يجرح الشاهد بلعبه بالحمام إذا كان يقامر عليها.
المازري عن محمد: من فعله على قمار، أو أدمن عليه؛ ردت شهادته، فأجراه مجري الشطرنج.
قلت: روي أبو داوود بسنده عن أبي هريرة: أن رسول الله صلي الله عليه وسلم رأي رجلاً يتبع حمامة، فقال " شيطان يتبع شيطانة"، وصححه عبد الحق بالسكوت عنه، ولم يتعقبه ابن القطان عليه.
وفي سماع سحنون: كتب لسحنون: من يقبل صلة السلطان، ويأكل طعامه، وسلاطين الزمان من قد علمت أتسقط شهادته، وقد قبل جوائز السلطان من قد علمت من أئمة الهدي والعلم؟ أخذ ابن عمر جوائز الحجاج، والحجاج من قد علمت، وابن شهاب: جوائز عبد الملك بن مروان وغيره من الخلفاء، وأخذ مالك جوائز أبي جعفر، وليس ذلك على وجه الخوف منهم؛ لأن منهم من باين السلطان بترك الأخذ
منهم، فلم ير منهم إلا خيراً، وذكر أن أبا جعفر أمر لمالك بثلاث صرر من الذهب دنانير، فأتبعه الرسول بها؛ فسقطت منه صرة في الزحام، فأتاه بصرتين، فسأله عن الثالثة، فأنكرها؛ فألزمه مالك فيها حتى أتاه بها بعض من وجدها، فرفعها إليه، وجميع القضاة من السلطان يرزقون ويأكلون، فكتب إليه سحنون: من قبل الجوائز من العمال المضروب على أيديهم؛ سقطت شهادته، ومن أكل من الزلة والفلتة؛ فغير مردود الشهادة؛ لأن الأمر الخفيف من الزلة والفلتة لا يضر في العدالة والمدمن على الأكل منهم ساقط الشهادة، وما قلته من قبول ابن شهاب ومالك؛ ليس بحجة؛ لأن ذلك من أمير المؤمنين، وجوائر الخلفاء جائزة لا شك فيها على ما شرط مالك؛ لاجتماع الخلق على قبول العطية من الخلفاء ممن يرضي به منهم وممن لا يرضي، وجل ما يدخل بيوت الأموال مستقيم، وما يظلم فيه قليل في كثير، ولم ينكر أحد من أهل العلم أخذ العطاء من زمن معاوية إلى اليوم، والقضاة أجراء للمسلمين لهم أجرهم من بيت مال المسلمين، وما ذكر عن ابن عمر: سمعت على بن زياد ينكر ذلك عن ابن عمر ويدفعه.
ابن رشد: وله قبولها من العمال المضروب على أيديهم جرحه صحيح؛ ومعناه عندي: إذا قبلوا ذلك من العمال على الجباية الذين؛ إنما جعل لهم قبض الأموال، وتحصيلها دون وضعها في وجوها بالاجتهاد.
وأما الأمراء الذين فوض إليهم الخليفة، أو خليفته قبض الأموال، وصرفها في وجوهها باجتهادهم؛ كالحجاج وشبهه من أمراء البلاد المفوض جميع الأمور فيها إليهم؛ فجوائزهم كجوائز الخلفاء، فإن صح أخذ ابن عمر جوائز الحجاج، فهذا وجهه.
وأما القضاة والأجناد والحكام، فهم أخذ أرزاقهم من العمال المضروب على أيديهم الذي فوض إليهم النظر في ذلك، وضرب على أيديهم فيما سواه.
وروي عن مالك أنه قال: لا بأس بجوائز الخلفاء، فأما جوائز العمال؛ ففيها شيء يريد الذي ظاهر أمرهم أنهم مفوض إليهم من قبل خلفائهم، ولم يتحقق ذلك، ويريد أن الأخذ منهم مكروه، ولو تحقق التفويض إليهم، لم يكن لكراهة أخذ جوائزهم وجه، كما أنه لو تحقق أنه لم يؤذن لهم في إعطاء المال باجتهادهم لمن لم يعمل عملاً لم يكن
لتسويغ أخذ جوائزهم وجه، فإن كان المجبي حلالاً، وعدل في القسم، فاتفق أهل العلم على جواز أخذ الجائزة منه، وإن لم يعدل في قسمه؛ فالأكثر على جواز أخذها منه، وكرهه بعضهم، وأرشد المجبي حلال وحرام؛ فالأكثر على كراهة الأخذ منه، ومنهم من أجازه، وإن كان المجبي حراماً، فمنهم من حرم أخذ الجائزة، والرزق على عمل الأعمال منه، وروي هذا عن مالك: ومنهم من أجازه، ومنهم من كرهه، وإن كان الغالب عليه الحرام؛ فله حكم الحرام، وإن كان الغالب عليه الحلال؛ فله حكم الحلال، وفيه كراهة ضعيفة، وإن كان الخليفة يجبي الحلال والحرام، فمن أخذ مما يعلم أنه حلال؛ فله حكم المال الحلال، ومن أخذ مما يعلم أنه حرام، فله حكم المجبي الحرام.
وسمع عيسي ابن القاسم: الفرار من الزحف من الضعف جرحه، ومن علمت توبته منه وظهرت؛ قبلت شهادته وإلا ردت، والضعف في العدد كما قال تعالي:
ابن رشد: هو كبيرة، وقال بعض الناس: ليس بكبيرة.
قلت: تحقق تبوته عسير؛ لأنها لا تعرف إلا بتكرار جهاده، وعدم فراره، وأنظر هل الفرار من الضعف جرحه مطلقاً، أو ما لم يكن ممن صار العدو في حقه أكثر من الضعف بفرار من فر من الضعف؟ وهذا هو المظنون اعتقاده في بعض من فر في هزيمة الأمير أبي الحسن المريني في وقعة طريف من الفقهاء الذين كانوا معه كشيخنا أبي عبد الله السطي.
وفي كون قطع الدنانير والدراهم جرحه ثالثها: ما لم يعذر بجهل، لابن رشد عن أصبغ عن ابن القاسم.
وظاهر قول سحنون وابن القاسم في الموازية، وهذا إذا قطعها وهي وازنة، فردها ناقصة في البلد الذي لا تجوز فيه ناقصة، وهي تجري فيه عدداً بغير وزن على أن ينفقها، وبين نقصها، ولا يغش بها، وقطعها وردها ناقصة يغش بها، جرحه اتفاقاً، وقطعها وهي مقطوعة أو غير مقطوعة، وهي لا تجوز بأعيانها.
والتبايع بالميزان لا خلاف أنه ليس بجرحه، وإن قطعها عالماً بمكروه ذلك،
ويحتمل أن يكون كلام سحنون على أن قطع الدنانير والدراهم جرحه ثالثها: ما لم يعذر بجهل، لابن رشد عن أصبغ عن ابن القاسم.
وظاهر قول سحنون وابن القاسم في الموازية: وهذا إذا قطعها وهي وازنة، فردها ناقصة في البلد الذي لا تجوز فيه ناقصة، وهي تجزئ فيه المقطوعة التي ليست بمقطوعة، وهي تجري في الميزان، وتكلم ابن القاسم في رواية أصبغ عنه على قطع الدنانير التي تجوز بأعيانها، وردها ناقصة يغش بها، وتكلم في الموازية على أنه فعل ذلك وبين نقصها، فلم يغش بها، فلا يكون ذلك اختلافاً، ومضي القول فيما يجوز من قطع الدنانير والدراهم، وما لا يجوز في سماع ابن القاسم من الصرف.
قلت: بسببه سئل مالك عمن قدم بلداً تجوز فيه الدراهم النقص، ومعه دراهم كبار أيقطعها؟ قال: لا، يكره ذلك.
ابن رشد: خوف أن يذهب بها لبلد لا تجوزا لنقص فيه، فيغش بها؛ فهو أشد كراهة من قطع الدنانير المقطوعة، وأجاز في سماع أشهب قطع الدنانير المقطوعة عند الحاجة لذلك، وأجاز ابن القاسم في سماع أصبغ قطعها إجازة مطلقاً إذا لم تكن صحاحاً مزورة، وأما قطع الوازنة حيث لا تجوز الناقصة، فلا يحمل.
وفي نوازل سحنون: شهادة المنجم المدعي أنه يعرف القضاء لا تجوز، وهذه جرحه بينة.
ابن رشد: معناه: أنه يدعي أنه يعرف من ناحية نظره في النجوم ما قضي الله به وقدره قبل أن يكون، والقول بهذا ضلال لا كفر؛ وهو جرحه ببينة.
وسمع ابن القاسم في كتاب السلطان: من ينظر في النجوم، فيقول: الشمس تكسف غداً، والرجل يقدم كذا، وشبهه يزجر، فإن لم ينته؛ أدب، وإني أري الذين يعالجون المجانين زاعمين أنهم يعالجون بالقرآن قد كذبوا لو علموا ذلك لعلمتهم الأنبياء، قد صنع لرسول الله صلي الله عليه وسلم سم، فلم يعرفه حتى أخبرته الشاة، وأرى هذا
ينظر في الغيب، وأنها لمن حبائل الشيطان.
ابن رشد: ليس قوله: الشمس تكسف غداً، أو القمر ليلة كذا من جهة النظر في النجوم، وعلم الحساب بمنزلة قوله: من هذا الوجه فلان يقدم غداً في جميع الوجوه؛ لأن الشمس والقمر يجريان بأمر الله في أفلاكهما من برج إلى برج على تقدير لا يختلف يبعد فيه القمر عن الشمس، كلما بعد زاد ضوءه إلى إن ينتهي في البعد ليلة أربعة عشر، فتكمل استدارته، وضوءه لمقابلة الشمس، ثم يأخذه في القرب؛ كلما قرب؛ نقص ضوءه إلى أن ينتهي في القرب ليلة أربعة عشر، فإذا قدر الله تعالي على ما أحكمه من أمره، وقدره من منازله في سيره أن يكون بإزاء الشمس في النهار فيما بين الأبصار والشمس ستر جرمه عنا، ضوء الشمس كله إن كان مقابلها أو بعضها، إن كان منحرفاً عنها؛ فكان ذلك كسوف الشمس آية من آيات الله، فليس في معرفته ذلك بما ذكرناه من جهة النجوم، وطريق الحساب ادعاء علم غيب، ولا ضلالة بوجه؛ لكن يكره الاشتغال به؛ لأنه مما لا يعني، وفي الإنذار به ضرر في الدين؛ لأن الجاهل إذا سمعه؛ ظنه من علم الغيب، فيزجر عن ذلك ناقلة، ويؤدب عليه كما قال.
قلت في كلامه تناف؛ لأنه صرح أولاً وثانياً بأن الكسوف من الأمور التي نصب الله تعالي على وجودها سبباً حسياً، فيعلم وجود ذلك الدليل بالحساب المستند لمعرفة حركة النيرين، وهذا أمر واضح، ولفظ قوله: فإذا قدر الله تعالي إلى قوله: آية من آيات الله؛ يقتضي أنه كنزول زلزلة أو صاعقة، ونحوها من الأمور التي لم ينصب عليها دليل، قال: واختلف في المنجم يقضي بتنجيمه أنه يعلم وقت قدوم فلان، أو نزول المطر، وما في الأرحام، أو ما يستسر به الناس والأخبار، وحادث الفتن والأهوال، وشبهه من المغيبات، فقيل ذلك: كفر جيب به قتله دون استتابة، وقيل: يستتاب إن تاب، وإلا قتل، قاله أشهب، وقيل: يزجر، وقيل: يؤدب، وهو له في هذا السماع، والذي أقواله إن هذا الخلاف؛ إنما برغم المنجمين النجوم، واختلاف طلوعها وغروبها هي الفاعلة لذلك كله، وكان مستتراً بذلك، فأسترته بيته؛ قتل بل استتابة؛ لأنه كافر زنديق، وإن كلنا معلناً بذلك غير مستتر به يظهره، ويحاج عليه؛ أستتيب، فإن تاب وإلا قتل، وإن
أقر أن النجوم واختلاف طلوعها وغروبها لا تأثير لها، وأن الله هو الفاعل لذلك إلا أنه جعلها أدلة؛ فهذا يزجر ويؤدب أبداً حتى يكف، ويرجع عن اعتقاده ويتوب عنه؛ لأنها بدعة يجرح بها، وتسقط إماماته وشهادته، ولا يحل تصديقه له في شيء من ذلك، وأني يصح في قلب تصديقه مع قوله تعالي: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن:26]
قلت: بعضهم: بعضهم يجيب عن هذا بأن الغيب ما لم ينصب عليه دليل، ويزعمون أن ما يقولونه هو مما نصب عليه دليل، وهو النصبة الخاصة، وغير ذلك مما تقرر في كتبهم.
وفي نوازل سحنون عن أبن وهب: تارك الجمعة بقرية تجمع فيها دون مرض ولا علة؛ لا تجوز شهادته.
سحنون: إن تركها ثلاثاً متوالياً للحديث.
أصبغ عن ابن القاسم: ترد شهادته إلا أن يكون ممن لا يتهم على الدين؛ لبروزه في الصلاح وعلمه.
اصبغ: ترد شهادته بتركه إياها مرة واحدة دون عذر؛ لأنها فريضة كفريضة الصلاة لوقتها يتركها مرة واحدة لوقتها عمداً، وبلغني عن عمر بن عبد العزيز: أنه كان يأمر إذا فرغ من الجمعة أن من وجد لم يشهدها؛ ربط في عمود وعوقب.
ابن رشد: قول سحنون أظهر من قول أصبغ، ومعني قول سحنون: وإن لم يعلم له عذر، وليس معلوماً بالصلاح، والفضل على ما قاله ابن القاسم، وليس قولها بخلاف لابن وهب وإنما كان قول سحنون أظهر؛ لأن المسلم لا يسلم من مواقعه الذنوب، فلا يجرح بها دون الكبائر من الذنوب التي هي صغائر إلا أن تكثر، ولما قال صلي الله عليه وسلم" من ترك الجمعة ثلاثاً من غير عذر ولا علة؛ طبع الله على قلبه بطابع
النفاق"؛ دل على أن ما دون الثلاث بخلافه في عظم الإثم، فوجب أن يلحق بالصغائر، وكذا في ترك صلاة واحدة من الصلوات حتى خرج وقتها لغير عذر؛ لا ترد شهادته حتى يكثر ذلك منه.
وفي نوازل سحنون: من قوي على الحج لا عذر له، في تركه إياه جرحه إن جاوز الستين، ولو كان بالأندلس لا قبل ذلك.
ابن رشد: الذي أقوله: أنه ليس بجرحه إلا بعد السبعين.
قلت: وله في أجوبته: سقوط وجوبه على أهل الأندلس، وفي نوازله: مطل الغني جرحه؛ لأنه إذاية للمسلم في ماله.
وفي نوازل: من وطي جارية قبل أن يستبرئها؛ أدب أدباً موجعاً مع طرح شهادته إن كان عالماً بمكروه ذلك، فإن كانت لم تبلغ المحيض ومثلها يوطأ؛ فكذلك.
ابن رشد: إن كان الحمل مأموناً عليها؛ لم تسقط به شهادته؛ لرواية على بن زياد، إنه لاستبراء فيها، ومعني قول سحنون؛ إنه لا يؤمن حملها، وفي نوازل: خروج الفقيه الفاضل الصالح إلى الصيد متنزهاً؛ ليس بجرحه.
ابن رشد: لأنه مكروه لا حرام، فتركه أحسن.
قلت: وتقدم ذكرنا نقل بعض شيوخنا عن بعض القضاة من شيوخه: أنه أسقط شهادة بعض شهود الجزيرة القبلية مع قائدها في الصيد، فلعله، لأن الجمع الذي خرج معه لا يجوز صحبته طوعاً.
وفي الواضحة عن الأخوين، وابن عبد الحكم، وأصبغ: من يعرف أنه لا يقيم صلبه في رطوعه دون عذر؛ لم تجز شهادته.
الشيخ عن ابن كنانة: من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود دون سهو ولا عذر ولو في النفل؛ لم تجز شهادته.
قلت: الأظهر أن علم إقامته في الفرض؛ جازت شهادته قال: وكذا من لا يحكم
الوضوء، ولابن سحنون عنه، وكذا من هو من أهل الصلاة بالتيمم لسفر أو مرض وهو لا يعرفه، وكذا من لا يعرف قدر نصاب المال، وهو ممن تجب عليه زكاته.
قلت: إلا أن يكون ممن ماله كثير لا يفتقر في زكاته لتحقيق قدر النصاب؛ لأنه لا يتوقف إخراجه على معرفة قدره، وهذا في المال العين لا في الماشية والزرع.
ابن حبيب عن الأخوين: الأغلف الذي لا عذر له في الاختتان؛ لا تجوز شهادته، ولو جاءه الإسلام وهو كبير، اختتن إبراهيم وهو ابن عشرين ومائة.
وفي الزاهي: من أدي زكاته؛ فليس ببخيل، فمن بخل بالزائد على الزكاة، لم ترد بذلك شهادته.
وقال بعض أصحابنا: ترد بذلك شهادته، وإن كان مرضي الحال في غير ذلك؛ لأنه ساقط المروءة، ومن ترك المروءة؛ لم تقبل شهادته.
والمروءة: ما سمح به من غير أن يجب عليه: وهو مما أمر الله به، قال الله تعالي: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل:90]، فالعدل: الحق، والإحسان: ما أضيف إليه، والروايات والأقوال واضحة بأن ترك المروءة جرحه، لأن تركها يدل على عدم المحافظة الدينية، وهي لازم العدالة، وتقرر بأنهها مسببة غالباً عن اتباع الشهوات.
المازري: لأن من لا يبالي بسقوط منزلته، ودناءة همته؛ فهو ناقص العقل، ونقصه يوجب عدم الثقة به.
باب في المروءة
وفيها: والمروءة: هي المحافظة على فعل ما تركه من مباح يوجب الذم عرفاً، كشرط المليء الانتعال في بلد يستقبح فيه مشي مثله حافياً، وعلى ترك ما فعله من مباح؛ يوجب ذمة عرفاً؛ كالأكل عندنا في السوق، وفي حانوت الطباخ لغير الغريب.
ابن محرز: لا ترد شهادة ذوي الحرف الدنية؛ كالكناس، والدباغ، والحجام، والحائك إلا من رضيها اختياراً ممن لا تليق به؛ لأنها تدل على خبل في عقله، وشهادة الصبيان الذكور في جراحهم المذهب صحتها.
ابن حارث اتفاقاً.
المازري: هو معروف مذهب مالك وأصحابه إلا ابن عبد الحكم فإن منعها.
ابن زرقون: قال مطرف ومحمد بن صدقة في المبسوطة: لا تجوز شهادة الصبيان بحال، ونحوه لابن عبد الحكم.
قلت: لم يعزه ابن رشد إلا لمطرف.
اللخمي: وشرط القاضي أن يكون ممن يعقل الشهادة.
قلت: كقولها: وتجوز وصية ابن عشر سنين وأقل ممن يقاربها.
اللخمي: في إلحاق النساء بهم فيما يقع بينهن من الجراح في المآتم والعرس والحمام، نقل الجلاب في ذلك قولين، ولو لم يكونا عدلين؛ لأنه موضع لا يحضره العدول، وأري أن يقسم معها في القتل، وتحلف إن جرحت وتقتص، وإن عدلتا؛ أقتص لها في القتل دون قسامة، واقتصت في الجرح بغير يمين، وأجاز محمد في المرأة
تدعي على زوجها أنه بني بها، وأرخي الستر، شهادة امرأتين ويمنيها، لأنه مما لا يطلع عليه إلا النساء، وقيل في هذا الأصل: لا يمين عليها.
قلت: لفظ الجلاب: لا تجزئ شهادة النساء بعضهن على بعض؛ حيث لا يحضرن الرجال كالحمام والعرس والمآتم.
وقال بعض أصحابنا: يجوز في ذلك؛ فظاهرة: أن معروف المذهب سقوطها.
وقال المازري في قبول شهادتهن في ذلك روايتان، وظاهر كلام اللخمي والمازري: الاتفاق على شرط حرييهم.
ابن رشد: في سماع أشهب: أما الصبيان المماليك؛ فلا أحفظ في المذهب خلافاً أن شهادتهم لا تجوز، وكذا صبيان أهل الذمة.
ابن زرقون: حكي القاضي في شرح الرسالة عن بعض متأخري أصحابنا: أن شهادة العبد منهم جائزة، ويشترط تعددهم فيها؛ لا تجوز شهادة واحد منهم.
اللخمي: إن شهد واحد على قتل مجهز، فعلى قول مالك؛ لا يقسم معه، ولابن نافع في كتاب ابن مزين: يقسم معه.
ولابن رشد في سماع أشهب: لا تجوز شهادة الواحد منهم على قول ابن القاسم وروايته، وقيل: تجوز شهادته مع يمين المشهود له، قيل: إذا بلغ، وقيل: يحلف والده عنه، ويستحق ما شهد له به، قاله ابن الماجشون، وابن نافع في المبسوطة.
اللخمي: اختلف إن اختلفت شهادتهم، ولم يخرجوا القتيل عنهم، شهد اثنان أن هذين قتلاه، وقال المشهود عليه: بل أنتما قتلتماه؛ فقيل: تسقطان، وقيل: الدية على عاقلة الأربعة، وفي هذا الأصل في الرجال اختلاف لو اختلف قاتل بآخر، وقال كل منهما لصاحبة: أنت القاتل، قيل: لا شيء عليهما، وقيل: الدية على عاقتلهما، والأول أحسن؛ لأن إحدى العاقلتين مظلومة قطعاً.
ولعبد الملك: إن شهد صبيان أن صبياً قتله، وشهد آخران أن دابة أصابته؛ قضي بشهادة القتل، والصحيح سقوطها باختلافهم، وإن اختلفت شهادتهم بعد أن قيدت أخذ بأول قولهم، وإن بلغوا وعدلوا وشكوا؛ أخذ بأول قولهم.
الصقلي: روى ابن وهب في ستة صبيان لعبوا في البحر، فغرق أحدهم، فشهد ثلاثة على اثنين أنهم غرقاه، والاثنان على الثلاثة أنهم غرقوه: أن العقل على خمستهم، محمد: هذا غلط، ولا تجوز، وقاله ابن حبيب عن مطرف قال: ولو كانوا كباراً، فالدية في أموالهم.
ولابن الماجشون في العتيبة: لو شهد صبيان بقتل صبي صبياً، وآخران بأن دابة أصابته، قضي بشهادة الصبيين على القتل.
بعض فقهائها: تسقط لاختلافهم.
أصبغ: إن شهد صبيان بقتل صبي صبياً الساعة، ورجلان بأنهما كانا حاضرين حتى سقط الصبي، فمات؛ قبلت شهادة الصبيين دون الكبيرين.
ابن سحنون: أنكر سحنون قول أصبغ، وقال: قول أصحابنا شهادة الكبيرين أحق، بعض فقهائنا هذا أصوب؛ لأن حضور الكبار يسقط شهادة الصبيان أثبتت أو نفت، وشرط ابن الحاجب في قبول شهادتهم كونها قبل تفرقهم.
ابن عبد السلام: هذا مراد الفقهاء بقولهم: ما لم يخببوا، فإن افتراقهم مظنة مخالطتهم من يلقنهم ما تبطل به شهادتهم.
قلت: مقتضي قولها: تجوز شهادة الصبيان ما لم يفترقوا، أو يخببوا مع اختصارها أبو سعيد كذلك؛ إنهما غير مترادفين، وكذا اللفظ اللخمي: قبل تفرقهم وتخببهم، ولفظ الجلاب: إذا شهدوا قبل أن يفترقوا ويخببوا، فإن افترقوا وأمكن تخبيبهم؛ لم تقبل شهادتهم إلا أن يشهد الكبار على شهادتهم قبل افتراقهم، ونحوه لفظ ابن فتوح، وقال: معني يخببوا؛ أي: يعلموا.
الباجي: التخبيب: أن يدخل بينهم كبير على وجه يمكنه أن يلقنهم، وسمع أشهب: لا تجوز شهادة الإناث منهم.
ابن رشد: قيل: هي جائزة في الجراح دون القتل وفي القتل؛ وهو قول المخرومي فيها على أحد التأويلين، في قوله: قيل: وحدهن دون صبي؛ كامرأتين دون رجل فيما لا يحضره الرجال؛ وهو قول ابن الماجشون، وقيل: يشرط أن يكون معها صبي؛ وهو
قول مطرف وسحنون في نوازله.
قلت: ولابن حارث: روي ابن حبيب: أن مطرفاً يجيز شهادة الإناث الصبيان، كما يجيز شهادة ذكورهم.
المازري: منع مالك وأشهب شهادة إناثهم، وأجازها المغيرة مطلقاً في القتل والجراح.
وعن مالك، وبعض أصحابه: تقبل مضافة لشهادة صبي ذكر لا دونه.
ولابن زروقون عن التونسي: ظاهر قول ابن القاسم، وقول عبد الملك: أن شهادتهن وحدهن جائزة، وهو الواجب إذا كانت العادة أن الصبايا لا يختلطن بالصبيان في لعبهن، ولعل سحنوناً ومطرفاً؛ إنما منع ذلك؛ لأن العادة انفرادهن عن الصبيان، وفي قبول شهادة الصبيان في القتل بينهم قول ابن القاسم مع روايته، وقول أشهب فيها.
وفي نوازل سحنون: اختلف أصحابنا والروايات في قبولها في القتل، والذي أخذ به جوازها حيث تجوز منهم كباراً.
الباجي: إذا جوزت في القتل، فقال غير واحد من أصحاب مالك: لا تجوز فيه حتى يشهدوا العدول على روية البدن مقتولاً.
ابن رشد: رواه ابن القاسم عن مالك، وقاله غير واحد من أصحابه، ولا يدخل في هذا الاختلاف الذي في شهادة المرأتين في الاستهلال، وقتل الخطأ؛ لضعف شهادة الصبيان عندي.
الباجي: إذا شهد على شهادتهم قبل افتراقهم؛ فلا عبرة برجوعهم عن الشهادة قاله ابن وهب.
وقال سحنون ومحمد: إلا أن يرجعوا قبل الحكم، وبعد أن صاروا رجالاً، فتبطل شهادتهم، كما لو شهد رجلان أن ما شهد به الصبيان باطل، وقاله ابن الماجشون في المجموعة.
الباجي عن محمد: لا يختلف أنه لا ينظر إلى عدالتهم أو جرحتهم.
قلت: الأظهر اعتبار منع الكذب قبول شهادة من عرف به منهم.
وفي لغو مانعية العداوة والقرابة بينهم: ثالثها: العداوة، وتعتبر القرابة لابن زرقون عن محمد وابن القاسم وعبد الملك.
ابن رشد: لا تجوز لكبير على كبير، وفي إجازتهم لكبير على صغير، وعكسه قولاً ابن الماجشون وابن القاسم.
الباجي عن محمد: إن كان معهم كبير مشهود عليه أوله؛ لم تجز شهادتهم إلا كبيراً مقتولاً، لم يبق حتى يعلمهم؛ يريد: قتل قعصاً.
ابن زرقون في المدونة: لا تجوز شهادتهم لكبير على صغير أو كبير.
زاد فيها في الديات: في القتل والجراح، وظاهرة خلاف قول محمد: إلا كبيراً مقتولاً، وعزا قول ابن الماجشون له مع مطرف وروايتهما.
أبو عمر عن أبن حبيب: لا نعلم خلافاً أن شهادة الصبيان لغو حيث يحضر الكبار والعدول، وقاله سحنون، وعنه أجازتها.
الباجي: ولو كان الكبار نساء؛ لأنهم يجزن في الخطأ وعمد الصبي؛ كالخطأ، قاله سحنون.
قلت: هو نصها مع كل المذهب، وهل تراعي عدالة الكبير؟
قال مالك: إن شهد صبيان مع كبير؛ لم تجز شهادتهما.
الأخوان: إن كان عدلاً، وإن مسخوطاً، أو عبداً؛ جازت، وقاله أصبغ، ولابن سحنون عنه: إن كان ظاهر السفة والجرحه، جازت، ثم وقف عن إجازتها.
وروي ابن سحنون وأشهب: لا يقبل صبي أو صبيان، ورجل على صبي، وليأت برجل آخر.
وفي صحة شهادة من لم يكن منهم معهم في لعبهم، نقل ابن زرقون عن ابن مزين: لا أبالي كان الصبيان الشاهدان في جماعة مع الجارح أو المجروح، أو في جماعة ليسوا معهم، وعن مالك: أنها تجوز فيما بينهم.
أبو عمر: أجمعوا أن يعدل، ويعلم، ويجرح بعلمه، وأنه إن علم أن ما شهد به
الشهود على غير ما شهدوا إنه ينفذ علمه، ويرد شهادتهم بعلمه، قالوا: لأنه لو لم يحكم بعلمه لتسلسل، وتعقب بقطعة بمشهور العدالة، وبأنه لا يلزم في التجريح لصحته بمشهور العدالة، ويجاب بأن كونه بمشهور العدالة؛ هو بعض صور كونه بعلمه، وجواب ابن عبد السلام بأن مرادهم هنا بالتسلسل؛ التسلسل الظني لا العقلي، والتسلسل الظني لا يترفع بصورة نادرة يرد بأن هذه الصورة النادرة وجودها يرفع ندورها؛ لأنها بها يوجد غيرها، ثم يوجد بهما صور كثيرة يرتفع بها ندورها، وبأن عدولهم عن عبارة التعليل بأن يؤدي إلى عسر إثبات العلم بالعدالة والجرح إلى عبارة التسلسل قرينة في أنه المعهود إطلاقه في أصول الفقه وهي العقلي؛ ولذا قال المازري في تقرير التسلسل: وهذا كما يقول أهل الأصول في استحالة حوادث لا أول لها.
وللصقلي في أواخر كتاب الأقضية عن سحنون: لو شهد عندي عدلان مشهوران بالعدالة، وأنا أعلم خلاف ما شهدا به؛ لم يجز أن أحكم بشهادتهما، ولا أن أردهما لعدالتهما، ولكن أرفع ذلك إلى الأمير الذي فوقي، وأشهد بما علمت، وغيري بما علم، ولو شهد شاهدان ليسا بعدلين على ما أعلم أنه حق؛ لم أقض بشهادتهما؛ لأني أقول في كتاب حكمي بعد أن صحت عندي عدالتهما، وإنها صح عندي جرحتهما، وقال نحوه ابن الماجشون وبان كنانة، فقتله لابن عبد السلام نقله هنا، وهو من فصل حكم الحاكم بعلمه في غير التعديل والتجريح.
وذكر الأيباري في كتاب الأخبار من شرح البرهان له ما نصه: لو شهد العدول عند الحاكم بأمر يعلم خلافه، هل يحرم عليه الحكم أو يجب؟ ذهب مالك إلى أنه يجب عليه في المشهور عنه إذا لم يعلم تعمدهم للكذب؛ لأنه فسق، وهو يحكم في التجريح بعلمه، وقال غيره: لا يحكم بما علم خلافه، وهو يحكم في التجريح في غيابه.
قال بعض محدثي شيوخ بلدنا الرحالين فيمن أدرك من شيوخ المشرق: منهم الأبياري على بن إسماعيل الصنهاجي، ثم التلكاتي من إبيار قرية بين مصر والإسكندرية تفقه على أبي الطاهر السلفي، وهو من أكابر أصحابه، كان فقيهاً مالكياً حافظاً بالمذهب، وانتهت إليه رئاسة الفقه والحديث، ورحل الناس إليه، له تصانيف
حسان منها: شرح التهذيب، ومنها: شرح البرهان كان ديناً فاضلاً مستجب الدعوة.
المتيطي: لا يقبل القاضي فيمن يعلم جرحته تعديلاً ممن شهد به وقال أبو عمر في كافيه عن محمد: أن يقبل فيه التعديل، وإن علم خلاف ذلك؛ لأنه إن رد الشهادة بتعديله؛ قضي بعلمه؛ وهو لا يقضي بعلمه.
ابن حارث: روي ابن عبدوس: من عرفه القاضي بجرحه، لا يقبل فيه تزكية.
أبن القاسم: إن كانت معرفته جرحته حديثة، وإن قدمت قبلها فيه.
ابن حارث: قديم معرفته عدالته، وكذا قديم معرفته جرحته، إلا أن يعرف جرحته قديمة بأمر باطن، وزكي بأمر ظاهر، فتزكيته لغو.
وفي التهذيب: ومن الناس من لا يسأل عنه، ولا تطلب فيه تزكية؛ لشهرة عدالته عند القاضي والناس.
ولفظها في المدونة: قال مالك: من الناس من لا يسأل عنه، ولا تطلب منه التزكية؛ لعدالتهم عند القاضي.
وفي النوادر: قال محمد بن عبد الحكم: من الناس من لا يحتاج أن يسأل عنه؛ لاشتهار عدالته؛ ومنهم من لا يسأل عنه؛ لشهرته بغير العدالة؛ إنما يكشف عما أشكال عليه، وقد شهد ابن أبي حازم عند قاض المدينة أو أعمالها، قال: أما الاسم، فاسم عدل، ولكن من يعرف أنك ابن أبي حازم، فأعجب ذلك مشايخنا.
قلت: وذكر لي بعض شيوخي عن بعض شيوخه، أن الشيخ الفقيه أبا زكريا البرقي فقيه المهدية شهد في مسيرة للحج عند قاضي الإسكندرية، فلما قرأ أسمه قال: أنت البرقي فقيه المهدية، فقيل له: نعم، فكلف المشهود له البينة على أنه هو، وحكم له بشهادته دون طلب تعديله.
المتيطي: للباجي في وثائقه: التعديل يجوز في كل شيء الدماء وغيرها، وقيل: لا تكون عدالة في الدماء، قاله أحمد بن عبد الملك، ولا يقضي به.
قلت: تقدم نقله، ووهم من نقله بزيادة الحدود، وسمع يحيي سؤال ابن القاسم عن الشاهد لا يعرفه القاضي بعدالة، ولا بحال فاسدة، وهو يشهد الصلوات في
المساجد جوابه: بأنه لا ينبغي له أن يقبل إلا ثابت العدالة.
ابن رشد: قوله: لا يقبل من لا يعرفه بعدالة ولا سخطه، وإن كان ظاهر الصلاح بشهود الصلوات في المساجد، وبأنه لا يعرفه بأمر قبيح هو قول جمهور أهل العلم، ومذهب مالك وجميع أصحابه لا اختلاف بينهم فيه.
وأجاز ابن حبيب شهادة من ظاهرة العدالة بالتوسم فيما يقع في الأسفار بين المسافرين من المعاملات، والتجارات، والأكرية بينهم وبين المكارين مراعاة لقول الحسن، والليث بن سعد، لقول عمر رضي الله عنه: المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلوداً في حداً، أو مجرباً عليه شهادة زور، أو ظنيناً في ولاء أو قرابة، وحكي ذلك عن مالك وأصحابه، وهو خلاف ظاهر قول ابن القاسم وروايته فيها، إذا لم يجز شهادة الغرباء دون تعرف عدالتهم إلا أنه رخص في تعديلهم، فأجاز فيهم التعديل عل التعديل.
وعن يحيي بن عمر: إجازة شهادة من لم تعرف عدالته في الشيء اليسير، وهو استحسان، مراعاة لقول الحسن والليث، والكافر قرب إسلامه في قبول شهادته مطلقاً، وبعد اختيار حاله، ثالثها إن كانت صفاته قبل إسلامه، لم ينقص منها غير إسلامه؛ لظاهر نقل المازري عن المذهب مع مختصر الشيخ عن سحنون، وبعض تعاليق أبي عمران.
وفي سرقتها: لو حد نصراني في قذف، ثم أسلم بالقرب؛ قبلت شهادته، قلت: هذا يرد القول باختبار حالة، وقول أبي عمران.
وفي الزاهي لابن شعبان: قيل: شهادة الكافر قبل إسلامه مقبولة يجب الإسلام ما قبله، وكذا الصبي قرب احتلامه بخلاف العبد حين يعتق؛ ينظر في حاله قبل عتقه.
وقول ابن الحاجب: وإنما يجب عليها لاستزكاء مهماً شك تفسيره.
ابن عبد السلام: بالشك الأعم من الظن الصادق عليه، وعلى قسيم الشك الأخص حسن، من حيث حمله على أصل المذهب، كما تقدم في سماع عيسي، وتبع ابن الحاجب فيه ابن شاس، وتبع ابن شاس نص وجيز الغزالي، ولفظهما: وإنما يجب عليه
الاستزكاء مهما شك، وإن سكت الخصم إلا أن يقر بعدالته، وسياق كلامهما يدل على أن إقرارهما بعدالته؛ إنما هو بعد أداء شهادته لا قبلها.
وعبر ابن الحاجب عن ذلك بقوله: ولو أقر الخصم بالعدالة؛ حكم عليه خاصة، ولا أعرف هذا الفرع لأحد من أهل المذهب، ونقله ابن شاس، وابن الحاجب عن المذهب؛ يقتضي أنه نص فيه، فالله أعلم هل وقعا عليه في المذهب نصاً، أو إنما وجداه للغزالي، فظناً أنه جار على أصول المذهب؟ وهذا العذر لا يبيح إضافته للمذهب نصاً، ولهما مثل هذا في مواضع كثيرة، وفي جرية على أصل المذهب نظراً؛ لأنه إقرار متناقض، فيجب طرحه؛ لبطلانه بتناقضه، وتقريره أن الخصم إن أقر بحقيه ما شهد به؛ صار موجب الحكم عليه إقراراً، وقد فرضناه بينه، هذا خلف، وإن نفي حقيه ما شهد به؛ كان حاكماً عليه بالكذب عمداً أو تعقلاً، وكلاهما منافي للعدالة المعتبرة في الحكم.
فإن قلت: قد نص عليه أو عمر في آداب القضاة من كافية قال ما نصه: إن شهد عند القاضي شهود لم يعرفهم، واعترف المشهود عليه بعدالتهم؛ قضي بهم عليه إذا لم يكذبهم، ولا يقضي بهم على غيره إلا بتعديل.
قلت: قول أبي عمر: إذا لم يكذبهم، تصير المسألة إلى باب الإقرار لا الحكم بالبينة.
وقال المتيطي: إثر قول أبي عمر قال أصبغ: إذا رضي الخصمان بشهادة من لا يعرفه القاضي، لم يحكم بها.
ولابن عات في الاستغناء عن ابن كنانة: إن شهد من عدله رجل على من عدله؛ لم يكلف تعديله، لأنه رضي بشهادته بتعديله، وزيادة أبي عمر لم يكذبهم لم يذكرها ابن الحاجب.
وفي رسم الشجرة من سماع ابن القاسم في التزام أحد الخصمين شهادة فلان: أنه إن قاله تبكيتاً لخصمه، وإبراء للشاهد من الكذب؛ لم يلزمه ما يشهد به عليه اتفاقاً، وإلا ففي لزومه له فيما تحققه كدين عليه وما لا تحققه كدين على أبيه، أو حدود أرض ثالثها: في هذا المطرف وابن القاسم، مع ابن الماجشون، وأصبغ، وعيسي بن دينار، وابن كنانة مع ابن دينار، واختيار سحنون، كان الشاهد عدلاً أو مسخوطاً أو نصرانياً،
وقيل: إلا النصراني، وإن لم يبين كونه تبكيتًا؛ فهو فيما نازعه فيه من قول أو فعل على التبكيت، وفيما لا علم له به من حدود أرض، أو دين على أبيه على عدم التبكيت.
وفي نوازل سَحنون: ليس كل من تجوز شهادته تجوز تزكيته؛ قد تجوز شهادة الرجل، ولا تجوز عدالته، لا يجوز في التزكية إلا المبرر النافذ الفطن الذي لا يخدع في عقله، ولا يستنزل في رأيه، ولا ينبغي لأحد أن يزكي رجلًا، إلا رجلًا قد خالطه في الأخذ والعطاء، وسافر معه ورافقه.
قال مُطَرِّف بن عبد الله: لا يجوز في الجرحة والتعديل إلا العدل المنقطع، وليس كل من جازت شهادته؛ يجوز في الجرحة.
ابن رُشْد: هذا مما لا خلاف فيه، ومعنى قول مُطَرِّف؛ إنما هو إذا لم ينص على الجرحة ما هي، وإنما قال: أشهد أنه ليس من أهل الرضا والعدالة، ولو شهد عليه أنه شارب الخمر، أو صاحب قيان، أو عدو للمشهود عليه، وشبه لك؛ جازت شهادته بذلك إذا كان جائز الشهادة، وإن لم يكن مبرزا في العدالة وهو نصه ونص أَصْبَغ في الواضحة، ولما ذكر المتيطي قول سَحنون: إن شهود التعديل لا يكونوا كشهود سائر الحقوق، قال عليه أكثر أصحاب مالك، وبه العمل.
قال: وعنه أن شهود التزكية كشهود سائر الحقوق.
اللخمي: لا يقبل التعديل بيسير المخالطة؛ لأنه لا يدرك إلا بطولها؛ لأن الإنسان يزين ظاهره، ويكتم عيبه.
قال محمد: لا يقبل ذلك حتى تطول المخالطة، فليعلم باطنه كما يعلم ظاهره؛ يريد يعلم باطنه في غالب الأمر لا أنه يقطع بذلك.
قُلتُ: هذا مع متقدم قول سَحنون: لا ينبغي أن يزكي إلا من خالطه في الأخذ والإعطاء، وسافر معه ورافقه؛ كالنافي لنقل الشَّيخ عن ابن سَحنون عنه من عدل رجلًا لم يعرف اسمه قبل تعديله، وانظر هذا مع تعقب بعض أهل الزمان تزكية الشاهد بعض العوام مع شاهدته عليه بالتعريف بعد تزكيته إياه قبلها بقريب.
اللخمي: إن علم بمخالطته اجتنابه الكذب والكبائر والوفاء بالأمانة؛ جاز تعديله
إياه، ويقبل تعديله من جيرانه، وأهل محلته لا من غيرهم؛ لأن وقفهم على تعديله مع كونهم أقعد به رتبة في تعديله، فإن لم يكن فيهم عدل؛ قبل من سائر بلده.
المتيطي: لا يزكي الشاهد إلا أهل مسجده وسوقه وجيرانه، رواه أشهب، وقاله الأخوان.
ولما ملك الأمير أو الحسن المريني إفريقيَّة قدم تونس، فوجد الشَّيخ الفقيه القاضي ابن عبد السلام قدم شهودًا بتونس، لم يمض لتقديمهم إلا عدة أشهر، فذكر له بعض من وثق بكلامه ما وجب أن أمر القاضي المذكور بوقفهم إلا إمام الجامع الأعظم منهم، فإنه قدم فيهم لغرض فوقفهم، وطال وقفهم أزيد من عام أو قربه، حتى سعى بعضهم على يدي بعض من كان بتكرر للشيخ أبي عبد الله السطي في أن يكلم السلطان عسى أن يفوض للقاضي في رد من شاء منهم، وكان التناصي وعد الواسطة في أن يقدم معه إذا وقع التفويض، فلما كلم الشَّيخ السطي السلطان، وفوض للشيخ ابن عبد السلام؛ قدم ولده والساعي، ومن شاء منهما، ولم يقدم الواسطة، فبعث الشَّيخ السطي إلى السلطان الساعي، وكلمه في توفيته بما وعد به الواسطة، وأن يكلم عنه الشَّيخ ابن عبد السلام في تقديمه فأتاه عنه، وقال له: يقول لكم: إن ارتهنتم فيه نقدمه، وكانت أسباب الجرح إذا نالت الشَّيخ السطي تصدر عنه شديدة، فأجابه بجواب اللائق من ذكره أنه قال له: قل له: هذا منك غفلة أو استغفال، أم تعلم أن المنصوص أنه لإنما يعدل الرجل أهل محلته وجيرانه، وذكر ما تقدم من نقل اللخمس والمتيطي قال له: وهذا الذي طلبت منه تعديله أنت عالم بأن معرفتي به حديثة لمدة يسيرة، وليس من بلدي، وهو قاطن معك مخالط لك؛ كمخالطة غيره ممن قدمته، فلم يستطع أن يرد إليه جوابًا؛ لأن القول بالعلم نور لا يرده ذو ديانة أنصف.
وفي آخر لقطتها: إن شهد قوم على حق، فعدلهم قوم غير معروفين، وعدل المعدولين آخرون، فإن كان الشهود غرباء؛ جاز ذلك، وإن كانوا من أهل البلد؛ لم تجز؛ لأن القاضي لا يقبل عدالة على عدالة.
وسمع القرينان: أترى المسألة عن الشهود سرًا؟ قال: نعم، ولا يسأل إلا العدول.
ابن رُشْد: المسألة عنهم سرًا؛ هو تعديل السر ينبغي للقاضي فعله، ولا يكتفي بتعديل العلانية دونه، ويكتفي بتعديل السر دون تعديل العلانية.
حكى هذا ابن حبيب عن الأخوين وأَصْبَغ ومعناه: في الاختيار لا اللزوم على ما في المدَوَّنة وغيرها، وتعديل السر يفترق من العلانية في أنه لا إعذار في السر، وفي أنه يجزي فيه الشاهد الواحد، والاختيار اثنان، بخلاف العلانية في الوجهين.
وعن سَحنون: لا يقبل في السر إلا اثنان، وهو ظاهرها ومعناه: في الاختيار، فلا خلاف في إجزاء الواحد في السر، وحمل بعضهم ذلك على أنه اختلاف من القول غير صحيح، وإنما كان تعديل السر أقوى من العلانية؛ لأن الشاهد قد يسأل التزكية، فيستحيي من التوقف عنها.
قال ابن شبرمة: أنا أول من سأل في السر كان الشاهد إذا أتى القوم ليزكوه استحيوا منه، وتعديل السير هو أن يبتدئ القاضي بالسؤال عن الشاهد من يظن أنه خبير بحاله من جيرانه وأهل خلطته، ومكانه أو يتخذ رجلَا يوليه السؤال عن الشهود، فيقبل ما أخبر به وحده، ولا ينبغي له هو أن يكتفي بسؤال واحد خوف أن يكون بينه وبين الشاهد عداوة.
هـ.
وتعديل العلانية أن يقول القاضي للمشهود له: لا أعرف شهودك، فعدلهم عندي: لا يجوز فيها إلا اثنان، ويلزم الإعذار بهما للمشهود عليه،
هذا معنى ما فيها، والواضحة وغيرهما من الدواوين لا خلاف في شيء منه هـ.
اللخمي: تقبل التزكية سرَا، واختلف في قبولها علانية، فأجازه فيها، ومنعه ابن الماجِشُون وهو أحسن؛ لأن الناس يتقون أن يذكروا في العلانية سرًا خوف العداوة.
الشَّيخ عن أَصْبَغ: وليكن التعديل سرًا وعلانية، ولا أحب أن يتجزئ بالسر عن العلانية.
الباجي: الأفضل الجمع بينهما، ووجه الاكتفاء بالسر عن العلانية، أنه لا يجتزئ بالسر إلا بالخبر الفاشي المتكرر الذي يقع به العلم؛ ولذا لا يعذر فيه، ويعذر في العلانية للمشهود عليه.
وروى ابن القاسم: لا يجوز في تزكية العلانية أقل من اثنين، وهذا في كل شيء إلا في الزنا، ولابن حبيب.
روى مُطَرِّف: لا يعدل كل واحد من شهود الزنا إلا أربعة.
ولابن الماجِشُون: يجوز فيهم فير غيرهم اثنان على كل واحد منهم، أو أربعة على جميعهم، وعدد المزكين في السر.
روى ابن القاسم في المجموعة: يكفي الواحد، وروي عنه في التعبيَّة: لا أحب أقل من اثنين.
وقال سَحنون: لا يقبل أقل من اثنين.
ابن زرقون: هو ظاهرها.
وحمل أو الوليد المسألة على الخلاف، وهو أظهر.
وقال غيره: ليس بخلاف، والواحد يجزئ في السر اتفاقًا، وإن كان الاختيار اثنين.
قُلتُ: لأن أصل المذهب أن ما يبتدئ القاضي بالسؤال عنه، يكتفى فيه بالواحد كذا عبر بعضهم بأنه أصل المذهب، ونقله ابن المناصف عن ابن الماجِشُون قال: وقيل لابد من اثنين على كل حال، ولو فيما ابتداه، وهو الأولى إن شاء الله.
وعزاه ابن رُشْد لابن حبيب، وأَصْبَغ عن ابن القاسم، ولم يحك فيه الأول خلافًا.
وقال: هو الصحيح على أصولهم.
المتيطي لمُطَرِّف في الواضحة: يجوز تعديل الواحد في الحقوق، وفي موضع آخر منها: لا يكون باثنين إلا أن يكونا من أهل العلم بالعدالة، والشهرة في العدالة.
وعن ابن كنانة: لا يكون التعديل بأقل من ثلاثة، حكاه ابن مغيث عنه في وثائق.
قُلتُ: ففي ثبوت تعديل العلانية باثنين ولو في الزنا، وشرطها فيه بأربعة لكل شاهد معروف المذهب، ورواية مُطَرِّف.
... ثالثها: وجوبهما، ورابعها: وجوب ثلاثة لوراية ابن القاسم في المجموعة، وسماعه وسَحنون وابن كنانة.
وسمع يحيى ابن القاسم: لا ينبغي لقاض شهد عنده من لا يعرفه أن يكتب في
تعديله إلا لقاضي يثق بعلمه ونظره ودينه، وإلا لم يكتب إليه، فإن كان في الكور رجال ترضى حالهم؛ كتب لهم سرًا أن يسألوا عن الشاهد سؤالًا حثيثًا، فإن كان عندهم مشهورًا بالعدالة، معروفًا بالصلاح؛ كتبوا بذلك، فأجاز شهادته، ولإ لاتركه حتى يعدل.
ابن رُشْد: لم يبين هل يلزم القاضي أن يكتب في هذا التعديل أم لا؟ وأرى لزومه إن كان المكتوب إليه من عمله على ماله.
في رسم الأقضية لابن غانم من سمَاع أشهب من الأقضية، ولا يلزمه إن لم يكن من عمله إلا لأن يكون في حق لله من طلاق أو عتق وشبهه، وما ليس حقًا لله؛ لا يلزمه إلا في موضعه، ويستجب له الكتب لقضاه عمله، وعدول موضع الشاهد؛ لأن الكشف عن البينة على القاضي الذي شهدت عنده، فإن عجز؛ كلف المشهود له تزكيتهم هذا تفسير الروايات بعضها بعضًا، وحمل بعض أهل النظر ما في هذا السماع، وسماع زونان على أنه يلزمه أن يكتب في تعديل من شهد عنده إلى قاضي موضعه: ولو لم يكن من أهل عمله، وهو من التأويل البعيد.
المازري: أنكر سَحنون أن يزكى شاهد عند قاتض؛ ليمض القائم بشهادته إلى بلد آخر، فيشهد له، ثم يأخذ بتلك التزكية، ومن له شاهد لا يعرف عدالته إلا رجلان خاف، فقدمهما قبل تيسر طلبه، فأسمع شهيدين شهادتهما بعدالته؛ ففي قبولها عند قيامه بها قلا سَحنون.
وفيها: ويزكى الشاهد وهو غائب عن القاضي.
الصقلي عن سَحنون: معناه: إن كان مشهورًا، فأما غير المرعوف؛ فلا يزكى إلا بحضرته.
عبد الحق: معناه: إن كان غائبًا عن مجلس القاضي، وهو حاضر البلد، أو قريبًا جدًا، ومن بعدت غيبته؛ جازت تزكيته، كما يقضى عليه، ونحوه لأبي محمد.
اللخمي: يسمع الجرح في المتوسط العدالة مطلقًا، وفي المبز والمعروف بالصلاح والفضل؛ تجريح العداوة أو العجزة، أو القرابة، وشبه ذلك.
وفي قبولها فيه بالإسفاه قولا سَحنون وأَصْبَغ في التعبيَّة والواضحة.
وعلى قبول تجريحه: ففي حال من يقبل منه أربعة:
سَحنون: لا تقبل إلا من مبرز في العدالة.
ابن الماجِشُون: يجرح الشاهد بمن هو مثله بالأسفاه الأيمن هو دونه.
ابن عبد الحَكم: لا يقبل في بين العدالة إلا من هو معروف بالعدالة، وأعدل منه، ويذكر ما جرحه به، فأما ما يلبث بالكشف عنه؛ فلا يقبل تجريحه لأهل العدالة البينة.
مُطَرِّف: يجرح الشاهد بمن هو مثله، ودوه بالإسفاه وهذا أحسن؛ لأن الجرح مما يكتم، والاستحسان ألا يقبل في المبرز إلا من مبرز، ولو كان دونه في التبريز.
قُلتُ: هذا هو قول سَحنون، وإلا لم تكن الأقوال أربعة إلا باختياره هذا، فتأمله.
ولابن رُشْد في رسم الأقضية الثاني من سمَاع أشهب: المبرز في العدالة لا يجرح بالإسفاه، قاله أَصْبَغ في الواضحة؛ وهو تفسير لقول من أجمل القول في ذلك؛ كقول سَحنون في نوازله، وغيره من أصحاب مالك.
وعن مالك: لا يباح تجريح المبرز بعداوة ولا غيرها، وهو بعيد، واختلف في التجريح بالإسفاه؛ فقال ابن الماجِشُون: لا يجرحه به إلا من هو فوقه في العدالة، وهذا إذا نصوا الجرحة في التجريح، ولو قالوا هو غير عدل، ولا جائز الشهادة؛ لم يجز في ذلك إلا المبرز العارف بوجوه التعديل والتجريح.
المتيطي: منع ابن العطار من إسقاط شهادته بالعداوة ممن هو دونه، وأجازها ابن الهندي.
ابن عات: لا أعلم فيه خلافًا.
قال ابن رُشْد: في الرسم المذكور أيجرح الشاهد برجل واحد؟ قال: لا.
ابن رُشْد: لا يجرح المشهود عليه من شهد عليه إلا بشاهدين اتفاقًا؛ وإنما يجرح بالواحد، ويعدل به إذا ابتدأ الحاكم بالسؤال عن الشاهد من يثق به، قاله ابن حبيب وأَصْبَغ عن ابن القاسم.
اللخمي: يستحب كون التجريح سرًا؛ لأن في إعلانه أذى للشاهد، ومن حق
الشاهد والمشهود له أن يعلما بالمجرح، فقد يكون بينه وبين أحدهما عداوة، أو بينه وبين المشهود عليه قرابة، أو غير ذلك مما يمنع التجريح، ويختلف إن كان الشاهد والمشهود له ممن يتقى شره، فقال سَحنون: يعلم بالمجرح، ثم قال: دعني حتى أنظر.
وقيل لابن القاسم: أيجرح الشاهد سرَّا؟ وقد يقول المجرح: نكره عدواة الناس.
قال: نعم، إن كانوا عدولاً.
اللخمي: قول سَحنون أحسن؛ لفساد قضة اليوم، ولو اجتهد ثقات المبرز في العدالة في وجوه الكشف هل بين المجرح والمشهود له عداوة، أو بين المشهود عليه أو المجرح قرابة، والمجرح مبرز في العدل، والآخر ممن يخاف إذا أعلم؟ رأيت أن لا يعلم، وهذا من تغليب أحد الضررين، وإذا علم المجرح أنه يعلم به مثل هذا الذي يخاف لم يجرحه، وقد رأيت من تقبل شهادته، وليس من أهل الشهادة، ولا يجرحون خوفًا منهم.
قال ابن رُشْد في السماع المذكور: واختلف إن أراد الشاهد على الجراحة أن يشهدا سرًا لما يجر ذلك من العداوة بينهما وبين المجرح.
فقال ابن حبيب: لا تقبل إلا علانية؛ إذا لابد من الإعذار في شهادتهما للمشهود له الأولز
ولابن عبدوس عن ابن القاسم: تقبل شهادتهما في السر؛ لعلة العداوة، وهو قول سَحنون قال: التزكية علانية، والتجريح سرًا، ولا آمرهم أن يسبوا الناس.
ولابن حبيب عن الأخوين: ويؤجل المشهود عليه في دعوى جرح الشاهد عليه.
ابن فتوح: كسائر الدعاوي بحسب اجتهاد القاضي، وتقدم لابن رُشْد وغيره كيفيَّة إعطائه الآجال بعد أن يقيم المطلوب حميلاً بالخصومة، قاله ابن فتوح وغيره.
|
باب في التعديل
|
في نوازل سَحنون: تعديل الرجل أن يقول للقاضي: هو عندنا من أهل العدل والرضا جائز الشهادة، ولو قال: هو عدل فقط؛ فهو تعديل، ولا ينبغي للقاضي أن يقول لهم: ترضون بشهادته لكم وعليكم.
ابن رُشْد: إنما جازت شهادته؛ لقوله: هو عندي من أهل العدل، ولم يلزمه أن يقول: هو من أهل العدل؛ لأن القطع بذلك لا يصح، وهو نحو قول أَصْبَغ لا يقبل هو عدل، وليقل: أراه عدلاً، ولو قال: هو عدل دون عندي، ولا قال: أراه عدلاً، كما قال أَصْبَغ، جازت شهادته، ولم تكن غموسًا، وإن كان ظاهرها القطع بما لا يصح القطع به؛ لأن معنى ذلك عند الشاهد ما غلب على ظنه من عدالته، ولا يدخل فيه الخلاف ممن شهد لمستحق ملك أنه ما باع ولا وهب، واختار أن يجمع بين قوله: هو عندي من أهل العدل والرضا، لقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:282] مع قوله تعالى:؟؟؟، فإن اقتصر على أحدهما؛ اكتفى به؛ لأنه تعالى ذكر كل لفظ على حدة.
قُلتُ: وهو نقل ابن فتوح عن المذهب، ونقل ابن هشام عن عبد الملك بن الحسن.
ابن رُشْد: وقوله: ليس على القاضي أن يسأل المعدلين هل يرضون بشهادته لهم،