المختصر الفقهي لابن عرفةصفحات 465-505

كتاب الشهادات

صفحات 465-505

وفي نوازل سحنون: إن شهدت بينة بقتل زيد عمراً يوم ذكا، وبينة بأنه كان ذلك اليوم ببلد بعيد عن موضع القتل قضي ببينة القتل.
ابن رُشْد: هذا مشهور المذهب، وقاله أَصْبَغ.
وقال إسماعيل القاضي: يقضي ببينة البراءة إن كانت أعدل، وإن كانتا في العدالة سواء طرحتا، وقال ابن عبد الحكم.
وفي نوازل أصبغ: إن شهدت بينة بزنا رجل بمصر في المحرم يوم عاشوراء، وأخرى أ، هـ كان ذلك اليوم بالعراق حد، ولو شهدت الأخرى بأنه سرق ذلك اليوم بالعراق أو قتل إنساناً بالعراق سقطتا، ولو شهدت الأخرى بأنه زنى ذلك اليوم بالعراق حد، وكذا لو شهدت بينة أنه قتل فلاناً بمصر، وشهدت أخرى أنه قتل فلانًا بالعراق قتل بهما.
ابن رُشْد: تفرقة أصبح هذه هي على قياس مشهور قول ابن القاسم أن البينتين إذا اختلفتا بالزيادة أعملت ذات الزيادة، وإن اختلفت في الأنواع سقطتا إلا أن يكون إحداهما أعدل فيقضي بها، وقال أيضًا: إن اختلفتا بالزيادة سقطتا إلا أن تكون إحداهما أعدل فيقضي بها كاختلاف الأنواع، فيلزم على قياس هذا إن شهدت الأخرى بانه زنى ذلك اليوم بالعراق أن تسقطا إلا أن تكون إحداهما أعدل، فيقضى بها كما لو شهدت أنه سرق ذلك اليوم بالعراق، وهو الذي يوجبه القياس لتكذيب كل بينة الأخرى، وتعليل أَصْبَغ لإقامة الحد والقتل بأنه يعلم صدق إحدى البينتين غير صحيح؛ لأنه إذا علم أن إحداهما كاذبة، واحتمل أن تكون كل واحدة هي الكاذبة احتمل كذبهما معا، وإذا احتمل كذبهما معا أو كذب إحداهما لم يصح أن يحكم بأن إحداهما صادقة إلا أن تكون هي أعدل، وإلى هذا نحا ابن عبد الحَكم على ما ذكرناه عنه في نوازن سَحنون، ويأتي على قياس قول الأخوين عن مالك في أن البينتين إذا شهدت إحداهما بخلاف ما شهدت به الأخرى واستويتا في العدالة أنه يقضى بما شهدتا به معا أنه يُحَدّ للزنا، والسرقة إذا شهدتا بهما، وهو بعيد جدًّا.
قول ابن الحاجب: ومهما أمكن الجمع جمع يدل على أنه إن شهدت إحداهما بأنه

طلق الكبرى، والأخرى بأنه إنما طلق الصغرى، أنه يجمع بينهما، وتقدم من نقل ابن رُشْد أنه خلاف قول ابن القاسم، ورواية المصريين، وحوز أحد المتداعيين، ولا مرجح.
وفيها: من كانت بيده دور أو عبيد أو عروض أو دنانير أو غير ذلك فادعى ذلك رجل وأقام بينة، وأقام ذلك من بيده بينة أنه له قضي بأعدل البينتين، وإن تكافأتا سقطتا، وبقي الشيء بيد ائزه، ويحلف.
عياض: ثبت قول ابن القاسم، ويحلف عند ابن وضاح، وسقط لغيره.
وفي الموازيَّة: لا يمين عليه.
وفي الولاء منها: ومن ورث رجلاً بولاء يدعيه، ثم قام آخر البينة أنه مولاه، وأقام قابض الميراث مثلها، وتكافأتا فالمال بينهما.
قيل: ولم، وقد قال مالك: إذا تكافأت البينتان فالمال الذي هو بيده؟ قال: إنما ذلك إذا لم يعرف أصل المال، وهذا مال عرف أصله، وقال غيره: هو للذي بيده كمن بيده ثوب ادعاه رجل، وأقام بينة أن ذلك الثوب كان لزيد يملكه، وأن المدعي اشتراه منه، وأقام حائزه بينة مثلها، ومات البائع، ولم تؤرخ البينتان، وهم في العدالة سواء سقطت البينتان، وبقي الثور لحائزه ويحلف.
الصقلي: مسألة الولاء بخلاف هذه؛ لأن الولاء لم يحزه أحدهما، وإنما وقع الحوز في مال عرف أصله.
وعبر عنه المارزي بقوله: إن عرف مبدأ حوزه ففي الترجيح به قولان فذكر مسألة الولاء، قال: وكذا لو التقط الرجل لقطة فأخذها منه من أقام بينة أنها له، فقيل: إذا عورضت بينته ببينة مثلها بقيت له.
قلتُ: ومنه مسألة من طلبته امرأته بكسوتها؛ فقال لها: الثوب الذي عليك لي، وقالت: بل هو لي، ففي كون القول قولها أو قوله نقل الطرر عن الاستغناء، وفتوى ابن دحون، وابن الفخار قال: حكى قوليهما الفقيه أبو القاسم البوياني، واختار الأول.
قلتُ: بناء على اعتبار كونها في حوز الزوج أو حوزها في نفسها.

وإن تكافأت بينتا من ادعى ما بيد ثالث: فقال اللخمي: إن ادعاه لنفسه؛ فقيل: ينتزع منه، ويكون بينهما نصفين لاتفاق البينتين على انتزاعه منه، وقيل: يبقى لحائزه لترجيح كل من البينتين الأخرى.
قلتُ: ذكرهما المازري روايتين، والثانية قولها، والأولى هي ظاهر قول الغير فيها.
اللخمي: فإن اعترف بها لأحدهما فعلى القول الأول إقراره لغو، ويقتسمانه، وعلى الثاني هو لمن أقر له به.
المازري: اختلف القول عندنا في رجلين ادعيا عفوا من الأرض لا يد عليه، وأقاما البينة هل يصرفان عنه ويقسم بينهما بعد الاستيناء؟ اللخمي: اختلف إن تنازعا عفوا من الأرض، فقيل: يقتسمانه بمنزلة ما لا يد عليه.
وقال في المدَوَّنة: تبقى كغيرها من عفو بلاد المسلمين.
يريد: لأن العبد والدار لابد لهما من مالك، وعفو الأرض يصح أن يكون لا مالك له.
وفيها: لابن القاسم بلغني عن مالك: إن تكافأت بينتا المتنازعين في عفو من الأرض سقطتا، وبقيت الأرض كغيرها من عفو بلاد المسلمين حتى تستحق ما ثبت من ذلك.
ابن القاسم: مثل أن يأتي أحدهما ببينة هي أعدل من الأولى.
وقال ابن القاسم عن مالك في باب بعد هذا: كل ما تكافأت فيه البينات، وليس بيد واحد منهما، ولا يخاف عليه مثل الدور والأرضين يترك حتى يأتي أحدهما بأعدل مما أتي به صاحبه إلا أن يطول الزمان، ولا يأتيا بغير ما أتيا به، فإنه يقسم بينهما.
ابن القاسم: لأن وقف ذلك يصير إلى الضرر.
قلتُ: ففي ترك العفو مطلقًا، وقسمه بعد الطول رواية ابن القاسم فيها، وقول أبي إبراهيم، وروي ابن نافع أن العفو يوقف أيضاً مثل رواية بان القاسم أولاً.
واقتصار ابن عبد السلام على قوله: روي ابن نافع في العفو أنه يوقف أبدًا، ورواية

ابن القاسم أنه يقسم بينهما بعد إيمانهما يدل على أن لا رواية لابن القاسم إلا القسم، وأنه لا يشترط فيه استيناء طول الزمان، وكلاهما غير صحيح لما تقدم من قول الأمهات.
وإذا وجب قسم المدعى فيه فقال ابن شاس: إن لم يكن في أيديهما قسم على قدر الدعاوي، زاد ابن الحاجب اتفاقاً.
قال ابن هارون، فعليه إن ادعى أحدهما جميع الثوب، والآخر نصفه قسم بينهما أثلاثا.
قلتُ: وذكر المسألة ابن حارث وقال فيها عن عبد الملك وسَحنون: لمدعي الكل النصف بإجماعهما على ذلك، والنصف الثاني الذي تداعيا فيه بينهما نصفين.
قلتُ: وكذا نقله الشَّيخ عن أشهب في كتاب ابن سحنون، وهو خلاف قول ابن الحاجب اتفاقًا.
الشَّيخ في الموازيَّة لابن القاسم: إن قال أحد الشريكين في مال بأيديهما لي ثلثاه، وقال الآخر: لي نصفه، وإنما لك نصفه فلمدعي الثلثين النصف ولمدعي النصف الثلث، والسدس الباقي بينهما نصفين بعد تحالفهما.
وقال أشهب: يقسم بينهما نصفين، فعبر غير واحد عن قوليهما: بكون القسم على الدعاوي أو نصفين.
وفي تعيين المبدأ منهما باليمين خلاف.
قال المازري: ذكرنا الاختلاف في اختلاف المتابعين في الثمن هل يبدأ البائع أو المبتاع؟ وذلك يجري هنا.
قلتُ: إنما يتصور الإجراء لو أمكن اختصاص أحدهما بكونه كالبائع، واختصاص الآخر بكونه كالمبتاع، ولا يخفى تعذر ذلك، ثم قال: وكان شيخنا يختار في هذا الأصل القول بالقرعة، وقيل في هذه المسألة الحاكم بالخيار فيمن يبدئه بالحلف.
قلتُ: الأظهر تبدئة آخرهما دعوى على صاحبه؛ لأنه الأول منا لمدعي عليه منهما، ثم أجرى حلف كل واحد منهما على نفي دعوى صاحبه فقط، أو عليه مع صحة

دعواه رجاء أن ينكل صاحبه عن اليمين على الحكم في ذلك في اختلاف المتبايعين، وعلى كونه على التداعي في كونه على قدر مدعي كل منهما كعول الفرائض، أو على اختصاص مدعي الأكثر بما سلم له، وقسم المتنازع فيه بالسويَّة نقلاً الشَّيخ عن مطرف مع ابن كنانة وابن وهب وأشهب وابن القاسم مع ابن الماجِشُون.
قال ابن الحاجب: ولو زادوا على اثنين فقولان: أحدهما: اختصاص مدعي الأكثر بما زاد على الدعويين جميعا، وهو الصواب.
والثاني: اختصاصه بما زاد على أكثرهما؛ فلو كان ثالث يدعي الثلث مع مدعي جميعه، ونصفه جاء القولان؛ فعلى الأول يختص مدعي الكل بالسدس، ثم يأخذ من الباقي نصفه، وهو ربع وسدس، ثم يختص مدعي النصف بما زاد على الثلث، وهو نصف السدس، ويقتسمان الثلث، وعلى الثاني يختص مدعي الكل بالنصف، ثم يأخذ من الثاني نصف ما زاد على الثلث، وهو نصف الثلث، ويأخذ مدعي النصف نصف سدس، ثم يقسم الباقي أثلاثاً.
قلتُ: يريد بالأول الاختصاص بما زاد على الدعويين، والثاني الاختصاص بما زاد على أكثرهما، وتقرير كلامه واضح.
وعن الشيخ في النوادر: الأول لمحمد بن الموَّاز، وقال ابن حارث: رأيته لبعض المصريين في كتاب أبي إسحاق البرقي، وعزا الشيخ الثاني لأشهب، وقرره بقوله: يقال لمدعي النصف، ولمدعي الثلث: سلمتما النصف لمدعي الكل؛ فيكون له ستة أسهم من اثني عشر، ويقال لمدعي الثلث: سلمت السدس، وهو سهمان يكون بين مدعي الكل، ومدعي النصف نصفين، ويبقى الثلث، وهو أربعة يدعونه كلهم؛ فيقسم بينهم أثلاثا فيصير لمدعي الثلث سهم وثلث من اثني عشر، ولمدعي النصف سهمان وثلث، ولمدعي الكل ثمانية وثلث.
قال: هو نحو جواب ابن القاسم، وقرر محمد قوله بقوله: يقال لمدعي النصف، والثلث سلما السدس لمدعي الكل، وبقي خمسة أسداس يدعيها صاحب الكل وصاحباه يدعيانها فيعطيانه نصفها، ثم يقتسمان نصفها، وهي عشرة قراريط من أربعة

وعشرين قيراطًا، يقال لمدعي الثلث: أنت لا تدعي في قيراطين منهما فسلمهما لمدعي النصف، وتقسم الثمانية بينهما نصفين.
وقال ابن حارث: وفي هذا الأصل قول ثالث هو أعدل الأقاويل أن القسمة في ذلك على حساب عول الفرائض، وهو من معني قول مالك في الدينار الواقع في مائة دينار، وكثيراً ما كنت أسمعه من شيوخنا، وهو لأصحابنا أيام الدرس لهم، والمناظرة لهم.
قلت: حكاه الشيخ في نوادره من نقل أشهب قال: قال أشهب: وقال بعض أصاحبنا: يقسم بينهم على حسب عول الفرائض فيقسم على أحد عشر سهمًا لمدعي الكل ستة، ولمدعي النصف ثلاثة، ولمدعي الثلث اثنان.
وما به الترجيح أمور الأعدلية في الترجيح بها معروف المذهب، ونقل ابن حبيب عن بعض علمائنا، ونقله ابن عبد السلام رواية عن مالك لا أعرفه، وابن رشد إنما عزاه لبعض أهل العلم، قال: وقاله المخزومي.
قال اللخمي: اختلف في الترجيح بالأكثر، والأعدل على ثلاثة أقوال رجح في المدونة بالأعدل لا بالأكثر.
وروى ابن حبيب: يرجح بهما.
قال ابن حبيب: وسمعت غير واحد من علمائنا يقول: إذا شهد عدلان، ومن هو أعدل منهما أو أكثر عدداً فهما سواء، وتبعه المازري على ذلك.
ابن حارث: اتفقوا في البينتين تتضادان في الأموال، والبياعات أن الأعدل منهما أحق بالقبول، واختلفوا إذا تضادت في النكاح؛ فقال ابن القاسم في المدونة، لا ينظر في هذا إلى الأعدل، ويفسخ النكاح إن كان الشهود كلهم عدولاً، وقال أشهب، ولابن عبدوس عن بعد الملك وسحنون أن يقضى بالأعدل في النكاح.
قال: وقال اصبغ في الشهادات من المستخرجة في باب مسائل النوازل أن الجراح والدماء والعتق والقصاص والحدود كلها لا ينظر فيها تكافأت فيه الشهادات إلى الأعدل بعد أن يكون من شهد عدلاً مرضياً؛ فهو أحق ممن يعرض لترك الشهادة.

قلت: لم أجده في العتبية، وليست هذه المسألة من مسائل الترجيح بل من باب الاختلاف في تعارض البينتين في الإثبات، ولانفي هل هو من باب التهاتر؟ فينظر فيه إلى الترجيح أو البينة المثبتة مقدمة، وليس من باب التهاتر، وعليه يتنزل قول أصبغ هذا فتأمله.
قلت: لغو الترجيح بالكثرة، واعتباره قولها ورواية ابن حبيب.
وفيها لابن القاسم: لو شهد لهذا شاهدان، ولهذا مائة وتكافأوا في العدالة لم يرجح بالكثرة.
اللخمي والمازري، ومحمله على الغايات، ولو كثروا حتى يقع العلم بصدقهم لقضي بهم وذكر في تمام رواية ابن حبيب ما نصه: إن كان كلاهما كثيراً يكتفي بهم الحاكم فيما يلتمسه من الاستظهار بالكثرة لم ينظر إلى الأكثر في الترجيح به، وعزاه الشيخ لرواية الأخوين، ووجه المشهور القرافي بأن المقصود من القضاء قطع النزاع، ومزيد العدالة أشد في التعذر من مزيد العدد؛ لأن كلا من الخصمين يمكنه زيادة العدد في الشهود، ولا يمكنه مزيد العدالة، وتعقبه ابن عبد السلام بقوله زيادة العدد إنما هي معتبرة بقيد العدالة نسلم، ولا نسلم أن زيادة العدد بهذا القيد سهلة، وتقرر في علم الأصول أن الوفاء بهما أن الوصف بهما كان أدخل تحت الانضباط، وأبعد عن النقض، والعكس كان أرجح وزيادة العدد منضبط محسوس لا يختلف، والعدالة مركبة من قيود، فضبط الزيادة فيها متعذر أو متعسر فلا ينبغي أن تعتبر في الترجيح.
قلت: رده أولاً بقوله: (لا نسلم أن زيادة العدد بهذا القيد سهلة)، يرد بأن القرافي لم يتمسك بأنها سهلة؛ بل بأنها ممكنة غير ممتنعة، وكونها ليست سهلة لا يمنع إمكانها عادة، وقوله: (ضبط زيادة العدالة متعذر أو متعسر) يرد بمنع ذلك فإنا نعلم بالضرورة في شهود شيوخنا، وأمثالنا من هو أعدل من غيره منهم، ووجهه المازري بأن الشارع لما قيد شهادة الزنا بأربع والطلاق باثنين، وقبل في المال الواحد مع اليمين دل على أن لا تأثير في العدد.
قلت: الأظهر في الترجيح بالأعدلية دون الكثرة أن ما به الأعدلية دون الكثرة إن

ما به الترجيح في الأعدلية هو وصف حاصل فيما وجب الحكم به، وهو الشاهدان اللذان يجب الإعذار فيهما للمحكوم عليه، والكثرة وصف خارج عما وجب الحكم به.
وسمع أبو زيد ابن القاسم: يقدم الشاهد الأعدل مع يمين القائم به على شهادة عدلين.
ابن رشد: هذا خلاف قوله في سماع أصبغ من كتاب الدعوى، وما حكاه ابن حبيب عن الأخوين من تقديم العدلين عليه، ولو كان أعدل أهل زمانه، وهو أظهر والأول إغراق في القياس.
قلت: تقديم شهادة الأعدل مع امرأتين على رجلين عدلين، ولغو أعدليته بتقدم شهادة الرجلين نقل اللخمي عن ابن القاسم مع المازري عن المذهب، وتخريج اللخمي على أن التقديم تخريج من المقدم لمن قدم عليه، وهو نص محمد، وتبعه المازري، وزاد وحكى هذا الذي خرجناه بعض الأشياخ حكاية مطلقة.
وقال ابن الحاجب في الشاهدين: على الشاهد واليمين والشاهد، والمرأتين قولان ورجع عنه ابن القاسم.
قلت: يريد مع التساوي في العدالة لما يذكره بعد، وكذا قيده ابن شاس بالتساوي، ولفظ ابن الحاجب يقتضي أن أول قولي ابن القاسم تقديم الشاهدين على الشاهد والمرأتين، وقبله ابن عبد السالم وابن هارون، وتقدم أن اللخمي لم يثبته إلا تخريجاً مع قول المازري حكاه بعض الأشياخ حكاية مطلقة، وهذا يضعف نسبته لابن القاسم لاسيما مع قول ابن شاس.
قال أشهب يقدم الشاهدان على الشاهد والمرأتين إذا استووا في العدالة، وقال ابن القاسم: لا يقدمان.
قال ابن الحاجب: وعلى التساوي لو كان الشاهد أعدل من كل منهما فقولان.
قلت: تقديمه هو سماع أبي زيد، ومقابل هذا القول تقدم الشاهدين عليه، وهو متقدم نقل ابن رشد على الأخوين.
قلت: وانظر قول اللخمي: أوقف ابن القاسم شهادة رجلين بشهادة رجل

وامرأتين إذا تكافؤوا.
وفي سماع عيسى قال ابن دينار: لا أرى أن يقضي بمن هو أعدل من المعدلين فيقدم على من هو عدل.
ابن رشد: هذا قول ابن الماجشون، وروى مطرف أنه يؤخذ بأعدل المعدلين، والأول هو الجاري علىق ول ابن القاسم أن الترجيح لا يكون إلا بالعدالة؛ لأن زيادة عدالة المعدلين لا تفيد زيادة عدالة في المعدلين، وإنما تفيد زيادة غلبة الظن بصحة عدالة المعدلين، ورواية مطرف على القول بالترجيح بكثرة العدد.
وفي اعتبار بينة الحائز للمدعى فيه بتعارض بينة المعدي، ولغوها معروف المذهب، ونقل غير واحد عن ابن الماجشون، وهو قول المخالف.
قال بان الحاجب: (فلو ترجحت البينة سقط اعتبار اليد، وفي يمين الخارج حينئذ قولان)؛ يريد: إذا ترجحت بينة المدعي على بينة المدعى عليه الحائز للمدعى فيه قضي للمدعي، وفي وجوب اليمين عليه قولان.
قلتُ: نقل القولين الصقلي قال: قال بعض القرويين: اختلف إذا كانت إحدى البينتين أعدل هل يحلف صاحب الأعدل؟ ففي المدونة أنه يحلف في مسألة عفو الأرض مع أعدل البينتين.
وقال ابن محرز: إن كانت إحدى البينتين أعدل قضي لصاحب الأعدل مع يمينه، وعند محمد: لا يمين عليه.
وقال ابن شاس: تقدم بينة الداخل على بينة الخارج عند التكافؤ مع يمينة على الرواية المشهورة.
وقال ابن محرز: إذا تكافأتا فالقول الحائز مع يمينه.
وقال محمد: لا يمين عليه.
وقال عياض في مسألة عفو الأرض: وقد يقال: إن إلزامه اليمين هنا؛ لأنها في غير يد مالك فاستبرأ باليمين لحق بيت مال المسلمين.
قلتُ: مفهومه إنما هو في حوز حائزه لا يمين عليه، وانظر ما ذكره ابن شاس في

ذلك من الروايتين من حكاهما من المتقدمين.
الشيخ عن ابن عبد الحكم: إذا أُرِّخَت بينتا المتداعيين قضيت لأبعدهما تاريخاً، وإن لم تؤرخا قضيت بأعدلهما.
وذكره اللخمي غير معزو، كأنه المذهب قال: وسواء كان المدعى فيه تحت أيديهما أو تحت يد أحدهما أو تحت يد ثالث.
قالك واختلفا إن أُرِّخَت إحداهما هل يكون لمن أُرِّخَت أو أو بمنزلة من لم يؤرخ؟ وذكرت الروايات على نحو ما وردت.
المازري عن أشهب: إن شهدت بينة بأنه يملك هذا العبد منذ سنة، وشهدت بينة بأنه لآخر يملكه منذ ثلاث سنين قضي به لذي الثلاث، ولو قالت الثانية: بل هو في يد الآخر يملكه منذ ثلاث سنين قضي به لذي الثلاث، ولو قالت الثانية: بل هو في يد الآخر منذ سنتين قدمت شهادة من شهد بالملك منذ سنة حتى يقولوا إنه في يد الآخر يملكه منذ سنتين، فرجح أشهب الشهادة بالملك على الشهادة بالحوز.
وكان بعض أشياخي يرى خلاف هذا، وأن الواجب رد السلعة لمن تقدم حوزه لها، حتى يثبت ما يوجب خروجها من يده.
قال أشهب: لو شهد لمدعي أمة أنها بنت أمته لم تفده؛ لأنها لم تتضمن إثبات ملكه، وقد تكون ولدتها قبل أن يشتريها.
قال المازري: وهذا واضح لكنه لو شهدت له أنها ولدت عنده لم تفده.
واعترضه بعض أشياخنا وقال: إنما أسقطها بالجواز أن تكون ولدت عنده؛ وهي وديعة عنده أو رهن، وتعقبه بأن احتمال الوديعة والرهن بعيد.
قلت: لما ذكر اللخمي قول أشهب هذا قال: وقول ابن القاسم أنها لمن ولدت عنده أصوب، ومحمل الأمر على أنها له حتى يثبت أنها وديعة أو غصب.
وفيها: لو أن أمة ليست بيد أحدهما أتى أحدهما ببينة أنها له ولدت عنده لا يعلمون أنها خرجت من ملكه بشئ، قضي بها لصاحب الولادة.
قال غيره: ولو كانت بينة الآخر أعدل، وليس هذا بتهاتر لكن لما زادت قدم

الملك كانت أولى، كما لو شهدت بينة أحدهما أنه يملكها منذ عام، وبينة الآخر أنه يملكها منذ عامين؛ قضي ببينة أبعد التاريخين، وإن كانت الأخرى أعدل.
المارزي: إلا أن يؤرخ الشهود بالملك دون الولادة عنده بتاريخ، فيعلم قطعاً أنه سبق تاريخ الولادة؛ فتكون هاهنا الشهادتان، وقد تكافأتا وتعارضتا؛ مثل أن يشهد قوم في فتاة لم تبلغ الحلم أنها ولدت عند زيد على ملكه، وشهد آخرون أنها مملوكة لعمرو منذ ثلاثين عاماً فهذا يعلم قطعاً أن إحداهما كذبت، فيقع التعارض، ويعود الحكم إلى ما قدمناه أولاً.
قلت: فرضه أن الأمة لم تبلغ الحلم يوجب سقوط البينة بأنها مملوكة منذ ثلاثين عاماً؛ لأنها مخالفة للضرورة، فيجب سقوطها فلا يقع التعارض الذي زعمه، والعجب منه كيف وقع في هذا.
وقد نبه اللخمي على ما قلناه، وقال: إن شهدت بينة كل منهما بنتاجها عنده، أو أرخت بوقتين مختلفين أو متفقين فهو تكاذب؛ إلا أن يتبين كذب إحداهما؛ لأنها مما تتوالد دون ذلك الوقت أو قبله فتكون لمن أشبه.
وفيها: النسج كالولادة.
اللخمي والمازري: اختلف في ذلك فذكر قولها: قال: وفي كتاب ابن سحنون البينة له بالملك تقدم على البينة بالنسج، ويقضي لمن شهدت له بالنسج بقيمة عمله بعد حلفه ما عمله باطلاً؛ وإنما الخلاف إذا كان الناسج إنما ينسج لنفسه، ومن انتصب لنسج الناس بأجر أو للبيع، فالبينة له بالنسج لغو.
وكذا نسج الكتاب.
اللخمي: وقيل: إن كان مما ينسج مرتين كالخز، فقالت: كل بينة هذا نسجه، وعرف الأول كان له، وللثاني قيمة عمله، وهذا فاسد لا أعلم أحدًا نقض ثوب خز جديد، ثم أعاده.
وأيضاً فلا يعرف لو نقض أن الحرير أو الصوف الذي في هذا هو عين الأول، إنما يعلم ما دام ثوبًا، ويستحيل أن يشهد على حرير أو صوف بعد أن يصنع أنه المتقدم قبل

العمل، وإن كان الأول قديمًا، والثاني جديدًا فهو أبين أن لا يعرف.

باب الملك

الملك: استحقاق التصرف في الشئ بكل أمر جائز فعلًا أو حكمًا لا بنيابة،

فيدخل ملك الصبي ونحوه لاستحقاقهما ذلك حكمًا، ويخرج تصرف الوصي والوكيل وذو الإمرة، وتقدم قول بعضهم بعسر إدراكه، وتعذره فيذكر.
اللخمي: قال سحنون: من حضر رجلًا اشترى سلعة من السوق، فلا يشهد أنها ملكه، ولو أقام رجل بينة أنها ملكه، وأقام هذا بينة أنه اشتراها من السوق كانت لذي الملك، وقد يبيعها من لا يملكها، والشهادة بالملك أن تطول الحيازة، وهو يفعل ما يفعل المالك لا منازع له، وسواء حضروا بدء دخولها في يديه أم لا، وإن لم تطل الحيازة لم يثبت الملك إلا أن يشهدوا أنه غنهما من دار الحرب وشبهه.
انتهي.
قوله: وإلى هذا ذهب أشهب أن لا يثبت الملك بمجرد ولادة الأم إلا أن تطول الحيازة؛ لأنه لو كانت المنازعة في الأم؛ فشهدت بينة أحدهما بملكه إياها، وللآخر بينة أنها كانت في يده يومًا أو يومين ترجح الملك، وهذا يحسن في عدم التاريخ، فإن علم أن يد هذا تقدمت، ثم ملكها الآخر، ردت لمن تقدمت يده.
وقال ابن القاسم: من شهد له شاهد في مسكن أنه ملكه، وآخر أنه حيزه فملكه وحيزه سواء؛ يريد: في حيزه إذا طال.

وفي لغو شهادة الشاهد في دار بأنها في ملك فلان حتى يقول: ومال من ماله، وقبولها مطلقًا، ثالثها: إن كان الشهود لهم نباهة ويقظة لابن سهل عن ابن ملك قائلاً: شاهدت القضاء به، وأبي المطرف وابن عتاب، ونقل الصقلي عنها، قال مالك: من ادعى عينًا قائمة من رقيق أو طعام أو عرض أو ناض أو غير ذلك، وأتى ببينة على ملكه ذلك، فمن تمام شهادتهم أن يقولوا: وما علمناه باع، ولا وهب، ولا خرج عن ملكه، ونحوه لأبي سعيد، والذي في «المدونة» ما نصه: سمعت مالكاً غير مرة يقول في الذي يدعي العبد أو الثوب، ويقيم بينة أنه شيئه لا يعلمه باع، ولا وهب، فإذا شهدوا بهذا استوجب ما ادعاه.
وسمع ابن القاسم في كتاب الاستحقاق إذا شهدوا في السرقة قال: يشهدون أنهم ما علموه باع، ولا وهب على العلم.
ابن رشد: معناه يزيدون ذلك في شهادتهم على معرفة الملك بالبت، وهذه الزيادة هي كمال الشهادة، وينبغي للقاضي أن يسأل الشاهد عن ذلك؛ فإن لم يزده ذلك في شهادته بطلت، ولم يحكم بها، وإن لم يسأله القاضي حتى مات الشهود أو غابوا؛ حكم بشهادتهم مع يمين الطالب؛ إذ لا يصح للشاهد أن يشهد بمعرفة الملك إلا مع غلبة ظنه أنه ما باع، ولا وهب فهي محمولة على الصحة.
قلت: ووقعت في نوازل عيسى، ولم يزد فيها زيادة.
ولما ذكر الصقلي قولها في كتاب الشهادات قال: وقال أشهب مثله: إن لم يقدر على كشف البينة، وإن وجدوا سئلوا.
قال ابن القاسم: فإن أبوا أن يقولوا ما علموه باع ولا وهب ولا تصدق، فشهادتهم باطلة.
وفي العارية منها: فإن شهدوا، ولم يقولوا ما علموه باع ولا وهب ولا تصدق حلف على البت كما ذكرنا ويقضي له.
قلت: ظاهر قول الصقلي وابن رشد: (أن زيادة البينة لا يعلمون أنه باع ... إلخ)، إنما هي كمال في الشهادة لا شرط، وهو نص قولها في العارية، وكان ابن هارون، وابن

عبد السلام من شيوخنا يحملون المدونة على قولين في كونها شرط إجزاء أو شرط كمال لقولها في الشهادات والعارية، وهو ظاهر نقل ابن عات في الطرر عن ابن سهر، والأظهر عدم حملها على الخلاف، وأن ما في العارية تفسير.
قال عياض في كتاب العارية: قوله (إذا شهدوا على البت أنه ما باع ولا وهب على البت) هي غموس، وشهدوا بباطل وزور.
قالوا: معناه أنه كذب وباطل إذا شهدوا على ما لم يحققوه من علم الغيب؛ لا أن حكمهم حكم شاهد زور؛ ثم اختلف هل هي عامله أم لا؟ لأن لفظها مشكل في الكتاب.
وقال في كتاب الشهادات: قوله: شهادتهم زورن ثم قال: وأرى أ: ن يحلف الإمام الذي شهدوا له أنه ما باع ولا وهب، ولا أخرجه من يده بشئ مما يخرج به من ملكه.
قال بعضهم: انظر أطلق عليها باطل وغموس، ثم جعله يحلف معها فلم يبطلها.
فتأول بعضهم: أنها عند مالك مع قوله: هذا ماضية، يحكم بها، ونحى إليه ابن لبابة، وقال ابن أبي زَمَنَيْن: هو بعيد، وقال بعضهم: في المسألة تقديم وتأخير، وقوله: (أرى أن يحلفه الإمام) راجع للمسألة الأولى في الشهادة الصحيحة، ونحى إليه ابن أبي زَمَنَيْن.
وقال بعضهم: لا يرد القاضي شهادتهم حتى يسألهم أيشهدون على البت أو على العلم؟ فإن أثبتوها سقطت شهادتهم، وإن ماتوا قبل كشفهم حكم بها، وقال بعضهم: إنما زور، فيها شهادة أهل العلم بما يلزم في ذلك، وأما الجهال فلا، ويعذرون في ذلك، ونحوه لأبي محمد وأبي عمران، ولا يختلف أنه لا يلزمهم ما يلزم شاهد الزور من العقوبة.
قُلتُ: لما كانت الشهادة أحد أنواع العلم، والعلم ضروري، ونظري استبان لمن تأمل أن حصول العلم للشاهد بالملك إنما هو نظري حسبما تقدم في تفسير سحنون حقيقة الملك، والعلوم النظرية معروضة للتحول عنها، فلزم من ذلك تكليف الشاهد

بتلك الزيادة في شهادته بالملك، وسائر متعلقات الشهادة غير الشهادة بالعدالة، والعدم من المدين هي من لعلوم الضرورية أو القريبة منها فلم يحتج فيها لتلك الزيادة، وشرط الشهادة بالعدالة، والعدالة نص إضافتهما إلى حال أدائها.
فقول ابن رشد: لو شهدت بينة بملكة بالأمس، ولم تتعرض للحال لم تسمع حتى يقولوا إنه لم يخرج من ملكه في علمهم، ولو شهدت أنه أقر له بالأمس ثبت الإقرار، ويستصحب موجبه كما لو قال المدعي عليه: هو ملكه بالأمس، وكما لو قال الشاهد: هو ملكه بالأمس، واشتراه من المدعى عليه بالأمس لم يأخذه بذلك، ولو شهدوا أنه انتزعه منه أو غصبه أو غلبه عليه كانت الشهادة جائزة، ويجعل المدعي صاحب اليد.
قلت: أعيان هذه المسائل لا أعرفها نصا لغيره من أهل المذهب إلا لمن تبعه كابن الحاجب.
وفي الوجيز للغزالي: لهو شهدوا بأنه أقر له بالأمس ثبت الإقرار، وإن لم يتعرض الشاهد للملك في الحال، ولو قال المدعى عليه: كان مالكاً بالأمس فالظاهر أنه ينزع من يده؛ لأنه يخبر عن تحقيق فيستصحب بخلاف الشاهد، فإنه يخبر عن تخمين، ولو قال الشهد: هو ملكه بالأمس اشتراه من المدعى عليه بالأمس، أو أقر له المدعى عليه بالأمس سمعت في الحال؛ لأنه استند إلى تحقيق، ولا خلاف أنه لو شهد على أنه كان في يد المدعي بالأمس قبل، وجعل المدعي صاحب يد.
ابن شاس: لو شهدت بينة أحدهما بالملك، وبينة الآخر بالحوز قضي ببينة الملك، ولو كان تاريخ الحوز متقدمًا.
قُلتُ: قد تقدم هذا الفرع لأشهب.
اللخمي: من أقام بينة في ثوب بيد رجل أنه رهنه عنده، وأقام الآخر بينة أنه اشتراه منه، فقال ابن القاسم: هو لمدعي الشراء إلا أن يقيم الآخر بينة بأن الرهن كان بعد الشراء.
سحنون: وقال بعض أصحابنا: يقضى بأعدلهما، وكذا لو لم تقم بينة الراهن مصدق مع يمينه؛ لأن المرتهن أقر له بالملك، وادعى الشراء.

وقوله: (في عدم البينة) صحيح، ومع بينة لكل منهما قول ابن القاسم أحسن؛ لأنا لا نحمل البينتين على التكاذب مع إمكان صدقهما فقد اتفقا على ملك القائم، وكان بيده البيع والرهن، فيمكن أن يكون رهن ثم باع، فتصح الشهادتان إلا أن تكون الشهادتان عن مجلس واحد ولفظ واحد فيقضى بالأعدل، فإن تكافأت في العدالة قضي بالرهن، لأن البينتين تسقطان، ويبقى إقراره.
وقال مطرف: إن شهدت للقائم على الحائز أنه غصبه، وشهد للحائز بالشراء منه قضي ببينة الشراء؛ لأنه إن تقدم الغصب بطل حكمه بما وقع بعده ومن شراء، وإن تقدم الشراء كان قد غصب ملكه.
قال ابن الحاجب: وتقدم الناقلة على المستصحبة.
قلت: هو قولها في الشهادات من المدونة وغيرها.
من قدم وادعى دارًا بيد غيره، وثبت الأصل له أو لأبيه.
وفي شهاداتها وولائها: قال ابن القاسم، من مات وترك ولدين مسلمًا ونصرانيًا كلاهما يدعي أن الأب مات على دينه، وأقاما بذلك بينة مسلمين، وتكافأت في العدالة أو لم تكن لهما بينة، فالميراث بينهما نصفين، وإن كان المسلم صلى على أبيه، ودفنه في مقابر المسلمين فليس الصلاة بشهادة، ولو لم يأتيا ببينة، وكان يعرف بالنصرانية فالنصراني أحق بإرثه حتى يقيم المسلم بينة على ما ذكر.
وقال غيره: إن تكافأت البينتان قضي بالمال للمسلم بعد حلفه؛ لأن بينة المسلم زادت حين زعمت أنه مسلم.
قال اللخمي في كتاب الولاء: إن تداعيا ذلك، ولا بينة حلفا، والإرث بينهما نصفين، وإن أر المسلم أنه كان نصرانيا ثم أسلم، حلف النصراني أنه لم يزل على دينه، واختص بالإرث إلا أن يصلي عليه المسلمون، ويدفن عندهم بحضرته ولا ينكر، فيسأل عن عذره في ذلك، وإن أقر النصراني أنه كان مسلما، ثم مات على النصرانية اختص المسلم بإرثه دون يمين؛ لأنه على قوله: مرتد، فهو مدع لغيره فلا يقبل قوله؛ لأنه غير عدل هذا إن قال: أسلم بعد أن كبرت، وإن قال: وأنا صغير كان النظر في

بقائه على الكفر؛ وإن لم يعلم أصله.
ففيها لابن القاسم: ليس صلاة المسلمين عليه بشهادة، وقال الأخوان وأصبغ: إن كان ذلك بحضرة النصارى قطع دعوى النصراني؛ وهو أبين، إلا أن يعلم للنصراني عذر، وهو أبين، ولو صلى عليه النصارى ودفنوه عندهم بحضرة المسلم اختص النصراني بإرثه.
قلت: للشيخ عن الأخوين في الواضحة: إن دفن في مقابر المسلمين فليس بحجة على الآخر إلا أن يكون حاضرًا لا ينكر، فذلك يقطع حجته.
اللخمي: وإن أقام كل وادح بينة على دعواه، فإن كانت بأنه لم يزل على ذلك إلى موته، ولا يعرفونه انتقل عنه كان تكاذباً، وقضي بأعدلهما، فإن تكافأتا كان الإرث بينهما، وكذا إن كانت البينتان على ما مات عليه، ولا علم عندهما بما كان عليه، وإن كان معروفًا بأحد الدينين أو أقر بذلك الولدان، ففي كون ذلك تكاذبا، والقضاء بالبينة التي نقلته عن الحالة الأولى؛ لأنها زادت حكما قولان، وعلى الثانية إن كانت الحالة الأولى كفرًا فالإرث للمسلم، وفي العكس لبيت مال المسلمين، وإن قالت إحدى البينتين: لم يزل يعرف على كذا، ولم ندر ما مات عليه، وشهدت الأخرى بما مات عليه، ولم تدر حاله؛ قيل: يقضى بالأخيرة إن كانت بإسلامه ورث المسلم، وفي عكسه بيت المال.
الصقلي: قال بعض فقهائنا: لو شهدت إحداهما بأنا رأيناه يصلي بالمسجد، والأخرى بأنا رأيناه يؤدي الجزية، ولم يؤرخا قضي بالإرث للمسلم؛ لأنه يمكن أن يكون كافرًا فأسلم، ويحتمل أن يكون له نصفه ونصفه للمسلمين؛ لأن الأرث يكون له تارة، وتارة للمسلمين.
اللخمي: قال أصبغ: فلو كان معهما أخ صغير فكلاهما مقر له بالنصف فله النصف كاملًا، ويجبر على الإسلام، والنصف لهما بعد إيمانها.
سحنون: فإن مات الصبي قبل البلوغ حلفا وقسما ماله.
اللخمي: أصل قولهم أن يكون المال بينهم أثلاثا، فإن خلف الميت ستين دينارًا كان لكل من الأولاد عشرون؛ لأن المسلم يقول: المال بيني وبين الصغير نصفين،

والنصراني غاصب لنا، والغصب علي وعليه على قدر أنصبائنا، وذلك يؤدي إلى تساويهم فيه.
وفي كتاب ابن سحنون: يحلفان، ويوقف ثلث ما بيد كل منهما حتى يكبر الصبي فيدعي مثل دعواهما؛ فيأخذ ما وقف له من سهمه، ويرد إلى الآخر ما وقف من سهمه، فإن مات قبل أن يبلغ حلفا واقتسما ميراثه، فإن مات أحدهما قبل بلوغه، وله ورثة يعرفون؛ فهم أحق بميراثه ولا يرد، فإذا كبر فادعاه كان له.
قلت: قول سحنون: فيأخذ ما وقف له من سهمه، ويدر إلى الآخر ما وقف له من سهمه، فإن مات قبل أن يبلغ حلفا وقسما ميراثه، وإن مات أحدهما قبل بلوغه وله ورثة يعرفون؛ فهم أحق بميراثه ولا ترد، فإن كبر فادعاه كان له؛ خلاف قوله المتمم قول أصبغ؛ فتأمله.
ابن شاس: ولو كان عوض الابنين جماعة، واختلفت الدعوى بينهم فعلى القول بالقسم يقسم المال بينهم نصفين، وإن تفاوتت أعدادهم.
وفي الموازية: وظاهره عن كتاب ابن ميسر: إن ترك ولدين مسلمين، وولدين نصرانيين كافرين يدعي أن الأب مات على دينه قسم الإرث بينهم أرباعا بعد إيمانهم، فإن نكل فريق اختص الفريق الحالف بالإرث، ولو رجع أحد المسلمين أو أحد النصرانيين قسم الراجع مسلم للطائفة الأخرى، وقول ابن الحاجب: إن كان مع الولدين طفل.
فقال سحنون: يحلفان ويوقف ثلث ما بأيديهما، فإذا كبر فمن ادعى دعواه شاركه ورد الآخر ظاهره أنه يأخذ نصف تركته، وهو وهم إنما يأخذ الثلث الذي وقف له كذا نقله المازري، وابن محرز، والشيخ، وغير واحد، وابن شاس.

باب الدعوى

الدعوى: هو بحيث لو سلم أوجب لقائله حقًا.

ابن شاس والمازري: من غصب منه شيء وقدر على استرداده مع الأمن من تحريك فتنه أو سوء عاقبة، بأن يعد سارقًا أو نحو ذلك جاز له أخذه، ولم يلزمه الرفع إلى الحاكم، وأما العقوبة فلا بد من الحاكم، وقولهم: (جاز) يقتضى عدم استحبابه، ويتخرج استحبابه مما يأتي أحرويًا من قول ابن الماجِشُون.
وقال اللخمي: قال محمد في الإقرار الأول: من غصب منى شيئًا، ثم خفي له أخذه بعينه فأخذه جائز.
قلتُ: فيجب تقييده بما تقدم، ومن قدر على أخذ حقه المالي ممن هو له عليه ففيه طرق.
ابن رُشْد في المقدمات: من أودع رجلًا وديعة فجحده إياها، ثم إنه استودعه وديعة أو ائتمنه على شيء.
فروى ابن القاسم في المدَوَّنة: لا يجحده، وروى أشهب: لا آمره بذلك، وإن أردت فعله فأنت أعلم.
وروى ابن وَهْب: له أخذه إن لم يكن عليه دين، فإن كان بقدر حصاصه منه.

زاد ابن نافع عنه: إن أمن أن يحلف كاذبًا؛ يريد: إن قبل منه أن يحلف ما له عندي حق على سماع أَصْبَغ في النذور، وقال ابن شعبان: تقبل يمينه ما له عنده وديعة، ولا غيرها بخلاف الحقوق الثابتة في الذمة، فما لا يلزم ذمته يحلف على أقل ما يبرئه من فروعه.
وقال ابن عبد الحَكم: له أن يأخذ وإن كان عليه دين، وقال ابن الماجِشُون: أرى له استعمال الحيلة بما يقدر عليه حتى يأخذ حقه، ففي المسألة أربعة أقوال: المنع والكراهة والإباحة، والاستحباب كان عليه دين أم لا.
وقيل: إنما هذا إن لم يكن عليه دين، فإن كان لم يأخذ إلا قدر الحصاص، وهو قول خامس، والأظهر من الأقوال الإباحة.
اللخمي: إن كان عليه غرماء عالمين بفلسه أو شاكين، وتركوه يبيع ويشترى جاز له حبس جميعها، وإن كان ظاهره عندهم اليسر، ولو علموا ضربوا على يديه جاز له أخذ ما لا يشك أنه يصير له في المحاصة، وإن كانت الوديعة عرضًا جاز أن يبيعها، ويحسب الثمن مما له عليه، واختلف إن كان يحلفه إن هل يجحدها؟ فقال مالك: إنما له ذلك إن أمن أن يحلفه كاذبًا، واختلف في صفة اليمين.
قيل: يحلف ما أودعتني شيئًا ينوي يلزمني رده، وقيل: ينوى والأولى مثله أو يحرك به لسانه وكل واسع.
ابن الحاجب: وأما ما قدر على غيره، فثالثها: إن كان من جنسه جاز، وهذه طريقة ابن شاس، والقول الثالث ذكره رواية.
وذكره المازري: قولا غير معزو لمعين وقال: ظاهر المذهب أن لا فرق بين جنس ماله وغيره.

باب المدعي والمدعى عليه

المدعي: من عريت دعواه عن مرجح غير شهادة.
المدعى عليه: من اقترنت دعواه به.

فقول ابن الحاجب: المدعي من تجرد قوله عن مصدق يبطل عكسه بالمدعي، ومعه بينه، ونحوه لابن شاس.
وفي كتاب الرواحل من المقدمات عن سعيد بن المسيب المدعي من قال: قد كان والمدعى عليه من قال: لم يكن ومن عرفهما لم يلتبس عليه الحكم.
ابن رُشْد: ليس قوله على عمومه في كل موضع إنما يصح إذا تجردت دعوى المدعي في قوله قد كان من سبب يدل على صدق دعواه؛ فإن كان له سبب يدل على تصديق دعواه أقوى من سبب المدعى عليه القائل: لم يكن بدئ عليه باليمين كمن حاز شيئًا عن غيره مدة الحيازة في وجه مدعي الشراء قبل قوله مع يمينه، وهو يقول: قد كان، والمدعى عليه يقول: لم يكن، وكذا المودع يدعى رد الوديعة، القول قوله، وهو يقول: قد كان والمودع يقول: لم يكن، وقول ابن الحاجب: فلذلك كان مدعي رد الوديعة مقبولًا لائتمانه، ومدعي حريَّة الأصل صغيرًا أو كبيرًا ما لم يثبت عليه حوز الملك بخلاف مدعي العتق هو قولها في الوديعة، وفي عتقها الثاني، ومن حاز صغيرًا حيازة الملك، وعرفت حيازته له وخدمته إياه، ثم كبر فادعى الحريَّة فلا قول له، وكذا إن ادعى الحريَّة في صغره، وإن كان إنما هو متعلق به، ولم يعلم فيه حوز فللصبي مصدق، وفي غير موضع منها لغو دعوى العبد على سيده أنه أعتقه.
ابن شاس: والدعوى المسموعة هي الصحيحة، وهي أن تكون معلومة

صحيحة؟ قُلتُ: هو نقل الشَّيخ عن المجموعة عن عبد الملك قال: إذا لم يبين المدعي دعواه ما هي وكم هي لم يسأل المدعى عليه عن دعواه حتى يبينه الطالب في طلبه، فيسأل حينئذ المطلوب عن دعواه، ونقله المازري عن المذهب وقال: وعندي لو قال الطالب: أتيقن عمارة ذمة المطلوب بشيء أجهل مبلغه، وأريد جوابه بذكره مفصلًا أو إنكاره جملة لزمه الجواب.
ابن شاس: وكذا لو قال: أظن أن له لي عليك فاختصره ابن الحاجب بقوله: وشرط المدعي أن يكون معلومًا محققًا، فقبله ابن عبد السلام، وابن هارون ولم يذكروا فيه خلافًا.
وفي رسم الطلاق من سماع القرينين: من دخل بزوجته، ثم مات فطلبت صداقها حلف الورثة ما يعلم بقي عليه صداق.
ابن رُشْد: أوجب اليمين عليهم، وإن لم تدع ذلك عليهم خلاف ما في النكاح الثاني من المدَوَّنة، وما في الغرر منها في التداعي في وقت موت الجارية المبيعة على الصفة، فإن نكلوا عن اليمين حلفت المرأة أنها لم تقبض صداقها، وتستوجبه لا على الورثة علموا أنها لم تقبضه، فهذه اليمين ترجع على غير ما نَكَل عليه الورثة، ولها نظائر كثيرة.
قُلتُ: ويختلف في توجه هذه اليمين إذا لم تحقق المرأة ذلك على الورثة؛ لأنها يمين تهمه، ولا يختلف في رجوعها على المرأة بمعرفتها بما يحلف عليه كما يختلف في رجوعه يمين التهمة.
وقول ابن الحاجب: ولا يحلف مع البينة إلا أن يدعي عليه طرو ما يبرئه من إبراء أو بيع؛ هو قولها في اللقطة وغيرها، ولا يستحلف طالب الحق مع شاهديه؛ يريد: غير يمين الاستحقاق في غير الربع عن المشهور، وأسقطها ابن كنانة مطلقًا؛ قاله في الطرر، وفي الربع قولان.

ولظاهر عموم قولها: قال ابن دحون في سمَاع ابن كنانة: من شهدت له بينة بموت موروثة، وأنهم لا يعلمون له وارثا غيره، فإنه يستحلف مع بينته بذلك.
قُلتُ: يستحلف حرف سوء لا خلاف أنه لا يحلف مع بينته.
ابن رُشْد: قوله: (لا خلاف أنه لا يحلف) غير بين؛ لأنه لو ادعى أحد أنه وارثه، وادعى عليه علمه ذلك لزمته اليمين اتفاقًا، فصارت يمينه كيمين الاستحقاق.
وسمع عيسي ابن القاسم: من طلب غريم موكله بدين له عليه بذكر حق فادعى الغريم أنه دفع نصف الحق لموكله، ولا بينة له لم ينفعه ذلك، وغرم جميع الحق، ولا يؤخر للقائه الغريم، فلو غرم، ثم قدم رب الحق فأقر بالقبض، والوكيل معدم أو موسر لم يرجع إلا على رب الحق.
ابن رُشْد: لم يفرق بين أن يكون الموكل قريبًا أو بعيدًا، وفرق ابن عبد الحَكم بين قربه وبعده، وهو عندي تفسير لهذه الرواية، ولقول أَصْبَغ في نوازله في كتاب البضائع: وقيل: لا يقضى للوكيل حتى يكتب الموكل فيحلف، وإن كان بعيدًا على مسألة نوازل عيسى في يمين الاستحقاق.
وفرق بعض أهل النظر بين يمين الاستحقاق ويمين دعوى القضاء: وقيل: إن الوكيل يحلف على العلم، وحينئذ يقتضى، ومضى تحصيله في رسم العتق من سمَاع عيسى من الأقضية، وظاهر هذه الرواية، وما في نوازل أَصْبَغ: أنه ليس على الإمام أن يستحلف الموكل على قبض حقوقه الغائبة أنه ما قبض منها شيئًا، ويكتب له دون يمين خرج أو وكل خلاف كا في رسم العتق من سمَاع عيسي من كتاب الأقضية: أنه يستحلف في الوجهين معًا ما اقتضى، ولا أحال ولا قبض، ثم يكتب له، وعلى ظاهر هذه الرواية جرى العمل.
وقيل: يستحلفه إذا وكل لا إذا خرج، وهو أولى الأقوال، ومعنى قوله: (لم يرجع إلا على رب الحق) معناه أنه لا يلزمه أن يرجع عليه، ويترك رب الحق بل له أن يرجع على من شاء منهما.

قُلتُ: قوله: (وفرق بعض أهل النظر) هو قوله في رسم العتق من سمَاع عيسى من كتاب الإقضية: وفرق بعض المتأخرين بأن يمين الاستحقاق من تمام الشهادة، وهى يمين يوجبها الحكم واليمين في مسألة الدين لسيت كذلك، وإنما تجب بدعوى الغريم القضاء، وذهب ابن أبى زيد إلى حمل المسألتين بعضهما على بعض، وهو بين من قول أَصْبَغ لحكاية ابن حبيب عنه أنه يقضى للوكيل في مسألة الاستحقاق في غيبة الموكل إن بعدت، فيتحصل ثلاثة أقوال القضاء وعدمه، والثالث: الفرق بين مسألة الدين والاستحقاق، ورابعها: لابن كنانة أنه يحلف الوكيل.
وقاله ابن القاسم في المدّنيَّة: وكل هذا في الغيبة البعيدة والقريبة لا يقضى لها في المسألتين إلا بعد يمينه.
قال ابن الحاجب تابعًا لابن شاس: فلو قال: أبرأني موكلك الغائب، فقال ابن القاسم: ينظر، وقال ابن كنانة: إن كان قريبًا كاليومين.
قلتُ: وقبله ابن عبد السلام وابن هارون، وهو خلاف ما تقدم من سمَاع عيسى، وظاهر ذكره ابن رُشْد مخرجًا على نوازل عيسى أنه غير منصوص مطلقًا.
قال ابن عبد السلام: ولقول ابن القاسم: ما استعمله المتأخرون من القضاة في تمكين الموكل من الحلف على عدم الإبراء، وما يزيدون معه من الفصول وتسامحوا فيها، وإن كانت يمينًا قبل توجهها، والأصل أن لا يمكن منها.
قلتُ: هذا يقتضى عدم نص المتقدمين هذه اليمين، وقد تقدم ثبوت ذلك في رسم العتق من سمَاع عيسى من كتاب الأقضية.
ابن هارون: من له ديون مؤجلة فأراد سفرًا، ووكل وكيلًا على اقتضائها فهل يمكن من حلف يمين الرغبة أم لا؟ مكنه من ذلك بعض القضاة الأندلسيين، ومنعه بعضهم.
قلتُ: الأظهر أن المنع لعدم حلولها فهي يمين غير مفيدة.
قال ابن رُشْد: ومن ادعى قال: لي بينة قرينة، وطلب منه كفيلًا أخذ منه كفيل لنفسه ما بينه وبين خمسة أيام إلى الجمعة، وكذا إن قامت له البينة فله طلب الكفيل قبل

التعديل.
وقال ابن الحاجب: ومن استمهل لإقامة أو لدفعها أمهل جمعة، ويقضي ويبقى على حجته.
قلتُ: هو مقتضى نقل الشَّيخ عن محمد: لو قال القاضي: ... للخصم قبل الحكم: أبقيت لك حجة؟ قال: نعم، وقد تبين للقاضي أن حجته نفدت، وأنه ملد فليضرب له أجلًا غير بعيد، فإن تبين لديه أنفذ عليه الحكم، ولو ادعى بينة بعيدة لم يمهل.
وفيها: من ادعى قبل رجل غصبًا أو دينًا أو استهلاكًا، فإن عرف بمخالطته في معاملة أو علمت تهمته فيما ادعى قبله من التعدي والغصب نظر فيه الإمام، فإما أحلفه له أو أخذ له كفيلًا حتى يأتي بالبينة، وإن لم تعلم خلطته أو تهمته فيما ذكر لم يعرف له.
عياض: قال بعضهم: جعل له أخذ الكفيل، ولم يجعله في كتاب الكفالة ولغيرة هناك كما له هنا، وقال آخرون: ظاهره أخذ الكفيل، بمجرد الدعوى لقوله: (وأما الدين فإن كانت بينهما خلطة، وإلا لم بعرض له) يدل أن الوجه الأول بخلافه.
عياض: يحتمل أن يكون الكفيل بمعنى الموكل به، وقول من قال: ألزمه الكفيل بمجرد الدعوى فغير بين، لقوله: إن كان يعرف بينهما خلطة في دين.
قال ابن الحاجب: وللمدعي طلب كفيل في الأمرين.
ابن عبد السلام: الأمران طلب المدعى إقامة بينه بحقه، وطلب المدعى عليه إقامة بينة يدفع بها بينة الطالب.
وقال ابن هارون: يحتمل أن يريد بالأمرين ادعاء المطلوب دفع بينة المدعي أو تجريحها.
قلتُ: لا يخفي بعده.
وسمع القرينان: من أقام بينه على استحقاقه منزلًا، فيسأل المدعى عليه أن يؤجل ليأتي ببينة له فيها حجة، فأؤجله الشهرين والثلاثة، فلا يأتي بشيء، ويذكر غيبة شهوده أيضرب له أجل آخر؟

قال: أما المأمون الذي لا يتهم على المدعي باطلًا فيزيده، والملد الذي يرى أنه قصد إضرار خصمه فلا يمكنه من ذلك إلا بما تقارب شأنه ثم يقضي عليه.
ابن رُشْد: لأن ضرب الآجال مصروف لاجتهاد القضاة بحسب ما يظهر من حال المؤجل، والذي مضى عليه عمل الحكام في التأجيل في الأصول ثلاثون يومًا، عشرة أيام، ثم عشرة، ثم يتلوم له بعشرة أو ثمانية، ثم يتلوم له بأربعة عشر أو خمسة عشر، ثم ثمانية، ثم أربعة، ثم يتلوم له تتمة ثلاثين أو يضرب له أجلًا قاطعا ثلاثين يومًا يدخل فيه التلوم، والآجال كل ذلك مضى من فعل القضاة هذا مع حضور بينته بالبلد، وإن كانت غائبة عن البلد بأكثر من ذلك على ما تضمنته هذه الرواية من اجتهاد الحاكم، وإن امتنع المدعى عليه من أن يقر أو ينكر.
فقال اللخمي: روى عن محمد: المدعى فيه أن يجبر على أن يقر أو ينكر.
محمد: فإن أبى حكمت عليه للمدعي دون يمين، وقال أَصْبَغ: يقال له: إن لم تخاصم أحلفت المدعي، وحكمت له عليك إن كانت الدعوى يستحق بها مع نُكُول المطلوب عن اليمين إذا أثبتت لطخًا؛ لأن نكوله عن الكلام نُكُول عن اليمين، وإن كان مما لا يثبت إلا بالبينة دعاهم بها، ولا يسجنه حتى يتكلم، ولكن يسمع من صاحبه ويحمل الحكم عليه.
اللخمي: المدعى بالخيار بين أخذ ذلك بغير يمين على أنه متى عاد المدعى عليه للإنكار، والخصومة كان ذلك له، وبين أن يحلف الآن وبحكم له به ملكًا بعد إعلام المدعى عليه إن لم يقر أو ينكر حكم عليه كالناكل، ولا ينقض حكم من خاصم بالاحتجاج، وينقض بالبينات وبين أن يسجن فلا أحلف، وهذا كقولهم في الشفيع: يكتمه المشتري الثمن؛ فاختلف هل يسجن له الآن حتى يقرأ أو يقال له: خذ ولا وزن عليك حتى يثبت الثمن، هذا إن كانت الدعوى في معين، دار أو عبد، وإن كانت في شيء في

الذمة وأقام لطخا فكذلك، وإن لم يقم لطخا لم تسمع دعواه.
وإن ادعت الزوجة الطلاق فلم يقر الزوج، ولم ينكر يسجن حتى يقر أو ينكر، وحيل بينه وبينها، وتطلق عليه إن طال الأمر لحقها في الوطء، وإن ادعت عليه النكاح سجن حتى يقر أو ينكر، ولو ادعى عليها نكاحاً فلم يقر، ولم تنكر حيل بينها وبين الأزواج حتى تقر أو تنكر، وكذا السيد يدعي عليه البعد العتق، فإنه يسجن حتى يقر أو ينكر.
الشيخ في المجموعة عن أشهب: إن سأل المدعى عليه طالبه من أي وجه يدعي عليه هذا المال فقد تقدمت بيني وبينه مخالطة فسئل عن ذلك، ولم يقض القاضي بشيء على المدعى عليه حتى يسمي المدعي السبب الذي كان له به الحق أو يقول: لا أعلم وجهه، ولا أذكره، فلا يكون عليه في ذلك يمين أنه لا يذكره، وسأله البينة على دعواه، ومثله في كتاب ابن سَحنون، وزاد: إن أبى الطالب أن يخبر بالسبب، فإن قال: لأني لا أذكر وجه ذلك قبل منه، وإن لم يقل ذلك فلا يقضى له بشيء حتى يذكر سبب دعواه أو يقول لا أذكر سببه، ولا يمين عليه أنه لا يذكر سببه، ويسأله البينة على دعواه، ونقله الباجي بلفظ: إن أبى الطالب أن بين سبب دعواه، وادعى نسيانه قبل منه بغير يمين، وألزم المطلوب أن يقر أو ينكر.
قال الباجي: القيام عندي أن لا يوقف المطلوب حتى يحلف الطالب أنه لا يذكر ما يدعيه، إذ لعله بذكر السبب يجد مخرجاً، وإن امتنع من ذكر السبب من غير نسيان لم يسأل المطلوب عن شيء.
قلت: في دلالة الرواية على ما ذكر الباجي من قوله: (وألزم المطلوب أن يقر أو ينكر) نظر فتأمله، ونقل المازري كالباجي.
وقول ابن شاس: جواب دعوى القصاص على البعد يطلب من العبد، ودعوى الأرش، يطلب جوابه من السيد واضح؛ لأن الجواب إنما يطلب من المدعى عليه، وهو في الأولى العبد؛ لأن إقراره به عامل دون سيده، وفي الثانية السيد؛ لأن إقراره به عامل دون العبد.

ولفظ اليمين في حقوق اللعان والقسامة فيها: يحلف المدعى عليه أو من يحلف مع شاهده بالله الذي لا إله إلى هو، لا يزيد على هذا، ومثله ذكر الشَّيخ من رواية سَحنون بزيادة: لا أعرف غير هذا، ولابن رُشْد في رسم الأقضية من سماَع ابن القاسم من كتاب الأقضية، وفي صفة اليمين اختلاف كثير المشهور قولها، وقيل: يزيد عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، وهو قول ابن كنانة في المدنيَّة.
اللخمي: واختلف إن قال: والله لم يزد، أو قال: والذي لا إله إلا هو؛ فمقتضى قول مالك: أنها يمين جازية، وقال أشهب في الموازيَّة: لا يجزيه اليمين في الوجهين.
قلت: هو ظاهر المَدونَّة، واختار الأول قال: لأنه لا خلاف فيمن قال: والله، ولم يزد، أو قال: والذي لا إله إلا هو، أنها يمين تكفر.
قُلتُ: لا يلزم من أنها يمين تكفر أن يجزئ في الحقوق لاختصاص يمين الخصومة بالتغليظ، ولما ذكر المازري قول أشهب: قال: وحمل بعض أشياخي عن مالك أنه يرى الاكتفاء بقوله: والله فقط، وإنما يتعلق في هذا بقوله في كتاب اللعان يقول: بالله، وليس مقصود مالك في اللعان بيان اللفظ المحلوف به، وذكر المازري في لفظ يمين اللعان خمسة أقوال، فقال في المَدوَّنة: يحلف بالله، وفي الموازيَّة يقول: أشهد بعلم الله.
وقال محمد: يحلف بالله الذي لا إله إلا هو، والرابع زيادة: الرحمن الرحيم، وقال ابن الماجِشُون: يحلف بالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب، والشهادة الرحمن الرحيم، ونحوه للخمي.
المازري في القسامة ثلاثة أقوال: بالله الذي لا إله إلا هو، والثاني أن يقول: الذي أمات وأحيا، والثالث أن يقول: الذي لا إله إلا هو عالم الغيب، والشهادة الرحمن الرحيم.
الباجي عن ابن حبيب عن الأخوين: بالله الذي لا إله إلا هو.
محمد: والعبد كالحر، وهو مشهور قول مالك وابن القاسم وروايته ورواية ابن كنانة بزيادة: عالم الغيب والشهادة.
وقال ابن رُشْد في رسم القبلة من سمَاع ابن القاسم، وعن مالك وابن القاسم

يقول: (أقسم بالذي أمات وأحيا).
وسمع يحيى ابن القاسم في الديات صفة حلف القسامة أن يقولوا: بالله الذي لا إله إلا هو، ليس عليهم أن يقولوا: الرحمن الرحيم، ولا الطالب الغالب المدرك.
ابن رُشد: هذا مشهور مذهبه، وعزا لابن كنانة مثل قول ابن الماجِشون قال: وفي كتاب ابن شعبان: من حلف عند المنبر فليقل: ورب هذا المنبر.
وروى ابن القاسم وابن وَهْب يقول: بالله أمات وأحيا، والزيادة على بالله الذي لا إله إلا هو، عند من رواها استحسان إذا لم يختلف في أنه إن لم يزد على ذلك أجزأته يمينه.
قلتُ: وقاله اللخمي.
وفيها: ولا يحلف النصراني أو اليهودي في حق أو لعان أو غيره إلا بالله، ولا يزاد عليه الذي أنزل التوراة والإنجيل.
اللخمي: قال ابن شعبان: روى الواقدي: أن اليهودي يحلف بالله الذي أنزل التوراة على موسى، والنصراني بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، وقول ابن عبد السلام: النصراني يقر بالتوراة والإنجيل فلعله يغلظ عليه بذكرهما معاً، والمؤلف لم يبينه خلاف ظاهر الرواية.
ابن محرز: قال في الكتاب في النصراني: لا يحلف إلا بالله، وظاهره أنهم لا يحلفون بالله الذي لا إله إلا هو، وقاله ابن شبلون وغيره: قالوا: لأنهم لا يوحدون، ولا يكلفون ما ليس من دينهم، وليس كذلك بل يحلفون اليمين على هذه الصورة، ولا يكون ذلك منهم إيمانا، ونص عليه متقدمو علمائنا، ويدل عليه استحلاف المجوس بالله، وهم ينفون الصانع تعالى الله عن قولهم.
زاد عياض: وفرق ابن شبلون بين اليهود فألزمهم ذلك لقولهم بالتوحد، وبين بغيرهم.
المازري: وفى تمكين المسلم من استحلافه اليهودي يوم السبت قولا القابسي وبعض المتأخرين، فخص بعضهم الخلاف باليهودي؛ لأن النصراني لا يعظم يوماً،

وعممه ابن عات فيهما، قال: لأن يوم الأحد له، والسبت لليهودي.
اللخمي: اختلف في محل اليمين، فقال ابن القاسم: محله في أقل من ربع دينار، وفى ربعه في المسجد الجامع حيث يعظم منه.
الشَّيخ عن محمد: والثلاثة دراهم ربع دينار، وذكره ابن سَحنون رواية، وذكر القاضي عبد الوهاب عن بعض المتأخرين: الاستحلاف في المسجد في القليل والكثير.
المازري: والمعتبر في المعيب قدر قيمة العيب إن فات المبيع، وإلا ففي كونه كذلك قولا أَصْبَغ، وحذاق الأشياخ.
وقال المازري في بعض الروايات: الإشارة إلا أنه لا يشترط اليمين عند المنبر إلا منبره صلى الله عليه وسلم، ولابن حبيب عن بعض أصحاب مالك: أن الاستحلاف عند المنبر، وتلقاء القبلة يشير إلي أن المحراب هو أعظم ما في المسجد، ومعروف المذهب اختصاصه بالجامع الأعظم، وفي المذهب ما يشير إلى مساواة مساجد الجماعات والقبائل للجامع الأعظم.
اللخمي: إن كانت اليمين في مسجده صلى الله عليه وسلم فعند المنبر.
وقال محمد: على المنبر.
قال مالك: ويحلف بمكة عند الركن.
وقال ابن مالك الجلاب: يستحلف الناس في أقل من ربع دينار في سائر المساجد، ولا يحلف عند المنبر إلا منبره صلى الله عليه وسلم في ربع دينار.
الباجي: في سائر منابر البلاد عند المحراب، وأعظم ما في المساجد المحاريب، فيحلف عندها قرب المنبر، ولو كان المنبر في وسط المسجد حلف عند المحراب دون المنبر.
وفيها: وتخرج المرأة فيها له بال من الحقوق، فتحلف في المسجد، فإن كانت ممن لا تخرج نهاراً فلتخرج ليلاً، وتحلف في اليسير في بيتها إن لم تكن ممن يخرج، ويبعث القاضي إليها من يحلفها، ويجزئه رجل واحد.
اللخمي في الموازيَّة: تحلف المرأة في بيتها في أقل من ربع دينار، وفي ربع دينار في

الجامع، فإن كانت ممن تتصرف أحلفت نهاراً، وإلا أحلفت ليلاً، وأجاز سَحنون في امرأتين ليستا ممن تخرج أن تحلفا في أقرب المساجد إليهما.
وقال القاضي عبد الوهاب: إن كانت من أهل الشرف والأقدار جاز أن يبعث الحاكم إليها من يحلفها، ولا مقال للخصم.
ولماذا ذكر عياض حلف المرأة في بيتها حسبما تقدم قال: وهذا فيما تطلب فيه، ولابن كنانة في المدنيَّة قال: يحلف النساء اللاتي لا يخرجن في بيوتهن فيما ادعي عليهن، وأما إن أردن أن يستحققن حقهن فيخرجن إلى موضع اليمين، وقد حلف سَحنون مثل هؤلاء في أقرب المساجد إليهن، وأما شُيُوخ الأندلسيين فرأوا أنه لابد من خروج هؤلاء، ومن امتنعت حكم عليها بحكم الملد.
قال عياض: وليس هذا بصواب.
الشَّيخ في نوادره: روى ابن القاسم تخرج فيما له بال، فمن كانت تخرج بالنهار خرجت، وإلا خرجت بالليل، وفي الموازيَّة مثله.
قلتُ: لمحمد: تخرج في ربع دينار.
قال: لا إلا في الشيء الكثير الذي له بال، ومنهن من هي كالرجل تخرج هذه تحلف بالنهار في المسجد الجامع في ربع دينار، ولابن حبيب عن الأخوين من لا تخرج نهاراً تخرج في الليل في ربع دينار عياض: قوله: وأما ما سألت عنه من المكاتب، والمدرب، وأمهات الأولاد فسنتهم سنة الأحرار، إلا أني أرى أمهات الأولاد كالحرائر منهن من يخرج، ومنهن من لا يخرج حمل بعضهم أول الكلام على الذكور دون الإناث، وعليه اختصره أبو محمد، وحمله آخرون على الذكور والإناث، وأن ما عدا أمهات الأولاد كالرجال في الخروج لليمين؛ لأن حرمة أمهات الأولاد بحرمة ساداتهن وأبنائهن كالحرائر، وإليه ذهب ابن محرز، ووقع في كلام ابن القاسم في هذه المسألة في كتاب الشهادات، وأما ما سألت عنه من المدبرة والمكاتبة وأمهات الأولاد فسنتهن سنة الأحرار، وهو محتمل.
قلتُ: وللباجي عن ابن القاسم: والحرة والعبد والمدبرة والمكاتبة سواء.

فإن قلت: قولها: (وتحلف في اليسير في بيتها إن لم تكن ممن تخرج) مفهومه أنها تخرج في الكثير، وهو مناقض لما تقدم من أنها لا تخرج في الكثير.
قلتُ: لهذا المفهوم صورتان هذه، وهو غير معمل فيها، والثانية أنها إن كانت ممن تخرج خرجت من بيتها لمحل يقتضي فيه الطالب يمينها، ولا يلزمه الذهاب إلى بيتها لاقتضائه؛ لأن الطالب حقاً في اقتضائه اليمين.
قال الباجي: وعندي لو حلف عند المنبر دون أن يقتضيه صاحب اليمين، لم يبر بها حتى يحلف، وصاحب الحق مقتض ليمينه.
قلتُ: وذكر لنا شيخنا ابن عبد السلام أنه حكم لرجل بيمين على امرأة، وطلب حضورها معها لحلفها فامتنعت هي، وزوجها خوف اطلاعه عليها.
قال: فحكمت بحضوره إياها متباعداً عنها أقصى ما يسمع منها لفظ اليمين.
وفيها: في الحالفة في بيتها، ويبعث القاضي إليها من يحلفها لصاحب الحق، ويجزئه رجل واحد.
قلتُ: ظاهره أنه لا يقضى له بحضور يمينها في بيتها.
عياض: هذا يدل على أحد قوليه في هذا الأصل فيمن يوجهه القاضي للإحلاف، والحيازات، والأعذار، والنظر في العيوب، والترجمان، والقائف أنه يجزئ في ذلك رجل واحد، ولو زعم من وجب حلفه عجزه عن الخروج لمحل الحلف لمرضه، ففي نوازل الشعبي أربعة.
ابن بقيّ: إن أثبت ذلك ببينة حلف ببيته، وإلا أخرج.
ابن حارث: وإلا حلف لا يقدر على الخروج، ولا راكباً، وخير المدعي في حلفه ببيته، وتأخيره لصحته، فإن نّكَل لزمه الخروج أو رد اليمين.
ابن لبابة: إن ثبت مرضه حلف في بيته بالمصحف، وإلا حلف على عجزه، وخير المدعي في الأمرين.
ابن زَرْب: يختبر القاضي صدقه ببعثه له شاهدين، وأنكره محمد بن ميسور.
وفي كون التغليظ بالمكان شرطاً في اليمين طريقان.

الشَّيخ عن ابن حبيب: من نَكَل في ماله بال له أن يحلف في المسجد عند المنبر، وشبهه من المواضع، فقال: أحلف في مكاني فهو كنكوله يغرم إن ادعي عليه، وبطل حقه إن كان مدعياً، وقضى به مروان على زيد بن ثابت.
قاله الأخوان، المازري: في كون التغليظ مستحقاً أو مستحبّاً قولان.
اللخمي: ولا يحلف من الأيمان إلى غير موضعه إلا في القسامة.
قال مالك: يجلب إلى مكة والمدينة وبيت المقدس وغيرهم يستحلفون في مواضعهم، إلا أن يكون قريباً من المصر العشر الأميال ونحوها، وقال أبو مصعب: يجلب إلى الأمصار من كان على ثلاثة أميال، وهو أحسن، ولا يمكن من كان من البوادي من الدماء فتضيع.
اللخمي: اختلف هل يقام الحالف، وهل يستقبل به القبلة؟ فلابن القاسم فيها: ليس عليه أن يستقبل به القبلة، وقال مالك في كتاب ابن سَحنون: يحلف جالساً، وفي كتاب محمد قائماً، وقال الأخوان: يحلف قائماً يستقبل به القبلة إلا أن يكون أقل من ربع دينار، فيحلف في مكانه جالساً، قال مالك في كتاب آخر: ليس على الحالف في غير المسجد أن يقوم؛ يريد: أنه يقوم إذا كانت اليمين في الجامع، وأرى أن يستقبل القبلة في قليل ذلك وكثيره، ولا يقام وإن كانت اليمين في الجامع، وقد يستحسن ذلك في القتل، ولم يقم النبي صلى الله عليه وسلم في اللعان إلا في الخامسة أقام المرأة في موضع الغضب، وقيل: أقام الرجل في الخامسة، وليس في الصحيح.
الشَّيخ: في كتاب ابن سَحنون: قيل لمالك: أيحلف قائماً أو قاعداً؟ قال: قائماً أبين.
قال مالك: يحلف في القسامة قائماً، كذلك اللعان، وقول ابن شاس: حكى ابن عبدوس عن أشهب أن القيام في الأيمان إنما هو في اللعان، وفي القسامة لم أجده في النوادر، وتقدم نقل اللخمي فيه.
وفيها: يحلف اليهودي والنصراني في كنائسهم، وحيث يعظمون، ويحلف المجوس في بيت نارهم، وحيث يعظمون.

الباجي: وهل تغلظ بالزمان؟ وروى ابن كنانة في كتاب ابن سَحنون يتحرى بأيمانهم في المال العظيم، والدماء، واللعان وقتاً يحضر الناس فيه المساجد، ويجتمعون للصلاة، وما سوى ذلك من مال وحق، ففي كل حين، ولابن حبيب عن الأخوين: لا يحلف حين الصلوات إلا في الدماء واللعان، وأما في الحقوق ففي أي وقت حضر الإمام استحلفه، وقاله ابن القاسم وأَصْبَغ، ابن شاس: قال في الكتاب: وشرط اليمين أن تطابق الإنكار.
قلتُ: هو قولها في الشهادات: ومن اشترى منك ثوباً، ونقدك ثمنه، وجحدته الاقتضاء، وطلبت يمينه، فأراد أن يحلف أنه لا حق قبله لم يكن له ذلك.
قال مالك: ولك أن تحلفه أنه ما اشترى منك سلعة كذا بكذا؛ لأن هذا يريد أن يورك.
ابن القاسم: يعني بقوله: يورك الإلغاز.
قلتُ: نقلها الباجي عن مالك في الموازيَّة لا من المدَوَّنة، قال: وقاله مُطّرِّف، وقال ابن الماجِشُون: إذا حلف ما له عليه شيء من كل ما يدعيه، فقد برئ، واختاره ابن حبيب، وفي الموازيَّة والعتبيَّة القولان.
قلتُ: نقل المازري، واختار ابن حبيب الاستظهار بقرائن الأحوال، فإن كان المدعى عليه من أهل الصلاح والفضل، والمدعي من أهل التهم وممن يظن به ادعاؤه الباطل منع في اليمين بقول ابن الماجِشُون: (وشرط اليمين مع الشاهد) موافقتها شهرته معنى ولفظاً.
الباجي: وصفة اليمين مع الشاهد أن يحلف على ما شهد له، فإن شهد بإقرار المطلوب لم يكن له أن يحلف أن له عليه كذا؛ بل يحلف لقد أقر له فلان بكذا.
قاله ابن عبد الحَكم: فإن كان المطلوب غائباً زاد، وإن حقه لباق عليه، وما عنده به رهن، ولا وثيقة ويقضى له.
قال ابن عبد السلام: هذا على أن اليمين مع الشاهد كشاهد آخر، ومنهم من جعلها تقوية له، وعليه لا يبعد كونها على وفق الدعوى كاكتفاء ابن الماجِشُون في يمين

المدعى عليه بالحلف على نفي دعوى المدعي سواء طابق الإنكار أو لم يطابق.
قلتُ: يرد بأن شرط اليمين مع الشاهد موافقتها شهادة الشاهد فيها أثبته في المعنى اتفاقاً أو إجماعاً والحلف مع الشاهد على وفق الدعوى هي أعم من خصوص ما شهد به الشاهد.
والأعم لا يستلزم الأخص إثباتاً فلا يستلزم الحلف على الدعوى نفس ما أثبتته شهادة الشاهد، وقول ابن الماجِشُون: إنما هو في الحلف على أمر هو أعم من خصوص الدعوى، وهو في باب النفي، ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص، فاستلزم حلفه نفي الدعوى فتأمله.
وما ذكره من الخلاف في حال اليمين مع الشاهد لا أعرفه على النحو الذي ذكره؛ بل قول المازري: اضطرب العلماء في القضاء بالشاهد واليمين هل القضيَّة مستندة إلى الشاهد واليمين كالتقوية له، أو مستندة إلى اليمين، والشاهد كالمقوي لها أو مستندة إليهما جميعاً.
الشَّيخ: من قول مالك وأصحابه أن من أقام بينة بدين على حاضر أنه لا يحلف على أنه ما قبضه حتى يدعي المطلوب أنه دفعه إليه، أو دفعه عند دافع، ولو كان الحكم بالدين على ميت أو غائب لم يقض للطالب حتى يحلف أنه ما قبضه منه، ولا من أحد بسببه، ولو كان الدين لميت قام به ورثته على ميت أو غائب، فلابد أن يحلف أكابرهم أنهم ما يعلمون أن وليهم قبضه من المقضي عليه، ولا من أحد من مسببه، ولا يحلف الأصاغر، وإن كبروا بعد موته.
قلتُ: قوله: (ولا يحلف الأصاغر) يدل باللزوم على نص قولها: لا يمين على صغير، ولا على من يظن به علم ذلك، وفي سلمها الأول، وإذا أصاب المسلم إليه رأس المال رصاصاً أو نحاساً فردها عليه فقال له: ما دفعت لك إلا جياداً، فالقول قوله ويحلف ما أعطاه إلا جياداً في علمه ألا أن يكون إنما أخذها على أن يريها، فالقول قوله مع يمينه، وعليه بدلها.
التونسي: إن حقق أنها ليست من دراهمه حلف على البت، فإن نكل حلف قابضها على البت؛ لأنه موقن،

قلتُ: ظاهره: ولو كان حلف الأول على العلم، فتكون يمينه تنقل على خلاف ما تتوجه.
قال ابن رُشْد: وهو في مسائل كثيرة.
قلتُ: وذكر غير واحد من شُيُوخ الفاسيين في صفة الحلف ثلاثة أقوال، قولها الثاني: يحلف على البت مطلقاً، الثالث: هذا إن كان صيرفياً دون عزو، وعزاها ابن حارث لابن القاسم، وابن كنانة، وابن الماجِشُون، وقال ابن شاس بعد ذكر الأول: ولو قال: ما أعرف الجيد من الرديء، فقال بعض الأصحاب: يحلف ما أعطيته رديئاً في علمي.
قلتُ: فالأقوال خمسة.
نقل التونسي، والثلاثة، ونقل ابن شاس.
المازري: وينظر في حق الله تعالى في إباحة اليمين مع الشاهد للصغير الذي لم يعاين ما شهد به الشاهد، ولا علمه ضرورة، فإن لم يعلم ذلك إلا من قول الشاهد، وغلب على ظنه صدقه بخبره أو غير ذلك، ففي إباحة اليمين له بذلك، ووقفها على يقينه قولان لكتاب ابن سَحنون والموازيَّة.
واحتج سَحنون بجواز تصرف الولد الصغير في مال شهد له شاهدان بأنه لأبيه، وظاهر قوله: إسناد هذا الاحتجاج لمالك، وفيه إشكال؛ لأن التصرف في الأموال، ورد من الشرع التعويل فيه على الظن للضرورة إلى ذلك، ولو وقف ذلك على اليقين لأدى إلى ضرر عظيم، وأما تعليق التكليف بتعظيم اسم الله، والقسم به بيقين الصدق، فلا يلحق به ضرر عام وبعض أشياخي يضيف هذين القولين لمالك.
قلتُ: وتقدم هذا، وأخذ الأول من ظاهر قولها في الشهادات، وأظهر منه قولها في الوديعة: وإن بعث إليه بمال، فقال: تصدقت به علي، وصدقه الرسول، وأنت منكر للصدقة فالرسول شاهد يحلف معه المبعوث إليه، ويكون المال صدقة عليه.
قيل: كيف يحلف، ولم يحضر؟ قال: كما يحلف الصبي إذا كبر مع شاهده في دين أبيه، واختصرها أبو سعيد سؤالاً

وجواباَ لعدم إفادة الجواب نفي الإشكال؛ لأن حاصله أنه أتى بصورة مماثلة للمسؤول عنها فتستشكل كما استشكلت الأولى.
قال ابن شاس: اليمين على نيَّة القاضي، وعقيدته فلا تصح تورية الحالف، ولا استثناؤه بحيث لا يسمعه القاضي تقدم الكلام في نيَّة الحالف في الأيمان، وأن الخلاف عام في يمين القاضي وغيره حسب ما نص عليه ابن رُشْد قي سمَاع أَصْبَغ منه قال: إلا أن تتضمن نيَّة المحكوم عليه إبطال حق فهي عليه نيَّة المحلوف له اتفاقاَ، وفي لزوم نفي المدعى به في اليمين بعينه والاكتفاء بعموم يشمله خلاف تقدم عزوه.
الباجي عن أشهب: إن بين المدعي السبب فأنكر المطلوب، وقال: أحلف أنه لا شيء له عندي في هذا السبب لم يجزه حتى يقول: ولا أعلم له شيئاً بوجه من الوجوه، قاله أشهب في المجموعة ونحوه في كتاب ابن سَحنون هـ. والظاهر أنه يجزئه؛ لأن الطالب لم يطلبه بغير ذلك، ومن حق المطلوب أن لا يحلف حتى يقول له الطالب: هذا آخر حقوقي عندك.
قال ابن الحاجب: فإن ذكر السبب نفاه معه على المشهور.
قلت: انظر الضمير في قوله (معه) على من يعود، وفسره ابن هارون بمسألة كتاب الشهادات المتقدمة، قال: يعني قوله: (نفاه معه) أي: نفى السبب مع العدد.
قلتُ: لا يخفى بعده، وفسره ابن عبد السلام بمسألة أشهب وسَحنون، وهو أيضاً بعيد.
ابن الحاجب: قال الباجي: القياس أن يكتفي بذكر السبب، وعن مالك ماله عندي حق.
قلتُ: ظاهر أن قول مالك في نفس الصورة، وفيه نظر؛ لأن الباجي قال بعد ذكر ما تقدم ما نصه: وإن ادعى أنه أسلفه أو باع منه لم يجزه قوله: (لا حق به عندي) حتى يقول: لم تسلفني أو له تبع مني، قاله سَحنون، وهو مقتضى قول مالك قال: وربها قيل منه الجواب ما له على حق، وإلي القول الأول رجع مالك.
قال ابن الحاجب: قال ابن دينار: قلت لابن عبدوس: أيضطر إلى يمين كاذبة أو

جارٍ التحميل