الجبر أصالة إسلامه.
قال: وفي ماله ثالثها: رابع اللخمي.
ولو بقي بدار الحرب؛ ففي كونه كما لو خرج, وبقاء ملكه على ماله, وتبعية ولده الصغير له قولا المتأخرين.
قلت: في نوازل ابن الحاج: تخريجه مع غيره مال المسلم المقيم بدار الحرب, ورجح فيه ابن الحاج قول أشهب وسحنون, ثم فرق بأن مال من أسلم كان مباحا قبل إسلامه بخلاف مال المسلم.
قلت: هي نص سماع يحيى ابن القاسم في مسلم أقام ببرشنونة يصيب بغارته دماء المسلمين وأموالهم أنه محارب لا يحل ماله لأحد.
ابن رشد: هذا خلاف ظاهرها فيمن أسلم بدار الحرب وأقام بها, فغنم ماله.
ولو سبيت حرة, فغنمت بما ولدت في سبيها, ففي كونه حرا معها أو فيئا ثالثها: الصغار.
للشيخ عن ابن حبيب مع رواية مطرف, وقول ابن وهب واللخمي عن سحنون عن أشهب, ورواية أبي زيد بزيادة: الكبير والصغير بعد بلوغه يجبران على الإسلام كمرتد, ومحمد عن أشهب وابن القاسم.
وخرج اللخمي الأول في الصغير على كون ولد الكافر من مسلمة على دينها, وفي الكبير عليه مع قول مالك: ما ولد لنصرانية من مسلم غفل عنه حتى بلغ كافرا مرتدا يستتاب؛ خلاف قول ابن عبد الحكم: يقر على دينه, والثاني على كونه على دين الأب.
وفيها: إن بلغ ولدها وقاتل ففيء, فقال الشيخ: إن لم يقاتل؛ لم يكن فيئا.
ابن شبلون: فيء, ولو لم يقاتل, والذمية تغنم كذلك ترد لذمتها.
وفي كون صغير ولدها فيئا, وتبعيته لها نقل اللخمي رواية أبي زيد مع الصقلي عن أشهب وابن الماجشون وابن القاسم.
فيها: وكبير ولدها فيء
قلت: في تخريجه على قولي الشيخ وابن شبلون نظر.
وقوله ابن عبد السلام: حكي بعض الشيوخ: أن كبير ولدها تبع لها, لا أعرفه؛ بل
نقل ابن بشير وابن حارث: الاتفاق على أنه فيء.
ولو كانت أمه, ففي كون ولدها لربها أو فيئا ثالثها: إن كان بتزويج.
لابن القاسم فيها وابن الماجشون وأشهب.
وعبد الحربي يسلم دونه فيها إن خرج لنا؛ فهو حر.
اللخمي: اتفاقا.
ولو خرج بعد نزول جيشنا بهم.
زاد الشيخ عن ابن حبيب: ولا ولاء لربه عليه.
ولا يرجع إليه إن أسلم:
ابن حبيب: لو دخلنا عليه غالبين, فقال ابن القاسم: حر كخروجه لنا.
أصبغ: رق غنيمة.
ويرجعان لقول واحد: إن نزع لنا حين دخولنا؛ فحر, وإن نزع لنا بعد أن غنم؛ فرق لنا, وحملهما اللخمي على الخلاف, وعزا الثاني لابن حبيب وصوبه, ولم يذكر التونسي غير الأول.
قال: وفيه نظر, والأشبه أنه ملك للجيش لبقاء ملك ربه؛ إذا لم يغنم العبد نفسه.
قلت: الأول قولها بزيادة: (ولا يرجع لربه إن أسلم).
ولو لم يخرج, ولم ندخل عليه؛ ففي كونه حرا أو رقا لربه قولا أشهب وابن القاسم فيها محتجا بثبوت عتق أبي بكر بلالا, والدار دار كفر, وعليهما لغو تصرف ربه فيه ببيع أو تبرع ولو بعتق وأعماله.
وفيها: إن خرج مسلما وترك ربه مسلما؛ فرق له.
قلت: هذا على قول ابن القاسم مطلقا, وعلى قول أشهب: إن سبق إسلام ربه إسلامه.
قال سحنون في سماعه ابن القاسم: قال أشهب: إن قدم لنا عبد حربي أقام عندنا على كفره, ثم قدم ربه؛ فلا سبيل له عليه, ولو أسلم.
ابن رشد: لأن المذهب أن العبد حر بخروجه لنا كافرًا.
وفي الموازية: إن خرج ربه قبل إسلام العبد؛ رجع له ولاؤه, وإلا لم يرجع, وتعقبه التونسي بأنه إن عتق بأنه غنم نفسه؛ لم يرجع ولاؤه بحال, وإن عتق على ربه؛ رجع إليه, ولو قدم بعد إسلامه؛ لأنه عتق, وهو وربه كافران.
ابن رشد: وجهه أنه إنما عتق بخروجه ربه مراعاة لقول أبي حنيفة: إن خرج كافرا؛ فهو غنيمة للمسلمين.
قلت: إذا كان رقا للمسلمين امتنع تصور رجوع ولائه لربه, فكيف يصلح استنتاج رجوع ولائه لربه منه, والأظهر حمل قول محمد: وإلا لم يرجع إليه, أي ما دام ربه كافرا.
ونقض الذمي ذمته دون ظلم يوجب قتاله كحربي, وفي استرقاقه إن اسر ورده لذمته قولا ابن القاسم وأشهب فيها بناء على ملزومية عقد ذمته حريته بقيد وفائه أو مطلقا, وأطلق الأكثر الخلاف.
وقال ابن بشير: إن عقدت ذمته بقيد مسالمته؛ رق, وعلى حريته كيفما كانت حاله؛ لم يرق, وإن أبهمت؛ فالقولان.
ولما ذكر الشيخ عن محمد قول أشهب قال عنه ما نصه: ويقتل قاتلهم, ويجرح جارحهم, ووقف ابن القاسم في القصاص ممن قتل منهم.
وقال ابن ميسر: لا يؤخذ منهم بما قتل في صف ولا غيره.
قلت: يريد: لا يتعلق به قتل القصاص, ويتعلق به حكم قتل الأسير المخير فيه بينه وبين الأربعة الباقية.
وفي شرط كون الإمام عدلا في استباحة قتالهم وسبيهم؛ لنقضهم دون ظلم قولان لمفهوم نقل الشيخ عن محمد عن ابن القاسم: إن خرجوا قضا للعهد ومنعا للجزية, ولم يظلموا, فإن كان الإمام عدلا؛ قوتلوا, وكانوا فيئا مع نقله عن الواضحة: إن كان الإمام غير عدل, أو نقضوا لظلم عرف؛ لم يقاتلوا, فإن قوتلوا وظفر بهم؛ لم يستباحوا, وردوا لذمتهم, ولو وصلوا لدار الحرب, وظاهر قولها: ونقضه لظلم المعروف لا يرفع ذمته.
الداودي: يرفعها؛ لأنه لم يعاهد على أنه يظلم من ظلمه, وصوبه اللخمي بأنه
رضي بطرح ما عقد له.
قلت: ظلمه يصيره مكرها, ورضا المكره لغو, وقوله: لأنه لم يعاهد على أن يظلم من ظلمه معارض بأنه لم يعاهد على أن يظلم.
الشيخ عن ابن حبيب: روى ابن القاسم: إن خرجوا لظلم؛ لم يقاتلوا, ولو قتلوا المسلمين في دفاعهم.
وسمع عيسى ابن القاسم: وقال الأخوان وابن عبد الحكم وابن نافع وابن وهب: هذا إن احتجروا في دارهم, فإن خرجوا لفساد بأرض المسلمين؛ جوهدوا وصاروا فيئا.
قال الأخوان: وإن أشكل كون نقضهم لظلم؛ لم يستباحوا.
وسمع عيسى ابن القاسم: نزع رجالهم ومحاربتهم نقض يستحلون به, ونساؤهم وذريتهم إن حملوها معهم, ولو بقيت ذريتهم بين أظهر المسلمين؛ لم يستباحوا.
وفي كون الشيوخ والزمني كذلك نقل ابن رشد عن ابن حبيب مع أصبغ وابن الماجشون وسماع عيسى ابن القاسم.
ابن رشد: إن علم أنهم مكرهون؛ لم يختلف فيهم, إنما الخلاف إذا جهل إكراههم وادعوه, واحتجاج ابن الماجشون ومحمد بسبيه صلى الله عليه وسلم قريظة وغيرهم يرد بأن بني قريظة لم يكونوا ذمة تحت جزية؛ بل أهل مهادنة باقين بأرضهم؛ ولذا لم يحتج به ابن القاسم في المدونة؛ بل قال: مضت في ذلك سنة من الماضين.
قلت: ويوجب النقض كالخروج المذكور فعل يذل المسلم.
الشيخ عن ابن حبيب: أمر عمر بصلب نصراني نخس بغلا سقطت عنه مسلمة انكشفت عورتها حيث سقطت, وقال: إنما عاهدناهم على بذل الجزية عن يد وهم صاغرون, وأهدر دم يهودي قتله ابن امرأة دهس ناقة سقطت عنها فانكشفت, وقتل نصرانيا اغتصب مسلمة.
ابن حبيب: وصداقها في ماله, والولد مسلم لا أب له, ولو أسلم غاصبها؛ لم يقتل؛ لأن قتله للنقض لا للزنا, وقاله أصبغ.
اللخمي: وطؤه الحرة المسلمة إن كان زنا طوعا منه.
ففي كونه نقضا قولا ربيعة
ومالك, وإن كان بنكاح؛ فغير نقض مطلقا.
وقال ابن نافع: إن غرها فنقض, ويضرب عنقه, ووطؤه الأمة المسلمة بملك أو زنا غير نقض إن طاوعته وإلا فقال محمد: لا يقتل, وفيه خلاف, هذا أحب إلي؛ إذا لا يقتل حر بعيد.
اللخمي: هذا غلط؛ لأنه لم يقتل بها, ولا فرق بين الحرة والأمة, والطوع والغصب, إن عوهد على إن فعل شيئا منذلك نقض نقض, وإن كان على أن يعاقب فغير نقض.
قلت: فأين حكم الإيهام, وكيف يساوي الإكراه الطوع, وفيه من الجرأة ما ليس في الطوع, وللفرق بينهما كان مهر الحرة, وما نقص الأمة.
واستباح عمر أهل حصن لجأ إليه مسلمون شاتون منعوهم منه, فمات بعضهم لمبيتهم دونه.
قال الأخوان في أهل بلد صولحوا على الجزية, فاستباح واليها نساءهم, وباع أولادهم, فقتلوه ونقضوا العهد, ومنعوا بلدهم: لا ينبغي قتالهم ولا سبيهم.
الشيخ عن ابن سحنون: إن هرب علوج من بلدنا منهم مسلمون, وأحرار ذمتنا لعدو نزل بنا لإعانته, فظفرنا بهم لم يقتلوا, ويتحيل في حبسهم, وإن لم يقدر على حبسهم إلا بإثخانهم جراحا؛ لم يجرحوا إلا في محاربة.
وقال يحيى بن يحيى: إن هرب إليهم أهل الذمة دون ظلم؛ استحلوا.
ابن القاسم: لو أخذ الذمي بعد شخوصه لأرض الحرب دون إذن؛ فهو على ذمته.
قلت: قول يحيى وقول ابن القاسم هو سماعه ابن القاسم.
ابن رشد: إن أخذوا قبل وصولهم أرض الحرب؛ فهم على ذمتهم إلا أن يقاتلوا ويمتنعوا, سمعه منه عيسى.
الشيخ عن ابن سحنون عن ابن القاسم: إن غلب عدو على بلد الإسلام به ذميون, فكانوا يغيرون على بلد الإسلام مع العدو, فظفر بهم, فادعوا إكراه العدو إياهم على ذلك؛ قتل قاتلهم, وأطيل سجن غير القاتل, فإن حد لهم حد في الرحيل عن العدو, فجازوه, وغاروا مع العدو على الإسلام, فظفر بهم, فادعوا إكراهه إياهم, إن
تبين ما قالوا؛ لم يستحلوا.
قلت: مثله في سماع يحيى ابن القاسم.
ابن رشد: هم أهل ذمة لم يبن نقضهم؛ لأنهم بمكانهم, وسقط عنهم حكم الحرابة بشبهة دعواهم الإكراه.
وقوله: يقتل قاتلهم؛ يريد: قصاصا يجوز فيه العفو, ولو ثبت إكراههم؛ لم يسجن من لم يقتل منهم, وحكم فعلهم بعد ضرب الأجل كحكمه قبله.
وسمع يحيى ابن القاسم في أهل ذمة هربوا لدار الحرب, فأخذوا بها, فقالوا: إنما هربنا لظلم من جاورنا من العرب إيانا إن علم ظلم مجاوريهم ردوا لذمتهم عن قدر واليهم على منع من جاورهم ظلمهم, وإلا تركهم يسيرون حيث شاءوا.
أصبغ: إن أشكل أمرهم؛ لم يستحلوا.
ابن رشد: قوله تفسير لقول ابن القاسم.
وفيها: حرابة أهل الذمة كحرابة المسلمين.
اللخمي عن ابن مسلمة: يقتل؛ لأنه نقض ومال من لا عهد له, وإن قطع لم يؤخذ ماله؛ لأنه بقي ذمته, وذمة ولده باقية, وتعقب التونسي قولها بأن أخذ المال, وقتل النفس حرابة لا نقض بما تقدم من غصبه المسلمة نفسها.
قلت: في غصبه المسلمة نفسها من جرأته على الإسلام ما ليس في القتل, وغصب المال, وبقوة تحريم فرج المسلمة عليه لعمومه في تقدير يفرض بخلاف المال يحل له بالطوع, والمسلم يقتل بحرابته إياه, ولو ارتد جمع؛ منعوا أنفسهم, فأخذوا ففي الحكم فيهم بحكم الحربيين أو المرتدين نقلا ابن حبيب عن أصبغ, وابن القاسم مع ابن الماجشون, وأجراهما على فعل أبي بكر في أهل الردة بالسبي, وفعل عمر فيهم حكم المرتدين برد النساء والصغار من الرق لعشائرهم قائلا: لعمري إنه أمر خالف فيه عمر أبا بكر.
ابن رشد: الذي قضى فيهم أبو بكر بالسباء هم الذين نقض فيهم عمر القضية, وهو خلاف قولهم: إن القاضي لا يرد ما قضى به غيره قبله باجتهاده, فتدبر ذلك.
ابن عبد السلام: لا نسلم أنه خالف أبا بكر, إنما فعل ذلك تطييباً لنفوس
المسلمين بمشقة رؤية أحدهم ابنته, وزوجته مملوكة, وذكر أنه فعله بعوض, وفعل أبي بكر أجمع عليه الصحابة.
قلت: رده قول ابن رشد بقوله: لا نسلم أنه خالف أبا بكر؛ يرد بأنه منع لأمر ظاهر ثبوته دون دليل على منعه.
وقوله: تطييبا للنفوس؛ لا يصح كونه دليلا عليه؛ لأن نقض حكم الحاكم العالم العدل لا يسوغه تطييب النفوس.
وقوله: أجمع عليه الصحابة؛ خلاف ما ذكر ابن عباس من الخلاف في ذلك حسبما يأتي إن شاء الله تعالى.
والجواب الحقيقي: أن الحكم بالسبي في قوم لا يناقضه الحكم فيهم بالمن عليهم؛ لأنه لا منافاة بينهما, ولأن المن مسبب عن السبي, والمسبب يغاير سببه ولا يناقضه؛ ولذا كان الإمام في حكمه بالسبي في قوم, ثم بالمن عليهم ليس بمناقض في حكميه.
فحينئذ أقول: الصادر من عمر إنما هو من عليهم لما رآه من المصلحة, لا سيما وقد أسلموا كلهم, لا نقض لحكم أبي بكر؛ إذ لا تغاير بين حكمتيهما إلا مغايرة حكم حاكم بالسبي لحكمة بالمن, ولا تناقض بينهما, وكل هذا بناء على تلقي ما حكاه ابن حبيب عن عمر بالقبول حسبما تلقاه الشيخ وابن رشد, وفي ذلك عندي نظر لما ذكره الشيخ الراوية العدل: أبو الربيع ابن سالم قال في اكتفائه في ردة أهل دبا وأزد عمان: أن حذيفة بن اليمان قدم بسبيهم المدينة, وهم ثلاثمائة مقاتل وأربعمائة من النساء وذرية اختلف فيهم المسلمون.
قال زيد بن أسلم عن أبيه: أوثقهم أبو بكر بدار رمله بنت الحارث؛ يريد: قتل المقاتلة, فقال له عمر: يا خليفة رسول الله قوم مؤمنون إنما شحوا بأموالهم وقالوا: والله ما رجعنا عن الإسلام؛ فلم يدعهم أبو بكر بهذا القول, فتوفي أبو بكر وهم موثقون, فلما ولي عمر سرحهم, وكان فيهم أبو صفرة والد المهلب.
قال أبو الربيع: وذكر ابن عباس: أن رأي المهاجرين فيهم حين استشارهم أبو بكر القتل أو الفداء بأغلى الفداء, ورأى عمر ألا قتل عليهم ولا فداء, فبقوا موثقين حتى
ولي عمر فأرسلهم دون فداء
قلت: فإذا ثبت هذا؛ فلا إشكال؛ لأن أبا بكر لم ينفذ فيهم الحكم, وعلى تنفيذه فالجواب ما قدمناه, والله أعلم بالصواب.
وسمع عيسى ابن القاسم, ورواه عنه سحنون: إن أسر من تنصر بأرض الحرب, وأصاب دماء المسلمين وأموالهم, فأسلم؛ سقط عنه ما أصابه بعد تنصره إلا ما أصابه قبله.
العتبي: وقال يحيى عنه: يقتل قتل الحرابة.
ابن رشد: رواية عيسى على أنه أسلم, ورواية يحيى على أنه لم يسلم فليستا بخلاف, وإنما يسقط عنه ما أصاب منهما في تنصره بإسلامه بعد أخذه إذا صحت ردته بكونه على بصيرة من كفره في زعمه لا أنه فعله مجونا وفسقا, وإن أخذ على ردته قتل, ولم يستتب استتابة المرتد اتفاقا فيهما, فلا يفترق حكم ما أصاب المرتد ببلد الحرب أو الإسلام إن لم يسلم, إنما يفترقان إن أسلم.
وقتال الخوارج إن بانوا ودعوا لبدعتهم؛ قال الصقلي عن ابن سحنون: فرض.
الشيخ عن سحنون: سن على رضي الله عنه قتالهم, ولم يكفرهم؛ إذ لم يسبهم, ولم يستبح أموالهم, ولهم حكم المسلمين في أمهات أولادهم ومدبريهم وعددهم ووصاياهم, ورد أموالهم لأربابها إن عرفوا؛ وإلا تصدق بها إن أيس منهم, ولا قود عليهم ولا قصاص ولا حد ولا صداق في استباحة فرج.
ولا حد ولا صداق في استباحة فرج.
الصقلي وبعض أصحابه: إن سبوا حرة أو أمة فأولدوها؛ لحق الولد بأبيه؛ إذ لا حد عليه في وطئه لتأويله, وولد الأمة كولد مستحقة.
وفيها لمالك: إن خرجوا فأصابوا الدماء والأموال, ثم تابوا وضعت عنهم كحد الحرابة الدماء, وما استهلكوا من مال, ولو كانوا أملياء, ويؤخذ منه ما وجد بأيديهم من مال بعينه, ويؤخذون لحقوق الناس.
وقتال أهل العصبية:
فيها: قال مالك فيمن كان بالشام من أهل العصبية يدعوهم الإمام إلى الرجوع ومناصفة الحق بينهم, فإن أبوا؛ قوتلوا.
الصقلي: صوب شيخنا القاضي أبو الحسن قول ابن سحنون: يجب قتال أهل
العصبية إن كان الإمام عدلاً، وقتال من قام عليه، وإن كان غير عدل، فإن خرج عليه عدل؛ وجب الخروج معه؛ ليظهر دين الله، وإلا وسعك الوقوف إلا أن يريد نفسك ومالك، فادفعه عنهما، ولا يجوز لك دفعه عن الظالم.
مالك: إن قام والٍ على والٍ لإزالة ما بيده، فإن كان مثل عمر بن عبد العزيز؛ وجب الدفع عنه وإلا فلا، ينتقم الله من ظالم بظالم، ثم ينتقم منهما.
وقال فيمن بايعه الناس بالإمارة فقام آخر وتبعه بعضهم: قال: روى معاوية قتل الثاني، وهذا إن كان الأول عدلاً، وإلا فلا بيعة له تلزم، ولابد من إمام بر أو فاجر.
ابن سحنون: بلغني أنه كان يقال: لا تكرهوا الفتنة؛ فإنها حصاد المنافقين.
قلت: يرده أو يخصصه أحاديث الاستعاذة من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وظاهر ما تقدم منع إعانة غير العدل مطلقاً.
وقال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام: فسق الأئمة قد يتفاوت ككون فسق أحدهم بالقتل، وفسق الآخر بانتهاك حرمة الأبضاع، فإن تعذر قدم المتعرض للأبضاع على المتعرض للدماء، وكذا يترتب التقديم على الكبير من الذنوب والأكبر والصغير منها والأصغر.
قال: فإن قيل: أيجوز القتال مع أحد هؤلاء لإقامة ولايته وإدامة تصرفه، وهو معصية؟
قلنا: نعم دفعاً لما بين مفسدتي الفسوقين، وفي هذا وقفة وإشكال من جهة كونه إعانة على معصية، ولكن درء ما هو أشد من تلك المعصية يجوزه.
قلت: ونحوه خروج فقهاء القيروان الممسي، وغيره مع أبي زيد الخارجي على الثالث من بني عبيد؛ وهو إسماعيل لكفره، وفسق أبي زيد والكفر أشد.
المسابقة بين الخيل والإبل دون جعل للسابق أو به من غير مسابق، أو منه لسابق غيره؛ جائز.
ابن رشد: اتفاقاً، وعليه إن سبق مخرجه؛ فهو لتاليه وهو المصلي.
الشيخ عن كتاب ابن مزين: والعاشر يسمى السكيت، وما بينهما لا يسمى إلا
باسم العدد.
قلت: ذكر غير واحد من اللغويين لسائرها أسماء؛ منه ما أنشدني شيخنا أبو عبد الله بن الحباب لأمير المؤمنين أبي زكريا يحيى والد ملوك إفريقية من الموحدين في بعض شعراء حضرته حيث مدحه كل منهم بقصيدة:
ألا إن مضمار القريض لممتد ... به شعراء السبق أربعة لد
فأما المجلي فهو شاعر جمة ... أتى أولاً والناس كلهم بعد
وأما المصلي فهو حبر قضاعة ... بآدابه تزهو الخلافة والمجد
وأما المسلي فالمعاوي إنه أتى ... ثالثاً لكن يلين ويشتد
وبعدهما الكومي أقبل تالياً ... وكم جاء سباقاً مسومه النهد
ثم علماً لساس ما عنهم غنى ... وهم شعراء الملك ما منهم بد
وجمعها بعضهم في بيتين:
أتاني المجلي والمصلي وبعده الـ ... مسلي وتال بعده عاطف يسري
ومرتاحها ثم الحظي ومؤمل ... وجاء اللطيم والسكيت له يجري
فإن اتحد من سابق مع مخرجه كان طعمة لمن حضره.
ويجعل من واحد فقط، على أخذه من سبق، ولو كان مخرجه في إجازته، ومنعه، ثالثها: يكره.
للشيخ عن أصبغ مع ابن وهب والصقلي وابن رشد عن أحد قولي مالك، وللشيخ عن ابن القاسم مع الصقلي وابن رشد عن أحد قولي مالك، والشيخ عن رواية أصبغ، ولم يحك عياض غير الأولين عن مالك قائلاً: قال بكل منهما بعض أصحابه.
وبجعل من كل مسابق على أخذ السابق مع جعله جعل غيره ولا محلل، وهو من يخرج شيئاً لا يجوز.
ابن رشد: اتفاقاً، ومعه على أن من سبق أخذ الجميع المحلل، أو ذو جعل طريقان:
ابن رشد: أجازه ابن المسيب، ومنعه مالك، كان مع اثنين محلل، أو مع جماعة جماعة للغرر والمقامرة إلا أنه كلما قل المحلل؛ كثر الغرر والعكس العكس.
قلت: وفي النوادر عن ابن عبد الحكم: كراهة مالك المحلل على منعه رجوع جعل مخرجه له بسبقه في المسابقة بجعل من واحد فقط، وعلى قوله الآخر: هو جائز، وبه أقول كابن المسيب وابن شهاب.
عياض: مشهور قول مالك منعه، وقال مرة: كابن المسيب.
قلت: ظاهر نص لا تخريج، خلاف قول ابن عبد الحكم أنه تخريج.
قال: وشرط المحلل عدم أمن سبقه، وفيه زيادة في الرمي، ولا بأس بالمسابقة بين فرس وجمل، ولو شرط على أحدهما حمل شيء خفيف أو ثقيل، وليس على الآخر إلا راكبه، ولا يحمل على الخيل لإجرائها إلا محتلم ضابط، وكره مالك حمل الصبيان عليها، ولا بأس أن يتراهنا على أن يضمرا فرسيهما مدة معينة، ولو مضت فقال أحدهما: لم يتم إضمار فرسي؛ فلراهنه جبره على المسابقة إلا أن يعتل فرسه علة بينة، ولو قال: أزيدك ديناراً على أن تزيد في مدة الإضمار، أو في مبدأ غاية الجري أو منتهاها، فإن تراهنا دون شرط ولأهل ذلك الموضع سنة في ذلك حملا عليها، ولأهل مصر سنة عرفت في مبدأ جري القارح والرباع والثني والحولي، وفي الغاية التي يجلس بها الوالي، أو من يقيمه لذلك، ولا بأس أن يجعلا سرادقاً أو خطاً من دخله أولاً أو جازه أولاً؛ فهو السابق، ولا بأس أن يخرج واحد خمسة وآخر عشرة إن كان بينهما محلل.
قلت: زاد في فصل الرمي: أو يخرج أحدهما بقرة، والآخر شاة، ومنعه بعضهم، ولا أرى على أنه إن سبقه؛ ودى عنه فلان ديناراً؛ لأنه لم يخرج شيئاً يؤديه إن سبق ويحوزه إن سبق.
قلت: في منعه نظر، وظاهر ما تقدم لابن رشد جوازه.
قال ابن عبد الحكم: فإن سابقه على أن يضمن عنه لغريمه ديناراً إن سبقه؛ لم يجز إن كان على أن يرجع به عليه؛ لأنه ضمان بجعل وإلا جاز، ولو سقط بعض أهل الرهان عن فرسه ببعض المسافة، أو ألقاه فرسه بها، أو راغ عن الطريق، أو انكسر فرسه، فإن
كان معه أكثر من واحد؛ فالرهان بين من بقي، وإلا فأهل الخيل أنه مسبوق خوف التحيل بذلك لحل الرهان، والأحسن إن كان العائق بتضييع من الفارس أو سبب سابق؛ فهو مسبوق كتضييع سوطه، وقطع لجامه، وكون فرسه حروناً، أو نفوراً كما لو نفر من السرادق؛ فلم يدخله حتى دخل الآخر، فالسابق الداخل، ولو عدا عليه من أخذ سوطه، أو أزاله عن الطريق؛ لم يكن مسبوقاً، ولا بأس أن يقدم أحدهما الآخر بقدر من المسافة على أن يجريا معاً، أو إذا بلغ المؤخر المقدم، ولو تراهنا بثنيين، فأدخل أحدهما رباعياً أو قارحاً؛ لم يعد سبقه سبقاً، ولو أدخل بدل الرباعي جذعاً أو ثنياً أو حولياً أو هجيناً بدل عرابي كان سبقه سبقاً.
قلت: هذا يدل على صحة التراهن بغير معين، والظاهر في المعين لزوم عينه، وظاهر قول أبي عمر أجاز العلماء السبق في غير الرهان على الأقدام، ولا يجوز في الرهان إلا في الخف والحافر والنضل، ثم قال: شرط الرهان تقارب الخيل في السبق وإلا فهو قمار والمحلل لغو، وكذا المضمرة مع غيرها، والعراب مع غيرها خلاف ما تقدم في إدخال الهجين بدل العرابي، وخلاف قوله في الرمي: لا بأس بمراماة من يجهل رميه؛ كالفرس يجهل جريه.
قال: وروى: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "خير الخيل الأدهم الأقرح الأرثم المحجل".
ابن سيده: الرثم والرثمة: بياض في طرف أنف الفرس، وقيل: هو كل بياض قل أو كثر إذا أصاب الجحفلة العليا إلى أن يبلغ المرسن، وقيل: هو البياض في الأنف.
قال: وجحفلة الدابة ما تتناول به العلف.
قال: والمرسن: الأنف.
وروى مسلم عن أبي هريرة قال: "كان صلى الله عليه وسلم يكره الشكال من الخيل".
زاد في رواية عبد الرزاق: والشكال: ما في رجله اليمنى بياض، وفي يده اليسرى
أو يده اليمنى ورجله اليسرى.
أبو عبيدة: هو محجل الثلاث قوائم، ومطلق الواحدة أو مطلق الثلاث محجل الواحدة.
ابن عبد الحكم: صح تفسير القوة بالرمي، وليس على المتناضلين، وصف سهم أو وتر برقة أو طول أو مقابليهما، ولمن شاء بدل ما شاء بغيره، وقوس بأخرى من جنسها لا عربية بغير عربية، ويجوز تعاقدهما على فارسية وعربية، ثم لكل منهما بدل قوسه بأي صنف شاء من القسي، ولا أحب شرط ألا يراميه بقوس معينة بخلاف الفرس؛ لأن الفرس هو المسابق، وفي الرمي الرجل لا القوس، ولا بأس أن يسابق رجل رجلين أو أكثر الواحد المسبق أو المسبق، أو عدد عدداً، أو اتفق الرماة أن المسبق أولى بالبداية بالرمي يسهمه، ثم يرميان سهماً سهماً حتى يتم الرشق، ثم يبدأ المسبق كذلك في الرشق الثاني حتى يفرغ الرمي، فإن كانا حزبين؛ بدأ المسبق ثم آخر من الحزب الآخر، ثم كذلك، فإن قال أحد الحزبين: يقوم اثنان ثم اثنان، وقال الآخر: بل واحد ثم واحد، فإن كان شرط عمل عليه، وإلا فالخيار للمسبق، ولا يقيم أكثر من اثنين إلا بشرط أو تراض خوف الاختلاط، وللبادئ ومن بعده أن يقوم من المقام حيث شاء، وللمسبق أن يبدأ من أي وجهي الغرض شاء، استقبل الريح أو استدبرها، وإن شرطوا ألا يرموا إلا من وجه واحد أو مع الريح أو عليها؛ جاز، ولمن شاء منهم رميه قائماً، أو قاعداً ما لم يشترط قيام، وتحوله من مكان لآخر ما لم يضيق على غيره، ويمنع الرمي من فوق الغرض إلا برضى من معه، وإذا رمى حزب؛ فعليه إخلاء الغرض للحزب الآخر، والرهان فيه كما مر في السباق.
الصقلي عن محمد: يجوز كون السبق عتقاً عن الناضل والمنضول، أو عملاً للناضل معروفاً، أو يتصدق بالسبق، أو يبني به الغرض، أو يشتري به حصراً
يجلسون عليها.
زاد الشيخ عن محمد: ويجوز كونه لأجل معلوم لا مجهول، وكونه عرضاً موصوفاً، أو سكنى مدة معلومة، أو عفواً عن جرح عمداً وخطئاً، ويمنع بالغرر، ومن وجب له؛ جاز أن يحال به، أو يؤخره برهن أو حميل، وحاص به الغرماء.
الصقلي عن محمد: لا بأس أن يتراهن حزب، وحزب واحد واحد، واثنان اثنان، أو أكثر، ويدخلا بينهما محللاً واحداً.
زاد الشيخ: وشرطه كونه يخاف أن ينضلهما، ويجوز كونه أدناهما إن رمى معهما من الغرض أمناه، وإن رمى من نصفه وهما منه؛ لم يأمناه إن رمى من نصفه، وإن لم يأمناه، ورميهما من النصف، وهو من الغرض؛ جاز، ويجوز رمي أحدهما معه من النصف والآخر من الغرض، ولا يجوز أن يقول: نسبقكم على أن تسبقونا سبقاً آخر.
قلت: يريد: نخرج نحن سبقاً على أنه إذا استحق أخرجتم أنتم سبقاً آخر، والظاهر إن لم يكن محلل؛ حرم، وإلا اختلف فيه.
وبعد الغرض ما رضياه: وكان غرض عقبة بن عامر أربعمائة ذراع، وإن لم يسميا ذرعه؛ حملا على العرف؛ وهو مائتا ذراع.
ويجوز أن يتناضلا على أن يرمي أحدهما من الغرض إلى الغرض، والآخر من نصفه، أو من أبعد منه بقدر معلوم.
ويجوز شرط إن تعلق الجلد في الهدف، أو يجعل على الأرض تعمده الأعواد.
الجوهري: الهدف: كل مرتفع من بناء أو غيره، ومنه سمي الغرض هدفاً.
قال محمد: ويجوز شرط الرمي في جلد كبير يوماً، وفي صغير يوماً، وجعل البعد كغرض؛ فيكون الناضل الأبعد سهماً، والتساوي لغو.
والإصابة حصول السهم في الجلد دائراً به، وما أصابه، وسقط أو خرقه، ولم يدر به لغو، وما تعلق به، وخيف سقوطه، فإن كان أول الوجه، فإن سقط برمي ما بعده ألغي وإلا اعتبر، وإن تعلق بالجلد وانكسر، ولم يسقط حسب، وإن أصاب الجلد راجعاً على الأرض ألغي، ولو تعلق به، وما أصاب برده الريح للجلد حسب، وما صرفته عنه الريح ألغي، وما أصاب موضع الجلد لإسقاطه الريح ألغي؛ إذ لعله لو ثبت الجلد لم
يثبت فيه السهم، وإذا أزالته الريح عن محله من الغرض وأصابه حسب، وألغاه الشافعي.
قلت: الأظهر إن رماه بعد نقله الريح حسب وإلا فلا.
قال: وما أصابه بفوقه، فثبت في الجلد؛ ألغي، وما أصاب العراء، فكان ملصقاً بالجلد، والجلد دائر به؛ حسب وإلا فلا، وكذلك ما دخل من العروة في الجلد، ولو انقطع وتره، وهو يرمي، فإن جاوز نصف الغرض؛ كان كسهم أخطأه، وإن لم يجاوزه؛ فله أن يرمي بآخر مكانه.
ومنهم من قال: إن جاوزت الثلاثين؛ قالوا: كما لو انقطع، فأصاب الغرض؛ حسب له فكذا إن أخطأ لم يحسب.
قلت: كذا في الروايات لم يحسب.
والصواب: حسب.
قال: وأحسب أنه إن علم أنه من قطع الوتر لا من خطأ الرامي؛ لم يحسب عليه وإلا حسب، ومن عاقه الرمي لفساد بعض آلته؛ انتظره مناضله لتلافيه على ما عرف دون طول، فلو انقطع وتره ومعه آخر يبعد من وتره في الغلظ والرقة؛ لم يلزمه الرمي به إلا أن يقاربه، وكذا السهم، ولو سلم أحدهما للآخر أنه نضله، فإن كان قبل رمي ما يتبين في مثله أنه منضول؛ فليس على مناضله قبول ذلك، وكأنه كره أن يسمى منضولاً، وإن كان بعد تبين كونه منضولاً؛ جاز إن قبله الآخر.
ويمنع شرط أن من ترك الرمي اختياراً؛ فهو منضول، ويرتفع لزوم الرمي بالغروب، ولو كان في أثناء وجه، ولو رميا بعد الغروب؛ لزم تمام الرشق، والمطر وعاصف الريح يرفعه.
ويجوز نصبهما أميناً يحكم بالإصابة والخطأ، والخصل في النضال الخطر الذي يخاطر عليه، قاله الجوهري.
وأنشد للكميت مادحاً بعضهم قال:
سبقت إلى الخيرات كل مناضل ... وأحرزت بالعشر الولاء خصالها
قال: ويجوز أن يرميا إلى خصل مائة أو أقل أو أكثر.
قلت: معناه: تحديد استحقاق الخطر بكون الإصابة في عدد من الرمي.
قال محمد: والمسبق إن زاد في الخصل ما يريد به الفرار منع، وإلا ففي جوازه مطلقاً، أو بقيد كونه مثله، فأقل قولا الرماة، والأحسن المنع إلا برضاهم.
ويجوز الانتقال في أثناء الخصل من غرض لآخر بتراضيهم، وإن قال أحدهما لصاحبه: أقلني ولك كذا بعد أن نضله أو قبل رميهما؛ لم يجز.
قلت: وكذا إن أسبق رجل رجلاً ديناراً، فقال المسبق لصاحبه: أزيدك ديناراً على أن يرمي معي بذلك فلان، أو قال المسبق: أحط عنك نصف دينار على أن يرمي معي بذلك فلان، وكل ذلك دون زيادة ونقص جائز.
ولو أسبقه على الرمي في يوم معين، فزاد أحدهما الآخر على أن يؤخر الرمي ليوم آخر؛ فلا بأس.
وفي ثبوت النضل لأحدهما على الآخر بإصابته دونه، أو بفضل إصابته في تمام رمي وجه واحد، وإن كان قبل تمام عدد الخصل نقل محمد عن عمل الرماة مع حكايته للشافعي، والقياس عند محمد، ولو نضل أحدهما الآخر لتمام عدد الخصل قبل تمام الرشق؛ ففي لغو إصابته من أصاب في تمامه، واعتبارها قولا محمد والرواة.
ويجوز أن يتناضلا على أن يفضل أحدهما بإصابته في عشرة، والآخر في خمسة، ويجوز أن يرميا إلى خصل عدد معين على أن يحسب لأحدهما ما أصاب به من سهم بسهمين، والآخر بسهم واحد، وعليه لا يكون في عدده فرد؛ لأنه لا يكاد يحسب لصاحب خمسة إلا بثلاثة هي ستة، فيذهب له واحد باطلاً.
والافتخار والانتماء للقبيلة حين ظن الإصابة بالرمي جائز، وبذكر الله أحب إلى، كقوله: أنا الفلاني؛ لأنه إغراء لغيره.
روي أنه صلى الله عليه وسلم رمى فقال: "أنا ابن العواتك"، ورمى ابن عمر بين الهدفين وقال: أنا
بها أنا بها، وقال مكحول: أنا الغلام الهذلي.
قلتُ: وهو في حين الحرب أوضح، منه قوله صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين حين نزل عن بغلته واستنصر: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب»، ومنه حديث مسلم عن سلمة بن الأكوع: خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل وأرتجز وأقول:
أنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع
قال محمد: والشهادة في السباق كغيره، وإن شهدا أنه أسبق فلاناً ديناراً، فحكم عليه أن يراميه، ثم رجعا، فإن نضل المسبق صاحبه؛ لم يغرما شيئاً لعدم غرمه، وإن نضله صاحبه غرما له سبقه، وإن شهدا أنه أسبقه إلى خصل مائة، وقال هو إلى خمسين، فقضي عليه، فنضل المسبق فيما بعد الخمسين، فإن كان المسبق قد نضل بعدها أو قبلها؛ لم يغرما شيئاً لعدم غرم المسبق وإلا غرما.
ولو شهدا أنهما تناضلا بقوس عربية على مدعي فارسية، فرجعا، وقد غرم المشهود عليه غرما له، ولو شهد على الرمي في يوم كذا على من ادعاه في غيره رجع، وقد غرر المشهود عليه؛ لم يغرما، وإن اختلفا في كون السبق ديناراً أو نصفه قبل الفراغ من الرمي، ففي تحالفهما وتفاسخهما مطلقاً، أو ما لم يمعنا في الرمي، فيكون القول قول المسبق قولا أشهب وابن القاسم، وبعده القول قوله مع يمينه ما لم يأت بما يبين به كذبه، ولو قال قبل الرمي: أسبقتك على أن ترمي بعشرة في كل رشق، وقال الآخر: بخمسة؛ تحالفا وتفاسخا، وبعده المعتبر ما رميا عليه، والقول باختلافهما في الغرض قول مسبق، ولو قيل: يتحالفان ويتفاسخان كان مذهباً، والأول أحب إلي، ولو قال:
أسبقتك على أن الخصل إلى مائة، وقال الآخر: إلى خمسين؛ تحالفا وتفاسخا، ولو اختلفا فيمن جعلاه أميناً على الحكم بالإصابة؛ قدم الحاكم بينهما أميناً عارفاً.
قلت: ظاهره: ولو حكم بأحد المختلف فيهما، ومن أبي الرمي بعد تعاقدهما على سبق من أحدهما؛ أجبر عليه.
انتهى.
قال الشيخ الفقيه القاضي أبو عبد الله محمد بن عيسى بن أصبغ الأزدي القرطبي المشتهر بابن مناصف في أرجوزته المسماة بالمذهبة التي قالها في نظم الصفات من الحلى والشيات، وختمها بذكر أسماء السوابق قال:
وقد رأينا من تمام القول ... فيما اعتمدنا من نعوت الخيل
أن نختم التأليف في التبويب ... بسبق الخيل على الترتيب
وهبئة الحلبة في المضمار ... وفوتها في درك الأخطار
وما الذي يجوز خصل السبق ... منها إذا جاء كسهم الرشق
منسوبة جملتها للعرب ... وبعضها قيل لأهل الأدب
وهاكها مسرودة مفسره ... مشتقة أسماؤها ميسره
بحسب ... على ما يمكن ... في الغرض الذي به يبين
... التي هناك تعرف ... جماعة الخيل التي تأليف
من حلب القوم وأيضاً أحلبوا ... كل بمعنى اجتمعوا وحزبوا
وموضع الجري هو المضمار ... ثم المدى غاية ما يسار
والخصل ما يجعل للسوابق ... عند المدى من خطر المسابق
وكان من فعلهم فيما مضى ... أن يجعل الشيء الذي قد عرضا
على رؤوس قصب الرماح ... في طرف الغاية للإفصاح
ومنه قالوا في الذي قد كملا ... حاز فلان قصب السبق علا
وجملة المخصوص عند العرب ... من سبق الخيل لوضع اللقب عشرة محفوظة الأسماء ... موقوفة النقل على الفراء أولها سبقا هو المجلي ... ينقض مثل النجم أو كالنبل اشتق من جلا بمعنى أظهرا ... ما كان من أمر الرهان مضمرا وقد يقال أيضاً المبرز ... والسابق الكل بهن ينبز والفرس الثاني هو المصلي ... لأنه يليه دون فصل فهو كأن رأسه تراه ... عند صلا الأول من أخراه وثالث الخيل هو المسلي ... من السلو في اشتقاق الفعل كأنما صاحبه به سلا ... إذ جاء بعد السابقين أولا وبعده الرابع وهو التالي ... لتلوه الثالث في الإعجال فنسبوا الرابع للمسلي ... كنسبة التالي من المجلي ثم يليه الخامس المرتاح ... كأنه من كده يرتاح إذ كان يخشى أن يكون بعد ... لكونه في السبق منه بعد وبعده السادس وهو العاطف ... عطفاً على المرتاح يعني الواصف لأنه قد فاته ما قبل ... فانضاف للمرتاح أيضاً يتلو فنسبوه منه في التولي ... كنسبة التالي من المسلي والسابع الذي هو الخطي ... وأصله من خطوة معني لأنه يحظى وإن تأخرا ... بسبق ما خلفه مؤخرا والثامن الذي هو المؤمل ... ليس وراءه لسبق أمل فهو مؤمل الثلاث الباقية ... بأن يفوز من ملام اللاحية
والتاسع اللطيم فهو يحرم ... حظ الجياد قبله ويلطم لأنه لم يترك المؤمل ... لتوه خطأ عليه يعمل والعاشر السكيت ليس بنظر ... وما أتى من بعده لا يذكر وأصله ووزنه فعيل من ... السكوت إذ عداه القول لأنه ماذا عسى تراه ... يقول واللطيم في أولاه ويؤثر لسكيت والسكيت ... كلاهما فيه وقد وفيت