المختصر الفقهي لابن عرفةصفحات 215-233

كتاب الجنايات باب البغى

صفحات 215-233

قال ابن شاس: كقوله: أما أنا لست بزان.
قُلتُ: إن قال رجل لرجل في مشاتمة: إني لعفيف الفرج، وما أنا بزان ففي الموازيَّة يحد.
قُلتُ: فقيد الحد في قوله: ما أنا بزان بكونه في مشاتمة.
وقيده ابن شاس بقوله: أما أنا.
وفي المدَوَّنة: من قال لرجل: ما أنا بزان، أو أخبرت أنك زان، ولم يقيدها الصقلي بشيء، وفي الموطأ تقييده بالمسابة.
الباجي عن ابن الماجِشُون: من قال لامرأة في مشاتمة: إني لعفيف، حد، ولو قاله لرجل حد إلا أن يدعي أنه أراد عفيف في المكسب والمطعم، فيحلف ولا يحد وينكل، ومن قال في مشاتمة: إنك لعفيف الفرج؛ حد.
الشَّيخ: روى ابن وَهْب: من قال لرجل: يا ابن العفيفة حلف ما أراد قذفًا، وعوقب أَصْبَغ إن كان على وجه المشاتمة حد.
وسمع أشهب في الذي يشهر بالمرأة في الشعر، فيوقف على ذلك، فيقول: قول قلته ليس له عندي أصل ما رأيت أحدًا حد في مثل هذا، ولم يزل الشعراء يقولون، فما رأيت من حد فيه إلا أن يكون الشيء البين جدًّا؛ لأن للشعراء استعارات لطيفة، ومجازات بعيدة.
وقال ابن حرز في كتاب اللعان: من عرض لولده في القذف، لم يحد لبعده من التهمة في ولده، ولذا لم يقتل به إلا أن يتبين عمده.
وعزاه الشَّيخ في القذف لابن الماجِشُون، ومرة لمالك.
وفيها: من قال لعربي: يا مولى أو يا عبد حد.
وفيها: من قال لعربي: لست من العرب، أو قال له: يا حبشي أو يا فارسي أو يا

رومي حد، وإن قال لفارسي أو لبربري: يا عربي لم يحد.
واختلف قول مالك: فيمن قال لبربري أو لرومي: ياحبشي، هل يحد أو لا؟ وأرى أن لا حد عليه.
اللخمي: من قال لرجل: يا ابن اليهودي، أو يا ابن النصراني.
فقال ابن القاسم: يحد.
وقال أشهب: لا يحد.
قُلتُ: وربما أجريا على القولين في التكفير بنفي الصفات وعدمه.
قال: وكذا قوله: يا ابن الأقطع أو يا ابن الأعور، ويا ابن الأحمق أو يا ابن الأقرن أو يا ابن الآدم، وليس أحد من آبائه كذلك حد عند ابن القاسم، وعلى قول أشهب لا يحد.
وإن قال: يا ابن الحجام أو يا ابن الخياط، وليس في آبائه من عمل ذلك.
فقال ابن القاسم: إن كان المقول له ذلك من العرب حد، وإن كان من الموالي لم يحد.
وروى ابن وَهْب: يحد فيهما، إلا أن يكون من آبائه من عمل ذلك.
وقال أشهب: لا حد عليه فيهما، إن حلف أنه لم يرد نفيه من آبائه.
وفيها: من قال لرجل: زنى فرجك أو يدك أو رجلك حد.
الصقلي عن محمد: قال أشهب: لا يحد في قوله: زنت يداك أو رجلاك وينكل.
الباجي: من قال لرجل: ليس لك أصل ولا فصل، ففي الموازيَّة والعتبيَّة لا حد عليه.
وقال أشهب: يحد.
وقيل: إن كان من العرب، ففيه الحد، ولابن حبيب عن ابن الماجِشُون إن قاله في مشاتمة، فإن لم يكن من العرب؛ ففيه الأدب في الخفيف مع السجن، وإن قاله لعربي حد إلا أن يعذر بجهل، فيحلف ما أراد قطع نبسه، وعليه ما على من قاله لغير عربي، وإن لم يحلف حد.

وفي زاهي ابن شعبان: لو قال مولى لعربي: أنا خير منك حد، وقاله الزهري وكذا لو كانا ابني عم، قاله أحدهما لصاحبه، وفي هاتين المسألتين اختلاف، وبهذا أقول.
وروى اللخمي وغيره: من قال لرجل: لا أبى لك لا شيء عليه إلا أن يريد النفي، وهذا مما يقوله الناس في الرضا، ومن قاله في مشاتمة أو غضب، فهو شديد، ويحلف ما أراد نفيًا.
وفيها: إن قال له: أنت ابن فلان نبسة إلى جده، ولو في مشاتمة لم يحد، وكذا لو نبسه إلى جده لأمه، ولو نسبه إلى عمه أو خاله أو زوج أمه حد، وكذا إن نسبه إلى غير أبيه على غير سباب.
ولما ذكر الباجي قول ابن القاسم: لا يحد.
وقال أشهب: يحد، قال محمد: قول ابن القاسم أحب إلي إلا أن يعرف أنه أراد القذف، مثل أن يتهم الجد بأمه ونحوه، وإلا لم يحد قد ينسب إليه لشبهه في طبع أو خلق.
ثم ذكر قول ابن القاسم في نسبته إياه إلى عم أو خال أو زوج أم، قال: وقال أشهب: لا حد عليه إلا أن يقوله في مشاتمة.
وقال أَصْبَغ ومحمد، قال أَصْبَغ: قد سمى الله تعالى العم أبًا، فقال تعالى: ﴿إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة:133] ونحوه.
ونقل اللخمي وابن شاس: وطاهره أو نصه أن قول أَصْبَغ كأشهب.
وقال ابن الحاجب: لو نسبه إلى جده في مشاتمة، لم يحد إلا ببيان القذف بخلاف عمه.
وقال أشهب: يحد فيهما.
وقال أَصْبَغ: لا يحد فيهما بخلاف خاله، وزوج أمه وما نقله عن أَصْبَغ خلاف نقل ما تقدم عنه، ولعله نص قول أَصْبَغ بالجد والعم من مفهوم استدلاله.
اللخمي: من قال لامرأة يا زانية، فقالت: بك زنيت.
فقال مالك: تحد للرجل وللزنا إلا أن تنزع عن قولها؛ فتحد للرجل فقط، ولا يحد

لها؛ لأنها صدقته.
وقال أشهب: إن نزعت، وقالت: ما قلت ذلك إلا على وجه المجاوبة، ولم أرد قذفًا، ولا إقررارًا؛ فلا تحد ويحد الرجل.
وقال أَصْبَغ: يحد كل منهما لصاحبه، وإن نزعت عن قولها، ولو قال ذلك لامرأته فأجابته بذلك.
فقال الشَّيخ عن عيسى عن ابن القاسم: لا حد عليها للقذف، وعليه الحد لها إلا أن يلاعن.
قال عيسى: لا حد عليه ولا لعان.
قال: وقال محمد عن ابن شهاب: من قال لرجل: يازان، فأجابه: أنت أزنى مني أنه قذف منه، وإقرار بالزنا.
وهذا يؤيد قول ابن القاسم: وأبى ذلك مالك، وقال: يحدان جميعًا، ـ وإليه نزع أَصْبَغ.
اللخمي: من قال لرجل: يا ابن الزانية، فأجابه بقوله: أخزى الله ابن الزانية.
فقال ابن القاسم: يحلف المجيب أنه ما أراد قذفًا، فإن لم يحلف سجن حتى يحلف.
وقال أَصْبَغ: هو معرض، ويحد ثمانين، وقول ابن القاسم أبين.
وسمع أَصْبَغ ابن القاسم، في مسلم قال لنصراني: يا ابن الفاعلة، فقال له أخزى الله ابن الفاعلة، يحلف النصراني بالله ما أراد قذفًا، فإن لم يحلف سجن حتى يحلف، وقال أَصْبَغ: يحد؛ لأنه جواب في مشاتمة، فهو تعريض.
ابن رُشْد: إن طال أمره ولم يحلف تخرج على قولين: أحدهما: أنه يطلف ولا يكون عليه شيء،؟؟؟: أنه يحد.
وفيها: من قال لزوجته: زنيت وأنت مستكرهة، أو قال ذلك لأجنبيه لاعن للزوجة وحد للأجنبية، ولو جاء في هذا ببينة لم يحد.
الصقلي في الموازيَّة: يحد وإن أقام البينة؛ لأنها ليست بذلك زانية.
وعزاه اللخمي لمحمد وسَحنون، وحملاه على إرادة التعريض بما كان طوعًا؛ لأن

المستكرهة لا ينسب الفعل إليها.
فيقال لها: زنيت، وإنا يقال: زني بها، والأول أبين؛ لأن ذلك مما لا تميزه العامة.
قُلتُ: فينتج الفرق بين العامي وغيره.
اللخمي: قال ابن القاسم: من قال لزوجته: زنيت وأنت صبية أو أنت نصرانيَّة أو مستكرهة لاعن؛ لأنه قاذف أو معرض.
وعلى قول أشهب وعبد الملك: لا لعان عليه، إذا أثبت ما رماها به، وهو أحسن، ولم يذكر ابن القاسم صفة لعانه، ويشبه أنه إن شهد أربع شهادات بالله أنه لم يرد تعريضًا؛ وإنما أراد ما أثبت أنه كان في الصبا أو الكفر، ولا لعان عليها.
وفيها: من قال لعبد أو أمة قد عتقا: زنيتما في حال رقكما، أو قال لهما: يا زانيا، ثم أقام بي نة أنهما زنيا في الرق، لم يحد؛ لأن اسم الزنا لازم لهما في حال الرق، وإن لم تقم البينة حد.
ولو قال: زنيتما في حال الصبا أو الكفر، وأقام بذلك بينة، لم ينفعه ذلك، وحد؛ لأن هذا لا يقع عليه اسم زنا.
اللخمي: ولو قال: لمن يعرض له جنون، ثم يفيق: يا زان، أو زنيت وأنت مجنون.
فعلى قول ابن القاسم: يحد ولو أثبت ذلك.
وعلى قول عبد الملك: لا يحد إن أثبت ذلك.
وعلى قول أشهب: يحد إن قاله في مشاتمة، وإن قاله في غير مشاتمة لم يحد، وإن لم يثبت ذلك.
قُلتُ: دليل قول ابن القاسم، أنه غير منصوص له.
وفيها: في أوائل الرجم: ويحد قاذف المجنون، وكان يجري لنا مناقضتها بقولها في القذف: كل ما لا يقام فيه الحد ليس على من رمى به رجلًا حد الفرية، ويجاب بحمل قولها في الرجم على المجنون الذي يفيق أحيانًا.
الشَّيخ في الموازيَّة: من قال لجماعة: أحدكم زان أو ابن زانية لم يحد، إذ لا يعرف من

أراد، وإن قام به جماعتهم.
فقد قيل: لا يحد، ولو أدعي أحدهم أنه أراده، لم يقبل منه إلا بالبيان أنه أراده.
وقال ابن رشد في رسم العرية، من سماع عيسي ما حكاه ابن المواز: أنه قد قيل لا يجد، وقد قام به جماعتهم بعيد؛ لأنه يعلم أنه قال: أحدهم، فلا حجة له إذا قام به جميعهم، ووجه على بعد أنه لما جهل المقذوف منهم لم يحد؛ لأن الحد؛ إنما هو لإسقاط المعرة عن المقذوف، والمعرة لم تلحق بواحد منهم بعينه، فيحد له ولا لجميعهم، إذ لم يقذف إلا واحداً منهم.
وسمع عيسي ابن القاسم: من قال لرجل يا زوج الزانية، وتحته امرأتان، فعفت واحدة، وطلبت الأخرى حدها، إن حلف أنه ما أراد بالقذف إلا التي عفت بريء، فإن نكل حد.
ابن رشد: وكذا لو كانت إحداهما قد ماتت، وقامت الحية بحدها؛ لكان القول قوله مع يمينه، أنه إنما أراد الميتة.
وذكر الباجي مسألة عيسي لابن القاسم في العتيبة والواضحة، قال: وهذا خلاف ما ذكر محمد في القائل لجماعة: أحدكم زان ويحتمل أن الجماعة في مسألة محمد خرجوا بكثرتهم عن حد التعيين، وأن الاثنين وما قرب في حد التعيين.
الشيخ عند محمد: من قال لرجل: يا قرنان حد، إن قامت به امرأته؛ لأنه عند الناس زوج الفاعلة، وقال ابن القاسم.
وقال يحيي بن عمر: لا يحد ويضرب عشرين سوطاً.
قال ابن شاس: قال القاضي أبو عبد الله بن هارون المالكي البصري: من قال لرجل: يا نغل حد؛ لأنه قذف، ولو قال الرجل لنفسه: أنا نغل حد؛ لأنه قذف أمه، وكذا لو نسب نفسه لبطن أو نسب أو عشيرة غير بطنه أو نسبة وعشيرته حد؛ لأنه قذف أمه.
قلت: واللفظة بالنون والغين المعجمة.
قال الجوهري: نغل الأديم بالكسر أي: فسد، فهو نغل، ومنه قولهم: فلان نغل إذا

كان فاسد النسب.
قلت: فينبغي ضبط الغين بالكسر على وزن حذر.
قال ابن عبد السلام: وطرد هذا أن من قال لرجل: يا ولد زني، ثم عفا المقول له ذلك عن القاذف أن للأم القيام بحقها في الحد.
قلت: وهذا اللازم حق، وهو مقتضي قولها: ومن قال لعبده وأبواه حران مسلمان، لست لأبيك، ضرب سيده الحد.
وقال اللخمي: وذكر سحنون عن أشهب: لا حد على من قطع نسب عبد، وإن كان أبواه حرين؛ لأنه يصح أنها أتت به، وزعمت أنها ولدته؛ فلا يكون قذفاً لواحد منهما.
وفيها: من قذف ولده أو ولد ابنه، أو ولد ابنته، فقد استثقل مالك، أن يجد: لولده وقال: ليس ذلك من البر.
ابن القاسم: إن قام بحقه حد له، ويجوز عفوه عنه عند الإمام، وكذا ولد الولد.
زاد الشيخ عنه في الموازية:: يحد له، ثم لا تقبل شهادة الولد في شيء، لقوله تعالي: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾} [الإسراء:23] وهذا يضرب بظهره.
ولابن حبيب عن أصبغ: لا يحد له أصلاً.
واستشكل الشيخ عز الدين الحكم له بحده مع تجريحه؛ لأن الحاكم لا يحكم بمعصية.
وذكر ابن عبد السلام الخلاف في حده لابنه بصريح القذف وتعريضه.
وتقدم لابن محرز عن المذهب.
وللشيخ عن ابن الماجشون: أنه لا يحد في تعريضه بابنه.
وفيها: من قال بنيه: ليسوا بولدي، فقام عليه إخوتهم لأمهم نم رجل غيره بحده وقد ماتت، إن حلف أنه لم يرد قذفاً، وإنما اراد في قلة طاعتهم لم يحد، وإن نكل حد.
وسمع ابن القاسم: من شتمه خاله أو عمه أو جده لا أرى له عليهم شيئاً، إن كان على وجه الأدب له، وكأني رأيت مالكاً لا يري الأخ مثلهم إذا شتمه.

ابن القاسم: ولو قذفه عمه أو جده أو خاله؛ حد له.
ابن رشد: قوله في الأخ يريد: إن قاربه في السن والحال، وإن كان له عليه فضل في السن والسداد والعقل والفضل ما يشبه أن يكون شتمه إياه أدباً كان كالجد والعم.
وقول ابن شاس: والملاعنة وابنها كغيرها واضح في نسبها إلى الزنا، لعدم نفي عفتهما بما أتصفا به.
وفيها: من قال لابن الملاعنة: لا أب لك حد، إن كان على وجه المشاتمة، وإلا فلا حد عليه.
....... على الحر ثمانون ذكراً أو أنثي، وشطرها على ذي رق منهما.

باب في شرط وجود حد القذف

... وجوبه تكليف القاذف ... نصوص المذهب واضحة بذلك.

[باب في شرط الحد ... يفعل الزنا] .. شرط المقذوف يفعله بلوغه وإسلامه وعفافه وحريته وعقله حين رميه بالفاحشة؛ لما تقدم من قولها: كل ما لا يقام فيه الحد ليس على من رمي به رجلاً حد

الفرية، وهو خلاف ما وقفت عليه في زاهي ابن شعبان: من رمي امرأته ببينه فعليه الحد، وقاله الزهري وكذا من رمي به من يأمن الرجال.
وقال ربيعه: فيه النكال، ومطيقه الوطء كالبالغة لقولها: من قذف صبيه لم تبلغ المحيض، ومثها يوطأ فعليه الحد.
اللخمي: اختلف إذا كانت في سن من تجامع.
فقال مالك وغيره من أصحابه يحد لها.
وقال ابن الجهم وابن عبد الحكم: لا حد عليه، والأول أحسن للحوق المعرة لها بذلك.

باب في شرط الحد في المقذوف المنفي

وشرطه في النفي: إسلامه؛ لقولها: من قال لرجل مسلم: لست لأبيك وأبواه

نصرانيان جلد الحد، وإن كان أبوه عبداً مسلماً فإنه يحد؛ لأنه نفاه، وكذا إن قال له: لست ابن فلان لجده وجده كافر.
وإسلام أبويه أو حريتهما، لقولها: ومن قال لعبده وأبواه حران مسلمان: لست لأبيك، ضرب سيده الحد، فإن كان أبو العبد قد مات، ولا وارث لهما أو لهما وارث؛

فللعبد أن يحد لسيده في ذلك، وفي الاكتفاء بإسلامه أبيه وحريته دون أمه اختلاف.
وقول ابن الحاجب: ويختص البلوغ والعفاف بغير المنفي صواب لوضوح النصوص فيها، وفي غيرها يحد من قطع نسب مسلم مطلقاً لا بقيد بلوغه ولا عفافه كقولها: وإن قال له: ليس أبوك الكاف ابن أبيه، لم يحد، حتى يقول للمسلم: لست من ولد فلان، ونحوه في غيرها.
قال ابن الحاجب: ويشترط في المنفي شرط من يحد قاذفه لا في أبويه؛ لأن الحد له، فقبله ابن عبد السلام، وهو مردود لما تقدم من قولها: ومن قال لعبده وأبواه حران مسلمان ... إلخ فتأمله، وبه يتبين بطلان تعليله بقوله: لأن الحد له.
وقوله: ولذا فرق بين يا ابن الزاني أو الزانية، وبين يا ابن زنية.
قلت: الفرق المذكور راجع للفرق بين القذف بفعل الزنا، وبين القذف بقطع النسب، لأنه إذا كان زنية، فلا نسب له، ولا يرفع هذا الذي ذكره في التفريق التعقب عليه بمسألة المدونة المذكورة فتأمله.
اللخمي: أقسام المسألة ثمانية: الأول: إن كان جميعهم عبيداً؛ فلا حد.
الثاني: عكسه يحد لقطع نسب الولد، وقذف الأم كمن قذف جماعة، أو واحداً وقطع نسب آخر.
الثالث: كون الابن وحده حراً؛ يحد لقطع نسبه، وينكل لأبوية.
الرابع: كون الأم وحدها حرة، يحد لقذفها فقط.
الخامس: كون الأب حراً فقط؛ لا حد فيه؛ لأنه قطع نسب عبد، وقذف أمه.
قلت: هذا خلاف ما تقدم من قولها.
إن قال لعبده: لست لأبيك، وأبوه مسلم وأمه كافرة أو أمة.
قال السادس: كون الأب والأم حرين، يحد لهما.
السابع: كون الأ [والأم حرين؛ يحد لقطع النسب فقط.
الثامن: كون الأبوين حرين فقط؛ يحد لقذف الأم خاصة.

وفي حمل قصد قاطع النسب على تزنيته الأب أو الأم، ثالثها: نفيها لاحتمال أنها أتت به ولم تلده.
لمالك فيها، وأشهب في الموازية، ولسحنون عنه، وأحسن الأقوال قول من قال: إن انقطاعه من قبل الأم، لأنه مقصد الناس لأمهم يرون أن الفساد من قبول الأم، ولو سمع أن أمه كانت تعذرت عليها الولادة، وأنها جاءت به، وقال: ذلك أردت؛ لم يحد إن كان الولد عبداً، وإن كان الأبوان حرين.
وقال ابن القاسم: من قال لميت: ليس فلان لأبيه، فقام أبوه بحده، وقال: قطع نسب ولدي مني حد، فجعل قيامه لقطع نسب ولده؛ لأنه زناه، وإنما هو قاذف للأم فإن عفا قامت الأم أو وارثها، وعلى القول الآخر يكون القيام للأب لقذفه.

باب العفاف الموجب حد قاذفه

وعفاف المقذوف الموجب حد قاذفه: مسائل المدونة وغيرها واضحة، بأنه السلامة من فعل الزنا قبل قذفه وبعده، ومن ثبوت حده لاستلزامه إياه، كقوله:

رأيتكما تزنينان في صباكما أو كفركما، وأقام بذلك بينه حد؛ لأن هذا لا يقع عليه اسم زني إلى غير ذلك في مسائل المذهب.
ابن حارث: اتفقوا فيمن قذف رجلاً، وأتي بشاهدين أنهما حضرا سلطاناً يقيم عليه حد الزنا، أن ذلك لا يجزئ القاذف إلا أربعة شهداء بذلك، وهل على الشاهدين بذلك حد القذف، رواية محمد، وقول ابن الماجشون.
وفيها: ومن قذف رجلاً بالزنا، فعليه الحد، وليس له أن يحلف المقذوف أنه ليس بزان، وإن علم المقذوف من نفسه أنه كان زني، فحلال له أن يحده، ولما ذكر اللخمي قول مالك هذا، قال: وقال محمد بن عبد الحكم: لا يحل له أن يقوم بحده.
وقال ابن القاسم في سماع أبي زيد: إذا كان المقذوف يعلم أن القاذف رآه، وهو يعلم ذلك منه، لم يحل له أن يقوم به، وقول ابن عبد الحكم أحسن؛ لقوله تعالي: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾} [النور:4] وهذا ليس بمحصن.
قال ابن شاس: قال الأستاذ أبو بكر: العفاف أن لا يكون معروفاً بالقيان ومواضع الفساد والزنا.
قلت: وظاهر نصوص المذهب خلافه.
وفيها: من قذف رجلاً، ثم ارتد المقذوف، لم يحد قاذفه، ولو رجع إلى الإسلام لم يحد له، كمن قذف رجلاً بالزنا، فلم يحد له حتى زني المقذوف؛ فلا يحد قاذفه.
وفيها: من قذف ميتاً فلولده، وإن سفل ولأبيه، وإن علا القيام بذلك، والأبعد كالأقرب وليس للإخوة وسائر العصبة مع هؤلاء قيام، فإن لم يكن من هؤلاء أحد فللعصبة القيام، وللأخوات والجدات القيام، إلا أن يكون له ولد، وإن مات ولا وارث له؛ فأوصي بالقيام بقذفه، فلوصية القيام به.

اللخمي: إن مات المقذوف وقد عفا، فلا قيام لوارثه، وإن أوصى بالقيام به، لم يكن لوارثه عفو، فإن لم يعف ولم يوص، فالحق لوارثه العاصب من أنفرد به من عاصب فله القيام به.
ثم ذكر ما تقدم من لفظها، قال: فأدخل النساء والعصبة في القيام.
وفي كتاب محمد: أما الإخوة والبنات والجدات، وغير أب أو أبن، فلا قيام له إلا أن يوصيه، فأسقط الإخوة والعصبة وسائر النساء.
وقال أشهب: ذلك للأقرب فالأقرب، وأما بنت البنت والزوجة فلا.
وفيه: وأما الغائب، فليس لولده ولا لغيره القيام بقذفه.
اللخمي: من قربت غيبته لم يقم بحده غيره، وكتب له في ذلك، فإن بعدت غيبته.
فقال ابن القاسم في الموازية: لا يقدم بحده ولد ولا غيره.
محمد: وقيل ذلك لولده زاد في الواضحة لأبيه وأمه وعلى عدم حده.
قال ابن الماجشون: يسجن حتى يقدم من له عفو أو قيام، وظاهر المدونة أنه لا لا يعرض له بشيء.
قال: وإن لم يحلف من سبه يقوم بذلك، ولا أوصي به لم يقم به، وهذا على أنه حق للمقذوف، وعلى أنه حق لله يقوم به الإمام.
قلت: وفي سرقتها، ولو سمع الإمام رجلاً يقذف رجلاً، ومعه من ثبتت شهادته عليه أقام عليه الإمام الحد.
فيها لمالك: من قذف ناساً شتي في مجالس، فحده لأحدهم حد لجميعهم، وإن لم يعلم بهم حين حده.
اللخمي: وقال المغيرة وابن دينار: إن اجتمعوا وقاموا به؛ حد لهم حداً واحداً، وإن افترقوا، فلكل واحد حده.
وذكر ابن شعبان قولاً ثالثاً: أنه يحد بعدد من رمي كان القذف مفترقاً أو في كلمة واحدة.
وقال ابن رشد في رسم العرية، من سماع عيسي: خالف المغيرة جميع أصحاب

مالك، وقوله هو القياس؛ لأنهم قالوا: القتل يأتي على كل الحدود، إلا الفرية؛ فإنه يحد ثم يقتل.
وفيها: مع سماع عيسي: من قذف قوماً، فلم يقوموا عليه حتى حد في شرب خمر.
فقد سقط عنه في كل فرية كانت قبله.
ابن رشد: لأنهما من جنس.
قلت: وقال اللخمي: هذا أبعد من الأول؛ لأن حد الخمر لا يرفع معرة القذف.
ابن حارث: روي ابن القاسم: وقال أشهب: لا يدخل حد القذف في حد الزنا، ويقام عليه الحدان.
وقال ابن الماجشون: يدخل حد الفرية في حد الزنا.
قال ابن الحاجب: ولو قذف قذفات لواحد أو جماعة؛ فحد واحد على الأصح، وثالثها: إن كان بكلمة واحدة، فتعقبوه بأن ظاهرة ثبوت الأقوال في الواحد والجماعة؛ وإنما هي في الجماعة حسبما تقدم.
قال اللخمي: إن كان يشرب الخمر مراراً، أو زني مراراً، أو افترى على رجل مراراً؛ أجزأ في ذلك حد واحد، واختلف إن قذف جماعة.
وفي رجمها: من قذف رجلاً، فحد له، ثم قذف ثانية؛ حد له ثانية.
وفي الكافي لابن عمر: من قذف إنساناً واحداً مراراً؛ حد له حداً واحداً، فإذا حد له ثم عاد فقذفه؛ لم يكن عليه شيء، ويزجر عن ذلك.
قلت: وفي اختصاره على هذا النقل دون ما في المدونة وغيرها نظر.
وقال اللخمي: إن قال له بعد الضرب: صدقت عليك أو ما كذبت، جلد ثمانين؛ لأنه قذف موثوق.
وقيل: لا شيء عليه إلا العقوبة في تماديه على ذلك، وقد كان أبو بكر متمادياً على قوله: كما تقدم في الشهادات.
وفيها: من قذف رجلاً، فلما ضرب أسواطاً قذفه ثانياً أو أخر، ابتدئ الحد عليه ثمانين من حين يقذفه، ولا يعتد بما مضي من السياط.

الباجي لابن الماجشون: إن مضي مثل الأسواط اليسيرة.
قال أشهب: والعشرة الأسواط يسيرة؛ تمادي وأجزأ لهما.
ولابن القاسم في الموازية: إن جلد للأول شيئاً، ثم قذف آخر استأنف الحد، وإن بقي مثل أسواط أو سوطاً تم، ثم حد للثاني.
محمد: وكذا إن بقي مثل العشرة والخمسة عشر، فليتم الحد ويأتنف.
قال أشهب: وإن ضرب نصف الحد، وأكثر أو أقل قليلاً، وليؤتنف من حينئذ الحد.
وقال ابن الماجشون: يبتدأ لهما، فهو على قول أشهب ثلاثة أقسام: قسم إن ذهب اليسير تمادي وأجزأ الحد لهما.
وقسم: إن مضي نصف الحد أو نحوه استأنف لهما؛ فكان ما بقي من الحد الأول لهما، ثم يتمم للمقذوف الثاني بقية حده.
وقسم ثالث: إن لم يبق إلا اليسير، فإنه يتم للأول ويستأنف للثاني.
وعلى مذهب ابن القاسم: قسمان: أحدهما: يستأنف من حيث القذف الثاني لهما، ولا يحتسب بما مضي من الأول.
الثاني: أن يبقي اليسير، فيتم الأول، ويستأنف للثاني، فيتم حد الأول، ثم يستأنف الحد الثاني، فلا يتداخل الحدان.
ابن رشد في المقدمات: لا خلاف أن القذف حق للمقذوف، واختلف هل يتعلق به حق لله أم لا على ثلاثة أقوال: أحدها: أن فيه حقاً لله، فلا يجوز فيه العفو، بلغ الإمام أم لا، وهو دليل سماع أشهب، وعليه يقيمه الإمام إن انتهي إليه رفعه صاحبه أو أجنبي.
والثاني: لا حق فيه لله، ولصاحبه العفو بلغ بلغ الإمام أم لا، وهو أحد قولى مالك في السرقة والرجم من المدونة.
والثالث: حق لصاحبه ما لم يبلغ الإمام، فإذا بلغه صار حقاً لله، ولم يجز لصاحبه العفو عنه؛ إلا أن يريد ستراً، وهو أحد قولي مالك.

ووقع في المدونة: فيمن قذف رجلاً عند الإمام، وهو غائب أنه يقيم عليه الحد إذا كان معه شهود.
فقال محمد: معناه إذا جاء المقذوف، وقام بحقه على أحد قولي مالك.
ولابن حبيب عن ابن القاسم وغيره: يقيمه عليه، وإن كان المقذوف غائباً، وهذا على قول مالك الآخر.
اللخمي: اختلف قول مالك في حد القذف، هل هو حق له أو للقذف؟ فجعله مرة للمقذوف، فأجاز عفوه عنه، وإن بلغ الإمام، ومرة جعله لله، فلم يجز عفوه، ولو قبل الإمام؛ إلا أن يريد ستراً، ولم يختلف أن عفوه جائز، إذا أراد ستراً، وهذا يحسن فيمن لم يعرف بذلك، وكان ذلك منه فلتة.
قال ابن الحاجب: وحد القذف من حقوق الآدميين على الأصح.
ثم قال: وعليهما تحليفه عليه.
قال ابن عبد السلام: أما عدم توجه هذه الدعوى على أنه حق لله فصحيح، وأما توجهها على كونه حقاً لآدمي، ففيه نظر إلا لو كان حقاً مالياً، وأما إذا كان حقاً بدنياً فلا يلزم.
وقد قال أشهب - وقدمناه -: إن القاتل إذا ادعي على ولي الدم أنه عفا عنه لم تتوجه عليه هذه الدعوى أي: لم يحلف لها.
قلت: في كلامه هذا وهم من وجهين: الأول: أن القاعدة أنه لا يستشكل التخريج المطلق على أصل المذهب، إلا لمخالفته المشهور، لا لمخالفته غير المشهور، مع موافقته المشهور، واستشكاله هذا؛ إنما يتقرر على قول أشهب، وليس بمشهور المذهب، ولا سالم عن مخالفته المشهور، وبيانه أنه بناه على قول أشهب، بعدم توجه دعوى العفو عن الدم.
والمشهور صحة توجهها في كتاب الديات منها ما نصه: وإن أدعي القاتل أن ولي الدم عفا عنه، فله أن يستحلفه، فإن نكل ردت اليمين على القاتل، وإن أدعي القاتل بينه بعيده على العفو تلوم له الإمام.

الصقلي: يحلف يمينًا واحدة لا خمسين يميناً، لأن المدعي عليه، إنما كان يحلف يميناً واحدة أنه ما عفا عنه، فهي اليمين المردودة ولم يذكر في المسألة خلافاً.
وقال عياض في المسألة: قالوا: يخرج منه إلزام اليمين في الدعوى المجردة، وفي دعوى المعروف من هبة وكراء المسكن وهبته، ودعوى الإقالة وشبهه، وهو أصل متنازع فيه، ولهذا لم ير أشهب في مسألة العفو يميناً، واختلف شيوخنا في التنازع فيه.
فقيل: هو اختلاف من قوله في الباب كله.
وقيل: بل هو اختلاف حال، فلا يلزم اليمين بمجرد الدعوى، وتلزمه مع وجود التهمة.
الثاني: أن من طالع كلامه هذا يعتقد أن المذهب أو المعروف منه عدم توجه دعوى العفو عن الدم، وذلك مغلطة فتأمله منصفاً.
وفي الأقضية منها: وإذا سمع السلطان قذفاً، فإن كان معه شهود، لم يجز فيه عفو الطالب؛ إلا أن يريد ستراً، مثل أن يخاف أن يثبت ذلك عليه إن لم يعف.
قيل لمالك: وكيف نعرف ذلك؟ قال: سئل الإمام عن ذلك سراً، فإن أخبر أن ذلك أمر قد سمع، أجاز عفوه.
الشيخ عن الموازية: معني إذا أراد ستراً.
قال مالك: مثل أن يكون ضرب الحد قديماً؛ فيخاف أن يظهر ذلك عليه الآن.
وقال ابن الماجشون: قول مالك: إذا أراد ستراً يعني إذا كان مثله يفعل ذلك، ولا يكلف أن يقول: أردت ستراً، لأن قول ذلك عار، فأما العفيف الفاضل، فلا يجوز عفوه.
الصقلي عن محمد: وهذا إذا قذفه في نفسيه، وإن قذف أبويه أو أحدهما، وقد مات المقذوف، لم يجز العفو فيه بعد بلوغ الإمام، وقاله ابن القاسم وأشهب.
قلت: وفي النوادر قال: قال محمد: ويجوز عفو الولد عن الأب عند الإمام، قاله مالك، قال: ويجوز عفوه عن جده لأبيه عند الإمام كأبيه، وأما عن جده لأمه فلا.
قلت: مقتضي قولها في نسبه إلى جده لأمه أنه كنسبه إلى جده لأبيه أنهما سواء.

الشيخ: في الموازية وسماع ابن القاسم: من ادعي على رجل أنه قذفه ولا بينه له؛ فلا يمين في ذلك إلا أن يقيم شاهداً فيحلف، وإن نكل سجن أبداً حتى يحلف، وقاله ابن القاسم.
قال محمد: لم يختلف أصحاب مالك، أنه يحبس أبداً حتى يحلف.
قال أصبغ عن ابن القاسم: إن طال سجنه خلي، والطول فيه سنة.
قلت: مسألة العتيبة هي في رسم الشجرة، وفي لفظها لم يختلفوا أنه قال: يسجن حتى يحلف.
ابن رشد: اختلف إن لم تكن له بينه على دعواه على ثلاثة أقوال: أحدها قول: في هذا السماع.
والثاني قوله في رسم العقول والجنائز من كتاب الجنايات، أن عليه اليمين.
والثالث سماع أصبغ في الجنايات: لا يمين عليه إلا أن يكون مشهوراً بذلك، فإن حلف - على القول بحلفه - بريء وإن نكل سجن حتى يحلف ما لم يطل ذلك، فإن طال خلي ولم يؤدب.
وقال أصبغ: يؤدب إن كان معروفاً بالأذى واختلف إن كان له شاهد واحد على دعواه على ثلاثة أقوال: أحدها: قوله في هذا السماع.
والثاني: إن عرف بالشتم والسفه عزز ولم يحلف، وإن لم يكن معروفاً بذلك أحلف، قاله مالك في سماع أشهب في الشهادات إلا أنه ضعف اليمين.
الثالث: أنه يحلف مع شاهده ويحد له، قاله مطرف، وهو شذوذ.
ويتخرج فيها قول رابع: أنه لا يحلف معه في الفرية، ويحلف معه فيما دون الفرية من الشتم.
قلت: وتقدم هذا.

جارٍ التحميل