كتاب الرضاع
الرضاع: عرفاً وصول لبن آدمي لمحل مظنة غذاء آخر لتحريمهم بالسعوط والحقنة، ولا دليل إلا مسمى الرضاع، لبن أنثاه محرم إجماعاً، وفي لغو لبن الرجل ثالثها: يكره للمشهور، وابن اللبان الفرضي مع اللخمي وبعض شيوخه، وابن شعبان
الجزء: 4 - الصفحة: 493
عن رواية أهل البصرة.
اللخمي: يحتمل أن يريد مالك بالكراهة التحريم، ولغير واحد عن ابن سحنون عن ابن القاسم: الماء الأصفر من الثدي لغو لا يحرم إلا اللبن المغذي.
وفي اعتبار لبن صغيرة لا توطأ ولغوه نقل اللخمي عن ظاهر المذهب والجلاب.
قُلتُ: وهو قول الكافي.
والمعروف لبن الميتة كالحية.
ابن بشير: يجري في المذاكرة نقل لغوه، وعزاه ابن شاس لنقل ابن شعبان.
وفيها: إن رضع صبي ميتة علم بثديها لبن حرم، وقول ابن الحاجب في لبن من نقصت عن سن المحيض قولان، وقبوله ابن عبد السلام لا أعرفه، وقول ابن هارون: إنما ذكر الأشياخ الخلاف فيمن لم تبلغ حد الوطء صوابٌ، وقول ابن عبد السلام: قال ابن رُشد: لبن الكبيرة التي لا توطأ من كبرٍ لغوٌ لا أعرفه؛ بل في مقدماته تقع الحرمة بلبن البكر والعجوز التي لا تلد، وإن كان من غير وطء إن كان لبناً لا ماءً أصفر، ومفهوم قول أبي عمر في الكافي: لبن العجوز التي لم تلد إذا كان مثلها يوطأ يحرم مثل ما نقل عن ابن رُشد.
وفيها: لغو رضاع الكبير غير مقارب الحولين.
الباجي: لم يأخذ بالتحريم برضاع الكبير أحدٌ من الفقهاء، وانعقد الإجماع على خلافه.
قال محمد: لو أخذ أحدٌ بحديث سهلة: ((أرضعيه خمس رضعات)) في الحجاجة فقط لم أعبه، وتركه أحب إلي.
والمخلوط بطعامٍ أو دواءٍ- واللبن غالب- محرم وعكسه فيها لغو، وحرم به الأخوان، وصوبه اللخمي في الطعان والدواء غير المبطل غذاؤه.
قال: وغيره مشكل، وعزا ابن حارث الثاني لابن حبيب عن أصحاب مالك، وعلى المشهور في اعتبار لبن امرأتين خلطاً مطلقاً وإلغاء المغلوب منهما كالطعام تخريج ابن محرز على إضافة لبن ذات زوج بعد زوج لهما.
الجزء: 4 - الصفحة: 494
ونقل عياض تردد بعضهم فيه والتخريح أحروي، لتحقق مقارنة وجود كل من اللبنين الآخر في لبن المرتين وعدمه في لبن الرجلين.
ونقل ابن عبد السلام تخريج ابن محرز رواية لا أعرفه.
وفيها: المصة الواحدة تحرم ورضاع الشرك والرق كمقابليهما والوجور كالرضاع.
الباجي: روى ابن حبيب: القطرة الواحدة تحرم، وفي التحريم بالحقنة به مطلقاً أو بشرط كونه غذاء، ثالثها: بشرط إن لم يطعم ويسقى إلا بالحقنة عاش، ورابعها: لغوها للباجي مع اللخمي عن ابن حبيب، ولها ولهما عن محمد ولابن المنكدر حكى بعض المصريين عن مالك: أن الحقنة لا تحرم، ونقل ابن بشير قول محمد تفسيراً لها وأبعد وجوده، وفي التحريم بالسعوط مطلقاً، أو إن وصل للجوف قولاً ابن القاسم ابن حبيب معها، وفي الكحل به مخلوطاً بعقاقير توصله للجوف ولغوه قولاً ابن حبيب وابن القاسم، فما في الحولين لمستمر الرضاعة محرم.
وفي لغوه فيما زاد عليها مطلقاً، وتحريمه في يسيره نقل الباجي عن ابن الماجشون مع أبي الرج والمعروف، وعليه في قدرها للخمي خمسة في المختصر لمالك الأيام اليسيرة، وله في الحاوي كسحنون: نقصان الشهور.
ابن القصار: شهر، ورواه عبد الملك، وفيها: شهران، وروى الوليد: ثلاثة.
قال: هذا في مستمر الرضاع أو الأكل معه ما يضر به الاقتصار عليه دون رضاع.
ولابن القاسم: إن فطم ثم أرضعته امرأةٌ بعد فصاله بيومين أو ما أشبه ذلك حرم؛ لأنه لو أعيد للبن كان قوة في غذائه.
قُلتُ: هو نصها له ولمالك في الحولين وبعدهما.
وسادسها: نقل ابن رُشد يومان، ولو انتقل لطعام قبل الحولين ففي لغو رضاعه بعد زيادة على يومين وتحريمه، قولها، نقل اللخمي عن الأخوين مع أصبغ قائلاً: إن كان مصتين لم يحرم، وإن رد للرضاع دون طعام حرم.
وعزو الباجي ابن حارث والشيخ الأول لأصبغ خلاف عزو اللخمي، وعزا ابن حارث الثاني أيضاً لابن حبيب وابن نافع وعيسى في العتبية ولم أجده فيها.
الجزء: 4 - الصفحة: 495
باب ما يثبت به التحريم من الرضيع من موضعه
والرضاع: يثبت أمومة المرضعة وأبوة من له لبنها بوطء يلحق ولده به كالولادة.
باب في النسبة الملغاة في الرضاع
والنسبة فيه، إن لم تماثل في النسب أو الولادة ألغيت؛ فنسبة أخ الأخ غير
الجزء: 4 - الصفحة: 496
آيلة لغير ذلك لغو، وإلا اعتبرت فمحرمهما في أحدهما محرم كابنة الأب فيه وابنة الأم، ومقابله مقابله، كابنة العم فيه وابنة الخالة وهي معتبرة، ولو تأخر فيها الرضاع عن محل موجبه، ونذكر مسائل تمثيلاً.
باب النسبة الموجبة التحريم في الرضاع
فيها: من تزوج صبية فأرضعتها أمه أو أخته أو جدته أو ابنته أو ابنة ابنه أو امرأة ابنه أو امرأة أخيه أو بنت أخيه أو أخته حرمت عليه.
الجزء: 4 - الصفحة: 497
وسمع سحنون ابن القاسم في أخوين ولد لأحدهما جاريةٌ وللآخر غلامٌ فأرضع أحدهما أم أبويهما لا يتناكحان أبداً.
ابن رُشد: إن أرضعت الصبي صار عما للصبية وفي العكس العكس، وهذا إن كان الأخوان شقيقين أو لأم، وكذا إن كانا لأب فأرضعت أحد الصبيين جدته أو جدة الآخر بلبن من وطء الجد، وغن كان من غير وطء الجد لم يوجب تحريمها؛ لأن أخت العم وعمة الأخر من الرضاعة والنسب حلال كأخت الأخ وعمة العم، وسمعه أصبغ: من وطئ مرضعة صبية بملك أو نكاح حرمت على بنية.
ابن رُشد: على قول فقهاء الأمصار أن اللبن للفحل يحرم كما يحرم من قبل الأم، وسمعه: من له امرأتان أرضعت إحداهما أخاه صغيراً حرمت على الرضيع الأخرى.
أصبغ: من أرضعته جارية جده بلبن من وطئه حرمت عليه بنات عمه.
قال: ومن أرضعتها جدتها لأمها حرمت على ابن عمها إن كان ابن خالتها؛ لأنها صارت خالته وإلا فلا.
وفي شرح العمدة للشيخ تقي الدين ما نصه: استثنى الفقهاء من عموم قوله (عليه السلام): ((يحرم من الرضاعة من النسب)) أربع نسوة يحرمن من النسب، وقد لا يحرمن من الرضاع.
الجزء: 4 - الصفحة: 498
الأولى: أم أخيك وأم أختك من النسب هي أمك أو زوجة أبيك كلتاهما حرام، ولو أرضعت أجنبية أخاك أو أختك لم تحرم.
الثانية: أم نافلتك، أما بنتك أو زوجة ابنك كلتاهما حرام، وفي الرضاع قد لا تكون كذلك بأن ترضع أجنبية نافلتك.
الثالثة: جدة ولدك من النسب أمك أو أم زوجك كلتاهما حرام، وفي الرضاع قد لا تكون أما ولا أم زوجك كما إذا أرضعت أجنبية ولدك فأمها جدة ولدك وليست بأمك ولا أم زوجتك.
الرابعة: أخت ولدك من النسب حرام؛ لأنها ابنتك أو ربيبتك، ولو أرضعت أجنبية ولدك فبنتها أخت ولدك وليست ببنت ولا ربيبة.
قُلتُ: قوله هذا مع جلالة قدره وحلوله بالدرجة الرفيعة في الأصول والروع غلطٌ واضحٌ؛ لأن الاستثناء من العام بغير أداته، وهو التخصيص إنما هو فيما اندرج تحت العام لا فيما لا يندرج تحته حسبما تقرر في سم التخصيص، كقول ابن الحاجب وغيره قصر العام على بعض مسمياته، وقول أبي الحسين: إخراج بعض ما يتناوله الخطاب وغيرهما من التعريفات الملزوم جميعها أن التخصيص إنما هو فيما اندرج تحت العام، والعام في مسألتنا هو قوله (صلى الله عليه وسلم): ((ما يحرم من النسب))، والنسوة المذكورات المدعى تخصيص العام المذكور بهن لا شيء منها بمندرج تحت ما يحرم من النسب بحال، أما ما في المسألة الأولى فما ثبت فيه التحريم بالنسب لا بالاندراج تحت قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) [النساء: 23]، وتحت قوله تعالى: (وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) [النساء: 22]، وبالضرورة أن المرأتين المذكورتين في الرضاع لا يصدق على واحدة منهما أنها أم بالرضاع ولا منكوحة أب به، وإنما غره في ذلك توهمه أن التحريم في صورتي النسب ثبت في المرأتين من حيث كون إحداهما أم أخيك، ومن حيذ كون الأخرى أم أختك، وذلك وهم يدركه من تأمل وأنصف،
الجزء: 4 - الصفحة: 499
وتقرير هذا في سائر المسائل واضح فلا نطول بذكره، وإذا ثبت عدم اندراجها تحت العام المذكور امتنع كونه مخصصاً بها، ولا أعلم من ذكر هذه المسائل على أنها مخصصة للحديث كما زعمه، إنما أشار ابن رُشد بها إلى بيان اختلاف الحكم في مسمى اللفظ الإضافي، وهو أم أخيك وأم أبيك، فإنه في المعنى النسبي التحريم، وفي الرضاع ليس كذلك، وكذا في سائرها.
ولبن وطء الحرام للمرضعة محرم اتفاقاً.
وفي الرجل: قال اللخمي: إن لحق به الولد حرم له كمتزوج ذات محرم جهلاً أو عمداً على عدم حده، وفيما لا يلحق به كالزنا والغصب قول ابن حبيب قائلاً إليه رجع مالك، وأول قوليه ابن رُشد: بالثاني.
قال سحنون: وقال ما علمت من أصحابنا من قال لا يحرم إلا عبد الملك وهو خطأ صراح، وقد أمر (صلى الله عليه وسلم) سودة أن تحتجب من ولد ألحقه بأبيها لما رأى من شبهة بعتبة.
محمد: إن أرضعت بلبن الزنا صبية لم تكن ابنة لمن زنا بها، فإن تزوجها لم أقض بفسخ نكاحه، وأحب اجتنابه من غير تحريم.
اللخمي: في التحريم بلبن واطئ أمته حاملاً من غيره قولا سحنون مع ابن القاسم ومالك وابن شعبان، وفي عتق ذلك الحمل عليه بحكم أو دونه، ثالثها: لا عتق لليث ورواية ابن حبيب وسحنون: وتحرم عليه إن كانت جارية.
وفي كون رضيع من تزوجت فأتت بولد لأقل من ستة أشهر بلبنها بعد الوضع ابناً للأول أو لهما قولا ابن شعبان وابن القاسم قائلاً: وإن لم يكن لها لبن متحرك؛ لأن الوطء يخرجه ويدره.
اللخمي: يريد: أن قرب اللبن من الوطء، وإن بعد وصار لها لبنٌ على المعتاد للحامل عند الوضع ضعف أمر الثاني.
الجزء: 4 - الصفحة: 500
عبد الحق في بعض التعاليق عن أبي عمران: لم يختلف أصحابنا في أن لبن الآتية بولد لأقل من ستة أشهر لنكاحها في عدتها أنه للزوجين معاً، وكذا الولد المنفي إذا نفاه أحد الزوجين أو نفياه، فلبنه لهما.
وفي كون لبن الأمة تلد من وطء سيدها في طهر ما ألحق بأحدهما لهما أو لمن ألحق به نقلا اللخمي عن محمد وابن شعبان.
وفي كون لبن من صار لها بوطء من تزوجها في العدة، أو وطء من ملكها في استبرائها لهما أو للأول نقلاه عنهما.
وقول ابن شاس وابن الحاجب وقبوله ابن عبد السلام: المنكوحة إن وطئت بشبهة فأنت بولد محتمل فلبنها لمن ينسب إليه الولد، وقال محمد: لهما يقتضي أن المذهب الأول خلاف ما تقدم للخمي إنما عزاه لابن شعبان.
الشيخ عن كتاب ابن سحنون: من وطئ أمته وهي متزوجة أو بعد أن طلقت وهي حامل أو مرضع أو كانت أمة لعبده فلبنها للزوج والسيد لحق الولد بالزوج أو عبده.
وفيها مع غيرها: لبن الواطئ له ما استمر.
قُلتُ: ظاهره ولو طال.
عبد الحق: ذكر لأبي عمران أن سحنونا قال: من طلق زوجته وتمادى بها اللبن إن جاوزن خس سنين، وهي مدة ما تلحق فيها الأنساب، انقطع كونه له، فقال: ما أعرفه له، ولم أره في كتاب ابنه في الرضاع، وقد استقصاه فيه، ووجهه إن صح أن الرضاع لا يكون أقو من النسب، وإن كان يعترض هذا بمن أسنت وقعدت عن الحيض فتزوجت ودرت ثم طلقها الزوج وهي لا تحمل فليس العلة الحمل، وكان الشيخ ترجح فيه، ونحا إلى أن قول سحنون خلاف المدونة، ذكر فيها: إذا لم ينقطع اللبن من غير حد ولو وطئ ذات لين زوج ثانٍ ففي كون لبنها لهما ولو ولدت، وكونه للثاني فقط، ثالثها: بولادته للباجي عن ابن القاسم مع رواية ابن نافع وابن زرقون عن محمد، والمشهور وابن شعبان عن ابن وهب وكتاب الوقار.
عبد الحق: قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه العلم أن حكم لبن الزوج
الجزء: 4 - الصفحة: 501
الأول ينقطع بولادتها من الثاني، وإنما الخلاف إذا حملت منه.
وفي الموازية عن مالك: أنها إن وضعت من الثاني لا ينقطع حكم لبن الأول، وذكر اللخمي الأخيرين، وقال فيها: هو ابن لهما، وإن حملت من الثاني، وفي الموازية: وإن ولدت.
وفي كونهما عنده قولين فتصير الأقوال أربعة نظر، ومقتضى قول ابن زرقون أنهما قول واحد، ولفظ الباجي: لو تزوجت مرضع بعد عدتها فحملت ثم أرضعت طفلاً، فقال ابن القاسم: هو ابن لهما ما استمر لبن الأول، ورواه ابن نافع، ولم يذكر محمد فحملت ولا معنى له، إنما المعتبر وطئه، وقاله القاضي، ورابعها: لابن بشير: ينقطع عن الأول بحملها.
اللخمي: أرى إن حدث لبنها بوطء الأول استمر حكمه، ولو طال بعد ولادتها ما لم يبعد بعد قطعه، فيخص الأول إن عاد وطؤه، وإن كان لبنها قبل الأول وتعلق حكمه؛ لأنه كثره انقطع بطول عهده، مما يرى أنه عاد لما كان قبل وطئه، ولو أمسك الثاني عن وطئها زمناً طيلاً وعاد لبنها لما كان عليه سقط حكمه، ولو وطئها ثالث بنكاح ولبن ولادة الأول مستمر سقط حكم الثاني بطول عدم وطئه ولبنها للأول والثالث.
باب في الغيلة
والغيلة: في كونها وطء المرضع أو إرضاع الحامل قل مالك، ونقل اللخمي، وعزاه أبو عمر للأخفش.
وفيها: عزوه لناس والمذهب لا يكره.
الصقلي في الواضحة لابن الماجشون: الغيلة وطء المرضع، حملت أم لا، أنزل أم لا، العرب تتقيه شديداً.
أبو عمران: ما أدري قوله: أنزل أم لا، وما هي إلا مع الإنزال إلا أن يزيد ماؤها في تضعيف اللبن.
الباجي: من استؤجرت لإرضاع بإذن زوجها، ففي منع ولي الرضيع زوجها
الجزء: 4 - الصفحة: 502
وطأها مطلقاً، أو إن شرطه في العقد أو بان ضررها للصبي قولا ابن القاسم وأصبغ.
وحدوث أخوة الزوجتين يوجب تخيير الزوج في فراق إحداهما، وتقدم قول ابن بكير في فصل إسلام الزوج عليهما، وفي غرمه لمن ترك منهما نصف مهرها أو ربعه، ثالثها: لا غرم لعبد الحق عن ابن حبيب ومحمد، ولشيخ عن ابن القاسم في غير الموازية، وحكم إغرام متعمدة إرضاع الفسخ تقدم فيه.
وفيها: إن شهدت بينة بإقرار احد الزوجين بأخواتهما برضاع قبل نكاحهما فسخ.
اللخمي: إقراره يوجب فراقه مطلقاً، وعليه المهر إن بنى وإلا فلا إن تقدم على عقده، وإلا فكطلاقه إن كذبته، وإلا سقط النصف، وإقرارها قبل العقد يفرق وبعده إن صدقها وإلا فلا، والفرقة بإقرارها تسقط مهرها.
اللخمي: ولو دخلت لأنها غارة إلا أن يدخل عالماً به فيجب.
قُلتُ: لعبد الحق عن ابن الكاتب: إن غرت ترك لها ربع دينار، وقبله الصقلي والمتيطي كاللخمي في إطلاق غرمها الصداق.
الصقلي عن ابن القاسم: ليس قول الرجل: هذه أختي، أو قول المرأة: هذا أخي كقول الأجنبي فيهما؛ لأن إقرارهما على أنفسهما كالبينة القاطعة.
قُلتُ: يجب تقييد قوله: أختي وأخي بزيادة من الرضاعة نصاً أو سياقاً لسماع القرينين: من تزوج امرأة شهد عليها أنها كانت تقول لمن تزوجها قبل نكاحها: أخي أخي لم تحرم عليه، في كلام الناس قول المرأة للرجل: أخي أخي ولا قرابة بينهما.
ابن رُشد: لأن المؤمنين بعضهم لبعض إخوة، كقول الرجل لزوجته: يا أختي لا يكن طلاقاً، كقول رجل لصبي لا يعرف نسبه: يا بني افعل كذا لا يكون استلحاقاً.
قُلتُ: ولا قذفاً لمعلم النسب.
وفيها: لو قال الأب: رضع فلان أو فلانة مع ابنتي الصغيرة أو مع ابني الصغير ثم قال: أردت اعتذار لم يقبل.
ابن القاسم: وإن تناكحا فرق بينهما، فإن رشد الولد ففي كونه كذلك وصيرورته كأجنبي، ثالثها: إن كان أنكحه صغيراً لنقل اللخمي مع الصقلي كأنه المذهب، وقول اللخمي: كأنه المذهب، وأبي حفص العطار مع قول عياض: إن لم يعقد الأب النكاح
الجزء: 4 - الصفحة: 503
حتى رشد ابنه وابنته وجاز أمرهما فهو كأجنبي، واختلف إن فسخ نكاحهما بقوله: (ثم رشداً) هل تأبيد تحريم كالحكم بصحة رضاعهما، وهو قول غير واحد أو لا.
وفيها: إن قالت الأم: أن فلاناً ابن عمها كانت أرضعته، ثم قالت: كنت كاذبة، إنما أردت منعه منها لم يقبل رجوعها، ولا أحب له تزويجها، وفي ثاني أنكحتها.
قُلتُ: وكذا أمي إذا لم تزل يسمعونها تقول: أرضعت فلانة فلما كبرت أردت تزوريجها.
قال: قال مالك: لا يتزوجها، ففي كونه نهي تحريم أو تنزيه والأم كغيرها، ثالثها: إن كانت وصياً لابن حبيب مع محمد وفضل مع يحيي بن عمرو وعياض قائلاً: هو بين في كتاب الرضاع، ونقله.
وسمع عيسى ابن القاسم في كتاب النكاح: من قال في امرأة أراد تزويجها فقالت له أمه: أرضعتها، امرأته طالق إن كانت حلالاً إن لم أتزوجها، أرى أن تطلق امرأته ولا يتزوجها، فإن اجترأ وتزوجها لم يقض عليه بطلاقها؛ لأنه لا يكون في الرضاع إلا امرأتان.
ابن رُشد: لم يقض بطلاقها؛ لأن تزويجه إياها مكروه لا حرام؛ لأنه (صلى الله عليه وسلم) أخبر برضاع امرأة فتبسم، وقال: ((كيف وقد قيل))، وقال: ((الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه)) فندب (صلى الله عليه وسلم) إلى اتقاء الشبهات ولم يحرمها، وهذا من الشبهات؛ إذ لا يوقن بصحة قول أمه، ولا يجب عليه تصديقها؛ لاحتمال إرادتها منعه نكاحها، إلا أن يكون فشا قولها ذلك فيحرم عليه نكاحها.
الجزء: 4 - الصفحة: 504
وفيها لابن القاسم: إن شهد برضاع الزوجين أمهاتهما لم تقبل شهادتهما إلى أن يكون فشا من قولهما قبل النكاح.
قُلتُ: فهما كالأجنبيات في قول مالك.
قال: نعم في رأيي.
اللخمي: فعليه لا يقبل قول إحداهما أنها أرضعت الآخر، وشهادة امرأتين به إن فشا قولهما به قبل نكاح الرضيعين يثبت، وإلا ففي لغوها وإعمالها نقلا اللخمي عن ابن القاسم مع مالك والأخوين مع ابن وهب وابن نافع أصبغ: وصوبه بأن سكوتهما قد يكون لعدم الحاجة إلا أن يسكتا بحضرة نكاحهما.
وعزا ابن رُشد لسحنون قال: ومعناه إذا كانتا عدلتين، ولا يشترط مع الفشو عدالتهما على قول ابن القاسم وروايته.
قال: وفي قبول شهادة الواحدة مع الفشو قولان لسماع ابن القاسم مع ظاهر ثاني نكاحهما وقول رضاعها.
المتيطي: لابن حبيب عن ابن القاسم: من شهدت امرأته برضاعه مع زوجته وكان قولها فاشياً يؤمر بفراقها دون قضاء.
ابن رُشد: شهادة امرأتين مع الفشو جائزة، والواحدة دون فشو لغو، اتفاقاً فيهما وفي غيرهما ما تقدم.
ابن بشير: يؤمر بالتنزه في المرأة الواحدة دون فشو، وفي كون الفشو المعتبر في شهادة المرأة فشو قولها ذلك قبل شهادتها، أو فشوه عند الناس من غير قولها قولان لظاهر ما تقدم، وقول المتيطي: هو اشتهاره في المعارف والجيران والأهلين، وفشوه من غير قول المرأة الشاهدة.
ابن حارث: واتفقوا على الفرقة بينهما بشهادة امرأتين برضاعهما مع الفشو، وهو الاتفاق خلاف نقل ابن القصار عن ابن القاسم: لا يقبل منهن أقل من أربعة ولم يعزه المازري إلا للشافعي وعطاء.
المتيطي وابن عات عن أبي محمد الوتد: أداء شهادة المرأتين لا يكون إلا معاً، لا يجوز مفترقتين محتجاً بقوله تعالى: (أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى) [البقرة: 282]، وضعفه ابن فتحون وغيره.
وفيها جبر ذات الزوج أو طلاق لم تبن به على رضاع ولدها منه، ما لم يكن مثلها لا
الجزء: 4 - الصفحة: 505
يرضع لشرفها أو مرضها أو قطع لبنها.
اللخمي: لذات الشرف رضاعه بأجر.
وفيها: إن مات أبوه وله مال استؤجر له، والأم أحق به إن قبل غيرها وإلا لزمها بأجر، فإن لم يكن له مال ففي لزومه في لبنها معروف المذهب، ونقل الصقلي عن القاضي: هو من فقراء المسلمين، فإن لم يكن لها لبن ففي وجوبه في مالها سماع أصبغ، ونقل ابن رُشد عن إسماعيل القاضي والتونسي: فإن بانت ولا حمل فعلى الأب، فإن أعسر ولم يقبل غيرها لزمها، ولو قبله ففي لزومها رضاعه أو الأجرة له أو على بيت المال قولا المشهور والجلاب.
وسمع القرينان: من طلق امرأته حاملاً ترضع عليه نفقة حملها ورضاعها معاً.
ابن رُشد: في الرضاع منها على المرأة رضاع ولدها بعد طلاقها في عدتها ما دامت النفقة على الزوج، فجعله بعض الناس خلاف هذا السماع وليس بصحيح؛ لأن قوله في الرجعة الرضاع عليها؛ لأنها في عصمته، ونفقة البائن لحملها ووجوبها لحملها لا يسقط أجر رضاعها الواجب لها بقوله تعالى: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) [الطلاق: 6].
قُلتُ: قول بعض الناس هو قول ابن سهل دليل المدونة ليس لها إلا نفقة الحمل، وهو الأظهر، وحيث وجب للأم بأجر فهو أجر المثل.
قاله ابن الكتاب وغير واحد.
وفي طرر ابن عات: إن اختلفا في الأجرة؛ فحكى ابن فتحون عن أبي الليد بن ميقل: أنه سئل عن ذلك، فقال: على الزوج الموسر ديناران في الشهر، وعلى المتوسط دينار وأربعة دراهم، وعلى العامل بيده دينار، وإن لم ترض الأم فللأب أخذه إلا أن لا يقبل غيرها، فتجبر على إرضاعه بأجر مثله.
ابن عات: ولا سكنى للرضيع مدة رضاعه؛ لأن مسكنه حجر أمه.
قال: كذا في بعض الكتب.
قُلتُ: لابن سهل عن ابن عتاب: المطلقة المرضعة المخدومة قبل طلاقها لا خدمة لها، ويحتمل أن تزاد في الأجرة لمؤنة الولد.
ابن سهل: وفي المدونة: في إرخاء الستور خلاف هذا في باب نفقة الحامل.
الجزء: 4 - الصفحة: 506
وقال ابن وهب: لا خدمة عليه له، وبه جرى العمل؛ فلو وجد مرضعة بدونه أو مجاناً، ففي سقوط حقها إلا بما وجد.
نقل ابن رُشد روايتي ابن وهب وابن القاسم فيها، وصوبه اللخمي: إن قل ما نقص عن أجر المثل، وعزا عياض الأول لسحنون، ولمفهوم بعض ألفاظها.
وفيها: ما عجز عنه من أجر المثل سقط.
وفيها: يكره استرضاع الكوافر، وأن يتخذن ظؤرة؛ لما يتغذين به ويغذين الولد، والفاجرة.
وروى ابن حبيب: لا بأس باسترضاع النصرانية إن أمن ما تغذيه به من خمر وخنزير، قد يكون فيها حسن أخلاق وطباع.
ابن حبيب: ورد النهي عن استرضاع الحمقاء.
الجزء: 4 - الصفحة: 507