له ذلك في التي ماؤها غير مأمون ولا تهمة في تعجيل كراء المأمونة، وفي غير المأمونة يتهمان لما انتفع به من تعجيل نقده في تخفيف الكراء عنه، فإن تم له الماء نال بتعجيله ما طلب وكان ما نقده بيعاً، وإن لم يتم له الماء رد ما نقد فصار تارة بيعاً وتارة سلفاً.
عياض: مفهومه فساد العقد وهو ما في الموازيَّة وظاهر قوله أن صاحب الكراء الصحيح على الماء الكثير أن هذا عنده ليس صحيح، وظاهر قوله صار تارة بيعاً وتارة سلفاً؛ لأنه إنما كره النقد لا العقد وعليه حملها بعضهم والأولى أولى والكلام الآخر إنما أتى به زيادة لتقليل الفساد، وأنه في النقدين يدخله علة أخرى كما علل بعلة ثالثة وهي التمكن من الإصلاح ومنعه منه حسبما ذكره.
قُلتُ: إنما يتصور دخول علة أخرى في مسألة النقد.
الصقلي في الموازيَّة: كراء أرض لا يكفي ماء بئرها فاسد وإن لم ينقد؛ لأنه مخاطرة إذ لا يدري يتم الزرع أم لا، وظاهر المدَوَّنة إنما كره النقد والأشبه أنه لا يجوز، والفرق بينها وبين أرض المطر أنه لا يقدر على رفع غرر المطر، وغرر البئر يقدران على رفعه بإصلاحها أو بكراء ما يكفيه ماؤها، وفرق الباجي بأنه في ذات البئر إنما دخل على القدر الذي رأى، وإن لم يكف زرعه لم يرجع بشيْ، وفي ذات المطر إن لم يأته ما يكفي زرعه سقط عنه الكراء.
أبو عمران: إنما منع مالك كراءها بشرط النقد لا مطلقاً، وقال القابسي: منعه مطلقاً، ولو لم يشترط النقد وفيها من أكرى أرضه الغرقة بكذا إن انكشف ماؤها، وإلا فلا كراء بينهما، وهي يُخاف أن لا ينكشف عنها جاز إن لم ينقد، ولا يجوز النقد إلا أن يوقن بانكشافه، وقال غيره: إن خيف أن لا ينكشف لم يجز وإن لم ينقد، وفي الموازيَّة لابن القاسم: كقوله فيها: ولم يحك محمد قول الغير بحال، وقال ابن شاس: إن علم عدم انكشافه لم يجز العقد، وإن كان الغالب انكشافه صح العقد، وإن استوى الاحتمالان فكذلك عند ابن القاسم، وقال غيره: إن خيف عدم انكشافه لم يجز العقد.
قُلتُ: مفهوم أول كلامه إن رجي انكشافه نادراً جاز كراؤها، ومفهوم ثانيه وثالثه منع كرائها، وعليه بنى ابن الحاجب كلامه في نقله على المذهب فقال: لا يجوز استئجار
أرض المزارعة وماؤها غائر، وانكشافه نادر، وظاهر المدَوَّنة ولموازيَّة: جوازه، وإنما منعه فيها غير ابن القاسم.
وشرط منفعة في الأرض كشرط نقد بعض كرائها:
فيها: من اكترى أرضاً على أن يكريها ثلاث مرات، ويزرعها في الكراب الرابع جاز، وكذا على أن يزيلها بشيء معروف.
الصقلي وغيره: يريد: إن كانت مأمونة؛ لأن زيادة الكراب والتزبيل منفعة تبقى في الأرض إن لم يتم زرعه، فإن نزل في غير المأمونة، ولم يتم زرعه نظر كم زيد كراؤها؛ لزيادة ما اشترط على معتاد حرثها، وهو عندنا حرثه على كرائها دون ما اشترطت زيادته على المعتاد فيرجع بالزائد؛ لأنه كنقد اشترط فيها ولو تم زرعه فيها كان عليه كراء مثلها بشرط تلك الزيادة؛ لأنه كراء فاسد، وقاله التونسي.
قال ابن فتوح: انظر كيف تجوز مسألة الزبل، وقد قال: من باع صبغاً على أن يصبغ المبتاع البائع فيه ثوباً أو ثوبين لم يجز بيعه؛ لجهل المبتاع قدر ما يبقى له بعد صبغه الثوب من الصبغ، وكذا الزبل لا يدري ما بقي منه بعد قلع زرعه من الأرض.
قُلتُ: يفرق بأن الغرر في مسألة الصبغ هو في كل المشترى، وفي مسألة الزبل إنما هو في بعض عوض الأرض، وإنما نظير مسألة الصبغ كراء الأرض بتزبيلها فقط، وعزا غيره هذه المناقضة لفضل، وقال: طرح سَحنون اسمه على إحدى هاتين المسألتين وناقض بها قول مالك في منع بيع الزبل في البيوع الفاسدة.
الصقلي: ولو قيل: لو حرثها حرثه فلم يتم زرعه أن ذلك يزيد في كرائها في المقبلة لوجب أن يرجع عليه به إذا لم يتم زرعه، ونحوه لبعض القرويين.
قُلتُ: ونحوه للتونسي.
ابن شاس: يحتاج فيما استؤجر لسكنى دار أو حانوت أو حمام لمعرفة ما تختلف من منفعته، وتعلق الغرض به.
قُلتُ: فيها: من اكترى مائة ذراع من أرض معينة جاز إن تساوت، وإلا لم يجز حتى يعين موضعها.
قال غيره: لا يجوز حتى يعين ولو تساوت.
الصقلي: إنما منعه في المختلفة؛ لأنه لم يذكر قدر الأرض ولو ذكر قدرها لجاز وكان شريكاً بالعشر.
إن قال: هي ألف ذراع، قال ابن أبي زَمَنَيْن: وإنما منعه غيره؛ لأن من قول أصحاب مالك أن بيع ثوب من ثوبين متحدي الصفة، والقيمة يضرب عليهما بالقرعة أيهما خرج أخذه المشتري لا يجوز.
والكراء كالبيع رأيت هذا لبعض العلماء وهو صحيح.
الصقلي: ويلزم عليه منع كراء جزء شائع من الأرض لتأديته لاكتراء ما يخرجه السهم، وكذا الجزء جائز اتفاقاً، ولا ينظر إلى مآل القسمة لعدم لزومها لجواز بقائهما على الشركة فهي كطرو الاستحقاق فوجب لغو مآلها، وإنما العلة عند الغير أن الأرض لا تكاد تتساوى.
اللخمي وابن رًشْد وابن شاس: والمعتبر في أجر منفعة الربع ما لم تتغير فيه غالباً فيجوز فيه العقد والنقد، وما لا يؤمن تغيره لطول مدته أو ضعف بنائه جاز فيه العقد لا النقد، وما غلب الظن بعدم بقائه لمدة لم يجز العقد عليه، له كراؤها عدة سنين غير معين لكل سنة قدراً من الكراء جائز كالأشهر في السنة.
قُلتُ: فيها: إن أكريت أرضاً ثلاث سنين بثلاثين ديناراً لكل سنة عشرة قال لا بل تحسب على قدر نفاقها كل سنة ليس ما ينقد فيه كالذي يتأخر نقده.
التونسي في الموازيَّة: ينقده إذا وجب النقد ثلث الكراء بخلاف اعتبار السنين إذا عطشت الأرض في بعضها؛ لأنه في النقد خفيف ليسارة الغرر فيه، وكذلك أجيز عقد الكراء إذا اختلف الأمر مع أن ما يتعجله غير معلوم ليسارته وبعد التخاطر؛ لأن حمله الثمن معلوم، وإنما المجهول ما ينوب هذه السنة.
قُلتُ: حاصله أنه جعل الحكم بتماثل السنين في نقد مناب كل سنة من الثمن منافياً للحكم بعدم تماثلها فيه إن وقع عطش في بعضها، وأجاب بيسارة الغرر وقلته حسبما قرره وفيه نظر؛ لأن الغرر إنما هو معتبر في إيجابه الفاسد وفيه يعفى عن يسيره لا في
اختلاف مناب آحاد المبيع من ثمنه، والجواب عن السؤال أن تقول باختلاف مناب آحاد المبيع من ثمنه حال حصوله كله لمشتريه لا يوجب فائدة؛ لأن جيده ورديئه قد حصل له بكل الثمن فكونه موزعاً على آحاده بالسوية أو التفاوة طردي غير مفيد شيئاً، واختلاف مناب آحادها منه حال حصول بعضها له، وتعذر بعضها مفيد لمشتريها قطعاً إذا تقرر هذا فاعتبار نسبة الثمن إلى آحاد المثمون عند النقد إنما هو باعتبار حصول كل آحاد المثمون لمبتاعه؛ لأن الأصل السلامة واعتباره بهذه الحال موجب كونه على التساوي لما قررناه واعتبار نسبته إليها في عطش بعض السنين إنما هو باعتبار حصول بعضها دون كلها موجب اعتبار نسبته إليها بحسب حالها واختلافها لما قررناه، ووجوب علم صفة المكتري يمنع كونه في الربع والأرض مضموناً؛ لأن من صفاته المعتبرة موضعه فوجب كونه معيناً وتعين للمتكاريين بالكل سنة من الكراء كالمتبايعين في السلع المعروف لغوه خلاف ما تقدم في الرد بالعيب عن المتيطي.
ومدة الكراء إن عينت لزمت العاقدين: فيها: إن أكرى سنة بعينها أو شهراً بعينه لم يكن لأحدهما فسخه.
عياض: إن نص على تعيين الشهر أو السنة، أو جاء بما يقوم مقام التعيين لزمهما اتفاقاً وصوره خمس هذه السنة أو هذا الشهر أو إلى سنة كذا أو سمى عدداً غير الواحد، كقوله سنتين أو ذكر أجلاً كأكريك إلى شهر كذا أو إلى سنة كذا أو نقده كراء شهر أو سنة أو أكثر كل ذلك لازم إن لم يقارنه ما يفسده أو يحله.
قُلتُ: وقاله اللخمي وابن رُشْد.
عياض: واختلف في ثلاث صور إن قال أكتري منك سنة بدرهم أو شهراً بدرهم قال أكثرهم: ظاهرها لزومه كالمعين وهو بين من قولها إن استأجر داراً سنة أو سنتين جاز وله أن يسكن لو سكن متى شاء فلو كان لربه الخيار لم يتركه ليسكن متى شاء، ومن قولها إن استأجرت داراً سنة بعد عشرة أيام من الشهر حسب هذه الأيام، ثم أحد عشر شهراً ثم تكمل مع الأيام التي ضمت من الشهر ثلاثين يوماً، وفي كتاب المدبر إن قال لعبده: أخذ مني سنة وأنت حر أو هذه السنة لسنة سماها فمرض حتى مضت
السنة؛ فهو حر.
قُلتُ: إنما تدل هذه على وجوب ابتداء مدة الكراء من يوم عقد ومثله لابن رُشْد فجعلا تعيين المدة لزوماً للزوم بعقد كرائها، وجعل ابن رُشْد الألفاظ الدالة على التعيين أربعة فقط التسمية كشهر كذا، والإشارة كهذا الشهر.
قال: فإن قال: هذا الشهر وهما في أول الهلال لزم بعدده كان تسعاً وعشرين أو ثلاثين، وإن كان في بعض الشهر لزمهما ثلاثون يوما من يوم العقد.
قُلتُ: زاده اللخمي، وقال ابن عبد الحكم في نذر صوم شهر يجزئه تسعة وعشرون يوماً، وتقدم قول ابن الماجِشُون في الصوم، وأرى إن تشاحا أن تزاد على تسعة وعشرين يوماً ليلة إن ابتدأ السكنى ليلاً ونهاراً إن ابتدأها نهاراً، ولو ابتدأ بعد مضي يومين من الشهر وكان ناقصاً أن لا يكون له غير ما مضي فقط؛ لأنه كمن ابتدأ من أوله.
ابن رُشْد: وكذا في هذه السنة وهما في أول الشهر لزمهما اثني عشر شهراً متصلة بالأهلة، ولو كانا في أول شهر غير المحرم، ولا يقع الكراء على باقي السنة إن قال أكري هذه السنة كل شهر بكذا، وقد مضى بعضها إلا ببيان لسماع عيسى ابن القاسم فيمن قال: لله على صوم هذه السنة، وقد مضى بعضها عليه صوم اثني عشر شهراً ومثله في سماع كتاب الأيمان بالطلاق، ثم ذكر الخلاف في تلفيق بعض اليوم والغاية، وقد تقدم في فصل العدة استيفاؤه، وعليه الخلاف في الكراء، وجعل اللفظ الثالث التنكير دون إضافة للمنكر.
قال: كقولك أكريك الدار شهراً أو سنة فيتعينان من يوم العقد كهذا الشهر أو هذه السنة سواء، كما تقدم مما يعد بالأيام والأهلة إلا في وجه واحد فرق في الموازيَّة فيه بينهما.
قال: إن قال أكريك شهراً بكذا فسكن شهراً، ودخل في الثاني وخرج قبل تمامه عليه بحساب ما أكري، ولو كان بعينه كان في الثاني كراء المثل، وقيل: إن كان أقل لم ينقص، وإن كان كراء المثل أكثر حلف وأخذه على اختلاف في اليمين؛ لأنها يمين تهمة
والرابع: قوله: أكري لوقت كذا وكذا.
قال: ويسميان الكراء دون تعيين مدته كقوله الشهر بكذا أو كل شهر بكذا أو في كل شهر بكذا أو في لفظ السنة، كذلك فالكراء غير لازم للمكتري الخروج متى شاء، ولو في أثناء الشهر ويؤدي من الكراء بقدر ما سكن، وللمكري إخراجه كذلك إلا أن يشترطا لزومه، وتعجيل الكراء كشرط التزامه.
قال ابن حبيب: وهو قول ابن القاسم، وألزمهما ابن الماجِشُون الكراء في الشهر الأول إذا قال: الشهر بكذا أو في كل شهر بكذا وكذا على قول السنة الأولى في قوله السنة بكذا، أو في كل سنة بكذا، وروى ابن أبي أويس في البيوت التي تكرى شهراً بشهر إن خرج في شهر لزمه كراؤه، وإنما يكون عليه بحساب ما سكن إن تكارى كل يوم بدرهم، ففي كون كراء الدور مشاهرة مخلاً مطلقاً فيما لم يسكن لزومه في أول شهر فقط، ثالثها لزوم الشهر بسكنى بعضه أولا كان أو غيره لابن القاسم، وابن الماجِشُون ورواية ابن أبي أويس، والثلاثة جارية في كرائها مساقاة.
قُلتُ: ما عزاه لابن الماجِشُون عزاه اللخمي لرواية الأخوين وصوبه بأنهما أوجبا بينهما عقداً لا خيار فيه، فوجب حمله على أقل المسمى، وما عزاه لابن القاسم هو سماعه عيسى وفرضه في كراء الدور والإبل والغلمان فذكر ابن رُشْد الثلاثة الأقوال، وعبر عن الثالث بقوله يلزمه الشهر الأول وكراء ما بعده من كل شهر بسكنى بعضه وهو محتمل للزم الشهر الأول وإن لم يسكن منه شيئاً، وفي السماع المذكور قال ابن القاسم: وأنا أرى في قوله أكريك السنة بكذا، وكذا كقول مالك في كل ابن رُشْد هذا صحيح ومعناه: أن السنة لا تتعين عنده بقوله ذلك كما لا تتعين عند مالك بقوله أكريك في السنة بكذا وكذا أو أكريك في كل سنة بكذا وكذا، وإنما لم يتعين في أكريك السنة بكذا وكذا؛ لأن أل لم تدخل لتخصيص السنة من غيرها في لزوم كرائها؛ بل لتخصيصها من غيرها في قدر مالها من الكراء، هذا هو المعنى الذي لا يصح فيه خلاف بوجه.
وحكى ابن سهل أنه رأى في حاشية كتاب بعض شُيُوخه إن قال: أكريك السنة بكذا بنصب السنة لزمت سنة، وإن قالها بالرفع كان كقوله كل سنة بكذا على رواية ابن
القاسم واستحسنه ولا وجه عندي لاستحسانه؛ لأنه بالنصب يحتمل أن يريد أكريك هذه السنة بكذا، وأن يريد أكريك ما سكنت بحساب السنة بكذا، وإذا احتملهما وأحدهما لا يلزم به الكراء وجب أن يحمل على الوجه الذي لا يلزم به الكراء؛ لأن الأصل براءة الذمة من لزوم الكراء فلا يلزم إلا بيقين، وأما إن قال: أكريك السنة بكذا بالرفع فليست بمسألة يتكلم عليها إذ لا إشكال في عدم لزوم السنة بذلك ولم يتكلم ابن القاسم إلا على مسألة النصب، ولما لزم الكراء في أكريك سنة بكذا ولم يلزم في أكريك السنة بكذا للمعنى الذي قلناه.
قال: من أراد أن يغرب الكراء إذا عرف تنكر وإذا نكر تعرف وفيه نظر؛ لأنه لو قال: أكري السنة كل شهر بكذا لزم كراء السنة لتعريفها، وإنما لزم كراء السنة في أكريك سنة بكذا وإن كانت منكرة؛ لأن الكراء لا يجوز عقده على سنة غير معينة فيحمل أمرهما على أنهما سنة كاملة من يوم العقد.
قُلتُ: تقرير رده على المعرب أن قوله أكريك السنة كل شهر بكذا لازم، واللفظ معرف فبطل كونه إذا تعرف تنكر؛ لأنه هنا تعرف وتعين ويرد بمنع لزومه من هذا اللفظ؛ لنص ابن القاسم: بعدم لزومه في لفظ السنة معرفاً، ونص سماعه: بعدم لزومه في كل شهر، والمجموع مما لا يلزم به الكراء لا يلزم به، وقوله: وإنما لزم الكراء في أكريك سنة إلى آخره تقريره أن لزوم السنة فيه ليس من ناحية تنكيره؛ بل للمعنى الذي زعمه فتنكيره لغو، ويرد من وجهين الأول لا يلزم من عدم كون التنكير علة في التعيين عدم مساواته له في الثبوت والنفي، وهذا هو مدعي المعرب لا العلية الثاني ما زعمه موجباً لتعيينه وهو منع عقد الكراء على سنة غير معينة توجب تعيينه، وفي لفظ كراء أو فساد عقده فتأمله.
وفي آخر كتاب المدبر فيها: من أكرى داره أو دابته أو غلامه سنة حسبت من يوم قوله كقوله هذه السنة بعينها ومثله قولها من اكترى داراً سنة بعد مضي عشرة أيام من الشهر حسب أحد عشرا بالأهلة وشهرا على تمام هذه الأيام في تلاشي يوماً كالعدد.
وقبل هذه قال ابن القاسم: من اكترى داراً سنة ولم يسم متى يسكن جاز وسكن
أو يسكن غيره متى شاء ما لم يأت من ذلك ضرر على الدار.
الصقلي: يريد: ضرراً في السكنى، ثم ذكر أخذ تعيينها من مسألة كتاب المدبر، ولم يتعرض لكونها خلافاً لظاهر قولها هنا وسكن أو يسكن غيره متى شاء.
وقال اللخمي: إن أكريك شهراً أو سنة جاز ولزمهما وحملا في ابتداء السكنى على الفور، هذا قول مالك وابن القاسم.
وإن تراخى عن السكنى إثر العقد مدة يسيرة سكن جملة المدة المسماة، ولم يحط منها قدر ما مضى بعد العقد إلى وقت العقد، وهو في هذا الوجه بخلاف من عين المدة.
قُلتُ: مفهوم قوله: مدة يسيرة أنها إن كانت غير يسيرة حط قدرها وفيه نظر؛ لأنها إن كانت كالمعينة كما هو ظاهر كلام ابن رُشْد استوى الكثير واليسير في الحط وإلا استوتا في عدمه، ثم قال: وقد يلزم المكري الصبر إلى مدة وإن لم يسمياها في العقد للعادة كالمطمر فيه طعاماً كل شهر أو كل سنة بكذا ليس له إخراجه ولا يجبره الآخر على الإخراج إلا أن يتعين سوس الطعام إلى ما العادة أنه يباع في مثله، فإن لم يبع وللآخر إخراجه وهذه عادة المطامير عندنا في الكراء، وإن أراد المكتري الإخراج قبل غلائه لم يكن للآخر للآخر منعه؛ لأن البقاء من حق المكتري ويعفى عن ما في ذلك من غرر في المدة؛ لأنه مما تدعو الضرورة إليه وينظر للعادة في خزن الزيت فيحملان عليها والعادة في خزن الطعام في الصيف أنه يشترى عليه فليس له إخراجه قبل ذلك.
قُلتُ: حاصله قوله: أنه جعل خزن الطعام مؤجلاً بغلائه في حق المكتري على المكري دون العكس والتساوي وواضح كونه أجلاً مجهولاً، وقوله: يعفى عن غرر المدة للضرورة فاسد؛ لأن هذه الضرورة مما شهد الشرع بإلغائها حسبما تقرر في بيع الغرر وأحاديث النهي عنه، وفيها: إن اكتريت بيتاً شهراً بعشرة دراهم على إن سكنت يوماً منه لزمك الشهر جاز ما لم يشترط عليك إن خرجت فليس لك أن تكري البيت فهذه الإجارة لا خير فيها، ونقلها اللخمي بزيادة: لا خير فيه والكراء لازم.
قال: يريد: والشرط باطل وإن كان على أنه إن خرج رجع من البيت لربه ولا يحط من الكراء شيء فهو فاسد، وعليه قيمة ما سكن وفسخ متى ما أدرك، ونقله عنه أبو
إبراهيم وقبله وفيه نظر؛ لأن ظاهر قوله لا خير فيه أنه فاسد وهو مقتضى أصل المذهب في الشرط المنافي لمقتضى العقد.
وقال الصقلي: قال بعض فقهاء القرويين: ظاهر العقد أنه جائز وأنه بالخيار ما لم يسكن إن سكن لزم كراء الشهر، فإن أراد هذا وليس له أن يكري من غيره فهو كمن باع على أن لا يبيع ولا يهب، فإن أسقطوا الشرط تم الكراء على أحد القولين، وإن شرط أنه إن خرج عاد المسكن لربه وعليه جملة الكراء فهو فاسد واجب فسخه.
قُلتُ: هذا كلام التونسي وهو جار على الأصول، وفيها: من اكترى داراً سنة فلم يشترط النقد غرم بحساب ما سكن إلا أن يكون كراء الناس على النقد فيقضى به وكذلك في الدواب.
وما تقضى به منفعة المكتري إن تبين بنص أو عرف صح عقده، وإن اختلف ولا مبين فسد فيها لا بأس بكراء حانوت لا يسمي ما يعمل فيه ويعمل فيه وهو حداد أو قصار أو طحان إن لم يكن فيه ضرر على البناء ولا حجة للمكري؛ لأنه أكرى له وقد سمى له المكتري ما يعمل.
قُلتُ: فإن أكرى حانوته لرجل فإذا هو جزار أو قصار فنظرنا فإذا هو لا يضر بالبناء إلا أنه يقذر الحانوت.
قال: له منعه إن كان يقذر جدرانه؛ لأنه ضرر.
قال غيره: إن كانت الأعمال بعضها أضر من بعض وأكثر كراء لم يجز إلا على شيء معروف، وإن لم يختلف فلا بأس به.
قُلتُ: ظاهر قوله؛ لأنه أكرى له وقد سمى المكتري ما يعمل أن الكراء وقع على تسمية العمل ولفظ التهذيب، والصقلي نص: في أنه لم يسمه لفظهما لا بأس بكراء حانوت لا يسمي ما يعمل فيه، وله أن يعمل فيه حداداً أو قصاراً أو طحاناً إن لم يضر بالبناء، وفي الرواحل منها: من اكترى دابة ولم يسم ما يحمل عليها لم يجز إلا من قوم عرف حملهم فذلك لازم على ما عرفوا من الحمل.
قال غريه: لو سمى حمل طعام أو بز أو عطر جاز وحملها قدر حمل مثلها.
قال أبو إبراهيم وغيره من شُيُوخنا: خالف كل منهما قوله في الكتابين، ولم يجب أبو إبراهيم، وأجاب غيره عن ابن القاسم: بأن الحيوان أسرع تأثراً للتغير من البناء وأجاب بأن السؤال على الغير إنما يلزم إن لو ثبت اتحاده في الكتابين قال: وإثباته متعسر.
قُلتُ: وهذا التزام لتنافي في القولين من حيث ذاتيهما ويجاب بأن قول الغير بالمنع في الحانوت قيده بتفاوت الأعمال، وفي الدابة أشار إلى تقييده بالتقارب بقوله: سمى حمل طعام أو بز أو عطر وأصل المذهب أن متعين ما تنقضي به منفعة المكتري بنص أو عرف جاز عقده كذلك وإلا فسد.
اللخمي: إن لم يسم ما يعمل في الأرض ولا عادة أو كانت مختلفة بما يختلف كراؤه فهو فاسد عند غير ابن القاسم، وإن كانت العادة فيما يعمل فيها مختلفة كان فاسداً مثل كراء الدابة، ولا يسمى الصنف الذي يحمل عليها أجازه ابن القاسم، ويحمل عليها ما لا يضر بها ومنعه غيره حتى يسمى ذلك الصنف.
وما يعمل في الأرض تختلف مضرته: فيها: الشعير أضر من القمح.
المتيطي: وقولها يزرعها ما شاء إذن من ربها لا كلام له بعد، وإن قال: يزرعها وسكت عن ما يزرعه.
قال محمد: جاز ولا يزرع إلا ما يشبه أن يزرع في مثلها.
قُلتُ: قال ابن فتوح: اختار بعض الموثقين أن يسمى ما يزرع من الحبوب في كل عام من أعوام الوجيبة وبعضهم يسقط ذلك، والأحسن ذكره لإزالة الإشكال بالاختلاف في ذلك.
قال ابن القاسم: لا بأس بكراء الأرض، وإن لم يسم ما يزرع فيها، وله أن يزرع فيها ما شاء من الحبوب إلا ما كان مضراً بالأرض أكثر من ضرر غيره فيمنع من الضرر، وغيره لا يجيز الكراء حتى يسمي ما يزرع فيها.
قُلتُ: لا أعرف نقله هذا عن ابن القاسم في الأرض وإنما وقع له نحو هذا في الحانوت حسبما تقدم، وفي الدواب: وتأمل نقله ففيه تناف نقل أو لا يجوز كراؤها، وإن
لم يسم ما يزرع ثم قال: لا يزرع ما شاء إلا ما ضرره أكثر من غيره والمختلفة بعضها أضر من بعض فيلزم ألا يزرع إلا أقلها ضرر، وهذا مناف لقوله يزرع ما شاء، ومقتضى المذهب عندي أن ينظر فإن كان اختلاف حرثات ما يزرع فيها من الأنواع كاختلاف تلك الأنواع لم يجز على أنه يزرع ما شاء؛ لأنه حينئذ من بيعتين في بيعة وإن لم يكن كاختلافهما فيما بل كاختلاف أفراد نوع واحد جاز كشراء ثوب من أثواب يختاره.
وفيها: إن اكتراها لحرث شعير فأراد حرثها قمحاً فإن كان أضر بالأرض منع وله زرع ما ضرره كالشعير فأدنى.
الباجي: إن زرع ما هو أضر من الشعير فلربها كراء الشعير وقيمة زيادة الضرر، وقال الشافعي: كراء المثل، وعزا المتيطي الأول للقاضي.
وقال الصقلي: قال بعض القرويين: انظر لو رضي رب الأرض بذلك هل يجوز إذا كان الأمران مختلفين أو لا يجوز كمن اكترى إلى طريق فأراد أن ينتقل إلى ما يخالفها.
قُلتُ: مقتضى قبول الباجي، وللمتيطي ما قاله القاضي فيمن حرث أضر إن زيادة الأضر على غيره كزيادة الكل على بعضه، ومقتضاه أن اختلاف آحاد حرثات الأنواع المختلفة لغو وأنها متماثلة فيؤيد جواز كراء الأرض على أن يزرع ما شاء، ومقتضى نظر التونسي احتمال ذلك فيكون في كرائها لذلك نظر فتأمله.
ابن شاس: ولو شرط عليه أن لا يزرع فيها إلا صنفا عينه لم يجز.
قال في الموازيَّة: فإن نزل فعليه قيمة الكراء، ولو قال: إن شئت فازرعها وإن شئت فأغريتها جاز.
قُلتُ: كذا نصه ونصها في النوادر عن الموازيَّة: من أكرى أرضاً على أن لا يزرع فيها إلا قرطاً لم يجز، فإن نزل فعليه قيمة الكراء، وقال محمد وذلك عندي جائز.
قُلتُ: عدم ذكر ابن شاس قول محمد مخل بفائدة علمه، وقول محمد هو مقتضى قولها من أكرى بيتاً من رجل، وشرط عليه أن لا يسكن معه أحد فله أن يسكن معه زوجة يتزوجها أو رقيقاً يبتاعها إن لم يضر ذلك برب البيت كغرفة ضعيفة الخشب.
قال اللخمي في ترجمة ما يصح من الكراء من كتاب الرواحل: على قول غير ابن
القاسم: لا يجوز كراء الدور إلا بعد معرفة ما يسكنها من العيال؛ لأنه سوى فيها بينها وبين الطرق في السهولة والشدة، وأرى إن كانت الحانوت في سوق قصره على صنعة أهل السوق حتى يذكر غيرها، وإن لم يكن في سوق معروفة بصناعة وأمكن كراؤها لما يغير حيطانه ويفسده لم يجز حتى يبين لما يكتريه، والديار أحق محمل الناس على الوسط من العيال إن ظهر أن المكتري كثير العيال والغاشية فللمكري متكلم، وقال في أكرية الدور: يستحب تسمية المكتري عياله وما يعمل بالدار، فإن لم يسم جاز ويسكن بما أحب من عيال ما لم يتفاحش ويرى أنه يلوث الدار فيمنع عن ما يضر إن قدر على رفعه وإلا أكراها، ولا يفسخ الكراء وذكر قولها فيمن شرط أن لا يسكن معه أحد، وقال: اختلف في شرط ما لا يفسد هل يوفي به والقياس في هذه التوفية؛ لأنه لخوف دخول ضرر فأشبه شرط أن لا يرعى مع غنمه غيرها، وقد ألزمه ابن القاسم الوفاء به، فإن لم يف المكتري وأسكن معه غيره قوم كراؤها على أن لا يسكن معه أحد، وعلى من أسكن معه غيره فيكون له المسمى، وفضل ما بين الكراءين.
وفيها: لمن اكترى داراً إدخاله فيها ما شاء من الدواب والأمتعة ونصب الأرحية والحدادين والقصارين ما لم يضر بها أو تكون داراً لا ينصب ذلك في مثلها لحسنها، فإن كان ضرراً منع منه وغيره جائز.
قُلتُ: هذا قول مالك، قال: هذا رأيي.
اللخمي: هذا ضرر عند أهل الرباع إلا بالبادية فلا تمنع الماشية، والدابة الواحدة للركوب إن علم أن المكتري ممن يركبها، والعادة أنها تكون في داره لم يمنع وإلا منع، ويمنع من أن يعمل فيها ظروفاً للخل أو اللبن أو الدباغ أو تبيع بها الزيت وشبهه.
وفيها: إن ربط المكتري بباب الدار دابة فرمحت فكسرته أو قتلت ولد رب الدار فذلك جبار، كقول مالك فيمن نزل عن دابته وأوقفها بالطريق لشرائه حاجة أو أوقفها بباب المسجد أو بباب الأمير.
قال أبو حفص: إن كان يعلم أنها تضرب برجلها فهو ضامن كمتخذ الكلب العقور حيث لا يجوز له فيضمن، وإن لم يتقدم إليه إنما يحتاج للتقدم إذا كان في داره فأما
في الطرق فهو ضامن.
وفيها: إن اتخذ مكري الدار فيها تنوراً يجوز له فاحترقت منه الدار وبيوت جيرانه لم يضمن.
اللخمي: يريد: وأوقد على الوجه المعتاد، وإن جهل هل زاد على الوجه المعتاد ففي ضمانه قولان بناء على اعتبار براءة الذمة، واعتبار الغالب بأن ذلك لا يكون إلا عن زيادة على المعتاد أو إهمال في التحفظ قياساً على الصانع والمرتهن يحترق بيته، وقد اختلف فيهما.
قُلتُ: يرد قياسه بأن الأصل في الصانع الضمان، وفي مكتري الدار عدمه.
وفيها: إن شرط عليه المكري أن لا يوقد بها ناراً فأوقدها فيه لخبزه فاحترقت الدار ضمن.
اللخمي: إن كان وقيده على ما يجوز له لو أذن له رب الدار لم يضمن غير داره، ولم يكن لمن يليه في ذلك مقال؛ لأن التعدي عليه هو من حقه وإن كان على وجه لجاره منعه ضمن.
وقال الصقلي عن بعض القرويين: يضمن دور جيرانه؛ لأنه متعد لمخالفته وما شرط عليه، وإن كان مما يجوز له لولا ما شرط عليه كمن حفر بداره بئراً للسارق فإنه يضمن ما سقط فيه من سارق وغيره، وإن كان حفره للسارق بداره جائز.
ابن شاس: ولا يشترط في كراء الأرض للبناء تعريف قدره أو وصفه أو ارتفاعه بخلاف كراء جدار لبناء عليه.
قُلتُ: ظاهره لا يشترط في كراء الأرض للبناء معرفة ما يبنى به والصواب تعيينه؛ لأن منه ما لا قيمة له بعد تهدمه فيفتقر في إخراجه من الأرض إلى أجرة، وقد يكون الباني حينئذ عديماً أو غائباً.
وفيها: كراء الدواب على وجهين دابة بعينها أو مضمونة، وفي المعونة المركوب المعين لابد أن يعرف بتعيين بإشارة إليه كهذه الدابة أو الناقة.
قُلتُ: يريد: ليحط بها المكتري معرفة كالمشتري.
قال: والمضمونة يذكر جنسها ونوعها والذكورية والأنوثة، وتبعه ابن شاس وابن الحاجب واقتصرا عليه، وكذا المتيطي إلا أنه قال: قبل نقله يصف ذلك بأبلغ صفاته فيدخل فيه وجوب ذكر سن الدابة، وفي المعونة لا يحتاج لتعيين الراكب لتقارب الناس عادة ولا لوصفه وتبعه ابن شاس وابن الحاجب وقبله ابن عبد السلام، وظاهر عدم لزوم ذكر كونه رجلاً أو امرأة والأظهر لزوم تعيين أحدهما؛ لأن ركوب النساء أشق وهو ظاهر قولها من اكترى على حمل رجلين أو امرأتين لم يرهما جاز لتساوي الأجسام إلا الخاص، فإن أتاه برجلين فادحين أو امرأتين فادحتين لم يلزمه ابن شاس ويصف المحل بالسعة أو الضيق.
قُلتُ: السعة والضيق مختلفان في مسماهما فلابد من تعين ذلك بالقدر.
قال: ويعرف تفاصيل المعاليق، فإن أطلق في شيء من ذلك وهو معلوم بالعادة صح العقد، ولو اختلف اختلافاً متفاوتاً لم يصح إلا بالتفصيل.
وفيها: إن أكرى محملاً لمكة ولم يذكر وطأه أو زاملة لم يذكر ما يحمل عليها من أرطال جاز وحملا على فعل الناس فيهما؛ لأن الزوامل عرفت عندهم وعليه أن يحمل له المعاليق، وكلما عرفه الناس في الكراء لازم للمكري، ومقتضى المذهب في عدم وجوب تعيين الراكب جواز كراء مكتري دابة لركوبه من غيرها.
اللخمي: لمكتري منافع بيعها كالرقاب إلا ما يتعذر كونه كالأول أو يشك فيه ويخالف ذلك في الدواب والثياب والديار، ففي جوازه في الدواب وكراهته ورايتان.
وفيها: من اكترى دابة ليركبها فحمل مثله في الخفة والأمانة لم يضمن، وإن كان أثقل أو غير أمين ضمن فإن ادعى غير المأمون تلفها لم يضمنها إلا بسبب أو يتبين كذبه، وضمنها الأول بتعديه وأكره أن يكري من غيره، وأما في موته فلوارثه حمل مثله وأكثر قول مالك أن له ذلك في الحياة.
اللخمي: إن أكريت لحمل في سفر على مصاحبتها ربها فلا قوله له، وإن لم يكن على أن يصحبها أو كان لركوب فإن وافق أن الثاني كالأول فلا قول له وإن خالف نظر الحاكم، فلو سافر دون علمه فلا قول له فيه ماض وغيره على حكم التعدي إن سلمت
أخذه بفضل كراء الثاني على الأول، وإن حدث عيب لركوب الثاني ضمنه فإن ضاعت ضمنها الأول لتعديه في كرائها من غير مأمون فإن كان عديماً والثاني جاهل كونها في يد الأول بعقد كراء لم يضمن لريها شيئاً؛ لأنه معه كمستحق وإن كان عالماً ضمن، ولو عيبت بغير سبب للثاني ففي ضمانها الأول خلاف بناء على اعتبار تعديه بخروجها من يده واعتبار كونه لا بسبب منه.
قُلتُ: الأول ظاهر قولها إن أكرى من هو أثقل منه لو من غير مأمون ضمن، فإن أراد بالأثقل الفادح قيد به وإلا ناقض ما تقدم من لزوم أي راكب كان إلا الفادح.
اللخمي: ولو كان الثاني كالأول في الأمانة وأضر في ركوبه فيختلف إن ضاعت أو علم ضياعها هل يكون كمن لم يتعد؛ لأن التعدي ليس من هذا الوجه فصدق الثاني ولا شيء على الأول أو يضمن لتعديه في تسليمها وركوب الثاني، وأرى أن لا ضمان عليه إلا بما يحدث بسبب ما تعدى به وكراء الدار من غيره خفيف.
قُلتُ: إن كانت الدور معروضة للغصب المسمى بالنزول كما كان بتونس قبل اليوم لا أعاده الله لم يكن للمكتري المحترم أن يكريهما ممن دونه في الاحترام؛ لأن ربها ينقص من كرائها لتسلم باحترام مكتريها، وفيها: لمكتري الدابة المحمولة أو السفينة والدار كراؤها من مثله في مثل ما اكتراها له، وكذلك الفسطاط له كراؤه من مثله في حاله وأمانته وصنعه فيه، ومن استأجر ثوباً يلبسه يوماً إلى الليل لم يعطه غيره يلبسه لاختلاف اللبس والأمانة، فإن دفعه لغيره ضمنه إن تلف، ولو بدا له عن السفر بالدابة أو مات أكريت من مثله، وكذا في الحياة والممات.
اللخمي: المنع في الثياب أحسن لاختلاف اللبس واليسير فيه يؤثر والأمر في الخباء والفسطاط أخف.
ابن شاس: وكيفية السير وتفصيله وقدر المنازل ومحل النزول في معمور أو صحراء معتبر بالعرف واستئجارها لحمل بتعيين المحمول إن حضر، ووصفه إن غاب وقدر الكيل والوزن أو العدد فيما لا تتفاوت آحاده بكبر أو صغر، وحيث كون الكراء في الذمة لا يفتقر لوصف الدابة، إلا إن اختلف الغرض في المحمول باختلاف الدابة
كزجاج ونحوه.
قُلتُ: ويجب تعيين انتهاء غاية الركوب إلى موضع كالحمل إليه.
وفيها: من اكترى على حمولة لبلد فليس له صرفها لغيره وإن ساواه في المسافة والصعوبة والسهولة إلا بإذن المكري ولم يجزه غيره وإن رضيا؛ لأنه فسخ دين في دين إلا بعد صحة الإقالة.
اللخمي: اختلف فيمن اكترى دابة لبلد فأحب الذهاب بها لغيره مما لا يضر بها هل يجوز، وإن كره ربها ثم ذكر قولي ابن القاسم وغيره، قال: ويصح الجبر إن تساويا في البعد والسهولة والأمن، والمكتري يمضي بها وحده ويردها أو كان ربها يمضي معها إلا لحاجة في البلد الأول، وإن اختلف الطريقان أو كان ليترك الدابة بمحل الوصول أو لتعاد وخروج ربها معه لأهل له بذلك البلد أو لتجزئه لم يجبر، وإن اكتراها لركوبها بالحضر ففي جاوز نقلها لحمل عليها أو لسفر، ثالثها: فيما قل كاليومين لأشهب وابن القاسم وسَحنون، وإن اكتراها لطحن الحنطة جاز أن يطحن غير الحنطة مما لا يضر بها، وإن شرط أن لا يطحن إلا الحنطة جاز، لأنه لا يتعذر وجوده ويختلف في طحنه غيرها على شرط ما لا يفيد، وإن شرط أنه لا يطحن إلا هذه الحنطة ففي جوازه قولان.
قُلتُ: هما على القول بلزوم الوفاء لما لا يفيد فيلزم التحجير ولغوه فينتفي، قال: وكذا في كرائها لحمل صنف فأراد غيره.
قُلتُ: وتقدم نحوه في حرث الأرض.
ابن شاس: والسقي يعرف فيه قدر الدلاء والعدد وموضع البئر وبعد الرشاء إلا أن يكون كل ذلك معروفاً عادة، والحرث يعرف فيه القدر بالمدة أو تعيين الأرض وصلابتها ورخوها، وقاله ابن الحاجب وابن شاس والغزالي قبلهما.
ابن شاس: على مكري الدابة تسليم ما العادة تسليمه معها من إكاف وبردعة وحزام وسرج في الفرس وغير ذلك من معتاد؛ لأن العرف كالشرط.
قُلتُ: هذا كالنص في أنه لم يكن بذلك عرف لم يلزمه.
قال: وكذا الحكم في إعانة الراكب في النزول والركوب في المهمات المتكررة، وكذا
رفع الحمل والمحمل.
قُلتُ: وهو ظاهر قول التونسي في قولها: إن اكتريت إبلاً فهرب الجمال وتركها في يدك فأنفقت عليها فلك الرجوع عليه بذلك، وكذا إن أكريت من يرحلها رجعت بكرائه، فقال التونسي: يريد: أن العادة أن المكري يرحلها.
ابن عبد السلام: أشار يعضهم إلى أن البردعة والأحبل وإعانة الجمال في الركوب والنزول ورفع الأحمال وحطها لا يلزم الجمال إلا بعرف، وأشار إلى أن فيها خلاف هذا وهو قولها لا بأس أن تكتري إبلاً من رجل على أن عليك رحلتها فظاهره لولا الشرط كان على رب البعير وهذا الاستدلال ضعيف؛ لأن الشرط قد يكون لرفع النزاع لا لنفي ما علق عليه؛ لأنتفائه والأول هو غالب الشروط عند الموثقين.
قُلت: لو لم يكن فيه غير هذا اللفظ أمكن رده بما قال، أما مع قولها الأول في مسألة هروب الجمال المتقدمة فلا يصح رده بكون الشرط قد يكون لرفع النزاع والأولى بمقتضى أن يلزم المكري البردعة والسرج ونحوهما، لا مؤنة الحط والحمل لسماع عيسى ابن القاسم: من اكترى منازل فيها علو لا سلم له فقال ربها: اجعل لي سلماً فتوانى ولم ينتفع به المكتري حتى مضت السنة طرح عنه مناب العلو من الكراء.
ابن رُشْد: لأنه باع منه منافع الدار فعليه أن يسلمها له وإسلامه للعلو هو بجعل السلم له والكراء في هذا بخلاف الشراء.
قُلتُ: فالسلم في العلو كالبردعة والسرج ونحوهما، وفيها: إن انتقضت زاملة الحاج أو نفدت فأراد تمامها وأبى الحمال حملاً على عرف الناس.
قال غيره: فإن لم تكن لهم سنة فلهم حمل الوزن المشترط.
الصقلي عن سَحنون: من اكترى دابة على حمل فيه خمسمائة رطل فأصابه في بعض الطريق مطر وزنه فامتنع الجمال من حمل الزيادة، وقال ربه: هو المتاع بعينه لم يكن على الجمال حمل الزيادة.
قُلتُ: مقتضى قولها بلزوم حمل ولد المرأة معها حمل زيادة البلل، وظاهر قول
سَحنون سواء كان عرف أم لا ومقتضى قولها في زاملة الحاج اعتبار العرف.
ابن عات عن بعض شُيُوخ الفتوى: من أكري على حمل متاع لموضع بطريقة نهر لإيجاز الأعلى المركب، وقد عرف ذلك كالنيل جواز المتاع على ربه وجواز الجواب على ربها، وإن كان يخاض من المخائض فاعترضه حملان لم يعلموا به فجعل المتاع على رب الدابة وهي جائحة نزلت به، وكذا إن كان النهر شتوياً يحمل بالأمطار إلا أن يعلموا وقت الكراء جريه، وعليه دخلوا فيكون كالنهر الدائر من الاستغناء.
قُلتُ: انظر هذا الأصل مع زيادة وزن حمل الدابة بالمطر، وفيها: إن اكتريت دابة بعينها فليس لربها أن يحمل تحتك متعاً ولا أن يردف رديفاً وكأنك ملكت ظهرها، وكذا السفينة وإن حمل عليها في متاعك متاعاً بكراء أو غيره فلك كراؤه إلا أن تكون اكتريت منه على حمل أرطال مسماة فالزيادة له.
أشهب: إن أكراه لحمله وحده أو مع متاعه فكراء الزيادة لربها، وقد كان للمكتري منعه منها.
التونسي: إن أكراها لحمل طعام لم يسم قدره ملك حمل مثلها منه، فإن زاد ربها فكراء الزيادة للمكتري؛ لأنه قد يخفف عنها لرغبته في سرعة سيرها وإن أكراها لوزن معلوم فلربها زيادة ما لا يضر بحمل المكتري، وكذا في الركوب اتفاقاً فيهما ولو اكترى حملها لحمل قدر معلوم فذكر قولي ابن القاسم وأشهب قال: وفيه لعمري إشكال؛ لأن بقية منفعة الدابة اشترط المكتري تركها لحسن سيرها بقدر حمله وعليه اكتراؤها بالمسمي واشترط المكري تركها تخفيفاً عن دابته وعليه رضى بكرائها بالمسمى في كرائها فلو قيل: برجوع المكتري بقدر ما يرى أنه زاده لذلك من المسمى لأمكن.
قُلتُ: وظاهر كلامه أن قول أشهب خلاف.
وقال الصقلي: قال غير واحد من أصحابنا: قول أشهب وفاق وتقدم فيمن استأجر أجيراً على رعاية غنم على أن لا يرعى معها غيرها وهو قادر على أن يرعاها مع غيرها فرعى معها غيرها فأجرها لرب الأولى.
قال غيره: وإن لم يدخل بالثانية على الأول تقصياً فأجر الثانية للراعي.
قال الصقلي: قول ابن القاسم أحسن فحمل على الخلاف والمكتري ورب الغنم سواء.
اللخمي: إن اكترى حملة الدابة لم يسم ما يحمل عليها جاز.
قُلتُ: يريد: في القدر لا الصنف.
قال: فإن كان حمل مثلها أربعة قناطير فحمل عليها ثلاثة، وحمل ربها قنطاراً من عنده ولم يعلم مكتريها أو علم ولم يقدر على منعه خير المكتري في فسخ ما ينوب ذلك، أو أخذ كراء المثل فيه، وإن قدر على منعه وتركه كانت إقالة في ذلك القدر، وكذا إن كان القنطار بكذا ولم يكر على أن يحمله على عين هذه الدابة، وإن كان على أن يحمله عليها فحمله ولم يعلم المكتري أو علم ولم يقدر على منعه خير المكتري في ذلك القنطار فيما ذكره في أخذ ما أكراه به، وإن قدر على منعه وتركه فليس له إلا ما أكراه له وإن حمل عليها المكتري أربعة قناطير وزاد الكري نصف قنطار، فإن لم ينقص من سيرها بالأربعة شيئاً ولم يخش أن تقف بحملهما فلا مقال للمكتري، وإن أضر بالمكتري ببطء سيرها أو خشي أن تقف بحملها كان لكل منهما مقال مقال المكتري ما كان عليه متاعه من الغرب لو وقفت في قفر فهو كعيب حدث بالمكتري، ومقال المكتري تعب دابته يقسم كراء الزيادة بينهما على قدر شركتهما إن حمل بغير رضاه خير في حط ما ينويه من المسمى وأخذ قيمة ذلك العيب أو ما أكراه به، فإن كانت قيمة كرائها لحمل أربعة قناطير فقط عشرة وقيمته على زيادة نصف قنطار تسعة حط عشر المسمى إلا أن تكون القيمة أكثر من المسمى فيحاسبه بدينار وإن أحب أخذ منابه من الكراء الثاني قيل: بكم يكري للنصف على دابة عليها أربعة قناطير فإن قيل: ديناران؛ لأن الدابة يخشى عليها فلا يكون إلا بأكثر من غيره كان ما أكرى به بينهما نصفين؛ لأن قيمته ديناران للأول فيه ما قيمته دينار وإن أكرى حملتها ليحمل عليها ثلاثة قناطير وحمل مثلها أربعة فحمل عليها ثلاثة وحمل ربها قنطاراً فالقنطار بينهما، وتقدم ذكر هذا في مسألة رعي الغنم قول ابن شاس: إذا استأجر ثوباً للبس نزعه في أوقات نزعه كعادة كالليل والقائلة صواب كقولها من استأجر أجيراً للخدمة استعمله على عرف الناس من خدمة
الليل والنهار.
قُلتُ: فإن اختلف العرف في اللبس لزم بيان وقت نزعه أو دوام لبسه.
ابن شاس: استئجار الخياط لا يوجب عليه الخيط، إلا أن يكون العرف خلافه.
قُلتُ: كقولها في آلة البناء، وعرفنا في الأجير والصانع أن لا خيط عليه، وفي الصانع الخيط عليه.
ابن شاس: والأجرة على الاسترضاع لا توجب الحضانة ولا العكس.
قُلتُ: لعدم استلزام الدلالة على أحدهما الدلالة على الأجر كالخياطة والطرز.
وطرو عيب المكتري وتلفه من ربه دائما؛ لأن منفعته في ضمانه بخلاف شرا المعين بعد عقده أو إمكان قبضه، وفيها: تهدم ما لا يضر مكترى الدار منها كعدمه كتهدم الشرافات وما أنفق فيها المكترى لغو، وما يضره له الخروج لا إصلاحه من كرائها إلا بإذن ربه ولا يلزمه إصلاحها فإن أصلحها قبل خروج المكترى فكعيب ذهب وبعده لا يلزم رجوعه.
اللخمي: وقال غير ابن القاسم: يجبر ربها على إصلاحها، وأرى أن يجبر إن كان الإصلاح يسيراً أو كثيراً ويعلم أن ربها لا يدع إصلاحها في تلك المدة أو يعلم أنه لا يستغنى في تلك المدة وإلا لم يجبر، وهدم شرافات الدار لا يفسخ الكراء ولا يحط له شيء من الكراء إلا أن يكون ربد في الكراء لأجله، وإن ذهب زوال الحجر من داخلها جمالها حط من كرائها ما لم يصلحها ولم يكن له أن يخرج.
قُلتُ: قوله: (حط من كرائها) جعله التونسي محَل نظر.
اللخمي: وإن انهدم حائط من داخلها لا منفعة فيه ولا جمال لم يحط شيء، وإن كان على غير ذلك حط، وإن كان من خارجها وانكشفت لأجله.
فإن قلت: نفقته أجبر على إصلاحه وإلا فلا، وللمكترى الخروج إلا أن يتطوع المكري ولا ضرر على المكتري في مدة الإصلاح فلا يخرج، ومحمد أَصْبَغ إن خرج ثم أصلح فإن طال البناء لم يجبر على الرجوع والأيام اليسيرة وفوقها قليلاً لا كبير ضرر عليه لزمه الباقي؛ ويرد: إن لم يجبر بينهما فيهما قول بعد خروجه، وإن كان خروجه على
وجه الفسخ لم يلزمه رجوع، وإن كان ليرجع إن أصلح جبر عليه، وإن انهدم بيت من داخلها لم ينكشف من خارجها وهو أقل المكتري حط ما ينوبه، وإن كان الجل فله الخروج.
ابن حبيب: إن طاع المكتري بالإصلاح من ماله جبر ربها على ذلك، لأنه في منعه مضار، فإن انقضت الوجيبة أخذه بقيمته منقوضاً إلا أن يكون بإذنه فيأخذه بقيمته قائماً.
قُلتُ: وللصقلي قال الشَّيخ: يريد في قوله: (لا في قول ابن القاسم وسمع عيسي ابن القاسم: من اكترى دارًا سنة فتهدمت بعد شهرين فبنائها بما عليه من كرائها وربما غائب فقدم وطلب كرائها فله مناب ما سكنها) صحيحة من الكراء، وله كراء العرصة فيما بعد الهدم، وليس للمكتري إلا نقص بنائه إلا أن يعطيه قيمته، فإن كان لا منفعة فيه كالجص والتزويق والتراب فلا شيء.
ابن رُشْد: الآتي على أصولهم إن انهدم ما يذهب أكثر منافعها أو منفعة البيت الذي هو وجهها أو حائط يكشفها، وشبه ذلك خير مكتريها بين سكناها بكل الكراء أو يخرج وليس له سكناها بحطه مناب ما انهدم، ولو رضي به ربها تخرج ذلك على جمع الرجلين سلعتيهما في البيع، فإن بناها ربها قبل خروج المكتري لم يكن له أن يخرج، وإن بناها بعد خروجه لم يلزمه رجوعه لها إلا برضاه، وإن سكت وسكنها مهدومة لزمه كل الكراء هذا الآتي على قول ابن القاسم وروايته فيها، فقوله في هذا السماع: لرب الدار كراء العرصة فيما بعد الهدم خلاف قوله فيها.
الصقلي عن محمد: إن خرج المكتري لهدم ما منعه السكانى لم يصلح رجوعه ولو رضيا بتركه الدابة بالطريق لمرضها ووجوب المحاسبة لا يصلح رجوعه لها إن صحت.
الصقلي: يريد؛ لأن بقية الكراء دين ولو لم يكن نقد للكراء جاز بتراضيهما وعلم ما يخص باقي الكراء، وقال بعض القرويين: إن انهدم ما يبيح خروجه فله المقام بكل الكراء لا بما ينوب ما بقي ولو رضيا؛ لأنه مجهول.
الصقلي: هذا خلاف قول سَحنون وابن حبيب أنه له ذلك ووفاق لأصل ابن
القاسم في استحقاق بعض أعيان السلع.
ابن الحاجب: إن كان بالدار وشبهها ما يضر كالهطل لم يجبر المالك وخير المكتري وقيل: يجبر، وقيل: إن كانت لا تصلح للسكنى إلا بإزالته أجبر.
قُلتُ: الثالث لا أعرفه ولم يحكه ابن شاس، ولابن رُشْد ما ينفيه قال في المقدمات: هدم الدار إن قل فإن لم يضر ولم ينقص من الكراء كالشرافات فكعدمه، فإن نقص من الكراء لزمه السكنى وحط قدره من قيمة الكراء إن لم يصلحه رب الدار ولا يلزمه إصلاحه، فإن سكن ساكتاً فلا حط له، وإن أضر بالساكن ولم يبطل من منافع الدار شيئاً كالهطل وشبهه هذا فيه قولان:
قال ابن القاسم: لرب الدار الإصلاح ولا يلزمه، فإن لم يصلح فللمكتري السكنى بكل الكراء أو الخروج، فإن سكن ساكتاً لزمه كل الكراء.
وقال غيره: يلزم رب الدار الإصلاح، فإن سكت لزمه كل الكراء وإن كثر لم يلزمه إصلاح بإجماع فإن عاب السكنى ونقص من الكراء ولم يبطل من المنفعة شيئًا ككون الدار مبلطة مجصصة فيذهب بتبليطها وتجصيصها خير المكترى في سكناه بكل الكراء وخروجه ما لم يصلح الدار بها، فإن سكن ساكتًا لزمه كل الكراء على قول ابن القاسم فيها خلاف سماعة عيسى وقيل: حكم هذا الوجه كالبيت ينعدم من دار ذات بيوت وهو بعيد فإن أبطل اليسير من منافع الدار كالبيت ينهدم من دار ذات بيوت لزمه السكنى وحط عنه مناب المنهدم ومناب المنهدم من الكراء، وإن أبطل أكثر منافعها ومنفعة البيت الذي هو وجهها وهو بعيد، وإن أبطل اليسير من صانع الدار كالبيت الذي هو وجهها أو يكشفها بانهدام حائطها وما أشبه ذلك خير المكتري في سكناه بجميع الكراء وخروجه، فإن أراد سكنى ما بقي بمنابة من الكراء لم يكن له ذلك إلا برضي رب الدار، فإن رضيا جرى على جمع الرجلين سلعتين في البيع، وإن بني المكتري الدار قبل خروجه لزمه الكراء ولا خروج له، وإن بناها بعد خروجه لم يلزمه الرجوع، وإن سكنها مهدومة ساكتا فعلى قولي ابن القاسم فيها وفي سماع عيسي.
قُلتُ: فقول ابن رُشْد لا يلزمه إصلاح بإجماع رد لثالث أقوال ابن الحاجب.
وفي أخذ الثالث من ظاهر نقل اللخمي المتقدم نظر، ونقل ابن رُشْد أحق وأجرى على الأصول.
المتيطي: إن انهدمت الدار أو جلها فله الخروج فإن بناها ربها في بقية المدة لم يلزمه الرجوع.
قيل: لأن هذا البناء المحدث غير ما انعقد عليه الكراء فكان ذلك كعطب دابة معينه في بعض سفره فلا يلزمه غيرها إن أتاه به، ول أَصْبَغ: إن عاد بناء الدار لأيام قلائل لزمه الرجوع فلم يراع البناء وجعله تبعا للقاعة.
قُلتُ: إن قيل: قول أَصْبَغ جار على قولها: من حلف لا دخل هذه الدار فانهدمت حتى صارت طريقًا فمر بها الحالف لم يحنث، فإن بنيت حنث بدخولها.
قُلتُ: ليس كذلك؛ لأن الحنث يقع بالبعض ومضى الكلام عليها في موضعها.
المتيطي عن بعض الموثقين: يراعى على قول أَصْبَغ حفه مؤنه النقلة والعودة، فإن شقت لكثرة عياله وأثقاله لم يلزمه العود.
قال: وإن بني المكتري من ماله مما ينتفع به بغير إذن رب الدار فعليه عند خروجه قلعه إلا أن يأخذه ربها بغير شيء إن لم يكن له قيمه كالجص والنقش، وإن كانت له قيمه فبقيمته مقلوعًا، وإن بنا بإذنه ففي كونه قيمته كذلك أو قائمًا.
قولا ابن القاسم والأخويين مع روايتهما، وفيها: لا بأس بكراء الحمامات، وفي العتبيِّة: والله ما دخول الحمام بصواب.
قُلتُ: لأن المكتري متعد في فعله ما ينفي صواب دخوله ومكرية برسء منه، ولابن عات في مختصر الثمانية: قال عبد الملك: يمنع السلطان النساء الحمامات أشد منع ويؤيدهن على ذلك، ويؤدب رب الحمام وحتى لا تدخل امرأة إنما الحمام للرجال بشرط السترة، وقاله أَصْبَغ.
قُلتُ: وأخبرنا شيخنا ابن عبد السلام: أن من له النظر الشرعي كان أمر الحمامين باتخاذ أزر النساء كما هو اليوم للرجال فصار النساء يتضاربن بالأزر على وجع اللعب فعادت المصلحة زيادة في المفسدة، ولا يشك منصف اليوم في حرمته للفساد ولا في أن
عدم قطعه لمن له عليه قدره ترك تغيير منكر مجمع عليه، وفيها: من اكترى حمامين أو حانوتين فانهدم الوجه منها رد الجميع، وإن انهدم ما ليس وجههما لزمه الباقي بحصته.
الصقلي: في ترجمة ما ينهدم قال ابن حبيب: قليل تهدم الحمام ككثيرة في منعه التحميم لا ينفسخ به الكراء إن قال لربه: أبنيه وأمكنه في مثل الأيام والشهر والوجيبة سنة، وكذا تهدم بيت الرفا أو حرق سدها أو كسر بعض أداتها وهما أوسع من الدار التي يسكنها المرء بعياله، ولو فسخ الكراء فيهما بسء من ذلك ما تم فيه كراء فمتى دعى ربها للإصلاح لزم المكتري الوجيبة ما لم يطل حتى يذهب أكثر الوجيبة فيفسخ في هذا، ولا يفسخ لقلة الماء أو كثرته ومتى زال مانع ذلك في بقية الوجيبة لزم كراء بقية المدة كقول مالك في الأجير يمرض ثم يفيق، والقول فيما تعطل في الحمام والرحا قول المكتري مع يمينه، لأنه كالمرتهن.
قُلتُ: ظاهر نقله أن الحمام كالرحا في اعتلالها.
وقال المتيطي: الرحا في ذلك أشد من الحمام والدار؛ لأنها كثيرة الاعتلال.
ابن فتوح: إن تعطلت الرحا لهدم بيتها أو تعذر بعض آلتها لم يجبر ربها على إصلاح ذلك، وانفسخت القبالة وليس للمتقبل التمسك بها كما له ذلك في الماء إن نقص؛ لأن البناء الذي نزلت عليه القبالة ذهب فإن بني رب الرحا في بقية المدة لم يلزم المتقبل الرجوع بخلاف الماء متى رجع من نقصه أو نقص عن زيادته لزم المتقبل الرجوع للرحا؛ لأن الماء لم يكن بعينه وليس لمتقبل الرحا بناء السد بقبالة عام واحد كمكتري أرض ذات بئر تهدم بعد زراعته.
ابن عات: في المجالس إن تخربت الرحا يسيل تحمل جميعها فأراد المتقبل بنائها من ماله لتتم قبالته، وأبى ربها إلا الفسخ فله ذلك، وحكم له بفتيا أهل الشورى بطليطلة، وقال المشاور: للمتقبل ذلك ويغرم كل القبالة وله قيمة بنائه مقلوعًا حين خروجه.
قُلتُ: الأول جار على قول الأكثر إن بني الدار بها بعد تهدمها وخروج المكتري لم يلزمه الرجوع، وقول المشاور جار على قول أَصْبَغ برجوعه، وهو الجاري على قول عبد الحق لو تهدمت الدار وبقيت قاعه، فقال المكتري: أؤدي جميع الكراء وأقيم بها
ليس لربها منعه.
ابن فتوح: قال ابن حبيب: ما أحدث أهل الأندلس فى كراء الأرحاء أن يقول للمكرى إنها إكريك البيت وقناة الرحا لا ساقية ولا مطاحن ولا آلة لها هو احتيال لما لايجوز شرطه اعتروا به أن لا يكون على المكرى شئ من تعطيل الرحا باعتلال ما يعتل من ذلك، وقد عرفنا أن الرحا كانت يوم عقد الكراء طاحنة بجميع اَلتها فإن وقع كذا فسخ وكان فيما مضى كراء المثل على حال ما أخذها طاحنة تامة الآلة، وإنما يجوز على هذا الوجه لو كانت يومئذ عطلَا من جميع ذلك.
زاد المتيطى عن فضل: أن أبا زيد علد الرحمن ابن إبراهيم صاحب الثمانية كان يكرى أكريته بقرطبة على الوجه الذى ذكر ابن حبيب: أنه لا يجوز.
وما (....) بسبب دلسه المكرى ضمنه
فيها: من اكترى دابة أو ثوراً للطحن فربطه فى المطحنة فكسرها أو أفسدها آلتها لم يضمن ذلك مكريها إلا أن يغر وهو يعلم ذلك منها كقول مالك من أكرى دابته وهو عالم أنها عثور من رجل ولم يعلمه ذلك فعثرت فانكسر ما عليها فهو ضامن، ولو أكراها ممكن يحمل عليها دهنًا من مصر إلى فلسطين فحمله على دابة عثور قعثرت فانكسر الدهن بالعريش، وقال غيره: بمصر.
الصقلى: إلا أن يعرف كيله.
عياض: أو وزنه أبو حفص إنما ضمنه بالعريش؛ لأ قيمته به أكثر منها بمصر ولو كانت به أقل كان تضمينه بمصر.
الصقلى: عن ابن حبيب: إن ضمنه بالعريش فعليه من الكراء بحسابه إليه.
قلت: وأخذ بعضهم من مسألة كراء الثور التضمين بالغرور القول؛ لأن عقد الكراء إنما هو باللفظ، يرد بأن إيجاب لزوم العقد يصيره كالفعل.
وفى نوازل الشعبى: قال محمد بن عبد الملك الخولانى: من باع خابية دلس فيها بكسر وعلم أن المشترى يجعل فيها زيتًا فجعله المشترى فيها فانهرق من كسرها لا ضمان عليه كما لو دلس فى بيع عبد بسرقته فسرق من المشترى شيئًا لم يضمنه بائعه ولو
أكره الخابية، كذلك ضمن الزيت لغروره.
قُلتُ: قوله: فى كراء الخابية يقوم من مسألة كسر الثور المطحنة بربطه المكترى.
وفيعل: إن مرض العبد المستأجر مرضًا بينًا أو أبق أو هرب إلى بلد الحرب فسخنت إجارته، فإن رجع وأفاق فى بقية المدة لزم تمامها.
قال غيره: إلا أن يكون فسخ ذلك، وقال فى باب آخر: بعد هذا إلا أن يتفاسخا.
وسمع عيسى ابن القاسم: من واجر أجبرًا مدة معينة شهرًا أو يومَا لعمل خياطة أو بناء أو غيره فراغ عنه حتى جاز الأجل انفسخت الإجازة فيما بطل، وإن عمل شيئَا فبسحابه، وإنما يلزمه عمله بعد ذلك ويبة، هذا يلزمه العمل بعد ذلك إذ ليس بواقع على وقت؛ بل على عمل مسمى كقوله للسقاء اسكب لى فى هذا الشهر ثلاثين قله فيروغ فيه، فذلك باق عليه.
قُلتُ: ما تعقبها الشيًخ ولا الصقلى.
وقال ابن رُشد: قوله: (تنفسخ الإجارة فى الأيام التى راغ فيها، ويرد من الإجارة منابها) صحيح لا خلاف فيه.
قُلتُ: بهذا أجبت فى الفتيا فى نازلة تكثر فى أجر الحرث والرعاة لأشهر معينة يروغ الأجير فى بعضها فيأتى بعد انقضاء المدة بطلب مناب ما عمله فى المدة فى الأجر أن له ذلك بالتقويم، وما بلغنى عن فتوى بعض من سئل عنها لا أجر له فيما عمل خلاف قول ابن رُشْد: لاخلاف فيه فتأمله ابن رُشْد، وقوله: إنما يلزمه عمله بعد ذلك فى مثل قوله: إلى آخر المسأله خلاف مشهور المذهب أنه لايجوز مدتان فى مدة؛ لأن اليوم أو الشهر أو السنة التى سمى مدة وما شرط طحنه فى ذلك الأجل من عدد الويبات أو يسبكه من عدد القلال مدة.
قُلتُ: فى تعقب ابن رُشْد نظر يتضح بتقرير قاعدة هى ماكان يمضى لنا من الفرق بين اعتبار الأخص لقصد تحصيل أعمه لا لقصد تحصيل عنيه وبين اعتباره لقصد تحصيل عنيه يبينه قولها فى الرواحل.
قال ابن القاسم: إن أكرى دابة بعينها إلى ليركبها فى غده فأخلفه الكرى فليس له إلا ركوبه، وإن أكراها أيامًا معينة انتقض الكراء فيما غاب منها كالعبد المستأجر شهرًا بعينه يمرض فيه أو يأبق تنفسخ إجارته فيه.
قُلتُ: فقوله فى المسألة الأولى: ليركبها فى غده هى من اعتبار الأخص لقصد تحصيل أعمه، وحكم هذا إن نوت فقوله الأخص لايبطل العقد؛ لأن المقصود الأعم وهو باق فلم يبطل العقد متعلقه بالقصد، وهو مطلق الركوب إلى الأعم من كونه فى غد يوم عقد أو بعده وقوله فى المسألة الثانية أكراها أيامًا معينه إلى آخر من اعتبار الأخص لقصد عينه وحكم هذا انفساخ عقده بفوت الأخص حسبما ذكره فيها؛ الأنه بفوت الأخص لايبقى للقعد متعلق ضرورة انحصار القصد فى الأخص، وقد فات فإذا تقرر هذا فقول ابن القاسم: فى الأولى من سماع عيسى هو من اعتبار الأخص لعينه، كقوله فى الثانية من مسألتى الرواحل: فانفسخ العقد فيهما بفوته، والثانيه من السماع من اعتباره لتحصيل أعمه كقوله فى الأولى من مسألتى الرواحل: لم ينفسخ العقد فيهما؛ لأن الأخص فيهما معتبر لقصد تحصيل أعمه ونحو هذا مذكور فى السلم إذا أخر المسلم إليه قضاء السلم عن وقته المقصود بع عرفًا، وفى الكراء للحج وماذكره ابن رُشْد من أن المشهور منع مدتين فى مدة انما هو فيها اعتبر فيه الزمان الأخص لعينه لافيها اعتبر فيه الأعمه ولذا والله أعلم لم يتعقبه الشًيخ ولا الصقلى.
وحفى الرحا يوجب نقشها:
ابن العطار: وهو على من هو عليه عرفًا، فإن عدم العرف فعلى ربها.
ابن حبيب وابن أبى زَمَنَين: عرفنا على المكترى.
قُلتُ: هو بناء على أن وقته معروف عادة وإلا امتنع كمنعها شرط تطيين البيوت كلما احتاجت.
المتيطى: أنكر ابن الهندى منع بعضهم كراء منصب الرحا فارغه من آلتها على أن يجعلها المكترى مستدلآ بإجازة المانع كراءه على أن يبنى فيه رحى يبقيها أعوامًا.
قال: وهذا أعظم من كراء المنصب.
قُلتُ: قد يفرق المانع بأن معنى صورة المنع عنده أن مقصود الكترى بكرائه مجرد منفعه الماء، وفيها: ما ظاهره منع ذلك فى التجارة لأرض الحرث منها من بنى فى أرضك على نهر لك رحى فلك عليه كراء الأرض، فأما الماء فلا كراء له وفى الجعل والإجارة منها لا بأس أن تواجر حافتى نهرك ممن يبنى عليهما بيتًا أو ينصب رحا فما منعه هو مقتضى الأولى وما أجازه هو نص الثانية، فقال الصقليفى مسألة كتاب التدارة: يريد: على انفراده وتقوم الأرض كم يسوى كراؤها على أن فيها هذا الماء حسبما كانت عليه، قال الشًيخ.
الصقلى: لأنه لو كان ماؤك يجرى فى أرضه لأرض لك تحت أرضه لكان له أن ينصب عليه رحى فى أرضة إن لم يضر بك فبان أن الماء ليس له كراء فى مثل هذا.
المتيطى: وشروط نقد كراء الرحى فى العقد جائز فى المأمون جرى مائها وثبوت سدها فاسد فى غيرها.
فى أحكام ابن سهل: عقد ابن دحون قبالة رحى على نهر قرطبة لمدة عينها على أن تطوع المتقبل ينقد الكراء آخر العقد، وعلم أن الرحا يتعذر طحنها فى الشتاء، وإنما يستقيم بالصيف فأرد استغلالها بالشتاء، وطلبه عند صاحب السوق أبى على بن ذكوان فشاور فى ذلك فأفتى القرشى بأن القبالة لاتجوز؛ لأ ن الرحة غير مأمونة، وأفتى ابن حرج بصحتها وأنها مأمونة وله استغلالها فى الشتاء، وقال ابن عتاب: ذكر طوعه بالكراء فى آخر العقد يوجب كونه فيه فخرج عن كونه طوعًا إلى كونه شرطًا فى العقد، فإن أثبت القائم أنها غير مأمونة فسخت.
ابن سهل: هذه أجوية مختلفة ليس لها تفسير.
قُلتُ: الأظهر الجواب الأول؛ لأن قوله: يتعذر طحنها فى الشتاء؛ نص فى نقصه مه إبهام قدره، وهذا غرر فقد دخلا على عدم الأمن فلا تفتقر لإثباته فتأمله، وفيها: لمن اكترى أرضًا ثلاث سنين فزرعها ثم غارت عينها أو انهدم بئرها، وأبى ربها إصلاحها أن ينفق عليها حصة تلك السنة فقط من الكراء، وما زاد عليه فهو به متطوع.
الصقلى: عن محمد إن كان قبضه ربها غرمه فإن كان عديمًا فللمكترى إنفاق قدره
ويتبعه به، وإن كان ذلك فى السنة الثانية قله إنفاق حصتها، ولا ينفق عليها شيئًا من حصته الأولى، فإن كان ذلك قبل أن يزرعها، فقال أشهب: لا شئ على ربها وللمكترى الفسخ فإن أنفق من عنده فلرب الأرض كراؤه كاملآ ولا شئ للمكترى فيما أنفق إلا فى نقض قائم من حجر ونحوه ويطيه فيمته منقوضًا أو يأمره بقلعه.
قُلتُ: يجرى الحكم بأن له ذلك، ولو كره رب الأرض أو يأمره على ما تقدم فى ذهاب الرحا يسيل، وفى قيمه النقض على ما تقدم فى بناء المكترى بإذن رب الدار أو بغير إذنه.
اللخمى: هلاك الزرع إن كان لقحط المطر أو لتعذر ماء البئر أو العين أو لكثرة تشوع ماء المطر أو لدود أو فأر سقط كراء أرضيه كان هلاكه فى الإبان أو بعده، وإن هلك لطير أو جراد أو جليد أو برد أو جيش أو؛ لأن الزريعه لم تنبت لزم الكراء هلك فى الإبان أو بعده، وإن غرقت الأرض فى وقت لو انكشف أعاد زراعتها سقط الكراء والإ فلا؛ لأن مقام الماء عليها فى الإبان كغاصب حال بين المكترى وبين منافع الأرض، وبعد الإبان كغاصب أفسد الزرع، وإن كان يقدر على إعادة بعضها أو زال سقط مناب ما كان يقدر على حرثه، وأرى إن غرقت بعد لإبان ثم ذهب عن قرب بعدما أفسد الزرع، ثم لم تمطر بقيه السنة وعلم أنه لو لم يفسد بم يتم سقط كراؤها، واختلف إن أذهبه السيل، فروى محمد عليه الكراء، وقال يزيد: إن أذهبه بعد الإبان وأرى إن أذهب السيل وجه الأرض قبل الإبان أو بعده أن لا كراء عليه؛ لأن منفعة الأرض فى وجهها وهو المكترى وهو المقصود.
قُلتُ: قوله: اختلف يدل على قولين ولا ثانى لما ذكر إلا اختياره.
نقل ابن رُشْد: اهتياره قولا.
قال: واختلف إن نبت فى أرض من جره إليها ففيها: هو للثانى ولابن سَحنون عنه: إن جره قبل نباته وبعده لزراعه، وقال: ايضًا للثانى وعليه للأول فيمته مقلوعًا وقيل: للأول مطلقًا وعليه كراء الأرض وهو أحسن؛ لأنه ملكه نبت فى أرض غيره بشبه، إن انتثر للمكترى فى حصاده حب فى الأرض فنبت قابلًا فهو لرب
الأرض كزرع سيل لأرض غير زارعه.
اللخمى: هذه بخلاف الأولى؛ لأن هذا هو الشأن أن ينتثر منه، ويذهب عنه أنه لا حق له فيه ولو لم يحصده وأتى عليه برد بعد تمامه فأنتثر، ونبت قابلًا كان على الخلاف المتقدم هل يكون للأول أو للثانى.
قُلتُ: مسألة جر السيل الزرع فى سماع عيسى ابن القاسم فى كتاب السداد والأنهار من تفتقيت أرض جنانه عن عرق من أصل شجرة جنان جاره، فإن كان لربها فيه منفعه إن قلعه لغرسه فله قلعه، وإن لم يكن له فيه نفع ولا عليه فيه مضرة فهو لرب الأرض إلا أن يكون قد بلغ بحيث يكون له ثمن كخشبة أوحطب فيكون له على رب الأرض ثمنه مقلوعًا.
عيسى: إلا أن يكون بقاءه بحاله يضر الشجرة التى هو منها فلا يكون له ذلك إلا برضى ربها.
ابن رُشْد: قول عيسى: تفسير، ولابن القاسم فى المجموعة: إلا أن يشاء الذى ظهرت فى أرضه قطع بحروقها المتصله بشجر الأول حتى لا يضرها، ويعطيعه قيمتها مقلوعة فذلك له، وهو تفسير لقول عيسى، ومن حقه قطع عروقها المتصلة بشجر الأول بها، وأن أضر بالشجرة التى هى منها؛ لأن له قطع ما ظهر من أرضه من عروض شجرة غيره كما له قطع ما دخل فى هواه من أغصان شجرة غيره.
قُلتُ: قإن قيل: كون الثابت بأرض الجار لرب الشجرة، خلاف قولها الحب لمن جره السيل لأرضه بجامع ملك المحل فيهما فرق بان الثابت من الشجرة متصل بها فهو كغصن منها مسأله البذر هى سماع عيسى ابن القاسم قال: الزرع لرب الأرض؛ لأنسنته قد انقضت لقول مالك فى حمل السيل بذر أرض رجل إلى أرض غيره فصار بها زرعًا فهو له دون الأول.
ابن رُشْد: قول ابن القاسم: فيمن انتثر زرعه كقوله فيها وقياسه على قول مالك صحيح؛ لأن البذر مستهلك فى المسألتين لايقدر ربه على أخذه من أرض صاحب الأرض مثل فى المدَوًنه سواء؛ لأن معنى قوله فيها: حمل السيل زراعه إلى أرض رجل
آخر فنبت فيه أنه حمل بذره إلى أرض رجل آخر فنبت فيه؛ إذ لا ينبت الزرع إنما ينبت البذر، ودليل هذا سماع أيضا لنصه: على سبيل إنما ذهب بالبذر لا الزرع ولو ذهب بالزرع بعد ظهوره ففى كونه لرب الأرض وعليه قيمته مقلوعا إن كانت له قيمة أو لربه وعليه كراء الأرض ما لم يجاوز الزرع فيكون له تركه لرب الأرض ثالثها، إن لم تكت فيه منفعة فهو لمن جره السيل إليه، وإن كانت له قيمة فهو لربه وعليه كراء الأرض لروايته عن سحنون، ولابنه عنه فى كتاب المزارعة مع قوله فى كتاب ابنه، ولا يكون كالمخطاء والمخطاء كعامد ولا يكون أسوأ حالا من المكترى للأرض مدة تتم وله فيها زرع أخضر علم حين زرعه أنه لا يطيب فى المدة.
قال مالك: له زرعه وعليه كراء زيادة المدة، ولابن وضاح عن سحنون: وقيل: إن جره السيل وهو بذر، وهو لربه وعليه كراء الأرض وهو بعيد، وفيها: من اكترى أرضا سنة فحصدت زرعه قبل تمام السنة فالسنة فى أرض المطر الحصاد، وذات السقى التى تكرى على المشهور أو السنين فللمكترى العمل لتمام السنة، فإن تمت وله فيها زرع أخضر وبقل فليس لرب الأرض قلعه، وعليه تركه لتمامه، وله فيها بقى كراء مثلها على حساب ما أكراها منه.
قال غيره: أن بقى من السنة بعد حصاده ما لا يتم فيه زرع فلا ينبفى أن يزرع، فإن فعل فعليه فى زيادة المدة الأكثر من الكراء الأول أو كراء المثل.
عياض: قيل قوله: له كراء مثله على حساب ما أكرى تناقض، وطرح سحنون فى رواية يحيى قوله: على حساب ما أكرى، واختصرها الشيخ وغيره: لا على حساب ما أكرى، وكذا وقعت فى سماع أبى زيد فى زيادة مدة كراء الدار له كراء المثل لا بحساب الكراء الأول.
وفى المدونة من كراء الرواحل: فى التعدى فى المسافة له كراء مثلها لا على الأول.
وفى اختصار ابن أبى زمنين: له فى كراء أرضه على حساب ما أكرى منه، والقولان فيهما وفى نظائرها معروفا، وفى سماع عيسى القولان، وقال ابن لبابة: لفظها إشارة إلى القولين معا.
قال: ويحتمل أن السامع ظنهما قولا واحدا ولم يحصل فوضعها بهذا اللفظ، وما فى العتبية يدل أن جواب الكتاب جمع فيه القولين، ولم يفصل بينهما فالتبس الجواب وصحح بعضهم لفظ الكتاب بأن ينظر لقيمة الزيادة من قيمة كراء السنة فيعطيه على حسابه مما أكرى به لدخولها على الانتفاع بالأرض، وعلما أن بعض البطون تتقدم وتتأخر لطرو العاهات.
قلت: هو قول الصقلى قال: ومعناه أن تقوم الزيادة إن قيل: قيمتها دينار وقيمة كراء السنة خمسة دنانير كان عليه فى الزيادة مثل خمس كراء السنة.
اللخمى: فيما بقى من زرع بعد مدة الوجيبة ثلاثة ابن القاسم وتترك لتمامه ولرب الأرص كراء المثل، وفى رواية كراء المثل بحساب ما أكرى وقال غيره: إن بقى من المدة ما لا يتم فيه الزرع فلا يزرع، فإن تعدى وزرع فعليه فى الزائد الأكثر من كراء المثل، أو بحساب ما أكراه ابن حبيب: إن زرع عالما أنه لا يتم فى بقية مدته فهو متعد لرب الأرض حرثها وإفساده وإقداره بالأكثر من المسمى أو كراء المثل، وإن زرع طانا تمامه لتمام أمد الوجيبة فجاز بالأيام، والمشهور لزوم إقراره بمثل الوجيبة، وقول ابن القاسم أحسن؛ لأن الشهر الباقى داخل فى الكراء من حق المكترى إذا كان لا يتم فيه البطن أن يحط ما ينوبه من المسمى إلا أن يتراضيا أن يكريا ذلك البطن، ويقسما الكراء على ما لكل منهما فيجوز بعد معرفة ما ينوب كل واحد منهما قبل العقد، فإن بادر لزراعته لم يحكم عليه بحكم التعدى؛ لأن له فيه شركا وهو الشهر الأول وعليه الثانى كراء المثل لعدم إقراره بالرضى فيه بالمسمى، ويختلف إن رضى فيه بالمسمى هل يلزمه ذلك؟ أو يرد فيه لأجر المثل؛ لأنه حين التزامه لم يعلم ما ينوبه من جملة السنة فهو كجمع الرجلين سلعتيهما فى البيع.
الصقلى: عن ابن حبيب: إن بقى من المدة شهران وما لا ينتفع فيه بالزرع وهى أرض زرع فليس للمكترى أن يحرث فيها زرعا إلا باكتراء مؤتنف، ولا يحط عنه شاء ولربها حرثها ولو كره المكترى؛ لأنه مضار فى منعه فإن زرعها المكترى علم انقضاء الوجيبة فذكر مثل ما تقدم.
قال: وإن كانت من أرض البقل فله الانتفاع لتمام الوجيبة، فإن انقضت ولم يبلغ بقله فذكر مثل ما تقدم فى الزرع.
ابن الحاجب: إن زرع أضر مما له فللمالك قلعه، أو أخذ ما بين القيمتين مع الكراء الأول.
قلت: تقدم القول فيه فى فصل ما تقتضى به منفعة المكترى ونقل الباجى والمتيطى فيه ابن عبد السلام قوله له قلعه هذا إن عثر عليه قبل طيبه ولو كان بعده لم يكن له قلعه.
قلت: قوله: قبل طيبه نص، أو ظاهر فى أنه إن كان بعد الإبان، وقبل طيبه أنه قلعه ولا أعرفه، وحال المكترى فى حرثه الأرض كبعض أقسام مسألة: من حرث أرض غيره وحاصل تحصيلها فى المقدمات فى بيان قولى ابن القاسم وغيره فيها: إن قام ربها فى الإبان، وأقر الحارث بالعداء فلربها أمره بقلعه إن كان ينتفع به، ولا يجوز له أخذه بقيمته مقلوعا؛ لأنه بيع له قبل بدو صلاحه، وأجازه التونسى لدخوله فى ضمانه بالعقد؛ لأنه فى أرضه فلا غرر.
قلت: هو خلاف نصها: إن انقضت السنون ولمكترى الأرض بها زرع لم يبد صلاحه لم يجز لرب الأرض شراؤه.
ابن رشد: وأن لم يكن ينتفع ب فلربها أخذه مجانا، وإن ادعى حرثها بعلمه لا باكتراء فإن حلف ربها ما علم بحرثه فكما مر، وإن نكل يحلف الحارث وبقى له زرعه ولزمه كراء المثل، وإن ادعى حرثها باكتراء منه فإن حلف ربها على نفيه فكما مر فإن نكل حلف الحارث، ولو كان ما أقر به من الكراء أكثر من كراء المثل ليثبت بحلفه بقاء زرعه، وفى حلفه مطلقا أو ما لم يدع ما لا يشبه قولان للمشهور، وقولها فيحلف قال: وقعت المال بضاعة ونكل حلف مدعى قبضه قراضا إن كان مثله يقارض.
قلت: هما بناء على ترجيح تمكين المدعى بنكو له عموم قبول حلفه على تكذيبه العرف فى دعواه، وعكسه كبيبة بتكذيبه.
ابن رشد: وإن ادعى كراءها وحرثها بعلم حلف ربها على نفيها، وخير فى أخذه بما
أقر به من الكراء أو أخذ أرضه إن كان فيه منتفع، وفى جواز أخذه بقيمته ما تقدم للتونسى والمشهور، وإن لم يكن فيه منفعة وجب لرب الأرض ولم يجز تركه للمكترى بما أقر به ولا بكراء المثل؛ لأنه بيع له بما يأخذه من الكراء وإن نكل حلف الحالف وقبل قوله، وإن لم يشبه على ما مر فإن نكل أخذ رب الأرض أرضه، ولو قال: احلف ما علمت حرثه لا على ما أكريت منه لم يكن لحلفه معنى، إلا أن ينكل الحارث عن اليمين فإن نكل قيل لرب الأرض: احلف ما علمت بحرثه إياها وخذها واقلع الزرع إن شئت، وإن قال رب الأرض احلف ما أكريت إلا على ما علمت بحرثه إياها لم يمكن من حلفه على ذلك عن ابن القاسم؛ لأنه إن نكل عن حلفه ما علمت بحرثه إياها وجب أن يحلف الحارث لقد علم بحرثه وإذا حلف عليه كان كقيام بينة بذلك أو إقرار به، وكلما ثبت أحدهما كان شبهة توجب قبول قول الحارث أنه اكتراها بكذا إن أشبه ذلك كراء المثل فيحلف الحارث إن نكل رب الأرض عن الحلف ما علم بحرثه على علمه به وعلى اكترائه إياها منه بكذا إن أشبه ما ادعى كراؤها، وإن لم يشبه لم يصدق فى ذلك وحلف ربها ما أكرها منه واستحق كراء مثلها ولم يكن له قله زرعه إن حلف الحالف أنه حرثها بعلمه، فإن نكل فيه كان لرب الأرض أخذها وقله الزرع، وإن قامت للحارث بينة بحرثه الأرض بعلم ربها فالقول قوله مع يمينه فى الكراء إن أشبه وإلا حلف ربها واستحق كراء المثل، فإن نكل فالقول قول الحارث وإن لم يشبه وإن كان ما أقر به الحارث من الكراء ككراؤ المثل فأكثر فلا يمين عليه، هذا قول ابن القاسم فى المدونة وتسويته فيها بين قيام البينة للحارث على علم رب الأرض بحرثه أو نكوله فى قبول قول الحارث بيمينه فى الكراء إن أشبه إنما يريد: أن نكل عن اليمين ما حرثها بعلمه ومعرفته أما لو نكل عن الحلف على أنه لم يكرها منه فالقول قول الحارث ولو لم يشبه اتفاقا بينهم إلا ما تقدم من مسألة القراض، وغير ابن القاسم فى المدونة لم يرى حرثه الأرض بعلمه شبهة توجب قبول قوله فى الكراء وجعل القول قول رب الأرض مع يمينه أنه ما أكراها، فإذا حلف استحق كراء المثل وإن كان ما أقر به المكترى أكثر من كراء المثل فلا يمين على واحد منهما، وسواء على قول الغير علم أو لم يعلم لا يحلف على
مذهبه ما علم بحرثه، إنما يحلف ما أكراها منه ويستحق كراء المثل فإن نكل حلف الحارث، ولو أتى بما لا يشبه ولو قام بعد الإبان فإن صدقه ما أكرى منه فله كراء المثل دون حلف ادعى حرثه بعلمه أم لا، وإن ادعى أنه أكراها منه لا أنه حرثها بعلمه حلف ربها وأغرمه كراء مثله، فإن نكل حلف الحارث على ما ادعى من الكراء، وإن ادعى الأمرين حلف ربها على نفيها معا وأخذ كراء المثل، وأن نكل عنهما أو عن أنه لم يكن منه حلف الحارث على ما ادعى من الكراء ولو كام ما أقر به أكثر من كراء المثل فلا يمين على واحد منهما، فإن نكل ربها عن الحلف ما حرثه بعلمه حلف الحارث على قول ابن القاسم: لقد حرثتها بعلمه واكتريتها بكذا إن أشبه ذلك وإلا حلف رب الأرض ما أكراها منه وأخذ كراء المثل، وعلى قول غيره: يحلف رب الأرض ما أكراها منه ويأخذ كراء المثل.
اللخمى: إن حرثها بعلم ربها فلا يحكم فيه بحكم التعدى اتفاقا فإن ادعى الكراء بقدر كراء المثل أخذ به دون يمين، وإن ادعاه بأقل ففى قبول قوله: إن أشبه بيمينه أو قول ربها فيأخذه بكراء المثل.
قولا ابن القاسم وغيره: وإن حرثها بغير علمه ففى كون اختلافهما شبهة تنفى حكم التعدى أو لا.
قولان لغير ابن القاسم: وله قائلا: والقول قول ربها إن حلف وهو فى الإبان ولا منفعة فى الزرع فله أخذه مجانا، وإن كان فيه منفعة فلربه قلعه ولربها أمره به وفى جواز أخذه بقيمته مقلوعا قولان والأول أحسن، لا يدخله النهى عن بيع الزرع قبل بدو صلاحه؛ لأنه فى بيعه على البقاء مزيد فى الثمن لمكان البقاء مع جهل سلامته وهذا يأخذه بقيمت مقلوعا لم يزد للبقاء شيئا، وإن أحب إقراره بالكراء قبل أن يكون فى قلعه منفعة دخله بيع الزرع قبل بدو صلاحه على البقاء؛ لأنه صار لرب الأرض إلا أن يقصد إثبات التعدى، ويرى رأيه هلى يأخذه بالتعدى أو يمضيه له ويطلب بالكراء فيجرى على القولين فيمن خير بين شيئين، وإن كان فى قلعه منفعة فأقره لربه بكراء جاز على منع أخذه بقيمته مقلوعا ويخالف على إجازته، فإن قدر أنه لم يختر الأخذ جاز وإن
قدر أنه لما ملك أخذه كأنه أخذه ثم انتقل لتسليمه لم يجز، والأول أحسن وعلى قول غير ابن القاسم: إنما مقاله فى الكراء حسبما تقدم، وفيها: إن جاء مكترى الأرض لزرعها من الماء ما كفى بعضه وهلك بعضه فإن حصد ما له بال وله فيه نفع فعليه من الكراء بقدره ولا شاء عليه إن حصد ما لا بال له ولا نفع له فيه.
اللخمى: لمحمد عن ابن القاسم إن سلم مثل الخمسة فدادين والسته من المائة وشبهها فلا كراء عليه؛ إن كان ذلك مفرقا فى الفدادين؛ لأنه كالهالك وكثير من الناس لا يتكلف جمع مثله ولو سلمت الخمسة على المعتاد من سلامتها لزم كراؤها، ولو قحط المطر عن بعض الأرض قبل الزراعة لزمه ما سلم إلا أن يقل فيكون له رده، وذكر الصقلى ما فى الموازية ولم يقيده، وقال: ولعله قدر زريعته فكأنه لم ينتفع بشاء.
ابن العطار: إن وجد مثل البذر فلا كراء عليه.
ثم قال: ولو وجد أكثر منه بقدر نفقة حرثه فى كراء عليه والأول أبين؛ ومعنى قولها جاءه ما كفى بعضه يشبه أن يكون ماء البئر يلحق ما بقى من مائها بعض الفدادين دون باقيها زاد، وأما المطر فكأنه لا يصح هذا فيه.
قال: ولو أتى الجراد فى إبان الحرث وعلم الناس إن زرعوا أكله الجراد فامتنعوا فلا شاء عليهم فى المدة التى تركوا فيها الزراعة خوف الجراد.
قال: ومن اكترى أرضا تزرع بطونا فلما زرع أكل زرعه الجراد وكثر حتى خاف فلم يزررع ثم لما خف فأكل الجراد ما زرعه أيضا.
قال: إنما عليه من الكراء بقدر ما أقام الزرع الأول فلا شاء عليه فى باقى المدة؛ لأنه جاء ما منعه الزرع.
ابن فتوح: إن رفع من الأرض فى قحط المطر ما لا بال له سقط عنه الكراء، وإن رفع ما له بال لزمه الكراء بحسابه، وتفسيره أن ينظر إلى ما يقوم من تلك الأرض على التوسط والتوسط حمل السنين بعضها على بعض، فإن قبل يقوم للحبة ست حبات على التوسط فما رفع من الست حبات لزمه ذلك، وإن رفع الحبات الست لزمه كل الكراء، وإن رفع الحبة حبتين لزمه ثلث الكراء.
وزاد المتيطي: وقال غيره: إن رفع ما بذر دون زيادة لم يلزمه شاء.
قال بعض الموثقين: لو قال قائل لا يلزمه فى الحبتين شاء كان صوابا؛ لأن فى تكلفة الحرث والزراعة والحصد والدرس أكثر من ذلك.
وانتقاء مدة كراء الأرض لغرس شجر أو بناء وهو بها مقتضى قولها، ونص اللخمى غيره: لربها أمره بقلعها وأخذها بقيمتها مقلوعا، وهو نص منفعتها فى اكترائها لغرس شجر.
زاد ابن شاس: بعد طرح أجر الإخلاء إن كان المستأجر يحتاج للاستئجار عليه.
قلت: انظر فى العارية تمامه.
عبد الحق عن غير واحد من القرويين: إن كان بالشجر حين انقضاء مدة الكراء ثمر غير مأبور لم يجبر رب الأرض على بقاء الغرس وله أمره بقلعه، وإن كان مأبورا جبر على بقائه بقيمة كرائه لفساد الثمن بقلعه، وفيها: إن انقضت المدة وفيها شجر فلمكتريها إكراؤها، ولو كان مكتريها اكتراها لغيره فانقضت المدة وفيها شجر فلمكتريها أولا اكتراؤها، فإن أرضاه الغارس وإلا قلع غرسه.
قال غيره: لا ينبغى ذلك حتى يتعامل الغارس وربها على ما لا يجوز إلا أن يكريك أرضه على أن يقلع عنك الشجر.
التونسى: إن علل قول الغير بأن تمكن المكرى من أخذ الشجر بقيمته عاجلا مع ثبوته له عند انقضاء مدة الكراء الثانى منضما لتمكن المكترى الأول من اخذه بقيمته يوجب تهمة رب الأرض على أنه إنما أكراها منه ليسلفه قيمة الشجر على أن يدفعها لربها حتى ينقضى أمد كراء الثانى لزم مثله فى إكرائها ممن له الشجر بها والسلف هنا تأخير اقتضاء قيمتها، فإن قيل: إنما أخذ الشجر بقيمتها لرب الأرض لا للمكترى منه فائدة جهل المكترى قدر الأرض إن أخذ ربها الشجر كان المكترى منها ما سوى محل الشجر، وإن لم يأخذها كان بيعها قبل لو كانت العلة هذه كان المنع متفقا عليه، فإن قيل رب الأرض: أسقط حقه فى الشجر فلا قول لمكترى الأةل فى أخذه قيل: لا ضرر على الغارس فى ذلك، والمكترى حل محل رب الأرض، وهو نص ابن القاسم
بمراضاته، فابن القاسم ألغى التهمة على السلف لبقاء الغرس على ملك غارسه، وإنما يؤخذ ربها حين انقضاء المدة الثانية بقيمته يومئذ.
قلت: مال قول تعقب قول الغير ببطلان لازم عليه المنحصر تعليله فيها وزعمه الانحصار فيما ذكر يرد بجواز تعليله بأنه كراء مشتمل على بيع محض فى مالى فوجب منعه، كبيع الشفعة وبيع مبتاع سلعة بخيار من مبتاع آخر على أن له الخيار فيها على بائعه الأول؛ لأن المكترى أجيرا يدفع الكراء على أمرين انتفاعه بالأرض المدة المعلومة وتمكنه من أخذ الشجر بقيمته كما كان ذلك لرب الأرض، وهذا لا يجوز لكنه تبع، فابن القاسم ألغاه لتبعيته والغير اعتبره؛ لأنه مما يقصد، وعلل اللخمى قول الغير بما زعم التونسى أنه يوجب الاتفاق على المنع، ثم قال: وحمل ابن القاسم الكراء على كل الأرض، وأنه أسقط حقه فى الغرس، ويختلف إن أسقط حقه فى الغرس وأراد المكترى الثانى أخذه بقيمته مقلوعا هل له ذلك وبيانه فى الشفعة، وفيها: لو صالح المكترى رب الأرض حين انقضاء المدة على بقاء الغرس عشر سنين بنصف الشجر لم يجز؛ لأنه أكراها ينصفها يقبضها لعشر سنين، وقد لا تسلم ولو قبله له الآن جاز.
قال غيره: لا يجوز؛ لأنه فسخ دين فى دين.
التونسى: قول الغير هنا أبين؛ لأنه أخذ نصف الشجر فوجب عليه فيه بمن اعطى عنع بقاء نصف الأرض بيد المكترى، وقرره اللخمى: بأنه بنى على أن من خير بين شيئين يعد منتقلا.
قال: وأرى أن يوكل لأمانته ويعلم أنه متى اختار أخذها بالقيمة لم يجز أن يدفع عن ذلك منافع ويجوز على قول أشهب، وعلى القول بفساده يفسخ البيع فى المبيع إن كان معينا ما لم يتغير فيمضى بالقيمة يوم العقد الثانى؛ لأنه مقبوض فى أرضه، ولو قال: على أن له نصفه من الآخر شائعا ولا قسم حتى تنقضى الإجارة فتغير لذلك لم يكن فوتا؛ لأنه غير ممكن منه، وقيل هو فوت والنصف الآخر باق على ملك ربه، وفيها لو تمت المدة وفى الأرض لمكتريها زرع لم يبد صلاحه لم تجز لرب الأرض شراؤه.
قلت: تقدم قول التونسى ونقل اللخمي.
وفيها: وإنما يجوز بيع زرع أخضر بشرطه مع الأرض فى منفعته، وكذا الأصول بثمرها تقدم حكم الثمر فى البيوع.
اللخمى: فى جواز شراء الزرع بعد شراء الأرض، ثالثها إن قرب ولم يعزها قال: والمنع أصوب ولو وهب الأرض لم يجز لمن وهبت له شراء زرعها، ولو اشترى رب الأرض زرعها ولم يعثر عليه حتى تغير بنماء أو عامة لكان من زراعه، وإن كان سقيه على مشتريه، وكذا قال ابن القاسم: جائحة العرية من المعرى، وإن كان سقيها على رب النخل، وفيها: إن عطبت الدابة بزيادة مكتريها على ما شرط ما تهلك بمثله فلربها أخذه بكراء الزيادة مع ما بلغ مع الكراء الأول أو قيمة الدابة يوم التعدى ولا كراء له.
الصقلى: يريد: أن زاد بعد سير بعض الطريق فله منابه من الكراء الأول مع قيمة الدابة يوم التعدى، وفيها: إن زاد ما لا تعطب فى مثله فله كراء الزيادة مع الكراء الأول.
الصقلى: بخلاف تجاوزه المسافة؛ لأنها تعد كلها فيضمن فى قليلها وكثيرها والزيادة فى الحمل مختلطة بالمأذون فيه وصفة كراء الزيادة فى الحمل إن وجبت هو قيمة كراء الزيادة على الدابة على حال ما تعدى عليها، وقال بعض أصحابنا: يكون له الكراء الأول وفضل الضرر كمن اكترى لحمل شاء فحمل أضر منه فإنه يكون له فضل الضرر.
الصقلى: ليس كذلك؛ لأن من زاد فى الحمل حمل مل أذن له فيه، وزاد: وإن حمل غير ما أكراها له كمن ركبها فى غير الطريق التى أذن له فيها وكل محتمل؛ لأن الذى أردف حمل أكثر مما اكتراها له فكان كمن حمل رصاصا مكان بز فيكون له فضل الضرر إن كان كراء المسمى حمله عشرة وكراء ما حمله خمسة عشر فله المسمى وزيادة خمسة.
قال بعض القرويين: الأشبه إن عطبت فيما لا يعطب فى مثله أن يضمن؛ لأنه سيرها على غير ما أذن له فيه فأشبه الزيادة فى المسافة وما ذكرنا من الفرق يرده.
وفيها: وأما زيادة الحاج فى الزاملة ما تعطب فى مثله، فقال مالك: ليس الحاج كغيره عرفت له زيادات من السفر والأطعمة لا ينظر فيها المكرى، ولا يعرف ما حمل
لا ضمان في ذلك إن كان المكرى رآه.
وحمله الصقلى: يريد: ولو لم يره الجمال لضمن؛ لأنه زاد ما تعطب فى مثله.
اللخمى: أجاب مالك إن كان هو الذى حمل ولم يجب إن لم يحمله وهو مشكل يصح أن يضمن بزيادته وأن لا يضمن؛ لأن الكرى فرط بعدم اختباره.
وقوله: فى هلاكها بزيادة ما لا تعطب بمثله؛ يريد: إن حملها بالبلد لم يخرج عنه ولو هلكت فى حال حملها، وإن شك هلى هلكت بالزيادة وهلكت حال حملها أو بقرب زواله ضمن على قول ابن مسلمة بخلاف العبد؛ لأنه يشكو ما نزل به فسكوته دليل السلامة والدابة ينزل بها ما يهلكها فلا يعلم حتى تهلك.
وقد قيل: لا ضمان عليه وأرى أن يغرم نصف قيمتها -كذا وجدته فى نسختين إحداهما عتيقة مصححة، وفى بعض النسخ قيل: بدل ففقل-: وإن علم أن هلاكها بالتعجى وحمل الحادى عشر على العشرة ففضه فى كل نقله فلربها أن يغرمه قيمتها أول نقلة ولا كراء له أو يأخذ المسمى وكراء الزيادة ولا قيمة له، ولو قيل: له قيمتها من الوقت الذى خشى فيه عليها من التمادى وله فيها تقدم من النقلات ما ينوبه من المسمى وكراء الزيادة لكان وجها.
قلت: هذا هو الأظهر لا الأول وتشبه مسألة العريش.
وفيها: وكذلك الرديف فيما ذكرنا.
اللخمى: إن سلمت فلربها المسمى وكراء المثل فى الرديف، وإن حدث بها عيب يسير فالمسمى، وفى الرديف الأكثر من كراء المثل أو قيمة العيب إن لم يعب ركوبها.
قلت: لم يجب عن مفهوم أن لم يعب ركوبها، وجوابه: إن اختار قيمة الركوب أن تكون قيمته على أنها معيبة من حين حدوث عيبها، وإن اختار قيمة العيب سقط منابه من المسمى.
قال: وإن كان العيب كثيرت خير فى أخذ قيمة الرقبة ولا شاء له من الكراء أو المسمى والأكثر من كراء الرديف وقيمة العيب، وكذا إن هلكت إذا عيبت عن تمادى الثقل، وإن كان عثارا عرض لشدة الثقل فى آخر يوم فله المسمى وكراء المثل للأيام