وأجيب بأن المرضع وإن لم يقصد ضررها فترك الوطء يعود بنفع على ولدها، ومسألة الزوجات لا يعود لها نفع ولا لولدها، ولذا لو حلف أن لا يطأ المرضع عامين لقصد نفي الضرر عن الولد فمات وقد بقي من العامين أكثر من أربعة أشهر كان موليًا.
قلت: يرد بأن موجب نفي الإيلاء في مسألة الفطام عند اللخمي الذي البحث معه إنما هو مجرد عدم قصد الضرر لا بقيد حصول النفع لها أو لولدها لقوله في كتاب الإيلاء: إن حلف على ترك وطئها لإرادة إصلاح جسده وضرره بالوطء، فإن كان ضعيف البنية وضرب أجلًا يرى فيه صلاحه لم يكن موليًا.
وفيها: إن رضيت بترك أيامها أو بالأثرة عليها على ألا يطلقها جاز، ولها الرجوع متى شاءت فإما عدل أو طلق.
اللخمي: إن أسقطت الحرة يومها أو وهبته لضرتها فللزوج منعها لحقه في المتعة بها، فإن وافقها فالمسقطة كالعدم واختص القسم بمن سواها وللموهوبة يومها، وقال بعض العلماء: إن وهبته له فله أن يخص به واحدة أو يخص القسم بمن سواها ولها الرجوع في حقها متى شاءت كانت الهبة مقيدة بوقت أو لأبد إلا أن يكون اليوم واليومين.
قلت: ظاهرها الإطلاق وظاهر قوله.
قال بعض العلماء: إن المذهب خلافه، وهو مقتضى قول ابن الحاجب وابن شاس وفيه نظر، لاحتمال كونه كهبة أحد الشفعاء حقه المبتاع، وأحد غرماء المفلس حقه له حيث يستغرقه من سواه، أو كهبة أحد أولياء القتيل حقه القاتل، والأول أظهر، والثاني أجرى على شرائه ذلك.
وسمع القرينان: سئل عمن يرضي إحدى امرأتيه بعطية في يومها ليكون فيه عند الأخرى.
قال: الناس يفعلونه.
قال: أتكرهه.
قال: غير أحب إلي.
ابن رشد: في هذا السماع من طلاق السنة لا يعجبني شراء المرأة من صاحبتها
يومها من زوجها وأكرهه، أرأيت لو اشترت منها شهرًا وأرجو خفة شراء الليلة، فظاهره أن شراء المرأة الليلة أشد كراهة من شرائها الرجل فيحتمل أن يفرق بأن المرأة لا تدري ما يحصل لها بما أعطت من المتعة إذ قد يصيبها في تلك الليلة وقد لا، والرجل يدري ما يحصل له منه بما أعطى، والكراهة في شراء المدة الطويلة ببينة من كل واحد منهما للغرر، إذ لا يدري كل واحد منهما هل يعيش لتلك المدة هو أو الذي اشترى الاستمتاع به.
اللخمي: اختلف في بيعها اليوم وشبهه فروى محمد: لا أحب شراءها من صاحبتها يومًا ولا شهرًا، وأرجو خفته في ليلة.
قيل: فإن أرضى إحدى امرأتيه بعطية ليومها ليكون فيه عند الأخرى.
قال: الناس يفعلونه وغيره أحب إلي منه، وإن أذنت له في وطء الأخرى في يومها فلا بأس، والتفرقة بين اليسير والكثير لعدم قدرتها على التوفية فيما كثر.
قلت: هذا خلاف تفرقة ابن رشد، وليس للأمة إسقاط حقها في قسمها إلا بإذن سيدها كالعزل لحقه في الولد إلا أن تكون غير بالغ أو يائسة أو حاملًا، واستحسن إن أصابها مرة وأنزل أن لها أن تسقط حقها في القسم.
قلت: يرد باحتمال خيبتها فيها ورجائه في تكرره.
وفي سفره ببعضهن بالقرعة أو باختياره، ثالثها: في الحج والغزو لا التجر لروايتي اللخمي مع الشيخ ورواية القاضي.
قال مع محمد واللخمي: له السفر بمن اختصت بمصلحته وشرط القرعة صلاح جميعن للسفر.
اللخمي: وليس له ترك القيمة بماله المدبرة لأمره إن أبت إلا أن تكون ثبطة لا تصلح للسفر أو ذات عيال لضرر بخروجها بهم أو دونهم، ومن تعين سفرها جبرت عليه إن لم يشق عليها أو يضرها.
المتيطي عن أبي عمر: من أبت السفر معه سقطت نفقتها.
الصقلي عن ابن حبيب عن مالك وأصحابه: أحب إتمامه يوم من خرج في يومها إن قدم أثناء يوم وله إتمامه عند غيرها.
قلت: الأظهر على وجوب إتمام كسر اليوم في القصر والعقيقة ونحوهما يجب.
اللخمي: إن انقضت أيام بنائه أو مرضه أو سفره لم يحاسب بها، وفي تخييره في ابتدائه بمن أحب مطلقًا، أو سوى التي كان عندها، ثالثها: يقرع بين من سواها وأرى بدأه بأبعدهن قسما ممن يليه ومن كان عندها أخرهن، وإن جهل ترتيبهن أقرع بينهن.
وفيها: لا قضاء لها على الزوج لأيام غيبتها عنه لضيعتها أو حج أو عمرة وبقائه مع غيرها.
اللخمي: في لغو قولها أحرم عليك مكث أيام غيبتي عند ضرتي مطلقًا أو ما لم تكن على ميل ونحوه روايتا المبسوط ومحمل جواب مالك على قوله فيمن أغلقت الباب دونه أن له المضي لضرتها لا على قول ابن القاسم إلا أن يضره طول غيبتها.
وفي الطرر من الاستغناء: المشاور يقضى للرجل على زوجته من الجماع إن تحاكما فيه بأربع مرار في الليلة، وأربع في اليوم كالمرأة مع ضرائرها، حكاه عن ابن القرطي فانظره.
قلت: لم أجده في الزاهي وفيه نظر لاقتضائه وجوب الحكم للمرأة مع الضرائر بالوطء.
وشقاق الزوجين: إن ثبت فيه ظلم أحدهما الآخر حكم القاضي بدرء ظلم الظالم منهما.
ابن شاس: إن نشزت وعظها، فإن لم تقبل هجرها، فإن لم تقبل ضربها ضربًا غير مخوف، وإن غلب على ظنه أنها لا تترك النشوز إلا بضرب مخوف لم يجز.
وفي الزاهي: ضرب الزبير بن العوام أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم، وصاحبتها ضربًا شديدًا وعقد شعر واحدة بالأخرى، وكانت أسماء لا تتقي الضرب فكان ضربها أكثر وأشهر، فشكته إلى أبيها أبي بكر رضي الله عنه فلم ينكره، وأمرها بالصبر عليه.
قال ابن شعبان: والذي اختاره أنها إن فحشت عليه أو منعته نفسها، خالفت ما أوجب الله عليها وعظها مرة ومرة ومرة، فإن لم تنته هجر مضجعها ثلاثًا، فإن لم تنته ضربها ضربًا غير مبرح كما جاء في الخبر، وإن لم يتبين ظلم أحدهما ففيه اضطراب.
وسمع ابن سهل: أفتى ابن لبابة وابن وليد قاضيًا شكت إليه امرأة ضرر زوجها
بها، ووكلت على مطالبته، وعاودت الشكوى ببعث الحكمين إليهما، وقاله عبيد الله بن يحيى بعد تلوم واستقصاء نظر، كذا في أحكام ابن زياد، وفيه أيضًا: إذا أشكل على القاضي أمر الزوجين، ولم يصل إلى معرفة الضار منهما أرسل الحكمين، وقاله أيوب وابن وليد.
وفيه أيضًا: ترددت شكوى امرأة بإضرار زوجها فهل أرسل الحكمين أو أرسلهما إلى دار أمينٍ حتى أفهم كما كانت القضاة تفعل، فهمنا سؤالك ونرى أن ترسل إليهما الحكمين كما قال الله تعالى، لا يجوز غير ذلك، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:36] قاله محمد بن الوليد، وقال أيوب بن سليمان قول أهل العلم في هذا كشف الحاكم أهل الخبرة بهما من أهل الثقة والأمانة، فإن أشكل الأمر، ولم يجد له بيانًا أرسل الحكمين.
وفيها أيضًا: كتب إلى عبيد الله بن يحيى قلت: لي إن أبي وعمي لم يحكما بإرسال الحكمين، ولم يجر به عمل هنا إنما كان الذي ينظر به القضاة إخراج الرجل وامرأته إلى دار أمين حتى يفهم به الحال فهل أمضى على الحكمين أو بما كانت القضاة تفعله؟ فقال عبيد الله بن يحيى: لا أرى أمر الحكمين؛ لأنك تحكم بما لم يكن يحكم به من كان قبلك من أئمة العدل كعمك ووالدك، وإخراجهما إلى دار أمين أو إسكان أمين معهما هو الأمر الذي لم تزل القضاة تعمله.
ابن سهل: أجوبتهم هذه مضطربة مختلفة غير محصلة.
عبيد الله بن يحيى: هذا في جوابه وانظر أمر الحكمين، وقال للقاضي الذي سأله لا أرى أمر الحكمين، ونسي قوله بهما في مسألة ابن تمام، وقال: إنه لم يره لانفراده بحكم لم يحكم به أحد من أئمة العدل، وجهل أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حكم به على ما حكاه ابن حبيب: وأن عثمان بن عفان بعث حكمين علي بن أبي طالب ومعاوية، وحكم بذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه في خلافته، ولو تدبر السؤال وأتقن فهمه لم يحتج إلى إنكار ما لا يجوز إنكاره؛ لأنه إنما سئل عمن شكت ضررًا فقط فكان جوابه أن يسألها بيان ضررها فلعله منعها من الحمام وتأديبها على ترك الصلاة، فإن بينت ضررًا لا يجوز فعله بها وقف عليه زوجها، فإن أنكره أمرها بالبينة عليه، فإن عجزت وتكررت شكواها
كشف القاضي عن أمرها جيرانها إن كان فيهم عدول، فإن لم يكونوا فيهم أمره القاضي بإسكانها بموضع له جيران عدول، فإن بان من ضرره ما يوجب تأديبه أدبه، وإن كان لها شرط في الضرر أباح لها الأخذ به، وإن عمي عليه خبرها، ورأى إسكانها مع ثقة يفتقد أمرهما أو إسكان ثقة معهما فعل، هذا معنى ما ذكره ابن حبيب عن مطرف وأصبغ، وفي كتاب الجدار لعيسى بن دينار نحوه.
ولابن سحنون عن أبيه فيمن ادعت ضرر زوجها، وادعى هو إضرارها وسوء عشرتها وجهل صدقهما اختبر الحاكم أمرهما بأن يجعل معهما أو يجعلهما مع من يتبين له أمرهما فيعمل عليه، وهذا كله يقتضي أن الحكمين إنما يبعثان عند إشكال أمر الزوجين فيما يدعيانه، وبعد طول شكواهما والكشف عن أمرهما.
قلت: هذا الذي عليه الأكثر، وقاله ابن فتوح والمتيطي وابن فتحون ولفظه: ويكلف القاضي جيرانها الصالحين تفقد خبرها وضررها، فإن كانت ساكنة معه في مثل هؤلاء القوم لم يلزمه نقلها، ولا يقضي بإسكان أمينة معها، ورأيت لقرعوس بن العباس أن يقضى بذلك، والأول أظهر وأشهر إلا أن يتفق الزوجان عليها، وتكون نفقتها عليهما.
المتيطي عن بعض الفقهاء: آية بعث الحكمين محكمة غير منسوخة، والعمل بها واجب لم يترك القول بها عالم حاشى يحيى بن يحيى كان لا يرى بعث الحكمين.
قال ابن عبد البر في تاريخه: وأنكر عليه وتبعه ابنه عبيد الله، وأنكر بعثهما على ما استفتاه.
ابن فتوح: قال محمد بن أحمد: لم يقض عندنا فيما أدركنا وسمعنا بالحكمين؛ لأنه قل ما يبلغ أمر الزوجين حيث يحتاج إليهما.
قلت: ففي بعث الحكمين بمجرد تشاجر الزوجين وشكوى أحدهما الآخر، ولا بينة، وتركه مطلقًا لإسكانهما مع من يقبل قوله إلى تبين الظالم منهما، ثالثها: الواجب إسكانهما معه إن لم يفد مع جيران كذلك، فإن طال أمرهما وتكررت شكواهما بعثهما لهما، لابن سهل عن فتوى ابن لبابة وابن وليد، والمتيطي عن يحيى بن يحيى مع ابنه عبيد الله، والأكثر مع ابن سهل عن أول جوابي عبيد لله بن يحيى.
ابن فتوح عن مطرف: إن شكت ضرره بالبادية، وطلبت نقلها للحاضرة لم يلزمه إلا أن لا يكون حولهما من البادية من يرضى وتكون الحاضرة أقرب، وكذا إن كانت بطرف الحاضرة وليس حولها مني رضى؛ نقلت عنه لمن يرضى.
الباجي: إنما يبعث الحكمين الحكام أو الزوجان أو آباؤهما إن كانا محجورين.
وفيها: قال ربيعة: لا يبعث الحكمين إلا السلطان.
عياض: هذا خلاف قول مالك فيها بإجازة بعثهما الوليان.
وفي ثاني نكاحها يجوز ضرب ولاة المياه وصاحب الشرط أجل العنين والمعترض، وفي أقضيتها: سئل عما قضت فيها ولاة المياه.
قال: أرى أن يجوز إلا في جور بين.
قلت: معنى البعث والزوجان محجوران، أن الزوجة قامت بالضرر، ولو رضيته سقط مقال وليها ولو كان أبًا.
قاله عن المذهب الشعبي وابن فتوح وغيرهما.
قال ابن فتوح: وكذا كل شرط فيه فأمرها بيدها، وتمامه في التمليك.
اللخمي: إن خرجا لما لا يحل من مشاتمة، ووثوب وجب على السلطان بعث الحكمين، وإن لم يطلباه بذلك.
الباجي: شرط صحة كونهما حكمين الإسلام والبلوغ والحرية والذكورية والعدالة، وفي كونهما من الأهلين كذلك أو وصف كمال نقلا ابن فتحون عن المذهب وابن بشير مع الابجي، وفي كونهما فقيهين من الأول أو الثاني نقلا الأول مع الثاني والثالث.
وفيها: يبعث حكمين من أهلهما عدلين، فإن لم يكونا في الأهلين أو لا أهل لهما فمن المسلمين.
اللخمي: يبعث حكمين من أهلهما فقيهين بما يراد من الأمر الذي ينظران فيه، فإن لم يكن في أهلهما ذلك فمن جيرتهما، فإن لم يكن فمن غيرهما، فإن وجد الصالح في إحدى الجهتين دون الأخرى انتقل فيها للجار ثم الأجنبي، وإن كان الزوجان قريبين جاز بعث من هو منهما بمنزلة واحدة كالعمين والخالين أو عم أو خال، ولو جهل السلطان بعث من لا فقه له ولا علم عنده بوجه الحكم فيسأل أهل العلم مضى
حكمهما، وإن حكما بعلمهما سئلا عن صفة ما اطلعا عليه، فإن أصابا الحق مضى حكمهما وإلا رد، وإن بعث أجنبيين مع وجود الصالح للبعث في الأهلين أشبه أن ينقض الحكم لمخالفته النص ويشبه أن يمضي، ولزوم كونهما اثنين هو ظاهر في بعث السلطان مطلقًا.
فيها: إن اجتمع الزوجان على بعث رجل واحد أيكون كالحكمين؟ قال: نعم إن صلح لذلك ليس بنصراني ولا عبد ولا صبي ولا امرأة ولا سفيه.
الباجي: هذا قول ابن القاسم في المدونة؛ يريد: ولا يجوز ذلك للسلطان ولا لولي اليتيمين؛ لأن الحق للزوجين.
ابن فتحون: لا يجوز للإمام أن يحكم واحدًا لمخالفته التنزيل.
زاد المتيطي: ولا يجوز لهما ذلك إن كانا رشيدين، ولا لمن يليهما إن كانا في ولاية، فإن جعلا ذلك لواحد عدل لم ينقض.
قاله عبد الملك في المدونة.
اللخمي: إن حكم السلطان رجلًا أجنبيًا مضى حكمه؛ لأن كونهما اثنين إنما هو إن كانا من الأهلين لاختصاص كل منهما بخبرة من هو من أهله؛ ونسبة الأجنبي لهما على السوية؛ فجرى على الأصل في وحدة الحاكم بخلاف حكمي الصيد؛ لأن حاكم الزوجين بإقامة القاضي؛ وحاكم الصيد بإقامة المطلوب؛ فوجب تعدده لنفي تهمته، ولأن المحكوم له في الزوجين له خصم ليس هو في الصيد، وإن كان التحكيم من قبل الزوجين أو من يليهما سلك في عدد الحكمين وصفتهما كبعث السلطان.
قلت: ففي منع الاقتصار على بعث واحد مطلقًا، وجوازه إن كان أجنبيًا مطلقًا، ثالث الطرق يجوز مطلقًا للزوجين معًا فقط، لابن فتحون واللخمي والباجي، وقول ابن الحاجب: ويجوز أن يقيم الزوجان أو الوليان خاصة واحدًا على الصفة لا على غيرها غير الجميع.
وفيها: غير المدخول بها مثلها في بعث الحكمين.
الباجي: وحكمهما على وجه الحكم لا الوكالة فينفذ، وإن خالف مذهب من بعثهما جمعًا أو فرقًا.
ابن شاس: وقيل: بل هما وكيلان.
ابن بشير: حكم الحكمين متردد بين التوكيل والتحكيم وعليه جرى أكثر مسائل الباب.
وفيها: ليس بعث الحكمين على وجه تمليك الطلاق يدل عليه دخول المرأة فيه بتحكيمها، ولا مدخل لها في تمليك الطلاق، وقول ابن الحاجب: وهما حكمان ولو كانا من جهة الزوجين لا وكيلان على الأصح؛ فينفذ طلاقهما من غير إذن الزوج، وحكم الحاكم يدل على عدم نفوذه في ذلك على القول بالوكالة، ولا أعلمه في المذهب بحال؛ بل الجاري عليه غير ذلك حسبما يأتي إن شاء الله تعالى.
المتيطي وابن فتحون وغيرهما: إذا توجه الحكمان باشرا أمورهما وسألا عن بطانتهما، فإذا وقفا على حقيقة أمرهما أصلحا بينهما إن قدرا وإلا فرقا.
زاد فيها: وتجوز فرقتهما دون الإمام، وفي كيفية الفرقة عبارات.
الباجي: إن كانت الإساءة من الزوج فرقا، وإن كان من المرأة تركاهما وائتمناه عليها، وإن كانت منهما فرقا على بعض الصداق، لا يستوعب له وعنده بعض الظلم، رواه محمد عن أشهب.
قال محمد: وهو معنى قوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة:229].
ابن فتحون: إن لم يقدرا على الصلح فرقا بشيء من الزوج أو إسقاطه عنه أو على المتاركة دون أخذ، وإسقاط لا ينبغي أن يؤخذ لها منه شيء، وتبعه المتيطي.
اللخمي: إن كان الظلم منه فقط فرقا دون إسقاط شيء من المهر، وعكسه إن كان لا يتجاوز الحق فيها عند ظلمها ائتمناه عليها، وأقرت إلا أن يحب فراقها فيفرقان، ولا شيء لها من المهر، ولعبد الملك في المبسوط: لو حكما عليها بأكثر من المهر جاز إن كان سدادًا، وإن كان منهما أو أشكل أمرهما فرقا وقسما بينهما نصف المهر قبل البناء وجميعه بعده.
وفيها لربيعة: إن كان الظلم منه فرقا بغير شيء، وإن كان منهما أعطي الزوج بعض الصداق، وإن كان منها فقط جاز ما أخذا له منها.
أبو عمران: هو وفاق إن تأول معنى قوله أضر بها في دعواها.
الصقلي: ظاهره إن ثبت ضرره بها لم يأخذا له منها شيئًا.
وقول بعض شيوخ إفريقية: لا يجوز خلع الزوج على أخذ شيء منها إن كان الضرر منهما معًا.
قاله متقدم علمائنا، وليست كمسألة الحكمين إن كان الضرر منهما معًا؛ لأن النظر لغير الزوجين إن رأى الحكمان باجتهادهما إعطاء الزوج شيئًا من مالها على خروجها من عصمته جاز- يدل على أن للحكمين أن يعطيا للزوج شيئًا من مالها وإن كان الظلم منهما معًا.
أبو حفص: إن كان خلعها إذا كان الظلم منها مائة، فإن كان الظلم منهما جميعًا أخذا له النصف، وإن كان الثلث من قبله والثلثان من قبلها أخذا له الثلثين، وفي العكس العكس.
اللخمي: لو انفرد أحدهما بالحكم بالطلاق لم ينفذ، ولو اجتمعا عليه وانفرد أحدهما بالخلع بمال لم يلزما، ولو أمضت الزوجة المال ففي إلزامه الزوج الطلاق نقل اللخمي عن عبد الملك، وتخريجه على قول ابن القاسم لا يجوز إخراج أرفع ما اختلف فيه حكما الصيد؛ لأنه بواحد.
قلت: ما عزاه لعبد الملك هو نص قولها، وعزاه الباجي لابن القاسم فيها، وفي قبول الصقلي قول الشيخ: أكثر ما في باب الحكمين يذكر أنه لعبد الملك إلا ما ذكر مالك: نظر؛ لأن مسائله نص بلفظ.
قلت: على مساق مسائلها والمعروف إدخال سحنون فيها ما ليس لمالك، وابن القاسم عزوه لمن هو له باسمه أو بلفظ الغير، وقول ابن محرز: كل الباب ليس لابن القاسم فيه شيء يحتمل كونه عنده لمالك أو لعبد الملك، وقوله مذهب عبد الملك هو الذي في الكتاب يحتمل كونه قوله أو مثله.
وفيها: لا يحكمان بأكثر من واحدة وهي بائنة، فإن حكما به سقط؛ لأنه خارج عن معنى الإصلاح، وعزاه اللخمي لعبد الملك فيها، وأشهب في الموازية وأبو عمر لابن القاسم.
قال اللخمي: ولابن القاسم في الموازية يلزمه ما أوقعاه، وزاد الصقلي عزوه لأصبغ.
المتيطي ونحوه لأشهب في شرح ابن مزين، وروى مطرف في ثمانية أبي زيد: إن
اجتمعا على أكثر من واحدة لم يلزم الزوج شيء.
قلت: فالأقوال ثلاثة بين عزوها.
اللخمي: إن حكم أحدهما بواحدة والآخر بالبتة أو أحدهما باثنين والآخر بثلاث ففي لزوم واحدة ولغو حكمهما، ثالثها: تلزم طلقتان لعبد الملك ومحمد والجاري على قول ابن القاسم.
قلت: قد يرد باختلافهما.
ابن بشير: إن حكم أحدهما بواحدة والآخر بثلاث أو البتة ففي لزوم واحدة ولغو حكمها فيبتدئانه، ثالثها: إن خالف بالثلاث لا البتة.
الصقلي: إن نزعا معًا أو أحدهما قبل حكم الحكمين سقط حكمهما إلا أن يكون النزوع بعد أن استوعبا الكشف عن أمرهما وعزما على الحكم أو البعث من السلطان.
الصقلي: لعله يريد إن نزع أحدهما فقط، ولو نزعا معًا، ورضيا بالبقاء انبغى أن لا يفرقا.
المتيطي، وغير واحد: فإذا حكما أخبرا القاضي بمحضر شهيدي عدل بما اطلعا عليه من أمرهما وحكمهما، وكذا كل من استخلفه القاضي على ثبوت شيء أو إنفاذه.
قال بعض الموثقين: ورأيت لابن العطار وغيره من الموثقين أنهما يشهدان بذلك عند القاضي ولست أراه؛ لأنهما حاكمان لا شاهدان، ولابن عات عن ابن رشد: لا يعذر في حكم الحكمين؛ لأنهما لا يحكمان في ذلك بالبينة القاطعة؛ بل بما خلص لهما من علم أحوالهما بعد النظر والكشف.
قلت: المنفي في لفظ المتيطي هو إعذار القاضي في إخبارهما بموجب حكمهما، وفي لفظ ابن عات هو إعذار الحكمين عند إيقاعهما الحكم.
اللخمي: اختلف إن حكم الزوجان الرشيدان غير عدل أو امرأة أو صبيًا، فقال عبد الملك: حكمهما منقوض؛ لأنه غرر وتخاطر ويختلف إن حكما رجلين ظناهما عدلين في إمضاء حكمهما؛ في الموازية إمضاؤه كقضاء قاض بشهادتهما، واختلف في الشاهدين، ورأى الكشف عن حكمهما، فإن كان صوابًا مضى؛ وإلا رد بخلاف الشاهدين لتعذر الوصول لمعرفة صدقهما.
ابن محرز: لو حكما امرأة أو عبدًا ففي نقض حكمهما خلاف.
ابن فتوح عن مطرف: لا يجوز تحكيمهما كالمسخوط، وقال ابن الماجشون: تحكيم العبد والمرأة البصيرين العارفين المأمونين جائز، وحكمهما لازم ما لم يكن خطأ بينا وقاله أصبغ وأشهب، واستدل بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولى الشفاء أم سليمان بن أبي حتمة سوق المسلمين، ولا بد لوالي السوق من الحكم، ولو في صغير أمر، ونقل ابن عبد السلام عن بعض الشيوخ اختلف في تحكيم المرأة والعبد والصبي الذي يعقل بالجواز والمنع في العبد خاصة؛ لا أعرفه وهو عكس نقل عبد الحميد الصائغ قال: لا يجوز أن يتراضيا بحكم صبيين والمرأة أدخل في الجواز، وأما العبدان فالصواب عند بعض شيوخنا المحققين جواز حكمهما وجواز شهادتهما خلافًا لما قاله فقهاء الأمصار في الشهادة، ولابن رشد في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم في الشهادات لا يجوز تحكيم النصراني، ولا الصغير الذي لا يعقل.
واختلف في المرأة والعبد والمسخوط والمولى عليهم والصغير الذي يعقل فأجازه أصبغ في الجميع ومنعه مطرف فيهم وأجازه ابن الماجشون مرة في المرأة والعبد، وكذا المولى عليه على قياس قوله، وأجازه أشهب فيهم غير الصبي، وقال ابن حبيب في كتاب الأقضية: اتفقوا على أنه لا يجوز تحكيم صبي ولا معتوه ولا من على غير الإسلام واختلفوا في المرأة والعبد والمسخوط.