المختصر الفقهي لابن عرفةصفحات 116-120

كتاب المساقاة

صفحات 116-120

بيع الأصل اتفاقاً.
وفي إدخال حظ رب الحائط مع الأصل قولا ابن القاسم وغيره، وقول ابن القاسم أحسن؛ لأن حظ العامل منها ليس بمستثنى لتقدم بيعه بوجه جائز، وإنما الاستثناء فيما بقي على ملك البائع قادراً على بيعه، ويجوز على قول أشهب؛ لأنه مخير أن يستثني نصف الثمرة دون مساقاة، ولو أحب المفلس تأخير بيع الثمرة لطيبها وطلب الغرماء تعجيله فالقول قولهم، وإن كانت الثمرة غير مأبورة فالخلاف في بيع الرقاب على قولي ابن القاسم وغيره، وكذا إن كانت المساقاة سنتين أو أربعاً.
الصقلي: وتقدم لمحمد إنما يجوز بيعه إن أبرت الثمرة وإلا لم يجز إلا أن يشترط أن لا يقبضها إلا بعد الطيب وأخذ العامل حظه.
وفي أكرية الدور والأرضين منها لمن اتخذ نخلاً مساقاة فغار ماؤها بعد أن ساقى أن ينفق فيما بقدر حز رب الأرض من الثمرة لسنته تلك لا أكثر، ومنه سمع ابن القاسم.
ابن رُشد: ظاهره أن ما زادت النفقة على رب الحائظ لا يلزمه، ومثله في رهونها خلاف سماع سَحنون لزوم الراهن إصلاحها ويلزم ذلك في المساقاة، فإن لم يكن لرب الحائط غيره بيع منه بما يصلحها لئلا يذهب عمل العامل.
وفيها: إن ساقيت رجلاً فإذا هو سارق مبرح أخاف أن يذهب بثمرة الحائط أو يقطع جذوعه.
قال: لم أسمع منه فيه شيئاً، ومساقاته لازمة ويتحفظ منه، كقول مالك فيمن باع سلعة إلى أجل من رجل جهل البائع أنه مفلس أن بيعه لازم.
اللخمي: في هذا نظر؛ لأنه عيب ولا يقدر على التحفظ على السارق ويخفي ما يسرق منه، ولرب الحائط أن يساقي عليه أو يستأجر عليه بالعين يعمل بما هو أحسن له، وللعامل ولمن باع من مفلس وهو لا يعلم رد بيعه، ولو كان المشتري مشكوكاً في يساره بما يشتريه لم يجز البيع إلا بعد معرفته بذمته؛ لأن الثمن إذا بيع من الموسر بخلافه من المعسر، وقد قال مالك: ومن وكل من يأخذ له سلماً فقال المسلم: إن أقر لي وإلا

فأنت ضامن لم يجز؛ لأنه لا يدري على أي الذمتين دخل والصنعة تقدمت.
وفيها: المساقاة تلزم بالعقد ولم لم يعمل إلا أن يتشاركا معاً دون شيء يأخذه أحدهما من الآخر، فيجوز وليس ببيع ثمر لم يبد صلاحه إذ للعامل أن يساقي غيره فرب الحائظ كأجنبي إذا تركه يأخذ منه المساقاة بغير لفظها، وقول ابن القاسم منعه.
فأجاب بعض الفاسيين بأن ابن القاسم إنما منعها بلفظ مضاد لها كالإجارة ونحوه، وأشار إليه أبو الشيخ الحسن.
وفيها: إن اختلفا في المساقاة فالقول قول العامل.
الصقلي: يريد بعد إن عمل فهو على المدعى عليه، وإن لم يعمل تحالفا وتفاسخا على القول أن المساقاة تلزم العقد.
اللخمي: إن اختلفا قبل العمل وأتى أحدهما بما يشبه فيختلف هل يكون القول قوله مع يمينه، وتثبت المساقاة أو يتحالفان ويتفاسخان، فعلى ما ذكره أشهب يكون كالقراض إن رضي أحدهما بما قال الآخر، وإلا رد بغير يمين.
قلت: كذا هو في غير نسخة وهو مشكل؛ لأن قوله فعلى ما ذكره أشهب ظاهره أنه أتى به مفسراً للقولين الذي ذكرهما وهو لزوم قول ذي الشبه أو التحالف، وما ذكره إنما هو عدم لزوم عقد المساقاة ولا دلالة فيه لأحد القولين، ويحتمل أنه إنما أتى بما ذكره أشهب ليثبت به قولاً ثالثاً للقولين المذكورين، ففي كون إتيان أحدهما بما يشبه قبل العمل موجباً لقبول قول ذي الشبه ولزوم الفسخ بتحالفها، ثالثها دونهما ما لم يتفقا بناء على الترجيح بالشبه مع القيام ولغوه، وكون العقد على العمل.
إن ادعى أحدهما فساداً فالقول قول مدعي الصحة، وسمع عيسى ابن القاسم إن تعاقدا فقال رب الحائط: إنما ساقيتك الحائط دون دوابه ولا رقيقه تحالفا وتفاسخا.
التونسي: الذي ينبغي أن يحلف مدعي الفساد فقط إن حلف فسخت المساقاة؛ إذ لا فائدة في يمين الآخر للزوم الفسخ حلف أم لا، وإن نكل ذو الفساد حلف مدعي الصحة وقبل قوله.
وانظر لو عمل بعض العمل، ثم قال صاحب الحائط: شرطت إخراج الرقيق هل

يحلف ويخرجهم؛ لأنه لم يقر بأنهم دخلوا قط كمن قيل له: أكريت مني أو بعت مني، وقال الآخر: لم أكر منك ولم أبع منك فالقول قوله.
قلت: الأليق بحال الشيخ عدم جعل هذه الصورة محل نظر، بهذا القياس الذي ذكره؛ لأن صورة النزاع القائل فيها لم أفعل هو رب الحائط دعواه فيها فاسدة والقائل في الصورة المقيس عليها لم أفعل دعواه فيها غير فاسدة.
قال: وبعد فوات العمل القول قول مدعي الصحة وفيه نظر؛ لأنه يقول لم أكر منك الدواب فقط، وقد قال فيمن قال: اشتريت منك عشرة أثواب، وقال البائع: بل تسعة فقط أنه يغرم قيمة العاشر، ولا يصدق أنه اشتراه ولو فات لما لم يقر البائع أنه باعه.
قلت: يرد بما تقدم من دعوى الفساد، وسمع ابن القاسم: من ساقى حائطه سنة أو ثلاثاً، فقال: لما فرغ العامل لم تدفع إلى الثمرة إن كان جذ فلا شيء له.
ابن رُشد: يريد أن العامل مصدق مع يمينه في دفعه حظ رب الحائط؛ لأنه في أمانته لا في ذمته كالمودع، وهو نص ما الموازيَّة أنه يحلف كان بقرب الجذاذ أو بعده.
قال: وكذا لو جذ بعضاً رطباً والباقي تمراً، فقال: قبل الجذاذ لم تدفع إلى الرطب ولا ثمنه، هذا المنصوص في المسألة، ولا يبعد دخول الخلاف من مسألة الوكيل على القبض يدعي الدفع لمن وكله، قيل: يقبل قوله قرب أو بعد مع يمينه، وقيل: إن قرب قبل قول موكله مع يمينه أنه ما قبض، وإن بعد كالشهر أو نحوه قبل قول الوكيل مع يمينه، وإن بعد الأمر جداً قبل قوله دون يمين، وقيل: إن كان بحضرة ذلك وقربه بالأيام اليسيرة صدق الوكيل مع يمينه، وإن طال صدق دون يمين، وإن مات العامل وقال رب الحائط" إنه لم يقبض حظه من الثمرة، فإن كان بقرب الجذاذ فذلك في ماله له وإن بعد الأمر لم يكن في ماله اتفاقاً.
وفاسدها يفسخ إن لم تفت بالعمل رد الحائط لربه فإن ماتت ففي رده لإجارة مثله أو مساقاة مثله مطلقاً أو في بعضها للأول وبعضها الثاني، رابعها: لمساقاة مثله ما لم تكن أكثر من الجزء الذي شرط عليه إن كان الشرط للمساقي أو أقل إن كان للعامل

لابن رُشد قائلاً هو الآتي على قول ابن أبي سلمة في القراض، والآتي على قول أصبغ في شرط أحدهما على صاحبه حمل حظه لمنزله مع رواية ابن الماجِشُون وأصله، وقول أشهب في القراض، وقول ابن القاسم وغيره.
قال: وقول ابن القاسم استحسان لا قياس، وأصلها أنها إن خرجت عن حكمها لإجارة فاسدة أو بيع ثمن قبل بدو زهوه بما شرطاه من زيادة خارجة عنها ردت لإجارة المثل، كشرط أحدهما زيادة دنانير أو دراهم أو عرض وما لم يخرجا به عن حكمهما، فله فيه مساقاة المثل كحائط على الثلث وآخر على النصف، وهو أصل يأتي عليه مسائل كثيرة لابن حبيب، وغيره والموجود له بسقاء المثل أربع قولها في مساقاة حائط فيه ثمر أطعم، وقولها في شرط العامل عمل رب الحائط، وسماع عيسى في كتاب النكاح عقدها مع البيع صفقة واحدة، وسماعه مساقاته سنة على النصف وسنة أخرى على الثلث، وكذا يلزم مع حائطين أحدهما على الثلث والآخر على النصف، ومثله مساقاة حائط على أن يكفيه مؤنة آخر.
قال: في الذي شرط عليه كفايته أجر مثله، وفي الآخر مساقاة مثله، ومضى لنا عند من أدركنا من الشيوخ أن الذي يرد لمساقاة مثله على مذهبه.
هذه المسائل الأربع المنصوصة وما في سواها أجر المثل فتأويلهم هذا عليه قول خامس، والصواب أن ما ذهب إليه ابن حبيب على الأصل الذي ذكرناه مفسراً لمذهب ابن القاسم: لا خلاف له.
عياض: كل الخلاف في القراض الفاسد جاء في المساقاة الفاسدة، والحق ما ذكره ابن رُشد أنه يلزم إذا شرط العامل دابة أو غلاماً ليس في الحائط وهو يكفيه لصغره.
اللخمي: إن قال ثمر هذا الحائط بيننا وثمر هذا الحائط لي أو لك لم يجز، وللعامل أجر مثله فيما شرطا ثمرته لأحدهما، فإن شرطاها لرب الحائط فله أجره وإن جاوز الثمرة، وإن شرطاها للعامل فله أجره ما لم يجاوزا الثمرة، ويختلف في الذي شرطا ثمرته بينهما هل يكون فيه أجيراً أو على مساقاة مثله، وأرى للعامل الأقل في المسمى أو مساقاة المثل إن شرط المنفرد لصاحب الحائط وإن شرطاه للعامل فله الأكثر، ولابن

حبيب إن ساقاه على أن البرني بينهما وما سواه لرب الحائط فهو في البرني على مساقاة المثل، وفي الآخر أجير وإن كان ما سواه للعامل فهو أجير في الجميع؛ لأن الزيادة إن كانت لرب الحاشط أخف؛ لأنه يعود لتقليل جزء الثاني، وإن كانت الزيادة للعامل كان أجيراً؛ لأنه يشرط أن تكون الزيادة من غير الحائط.
قلت: في قوله: لأنه شرط أن تكون الزيادة من غير الحائط نظراً لوضوح كونها منه إلا أن يقصر مسمى الحائط على ما لرب الحائط حظ منه فتأمله.
قال: وأرت فيما يرد في لمساقاة المثل إن كان المثل فيه أكثر من المسمى أن يرد في كل عمله لأجر مثله؛ لأنه إن أعطى ما زاد على المسمى كان قد بيع على رب الحائط من الثمرة ما لم يبعه، وإن قصر العامل على المسمى ظلم إلى أن يرضى بالمسمى، وإسقاط ما زاد عليه أو يرضى رب الحائط بدفع الزائد ثمره أو يكن الزائد يسيراً.
ثم قال عبد الحق: عن غير واحد من شيوخ صقلية ما يرجع فيه لمساقاة المثل أو قراض المثل يفسخ ما لم يعمل، فإن عمل ترك وما يرجع فيه إلى أجر يفسخ ولو عمل، وقاله ابن حبيب.
قلت: ذكره ابن رُشْد غير معزو كأنه المذهب، وكذا عياض مقيداً الفوت بعمل له.
قال: وعلله اللخمي بأن مساقاة المثل العوض فيها من الثمرة، فلو فسخت ذهب عمله باطلاً، وفي الإجارة العوض في الذمة لا يذهب بالفسخ عمله باطلاً.
عبد الحق عن بعض شيوخ صقلية: ما فيه مساقاة المثل، فالعامل أحق بالثمرة من الغرماء في الموت والفلس، وكذا ما يرجع فيه لقراض المثل في القراض؛ يريد: وما يرجع فيه لأجر المثل لا يكون فيه أحق في موت ولا فلس، وفي المساقاة يكون أحق في الفلس لا في الموت.

جارٍ التحميل