الأصول أنه إن ثبت أنه أودع المال؛ فلأمر كما قال، وإن لم يثبت إلا بقول من بيده؛ قبل قوله ولو فلس؛ لأنه لم يثبت له بعد.
المتيطي: إن اتسع نظر القاضي، وأقطار مصره متباينة؛ لم يرفع الخصم إلى مصره إلا فيما قرب من الأميال اليسيرة؛ لأن ما بعد يشق على الناس، ويقدم في الجهات البعيدة حكامًا هذا مشهور المذهب، ومنعه ابن عبد الحكم إلا بإذن الإمام.
ابن فتوح: إن سأل طالب القاضي أن يرفع مطلوبة لمجلس القاضي، فينبغي للقاضي إن كان قريبًا أن يأمر غلامه الذي له الأجرة من بيت المال بالمسير عنه، فإن لم يكن له في بيت المال أجرة.
قال أحمد بن سعيد: يدفع له القاضي طابعًا يرفع به خصمه، فإن لم يرفع؛ جعل القاضي من رزقه للأعوان جعلًا؛ إذ رفع المطلوب ممن يلزمه، فإن لم يفعل القاضي ذلك؛ فأحسن الوجوه أن يستأجر الطالب عونًا يأتيه بالمطلوب إلا أن يتبين أن المطلوب ألد بالطالب، ودعاه للقاضي فأبي، أو منعه حقًا يقر به ويمطله فيه، فيغرم المطلوب أجرة العون لا الطالب.
وقال محمد بن عمر: لا نعلم ذنبًا يوجب استباحة مال مؤمن إلا الكفر وحده.
قلت: القول الأول: هو قول ابن العطار: فتعقبه عليه ابن النجار؛ وهو محمد بن عمر، وقال: قول ابن العطار خطأ، وترد تخطئته بأن الظلم الذي لا يوجب استباحة مال الظالم هو الظلم الذي لا يؤدي إلى إتلاف مال على المظلوم، وأما إن أدى إليه؛ فلا يبعد إغرامه، كما قالوا فيمن منع آلة تذكية عمن اضطر إليها حتى مات: ما افتقر إلى تذكيته بها.
ابن فتوح: قال محمد بن أحمد: فغن ثبت عند القاضي تغيب المطلوب؛ طبع عليه باب مسكنه بعد أن يعين المسكن ثقاة جيرانه عند ثقاة القاضي، وهو خير من التسمير عليه، فإن رأى التسمير لا الطمع؛ فليثبت عنده أنها دار المطلوب، ويخرج ما في المسكن من حيوان، وقيل: إن تبين للقاضي لدى المطلوب؛ حكم عليه.
المتيطي: وإن لم يتفق في بعض الجهات البعيدة تقديم حاكم؛ فلا يرفع من فيه إلى
المصر إلا بشبهة قوية كشاهد عدل.
قال في مسائل حبيب: لا شخصًا لا شاهد عدل؛ أن له عليه حقًا، ولا يقبل قول المطلوب في ذلك، وإن كان عنده عدلًا، وكان سحنون يؤدب الخصم إذا رفع خصمه إليه بعير طابع يدفعه إليه.
وقال في موضع آخر: إن جاء الطالب وبه جرح؛ فهي شبهة توجب الدفع.
ابن زمنين: من سير حكام العدل: أن يرفع الطالب طالبًا يرتفع به المطلوب إن كان بمصر الحاكم، وعلى أميال يسيرة، وإن رأى أن يرسل فيه من أعوانه فعل، وإن بعد؛ كتب برفعه.
قلت: ظاهرة: وإن لم يأت بشبهة.
قال: ولأصبع في الواضحة: إن استعدى الخصم للقاضي على خصمه النائي، وسأله أن يكتب له فيه كتب إلى أهل العدل أن أجمعوهما للتناصف، فإن أبيا، فانظروا في أمرهما، فإن رأيتم للمدعي وجهًا لحقه؛ لم يرد به تعنيته، فارفعوه لنا معه، وإلا فلا ترفعوه، ولهذا إن كان بحيث لا مؤنة في القدوم على المدعى عليه، ولا على الشهود، وإن بعد المكان من موضع القاضي؛ فلا يكتب برفعه، وليكتب لمن يثق بفهمه ودينه من أهل ذلك الموضع أن ينظر في جميع أمرها، ويسمع بينتهما، ثم اكتب لنا بما ثبت عندك، ورأيته لننظر فيه، فإن في ذلك، وخاطبه بما ثبت عنده، فإن رأى أن يكتب له بإنفاذ الحكم؛ فعل، وإن رأى رفعهما إليه لإنفاذ ما ثبت عند المكتوب إليه؛ فعل، ولا يشخص البينات.
قال سحنون: فإن عصى المدعي عليه، ولد أمر بعقل ضياعه، وسد بابه ليضطر به بذلك إلى الارتفاع.
قلت: انظر هذا مع نقل ابن شاس عنه المتقدم: أنه يحكم عليه بمجرد تواريه.
الشيخ عن ابن عبد الحكم: من استعدى الحاكم على من معه بالمصر، أو قريبًا منه؛ أعطاه طابعًا في حملته أو رسولًا، وإن بعد من المصر؛ لم يجلبه إلا أن يشهد عليه شاهد، فإن ثبت عنده، كتب لمن يثق به من أمنائه؛ إما الصفة، وإلا فليرتفع معه، والقريب من
المدينة كمن يأتي، ثم يرجع يبيت في منزله، والطريق آمنة يرفع بالدعوى كمن بالمصر.
المازري: يبعد عن المرأة في خصامها من لا خصومة بينه وبينها، وإن كانت شابة لها جمال بخلاف إن تكلمت، فسمع كلامها أن يشغف بها، أمرت أن توكل من ينوب عنها، ولا حق للخصم في إحضارها مجلس القاضي، وإن احتيج إلى أن أبعث إليها بدارها تخاطب من وراء ستر من يبعثه القاضي إليها ممن يؤمن لشيخوخته، ودينه، وورعه، وتكلفه الحكومة في أمرها؛ فعل ذلك، وقد حضرت الغامدية إلى النبي صلى الله عليه وسلم حتى أقرت بالزنا، فأمر برجمها، وقال في امرأة الأخرى: واغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت؛ فارجمها، فلم يأمر بإحضارها، وسماع ذلك منها شفاها، ويمكن أن يكون فرق بين المرأتين وكما أشرنا إليه من كون التي بعث إليها لا يحسن خطابها بملأ من الناس.
وقول ابن الحاجب: ولا يلزم من يزري بها مجلس الحاكم أن تحضر لتحلف، ولو كانت تتصرف، ويبعث الحاكم من يحلفها، فإن كان فيما له بال؛ ففي المسجد ليلاً هو اختصار قول ابن شاس: المخدرة لا تحضر مجلس الحكم في اليسير؛ بل يبعث الحاكم إليها من يحلفها؛ والمخدرة هي: من يزري بمثلها حضور مجالس الحكام، وإن كانت تتصرف، وتخرج إلى غير ذلك، وما له بال فيه إلى المسجد ليلاً.
ابن عبد السلام: تحلف فيما لا بال له حيث ذكر المؤلف، ولو كان أزيد مع ربع دينار، وشرطه ذلك لمن يزري بها حضور مجلس القاضي، وهذا يظهر إن كان حلفها بمجلسه، وإن كان بناحية عن مجلسه؛ فربما لم يزر بها.
قلت: ظاهر قبول نقله عن المذهب قصر حلف المرأة في بيتها على التي يزري بها حضر مجلس الحاكم، وظاهر نقل المتقدمين خلافه، وأنه عام في مطلق المرأة أبقيد؛ كونها ليست كالرجل، وكونها ليست كالرجل هي أعم من المخدرة المذكورة.
قال الشيخ: روى ابن القاسم: تخرج فيما له بال، فمن كانت تخرج نهارًا؛ أخرجت نهارًا وإلا أخرجت بالليل، وقال في كتاب محمد مثله.
قلت: محمد أفي ربع دينار؟ قال: لا إلا في الشيء الكثير الذي له بال، من هي
كالرجل تخرج تحلف بالنهار بالمسجد الجامع في ربع دينار.
وفي الواضحة: تسوية الرجل بالمرأة مطلقًا في خروجها للحلف بمحله في ربع دينار فصاعدًا، ما قصر عنه يحلف الرجل فيه حيث قضى عليه باليمين إن لم يكن بالمسجد؛ قال: وتحلف المرأة في بيتها، ويجزئ القاضي في ذلك بعث واحد لتحليفها.
قال المازري: وقد قال القاضي عبد الوهاب في التي هي من أهل الصون والقدر يبعث القاضي من يستحلفها؛ لأن المدعي إنما حقه في حلفها لا في ابتذالها، وهتك حرمتها، وابن شاس في عبارته تابع للغزالي لا لما ذكرناه من ألفاظ أهل المذهب.
قال الغزالي في الوجيز: المخدرة لا تحضر في مجلس الحكم؛ بل يبعث إليها القاضي من يحلفها، وفي وجه آخر: يلزمها الحضور، قيل: المخدرة التي لا تخرج أصلاً إلا لضرورة، وقيل: هي التي لا تخرج للعزاء والزيارة إلا نادرًا، وما وقعت لأحد من أهل المذهب على اعتبار لفظ المخدرة إلا ما وقع للمازري ما نصه: المشهور اعتبارا ربع دينار في المرأة كالرجل، وقيل: لا تستحلف إلا في الكثير مما باله بال، وأشار بعض العلماء إلى تردد في سقوط تحليف المخدرة في المسجد، فانظر هذا مع جزم ابن الحاجب وابن شاس في نسبة سقوطه لمذهب، وإن قيد ذلك بالسيارة.
قلت: ففي كون حلف المرأة في بيتها بكن المحلف فيه ليس ذا بال دون اعتبار حالها، أو بكونها من أهل القدر والصون دون اعتبار الأول ثالثها: بالأول، وكونها ممن يزري بها حضور مجلس القاضي.
للمازري عن تقابل المشهور مع الشيخ عن ابن القاسم مع محمد قائلاً: من هي كالرجل، والمارزي عن المذهب وابن الحاجب، وابن شاس عنه.
قال ابن عبد السلام: إلغاء المؤلف تصرفها لنفسها في جوابها، ولم يره سببًا في حلفها في الجامع، والذي مشى عليه العمل أن تخرج نهارًا في جوابها تحلف في الجامع نهارًا، ومن لا تخرج نهارًا؛ في بيتها، أو في الجامع ليلاً، وقاله بعض الأندلسيين.
قلت: قوله: ومن لا تخرج نهارًا في بيتها، أو في الجامع ليلاً؛ ظاهرة: أنها مخيرة فيهما
ولا أعرفه؛ بل قول الشيخ عن ابن سحنون عنه أنه قال في امرأتين ادعى عليهما في أرض، أو دور، ممن لا تخرج، فأمر أن يخرجا بالليل للجامع، فسألناه أن يحلفهما في أقرب المساجد منهما لمشقة خرجهما للجامع، فأجاب كذلك: وتمامها في فصل محل الحلف.
قال ابن الحاجب تابعًا لابن شاس: إن مست يتيمًا حاجة، وله رباع في ولاية أخرى كتب بحاجته، وقضي ببيع أقلها؛ ردًا عليه، وتنفيذه لثمنه.
قلت: كذا وجدته في غير نسخة بلفظ كتب بحاجته، وقضي ببيع أقلها؛ ظاهرة: أن القاضي يكتب، ويقضي ببيع الربع، وهذا الظاهر واضح البطلان، وعمود ضمير قضي على غير ما يعود عليه ضمير كتب تفكيك، وفي قراءتها على ما لم يسم فاعله إجمال، ولفظ ابن شاس جار على الأصول؛ لأنه عبر بقوله: يكتب إلا الغير؛ لعمله بحال الطفل وحاجته، ويقتضي منه بيع ماله إلى آخره بلفظ يقتضي لا بلفظ قضي، وهذا الفرع بعينه، وشخصه لا أعرفه من غير ابن شاس إلا لابن حبيب عن أصبغ: ولا يجب انحصار الحكم في ذلك؛ بل للقاضي أن يقدم نائبًا من بحجوره ببلده يخرج، أو يركل من يخرج كالوصي على يتيمه مع يبيع من ربع المحجور ما ذكر على الصفة المذكورة، والأول أرجح؛ لأنه لا يتقرر البيع بموت القاضي المكتوب إليه لأن من يلي بعده مثله بخلاف موت الوكيل.
وزاد في الواضحة: لو مات ببلد قاض من ترك به مالاً، ذكر أن ارثه ببلد آخر لحق على قاضي بلد الميت إن كان الوارث ببلد بعيد جدًا بعثه المال لقاضي بلد الوارث؛ ليفعل فيه واجب، وإن لم يبعد جدًا حبسه، وكتب له بالقصة ليسأل عن ورائه، فيعلمه بذلك ليفعل واجب إرثه فيأخذه، فإن القاضي، وأرسل المال؛ لم يضمنه إن ضاع.
وللشيخ عن أصبغ عن ابن القاسم: إن ادعى على صبي لا وصي له بشيء قلبه أو في يديه؛ لم يوكل له وكيل يدافع عنه.
أصبغ: وأرى أن يوكل له وكيلاً يتولى من النظر له ما يتولاه وصية في ماله ونفسه
والذب عنه، وإنما يكره أن يوكل عليه وكيلاً لهذه الخصومة وحدها؛ لم يعزله.
قلت: قال فضل في اختصار الواضحة: إثر ذكره ما تقدم عن أصبغ قول ابن الماجشون في ديوانه كقول أصبغ حرفًا بحرف.
قلت: قوله: قبله؛ يريد بجناية منه لا بمعاملة؛ لأنها لا تتعلق به.