عبد الحميد: في نكحتك وتزوجتك وكلما صح به ابتداء العقد نظر، يحتمل كونه كذلك لصحة ابتداء العقد به، ويحتمل إلا إذ الرجعة غير ابتداء العقد.
قُلتُ: الأظهر الأول مع إراتها منه.
اللخمي: إن قارن القول البينة صح، وإلا فقال أشهب: ليس برجعة.
وفيها: إن قال: راجعتك، ثم قال: كنت لا عبا ولا بينة على قوله فهي رجعة، وهما على قول مالك في لغو هزل النكاح وصحته، وعلى الخلاف في لغو الطلاق العري عن النية.
قُلتُ: الأظهر أن اللفظ الصريح كارتجعت لا يفتقر إلا نية، وغيره كأمسكت ورددت يفتقر.
ابن رَشْد: القول دون نَّية لا تصح به رجعة فيما بينه وبين الله، وإن حكمنا عليه بها لظاهر لفظه، إلا على القول بلزوم طلاق المستفتي بلفظه دون نَّية وهو قائم من المدَوَّنة وهو بعيد.
قُلتُ: انظر هل مرادهم بقولهم دون نَّية أنه نوى بلفظ الطلاق والرجعة غير معناهما أو مجرد عدم نيتهما، والأول ظاهرٌ معنىً، بعيدٌ لفظا، والثاني عكسه.
قال: واختلف هل يجوز له الوطء إذا ألزم الرجعة على القول أنها لا تصح له فيما بينه وبين الله، وإن حكمنا عليه بها لظاهر لفظ الأصح، وإذا ألزم الرجعة من طلق في الحيض وأبي أن يرتجع قيل له للوطء وهو صحيح؛ لأنها رجعت لعصمته بالحكم، وإن أبي فيجوز له الوطء كالمجبور على النكاح بأب أوصي أوسيد، وإليه ذهب أبو عمران واحتج بجواز وطء من نكح هازلا ومنعه بعض البغداديين حتى ينوي رجعتها، وفي ثبوتها بمجرد النيَّة ولغوها تخريج ابن رَشْد مع اللخمي على أحد قولي مالك بلزوم الطلاق واليمين يمجردها، وقول محمد والاستمتاع بنية الرجعة رجعة إن قارنته.
اللخمي: إن بعد ما بينهما فلا رجعة، ولمحمد: إن نواها ثم قبل أو باشر أو ضم لمكان ما نوى فهو رجعة؛ يريد: إن أصاب ساهيا عن الطلاق المتقدم لم يكن رجعة إن لم
تقارنه نية، وقد اختلف في شرط مقارنة نَّية الظهار.
أبو عمر: روى لقرينان أن القبلة والنظر إلى الفرج ليستا برجعة، وفي لغو الوطء دون نية، وكونه رجعة روايتها وقول ابن وَهْب، وعزاه ابن رَشْد لليث فقط.
قال: يريد في الحكم الظاهر، ولا يصدق أنه لم يرد به الرجعة، وهذا الأظهر كوطء مبتاع الأمة بخيرا في مدته، وقد يفرق بأن المبتاع لو حبسها حتى مضت أيام الخيار وتباعدت عد مختارًا، والزوج لو تمادى على إمساكها حتى انقضت عدتها أبانت منه، وهذا التفريق لا يسلم من الاعتراض.
قَلتُ: يعترض بأن نسبة المبتاع للأمة إنما بوصف ابتياعها المناسب لحليتها، ونسبة المطلق للزوجة إنما هو بالطلاق المناسب لحرمتها، فلا يلزم من إيجاب إمساك الأول الأمة إباحتها.
وفي تهذيب عند الحق: إن قيل لم جعل وطء الأمة المبيعة بخيار رضى من المشتري بالبيع ولم يجعل وطء الزوج دون نَّية الرجعة رجعة.
قيل: لأن الخيار تعلق فيه حق للبائع وحق للمشتري، فإن فعل المشتري في الأمة ما يفعل المالك كان اختيارا منه، والرجعة إنما هي في حقوق الزوج فلا يثبت حقه إلا بإقراره أنه أراد بفعله الرجعة.
وأجاب أبو عمران فيمن طلق واحدة وتمادى على وطئها غير مريد به الرجعة ثم حنث بطلاقها ثلاثا تلزمه الثلاث كالطلاق في النكاح المختلف فيه في فساده لقول ابن وَهْب والليث، وقال: وعلى إلغاء وطئه دون نية.
روى محمد: وسمع عيسى ابن القاسم له مراجعتها فيما بقى من العدة بالقول والإشهاد ولا يطأها إلا بعد الاستبراء من مائه الفاسد بثلاث حيض.
ابن رُشْد: فإن تزوجها وبنى بها قبل الاستبراء ففي حرمتها عليه للأبد قولان، على كون تحريم المنكوحة في الحدة بمجرد تعجيل النكاح أو به مع اختلاط الأنساب.
وفي كون الأمر بالإشهاد على الرجعة مستحبًا أو واجبًا قولان للقاضي مع ابن القصار، والأكثر عن المذهب، وابن بكير مع المتيطي عن رواية بكر القاضي.
ابن محرز: معناه أنه لا تثبت الرجعة إلا ببينة؛ لأنه لو انقضت العدة فزعم أنه
ارتجع لم يصدق إلا ببينة، ومعنى استحبابه كونه مقارنا للرجعة.
وفيها: من طلق فليشهد على طلاقه وعلى رجعته، وقال مالك فيمن منعت نفسها، وقد ارتجع حتى يشهد قد أصابت.
قُلتُ: تصويبه منعها إياه دليل وجوب الإشهاد إذ لا يمنع ذو حق من حقه لأمر غير واجب.
وفيها: إن قال: ارتجعتك ولم يشهد فهي رجعة، وفي لغو شهادة السيد برجعة أمته وصحتها، قولها، وسماع القرينين في طلاق السنة.
الشيخ عن الموازيَّة: وللمطلق أن يرتجع بغير علم المطلقة، ووليها وسيدها إن كانت أمة، وفي عدتها قال مالك: من طلق امرأته طلاقا يملك فيه الرجعة لا يتلذذ منها بنظرة أو غيرها، ولا يأكل معها، ولا يرى شعرها، ولا يخلو معها، وإن كان يريد رجعتها حتى يراجعها، وكان يقول لا بأس أن يدخل عليها، ويأكل معها إذا كان معها من يتحفظ بها ثم رجع فقال: لا يفعل.
عياض: ظاهره منع التلذذ بها على كل حال، وقال اللخمي: الباب كله واحد وأن قوله اختلف في جميع هذا، وخرج الخلاف في التلذذ بها، وهو بعيد في التلذذ جدًا، ويبعد في النظر إلى الشعر والخلوة، وكيف يصح في الخلوة، وقد شرط في إجازة القول بالدخول عليها أن يكون معها من يتحفظ بها، وإليه ذهب ابن محرز وغيره من الشيوخ أن الخلاف إنما هو في الجلوس عندها والأكل معها لا في التلذذ بشيء منها، والنظر إلى وجهها وكفيها لغير لذة جائز اتفاقًا؛ لأن الأجنبي ينظر إليه.
وفيها: لا تغسل المطلقة واحدةً زوجها إن مات في عدتها، وقوله إذا جاء غد فقد راجعتك ليس برجعة.
عبد الحق: كالنكاح إلى أجل لا يصح.
اللخمي: يحتمل كونه لذاك أو لعدم مقارنة النَّية للرجعة والأول اظهر؛ لأن الطلاق يفتقر للنيَّة وأجمعوا على صحته دون مقارنته في قوله إن دخلت فأنت طالق.
قال: فإن لم يصبها في العدة بانت، وإن أصابها فيها لاعتقاده أن ذلك رجعة فهو رجعة.
ابن محرز: قولها ليس برجعة؛ لأنه لم يرتجعها الآن لوقفه ذلك على مجاء غد، وهو
لم يجيء، فإذا جاء ثبتت رجعته؛ لأنه حق له أن شاء عجله أو علقه، وفي تعليق أخذ الشفعة بمثل هذه الشروط بعد معرفة الثمن نظر؛ لأنها من المعاوضة.
قُلتُ: هذا خلاف ما تقدم لعبد الحق واللخمي، وفي نكاحها الأول من قال لامرأته إذا مضى شهر فأنا أتزوجك فرضيت هي ووليها فهو نكاح باطل لا يقام عليه.
الشيخ: لابن سَحنون عنه: من قال لا مرأته إن دخلت الدار فأنت طالق فأراد سفرًا فخاف أن يحنثه في غيبته فأشهد إن دخلت فقد ارتجعتك فليس بمرتجع إن حنثته، وله مع سماع القرينين لو قال لها متى طلقتك فقد ارتجعتك لم يكن قوله ذلك رجعة.
ابن رُشْد: لأن الرجعة لا تكون إلا بنية بعد الطلاق لقوله تعالى: ........... ، والفرق بين الطلاق قبل النكاح، والرجعة قبل الطلاق أن الطلاق حق على الرجل والرجعة حق له فالحق الذي عليه يلزمه بالتزامه، والحق الذي له ليس له أخذه قبل أن يجب له إذ لا خلاف في أنه ليس لأحد أن يأخذ حقا قبل أن يجب له، إنما اختلف في إسقاطه قبل وجوبه كالشفعة ليس له أخذها قبل وجوبها، وفي إسقاطها قبله خلاف.
قُلتُ: تقدم هذا الأصل في فصل الامة تعتق تحت عبد، ومقتضى الروايات أن المطلقة الطلاق الرجعي في العدة محرمة حتى ترتجع حسبما تقدم لعياض، ونقل ابن بشير أنها على الإباحة حتى تنقضي العدة مثل ما تقدم للخمي، والاستدلال على ذلك بثبوت خواص الزوجية من الإرث والنفقة يرد بأن الزوجية أعم من إباحة الاستمتاع بدليل المحرمة والمعتكفة