الشَّيخ لأبي زيد وعيسى عن ابن القاسم: من ابتاع ثوبًا بنصف دينار فأحال به على غريمه، فدفع فيه دراهم ثم رد الثوب بعيب، رجع المبتاع على البائع بنصف دينار.
محمد: وقاله أَصْبَغ قائلًا فيه ضعف.
وفيها: من باع بنصف دينار أو ثلثه وقع البيع على الذهب لا الدراهم، ويقضي إن تشاحا به دراهم بصرف يوم القضاء.
اللخمي: إن أتى بدينار يكونان شريكين فيه لزم الطالب قبوله؛ لأن القضاء في الدراهم إن طاع بها الغريم لعدم فائدة الطالب بالجزء شركة بما لها بالفصل فيه بالدراهم.
قُلتُ: هذا خلاف نصها، وأخذ بعض المغاربة مثل قول اللخمي من لفظ التهذيب من أقرضته دينارًا فوهبته نصفه فله قضاؤك باقيه دراهم تجبر على أخذها إن كانت كصرف الناس أخذه من قوله له، وفيه نظر؛ لأن لفظها إذا أعطاك دراهم صرف الناس جبرت عليها كقول مالك فيمن باع بنصف دينار فلم يذكر لفظ له وتشبيهها بالبيع مع قوله فيه: إن تشاحا قضي بالدراهم يرده، وسلم هذا الأخذ أن قولها في البيع خلاف قول اللخمي.
وفيها: البيع بدانق أو بخمسة دوانق أو بنصف درهم، واقع على الفضة، والقضاء بصرفه فلوسًا يومه والبيع بدانق فلوسًا نقدًا أو بدينار دراهم نقدًا إن سميا قدر الفلوس والدراهم أو عرفاه جاز، وإلا فلا خير فيه وإلى أجل سميا قدر الفلوس الدراهم جاز، وإلا فلا خير فيه.
اللخمي: لا يكفي فيه لأجل معرفتهما قدر الصرف حينئذ لاحتمال اختلافه يوم القضاء.
والدانق: سدس درهم، فالبيع بجزء درهم إن كان قدره مضروبًا قضى به، وإلا قضى به فلوسًا كالدراهم في جزء الدينار، فإن لم تكن فلوس قضى بما العادة أن يقضي عنه من طعام، أو غيره، فإن لم تكن عادة قضي بشركتهما في درهم، ثم يبيعانه بما ينقسم.
قُلتُ: فإن اختلفا فيه قضي بالأدوم بقاء من غالب مثلي حينئذ كالفلفل ونحوه، وسمع ابن القاسم لمن باع سلعة بنصف دينار ممن باع منه قبلها سلعة بنصف دينار قبل
قبضه جبره على أخذه بدينار كامل.
ابن رُشْد: لو أعسر المبتاع بما زاد على نصف دينار جبر البائع على أخذه منه نصف دراهم، بخلاف أن لو كان أصل بيعه بدينار قائم، وذكرها اللخمي عن محمد واستدل بها على قوله: يجبر من له نصف دينار على أخذ دينار شركة بينهما، ويرد بأن الجزء إنما قضى به دراهم لدفع ضرر الشركة، وعدم الاستقلال المقتضي بحقه،
في اجتماع النصفين منتفيان فوجب القضاء بعين ما في الذمة.
زاد اللخمي عن محمد: من له ثلاثة أرباع دينار وعشرون قيراطًا ذهبًا حكم له بدراهم، ويحكم في دينار إلا قيراطين بدينار.
اللخمي: يريد ويعطي الغريم ما ينوب الغريمين لا أن يأخذ دينارًا ينقص قيراطين، إلا أن يكون ذلك النقص ليس بعيب، وسمعه أيضًا من له نصف دينار لشهر على رجل يكره بيعه له ثوبًا فنصف دينار لذلك الشهر على أن يعطيه دينارًا قائمًا.
ابن القاسم: ويجبر المبتاع عند الأجل على دفعه دينارًا قائمًا.
ابن رُشْد: كراهته ذلك نحو كراهة مالك.
فيها: بيع سلعة بنصف دينار لأجل بشرط أخذه دراهم مع وجوب القضتء بها، وظاهره أنه شرط لما يوجبه الحكم فأخذ منه بعضهم أن من الشروط التي يوجبها الحكم ما لا يجوز اشتراطه، وهو ما كان منها مخالفًا للقياس، وليس بصحيحٍ؛ لأن شرط موجب الحكم كتركه، وكرتهة مالك في الأولى لاحتمال أن يحل الأجل، وللمبتاع على البائع نصف دينار فتجب مقاصته به فيجب قضاء النصف الباقي دراهم، وفي الثانية لاحتمال أن يحل الأجل وللبائع على المبتاع نصف آخر.
قُلتُ: يرد الأول بمنع المقاصة؛ لأن النصف من دينار ثبت جمعه في ذمة ذهب والنصف من دينار لم يثبت جميعه ذهبًا ورق لا ذهب، والمقاصة في الذهب بالورق غير واجبة، وتعليل كراهة الثانية بأن الشرط فيها يئول للبيع بصرف يوم القضاء وهو مجهول أبين.
وسمع القرينان: من له على رجل صك بعشرة دراهم من صرف عشرين درهمًا بدينار إنما له نصف دينار ما بلغ غلا الصرف، أو رخص إن كانت من بيع، وفي القرض
إنما له ما أعطاه، ولو باعه بثلاثة دراهم دون قوله: من صرف كذا وكذا لزمه عدد الدراهم.
ابن رُشْد: ولو قال: أبيعك بنصف دينار من صرف عشرين درهمًا بدينار، فإنما له عشرة دراهم، إذا لم يسم نصف الدينار إلا ليبين به الدراهم التي أراد البيع بها من الدينار حسبما سمعه يحيى.
قُلتُ: هو سماعه من باع ثوبًا بعشرة دراهم من صرف عشرين درهمًا بدينار فله نصف دينار غلا الصرف أو رخص، وأما من قال: بنصف دينار من صرف عشرة دراهم بدينار فله خمسة دراهم حال الصرف كيف حال.
قُلتُ: يوهم ظاهر هذا اللفظ، ولفظ ابن رُشْد: أنه يقضي في قوله: بنصف دينار من صرف عشرين درهمًا بدينار بالراهم وليس كذلك، إنما يقضي بجزء دينار؛ لأنه إذا كان كذلك في قوله: بعشرة دراهم من صرف عشرين بدينار فأحرى في قوله: بنصف دينار من صرف عشرين بدينار، وكذا جمعهما الشَّيخ في النوادر، وأجاب عنهما بجواب واحد.
فإن قلت: قوله فس سماع يحيى: وأما من قال إلخ نص في مخالفته ما قبله.
قُلتُ: المخالفة في قدر الدينار الذي يجب الجزء منه، لا في القضاء بالدراهم.
ويحرم النساء في بيع الطعام بآخر مطلقًا.
باب الطعام
والطعام: ما غلب اتخاذه لأكل الآدمي أو لإصلاحه أو شربه، فيدخل الملح
والفلفل ونحوهما، واللبن لا الزعفران وإن أصلح لعدم غلبة اتخاذه لإصلاحه، والماء كذلك، وتفسير ابن عبد السلام، قول ابن الحاجب: المطعومات ما يعد طعامًا لا دواءً بما اتخذ للأكل أو الشرب إن أراد للأكل والشرب فقط خرج الملح لاتخاذه لغير ذلك كتمليح الجلد للدبغ، وإلا دخل الزعفران، والأولى تفسيره بما يقصد لطعمه ويبطل بما تقدم، وحكم ربا الفضل أصل في الأربعة: البر، والشعير، والتمر والملح.
وفي علته اضطراب:
الباجي: في كونها الاقتيات، أو الادخار للأكل غالبًا، ثالثها الأول، والادخار لإسماعيل القاضي وابن نافع مع رواية الموطأ، ورواية غيره.
اللخمي: عن الأبهري عن بعض أصحابنا علته في:
البر: الاقتيات، وفي التمر التفكه الصالح للقوت، وفي الملح كونه مؤتدمًا.
ابن القُصَّار، والقاضي: الادخار للعيش غالبًا.
اللخمي: ولا يصح؛ لأن اللوز وشبهه غير متخذ للعيش غالبًا، وهو ربوي، والقول بأن التمر متفكه غلط؛ لأنه بالمدينة ومدن التمر أصل عيشهم كالبر والشعير في غيرها.
المازري: لمالك في الموَّازية: هي كونه قوتًا أو إدامًا أو متفكهًا به مدخرًا.
ابن بشير للمتقدمين طرق:
الأولى: الادخار مع التفكه أو القوت أو إصلاحه.
الثانية: مجرد القوت.
الثالثة: الادخار للعيش غالبًا، وقال أولًا: حكي عن ابن الماجِشُون العلة المالية، وهذا يوجب الربا في الدور والأرضين ولا يمكن قوله.
قُلتُ: فالأقوال تسعة، ثلاثة الباجي، ونقلا اللخمي، ورواية المازري وأولى ابن بشر، وقول ابن الماجِشُون، ونقل ابن الحاجب مع نقل غيره في فروع الباب علته الادخار، وقول ابن الحاجب: ولبن الإبل يقوي الاقتيات، وأجيب بأن دوام وجوده كادخاره، وبالخلاف في الموز جوابه بدوامه واضح، وبقوله: وبالخلاف في الموز لا يتقرر لمنع المحتج عليه ما ينافي قوله بالآخر، والاتفاق على لبن الإبل واضح في إبطال اعتبار العيش غالبًا، فما فيه كل ما ادعي علة واضح كقولها مع غيرها في الأربعة، والسلت، والأرز، والقطاني والزيت، والخل، واللحم، والإدام، والتمر، والزبيب.
اللخمي والباجي: والذرة والدخن.
اللخمي: والترمس، وسمع أبوزيد ابن القاسم كل زريعة لا تؤكل، ويستخرج منها ما يؤكل تباع قبل استيفائها، ويجوز منها واحد باثنين، وكل زريعة تؤكل، ويستخرج منها طعام يؤكل لا تباع قبل استيفائها ولا متفاضلة.
ابن رُشْد: كذا الرواية (لاتؤكل ويستخرج منها)، والصواب ولا يستخرج منها؛ لأن التي يستخرج منها الزيت كزريعة الفجل طعام، قاله في المدَوَّنة، ومعناه: في البلد الذي تتخذ فيه لذلك وتأويل الرواية إن صحت، ويستخرج منها شيء يؤكل، أي: بأن يزرع كزريعة البصل وشبهه، وقوله: لا يؤكل أي يؤكل تقوتًا، ولا تفكهَّا كالحرف، وحمل بعضهم الرواية على ظاهرها أن الزريعة التي لا تؤكل غير طعام، ولو أخرج منها الزيت، وهو خلاف قولها.
وقوله: (كل زريعة تؤكل ويستخرج منها ما يؤكل)، معناه: أو يستخرج منها ما يؤكل؛ لأنها إن كانت تؤكل فهي طعام، وإن لم يستخرج منها ما يؤكل اتفاقًا كالكمون، ونحوه.
قوله: في قوله اتفاقًا نظر لما يأتي في كون برز الكتان ربويًّا رواية زكاته، ونقل اللخمي عن ابن القاسم: لا زكاة فيه إذ ليس بعيش.
القرافي: وهو ظاهر المذهب، الشَّيخ: روى محمد البصل والثوم ربويان.
وفي التين ثالثها ما ييبس لنقل الشَّيخ رواية محمد والمازري، أحد قولي القاضي، واللخمي عن أحد قولي ابن نافع، وضعف المازري أحد قولي القاضي بأنه كالزبيب المتفق عليه.
ابن بشير: قالوا: إنما ترجع فيه مالك لعدم اقتياته بالمدينة.
وفي كون العنب الشتوي كالصيفي قولان للشيخ عن محمد واللخمي عن أحد قولي ابن نافع، وما ليس فيه علة ربا غير ربوي فيها كالخضر والبقول.
ابن شاس: وغيره كالخص والهندباء، والقطف وشبهه، والفواكه التي لا تقتات ولا تدخر غير ربوية اتفاقًا.
الشَّيخ عن محمد عن ابن القاسم: الخردل والقرطم وشبهه والفواكه التي لا تقتات طعام، بخلاف برز البصل والجزر والبطيخ والقرع والكراث.
ابن حبيب: وبرز البقول والحرف وهو حب الرشاد، محمد عن ابن القاسم: وحب الغاسول، وإن أكله الأعراب سند يختلف في حب الحنظل، وحب الغاسول والبلوط، والبطيخ الأصفر؛ لأنه يدخر بخراسان على الخلاف فيما يدخر نادره.
ابن سَحنون: اتفق العلماء أن الزعفران جائز بيعه قبل استيفائه، ونقله الصقلي بلفظ: أجمع العلماء أنه ليس بطعام.
وفي تهذيب الطالب: قال عبد الحق: رأيت لابن سَحنون من منع سلف زعفران في طعام لأجل يستتاب، إن لم يتب ضربت عنقه لإجماع الأمة على جوازه، فسألت أبا عمران عن ذلك فذكر ما تلخيصه: إن ثبت عنده ذلك الإجماع بخبر الواحد لم يستتب، وإن ثبت له بطريق تحصل له العلم فذلك.
قُلتُ: الصحيح أن الإجماع الذي يستتاب منكره ما كان قطعيًا، وهو ما بلغ عدد قائليه عدد التواتر، ونقل متواترًا على خلاف فيه، ثالثه إن كان نحو العبادات الخمس، وما نقلوه من الإجماع في الزعفران فلم أجده في كتاب الإجماع ومن أوعبها كتاب الحافظ أبي الحسن بن القطان، وقعت على نسخة بخطه فلم أجده فيها بحال، وسمع أَصْبَغ ابن القاسم ذكار التين غير طعام.
قال سند: الطلع قبل أن يشق عنه خفه طعام كان من الذكر أو الأنثى، وفي بعض الروايات أنه ليس بطعام.
قُلتُ: والنارنج غير طعام والليم طعام، واختلف في أنواع لاختلافهم في العلة، ففي كون الجوز واللوز ربويين نقلا ابن بشير ونحوه قول الباجي: من جعل العلة الادخار والاقتيات لم يجعل الجوز واللوز ربوين، وظاهر متقدم رد اللخمي تعليل ابن القُصَّار، والقاضي الاتفاق على أنهما ربويان.
وفي الجراد قولان لظاهر قولها: يجوز فيه اثنان بواحد من الحوت يدًا بيد مع الجلاب عن المذهب، ونقل الصقلي عقب ذكره قولها قال أشهب: هو كالخضر، وعزا المازري الأول لسَحنون، وجعل الثاني معروف المذهب.
والمعروف أن مطلق اللبن ربوي.
اللخمي: يختلف في بيع المخيض بالمخيض، والمضروب بالمضروب متفاضلًا، فمن منعه منع بيع شيء منهما بحليب أو زبد أو سمن أو غيره؛ لأنه الرطب باليابس، ومن أجازه أجازه بحليب أو غيره ولا يصح قولها: لا بأس بالسمن بلبن أخرج زبده إلا على الثاني؛ لأنه كالرطب باليابس، وهو الذي أراه، وذكر المازري أخذه هذا من المدَوَّنة ولم يتعقبه، وظاهر قوله قبل ذكره التخريج: الحليب المخرج زبده في إثبات الربا فيه قولان كالتين الشتوي أن القولين منصوصان.
قال ابن بشير: ذكر اللخمي أن المذهب اختلف في اللبن المخيض، ولا يجد ذلك في المذهب؛ لأنه مقتات ودوامه كادخاره، والدليل عليه اتفاق المذهب على أن لبن الإبل ربوي، وإن لم يعمل منه ما يدخر؛ لأن دوامه كادخاره فإن قيل: يعمل منه المصل وهو مدخر أجيب بأن المصل صورة نادرة، ولا يدخر للقوت؛ بل للتصرف في الطبخ كالأبزار.
ولما ذكر ابن شاس ما أخذه اللخمي من المدَوَّنة قال: أبو الطاهر فيما عول عليه نظر، ولعل قوله في المدَوَّنة: بناء على أن السمن صيرته النار والصنعة جنسًا آخر.
ابن الجاجب: خرج اللخمي فذكر تخريجه، ورد ابن بشير، وقال: ووهمًا؛ لأن بعده فأما بلبن فيه زبد فلا.
وقال ابن عبد السلام: تخريج اللخمي ضعيف؛ لأن ما أخرج زبده لا يخرج منه زبد فلا مزابنة فيه.
قال فإن قلت: سوى في المدَوَّنة بين ما أخرج زبده، وما لم يخرج زبده، وكل من المتساويين يصح عليه ما يصح على الآخر، فلما منع السمن بما لم يخرج زبده، وأجازه بما أخرج زبده دل على أنه ليس ربويًا.
قُلتُ: قد أخذت في هذا السؤال كون هذين اللبنين يطلب فيهما المساواة في المعاوضة، وهو معنى كونهما ربويين، فكيف حكم أن أحدهما غير ربوي من كونهما ربويين، هذا تناقض انتهى كلامه.
وحاصله أنه فهم أن تخريج اللخمي آيل إلى أخذ كونه غير ربوي من كونه ربويًا بما ذكره من سؤال وجواب، وليس الأمر كما زعم، وبيانه بتقرير تخريج اللخمي على القواعد القياسية، وهو أنه ادعى أن ما أخرج زبده غير ربوي؛ لأنه لو كان ربويًا لما جاز بيعه بالسمن، واللازم باطل لنص المدَوَّنة، فالملزوم مثله فيثبت نقيضه وهو المدعى بيان الملازمة أن لو كان ربويًا لكان مماثلًا لما لم يخرج زبده والملازمة واضحة بالاتفاق المذهبي قطعًا، وكلما كان مماثلًا لما لم يخرج زبده لم يجب بيعه بالسمن؛ لأن ما لم يخرج زبده لا يجوز بالسمن اتفاقُا، ونسبة أحد المتماثلين الربويين لغيرهما كنسبة الآخر إليه اتفاقًا، كما أن نسبة القمح لشيء كنسبة الشعير إليه فثبت صدق قولنا لو كان ما أخرج زبده ربويًا كان مماثلًا، لما لم يخرج زبده، وكلما كان مماثلًا له لم يجز بيعه بالسمن، واللازم باطل بنص المدَوَّنة فالملزوم باطل، وهو كون ما أخرج زبده ربويًا فيثبت نقيضه، وهو كونه غير ربوي وهو المدعى، فقول ابن عبد السلام أخذ كونه غير ربوي من كونه ربويًا، وهو تناقض يرد بأنه إن أراد أنه أخذه من كونه ربويًا في الواقع فهذا ممنوع، ولم يقله اللخمي بحال، وإن أراد أنه أخذه من كونه ربويًا، فالفرض والتقدير المرتب عليه لازم بين بطلانه فمسلم، ولا تناقض فيه وهو شأن الاستدلال على المطلوب بقياس شرطي استثني فيه نقيض اللازم، فكيف يتوهم فيه أنه استدلال على ثبوت الشيء بثبوت نقيضه، ومن يتوهم هذا يؤول به توهمه في قوله تعالى: لو كان فيهما ءالهه إلا الله لفسدتا [الانبياء:] لشناعة فادحة؛ لكن عندي في تخريج اللخمي نظر من وجه آخر، وهو منع صدق إحدى مقدمتي دليله فنقول قوله: لو كان ربويًا كان مماثلًا لما لم يخرج زبده، وكل ما كان مماثلًا له إلخ، إن أراد
بالمماثلة المماثلة في كونهما لبنين فقط لا في ذلك مع كونه يخرج منه الزبد سلمنا الأولى ومنعنا صدق الثانية، ولا يتم دليل صدقها حينئذ وهو قوله: نسبة أحد المتماثلين الربويين لغيرهما كنسبة الآخر إليه؛ لأن ذلك إنما هو إذا نسب أحدهما لما نسب إليه الآخر في المعنى الذي وقعت المماثلة به، وهي ليست كذلك هنا؛ لأن نسبة الذي لم يخرج زبده إلى السمن إنما هي من حيث اشتماله على الزبد، وهذه الحيثية ليست هي التي وقعت المماثلة بها بينه وبين ما أخرج زبده إنما المماثلة بينهما من حيث كونهما لبنين فقط، وإن أراد بالمماثلة في كونه لبنا مع كونه يخرج منه الزبد اتضح كذب الأولى فضلًا عن منعها فتأمل هذا وحققه.
فإن قلت: يرد هذا بأن معروف المذهب أن نسبة الرطب الذي لا يتمر كنسبة الرطب الذي يتمر إليه، وإن كان لا يخرج منه تمر.
قُلتُ: ما به مماثلة الرطب الذي لا يتمر للرطب الذي يتمر هي المانع من بيع الرطب الذي يتمر بالتمر؛ لأن المماثلة بينهما هي في كونهما رطبين، وكونهما رطبين هي المانعة من بيع الرطب الذي يتمر بالتمر؛ لأنها الملزومة لعدم مساواة الرطب الذي يتمر للتمر، وإن ساواه حينئذ في القدر كمد رطبٍ بتمر بمد تمر حسبما أو مأ إليه صلى الله عليه وسلم بقوله: أينقص الرطب إذا جف؟ قالوا: نعم قال: فلا إذن.
مع علمه صلى بأنه ينقص فالعلة الموجبة للمنع هي كونه رطبًا؛ لأنها ملزومة لعدم مساواة المد من أحدهما للمد من الآخر؛ لأن بعض أجزاء الرطب الذي يتمر لما كانت بحيث لو يبس ذهبت حكم لها الشارع صلوات الله عليه بالعدم، وهذه العلة ثابتة في الرطب الذي لا يتمر؛ بل هي فيه أتم؛ لأنه بحيث لو يبس لم يبق منه شيء، وما به مماثلة اللبن الذي أخرج زبده لما لم يخرج منه زبده ليست هي العلة المانعة من بيع ما لم يخرج زبده بالسمن؛ لأن ما به مما ثلثهما إنما هي كونهما لبنين فقط، وعلة بيع ما لم يخرج منه الزبد بالسمن إنما هي كونه يخرج منه الزبد، وهذه العلة معدومة في اللبن الذي أخرج زبده.
فإن قلت: يرد هذا بقولها: لا خير في زيت زيوت بزيتون كان مما يخرج منه الزيت أم لا؛ لأن علة المنع فيما له زيت منتفية عما لا زيت فيه كاللبن المضروبمع غير مضروب.
قُلتُ: لا نسلم انتفاءها مطلقًا؛ لأن كل زيتون له زيت، وإن قل واللبن المضروب لا زبد فيه بحال.
ثم قال ابن عبد السلام: إن قلت: منع الرطب باليابس لا يشترط فيه كون الرطب على حالة يؤول بها الرطب إلى حالة اليابس من كل وجه؛ لأن الرطب الذي لا يتمر لا يصح بالتمر فقصارى ما أوردتم على اللخمي أن ما أخرج زبده مع الذي فيه زبد كرطبين أحدهما يتمر دون الآخر، وعلى هذا التقدير، عدم خروج الزبد من اللبن المضروب لا يخرجه عن حكم اللبن في منع بيعه بالسمن، فلما لم يمنع ذلك مالك دل على أنه ليس من اللبن الربوي، وهو المطلوب انتهى.
قُلتُ: هذا الكلام إذا تأملته لم تجد له تعلقًا بالكلام السابق الذي يليه؛ لأن كلامه السابق على هذا إنما هو تضعيف تخريج اللخمي باشتماله على التناقض الناشئ عن أخذه كونه غير ربوي من كونه ربويًا حسبما تقدم، فقوله: إن قلت: لا تعلق له بحال، وإنما يتعلق بقوله: أولًا ما أخرج زبده لا يخرج منه زبد، وهو ما قررت به رد تخريج اللخمي بمنع إحدى مقدمتي دليله، وبيانه أن نقول قولكم في الرد المماثلة إن كانت في كونهما لبنين فقط دون كون أحدهما يخرج منها الزبد صدقت المقدمة الأولى دون الثانية؛ لأن نسبة ما لم يخرج زبده للسمن إنما هي من حيث اشتماله على الزبد إلخ مردود بالرطبين اللذين لا يتمر أحدهما، فإن نسبة ما يتمر منهما للتمر في منع بيعه به إنما هي من حيث قبول صيرورته تمرًا، وما لا يتمر، هذه الحيثية غير ثابتة له، مع أن نسبته للتمر في منع بيعه به كنسبة ما يتمر فكذا ما أخرج زبده مع ما لم يخرج زبده، وقد تقدم لنا جواب هذا السؤال وأجاب هو عنه بأن قال قلت: هذا السؤال غير لازم؛ لأن ما ذكر تموه في باب منع الرطب باليابس إنما هو في النوعين الداخلين تحت جنس واحد، وصنفين تحت نوع كلحمين أحدهما يابس والآخر رطب أو كالرطب بالتمر، وأما السمن والزبد مع اللبن فليس من هذا إنما هما جزآن من اللبن الذي لم يخرج زبده، وتحقق ذلك أن النوع مضاد لنوعه في المعنى، فإنه لا يصلح كون الحيوان الواحد طائرًا إنسانًا ولا ذكرا أنثى فلا يجتمعان بوجه، بخلاف السمن واللبن على ما قلنا فحيث منع شيء من هذا فإنما منع لأجل المزابنة التي تكون في الربوي وغيره لا لكونه ربويًا.
قُلتُ: حاصله أنه زعم أالمماثلة التي لا يضر فيها كون أحد المثلين يختص بأمر دون مماثله، إنما هي في المثلين اللذين هما نوعان تحت جنس أو صنفان تحت نوع كاللحمين أحدهما يابس والآخر رطب، أو كالرطب والتمر والسمن والزبد مع اللبن ليسا كذلك؛ لأنهما جزآن من اللبن الذي لم يخرج زبده.
واستدل على أن الرطب والتمر نوعان بتضادهما، وعلى أن اللبن المخرج زبده مع السمن أو الزبد لا يصح كونهما نوعين ولا صنفين بعدم تضادهما؛ لأنهما جزآن من اللبن الذي لم يخرج زبده، والجزآن من كل يجتمعان فلا تضاد بينهما.
أما زعمه أن المنع إنما هو في النوعين أو الصنفين فمردود بأن منع المزابنة في الربوي وغيره إنما هي في النوع الواحد، ويقع في عباراتهم الجنس والصنف بدل النوع، والمعتبر في منع المزابنة كونها فيما كان المقصود منه في المنفعة، واحدًا أو متقاربًا سمي نوعًا أو جنسًا أو صنفًا لا فيما تباين ذلك فيه أو تباعد، كما هو ظاهر شرطه المنع بكةنه بين نوعين متضادين فتأمله، وأما زعمه أن اللبن مع السمن أو الزبد ليسا بنوعين لعدم تضادهما؛ لأنهما جزآن إلخ فوهم؛ لأن التضاد المعتبر بين النوعين إنما هو في الصادقية على موضوع واحد، وهو حاصل في اللبن المخرج زبده مع السمن، والزبد، والاجتماع الكائن بينهما إنما هو في الوجود الحسي وهو غير مانع من التضاد المذكور فهما نوعان أو صنفان أقرب مشترك بينهما المخرج من اللبن الحليب.
وقوله: حيث منع شيء من هذا إنما منع للمزابنة التي تكون في الربوي وغيره لا لكونه ربويًا غير صحيح؛ لأن المزابنة التي تكون في الربوي وغيره إذا تبين الفضل ألغيت، والمزابنة في الرطب والتمر واللبن والسمن والزبد معتبرة ولو بان الفضل بينهما، أما في الرطب والتمر فواضح، وأما في اللبن المضروب مع الزبد والسمن فكذلك؛ لأن اللبن مع أحدهما إن كانا جنسين فلا مزابنة؛ لأنها إنما تعتبر في الجنس الواحد، وإن كانا جنسًا واحدًا كان اللبن ربويًا؛ لأنه من جنس الزبد، أو السمن حينئذ، وما هو من جنس الربوي ربوي، وتوهيم ابن الحاجب ابن بشير بما ذكر من لفظها بين، ويجاب بأن مراده بالصنعة مجموع المخض وما بعده، لا ما بعده فقط، وتوهيمه اللخمي وهم.
والمعروف أن الماء غير طعام في ثالث سلمها والإدام والشراب كله طعام لا يباع قبل قبضه، ولا يصلح منه اثنان بواحد إلا أن يختلف أنواعه إلا الماء يجوز بيعه قبل قبضه ومتاضلًا يدًا بيد، وبطعام إلى أجل، وخرج القاضي من رواية أبي الفرج وابن نافع منع بيع عذبه بطعام إلى أجل أنه ربوي، ورد المازري وغيره بأنه حينئذ كفاكهة لا تدخر ولا تقتات، وقبلوه وعبر عنه ابن الحاجب بقوله: ووهم فإن هذا حكم الطعام غير الربوي ويرد بأن وضوح العلم بادخاره ودوامه مع كونه طعامًا برواية ابن نافع يوجب كونه ربويًا.
المازري: وعلى الترجيح بيع دار بأخرى لكل منهما ماء عذب، غير جائز على رعي الأتباع جائز على لغوها.
قُلتُ: فليزم الثاني في فدان بآخر بكل منهما تمر ربوي، واختلاف جنس الطعامين الربويين يبيح فضل أحدهما على الآخر فالحنطة والتمر والزبيب ولحم ذي الأربع ولحم دواب والجراد واللبن مطلقًا والزيت والخل والعسل كل منهما جنس لأنواعه:
الشَّيخ: روى ابن حبيب: بيض كل الطير جنس واحد كان مما يطير أولا كالنعام والطاووس وصغيره وكبيره.
الباجي: التين كله جنس وكذا العنب.
ابن حبيب: الثوم والبصل جنسان.
قُلتُ: وكذا عسل النحل والسكر، وهو دليل قول قول اللخمي لا يراد عندنا إلا للعلاج، ولظاهر قوله: العسول أصناف، وتقارب منفعة الجنسين تصيرهما جنسًا واحدًا.
والمعروف أن القمح والشعير جنس واحد، ولم يحك المازري فيه في شرح التلقين خلافًا في المذهب، وقال في المعلم إثر نقله قول الشافعي: إنهما جنسان، ومال إليه بعض شُيُوخنا المحققين.
وقال في موضع آخر: لم يختلف المذهب أنهما جنس واحد ورأى السيوريى أنهما جنسان ووافقه على ذلك بعض من أخذ عنه قال في موضع آخر: لم يختلف المذهب أنهما جنس واحد ورأى السيوريى أنهما جنسان ووافقه على ذلك بعض من أخذ عنه قال غيره هو: عبد الحميد الصائغ، ولم يعزه ابن بشير إلا للسيوري، والمذهب أن السلت كالقمح وفي إجزاء قول السيوري فيه
نظر، والأظهر عدمه؛ لأنه أقرب للقمح من الشعير.
وفي كون (...) من جنس القمح نقل أبي عمر عن ابن كنانة مع اللخمي عن رواية ابن حبيب، ومعروف المذهب، أبو عمر اتفق قول مالك على أن الذخن والذرة والأرز أصناف يجوز التفاضل بينها.
الباجي لزيد بن بشير عن ابن وَهْب: أن الدخن والذرة والأرز جنس لا يجوز التفاضل بينهما.
وقول ابن شاس: المشهور أنها لا تلحق بالقمح والشعير وما معها وألحقها ابن وَهْب بها.
وسبب الخلاف النظر لتباين الخلقة والمنفعة أو إلى أن العادة اختبازها لا أعرف من نقله عن ابن وَهْب غير ابن محرز، ونقله ابن بشير غير معزو، ونقله اللخمي عن الليث ومال إليه.
قال: ذكر عن الليث أن القمح والشعير والسلت والأرز والذرة والدخن صنف واحد في البيع وهو أقيس على قولهم: أخبازها صنف واحد وفيها رجع عن كون القطاني أصنافًا؛ لأنها صنف واحد.
وبالأول أقول: ابن رُشْد به قال: سائر أصحاب، وثالثها له ما لا يشبه بعضه بعًا في المنفعة كالحمص والفول، والترمس والكسر سنة فهي أصناف، وما أشبه بعضه كالحمص والعدس صنف.
أبو عمر: روي ابن وَهْب أنها كلها صنف واحد، وروى ابن القاسم أنها أصناف لا بأس بالتفاضل بينها، وقاله سَحنون وأكثر أصحاب مالك، وقال ابن القاسم وأشهب: الجلبان والبسيلة صنف واحد والحمص واللوبيا صنف واحد، وما عدا ذلك أصناف مختلفة.
ابن زرقون: قال عيسى: لا بأس بالبسيلة بالجلبان واللوبيا بالحمص متفاضلًا، ورواه ابن أبي جعفر عن ابن القاسم في الحمص واللوبيا، وأجاز الجلبان بالعدس.
قال: وكرهه أشهب.
وفي كون الكرسنة من القطاني أو صنفًا على حدة، ثالثها: إنها غير طعام رواية اللخمي مع أحد نقلي ابن بشير، وثانيهما مع ابن رُشْد عن ابن حبيب، وقوله في سماع
القرينين في الزكاة.
قال ابن وَهْب: لا زكاة فيها واختاره يحيى بن يحيى، وهو الأظهر؛ لأنها علف ليست بطعام.
وفي كون الأرز والجلبان من القطنية نقل ابن رُشْد رواية زياد والمشهور مع سماع القرينين، وقول ابن بشير الكرسنة هي اللوبيا خلاف سماع القرينين، تفسير مالك القطنية بقوله: الجلبان واللوبيا والحمص والكرسنة وما أشبه ذلك.
وفيها: ما أضيف اللحم من شحم وكبد وكرشٍ وقلب ورئة وطحال، وكلأ وحلقوم وكراع وخصي ورأس وشبهه حكم اللحم.
والمعروف اختلاف طبخ اللحم لا يعد جنسه.
عبد الحق: لم يذكروا في كون الطبخ يوجب اتحاد المطبوخين ولو كانا جنسين أم لا، والظاهر الأول كخبزي الجنسين.
قُلتُ: فيتخرج خلافه احرويًا؛ لأن التباين بالطبخ أبين ولذا قيل به في الجنس الواحد وصفة الطبخ تأتي، التونسي: إن بيع اللحم المطبوخ بعسل بما طبخ به بلبن فلا شك في اتحاده؛ لأن طعمهما متقارب، وإن بيعا بمرقتهما أمكن أن يختلفا لا ختلاف أجناسهما، إلا أن يغلب اللحم فيكون مرقة تبعا فيجب تحري الجميع.
اللخمي: القياس جواز التفاضل بين قلتي الخلوالعسل لتباين الأغراض فيهما.
المازري: مال بعض أشياخي لتعدد جنس اللحم باختلاف طبخه الذي تختلف فيه الأغراض.
ابن شاس: تعقب بعض المتأخرين المذهب، وأرى أن الزبرباج مخالف للطباهجة مخالفة لا يتمارى فيها.
قُلتُ: ففي اختلاف اللحمين مطبوخين طبخًا تختلف فيه الأغراض.
ثالثها: إن كانا جنسين وبيعا بمرقتهما.
اللخمي: ومعروف المذهب، والتونسي، وظاهر كلامه: أن بيع لحم مع مرقه بلحم مع مرقه كبيع لحم بلحم.
وقال اللخمي: قولها: لا يجوز قلية لحم بعسل بقلية لحم بخل أو لبن متفاضلًا،
يريد: إن باعا اللحم باللحم فقط، وإن أدخلا أو داكهما في البيع جرى على الخلاف في بيع قمح، ودقيق بقمح ودقيق.
قال المازري: هذا إن أعطيت الاتباع حكم نفسها، وإن ألغيت فلا.
قال: والتساوي بين اللخمين مطبوخين بالوزن يعسر، فوجب كونه بالتحري وفي وجوب التحري في اللحمين ومرقيهما أو دونهما قولا الشَّيخ وغيره، ورجحه عبد الحق بأن المعتبر في تحري الخبزين دقيقاهما دون تماثل أعيانهما، وسياق كلام المازري دخول قول ابن شعبان بإلغاء عظم اللحم المتحرى قبل طبخه فيه بعد، ويرد بأن عظم المطبوخ معتبر لطبخه معه بخلاف ما قبله، وقول ابن الحاجب اختلف في الأمراق باللحوم المطبوخة، المختلفة والمشهور أنها جنس بين لكل منصف بعده عن بيان المذهب.
اللخمي: في كون التوابل طعامًا روايتها ورواية ابن شعبان، وهي الكزبر والقرنباذ والفلفل وشبهه.
قُلتُ: وفيها والشونيز، والتابل، ويدخل في قول اللخمي شبه ذلك الزنجبيل.
عياض: القرنباذ: بفتح القاف والراء ونون بعدها ساكنة وآخره دال: الكرويا، والشونيز: بفتح الشين: الحبة السوداء.
الشَّيخ عن محمد عن ابن القاسم: الشمار والآنيسون والكمونات طعام، وقال محمد وأَصْبَغ في هذه الأربعة: ليست طعامًا هي دواء إنما التابل الذي هو طعام: الفلفل والكرويا، والكزبر، والقرفة والسنبل.
ابن حبيب: الشونيز والخردل من التوابل لا الحرف، وهو حب الرشاد، وهو دواء لا طعام، وعزو ابن الحاجب كون التوابل غير طعام لأَصْبَغ يقتضي عموم قوله في جميعها، والذي في النوادر إثر قول ابن القاسم لأَصْبَغ غير ذلك.
والذي في النوادر إثر قول ابن القاسم لأَصْبغ غير ذلك.
وفي كون التوابل جنسًا أو أجنسًا.
نقل الشِّيخ عن محمد عن ابن القاسم: الشمار والانيسون جنس، والكمونات جنس، وقول الباجي: الأظهر أنها أجناس لاختلاف منافعها وتباين الأغراض فيها.
قال: ولمحمد عن أَصْبَغ وتأوله عن مالك الفلفل والقرفة، والسنبل والكرويا وحب الكزبر والقرطم والخردل أجناس مختلفة.
قُلتُ: في النوادر إثر قول أَصْبَغ في الفلفل وما بعده.
قال أشهب عن مالك: كل واحد من ذلك جنس.
والأظهر أن الفلفل والزنجبيل جنس واحد، ولا نص فيه وفي تعبير ابن الحاجب عن قول الباجي بالكراهة نظر.
وفي وحدة جنس الأخبار مطلقًا طريقان:
ابن رُشْد: في كونها كذلك، وفي كون أخبار القطنية جنسًا وحدها، ثالثها: أنها أجناس باختلاف أصولها للمشهور وابن أبي جعفر عن ابن القاسم رواية معه.
قُلتُ: عزاه اللخمي أيضًا لأحد قولي أشهب قائلًا: أرى تباين منفعة الخبز وطعمه تبيح التفاضل فيه.
قُلتُ: فيلزم جواز الفضل في خبزي القمح والشعير ضرورة.
ابن زرقون: في كونها جنسًا واحدًا وتبعيتها لأصولها، ثالثها: خبز القمح والشعير والسلت والدخن والذرة، والأرز جنس، وخبز القطنية جنس لأشهب، والبرقي ومحمد عن ابن القاسم مع أشهب، وعليه في كون خبز القطنية جنسًا خلاف ابن حارث، اتفقوا على أن سويق أجناس القطنية جنس واحد، وذكره الباجي عن ابن القاسم قال: وفرق أسهب بينه وبين أخبازها بأن جعلها أخبازًا نادر، وجعلها سويقًا غالبًا.
والخلول وإن اختلفت أجناسها جنس.
ابن حارث: اتفقوا في خل العنب والتمر أنها جنس لاتفاق النافع.
الباجي: تجمع الصنعة بين الشيء وما ليس من جنسه كخل التمر وخل العنب، وخل العسل كلها جنس واحد.
زاد ابن القاسم في المدينة، وكذا كل خل اختلفت أصنافه أو لم تختلف، وقاله ابن نافع، وقال عيسى: هذه الأخيرة خطأ، ولذا قلنا في الإبل والبقر والغنم أنها أجناس لاختلاف الأغراض فيها، ولحومها وألبانها جنس لاتفاق الأغراض فيها.
قلت: لم يتعقب الباجي ولا ابن زرقون تخطئته ابن القاسم والأظهر أنها الخطأ؛ لأن الزيادة المذكورة صواب وتخطئة الصواب خطأ، وتمسكه بما ذكر ينقلب عكس دعواه ضرورة صدق قولنا ألبانها جنس واحد اختلفت أصنافها أو لم تختف، وكذا لحومها.
وظاهر كلام ابن رُشْد: الاتفاق على اتحاد جنس الخلول مطلقًا، ولم يذكر اللخمي والمازري فيها خلافًا، وقول ابن الحاجب: اختلف في الخلول وقبوله ابن عبد السلام لا أعرفه، ولا يصح أخذه من قول عيسى بعد تسليمه؛ لأنه بشرط اختلاف الأغراض فيها.
وفيها: زيت الزيتون، وزيت الفجل، وزيت الجلجلان أجناس لاختلاف منافعها.
ابن حارث: اتفقوا في كل زيت يؤكل أنه ربوي، وأجاز ابن القاسم التفاضل في زيت الكتان؛ لأنه لا يؤكل، وقال أشهب: لا يباع قبل قبضه.
المازري: مال بعض شُيُوخي إلى أن دهن اللوز غير ربوي؛ لأنه لا يستعمل غالبًا عندنا إلا دواء، وهو بعيد عن أصل المذهب؛ لأن بعض القوت والأدم يترك أكلها لغلائها.
ودهن الورد، والياسمين والبنفسج، ونحوها إنما تتخذ دواء، فيخرج عن حكم الطعام عند بعض أشياخي.
قُلتُ: ما ذكره عن بعض أشياخه وهو نص اللخمي، وقولهما في زيت الورد ونحوه يقتضي عدم وقوفهما عليه للمتقدمين، وفي رسم من سماع عيسى ابن القاسم من السلم والآجال: لا يعجبني الزنبق والرازي والخيري بعضه ببعض إلى أجل متفاضلًا؛ لأن منافعه واحدة.
ابن رُشْد: هذه أدهان حكم لها بحكم الصنف الواحد على أصله في مراعاة المنافع دون الأسماء.
المازري واللخمي: لا يجوز الفضل بين الخبز والكعك إلا أن يكون فيه أبراز.
ابن شاس: أجازوا الفضل بينهما، وقال بعض المتأخرين: انظر هذا مع قولهم: الألوان كلها صنف، ومقتضاه جعل الخبز والكعك صنفًا واحدًا، وقول ابن الحاجب: اختلف في الخبز والكعك للأبزار، والمذهب أنهما جنسان ظاهره التنافي، ومقتضى المذهب في وحدة جنس المطبوخ كونهما جنسًا واحدًا كما أشار إليه ابن شاس عن بعضهم، وللشيخ عن كتاب محمد قال: الأرز المطبوخ بالهريسة لا يصلح إلا مثلًا بمثل، أَصْبَغ كعجينهما لا يصلح إلا تحريًا.
المازري: إن أراد الهريسة المصنوعة من الأرز واللحم يجعل خلط اللحم به لا ينقله
عن حكمه، وإن أراد ما صنع من القمح واللحم يجعل طبخ القمح والأرز يصيرهما جنسًا واحدًا.
قُلتُ: مقتضى منع الأرز بهريسة متفاضلًا منع بالكعك متفاضلًا فتأمله.
وفي جواز التمر بخله ومنعه مطلقًا، ثالثها في اليسير لابن رُشْد عنها مع نقله عن بعض روايات سماع عيسى، وأخذه عن سماع يحيى.
ابن القاسم: منع خل التمر بنبيذه منضمًا لمنع التمر لنبيذه؛ لأن نسبة بعض الجنس إلى طعام كنسبة باقيه إليه مع فضل، واستحسانه هذا الأخذ من هذا السماع، وابن الماجِشُون، وعلى غير الأول فرق بين جواز خل العنب بخله ببعد ما بينهما، ثم رد الأخذ من سماع عيسى بأن قرب التمر من نبيذه مع قريب نبيذه من خله لا ينتج قرب التمر من خله؛ لأنهما طرفان النبيذ بينهما.
الباجي: نص مالك على جواز التمر بخله فقاس ابن القاسم عليه العنب بخله، وروى محمد عنه أنه قال: لا أدري إن كان يطول كالثمر فلا بأس به فاعتبر الطول دون الطعم، وقال المغيرة: لا يحل التمر بخله ولا العنب بخله، ولا بأس بخل التمر بالعنب وخل العنب بالتمر، وقال أبو زيد عن ابن الماجِشُون: يجوز في اليسير لا الكثير للمزابنة، وقال اللخمي في ثمانية أبي زيد: إنه فاسد للمزابنة حتى يتبين الفضل كقول مالك في الجلد بالأحذية.
قُلتُ: قوله: حتى يتبين الفضل وهم؛ لأنهما ربويان بخلاف الجلد بالأحذية.
الباجي مع سماع يحيى ابن القاسم: لا يحل خل التمر بنبيذ الزبيب.
وفيها: لا خير في قصب الحلو بربه ولا التمر بربه، إلا أن يدخله أبراز فيصير صنعة يبيح التفاضل فيه.
الشَّيخ عن كتاب محمد قال: لا خير في رب عسل القصب بعسله، إلا أن تدخله أبزار.
ابن بشير: إن لم يطل زمن الصنعة فالمشهور لا تنقل، كالتمر بنبيذه، والزبيب بنبيذه.
الباجي: سمع يحيى ابن القاسم: لا يصلح التمر بنبيذه متفاضلًا، وعلله بتقارب المنافع، ولعله أراد تقارب الانتفاع إذ منافعها متباينة، وإن عللنا بالطعم واختلاف
الأغراض جاز الخل بالنبيذ متفاضلًا، قال وسمع أبو زيد ابن القاسم: لا بأس بالفقع بالقمح وليس فيه غير تغير الطعم.
ابن رُشْد: يحتمل أن يريد الفقع الذي يعمل في الأعراس، روي أن مالكًا كره شربه، إلا أن يكون من عمله مأمونًا في دينه.
وقال ابن وَهْب: هو حلال شربه السلف وأجازوه، رأيت الليث بن سعد يشريه كثيرًا، ويقول ليس من الخليطين في شيء، وقال أَصْبَغ وسَحنون: لا بأس به، ومن كرهه إنما كرهه من ناحية الطب لا من جهة العلم، وهو حلال بين أصله من العسل يجعل فيه خمير القمح، وإفاوة طيب فأجاز بيعه بالقمح يدًا بيد لم يعتبر ما فيه من خمير القمح؛ لأنه يسير مستهلك تبع ويحتمل أن يريد ما يتولد زمن الربيع في أصول الشجر والمواضع الرطبة يؤكل نيئًا ومشويًا، فإن كان مراده فيجوز بالقمح يدًا بيد وإلى أجل؛ لأنه وإن كان يؤكل فأكله قليل لا يحكم له بحكم الطعام والأول أظهر.
قُلتُ: ظاهر قول الباجي ليس فيه غير تغير الطعم أنه لا إضافة فيه من عسل ولا إفاوة.
الباجي: في كون نبيذ التمر ونبيذ العنب جنسًا أو جنسين قولها، وقول كتاب الفرج، وتجويز ابن القاسم الفقاع بالقمح يقتضي أن الانتباذ صنعة.
قُلتُ: هذا على فهمه لا على ما مر لابن رُشْد.
وفي كون نبيذ التمر ونبيذ الزبيب جنسًا أو جنسين نقلا الباجي مع غيره، وعن كتاب أبي الفرج.
اللخمي: قال مالك: لا يصلح نبيذ الثمر ونبيذ الزبيب إلا مثلًا بمثل؛ لأن منفعتهما واحدة.
ابن حبيب: الأشربة الحلال من التمر والزبيب جنس، وقال أبو الفرج: عصير العنب والتمر جنسان ما لم يتخللا، وهذا أبين؛ لأن التمر بنبيذه والعنب بعصيره لا يجوز متفاضلًا، فإذا لم ينقله انتباذه عن أصله، والتمر بالعنب يجوز متفاضلًا؛ جاز الفضل بين نبيذيهما.
قُلتُ: فقول ابن شاس وابن الحاجب، وقبوله ابن عبد السلام المشهور أن نبيذ
التمر ونبيذ الزبيب صنفان تبعًا لأصولهما، وعند أبي الفرج أنهما صنف واحد وهم، وفيها لمالك: لا يصلح نبيذ التمر ونبيذ الزبيب إلا مثلًا بمثل.
والمذهب أن الطحن والعجن لغو، ونقله ابن بشير، ثم قال في لغو الصنعة: دون نار ولا طول قولان:
الباجي عن عبد الرحمن بن أبي سلمة: الطحن معتبر وعزاه غيره لليث.
وفيها لمالك لا يجوز اللحم الممقور بالنيئ، ولا السمك الطري بالمملح ولا القديد باللحم النيء متفاضلًا، ولا مثلًا بمثل ولا تحريًا، ولا يعجبني اللحم المشوي بالنيء واحد باثنين ولا بينهما فضل، وهذا أيضًا مما رجع عنه وأقام على كراهته، مثل القديد وهو أحب قوله إلي، وقال مالك: ولا يتحرى، ولم أسمع منه في القديد بالمطبوخ شيئًا، فإن كان القديد إنما جففته الشمس بلا تابل ولا صنعة صنعت فيه جاز منه واحدًا باثنين من المطبوخ، وكذا المشوي به، ولا خير في القديد بالمشوي وإن تحرى.
قُلتُ: فتجفيف الشمس والنار بتابل ناقل، وكذا فيها ما كان بمرقة وأبزار.
الباجي: إن اقترن بالنار ما تتم الصنعة به من ملح وإبزار وزيت وخل ومري وغير ذلك، فما انضاف إليه ما تكون للنهاية المعتادة من عمله فهي صناعة، كالأبزار والمرقة في طبخ اللحم والماء، والملح في الخبز فهذا يغير الجنس؛ لأن الماء والملح هو النهاية من عمل الخبز في الأغلب.
قُلتُ: ظاهره أن طبخ اللحم بالماء والملح فقط لغو ومثله قول اللخمي.
قال ابن حبيب: لا خير في قديد بقديد لاختلاف يبسه، ولا في الشواء؛ لأنه لا يعتدل، وبيع أحدهما بلآخر أو بالنيء مثلًا بمثل لا يجوز إن كان الأبزار فيهما، ولا أبزار في أحدهما، فإن كان في أحدهما فقط جاز التفاضل فيهما إذا غيرته الصنعة بالتوابل والأبزار التي عظمت فيها النفقة، فأما ما طبخ بالماء والملح فلا.
قُلتُ: فإن أضيف إيهما بصل فقط أو ثوم، فكان بعض شُيُوخنا يراه معتبرًا، وهو مقتضى آخر كلام ابن حبيب خلاف مقتضى أوله، وقول ابن الحاجب: طبخه بماء أو غيره ناقل خلاف ما تقدم للباجي واللخمي عن ابن حبيب، وما تعرض ابن عبد السلام إليه بوجه.
ابن حارث: اختلف في طري اللحم بالمطبوخ فأجازه ابن القاسم.
وقال ابن عبد الحَكم: لا يجوز مثلًا بمثل بحال، وروى عن مالك قال: وانفرد ابن القاسم بقوله.
قُلتُ: فيها قال مالك: لا بأس باللحم الطري بالمطبوخ متفاضلًا إذا غيرته الصنعة، ونقل ابن زرقون قول ابن عبد الحَكم دون روايته، وزاد فيه وإن طبخ بأبزار وخل ومري.
والمعروف أن الخبز ناقل.
ابن زرقون في المبسوطة عن ابن نافع: لا يجوز بيع القمح والدقيق بالخبز.
قُلتُ: فيفوم منه، ومن قول ابن عبد الحَكم في الطبخ، وقول المغيرة في منع الخل بتمره لغو الصنعة مطلقًا.
اللخمي: يجوز التفاضل بين الأسفنجة والخبز والكعك؛ لأن الزيت نقل طعمها كالأبزار، واختلف فتوى شُيُوخنا في بيع السقي بالخبز متفاضلًا، وهو ما يطبخ مسطحًا من عجين القمح طبخًا يسيرًا، ثم يعجن سحتًا تحله الحاكة بالماء حتى ينماع به ثم يبلون فيه الغزل، والأظهر جوازه من قولها: يجوز مشوي اللحم بمطبوخه متفاضلًا، ويجوز النشاء بالخبز متفاضلًا؛ لأن صنعته أخرجته عن منفعة الأقل إلى غيره، التونسي لا رواية في الخبز، بالسويق وينبغي جواز التفاضل فيه لاختلاف منفعته، وإذا لم تجز الهريسة بما فيها من اللحم بالأرز المطبوخ وحده، فلا تجوز بخبز ولا بعصيدة إلا مثلا بمثل؛ لأن النار جمعتهما.
وفي قلو الحبوب قولان: لقولها: لا بأس بالحنطة المبلولة بالحنطة المقلوة، وبلغني عن مالك فيه بعض مغمز حتى تطحن المقلوة، ولا بأس بالأرز اليابس بالمقلو.
اللخمي: لا يجوز يابس الفلول بمسلوقه، وقد يجوز في الترمس لطول أمره وتكلف مؤنته.
المازري: أما السلق للحب فرأى بعض الأشياخ أن سلق الفول صار جنسًا آخر، وجاز الفضل بينه وبين ما لم يسلق منه، ثم ذكر كلام اللخمي.
ففي اعتبار السلق ثالثها في الترمس لا الفول الأقوال المتأخرين، وسمع عيسى ابن القاسم، لا خير في بيض مسلوق
بنيء منه ليس السلق صنعة.
ابن رُشْد: كقولها: طبخ اللحم بغير أبزار لغو، وسمعه لا بأس بالقصب بالسكر.
ابن رُشْد: زاد في بعض الروايات وعسل القصب بربه إن أدخله أبزار كالقرفة والسنبل والفلفل، واللوز والفستق والبيض لا بأس فيه متفاضلًا، لا أعلم إلا أنه بلغني عن مالك، ووقف فيه ابن القاسم إن من لم يدخله شيء إلا بيض ضرب به.
ولا بأس بعسل القصب بالسكر لطول أمره.
ابن رُشْد: وهذه زيادة على ما في المدَوَّنة؛ لأنه أجاز السكر بقصبه وبربه وعسله لبعد ما بين السكر وبينها، وجعل القصب وربه وعسله جنسًا واحدًا، إلا أن يدخل بعضها أبزار فيجوز التفاضل بينه وبين ما لم يدخله منها.
باب في شرط المماثلة
وشرط المماثلة: اتحاد العوضين في درجة الطيب، وسمع عيسى ابن القاسم: لا بأس بواحد باثنين أخضرين أو يابسين في الخوخ، وعيون البقر ولا خير في رطبة بيابسة من صنف واحد؛ لأنه مخاطرة كالتمر والتين في ذلك الحديث: «النهي عن الرطب باليابس».
ابن رُشْد: لا يجوز ذلك في الصنف الذي لا يجوز فيه التفاضل اتفاقًا، وفيما جاز فيه التفاضل كالتفاح والخوخ، وعيون البقر فثالثها إن لم يبين الفضل بينهما لدليل احتجاجه في هذه الرواية، وفي سماع أَصْبَغ بحديث النهي، ولابن القاسم في رسم باع شاة وسماعه أبو زيد في جامع البيوع مع دليل اعتلاله في هذه الرواية، وسماع أَصْبَغ بالغرر والمخاطرة
والمزابنة.
وقياسه الخوخ وعيون البقر، على التمر والتين بعيد؛ لأنهما ربويان ورد فضل القولين إلى الثالث فلا اختلاف، والرطب واليابس من صنفين جائز مطلقًا اتفاقًا، وقول ابن الحاجب: لا يباع رطب بتمر ونحوهما باتفاق.
قُلتُ: إن أراد بنحوهما الرطوبة واليبس بطل بغير الربويين، وإن أراد في ذلك بكونهما ربويين فاته حكم غير الربويين، واختلاف العوضين في درجة الطيب ينافي تماثل قدريهما.
فيها: لا يجوز كبير البلح برطب ولا ببسر ولا بسر برطب، ولا تمر بأحدهما ولا برطب.
اللخمي اختلف في الرطب بالتمر إذا تحرى نقص الرطب إذا جف، واختلف قول مالك في طري اللحم بيابسه على التحري.
وذكر ابن بشير تخريج اللخمي، وقال: ليس كما ظنه فإن الرطب حالة كماله التيبس، وله يراد، واللحم حال كماله الرطوبة، واليبس تغير عن كمال لذا ألغى في أحد القولين، والعجين دقيق أضيف إليه شيء فجاز بيعه بالدقيق وقبله ابن عبد السلام، وحاصله التفريق بأن الرطوبة في اللحم كمال لا اليبس، وفي التمر على العكس، وكون هذا رد القياس لا ينهض؛ بل يرد بأن يبس الرطب من اللحم قد يعود يابسًا، فالتحري فيه قريب الصدق لإمكان تجربته طريًا، ويابسًا، وعين الرطب لا تصير تمرًا، فلا تمكن تلك التجربة فيه، وبأنه قياس فاسد الوضع؛ لأنه في معرض النص، وتقدم نحو هذا في شحم الميتة.
الشَّيخ في كتاب محمد قال: الجبن كالسمن والزبد، لا يجوز بالبن، واختلف في الجبن باللبن المضروب، فكره وأجازه ابن القاسم، وأجاز مالك المضروب بالزبد والسمن.
ابن حبيب: لا يباع رطب الجبن بيابسه ونحوه لمحمد.
اللخمي: في جواز الرطب بالرطب مثلًا بمثل قولا ابن القاسم مع مالك وعبد الملك لنقصه إذا جف، وعليه منع البسر بالبسر، وأجاز مالك جديد التمر بقديمه ومنعه عبد الملك، وهو أحسن إن اختلف صنفاهما كصيحاني وبرني.
الباجي: انظر إذا كان نصف الثمرة بسرًا ونصفها قد أرطب، هل يجوز بيع بعضه؟
قُلتُ: الأظهر على مشهور المذهب جوازه.
اللخمي: في جواز الحليب بحليب، متماثلًا: روايتها ورواية أبي الفرج لجعل قدر زبديهما، وهذا يصح، حيث يراد لزبده، ولو منع لاختلاف ما يراد منهما، لمنع قمح بقمح لاختلاف ربيعهما.
وفيها: يجوز حليب فيه زبده، وبما لا زبد له من لبن لقاح، أو إبل كدقيق بقمح وله ريع:
قُلتُ: فيتخرج فيه رواية منعه.
اللخمي: يجوز الزيتون بالزيتون مثلًا بمثل، وإن كان زيت أحدهما أكثر.
قُلتُ: لم يذكر فيه تخريجًا من رواية أبي الفرج.
وقال ابن الحاجب: يجوز بمثله اتفاقًا.
اللخمي: شرط بيع اللحم بمثله من جنسه كون الذبح فيهما في وقت واحد أو متقارب.
وإن بعد، وجفت الأولى لم يجز وزنًا، ويختلف فيه على تحري النقص، ويجوز تفضلًا من رب الأولى إن لم تكن أدنى كالدنانير الناقصة بالوازنة.
قُلتُ: منع قطع الدنانير صيرورته كجودة، وقطع اللحم متيسر، وسمع عيسى ابن القاسم: لا خير في زيتون جف بمثله مما لو ترك قدر ما ترك نقص.
ابن رُشْد: لا يجوز كيلًا اتفاقًا، وروى محمد جواز رطب الخبز بيابسه تحريًا، والمنع أحسن؛ لأن التحري لا تحصل به حقيقة المماثلة.
الشَّيخ عن المَّوازية: اختلف قول مالك في طري اللحم بالقديد أو المشوي، وآخر قوليه كراهته، وإن تحرى، وبه أخذ ابن القاسم وأَصْبَغ وأخذ ابن وَهْب، وابن أبي المغمر بالأول.
ابن القاسم: لا خير في قديد بمشوي وإن تحرى، ولا في طري السمك بمالحه وإن تحرى.
قال مالك: لا بأس بالحالوم الرطب بيابسه، وبالمعصور القديم وبالجبن بالحالوم تحريًا، وكره الزيتون الطري الأخضر بالمالح الذي أكل منه.
قُلتُ: ظاهر كراهته الزيتون من غير ذكر تحريه مع إجازته التحري فيما قبله وفيما بعده منعه فيه، وذكر ابن الحاجب: فيه قولين، ولم أجد من ذكرهما نصًا فيه، وتخريجهما من غيره واضح.
اللخمي: في جواز العجين بالدقيق تحريًا روايتان:
ابن رُشْد: العجن ليس بصنعة، لا يجوز دقيق بعجين متفاضلًا اتفاقًا.
وفي جوازه تحريًا ثالثها في اليسير كسلف بعض الجيران الخميرة يرد فيها دقيقًا أو يبدلونها به، لابن حبيب مع أحد سماعي عيسى ابن القاسم، وثانيهما وثاني سماع ابن القاسم مع نص رواية محمد، وقول أشهب بالمنع قيل لعدم استطاعة تحريه، وقول سَحنون: لأن أصل الكيل للدقيق، وأصل العجين الوزن، ولا يتحرى ما أصله الكيل؛ بل ما أصله الوزن غير بين؛ لأن معنى تحري المكيل لعدم، تعذر ما يكال به من قدح أو صحفة، وإن لم يكن مكيالًا معلومًا، وما يوزن به قد يتعذر، والعجين لا يمكن كيل دقيقه بحال، فالتحري فيه أجوز من الموزون لعدم الميزان، ولذا أجاز ابن القاسم خبز القمح بخبز الشعير بتحري كيل دقيقهما، وأجاز التمر المنثور بالمكتل تحريًا إذ لا يتأتى كيل التمر المكتل.
قُلتُ: المكتل يحتمل أنه اسم مفعول من فعل مضعف العين لقول الجوهري: الكتلة المجتمعة من الصمغ، أو على وزن فعل كز من لقول ابن سيده، كتل الشيء فهو كتل تزلق وتزلج.
ابن شاس: ما كانت رطوبته طارية كالقمح المبلول مثلًا بمثل المشهور منعه لاختلاف البلل، وقيل بالجواز قياسًا على الرطب بالرطب.
ابن بشير: غي بيع ذي الرطوبة الطارئة بعضه ببعض مثلًا بمثل الجواز لتساوي حالتيهما، والمنع؛ لأن المقصود حالة الجفاف، ولا يقطع بالتساوي فيهما وتوهم الفضل كتحققه.
وقال ابن رُشْد: في رابع مسألة من رسم أوصى من سماع عيسى من جامع البيوع لا خلاف في منع بيع الزيتون الطري بالجاف منه كيلًا بكيل كالرطب بالتمر، والفريك بالقمح والحنطة المبلولة بالحنطة المبلولة؛ لأن بعض المبلول أشد انتفاخًا من بعض.
قُلتُ: ظاهر لفظ ابن شاس أن القول بالجواز إنما هو مخرج على جواز بيع الرطب بالرطب، ويرد بأن رطوبة الرطب أصلى الله عليه وسلمة لا عارضية ولا معروضة؛ لأن تكون بفعل آدمي، وبأنه كذلك يؤكل ولاييبس فلا يصير لحالة يختلف فيها قدره، وقد أشار ابن بشير إلى هذا في تعليله المنع ولازم صحة التخريج تناقض المشهور؛ لأنه في الرطبين الجواز، وفي المبلولين المنع، وظاهر قول ابن بشير أن القول بالجواز منصوص لا مخرج، وظاهر سياق ابن رُشْد الاتفاق على منعه، وقال في رسم القبلة من سماع ابن القاسم من كتاب الصرف: ظاهر هذا السماع وسماع عيسى ابن القاسم في جامع البيوع جواز بدل القمح المأكول والمعفون بالسالم على وجه المعروف، ومنعه أشهب كالدنانير الكثيرة النقص بالوازنة فلم يجز المعفون بالصحيح إلا أن يشبه بعضه بعضًا ولا يتفاوت، وأجاز ذلك سَيحون في المعفون، وفرق بين الدنانير والطعام، بأن الدنانير الوازنة بينها وبين الناقصة فضل في الوزن، ولا فضل بين المعفون والصحيح، وكرهه في المأكول إذا ذهب أكثر الحبة.
قُلتُ: يريد في المأكول إذا ذهب أكثر الحبة قلت: يريد بالمأكول السايبس وبه عبر اللخمي وذكر قول أشهب في الكثير قال عنه: ولا بأس إذا قل الطعام، كالدنانير اليسيرة، وإن كثر الطعام، وعفنه مختلف أو كان بأحدهما فقط لم يجز كالدنانير إذا كثرت، وكذا القمحان أحدهما كثير التراب لا يصلح إلا في اليسير، وتقدم منع ابن حبيب قديدًا بمثله ومشويًا بمثله، وذكر اللخمي قبل ذكره جوازه كأنه المذهب، وعبر عنه المازري وابن شاس بالمشهور وتبعه ابن الحاجب، وأشار بمناقضته المشهور في منع المبلول بالمبلوب، ويجاب بأن المشوي والقديد لا يؤول لحالة تبين اختلاف قدره؛ لأنه كذلك يؤكل، وغالب مبلول الحنطة أكله بعد يبسه فيؤول لحالة تبين اختلاف قدره.
الباجي: مابه التماثل: الكيل في الحبوب؛ لأنه نصه صلى الله عليه وسلم في التمر والحبوب مثله في نصب الزكاة، وقدر زكاة الفطر والفدية وما لا قدر له في الشرع إن تقرر مقداره كيلًا أو وزنًا في كل بلد كالوزن في اللحم والجبن قدر به، وانظر ما اختلف فيه البلاد كالسمن واللبن والزيت والعسل في بعض البلاد مكيل، وفي بعضها موزون وما لا يتقرر فيه كيل ولا وزن؛ كالبيض والجوز على أنهما ربويان.
زاد ابن بشير ما اختلف فيه البلاد قدر بعادة بلده لا بغيره، إلا أن يعلم نسبته منه.
زاد ابن شاس: إن جرت عادة فيه بوجهين قدر بأحدهما أيهما كان.
قُلتُ: إن تساويا وإلا اعتبر الأكثر.
المازري: إنما يجوز بعض البيض ببعضه بشرط تحري المساواة، واتحاد قدره وإن اقتضى التحري مساواة بيضة لبيضتين، وشرط محمد في بيض النعام استثناء قشره؛ لأنه له ثمنًا ولم يشترطه غيره؛ لأنه رأى أن ثمنه غير مقصود أو؛ لأنه من مصلحته فأشبه النوى في التمر؛ لأنه من ضرورة ادخاره، وقال بعض الشافعية: لايباع عسل بآخر حتى يصفيا من شمعهما؛ لأنه عرض يباع ولا يدخر غالبًا إلا مصفى.
ابن بشير: في الرجوع إلى التحري في البيض قولان:
قُلتُ: في كون مقابل التحري عنده وزنه، أو الوقف الذي تقدم للباجي نظر، وظاهر سماع عيسى رواية ابن القاسم، بعد هذا أن المعتبر فيه الوزن.
وفي اعتبار التحري في المساواة طرق:
المازري: اختلاف المذهب فيه خلاف في حال من ألغى غلطه لندوره عنده اعتبره، ومن عكس عكس.
ابن بشير: في اعتبار ثالثها في اليسير، وسمع ابن القاسم: لا تصلح قلة صير بقلة صير إلا بالتحري.
ابن رُشْد: لا يجوز بعضه ببعض إلا مثلًا بمثل وزنًا، أو تحريًا؛ لأن التحري فيما يوزن جائز، قيل ولو كثر ما لم تدع له ضرورة، وهو ظالم قولها: يجوز اللحم باللحم تحريًا، والسلم فيه تحريا، وقيل لا يجوز إلا عند عدم الميزان، وقيل ولو عدم إلا في طعام يخشى فساده إن ترك لوجود الميزان، وهذا في المبايعة والمبادلة، ولا يجوز في الاقتضاء، اتفاقًا إلا عند عدم الميزان، قاله سَحنون في نوازله.
قُلتُ: إن أراد قبل حلول الأجل فالظاهر منعه، ولو عدم الميزان، وإن أراد بعده فالظاهر جوازه؛ لأن كذبه فيه إنما يؤدي إلى حسن قضاء أو اقتضاء دخلا عليه.
وفي المبايعة يؤدي للربا فهو في الاقتضاء أجوز، وسمع سَحنون ابن القاسم في
جامع البيوع لمن أسلم في مائة طير لا تستحيي أخذ أقل عددًا من غير صنفها بقدر التي له تحريا.
ابن رُشْد: يريد بعد الأجل.
قُلتُ: عدم شرطه فقد الميزان أنه لعدم شرطه مطلقًا اختلاف قول ابن رُشْد وسًحنون، أو لأن تعذر وزن الطير كفقد الميزان، وظاهر لفظ المازري وابن بشير إطلاق الخلاف في المكيل والموزون، وسمع عيسى رواية ابن القاسم: بيع اللحم والخبز والبيض بعضه ببعض تحريًا أن يكون فيما يعطى مثل ما يأخذ مثلًا بمثل بلا كيل ولا وزن.
ابن القاسم: هذا إذا بلغه التحري ولم يكثر حتى لا يستطاع أن يتحرى، وكذا كل ما يباع وزنًا لا كيلًا هذا إذا يلغه التحري ولم، وما جاز فيه واحد باثنين من طعام أو غيره فلا بأس بقسمه تحريًا كان مكيلًا أو موزونًا أو لا يكال ولا يوزن.
ابن رُشْد: قول ابن القاسم إنما يجوز فيما لا يكثر حتي لا يستطاع أن يتحرى، تفسير لقول مالك، وكما يجوز بيع بعضه ببعض بالتحري يجوز قسمه بالتحري.
وقال ابن حبيب: لا يجوز، ومعناه، فيما كثر، وما يباع كيلًا لا وزنًا، مما لا يجوز فيه التفاضل لا يجوز بيع بعضه ببعض تحريًا، ولا قسمه تحريًا بلا خلاف.
وفي جواز التحري في البيع والقسم فيما يباع كيلًا، أو وزنًا، أو عددًا مما يجوز فيه التفاضل، ثالثها فيما يباع وزنًا كالفاكهة، أو جزافًا كالبقل لا فيما يباع كيلًا لقول ابن القاسم في هذا السماع مع مذهب أشهب.
وابن حبيب، ولما في آخر ثالث سلمها مع دليل قولها في القسم: لا يجوز قسم البقل حتى يجذ ويباع، وابن عبدوس عن ابن القاسم مع ما وقع في بعض الكتب قولها في القسم: لا يجوز قسم البقل حتى يجذ أو يباع فعطف يباع بأو لا بالواو.
الباجي: المشهور جواز التحري في الموزون دون المكيل، والمعدود وراوه محمد وغيره وهذا عندي على القول إنه لا يجوز إلا في السفر وعدم الميزان، وعلى جواز ذلك مطلقًا، وهو الأظهر لتجويزه السلم في اللحم بالتحري فيجب جوازه في المكيل، والمكيال يعدم كما يعدم الميزان، والقبضة تتعذر فيها المساواة لتعذر بقائها على شكل واحد من القبض والبسط.
قال ابن القاسم: إنما يجوز التحري في القليل دون الكثير.
قُلتُ: كذا ذكره في ترجمة المزابنة، وظاهره أنه حمل قول ابن القاسم على الخلاف خلاف ما حمله عليه ابن رُشْد، وقال في ترجمة بيع اللحم باللحم: قال عبد الوهاب من أصحابنا: من أجاز التحري مطلقًا، دون تقييد بوزن وقيده بعضهم بعدم الموَّازين كالبادية والأسفار، وهذا في الموزون دون المكيل والمعدود.
قال ابن القاسم: هذا فيما يمكن تحريه لقلته لا فيما يتعذر تحريه لكثرته.
ابن شاس: إن فقد الميزان فيما يقدر بالوزن جاز فيه التحري إن قل، وقيل: لا يجوز كالكثير على المنصوص واستقرأ الباجي: جوازه في الكثير من جواز شاة بشاة مذبوحتين، وحكى بعض المتأخرين جواز التحري مطلقًا دون تقييد بوزن، ولا يسارة وهو بعيد جدًا.
قُلتُ: ففي جوازه ومنعه مطلقًا ثالثها في غير الكثير، ورابعها وخامسها وسادسها الثلاثة في الموزون فقط بتقييد الخامس بما لم يخش فساد الطعام، وسابعها يجوز في الموزون إن فقد الميزان، وقل، وثامنها ولو كثر لاختيار الباجي، ونقل ابن شاس، والتخريج في المكيل على مثله في الموزون، وابن رُشْد عن سماع ابن القاسم مع قول الباجي المشهور ونقل ابن رُشْد، ونقله عن رواية ابن حبيب، ونقل ابن شاس، ونقله عن تخريج الباجي مع ظاهر نقل ابن رُشْد وما منعت كثرته تحريه واضح.
وفي القمح بدقيقه طرق: الباجي، في منعه به، وجوازه متساويًا روايتان.
قال بعض أصحابنا: هما قولان:
الأولى: لأنه كالزيت بالزيتون.
والثانية: للغو كثرة أجزاء المكيل، وقلتها كالتمر الكبير بصغيره، ورد المازري هذا التوجيه بأن ملء الصاع قمح أكثر منه دقيقًا فمساواتهما كمساواة قدلا من تمر لقدر من رطب.
الباجي: ورد بعضهم الجواز لرواية محمد يجوز كيلًا بالرزم لا وزنًا، ولا تحريًا وعكسه بعضهم.
قُلتُ: كذا وجدته رزمًا بالزاي بعد الراء، وتعقبه ابن عبد السلام بأن كيل الرزم
مكروه.
قُلتُ: إن أراد كراهة تنزيه فهو تمسك منه بظاهر سماع ابن القاسم: تركه أحب إليَّ وابن رُشْد حمله على الوجوب.
قُلتُ: ويحتمل كون اللفظة ردمًا بدال بعد الراء، والردم السد قاله الجوهري فيكون مطلق الصب.
اللخمي وابن زرقون عن ابن حبيب: روى ابن الماجِشُون: إنما يجوز فيما قل على وجه المعروف بين الرفقاء، وحكى أبو عمر عن ابن الماجِشُون، منعه مطلقًا، وقال هو مثل الرطب بالتمر، وعزا اللخمي جوازه وزنًا لا كيلًا لابن القُصَّار ولم يحك عكسه قال: ولا يصلح إلا على أن يقول المماثلة بين القمحين، تجوز بالكيل والوزن، فإذا جاز ذلك قبل الطحن جاز بعد طحن أحدهما إذ ليس فيه أكثر من تفرقة أجزائه، وإن قيل المماثلة بالكيل فقط لم يجز بعد طحن أحدهما بالوزن ولا بالكيل ولا يصح حمله على ما هما فيه سواء؛ لأن كلامهم في مطلق القمح لا في معينه، ويختلف في السميد بالدقيق كالقمح به وقبله المازري، ويرد بأن قرب أجزاء السميد بأجزاء الدقيق يمنع تخريج منعه، ويصير تخريج جوازه أحرويًا، وينبغي منع القمح بالسميد مطلقًا لفضل القمح بالريع والسميد بالجودة، وذكر المازري قول ابن القُصَّار عامًا: كل مكيل يجوز بعضه ببعض وزنًا قمحًا كان أو غيره قال: لأن قصد الشارع المساواة، وأنكره بعض الأشياخ، وقال: معروف المذهب غير هذا، ولا يجوز القمح بالقمح وزنًا؛ لأنهما وإن تساويا وزنًا قد يختلفان كيلًا.
قُلتُ: وكان بعض شُيُوخنا يرده بقول صرفها لا يباع القمح وزنًا، وكنت أجيبه بأنه في البيع غرر؛ لأن المعروف فيه الكيل والموزون منه مجهول القدر فيؤدي إلى جهل قدر المبيع، وفي المبادلة بين القمحين إنما المقصود اتحاد قدر ما يأخذ لما يعطى، وهو حاصل في الوزن، ولذا أجازه اللخمي إذا كانت المماثلة تجوز بالكيل والوزن.
وفي عدم اعتباره عظم اللحمين في تحريمهما كالنوى في تمر بتمر، ووجوب تحريه أو نزعه، نقلا اللخمي عن ظاهر المذهب وابن شعبان قائلًا: الأول أحسن في شاة بشاة أو نصف بنصف وإن كثر عظم أحد اللحمين المقطعين؛ لم يجز إلا على وجه المكارمة والفضل.
قُلتُ: إن كان معتبرًا لم تجز المكارمة بتركه كالمكارمة بالتفضل، وإن لم يكن معتبرًا فلا مكارمة، ورد المكارمة به للصفة لا للقدر بعيد لإمكان نزعه كما مر ولا شيء من الصفة يمكن نزعها.
قال: وأجاز ابن القاسم، رأسًا برأسين وزنًا، ولا يجوز على قول ابن شعبان إلا بتحري اللحم ويعتبر ذلك في القسم ولجوازه تفضيل أحدهما الآخر فيه جاز أن يكون أحدهما مباينًا باعظام ما لم يكن لحمه أحسن؛ لأن بعض مواضع الشاة أطيب لحمًا.
اللخمي: في جواز شاة بشاة مذبوحتين، ثالثها إن استثني جلداهما لابن القاسم فيها قائلًا: إن قدر تحريمهما، وأَصْبَغ قائلًا: لا يقدر عليه وفضل، وعزاه الصقلي لابن أبي زمنين، وزاد وهذا حيث يجوز استثناء الجلد، ورجح اللخمي الثاني بأنه دون استثناء لحم وعرض بمثلهما، ومعه غرر، لأنه لحم ومغيب وتفاضل؛ لأن تحريمها لا يصدق، وعزا الباجي الثاني لسَحنون أيضًا، ورواية يحيى بن يحيى قال: وتعليل بعض أصحابنا بأنه لحم مغيب لا يصح؛ لأن الجلد لحم، ولأنه ريء بعضه من مذبحها.
قُلتُ: فيلزم جواز كل رطل بكذا، ونصها المنع، قال: وفي الواضحة جواز حي لا يقتنى من وحش وطير بمثله تحريًا مثلًا بمثل، وسمعه عيسى من ابن القاسم وكره في الموَّازيَّة ما لا يحيى من الطير بلحم تحريًا.
أصبغ: لأنه حي بعد، والأظهر أنه يريد؛ لأنه اللحم بالحيوان ويحتمل؛ لأنه لتعذر لحم الحي، وفي المعتبر في تماثل قدر الخبزين طرق:
في الموطأ: لا خير في الخبز قرصًا بقرصين ولا عظيم بصغير، وإن تحرى كونه مثلًا بمثل فلا بأس به، وإن لم يوزن؛ لأنه لو تحرى الدقيق لم يصلح وزن ما في القرصين من دقيق، ولو كثر القول بهذا في المذهب كان أصح، ولكن ظاهره تحري الدقيق.
وسمع أبو زيد ابن القاسم: لا خير في خبز شعير بخبز قمح رطلًا برطل؛ لأن الشعير أخف، ولا بأس به تحريًا لكيل دقيقيهما وكذا يابس الخبز برطبه.
ابن رُشْد: التحري في المكيل لا يجوز، وإنما أجازه في دقيق الأخباز لتعذر كيله كإجازته التمر المنثور بالمكتل تحريًا، وقوله في خبز شعير وقمح يريد والسلت وهو صحيح على معنى ما في المدَوَّنة.
وقال ابن دحون: المساواة في الخبز بالوزن؛ لأنه صار صنفًا على حدة فوجب لغو أصله، قال: ولو جاز ما قال لفسد أكثر البيوع، ولعمري أن لقوله وجهًا، وهو القياس على الأخلال والأنبذة، المراعى قدر العوضين لا ما دخل في كل منهما من تمر أو زبيب أو عنب، وعلى دقيق القمح بدقيق الشعير، المراعى قدرهما لا أصلهما، ومعلوم أن ريع الشعير لا يساوي ريع القمح، والحجة له بالأنبذة والأخلال أبين، لاختلافهما فيما يضاف إليهما من الماء والدقيق لم يضف إليه شيء وريعه بعضه قريب من بعض.
قُلتُ: هذا ينتج له العكس لتعذر تحري أصول الأنبذة، والخلول بما أضيف إليها بخلاف الدقيق، قال: وإن كانت أصول الأخبار جائز فيها التفاضل فالمماثلة في أخبازها بالوزن اتفاقًا.
ابن بشير: على أن الأخباز جنس في طلب التساوي في بدل بعضها ببعض بتحري دقيقهما أو وزنهما رواية المتقدمين، وقول الباجي ابن شاس: أجازوا الخبز بالخبز وهما مختلفا الرطوبة فذكر رواية المتقدمين.
قال قال بعض المتأخرين إنما يتحرى الدقيق في
خبز ما يحرم فيه التفاضل، وما جاز فيه تحرية رطوبة خبوه، ثم ذكر قول الباجي، وقال المازري: يعتبر في الخبزين اتحاد أخذ النار منهما لتحصل الثقة بماثلة وزن أحدهما وزن الآخر وإن كان أحدهما رطبًا والآخر يابسًا، فقيل يتحرى دقيقهما وحمل بعض الأشياخ المذهب فذكر ما ذكره ابن شاس عن بعض المتأخرين.
قُلتُ: وهو قول أبي حفص العطار، وتقدم حكاية ابن رُشْد الاتفاق عليه وظاهر لفظ ابن شاس، ونص ابن الحاجب: أنه مختلف فيه وهو بعيد أو ممتنع، ففي اعتبار التساوي فيه بالوزن أو تحري الدقيق، ثالثها إن اتحد طبخه وإلا فالتحري، ورابعها إن اختلف جنسها وإلا التحري للباجي ورواية المتقدمين والمازري وبعض المتأخرين.
والتفاضل التقديري لقصد يمكن مانع لو كان بعض أحد العوضين أجود من كل مقابله، وباقيه دونه منع اتفاقًا.
ابن زرقون: كمد سمراء ومد شعير بمد محمولة.
الباجي: إن كان العوض المختلف أفضل من المنفرد أو دونه كمد حنطة ومد شعير بمدي حنطة أجود مع الشعير، ففي إجازته قول محمد، والمشهور بناء على صحة قياسه
على الذهبين بذهب كذلك مراطلة، والفرق بصحة التقسيط في الطعام، وفرق اللخمي بصدق جودة الأجود في الذهب، وخلفها في الطعام بقول قائل في قمحين هما سواء، وأخذ أحدهما أجود، وآخر؛ بل هو أدنى ابن زرقون: ومنعه سَحنون فيها.
الباجي: في منع مد حنطة ومد دقيق أو مد حنطة ومد شعير بمثلهما المشهور مع رواية ابن القاسم وقول محمد.
قُلتُ: وهو خلاف قول ابن شاس.
قال بعض المتأخرين: لم يذكروا خلافًا في منع مد قمح ومد شعير، بمد قمح ومد شعير.
الصقلي وعبد الحق: من سأل رجلًا بدل طعام بأجود منه يدًا بيد، فإن كان على المعروف ليس شرط لازم إذا قال: نعم لزمه؛ لكن إذا شاء أتمه وإذا شاء رد ما أخذ فهو جائز، إن كان مثل الكيل يدًا بيد.
عبد الحق: انظر قوله: بدل الطعام والدينار الناقص بالوازن، وأخرجوه على البيع.
والمعروف من الغرض وغيره الذي من أوجبه على نفسه لزمه ولم يجيزوه حتى يكون بالخيار في تمامه ورده ولا وجه له.
والنساء الحكمي مانع كالحسي، سمع عيسى ابن القاسم معها: لا تباع أرض فيها زرع صغير بطعام نقدًا.
ابن رُشْد: أجازه سَحنون على أصله في إجازته السيف المحلى، بالذهب بذهب إلى أجل إن كان الذهب الثلث فأقل، في إجازته بيع حائط فيه ثمر لم يبد صلاحه بطعام إلى أجل، وقاله ابن الماجِشُون، وهو القياس؛ لأنه إذا أجاز بيع الزرع وهو صغير بالعين مع الأرض لتبعيته لها، وكأنه لم يقع له حصة من الثمن جاز بيعه بطعام كذلك.
قُلتُ: ظاهره أن الجواز مقيد بالتبعية وهذا عن سَحنون صحيح كذا نقله اللخمي وغيره عنه، وفيه عن ابن الماجِشُون نظر لقول التونسي والصقلي في أكرية الدور أجاز عبد الملك بيع جنان وفيه ثمرة بقمح أو كتان آخر فيه ثمرة تخالفها؛ لأن كل ثمرة مقبوضة فكانا متناجزين ودليل قبضها لو اشترى ثمرة على البقاء، ثم اشترى الأصل وغفل عن ذلك حتى أزهت الثمرة كان على المشتري قيمة الثمرة يوم اشترى الأصول
لأنه بشراء الأصول صار قابضًا للثمرة، وصار النماء في ملكه.
وفي ثالث سلمها أكره ممن يبيع الزيت والخل بالحنطة كيلها ثم يدخل حانوته لإخراج ذلك وليدع الحنطة عند صاحبها، ثم يخرج ذلك فيأخذ ويعطي كالصرف، رجع أبو عمران عن تفرقته بين الحانوت الصغير والكبير إلى كونهما سواء.
قُلتُ: قد تقدم في يسير التفرقة في الصرف خلاف اللخمي إن كان أحد العوضين غائبًا قريبًا مجلسهما أحضر بفوز ذلك أو قاما إليه تناجزاه بالحضرة لم يفسخ، ومضى مثله في الصرف.
في قسمها: لا خير في ثمرة طابت في شجرها بثمرة مخالفة لها يابسة أو في شجرها مزهية إلا أن يجدا ما في الشجرة قبل أن يفترقا، وإن جد أحدهما وتفرقا قبل جد الآخر لم يجز، وكذا لو اشترى ما في رؤوس النخل بحنطة دفعها، وتفرقا قبل الجد لم يجز، ومثله في ثالث سلمها.
عياض: غير ابن القاسم لا يشترط الجداد بحضورها حصلت في ضمانه.
اللخمي: إن كانت زهوًا أو رطبًا لم يجز إلا بجدها.
قال ابن القاسم: لأن فيها الجوائح، وإن كانت يابسة، والجد على المشتري أو على البائع على أن ضمانها من المشتري بالعقد جاز، وإن لم تجد بالحضرة وفيها: لا خير في فدان كراث بفدان كراث أو سريس أو خس حشي إلا أن يجدا قبل التفرق، ولا بأس بيبع حائط لا ثمر فيه بآخر مطلقًا، ما لم يستثن الثمرة غير المأبورة ربها فإن كان بكل منهما ثمر لم يؤبر لم يجز بحال لامتناع استثناء غير المأبورة، وإن أبرت إحداهما فقط جاز إن استنثاها ربها، ولم يستثن للآخر ثمرتهما، وإن أبرت جاز ما لم يشترط كل منهما ثمرة الآخر، وللخمي في القسم عن محمد بن مسلمة: لا بأس بنخل فيها ثمر لم يصلح، ولو أبر بطعام يريد، ولو كان لأجل يحسبه وغيره؛ لأن المقصود الأصول فقط.
وفي عراياها لمن منح لبن غنم عام فأكثر، شراؤه بطعام مؤجل كشراء شاة لبون به ورده اللخمي بأن المبيع في المقيس طعام وفي المقيس عليه غيره، ثم أجراها على قول ابن القاسم وأَصْبَغ في منع صلح على الإنكار فاسد على دعوى المدعي دون المدعى عليه وجوازه.
قُلتُ: يرد بأن المدعى عليه جازم بنفي موجب الفساد، ومشتري الغنم
غير جازم به.
[النهي في المعاملات]
لاختلاف نقليهما: اللخمي: ورأى البغداديون تعليل النهي بالمزابنة، وقاله ابن القاسم في المدَوَّنة إلا أنه عمم البيع وإذا سلم أن المنع لأجل المزابنة جاز إن كان الحي مرادا للقنية.
ويجري فيها قول ثالث بالجواز إن علم الفضل بينهما لقول مالك في ثوب الصوف بالصوف والجلد بالأحدية.
قُلتُ: يرد بأن المزابنة إنما تعتبر في الجنس الواحد فدخولها في اللحم بالحيوان يصيرهما جنسًا واحدًا، وذلك برد الحي لجنس اللحم لأنه المناسب للمنع لا العكس؛ لأن حكمه الجواز وإذا كان كذلك لزم المنع، ولو بان الفضل؛ لأن الجنس حينئذ ربوي بخلاف الكتان والجلد، وقوله عن ابن القاسم: إذا سلم أن المنع لأجل المزابنة جاز إذا كان الحي مرادا للقنية مع نقله عنه أنه منعه جملة خلاف المنصوص في أصول الفقه وعلم النظر، أن المجتهد إذا عين علة حكم مع نصه على نفيه في صورة معينة فيها تلك العلة أنه لا يصح تخريج ذلك الحكم في تلك الصورة؛ لأن دلالة لفظه على نفيه عنها نص خاص، ودلالة العلة كلفظ عام، والخاص مقدم على العام ومأكول اللحم مما يقتنى له حكم نفسه مطلقًا، وما لا يقتنى، وتقصر حياته كطير الماء في كونه مع طعام غير جنس لحمه أو مع حيه المقتنى كمقتنى أو كلحم نقل اللخمي عن أشهب ومالك مع الباجي عن ابن القاسم، ومع حي جنسه كحيً لا يجوز له اتفاقًا دون تحر، وفيه تحريًا، ثالثها يكره للخمي عن محمد عن ابن القاسم، وعن إجازته في العتبيَّة طيرًا لا يستحيى بمثله تحريًا مع رواية محمد، الرجوع عن كراهة (...) النعم وكبيرها الذي للذبح بلحم لجوازه تحريًا، وابن القاسم ابن رُشْد: أشهب يراعي حياته فلا يجيزه بلحم صنفه بحال.
الباجي: في جوازه به تحريًا روايتان: الأولى بناء على ثلاثة أصول جواز بيعه باللحم وجواز التحري في العوضين من جنس واحد، وصحة التحري في الحي، وفي جوازه بمثله، ثالثها تحريًا للخمي عن أشهب ومالك وغيرهما، وفيه بمقتنى جنسه، نقل
اللخمي عن ابن القُصَّار، وعزا ابن رُشْد الأول لأشهب، وما تطول حياته كالشارف، في كونه مع طعام غير لحم جنسه ومع حيَّة المقتنى كمقتنى أو كلحم نقلا اللخمي عن أشهب مع أحد قولي مالك.
وثانيهما مع نقل ابن القاسم، وعزا الباجي الأول لأَصْبَغ كأشهب، ومع لحم جنسه كمقتنى ومع مثله في كونه كمقتنى بمثله تخريجًا اللخمي، على قول أشهب ومالك قائلًا: ويختلف عليه في جوازه تحريًا وهو مع ما لا تطول حياته على أحد قولي مالك حيوان بلحم وعلى الآخر في جوازه تحريًا خلاف، ويجوز على قول أشهب مطلقًا.
باب الاقتناء في الحيوان
والاقتناء: قال اللخمي والباجي: الاتخاذ للولادة واللبن والصوف والفحلة.
اللخمي، والشعر في التيس، وفي الاتخاذ لتزيد اللحم والسمن نقلاهما عن أَصْبَغ وابن القاسم.
اللخمي: كره ابن القاسم مرة خصي الكبش بطعام لأجل، وقال: لا يقتنى للفحلة، ثم قال: إن كانت فيه منفعة غير ذلك، فلا بأس به يريد إن رغب فيه لصوفه، وإن كان للحم فهو محل الخلاف، وروى العُتْبِيّ إن كان لا منفعة في التيس الخصي قائمة، ولا مؤخرة فهو مثل ذلك يريد.
لا يجو، وأرى جوازه؛ لأن العرب ترغب فيه لشعره، وغيرهم لزقه، وذكر الصقلي عن ابن القاسم في العتبيَّة في خصي الكبش، مثل ما تقدم قال عنه: والتيس لا يحل بطعام إلى أجل لا يقتنى لصوف إنما هو للذبح.
قُلتُ: هو في سماع عيسى بزيادة الجدي بلبن إلى أجل إن كان يستحيى فلا بأس به، وإلا فلا خير فيه.
ابن رُشْد: أشهب: يراعي الحياة في كل ذلك لا يجيز لحمًا منه بلحم صنفه بحال، ويجيز كل ذلك بعضه ببعض وبطعام بحي ما يقتنى، ولو متفاضلًا إلى أجل، وقاله ابن نافع.
قال محمد: بخلاف الشارف والكبير فكأنه ذهب إلى أن الشارف، والكبير له حكم اللحم عند جميعهم.
قلت لمالك: من أراد ذبح عناق كريمة أو حمام فاره أو دجاجة، فقيل له: خذ هذا الكبش أو الشارف، أو ما لا منفعة فيه إلا الذبح لا أحب شيئًا من هذا بلحم يدًا بيد ولا بطعام لأجل.
ابن القاسم: لأن الكبش لو استوفى كان فيه منفعة سوى اللحم.
قُلتُ: ظاهر قول مالك أن الاتخاذ لتزيد اللحم والسمن معتبر كقول أَصْبَغ وظاهر قول ابن القاسم خلافه كما مر له، وخصيان الدجاج المعلوفة كطير الماء الذي لا يحيى والتي لم تعلف كالمقتنى لتزيد لحمه.
اللخمي: وحشي ذوات الأربع والطير.
قال مالك: لا بأس بما يستحيى منه بحيتان لأجل.
ابن حبيب: الوحش لا يحيى حياة اقتناء وأرى أن يجوز؛ لأنه تطول حياته، ويراد للفراخ والولادة قنية اتفاقًا.
قُلتُ: في ثالث سلمها يجوز: لحم الأنعام والوحش والحوت بالطير الحي ولو لأجل في أوله: لمن أسلم في دجاج أو إوز أخذ حمام وشبهه من الداجن المربوب.
الشَّيخ في الموَّازية: كره أشهب الكبش بلحم مطبوخ لأجل، وأجازه ابن القاسم وهو أحب إلينا.
قُلتُ: في تعليقة التونسي كرهه أشهب، وهو قول ابن القاسم وغيره التونسي إنما أراد أشهب أنه يعطيه منه فكرهه ككتان في ثوب كتان وإلا فهما صنفان؛ لأن الطبخ أخرجه عن كونه لحمًا بحيوان فيجوز نقدًا اتفاقًا كلحم بمطبوخ نقدًا، ولما ذكر الباجي منع اللحم بالحيوان قال: هذا في اللحم النيء والمطبوخ.
قال محمد: كرهه أشهب، وأجازه ابن القاسم، وذكرهما ابن شاس، معبرًا عن الكراهة بالمنع.
قال بناء على اعتبار عموم الحديث واعتبار صيرورته بالطبخ جنسًا، فإن (...) الأنقال، ففي جوازه ومنعه وكراهته رابعها يجوز نقدًا، ويكره لأجل، وعزوها واضح.
ومنها رواية مسلم عن ابن عمر قال: «نهى رسول الله صلى عن المزابنة»، والمزابنة
بيع ثمر النخل بالتمر كيلًا، وبيع الزبيب بالعنب كيلًا، وعن كل ثمر بخرصه.
وفي رواية: بيع الزرع بالحنطة كيلًا، وهو متفق عليه.
باب المزابنة
المازري: المزابنة عندنا: بيع معلوم بمجهول أو مجهول بمجهول من جنس واحد فيهما، وتبعه ابن الحاجب وقبلوه ويبطل عكسه ببيع الشيء بما يخرج منه حسبما يأتي إن شاء الله.
وتكون في الربوي وغيره، وسمع ابن القاسم: لا خير في شاة لبون بلبن لأجل أيهما عجل وبطعام لأجل غير اللبن لا بأس به.
سَحنون: الذي عرفنا من قول ابن القاسم غير مرة لا بأس باللبن بشاة لبون لأجل، ولم يختلف قوله في حرمتها بلبن لأجل، وقاله أصبغ.
ابن رُشْد: أصل هذا نهيه صلى الله عليه وسلم عن المزابنة وهي في صنف واحد كون أحد العوضين
جزافًا لا يجوز ولو نقدًا، ولا تدخل في الصنفين إلا لأجل، فإن كان المعجل أصل المؤخر، ولا تمكن مقارنتهما في الوجود كصوف في ثوبه لم يجز اتفاقًا لأجل يمكن كونه منه فيه، وإن أمكنت، والمتولد موجود كاللبون بلبن والبيوضة، ببيض في جوازه مطلقًا، ثالثها إن كان المؤجل ما منه الآخر، ورابعها عكسه لسماع أبي زيد ابن القاسم مع سماعه عيسى في الدجاجة البياضة ببيض لأجل ولها مع ظاهر سماع ابن القاسم وله في هذا السماع مع سَحنون وابن حبيب ولأشهب، والأول أظهرها لاتفاقهم على جواز اللبون باللبن أو بطعام ولو لأجل، والثالث ضعيف في اللبون بلبن لامتناع دخوله المزابنة إذ لا يبقى اللبن للأجل دون تغير فإنما يعطيه عنده من لبن غيرها، وإنما لهذه التفرقة وجه في بيعها بجبن لأجل يمكن جمعه من لبنها فيه، ووجه الرابع أنها معجلة لبنها غير مقصود؛ لأنه تبع لها، وإن كانت المؤجلة علم قصدهما إياه إذ قد اشتراطاه، وإن لم يكن المتولد موجودًا حين العقد كشاة لا لبن فيها بلبن لأجل يكون لها فيه، أو دجاجة ببيض أو ذباب نحل بعسل لأجل كذلك، في جواز ذلك، قولا ابن حبيب في جميعه مع سماع عيسى ابن القاسم، في الدجاجة لا بيض فيها ببيض لأجل وقولها: في كراء الدور في النخل لا ثمر فيها بثمر لأجل وقول ابن القاسم مع سماع عيسى روايته، وإن كان لأجل لا يكون لها فيه لبن ولا بيض ولا عسل جاز اتفاقًا، ولما ذكر اللخمي قول ابن حبيب في ذباب النحل قال: قال محمد عن ابن القاسم: لا تباع الخلايا بعسل ولو نقدًا، محمد ولو لم يكن فيها عسل، أَصْبَغ وإن لم يكن فيها جاز بيعها بطعام غير العسل نقدًا ولو لأجل لا يكون لها فيه عسل، وإلا فلا خير فيه إلا بعين أو عرض لا بعسل بحال.
اللخمي: إن كان بها عسل فاضل عن قوتها جازت بطعام نقدًا لا لأجل ولو بعسل ولونقدًا، وإن لم يكن فيه فضل يخرج بيعها بطعام لأجل على بيع السيف ذي حلية فضة تبعًا له بفضة أو ذهب لأجل، في جوازه وفسخه ثالثها يكره وهو في النحل أجوز؛ لأنها تهلك إن قطع ويختلف في بيعها بعسل لأجل يصير فيه فضل عنها، وإن بيع النحل والخلايا بقرب ما رمى النحل فيها، ولم تعمل شيئًا أو علمت الشهد دون العسل جاز بيعها كالذباب قبل أن يعمل ذلك.
قُلتُ: والمؤجل الخارج بعضه من المعجل كالخارج كله، الشَّيخ عن محمد ابن
القاسم: لا خير في عصفر في ثوب معصفرلأجل وعكسه جائز.
ابن الحاج: لا يجوز سلم زيت في صابون؛ لأنه يخرج من الزيت فهو كمن أسلم طعامًا في طعام وعرض.
قُلتُ: دليله يوهم قصره على الربوي والتمسك بمسألة المعصفر أوضح.
وقول اللخمي: إن كان فيها عسل فاضل عن قوتها جازت بطعام نقدا ظاهره من غير رعي التبعية.
وفي جواز الطعام بطعام من غير جنسه مع أحدهما عرض نقدًا ومنعه ثالثها بقيد التبعية كالصرف للخمي عن سلمها الأول قائلًا: وهو خلاف قول صرفها وبعض شُيُوخنا عن المذهب مفرقًا بينه وبين البيع والصرف بما تقدم فيه وتخريج اللخمي على قول صرفها مع ابن بشير، وابن محرز عن المذهب، وتعقب ابن بشير نقل اللخمي عن أول سلمها، الجواز مطلقًا، وقال هو هنا مجمل فسره في كتاب الصرف.
قُلتُ: نقل ابن محرز مسألة كتاب السلم مشبهة بمسألة البيع والصرف فقال: تشبيهه بالصرف يدل على اعتبار التبعية.
قُلتُ: وعلى هذا اختلفت فتوى شُيُوخنا في جواز شراء زيت بربع درهم وخبزة قيمتها ربع درهم نقدًا، وقال اللخمي: قال بعض شُيُوخنا: القياس إذا تناجزا في الطعامين جواز تأخير السلعة، وإن كثر أحد الطعامين وقل الآخر كالمد جاز تأخير الطعامين، وتعجيل الثوب كقوله إذا باع سلعة ودرهمين بدينار، وتبين الفضل في غير الربويين يلغي المزابنة.
والمعروف معتبر الصنعة في بعض جنس يصير باقيه كخلافه.
اللخمي: اختلف في بيع مصنوع بجنسه من كتان وقطن، وصوف وجلد بأحذية نقدًا، أجازه مالك في الكتان مطلقًا، وروي محمد كراهته في صوب بثبوته، وجلد بعشرة أحذية نقدًا.
قُلتُ: زاد عنه الشَّيخ وكذا الكرسف والكتان بغزلهما.
محمد: إن بان الفضل بينهما جاز.
ولعبد الحق عن سَحنون مثله في خز بثوبه.