قلت: كذا ذكره الطرطوشي في تعليقته وسكت عنه، وذكره البزار بنحو هذا اللفظ عن حنش بن المعتمر، قال عبد الحق: حنش هذا هذا ما يقال له حنش بن ربيعة يكني ابا المعتمر، قال ابو حاتم فيه: كان عبداً صالحاً، لا اراهم يحتجون بحديثه، وقال البزار في حديثه: هذا لا نعلمه يروى إلا عن علي ولا طريق له إلا هذا.
قلت: وتوجيهه أن من أوجب في المصطدمين على كل عاقلة دية، أرى ان قتل كلاً منهما مضافاً لفعل صاحبه وحده، لا إلى فعل القاتل والمقتول؛ لأن فعل المقتول لا يوجد على عاقلته دية نفسه، فصار كالعدم واختص يالإيجاب فعل صاحبه، ومن اوجب على كل من هما نصف الدية، رأى القتل مضافاًإلى فعل القاتل والمقتول، لاستوائهما في السببية في الخارج.
وإذا كان مضافاً إليهما معاً؛ كان كل واحد موجباً نصف ديته على عاقلته، وذلك بالطل، فيسقط نصف ديته، وهو النصف المضاف إلى فعله، ويبقى له نصفها، إذا تقرر هذا اتضح حكم الأربعة؛ لأن سبب قتلهم جرح الأسد المسبب عن استقرارهم في قعر البئر واستقرارهم به مسبب عن تماسكهم إلى جهة قعر ... لأول مشارك في ذلك ثلاثتهم؛ لأنه ممسك بحهة قعرها للثاني مباشرة والباقين بواسطة، فله من سبب السقوط لقعرها ثلاثة اجزاء، ففي امساكه من ثلثه مباشره، والباقين يواسطته، فله من سبب موته ثلاثة أجزاء، فسقط من ديته كسقوط النصف في المصطدمين يبقى له ربعها
الثاني مع الباقين كذلك، فلهمن ديته ثلثها
الثالث مع الرابع كمصطدمين.
وكون الرابع له دية كاملة واضح؛ لأنه غير مشارك في سبب موته، لأن إمساكه إنما كان للغلق.
ووجهه ابن العربي في سورة ص، بعد أن خطب عليه بقوله للرابع دية، وعلية ثلاثة ارباع دية في الثلاثة الذين قتلهم، وللثاني دية، وعليه للاثنين الذين قتلهم بالجاذية ثلثا دية، يبقى له ثلث ديه وعليه للرابع نصف دية؛ لقتله واحداً بالمجاذية، يبقي له نصف دية؛ فوقعت المقاصة، وغرم العواقل ما بقي، ويرد بان شرط المقاصة ان تكون مستحق الطلب هو الغارم، ويستحق الدية الورثة، والغارم العاقلة؛ فبطل شرط المقاصة، وبأنه انما ينتج.
قوله: قتل ثلاثة ان عليه ثلاثة أرباع الدية، اذا كان معناه قتل ثلاثة مع ثلاثة، وهذا غير صادق؛ لأن الاعلى لم يقتل أحداً، لأن مجاذاته كانت لفوق، ولو عدت مجاذبته مع فعله سبباً لم تصح له دية كاملة فتأمله.
وفي الرواحل منها: ان سلم احدهما بفرسه؛ ففي ماله فرس للآخر، وعلى عاقلته دية راكبه، ابن شاس: وسواء كان المصطدمين راكبين او ماشين او بصيرين او نزيلين، او احدهما ضريراً وبيده عصا، فان تعمد الاصطدام؛ فهو عمد محض، فيه حكم القصاص، ولو كانا صبيين ركبا بأنفسهما بفضل وليهما، فهما كالبالغين، إلا في القود.
وفيها: لا شيء في اصطدام السفينتين إن كان لغالب من الريح لا يقدرون على دفعه، ولو قدروا ضمنوا.
الصقلي: يريد ي اموالهم، وقيل: الديات على عواقلهم.
اللخمي: لابن القاسم في الموازية: إن كانوا إن حبسوها؛ هلكوا أو غرقوا، فلم يحبسوها؛ ضمنوا الأموال في اموالهم، والديات على عواقلهم، وليس لهم طلب نجاتهم بغرق غيرهم.
قال ابن عبد السلام: قول ابن الحاجب يوهم أن حكم الفارسين والرجلين مخلف لحكم السفينتين، وليس كذلك، فإن الفارسين إذا جمحا فرساهما بهما، ولم يقدرا على صرفهما؛ فكان عنه تلف لم يضمنا، إلا أن الفرسين إذا جهل امرهما، هل هو لجمح يقدران على رده؟ أو لا حمل على القدرة؟، وفي السفينتين على العجز.
وقول أشهب في السفينتين: إن علم أنه من أمر غالب، لا من أمر أخرقوا فيه، فلا شيء عليهم، وإن لم يعلم؛ فذلك عليهم ظاهره التسوية بين الفرسين والسفينتين.
قلت: قوله: إذا جمحت فرساهما بهما ولم يقدرا على صرفهما؛ لم يضمنا يرد بقولها في الديات: إن جمحت دابة براكبها فوطئت إنساناً فعطب؛ فهو ضامن، وبقولها في الرواحل: إن كان في رأس الفرس اعتزام، فحمل بصاحبه فصدم؛ فراكبه ضامن؛ لأن سبب فعله وجمحه من راكبه وفعله به، إلا أن يكون إنما نفر من شيء مر به في الطريق من غير سبب راكبه؛ فلا ضمان عليه، وإن فعل به غيره ما جمح به؛ فذلك على الفاعل وفي الفينة الريح هي الغالبة، فهذا هو الفرق بينهم.
قلت: فهذا كالنص على أن ما تلف بسبب الجموح، هو من راكبه مطلقاً إلا أن يعلم أنه من غير خلاف.
قوله: ما تلف بالجموح ولم يقدر على صرفه؛ أنه لا ضمان عليه فيه فتأمله، وما ذكره عن أشهب، كذا نقله الشيخ عنه من الموازية، بعد أن نقل عن مالك وابن القاسم مثل ما في المدونة، وقول أشهب خلاف.
وفيها: إن اصطدام حر وعبد فماتا؛ فثمن العبد في مال الحر، ودية الحر في رقبة الغلام، إن كان في ثمن الغلام فضل عن الدية؛ كان في مال الحر، وإلا فلا شيء لسيد العبد، وإن كان دية الحر اكثر لم يكن على السيد شيء.
الشيخ عن محمد: إلا أن يكون للعبد مال، فيكون بقية الدية فيه، وفي نوازل أصبغ: قيمة العبد في مال الحر ويخير السيد في افتكاك قيمته بدية الحر، أو إسلامهما فيهما، فإن اسلمهما؛ لم يكن لمولاه الحر غيرها.
ابن رشد: هذا ياتي على ما مضى في اول رسم من سماع ابن القاسم: ان سيد العبد يخير في جنابته على الحر خطأ، في ان يسلمه بها او يفتديه بها مؤجلة في ثلاث سنين، اذ لولم تكن مؤجلة؛ لوجب ان يكون مقاصة بالقيمة، كما قال في المدونة، ابن شاس: لو جبذا حبلاً فتلفا؛ فكاصطدامهما، فان وقع احدهما على شيء فأتلفه؛ ضمناه.
قلت: يؤيده نق الشيخ عن الموازية والمجموعة: ان اصطدام فارسان فوطئ
أحدهما على صبي فقطع أصبعه ضمناه، ابن الحاجب: لو طرأت مباشرة ثم أخرى عن ممالأة؛ ولا قصاص في الجرح ما لم يتعمد المثلة، قدم الأقوى وعوقبالآخر.
قلت: تقدم الكلام من نقل اللخمي: إن قتل الجماعة بتعاونهم على قتل؛ كقتل واحد، فصدور المثلة من احدهم، كصدورها من واحد يفعل مثلما فعل ويقتل مع سائرهم.
ابن شاس: إذا طرأت مباشرة على مباشرة قدم الأقوى، لو رح الأول وجز الثاني الرقبة قتل الثاني.
قلت: للشيخ عن سحنون: من ضربه رجل ولكزه آخر، قتل الضارب وحده، ولو قطع احدهم يده، والآخر رجله، وضرب الآخر عنقه، قتل القاتل، وقطع القاطعان، ولو أنفذ أحدهما مقاتله، واجهز عليه الآخر؛ ففي قتل الأول وعقوبة الثاني، وعكسه سماع يحيى وأبي زيد ابن القاسم.
ابن رشد: الأول اظهر، ولو قيل: يقتلان معاً لاشتراكهما؛ لكان له وجه، ووجه الثانية أنه معدود في جملة الأحياء، يرث ويوصي، كما لو قتل من بلغ به المرض مع الكبر إلى حال، يعلم أنه لا تتمادى حياته معه.
وعن سحنون: أن وصية انقذت مقاتله لا تجوز، فعلى قوله؛ لا يرث ولا يورث؛ ولا يقتل به قاتله، وقيلس قول ابن القاسم: يقتل به الأول؛ أن لا يرث ولا يورث، وله في سماع عيسى: أنه يرث ويورث، فيتحصل في المسألة ثلاثة اقوال، ثالثها: التفرقة بين القصاص الموارثة وهي احسن الأقوال.
باب فيما يوجب الضمان من الأسباب التي يقصد بها التلف
والمذهب: لزوم الضمان بالسبب العري عن قصد التلف، ان كان عمداً فيها هلاك الصبي بسلاح يمسكها من خطأ دافعها فيكفر.
الصقلي عن المجموعة: الا ان يقدر على امساكها، كأمره له يناوله حجراً يقوى عليه، او لا يضمن في الدابة مطلقاً؛ لأنه لايقوى عليه، ولوحمله على دابة فما أتلفته على الصبي او عاقلته ان بلغ الثلث.
محمد: ولو كان عبداً فجنابته في رقبته، وفي رجوع العاقلة، والسيد بما غرما على عاقلة الحامل، وعليه قول أشهب مع محمد وأصبغ وابن القاسم مع روايته، وعلى الرجوع يرجع السيد بالأقل من قيمته، والأرش إن أشكله
الصقلي: وان فداه؛ فالأقل مما دفع وأرشه.
أشهب: وكذا لو سقط عن الدابة على من قتله، فعلى الحامل، وأنكر رواية ابن القاسم، وقال إنما بلغاه عنه.
محمد: ومثله قول ابن القاسم من أمر صبياً يجري فرساً فمات بجريه، إن كان بأمر أبيه، فلا شيء عليه، وأمر غير الأب لغو في سماع أبي زيد؛ لأنه بأمره عاف عن ديته.
ابن رشد: لو كانت له أم؛ فلها ثلث الدية.
محمد: ولو قتل رجلاً ومات مجريه؛ فعلى الآمر، ولولي القتيل اتباع عاقلة الآمر، أو عاقلة الصبي، فترجع على عاقلة الآمر، ولو كان عبدأ؛ فعلى الآمر لربه قيمته مع الأقل منهما، أو من الأرش، فإن قيل على تعليله: انه بإذنه عاف عن ديته وعن قيمته؛ يلزم قول سحنون في هذا الأصل أن عفوه لغو؛ لأنه عن شيء قبل وجوبه.
قلت: لاحتمال كون العلة عند سحنون؛ عدم عمد الآمر لإذن الأب.
وفيها ما أهلكت الدبة بيدها أو رجلها، وعليها مؤخر ومقدم على عاقلته، إلا أن يحركها المؤخر؛ فعليهما إلا أن يعجز المقدم عن ردها؛ فعلى المؤخر فقط، والصبي الضابط الركوب كالكبير وغيره كمتاع.
محمد: والصغير غير ضابط، والنائم عليها ككبير منتبه، إن لم يكن سائق ولا قائد، فإن كان أحدهما؛ فعليه من دونهما ونفحها كذلك جبار إلا بسبب فاعل.
الباجي لمحمد عن أشهب: إن كدمت أو نفحت لا بسبب من أحد؛ فالسائق أحق بالضمان من القائد والراكب، إن دعوها سوقها يزجر أو ضرب أو نخس، ولو ضربها
الراكب برجله فكدمت؛ ضمن، وكذا القائد إن انتهرها والراكبان في محمل ولا قائد كراكب
أشهب: فقء عين بحصاة طارت من تحت حافر دابة جبار، أشهب: إن دفعها حافرها فعلى راكبها.
محمد: ما أتلفت دابة انفلتت من يد رجل على عاقلته، ومن موردها جبار، ولو نادى من يحبسها له فذهب ليحبسها فقتلته فجبار.
محمد: إلا أن يكون المأمور عبداً او حراً صغيراً، فعلى عاقلة من انفلتت منه.
ابن حبيب عن الأخوين وأصبغ عن ابن القاسم: ما أتلف الفلو يتبع أمه جبار، لا على راكبها ولا قائدها.
وفيها: قائد القطا وسائقه، كراكبما فيه ولو اجتمعا مع راكب فعليهما دونه ما لم يتسبب، فعليه فقط إ لم يشاركه احدهما فعليهما، اشهب: عن الثلاثة.
الشيخ: يريد أن الراكب شاركهم في سبب فعلها.
الصقلي: ظاهر لفظه خلافه.
وفيها: إن ساق أجير دابة، فسقط حملها على من قتله؛ فعلى عاقلة الأجير.
محمد عن أشهب: إن حمله عليها غيره، فعلى الحامل إلا أن يكون من قوده ما يطرح المتاح من خرقه؛ فذلك عليه.
قلت: فسرها ابن رشد بسماع ابن القاسم، إن سقط حمل على جارية بالسوق؛ فالحامل ضامن ضامن، ولم يحك قول أشهب.
الشيخ عن الموازية والواضحة: إن قاد بصير أعمى، فوقع في شيء، والأعمى عليه فقتله؛ فديته على عاقلة الأعمى.
قلت: في جريه على الاصطدام نظر.
الشيخ عن الموازية: لمن سقط على رجل فشجه، وانكسرت سن الساقط فقول أصحابنا: على الساقط دية الموضحة، وسنه هدر ومن مر بجازر يقطع لحماً فزحمه آخر، فوقعت يده تحت فأس الجزار فطرح اصابعه؛ فقيل: ذلك على عاقلة الجازر، وترجع به
على عاقلة الطارح.
محمد عن بعض أصحابنا ما هلك بنفور دابة من نائم، ولو على الطريق جبار إلا أن يكون من حركته.
وسمع أبو زيد ابن القاسم: من طلب غريقاً فأخذه، ثم خاف الموت فتركه؛ لا شيء عليه، ولو ذهب يعلمه العوم فناله؛ ذلك ضمن ديته.
ابن رشد: يريد على العاقلة.
قلت: زاد الشيخ عن محمد، وفي بعض مجالس ابن القاسم خلافه فيما يشبهه، قال فيا من ترد في بئر وصاح برجل يدلي له حبلاً فدلاه ورفعه، فلما خاف على نفسه من رفعه خلاه فمات، ضمنه ولم يعجبنا.
قلت: يريد خلاف قوله في طالب الغريق، ويفرق بينهما بأن موته في الغريق؛ إنما هو بنفس ما كان عليه دون شركة الطالب بفعل، ورافعه من البئر مشارك بسقوطه من فعل رفعه، ولذا ذكره السقي غير ذاكر فيه تنافيا، وقال: لو انقطع الحبل لم يضمنه.
وسمع أبو زيد ابن القاسم: من دلى رجلا في بئر لطلب حمام بحبل، وربط حبلا بخشبة فانقطع حبل الخشبة، فخر الرجل ساقطاً، فخشي الرجل على نفسه، فترك الحبل فعليه ديته، ولا يشبه من طلب ربط السفينة خوف من غرقه، بأخرى مربوطة بصخرة، فأبى ربها خوف الغرق، ثم أجابه، فلما ربطها جرت الثنية الأولى، فخاف ربها الغرق، فقطع ربط الثانية بها فغرقت؛ لا شيء عليه.
ابن رشد: والفرق أنه في البئر غير الرابط من دلاه بإمساكه احد الحبلين، فضمن بإطلاقه الحبل، لزعمه أنه خاف على نفسه، والدية في ماله؛ لأن فيه شبهة عمد، وصاحب السفينة لم يغر بفعله من ربطه؛ إنما ربطه رجاء النجاة من الغرق.
وسمع في عبد حمل ابنه من حرة دون إذنها، في سفينة مع، فغرقت ومات الولد دونه، فطلبة أمه وأولياؤها بذلك؛ لا شيء عله لهم.
ابن رشد: لأنه لم يجني عليها بذلك؛ لا الله أباح ركوبها.
قلت: الأظهر أنها جناية؛ لأنه متعمد في أخذه، يؤيده قولها في إرخاء الستور: ليس
العبد في انتقاله بولده كالحر، والأم أحق بهم كانت أو أمة، وسمعه عيسى: من اتقى حجراً رمي به، فرجع على من قتله، إن كان إنما اتقاه دون رده بشيء؛ حتى أوقعه على غيره؛ فديته عليه.
ابن رشد: مثله روى على، قال: إن اتقاها بيده، فعلى الراد العقل، وهو من الخطأ وقال أصبغ: بل على الرامي، وان دفع الرمية إذ لانتفى الرمية إلا بدفعها، كما لو طلب رجلاً بسيف فهرب، فوقع على صبي فقتله، أو على شيء فاتلفة؛ فهو من خطأ الطالب، إن يشعر المطلوب فيموت؛ ففيه القود، وكذا دافع الحجر عن نفسه، إن أصاب المرمي فهو عمد، إلا أن يكون الحجر قر مقره، وانكسر حده قبل أن يرده؛ فيكون علي المرمي، هذا قول أصبغ.
فان رده بعد أن قر مقره؛ فهو على المرمي، وان قر الحجر ولم يرده؛ فهو على الرامي اتفاقاً فيهما، وإنما الخلاف إن دفعه عن نفسه في اتقائه إياه، وفى المجموعة عن ابن القاسم في صبي عبث بسقاء على عنقه قلة، حتى سقطت على الصبي فمات؛ فلا شيء علي السقاء، ولو سقطت على غير الصبي؛ فعلي عاقلته، ومنن عض رجلا فجبذ المعضوض يده، فنزع أسنانه، في كونها عليه أو هدرا، نقلا الشيخ عن محمد عن مالك وأصحابه، وابن وهب مع يحيي بن عمر قائلا: لم يبلغ مالكاً حديث إهداره.
الشيخ في الموازية من نزل بئراً فنزل في إثره آخر، فجبذ الأسفل الأعلى، فخرا فماتا؛ فعلى عاقلة الجابذ دية الأعلى.
قلت: ذكره الصقلي، رواية الشيخ: روى ابن وهب: من امسك لرجل حبلاً يتعلق به في بئر، فانقطع؛ فلا شيء عليه، وان انفلت من يده؛ فهو ضامن، ولابن حبيب عن
ابن المسيب: فر من أسد خمسة فتعلق من يليه بثان، والثاني بالثالث، والثالث بالرابع، والرابع بالخامس، فقضى عليه رضي الله عنه أن الأول جبار، وعلي كل متعلق دية من تعلق به.
ابن حبيب: يريد على عواقلهم، وفى الموازية والمجموعة عن ابن القاسم وأشهب: ما سقط من يده علي وديعة فأتلفها؛ ضمنها، ولو سقطت؛ لم يضمنها.
وفيها: ما هلك من محدث، حيث يجوز لمحدثه، كمن حفر شيئاً في داره أو طريق المسلمين، من بئر أو مرحاض إلى جانب حائطه؛ لا غرم عليه فيه.
الصقلي عن أشهب: هذا إن لم يضر بالطريق.
وسمع محمد بن خالد ابن القاسم: من أوقد تحت قدر له ففار ما فيها، فقتل صبياً حولها لم يعلم به رب القدر؛ لاشيء عليه.
ابن رشد: لا جناية فيه عمداً ولا خطأ، ولا شيء على العاقلة، كقولها فيمن أرسل ناراً بأرضه، وأرض جاره بعيده مأمونة من النار، فحملتها الريح إلى ارض جاره؛ فلا شيء عليه فيما أحرقت، ولو كانت غير مأمونة منها؛ كان ما قتلت من الناس على عاثلتة.
باب فيما يتقرر على العاقلة من الخطأ
والخطأ على الأحرار قسمان: خطأ لا شبة عمد فيه على العاقلة اتفاقاً، إلا ما دون الثلث، وما فيه شبهة عمد يفترق بحسب قوه الشبة وضعفها، ما قويت شبهته، فالدية في مال الجاني كبينة الزور، وما ضعفت فيه فالدية على العاقلة كمن أرسل ناراً
بأرضه، وما توسطت فيه مختلف فيه، هل هي على الجاني أو العاقلة كالطبيب المخطئ؟
وفيها: وما أحدث بطريق المسلمين، مما لا يجوز له من حفر أو رباط دابة ضمنه.
عياض: معناه جعله لها مربطاً، وان كان إنما نزل عنها أو فوقها وهو راكب عليها أمام حانوت ليشترى منه، أو يحمل منه، أو أمام باب داره، أو نزل للصلاة بالمسجد، أو أوقفها حيث لا يجوز له لضيق الطريق، ولو بعد عن الطريق في فناء أو غيره وشبهه؛ فلا ضمان عليه.
الباجي: روى عن المجموعة: من فعل ما يجوز له كحفر بئر بداره، لغير ضرر أحد أو بدار غيره بإذنه، أو رش فناء تبرداً أو تنظيفاً، فزلق به من هلك به، أو ربط كلباً بداره للصيد، أو في غنمه للسباع، أو وقف دابته بالطريق بباب مسجد أو حمام أو سوق، أو أخرج روشناً من داره أو عسكراً؛ فلا ضمان عليه.
قلت: وفي الزاهي لابن شعبان: من نضح ماء بالطريق، فأصيب به أحد أو مال ضمن، ومن وضع نعليه أو خفيه بالمسجد، فعثر إنسان؛ ضمن كالطريق.
وفيها: ما أهلك الكلب العقور، إن اتخذ حيث لا يجوز؛ ضمنه متخذه مطلقاً، وحيث يجوز إن تقدم له فيه.
وسمع يحيى ابن القاسم: من شكي إليه انهدام حائطه؛ ضمن ما هلك به، يحيى: وان لم يكن ذلك لسلطان، إن اشهد عليه ..
ابن رشد: قول يحيى تفسير مثل قولها، ولعبد الملك وابن وهب؛ لا ضمان عليه إلا بعد تفريطه، بعد الحكم عليه.
ولأشهب وسحنون: ما أهلك بعد بلوغه ما يوجب هدمه؛ ضمنه، ولو لم يشهد عليه، والحمل للصول، والكلب العقور، حيث يمنع اتخاذه، كالحائط يدخلهما ما فيه من الخلاف، وقول أشهب في سماع عبد الملك؛ لا ضمان على رب الدابة الصول، ولو تقد إليه السلطان رابع.
قلت: ونقل الصقلي عن بعض القرويين: إن أنكر رب الحائط أخافه إهلاكه، وقف ضمانه علي تقدم الحاكم إليه وإلا كفي الإشهاد خامس.
ولابن رشد في رسم كتب من سماع ابن القاسم: من مات من سقي طبيب أو كيه، أو قطعه منه شيئاً، أو تحتز الحجام، أو قلع ضرساً؛ لم يضمنه إن لم يخطئ في قلعهما، الا أن ينهاهم الحاكم عن القدوم، علي زى غرر الا بإذنه، فمن خالفه ضمن في ماله، هذا ظاهر سماع أشهب.
وقال ابن دحون: هو على العاقلة، إلا مادون الثلث، وما كان بخطأ منه في فعله، كسقيه ما لا يوافق المرض، أو تفريده يد الجاني أو القاطع الكاوي، أو ما لا يوافقه الكي، أو يقلع غير الضرس المأمور بها، وان لم يخش وعر من نفسه؛ عوقب بالضرب والسجن.
وفى كون أرش جنايته كالخطأ أو في ماله: قولان لعيسى مع ظاهر نقل أصبغ عن ابن القاسم، وظاهر هذا السماع، وكلما ألزمت الدية على العاقلة، أو في ماله لزمت الكفارة، وحيث لا تلزم لم تلزم إلا استحساناً، كسماع ابن القاسم: في الأم تسقي ابنها الدواء، فيشرق فيموت، وإذا قدم السلطان أن لا يداوي فيما فيه غرز إلا بإذنه؛ فالعمل في ذلك أن استؤذن، أن يجمع أهل المعرفة، فان تعدي؛ ضمن في ماله.
قلت: ومن الخطأ فعل الشيء المناسب للشكية في غير وقته، وكانت نزلت ببعض متقدم قضاه بلدنا، سأل الأطباء عن فعل كي نشأ عنه هلاك، فأفتوا بأن الكي مناسب للشكية، وفعل في محله من الجسد، فسألهم هل هو في وقته؟ فقالوا: لا فحكم بتضمنه لقصوره عن ثلث الدية.
الشيخ: روى علي إن قطع الحجام حشفه كبير أو صغير أو غلط، فقطع غير اليد المقتص منها؛ فحكمه كالخطأ، ولو فعل ذلك بعمد، دون أمر سيده ضمنه، ولو كان ظنه حراً ومعلم الكتاب أو الصنعة، إن ضرب ما يعلم أنه للأدب؛ لم يضمن، وان ضرب لغير أدب أو جاوز ضرب الأدب؛ ضمن كالطيب.
وفي الزاهي لأبن شعبان قيل: إن ضربه ضربة خفيفة؛ فديته إن مات منها على
عاقلته، وفي المجموعة روى ابن القاسم وابن وهب: من عمد لامرأته بفقء عين، أو قطع يد متعمداً، أقيد منه، وإن ضربها بحبل أو سوط، فذهبت عينها أو غيرها؛ فلا قود وفيه العقل، ومن ادعى في فقء عين زوجته، أنه ضربها أدباً، وقالت: عمداً، ففي قبول قولها أو قوله، أ, قولي سحنون وثانيهما؛ فلا يكون عليه شيء.
ابن رشد الأظهر أن يصدق ولا تصدق عليه؛ فيقتص منه، وتكون كشبه العمد يسقط القصاص، وتكون الدية في ماله، وفي الرجم: منها من أفاض زوجته البكر، ومثلها يوطأ، فماتت من جماعه، فإن علم ذلك؛ فديتها على عاقلته، وإن شانها، ولم تمت فلا بلغ من ذلك ثلث ديتها؛ فعلى العاقلة، وما دونه في ماله.
عياض: إفاضتها خلط ما بين المسلكين بالوطء العنيف، وإن زنى بامرأة، فأفاضها؛ فلا شيء عليه إن طاوعته، وغن اغتصبها؛ فلها المهر وما شانها.
الشيخ عن الموازية في ماله، وإن جاوز الثلث
الصقلي: الفرق بين الزوجة الأجنبية طائعتين: أن طوع الزوجة واجب لا تقدر على منعه، والأجنبية يجب عليها منعه، يوضحها كم لو أزنت له أن يوطئها.
الشيخ: روى علي: إن ضرب معلم الكتاب والصنعة صبياً، ضرب الأدب فمات؛ فلا شيء عليه، وغن جاوز الأدب، وضربه لغير أدب؛ ضمن ما أصابه، ومن استأجر عبداً في عمل غير ما أذن له فيه فعطب؛ ففي ضمانه كامل العطب في مثله، وغن كان مخوفاً ذا غرر.
قول ابن القاسم مع روايتها، وسماعه مع رواية ابن وهب، وقول ربيعة فيها، ورجحه ابن رشد، قيده بكونه ليس عادته استعمال ذلك العمل، ووجه قول ابن القاسم؛ بأنه اخطأ على سيده في استعماله ما يعطب في مثله، إن لم يكن مخوفا، وفارق من استأجر عبداً من غاصب، فتلف في عمله؛ أن للسيد من يرجع عليه، وهو الغاصب، وليس له من يرجع عليه، أذا أجر العبد نفيه، وقياس هذا ضمانه، وان كان لا يعطب في مثله، إلا أن يقال: هذا القدر من الفعل، يمكن أن يتصرف فيه العبد لو لم يؤاجر، فصار المستأجر له كأنه لم ينقله، وإنما استعمله في موضعه.
وقول ابن القاسم فيها: إن استعانته كإجارته؛ لا يضمنه، إلا فيما يعطب في مثله، خلاف قول ربيعة فيما يضمنه باستعانته فيما يبغي فيه الإجارة، وإن كان أذن له في الإجارة، وهو أظهر؛ لأنه لم يأذن له في هبة منافعه، ولو استأجر من ظنه حرًا، ودفع له أجره، فاستحق برق، وقد أتلف الأجرة، ففي غرم المستأجر الأجرة ثانية لمستحقه ثالثهما، إن لم تطل إقامة العبد بالبلد، ظاهر الحرية لعبد الحق عن بعض شيوخه، وقيد ابن رشد غرم الأجرة بكونها مثل قيمة العمل، ولو كان أقل أو أكثر تعينت القيمة.
قال عبد الحق: والغرم أقيس، وعدمه أشبه، بقولها: من أنفذت وصاياه، وبيعت تركته، ثم استحقت رقبته، وكان معروفًا بالحرية، أو غير معروف.
ابن رشد: هذا كما قال عبد الحق؛ أن القيام غرم الأجرة ثانية؛ لأن منافع العبد قد استهلكها، فوجب عليه غرم قيمتها، كمن اشترى طعامًا فأكله، أو ثوبًا فاستهلكه، ثم استحق لربه أن يضمن المبتاع قيمة ذلك لاستهلاكه إياه.
وفي الغضب منها: من استأجر ثوبًا، فاستعمله؛ أن لمستحقه أن يضمنه ما نقصه استعماله، وله على قياس ما ذكرناه أخذ قيمة استعماله، وسقوط كونه عدوانًا عصمة دم القتيل، واستحقاقه معينًا.
وفيها: إن قامت بينة على محارب، فقتله رجل قبل أن تزكى البينة، فإن زكيت؛ أدبه الإمام، وإن لم تزك قتل به، وفي سماع يحيى قال سحنون: لا دية في قتل المرتد ولا قصاص.
ابن رشد: في لغو ديته وثبوتها كمجوسي، ثالثها كدية دين ردته لسحنون، مع أحد أقوال اشهب، وللبرقي مع نقله عن أشهب وابن القاسم، ولسحنون عن أشهب مع غيره عن ابن القاسم.
اللخمي: وكذا يختلف في قطع عضو له، قال محمد: لا شيء على من قتل زنديقًا.
اللخمي: وكذا الزاني المحصن والمحارب، ولا دية لهم إن قتلوا خطأ، وفي الموازية: من قطع يد سارق خطأ فلا دية له.
وقال في موضع آخر: له ديتها، فعليه تجب الدية في هذين، إن قتلا خطأ، وإن قطع
لهما عضو يد أو رجل، أو فقئت عين؛ فلهما القصاص في العمد، والدية في الخطأ؛ لأن الحد إنما وجب في النفس لا في العضو.
الشيخ: قال عيسى: من اغتاظ ذمي شتم النبي صلى الله عليه وسلم فقتله، فإن كان شتمًا يوجب قتله، وثبت ذلك ببينة؛ فلا شيء عليه، فإن لم يثبت ذلك؛ فعليه ديته وضرب مائة وحبس عامًا.
وفيها: من قتل رجلًا عمدًا، فعدا عليه أجنبي، فقتله عمدًا؛ فدمه لأولياء القتيل الأول، ويقال لأولياء الثاني: أرضوا أولياء الأول، وشأنكم بقاتل وليكم، فإن لم يرضوهم؛ فلأولياء الأول قتله، أو العفو عنه، ولهم أن لا يرضوا بما بذلوا لهم من الدية، أو أكثر منها، وعزاه الشيخ لرواية ابن القاسم وابن وهب، وغيره في الموازية والمجموعة.
قال: وقال مالك: في قاتل العمد يموت، أو يقتله أحد؛ فإنه لا طلب على الجاني؛ يريد الأول بدية أو غيرها، ولا في ماله، وكذا فاقئ العين، تذهب عينه أو تفقأ، وقاله أشهب.
قلت: وهو نص الموطأ، قال مالك: في الرجل يقتل الرجل عمدًا، أو يفقأ عينه عمدًا، فيقتل القاتل أو تفقأ عين الفاقئ قبل أن يقتص منه؛ ليس عليه دية، ولا قصاص.
قال مالك: إنما له القصاص على صاحبه الذي قتله، فإذا هلك قاتله فليس له قصاص ولا دية.
أبو عمر: هذا على قول ابن القاسم، وروايته أن ولي القتيل ليس له إلا القصاص ليس مخيرًا فيه وفي الدية، وعلى رواية المدنيين أنه مخير بينهما، تكون له الدية إن شاء على القاتل الثاني، وإن شاء قتله، وذكر ابن شاس وتابعه ما في الموطأ عن رواية ابن عبد الحكم دونه قصور، وذكر اللخمي ما في المدونة بزيادة: ولو قتل القاتل خطأ؛ فديته لأولياء القتيل الأول.
قال: وروى محمد إن قتل خطأ؛ فلا شيء لأولياء الأول، والأول أبين، ولم يختلف
أن لأولياء الأول أن يقتلوه، دون أولياء الثاني؛ وأن لهم العفو عنه على م ال يكون لهم.
اللخمي: واختلف في قول مالك: إلا أن يرضي أولياء الثاني أولياء الأول، فقال ابن القاسم: إن بذلوا الدية لم يلزمههم قبولها، وإن أبوا سلموا القاتل إليها.
وقال ابن الماجشون في المبسوط: لولي الثاني أن يدفع الدية لأولياء الأول، ويقتص هو لنفسه، وقول ابن القاسم أحسن؛ لأن أولياء الأول استحقوا دمه.
وفيها: إن قطع يد رجل عمدًا، فقطعت يد القاطع خطأ؛ فديتها للمقطوع الأول، وإن كان عمدًا؛ فللأول أن يقتص من قاطع قاطعه.
اللخمي: لابن القاسم في الموازية: من قطع يد رجل من المنكب، فقطع رجل كفه، قيد للمقطوع الأول في قطع كف القاطع الثاني، ولا شيء له غير ذلك، وفي قطع قاطعه من المنكب فقط، ويخلى بين قاطعه، وقاطع كفه، وقال محمد: له قطع الشيئين منهما.
اللخمي: هذا أحسن؛ لأن الأول استحق جميع ذلك العضو.
قال ابن عبد السلام: في هذا بعد لأنه يقطع رجلين في موضعين مختلفين، ولم يتول قاطعه منهما غير واحد.
قلت: لا بعد فيه على أصل المذهب، في قطع أيدي جماعة بيد واحدة، والظالم أحق أن يحمل عليه.
وفيها: من قتل رجلًا عمدًا، فحبس للقتل، أو حكم بقتله، وسلم لأولياء القتيل ليقتلوه، فقطع رجل يده عمدًا أو خطأ؛ فله القصاص والعقل والعفو في العمد، لا شيء لولاة القتيل في ذلك، إنما لهم سلطان على من أذهب نفسه.
اللخمي: من قطع يد رجل عمدًا، أو قتل خطأ أو عمدًا؛ فصالح أولياؤه في العمد على مال، فقيل: لا شيء للمقطوعة يده؛ لأن الدية إنما أخذت عن النفس، وقال محمد: لمن قطعت يده حقه من ذلك الأول أبين.
وفيها: من قتل وليك عمدًا، فقطعت يده؛ فله أن يقتص منك، ولو قطعتها خطأ؛ حملت ذلك عاقلتك، ويستقاد له ما لم يقد منه، وتحمل عاقلته ما أصاب من الخطأ.
قلت: ظاهره أنه يقتص له قبل قتله، وانظر إن كان قصاص له من اليد يخاف منه الموت، لمرض الجاني الولي أو للفصل، هل يقتل ويؤخر القصاص لوارثه؟ أو يؤخر قتله لذلك؟ والأظهر الأول.
الشيخ في الواضحة لأصبغ عن ابن القاسم: في القاتل يدفع لأولياء القتيل ليقتلوه، يقطع أحدهم يده، وآخر رجله، ثم قتلوه؛ لا يقاد منهم؛ لأن النفس كانت لهم ويعاقبون على ذلك.
قلت: ومقتضى تعليله بقوله: لأن النفس كانت لهم؛ أن لا قصاص في ذلك، ونحو ما في الواضحة ما في الموازية أيضًا، وجزم ابن شاس، فقال: روى أصبغ عن ابن القاسم: لا يقاد من أولياء الدم في القطع؛ لن النفس كانت لهم.
الشيخ عن محمد: إن أقام الولي شاهدًا على قاتل وليه، فلم يقسم حتى عدا عليه، فقتله قبل القسامة قتل به، وليس له أن يقسم بعد قتله؛ لأنه يدرأ بذلك عن نفسه القتل، إلا أن يأتي بشاهد آخر، فلا يقتل.
قلت: في منعه من القسامة نظر؛ لأنها قد وجبت له، وليس قتله القاتل برافع لها، وكما لو ادعى شيئًا بيد رجل، وأقام عليه شاهدًا، ثم عدا عليه فأتلفه قبل الحلف مع شاهده.
وفيها: من وجب لهم الدم قبل رجل، فقتلوه قبل أن ينتهوا به إلى الإمام؛ فلا شيء عليهم غير الأدب، وفي الواضحة عن ابن الماجشون: إن قتل ابن القتيل قاتل أبيه، قبل تزكية البينة؛ فإن جرحت قتل الابن به، وإن عدلت؛ أدب بما افتات على الإمام.
وتقدم شرط إيجاب القود كون الجاني بالغًا عاقلًا، ولابن رشد في رسم العشور من سماع ابن القاسم: الصبي الذي لا يعقل ابن سنة ونصف ونحوها، لا خلاف أن حكمه في الجناية على الأموال والدماء، حكم المجنون.
وفي كونن جنايتهم على الأموال في أموالهم، وعلى الدماء على عواقلهم، إلا ما دون الثلث، ففي أموالهم، أو هدرا فيهما ثالثها، الأموال هدر، والدماء خطأ؛ لسماع القرينين مع قول ابن القاسم في رسم مرض من طلاق السنة، وللموازية وسماع عيسى ابن
القاسم، ولا خلاف أن الصبي الذي يعقل؛ يضمن المال عمدًا أو خطأ، وحكم عمده في الخطأ، وحكم الكبير المولى عليه فيهما كالرشيد.
ابن زرقون: هذا في الصبي الذي ينزجر، وأما ابن ستة أشهر ونحوها؛ ففعله جبار، وقاله ابن رشد، ونحوه للباجي معبرًا عنه بالرضيع.
وفي الأيمان والطلاق منها قتل السكران إن قتل، فأطلقه الصقلي وغير واحد.
وقال ابن رشد والباجي: هذا في المختلط الذي معه بقية من عقله، وأما الذي لا يعرف الأرض من السماء، ولا الرجل من المرأة؛ فلا خلاف أنه كالمجنون في كل أفعاله وأقوالهن وتقدم في هذا الطلاق.
وفيها: المجنون الذي يفيق أحيانا، في حال إفاقته كالسليم.
الشيخ في المجموعة لابن القاسم: ما جنى المجنون في إفاقته من حد أو قتل، فلم يقم عليه حتى خنق آخر لإفاقته، الحد والقصاص، فإن أيس منه، فالعقل في ماله أو يقده، المغيرة: إن قتل عمدًا؛ أسلم للأولياء حاله، ولو ارتد، ثم خنق، لم أقتله حتى يصح؛ لدرء الحد بالشبهة.
وروى اللخمي: يخير الأولياء في تعجيل القتل، أو الدية من ماله، وإلا اتبعوه.
وفيها: أيقتل مسلم بكافر، إلا أن يقتله غلية.
قلت: هو استثناء منقطع؛ لأنه بالحرابة قتل؛ لأن الغيلة حرابة، ولذا قال فيها: إن قطع يديه ورجليه غيلة، حكم عليه بحكم المحارب، ويقتل الكافر بالمسلم، وذوو الكفر سواء في القصاص بينهم المجوسي، والكتابي فيه.
الباجي: روى علي بقتل اليهودي بالمجوسي، ونقص الدية لغو، كالرجل بالمرأة، ولا يقتل حر بذي رق بوجه، وقتل بالحر المسلم.
وفي جناياتها: قال مالك: يقتل العبد بالحر إن شاء الولي، فإن استحياه خير سيده في إسلامه، أو فدائه بالدية، وكذا يخير في فدائه بالدية في قتله خطأ، وتقدم في الاصطدام ذكر الخلاف، في كونها مؤجلة، وفي دياتها، إن قتل عبد حرًا، فأتى ولاته عليه بشاهد، حلفوا خمسين يمينًا، ولهم قتل العبد إن شاؤوا، وليس لهم أن يحلفوا يمينًا واحدة
ليستحيوه، إذ لا يستحق دم الحر إلا ببينة، أو حلف خمسين يمينًا، وجعل ابن عبد السلام تخيير ولي قتيل العبد، في قتله واستحيائه، جاريًا على أصل أشهب في جبر الحر على الدية، غير جار على أصل ابن القاسم فيه، وأجاب بأن جبر الحر على الدية يضر به؛ لأن له وارثًا قد ترجح مصلحته على نفسه، والمطلوب في مسألة العبد غير القاتل، وهو السيد، ولا ضرر عليه في واحد من الأمرين اللذين يختارهما الولي.
قلت: قوله: المطلوب في مسألة العبد السيد غير صحيح، ضرورة أن لا طلب عليه بحال، وقد يفرق بأن الحر يجبر على أمر يتكلفه، وهو الدية، والعبد لا يكلف بشيء، وبأن للولي حجة في العبد، وهي أنفته، أو يأخذ في دم وليه دم عبده، وهو لا يكافئه، وفي جناياتها القصاص بين المماليك، كما هو في الأحرار، ولو قتل مكاتب عبده؛ فلسيده أن يقتص منه في النفس والجراح.
اللخمي: للسيد الحق، إن أحب اقتص، أو أخذ العبد، إلا أن يفديه ربه، والمدبر والمكاتب، وأم الولد، والمعتق إلى أجل في القصاص مع من ليس فيه حرية سواء، واستحسن في المعتق بعضه، أن لا يقتص منه للحديث؛ أنه يرث بقدر ما عتق منه، ويعقل عنه بقدر ذلك، وفي سماع عيسى ابن القاسم في نصراني حر قتل عبدًا مسلمًا: قال فيه اختلاف، أرى قتله به، سحنون: أرى عليه قيمته كسلعة.
ابن رشد: قوله: يقتل به معناه؛ إن شاء ذلك سيده، وله أن يضمنه قيمته اتفاقًا وإنما الخلاف في قتله به، وقتله به أظهر، وقاله أشهب في سماع عبد الملك.
قلت: وللخمي عن محمد عن ابن القاسم: أنه يضرب ولا يقتل به، زاد الباجي: وقاله أصبغ، قال محمد: قال مالك: ليس بينهما قود في نفس ولا جرح؛ لأن في هذا حرية وفي هذا إسلامًا.
الباجي: ليحيى عن ابن القاسم: لا يقتل مسلم، وإن كان عبدًا بكافر، وإن كان حرًا.
وفي الموطأ: في العبد يشهد بجرح اليهودي أو النصراني لربه؛ أن يعقل عنه، أو يسلمه، فيباع فيعطى اليهودي أو النصراني من ثمنه، أو ثمنه كله إن أحاط بثمنه، ولا
يعطى الكافر عبدًا مسلمًا.
الباجي: قوله: يعطى من ثمنه؛ يريد إن زاد ثمنه على العقل، أعطى منه قدر العقل، ابن مزين: سأل عيسى ابن القاسم عن قوله في هذه المسألة، أخطأ هو في الكتاب، قال ابن القاسم: وهو خطأ، وقد كان يقرأ عن مالك: فلا يغيره وإنما الأمر إذا أسلمه السيد، بيع فقط الكتاب جميع ثمن العبد، وإن زاد على الدية، وهو قول مالك، وما أنكره ابن القاسم، يحتمل أنه رواية عن مالك، ثم رجع إلى ما سمعه ابن القاسم منه وصوبه، وقوله آخر المسألة: ولا يعطى اليهودي ولا النصراني عبدًا مسلمًا، يمنع رواية ابن القاسم؛ لأنه إذا منع الإسلام أن يدفع إليه، فإنما يبيع على ربه ليوفي به الأرش.
وفيها مع غيرها: منع الأبوة والأمومة، إيجاب عمد ضرب الولد بما مات منه القصاص من أبيه أو أمه، فيها: إذا قتل الأب ابنه بحديدة، حذفه بها أو بغيرها؛ لا يقاد من يقاد من غير الوالد فيه، درئ عنه القود، والأم كالأب، وأب الأب كالأب، وكذا قطع شيء من أعضائه، وفي سماع ابن القاسم: ليس التغليظ في الجراح إلا في الأب.
ابن رشد: يريد: والأم إذ لا يفرق أحد بينهما في هذا، وظاهر قوله: لا تغليظ في جد ولا جدة، خلاف قولها تغلظ في الجد؛ يريد: والجدة من قبل الأم، فلا تغلظ على قولها في الجد للأم، ولا في الجدة أم أبي الأم، ولا أم أبي الأب، وهو قول أشهب.
وقول ابن الماجشون: تغلظ في الأجداد والجدات كلهم، لأب أو لأم، وهو قول سحنون في نوازله من كتاب الأقضية، وعن ابن القاسم، مثل قول ابن الماجشون، وروي أنه وقف في الجد للأم، وكلما ثبت التغليظ انتفى القصاص، وكلما انتفى ثبت القصاص، في العمد الذي ليس يشبه العمد، وإن لم يعمد للقتل، لا خلاف أنه لا يقتص من واحد منهم، فيما هو من شبه العمد، كضربه بعصا فيموت بذلك، أو بسوط فيفقأ عينه، وشبه ذلك.
وفيها لمالك: لو أضجع ابنه فذبحه، أو شق بطنه، أو صنعت ذلك والدة بولدها؛ ففيه القود، وأكثر الأشياخ لم يذكروا في القصاص هذا خلافًا.
وقال الباجي: إن أضجعه فذبحه، أو شق بطنه، وهذا الذي يسميه الفقهاء قتل
غيلة.
فقال مالك: يقتل به، وقال أشهب: لا يقتل به بحال، وتبعه ابن الحاجب، ونقله ابن اقصار عنه، كذا وجدته في اختصار عيون المجالس، في المسائل للقاضي عبد الوهاب.
وقال ابن حارث: اتفقوا في الرجل يضجع ابنه ويذبحه، ويثبت ذلك عليه ببينة أو بإقراره؛ أنه يقتل به، واختلفوا إذا قال: أضجعني أبي وذبحني ومات، فقال ابن القاسم: يقتل به بعد القسامة، سمعه يحيى، وقال أشهب: لا يقتل به في مثل هذا.
قلت: لم يحك ابن رشد قول أشهب بحال، وحكاه الشيخ بلفظ، قال أشهب: لا يقتل في العمد والد ولا والدة بالقسامة، قال: وقال ابن سحنون عنه في قول ابن القاسم: إذا قال: ذبحني أبي؛ أنه يقسم مع قوله ويقتل، وكيف يقبل قول من هو في عداد الموتى، إلا أن يكون ذبحه وبقيت أوداجه، وفي سماع القرينين: من فجرت فولدت ولدًا، فألقته في بئر، إن كانت كثيرة الماء أو في البحر؛ قتلت به.
ابن القاسم: إن ألقته في بئر يابسة يقدر على أخذه منها؛ لم تقتل به.
وفيها: من تعمد ضرب بطن امرأته؛ ففيه القصاص بقسامة، إذا تعمد ضرب بطنها خاصة.
الصقلي: روى ابن القاسم: لو قتل الأب ورجلان ابنه عمدًا؛ قتل هذا الأب والرجلان، وإن كان بالرمية والصدمة؛ لم يقتل به الأب، قال عبد الملك: وعليه ثلث الدية معناه: ويقتل الرجلان، وذكر ابن شاس شركة الأب في قتل ابنه، قال: وسقط القود عن الأب لمعنى فيه، لا في القتل، ألا ترى أن مكره الأب على قتل ابنه يقتل؛ لأن فعله منقول إليه، وعبر عنه ابن الحاجب بقوله: ولذا قتل مكره الأب دونه.
قلت: في النوادر قال ابن سحنون عنه: لو أكره المصر رجلًا على قتل ابنه أو أخيه، ولا وارث له غيره بوحيده يقتل؛ ففعل أنه لا يرث من ماله، ولا من ديته شيئًا؛ لأنه غير مباح له قتله، ولا يخرجه ذلك عند بعضهم من القود، ثم قال: لو أن الأب أكره رجلًا على قتل ابنه، وهو يعقل فقتله، فقال أصحابنا: القود على القاتل، ولا يرث الأب من
الابن شيئًا، ولا قود على الأب.
قلت: وكذا الأب يجرح ولده، أو يقطع شيئًا من أعضائه، بحال ما صنع المدلجي؛ فإن الدية تغلظ فيه.
الشيخ عن المجموعة: تغلظ في الجرح عند مالك، وإن كان ذكر عنه غير ذلك، فالثابت من قوله: وما عليه أصحابه التغليظ، إلا أن يكون عمدًا لا شك فيه، قال ابن القاسم وأشهب: مثل أن يضجعه فيذبحه، أو يدخل أصبعه في عينه تعمدًا لفقئها، ابن شاس: إذا ثبت القصاص؛ فإنما ذلك إن كان ذو الدم، غير ولد الأب، مثل العصبة، قاله في الموازية، ابن الحاجب: شرط القصاص على الأجداد، أن يكون القائم بالدم غير ولد الأب.
قلت: عبر عنه في آخر فصل القصاص بقوله: يكره قصاص الابن من أبيه، وهو نص دياتها، إن كان ولي الدم ولد القاتل، فذكره مالك القصاص منه، وقال: يكره أن يحلفه في الحق، فكيف يقتله، وفسر ابن عبد السلام الكراهة بالتحريم، وفيه نظر، لقول قذفها استثقل مالك أن يحد لولده، قال ابن القاسم: إن قام بحقه حد له.
وفيها مع غيرها لغو فضيلة الذكورية والعدد والعدالة، ولو بقول فاسق: قتلني فلان، والشرف وسلامة الأعضاء، وصحة الجسم لحديث: "المسلمون تتكافأ دماؤهم"، وفي دياتها إن قتل الصحيح سقيمًا أو أجذم أو أبرص، أو مقطوع اليدين والرجلين عمدًا؛ قتل به، وإن اجتمع نفر على قتل امرأة أو صبية عمدًا؛ قتلوا بذلك.
قلت: وقفت في كتاب الاستشفاء لابن العربي، أن إمام الحرمين نقل عن مالك: أنه لا يقتل منهم إلا واحد بالقرعة، قال: وهو وهم.
قلت: لولا قوله بالقرعة؛ لحمل قوله على ثبوت القتل بقسامات.
و ... التكافؤ في أثر القتل لغو: سمع عيسى ابن القاسم: إن أسلم النصراني بعد قتله نصرانيًا؛ قتل به، وأخبرني يحيى عنه: إن لم يكن للقتيل ولي إلا المسلمون؛ فالعفو عنه أحب إلي من قتله.
ابن رشد: ظاهر رواية عيسى قتله، ولو لم يكن للقتيل ولي إلا المسلمون، وهي
رواية ابن نافع، وعليه لا يجوز للإمام أن يعفو عنه، إن كان له مال على غير شيء، ويجوز له صلحه على مال دون الدية، على القول بعدم جبره عليها، وعلى القول بجبره لا يجوز إن كان مليًا بها، وعلى سماع يحيى: يجوز عفوه مجانًا؛ لأنه استحب العفو عنه لحرمة الإسلام، بخلاف المسلم يقتل مسلمًا لا ولي له إلا المسلمون؛ لا يجوز عفو الإمام عنه مجانًا؛ لأنه ناظر للمسلمين فهو كالوصي على الصغير، ولا يجوز عفوه عن دم أبيه مجانًا، ويجوز عفوه نظرًا لليتيم، ابن حارث: إن أسلم كافر بعد قتله كافرًا، فأكثر أصحاب مالك يقتل، وقال محمد بن عبد السلام: لا يقتل؛ لحديث لا يقتل مؤمن بكافر.
الشيخ: لابن سحنون: قال ابن القاسم: إن أسلم نصراني بعد أن جرح فمات؛ فيه دية حر مسلم في مال الجاني حالة، أشهب: إنما عليه دية نصراني، إنما أنظر لوقت الضربة لا للموت، ألا ترى لو قطع مسلم يد مسلم، ثم ارتد المقطوعة يده، فمات مرتدًا، أو قتل؛ أن القصاص في قطع اليد ثبت على الجاني، وليس لورثته أن يقسموا على الجاني فيقتلوه؛ لأن الموت كان وهو مرتد، ولو أسلم الحربي في يد سيده المسلم، ومات عبدًا، فلا قصاص على الذمي في النفس؛ لأنه مات عبدًا، ولورثته القصاص في يده.
ولو كان جارحه مسلمًا؛ فعليه دية نصراني، ثم تكون الدية على ما ذكرنا من الاختلاف فيها، ولو عتق بعد إسلامه؛ فورثته بالخيار، إن أحبوا قطع يد النصراني، وإن أحبوا القصاص في النفس، أقسموا لمات من جرحه، ثم قتلوه في قول غير ابن القاسم.
وإذا جنى مسلم على نصراني، فتمجس النصراني، ثم نزي في جرحه فمات؛ فعليه دية نصراني، في قول أشهب، ودية مجوسي، في قول ابن القاسم: ولو كان مجوسيًا ثم يهوديًا، فعلى قول أشهب: دية مجوسي، وعلى قول ابن القاسم: دية يهودي، وهو قول عبد الملك.
ولو جرح مسلم مسلمًا، فارتد المجروح، ثم نزي فيه فمات؛ فاجتمع الناس على أن لا قود؛ لأنه صار إلى ما أحل دمه، والذمة لم يصر بها إلى ما يحل دمه.
قلت: وتقدم لأشهب: أن القصاص في الجرح ثابت، ولابن سحنون عنه إن رمى عبد رجلًا بسهم، فعتق قبل وصول السهم؛ فالجناية في رقبته؛ لأنه عبد حين الرمية،
فجعل الحكم لخروج الرمية.
قال: وإن رمى مسلم مرتدًا، فأسلم قبل وصول الرمية فقتلته أو جرحته؛ فلا قصاص على الرامي؛ لأنه رمى في وقت لا قود فيه ولا عقل، وعليه في قول ابن القاسم: إن مات؛ الدية حالة في ماله، وإن لم يمت، فدية الجرح في ماله، قالا: لأنه لو جرح وهو مرتد، ثم نزي في جرحه، فمات بعد أن أسلم؛ أن ولاته يقسمون لمات منه، وتكون ديته في ماله، ألا تراه لو رمى صيدًا، وهو حلال، فلم تصل إليه الرمية حتى أحرم، ثم وصلت إليه فقتلته؛ أن عليه جزاؤه، واختلفوا في دية هذا المرتد.
فقال بعض أصحابنا: دية الدين الذي ارتد إليه، وقال ابن القاسم وسحنون: دية مسلم، وكذا لو كان المرمي نصرانيًا، فأسلم قبل وصول الرمية لا قصاص، وفيه دية مسلم.
في قول ابن القاسم وفي قول أشهب: ديته دية نصراني، وينبغي على قوله: لو كان مرتدًا فأسلم قبل وقوع الرمية، أن لا قود فيه ولا دية، وقال سحنون: في عبد رمى رجلًا، ثم أعتق قبل وصول الرمية، أن جنايته جناية عبد، وقال أصحابنا: أجمع في مسلم قطع يد نصراني، ثم أسلم، ثم مات؛ لا قود فيه على المسلم، إن شاء أولياؤه أخذوا دية نصراني، وإن أحبوا أقسموا، ولهم دية مسلم في مال الجاني حالة في قول ابن القاسم وسحنون.
وقال أشهب: دية نصراني، لأني أنظر لوقت الضربة، قال سحنون: وإن قطع يد رجل يد عبد، ثم عتق، ثم ارتد، ثم مات بجرحه؛ لا شيء على القاطع؛ لأنه صار مباح الدم يوم مات، وفي قوله: الأول عليه لسيده ما نقصته الجناية.
واختصره ابن الحاجب فقال: لو زال التكافؤ بين حصول الموجب، وصوول الأثر، كعتق أحدهما أو إسلامه بعد الرمي، وقبل الإصابة، أو بعد الجرح، وقبل الموت، فقال ابن القاسم: المعتبر في الضمان حال الإصابة، وحال الموت، كمن رمى صيدًا، ثم أحرم، ثم أصابه؛ فعليه جزاؤه، وقال أشهب وسحنون: حال الرمي، ثم رجع سحنون، وأما القصاص؛ فبالحالين معا.
قلت: ظاهره أن المستدل بمسألة الصيد ابن القاسم، وظاهر ما تقدم من لفظ النوادر، قالا بضمير التثنية أنه من كلام سحنون وابن القاسم.
الشيخ: عن ابن سحنون عنه: إن قطع رجل يد عبد خطأ، ثم عتق، ثم قطع آخر رجله خطأ، ثم مات من الجرحين، فقلت مع ابن القاسم: يقسم ورثته لمات من الجرحين، وديته على عاقلتي الجارحين أنصافًا، في ثلاث سنين، وإن لم يقسموا، فعلى الثاني نصف الدية في ثلاث سنين، وعلى الأول ما نقصه الجرح يوم الجناية وهو عبد، إن كان أولياه من أعتقه، وإن كان له ورثة؛ فأرش نقصه لسيده، ولو كانت الجناية الأولى عمدًا، والثانية خطأ، فلورثته أن يقسموا عليهما، فيأخذوا من الأول نصف دية حر في ماله حالة، ومن عاقلة الثاني نصفها في سنتين، وإن شاءوا قسموا لمات من الثاني، وأخذوا الدية من عاقلته، ومن الأول ما نقص الجرح من العبد يوم جرحه.
فإن كان له ورثة أخذ قيمة الجرح السيد، قال: وإن كان جرح الأول خطأ، والثاني عمدًا بعد أن عتق، فإن أقسموا على الأول؛ أخذوا دية حر من ماله حالة، واقتصوا من الثاني، وإن لم يقسموا إلا على الثاني؛ فلهم قتله، ولهم على الأول ما نقصه الجرح من ماله، إن كان ولاته من أعتقه، وإن كان له ورثة؛ فأرش الجرح للسيد.
قلت: أليس هذا مثل ما أنكرت على الشافعي، من الحكم في نفس بقتل وأرش، قال: لأن هذين جانيان، وذلك جان واحد، قال: ولو كان الجرحان عمدًا؛ فلهم أن يقسموا لمات من الأول، ويأخذوا من ماله دية حر، ويقتصوا من الثاني، ولو أقسموا عليه قتلوه، ولهم ما نقص جرح الأول، إن كان ولاته من أعتقه، وإلا فأرش نقصه لسيده.
قال: ولو قطع رجل يد العبد، ثم عتق، فقطع آخر رجله، ثم آخر يده الأخرى، ثم نزي في ذلك فمات؛ فإن كانت دنايتهم خطأ، أقسم ولاته لمات من كلها، وعلى عاقلة كل واحد ثلث الدية في ثلاث سنين، وإن لم يقسموا؛ أخذوا من عاقلة كل من الجانبين بعد الأول نصف الدية، وعلى الأول ما نقصه يوم الجناية للسيد، وإن كانت الجنايتان بعد العتق عمدًا؛ فلهم أن يقسموا على أحدهما، ويقتلوه ويقتصوا من الآخر الذي
جرحه، وعلى الأول ما نقصه جنايته يوم جنى السيد، وإن شاء ولاته من أعتقه أو ورثته، أن يقسموا لمات من جناية الأول، وأخذوا من ماله دية حر حالة، واقتصوا من الثانيو الثالث، وإن كانت الأول والثانية خطأ، والثالثة عمدًا، وأولياؤه عصبة؛ فلهم أن يقسموا على الثالث ويقتلوه، ولهم على عاقلة الثاني نصف دية حر في سنتين، وللسيد على الأول ما نقصه، وإن شاءوا أقسموا لمات من الأول والثاني، وأخذوا من عاقلتيهما الدية، نصفها من كل عاقلة في ثلاث سنين، واقتصوا من الثالث.
وإن كانت الجنايات الثلاث عمدًا؛ فلهم أن يقسموا لمات من الأول التي في رقه، وأخذوا من ماله دية حر حالة، واقتصوا من الجنايتين بعد حريته، ولهم أن يقسموا على أحد الجانبيين في حريته، فقتلوه واقتصوا من الآخر، ولمعتقه على الأول ما نقصه، وإن لم يقسموا على أحد، فلهم القصاص من الجانبيين بعد حريته، وللسيد في الأولى ما نقصه.
قلت: ضابطه كلما تعددت ضربات، لا من فاعل واحد تعقبها موت، بعد عتق قبل بعضها، فلأوليائه أن يقسموا لمات من كلها أو منبعضها معينًا، ففيما أقسم على الموت منه خطأ، ديته على عاقلة فاعله، إن كان الخطأ بعد عتقه، ولو من غير المقسم عليه، وإلا ففي ماله، لاعتبار كونه ممن تحمل العاقلة، عقله في الجملة أو ليس منه، لاعتبار احتمال الرقبة، فإن تعددت، قسمت على عواقلهم وعمدًا، والضرب قبل عتقه في مال ضاربه حالة، وفيما لم يقسم على الموت منه، والضرب قبل عتقه، أرشه لسيده، وفيما أقسم عليه بعد العتق، كالحر خطأ وعمدًا، أو فيما لم يقسم عليه منه، كالجناية عليه بذلك حرا.
باب في القطع والكسر والجرح وإتلاف منفعة من الجسم
ومتعلق الجناية غير نفس: إن أبانت بعض الجسم فقطع، وإلا فإن أزالت اتصال عظم لم يبن فكسر، وإلا فإن أثرت في الجسم فجرح، وإلا فإتلاف منفعة فالقصاص في الأطراف، كالنفس إلا في جناية أدنى على أعلى، فلو قطع عبد أو كافر حرًا مسلمًا؛ فطرق الباجي مشهور مذهب مالك؛ لا قصاص، وتلزم الدية، وروى القاضي في قطع الكافر المسلم، يجتهد السلطان، ويتحمل هذه الرواية القود.
اللخمي: قال مالك: لا قصاص، وروى ابن القصار القصاص، قال: وهو القياس، وروى العتبي يمنع في العبد، ويجوز في النصراني، وقال ابن نافع: المسلم بالخيار في القصاص والعقل، وهو أحسن، وكذا في العبد.
وفي سماع القرينين: هل النصراني كالعبد يجرح المسلم، لا قود بينهما؟، قال: العبد قد يؤخذ أحيانًا في ذلك، والنصراني لا يؤخذ، فهو تسليط على المسلم يفقأ عينه، ويعطيه دراهم لعينه أهل دينه، أرى أن يجتهد السلطان في ذلك، قيل: أيقاد منه؟ قال: ما أدري، سحنون: قال ابن نافع: المسلم بالخيار في القود والأرش.
ابن رشد: وقف مالك في ذلك، وصرف ذلك إلى اجتهاد الإمام، إن رأى أن يمكنه من القصاص مكنه، وإن رأى منعه، والحكم بالأرش؛ فعل ذلك، وصرفه إلى اجتهاده، يدل على، أن كل مجتهد مصيب عنده، ولابن عبد الحكم مثل قول ابن نافع وقال: له الدية ولا قود بينهما، فالخلاف إنما هو إن أراد المسلم القصاص، وعلى قول
ابن نافع: للحر أن يقتص من العبد في الجراح كالقتل.
قلت: ظاهر قوله: لا أدري الوقف لا بقيد صرفه إلى الإمام.
قال ابن شاس: في رواية: يجتهد السلطان، قال أصحابنا: تحتمل هذه الرواية وجوب القود، قالوا: وهو الصحيح، قال الأستاذ أبو بكر: وهذا كما قالوا.
قلت: ففي وجوب العقل أو القود، ثالثها: في الكافر يجتهد الإمام، ورابعها الوقف فيه، وخامسها الأول في العبد لا الكافر، وسادسها يخير المسلم، وعزوها واضح، وفي دياتها إن قطع جماعة يد رجل عمدًا؛ فلهم قطع أيديهم كلهم، كالقتل والعين كذلك.
قلت: ويتخرج فيها ما حكاه ابن العربي، عن إمام الحرمين في مسألة قتل الجماعة الواحدة.
الشيخ في المجموعة، وأراه عن عبد الملك: لو قطعه مسلم ونصراني عمدًا؛ قطع الجماعة الواحد.
الشيخ في المجموعة، وأراه عن عبد الملك: لو قطع مسلم ونصراني عمدًا؛ قطع المسلم، ونصف العقل في مال النصراني، مع الأدب، ولو قطعه أربعة مسلمون أحدهم خطأ؛ قطعت أيدي الثلاثة، وعلى المخطئ ربع ديتها في ماله، وذكر ابن القصار مسألة الكتاب، بقيد كونهم قطعوا يده كلهم دفعة
فعبر ابن شاس عن ذلك بقوله: تقطع الأيدي بالواحدة، عند تحقق الشركة، بأن يضعوا السكين على اليد، ويتحاملون كلهم عليها حتى تبين، فلو تميزت الجنايات، بأن يقطع أحدهم بعضًا، ويبينها الآخر، أو يضع أحدهما السكين من جانب، ويضع الآخر السكين من الجانب الآخر، حتى يلتقيا، فلا قصاص على كل واحد منهما في جميع اليد، ولكن يقتص من كل واحد بمساحة ما جرح، إذا عرف ذلك، ابن عبد السلام: لو قطع أحدهما نصف اليد، وابتدأ الثاني القطع من حيث انتهى الأول، وقطع باقيها؛ فإن السكين توضع في قصاص الثاني، في غير الموضع الذي ابتدأ هو به فتأمله.
قلت: هذ لا ينفي التماثل؛ لأن الجاني إنما ابتدأ القطع في طرف، وكونه كان وسطًا طردي، وفي القصاص منه إنما ابتدئ القطع فيه من طرف، وفيما فسم به ابن شاس قول ابن اقصار نظر؛ بل مقتضى المذهب، أنه منهما ثبت تعاونهما على القطع، وجب قطعهما
فلو حبسه أحدهما لمن يعلم أنه يقطعه فقطعه قطعًا، وقد شبهها في المدونة باجتماعهما على القتل.
وقال في كتاب المحاربين: إن ولي بعض الجماعة قتل رجل، وباقيهم عون له قتلوا به قصاصًا، وفي الجراح ما قبل الهاشمة القود.
عياض: أولها لغة الحارصة بحاء وصاد مهملتين؛ هي ما حرص الجلد أي: شقه وهي الدامية؛ لأنها تدمي، والدامعة بعين مهملة؛ لأن الدم يدمع منها، وقيل الدامية أولًا؛ لأنها تخدش فتدمي، ولا تشق الجلد، ثم الحارصة؛ لأنها شقت الجلد.
وقيل هي السمحاق، كأنها جعلت الجلد كسماحيق السحاب، ثم الدامعة؛ لأن دمها كالدمع، ثم الباضعة، وهي التي أخذت في اللحم وبضعته وهي المتلاحمة، وقيل المتلاحمة بعد الباضعة؛ لأنها أخذت في اللحم في غير موضع، ثم الملطا بالقصر، ويقال ملطاة بالهاء، وهي ما قرب من العظم، وبينهما وبينه قليل من اللحم، وقيل هي السمحاق، ثم الموضحة؛ وهي التي كشفت عن العظم.
وفيها حد الموضحة ما أفضى إلى العظم، ولو بقدر إبرة، وعظم الرأس محلها كل ناحية منه سواء، وحد ذلك منهي الجمجمة، لا ما تحتها؛ لأنه من العنق وموضحة الخد كالجمجمة، وليس الأنف، واللحي الأسفل من الرأس في جراحهما؛ لأنهما عظمان منفردان.
عياض: ثم الهاشمة ما هشمت العظم، ثم المنقلة ما كسرته، فيفتقر لإخراج بعض عظامها لإصلاحها، وتختص بالرأس المأمومة؛ وهي التي أفضت إل أم الدماغ، وتختص بالجوف الجانفية؛ وهي التي نفذت إليه.
الباجي عن أشهب: لو أطار أنفه بضربة، ونفذت إلى دماغه؛ ففي ذلك دية وثلث؛ يريد ما وصل للدماغ، حيث كان، فهي مأمومة، وفي التلقين، ويقال في المأمومة الأمة.
وفيها: المنقلة ما أطار فراش العظم، وإن صغر، والمأمومة؛ ما أفضى إلى الدماغ ولو بمدخل إبرة، ولا تكون إلا في الرأس، والجائفة ما أفضى إلى الجوف، ولو بمدخل إبرة.
وفيها لابن القاسم: لا قصاص في هاشمة الرأس؛ لأني لا أجد هاشمة في الرأس إلا كانت منقلة.
قال اللخمي: في ترجمة القصاص: من العظم، وقال أشهب: عند محمد في الهاشمة القود، وقال في ترجمة عقل الموضحة والمنقلة: اختلف في الهاشمة، قال ابن القاسم: لا قود فيها، وقال أشهب: يقاد منه، موضحة إن لم ينقل الأول.
محمد: هذا صواب، إن كان بدأ جرح الأول موضحة، ثم تهشمت، وإن كانت الضربة هشمتها؛ فلا قود؛ يريد: إذا رضت اللحم، وهشمت ما تحتها من العظم، ولو كان ذلك بسيف أو سكين، شقت اللحم، وبلغت العظم، ثم هشمته؛ فله القود من موضحة؛ لأن الجارح لو وقف لما بلغ العظم، كانت موضحة، وإن نقلت بعد الهشم، كان فيها دية المنقلة، ويختلف إذا أحب أن يستفيد من موضحة، فلذلك له عند أشهب، لا عند ابن القاسم.
وفيها: لا قود في المنقلة.
اللخمي: وروى القاضي فيها القود.
قلت: وحكاها ابن الجلاب.
وفيها: مع غيرها، لا قود في المأمومة والجائفة.
وفيها: لمالك: في عظام الجسد القود كالهاشمة، وفي كسر الزندين والذراعين والعضدين والساقين والقدمين والكفين والترقوة.
محمد: وفي كسر الأنف.
وفيها: لا في المخوف، كالفخذ وشبهه، وكسر العظم، كعظام الصدر، إن كان مخوفًا، كالفخذ فلا قود فيه، وإن كان مثل اليد فالقود.
الشيخ: عن ابن عبدوس: لا قود في عظام الصدر، وقاله أشهب، وقال مع ابن القاسم: ولا في عظام العين، وفي القود من الظفر روايتان لها ولغيرها، بناء على أنه كالعظم أو كالشعر لها ولغيرها.
محمد: القود أحب إلي، ابن عبدوس عن المغيرة: لا قود في كسر الصلب، ابن
زرقون: ربيعة يرى القوم في كل جرح، ولو كان متلفًا، وقال محمد بن عبد الحكم: القود في كل جرح، وإن كان متلفًا، إلا ما خصه الحديث بالمأمومة والجائفة، ويقتص من كل ما ليس بمتلف، تتحقق منه المماثلة اتفاقًا، والمشهور لا يقتص من متلف، وما ليس بمتلف، ولا تتيقن في المماثلة ضربان، ضرب لا تتأتى فيه المماثلة لا قصاص فيه، كبياض العين، وضرب تتأتى فيه المماثلة؛ والغالب نفيها ككسر العظام، حكى القاضي فيه روايتين.
قلت: وللباجي عن أشهب: أجمع العلماء أن لا قود في المخوف، قال محمد: وأجمعنا أن لا قود في عظام العنق، والفخذ والصلب، وشبه ذلك من المتالف، وقال عبد الملك: لا قودفي العنق، يصاب بعضها، قل أو كثر، بأنه لا يوقف له على حد، إلا أن تضاف كلها.
وفيها: لمالك: وفي الصلب الدية، ابن القاسم: كل كسر خطأ بريء، وعاد لهيئة، لا شيء فيه؛ إلا أن يكون عمدًا يستطاع فيه القود، فإنه يقتص منه، وإن كان عظمًا، إلا في المأمومة والجائفة والمنقلة، وما لا يستطاع القود منه، فليس فيه شيء م القود، إلا الدية في عمد ذلك، مع الأدب.
قلت: يريد إن لم يعد لهيئته.
الصقلي عن محمد: كل كسر يبرأ ويعود لهيئته؛ فلا شيء فيه؛ لأنه متلف لا قصاص في عمده، فهو كالخطأ، قال فيه.
وفي المدونة: كل كسر يبرأ ويعود لهيئته؛ فلا شيء فيه إلا أربع جراحات: الجائفة والمأمومة والمنقلة والموضحة، إلا أن يكون عمدًا، يستطاع القود منه، فإنه يقاد منه، وإن كان عظمًا.
وفيها: ما برئ على شين، مما لا شيء فيه إن برئ على غير شين، يأتي حكمه في الصلب يبرأ على شين.
وفيها: القود في اليد والرجل والعنق والأنف والأذن والسن والذكر.
وفيها: ليس في جفون العين وأشفارها، إلا الاجتهاد.
قلت: والقود منهما مندرج في قولها والباضعة، وشبهها مما يستطاع منه القود فيه القود.
الباجي عن أشهب: في أشفار العينين القود، قال: وحجاج العين؛ هو العظم المستدير حول العين، يال: هو الأعلى الذي تحت الحاجب، وفي التهذيب: ليس في جفون العين وأشفارها، إلا الاجتهاد، وفي حلق الرأس، إن لم ينبت الاجتهاد، وكذا اللحية، وليس في عمد ذلك قصاص.
قلت: لم أجد هذا اللفظ ولا معناه في المدونة، وفهم بعضهم منه عدم القود في جفون العين، ونص ابن شاس على القود فيهما حسبما قدمنه، وفي الجلاب في الأجفان العين وحواجبهما حكومة.
اللخمي: على قول مالك في السن، تسود الدية تكون في الجفون الدية.
وفيها: وفي الشفتين واللسان، إن لم يكن متلفًا، ومثله للشيخ عن رواية ابن القاسم في المجموعة وفي الموازية، قال أشهب: لا يقاد منه، وقال مالك.
وسمع القرينان: من قطع من لسان رجل، ما منعه بعض الكلام، أحب إلي أن لا يقاد منه، ولم أسمع أنه أقيد منه، ولا أرى أن يقاد منه، أخاف أن تسرى الحديدة، فيذهب كلامه.
ابن رشد: قوله: لا يقاد منه، خوف أن تسرع الحديدة، فيذهب كلامه؛ يريد: أو يذهب أكثر مما ذهب من المجني عليه أو أقل، يبين مذهبه في المدونة؛ لأنه قال فيما يقاد منه: إن كان يستطاع ولا يخاف منه؛ فبين هنا أن ذلك لا يستطاع، وقال أشهب: أنه مخوف.
قلت: ما ذكره من التعليل في السماع، لعدم القود؛ إنما هو في الجناية على بعضه، ولا يتناول ذلك منع القود من جميعه، ولو استدل على منع القود من جميعه، بقوله في السماع: ولم أسمع أنه أقيد منه؛ لكان أبين، وفي الزاهي: في القود منه، إن لم يكن متلفًا خلاف.
وفيها: قيل فإن أخرج الأنثيين، أو رضهما عمدًا، قال: قال مالك: فيهما القصاص
ولا أدري ما قوله في الرض، إلا إني أخاف أنه متلف، فإن كان متلفًا؛ فلا قود، وكذا كل متلف، واختصرها أبو سعيد بلفظها، لعدم جوابه عن إخراجهما.
وقال الشيخ: قال أشهب في المجموعة والموازية: إن قطعتا أو أخرجهما؛ ففيهما القود لا في رضهما؛ لأنه متلف، وفي الشفتين القود، لاندراجهما في عموم ما ليس بمخوف، وحكم ديتهما مع الأنثيين في الديات.
وفيها: لا قود في اللطمة، ابن القاسم: وفي ضربة السوط القود، سحنون: وعن مالك: لا قود فيه كاللطمة، وإن قطع بضعة من لحمه ففيه القود.
قلت: يريد بشرط المماثلة محلًا وقدرًا.
الشيخ عن المجموعة: قال أشهب: لا قود في اللطمة، ولا الضربة بالسوط، أو بالعصا، أو بشيء من الأشياء، إن لم يكن جرح؛ لأنه لا يعرف حد تلك الضربة، والضرب من الناس مختلف، وفي دياتها إن أوضحه موضحة عمدًا، فذهب بما سمعه وعقله، أقيد من الموضحة بعد البرء، فإن برئ الجاني ولم يذهب سمعه وعقله بذلك؛ كان في ماله دية سمع الأول وعقله، وقد يجتمع في ضربة واحدة قود وعقل، ولو قطع أصبعه عمدًا، فشلت بذلك يده، أو أصبع أخرى اقتص من الجاني؛ فإن برئ، ولم تشل يده؛ عقل ذلك في ماله.
قال مالك: هذا أحب ما في ذلك إلي من الخلاف، ومثله للشيخ عن ابن القاسم وأشهب في المجموعة، قال أشهب في الموازية: دية ذلك على العاقلة، وكذا لو ترامت إلى ذهاب يد أو رجل.
قلت لمحمد: قد قلت عنهما فيمن قطع أصبع رجل، فشلت يده، واقتص من الجاني، ولم تشل يده؛ دية بقية اليد في ماله.
قال ابن القاسم وعبد الملك وأصبغ: يجعلون غايتنا من إليه العمد، ما بقي منه بعد القصاص في ماله؛ لأن العمد جره.
وقال أشهب: إن تناهى إلى مزيد فيه نفسه، مثل أن لو كان خطأ، لم تكن فيه دية جرحين؛ بل دية جرح واحد، وهو الأكثر، فهذا ما تأسى إليه في ماله، وما يتأسى إلى
جارحة أخرى يكون على عاقلته، كالعمد الذي لا يقدر على القصاص منه، وهو في الجاني قائم.
محمد: وأحب إلينا أنه في ماله؛ لأن العمد جره، ولو كان على ما قال، لكان إذا ترامى إلى النفس، كان على العاقلة، ولم يقله أحد، ولابد فيه من القصاص؛ يريد بقسامة؛ لأن أصله عمد.
وقاله أشهب، وفي المجموعة لأشهب: إن شجه مأمومة، تنامت لذهاب عقله وسمعه وبصره، وغير ذلك، ولو إلى عشر ديات، فله دية كل واحد ما بقيت النفس، فإن ذهبت النفس، فليس فيه إلا دية واحدة.
المغيرة: إن ذهب بالمأموم عقله، فله الدية في العقل، وثلثها في المأمومة، وكذا إن سقط شقه منه؛ فله عقل ما أصاب من يده ورجله، سوى عقل المأمومة، ولو صارت الموضحة منقلة، ففي لزوم عقلها، أو القود من الموضحة؛ فإن لم تصر منقلة عقل له ما بينهما، ثالثها: يخير فيهما، لابن رشد عن آخر أقوال مالك، وأولها: مع سحنون عن ابن القاسم، وأحد أقوال مالك، قال: وقول ابن القاسم، هو القياس على ما أجمعوا عليه في ترامي الجرح إلى شيء آخر، كالموضحة تذهب منها عينه.
وكذلك لو آلت ملطاة إلى موضحة، يخير في القود من الملطاة، وأخذ عقل الموضحة على أحد قولي مالك، وعلى قوله الآخر؛ ليس له إلا عقل الموضحة، لا القود منها آل إليه الجرح، إنما فيه العقل، وعلى قول مالك الأول، وقول ابن القاسم يقتص من الملطاة، فإن صارت موضحة، وإلا عقل له ما بينهما.
قلت: وسمع القرينان، إن صارت الملطاة عمدًا موضحة، ولم تستوضح في الجاني عقلت له الموضحة، قيل لمالك: أتعقل له الموضحة كلها، أو ما بين الموضحة والملطاة؟ قال: لا أدري.
سحنون: قال ابن نافع: له عقل الموضحة كلها؛ لأنه ليس دونها عقل.
ابن رشد: يدخلها الثلاثة الأقوال، وقوله: له عقل الموضحة، كلها بعيد عن القياس؛ لأنه قد اختص من بعضها، وإن لم يكن للملطاة عقل مسمى عند مالك،
فيجب عليه إلى قدر جرح الملطاة، ما هو من جرح الموضحة، فإن كان ثلثه أو ربعه؛ حط من عقل الموضحة ثلثه أو ربعه؛ لأنه أخذه في القود، وقد روى عن عمر وعثمان رضي الله عنهما أنهما قضيا في الملطاة بنصف دية الموضحة.
وقال زيد بن ثابت: في الدامية بعير، وفي الباضعة بعيران، وفي المتلاحمة ثلاثة أبعرة، وفي الملطاة أربعة أبعرة، إن كانت في الرأس، فعلى هذا يكون له إن اقتص من الملطاة، ولم تصر موضحة بعير واحد، إلا أن مالكًا لم يقله.
وقال في الموطأ: لم يقض الأئمة في القديم، ولا في الحديث عندنا، فيما دون الموضحة بعقل، فيحمل ما روي عن عمر وعثمان وزيد، أنه حكومة على وجه الاجتهاد.
قلت: فالحاصل ما يتنامى إليه أربعة أنفس، فيندرج فيها الأول قودًا في العمد، ودية في الخطأ، إن قام ذو الحق بحقه فيها دونه وغيرها، فإن كان الأول جزءًا منه، وفيه القود، كالأصبع مع اليد؛ فعقل الثاني في ماله، ولا قود فيه اتفاقًا فيهما.
وإن كان لا قود فيه، كالمنقلة تصير مأمومة بعقل الثاني فقط، وإن لم يكن جزءًا منه وفيه القود، كالموضحة مع السمع، ولم يتنام في الجاني، ففي كون عقل الثاني في ماله، أو على العاقلة قولان.
وإن لم يكن فيه القود، فعقل الأول على حكمه.
وفي كون الثاني في ماله، أو على العاقلة قولان، وقول ابن الحاجب بعد ذكه قولي ابن القاسم وأشهب، وكذلك السراية إلى يد أو رجل، يقتضي عموم قول أشهب فيها، هو جزء من المترامي إليه، كالأصبع مع اليد، وتقدم أن قوله فيه كابن القاسم.
وفي الموازية قال: الفرق بين تنامت الجرح إلى النفس وإلى غيرها، وأن قصاص النفس يسقط كل جرح قبلها، ولو قطعت يداه ورجلاه، ثم نزى في ذلك ومات؛ لم تجب لهم دية الجراح، حتى يقسموا أنه مات من جراحاته، فيأخذوا ديتين، فإن نكلوا، حلف القاتل خمسين يمينًا، أنه ما مات منها، ولو مات مكانه كانت نفسًا، وسقطت الجراح، وقتل في العمد، ولزمت الدية في الخطأ.
قلت: كذا هو في النوادر، وفي نسخة عتيقة، والصواب أن يحلف ولاة القتيل، أنه ما مات من جراحاته؛ فيكون حلفهم على نفس موته من جراحاته، فإن نكلوا حلف الجاني على العكس فتأمله.
ويؤيده قوله في الرواية: لو مات مكانه؛ كانت نفسًا، وذكر الصقلي بعض هذا، وقال: لما كان القتل يسقط كل جرح قبله؛ صار الجرح لغوًا، ولما كان الجرح لا يسقط ما تقدمه من جرح، موضعه في الجارح قائم، وجب بقاء حكم الجرح الأول.
ابن رشد: لو ضربه مأمومة، فذهب عقله؛ ففي غرامة ديتها، مع الدية في العقل، أو دية العقل فقط قولان، على قول مالك، مع متكلمي أهل السنة، أن محل العقل القلب، وقول ابن الماجشون مع أبي حنيفة والمعتزلة: أن محله الرأس.
قلت: تقدم عزو الأول للمغيرة أيضًا.
الباجي: من نتف لحية رجل، أو رأسه أو شاربه، فقال المغيرة: لا قود فيه، وفيه العقوبة والسجن، وقال ابن القاسم: فيه الأدب، قال القاضي: قال أصبغ: فيما أحسب فيه القصاص بالوزن، وعاب ذلك غيره، وقال المغيرة: لا يجوز ذلك، لاختلاف قدر اللحى بالعظمة، ولو أقاد جميع اللحية بجميع اللحية؛ كان صوابًا، وأما البعض ففيه العقوبة.
وفيها: إن انخسفت العين أو ابيضت أو ذهب بصرها، وهي قائمة خطأ، ففيها الدية، وإن كان عمدًا فخسفها خسفت عينه، وإن لم تنخسف، وبقيت قائمة، وذهب بصرهاح فإن استطيع القود أقيد منه، وإلا فالعقل، قال: والبياض بمنزلة القائم العين، إن استطيع منه القود أقيد، وإلا فالعقل.
أبو عمر: من ضرب عين رجل، فأذهب بصرها، وبقيت قائمة، ففي عمد ذلك القود، وأرفع ما جاء في ذلك، أن عثمان أوتي برجل لطم عين رجل، فذهب بصره، وعينه قائمة، فأراد عثمان أن يقيده، فأعيا ذلك عليه وعلى الناس، حتى أتاهم علي فأمر بالمصيب، فجعل على عينه كرسفًا، ثم استقبل به عين الشمس، وأدنى من عينه مرآة، فالتمع بصراه، وعينه قائمة.
وروي أن عليًا أمر بامرأة فأحميت، ثم أدنيت من عينه، حتى سالت نقطة عينه، وبقيت قائمة مفتوحة.
وفيها: من ضرب يد رجل فشلت؛ ضرب الضارب، كما ضرب، فإن شلت يده، وإلا فعقلها في ماله.
الصقلي عن أشهب: هذا إن كانت الضربة خرج فيه القود، ولو ضربه على رأسه بعصا، فشلت يده فلا قود، وعليه دية اليد.
قلت: في كونه تقييدًا، أو خلافًا نظر، والأظهر الأول، وقال أبو حنيفة: إنما عليه الدية، دون قود مطلقًا.
قال ابن عبد السلام: كذا ينبغي أن يكون على المذهب؛ لأن المشهور، أن لا قود في الضرب بالعصا، فالشلل ناشئ عما لا قود فيه، فإذا تعذر القود؛ وجبت الدية.
قلت: نفي القود في الضرب مقيد، بكونه لم يؤثر شيئًا، حسبما تقدم للشيخ عن أشهب، وشلل اليد شبيه بالموت، فإن فيها دية مسماة.
وتشترط المماثلة في العضو ومحله من الجسد فيها، لا يقتص من اليد أو الرجل اليمنى باليسرى، ولا العكس، وكذا العين ولا سن، إلا بمثلها في صفتها وموضعها الرباعية بالرباعية، والعليا بالعليا، والسفلى بالسفلى، وإلا فالعقل.
قلت: وبمقتضاه قال ابن شاس: لا تقاد السبابة بالوسطى، ولا أصبع زائدة بمثلها عند اختلاف المنبت.
قلت: وكذا السن، وللشيخ عن محمد عن أصبغ: قال أشهب: إن قطع مقطوع الأنملة من أصبعه أنملتين من أصبع رجل مثلها، فعليه عقل الأنملتين، ولا قصاص له، وقال عنه غير أصبغ: يعقل له الأنملة العليا، ويقتص من الوسطى.
وفيها: إن ذهبت يمين من قطع يمين رجل، هل بقطع من الله، أو بقطع من سرقة أو قصاص؛ فلا شيء للمقطوعة يمينه، ولو فقأ أعين جماعة اليمنى، وقتا بعد وقت، ثم قاموا عليه؛ فلتفقأ عينه لجميعهم، وكذا اليد والرجل.
قلت: لابن الحارث: إن كان للقاطع وقت القطع يمين، ثم ذهبت بأمر من الله
فروى ابن سحنون: لا شيء للمقطوعة يده، وقال غيره من أصحاب مالك: تجب الدية، سحنون: قول مالك هو الصواب.
وفيها: من قتل رجلًا عمدًا، ثم رجلًا آخر عمدًا؛ قتل ولا شيء عليه لهم، قال ابن عبد السلام: إذا تعمد القاضي قتله لواحد منهم، على مذهب من يرى لأولياء الدم الخيار في جبر القاتل على الدية، فقد منع الباقين من أخذ الدية، وفي تضمينه حينئذ ما منعهم منه نظر.
قلت: في قوله نظر؛ لأن النظر إنما يكون في الحكم المشكل، غير الواضح جريه على القواعد، ومن البين أن قاتل رجلين، لكل منهما ولي يخصه، لو أراد أحدهما جبر القاتل على الدية، وأراد الآخر قتله؛ أن القول قول من أراد قتله، ولا غرم عليه، ولا على القاتل للولي الذي أراد جبره على الدية.
ابن حارث: اتفقوا في جراح العمد في الجسد، أن القصاص فيها، على قدر الجرح في طوله وعمقه، فإن كانت موضحة في الرأس، فقال ابن القاسم: القود على قدر الموضحة.
وذكر ابن عبدوس عن أشهب، أنه على قدر جزئها من الرأس، أصبغ: وإليه رجع ابن القاسم، وقال سحنون: ما زعم أصبغ، أنه رجع إليه، هو قوله أولًا، ورجع إلى القود على قدر الموضحة.
وسمع القرينان في طبيب استقاد من أصبغ، قاس أصبع المقطوع، وقطع من القاطع قدر ذلك القياس؛ فنقص من المستقاد منه، أكثر مما قطع من المستقاد له، لقصر أصبع المستقاد منه عن أصابع المستقاد له، أخطأ وبيس ما صنع، والصنع في ذلك، أن يقيس الأنملة المقطوع بعضها، فإن كان المقطوع منها ثلثًا أو ربعًا؛ قطع من أنملة القاطع ثلثًا أو ربعًا.
ابن رشد: لا اختلاف في هذا، كما تقطع الأنملة بالأنملة، كانت أطول أو أقصر، وإنما اختلف في الجراح في الرأس، أو في عضو كالذراع أو العضد ونحوه، فذكر قولي ابن القاسم، وقول أشهب.
قال: وقال محمد: الأمر كما قال أشهب، وقال ابن القاسم قديمًا: أنه يقاد بقدر الجرح الأول، وإن استوعب رأس المستقاد منه؛ يريد: ولو لم يف بالقياس، فليس عليه غير ذلك، وكذا الجبهة والذراع؛ يريد: ما لم يصن عنه العضو، فلا يزاد من غيره.
والصحيح عنده قوله ابن القاسم القديم، لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾؛ لأن الألم في الجرح، إنما هو بقدر عظمه، وطوله وقصره لا بقدره من الرأس.
قلت: قال الباجي: وعلى قول ابن القاسم في اعتبار طول الشق، إن قصر رأس الجاني على قدر الشق، فليس عليه غير ذلك، لا يتعدى الرأس إلى الجبهة، ولا الذراع إلى العضد، ولا قود في الباقي ولا دية.
وقال عبد الملك: يؤخذ الباقي فيما جاوزه في الذراع، من أي ذراعيه شاء من نحو العضد، أو نحو الكف؛ لأن ذلك قد وضع فيه الحديد لا من الآخر، وفي الموازية والمجموعة لابن القاسم: ما زاد الطيب في القود خطأ فعلى عاقلته.
قلت: مفهومه إن زاد عمدًا فالقصاص، وهو واضح من إطلاق الروايات في النوادر، ومن الواضحة: إن تعمد الطبيب والخاتم والمعلم قتلًا أو قطعًا أو جرحًا بغير حق، ولا شبهة فعليه القود.
ابن عبد السلام: لا يمكن في الغالب؛ لأن زيادة الطبيب إنما هي بعد حصول الواجب، فإذا طلب القود منه في الزيادة، لم يوصل إليهما منه، إلا بعد تقدم جرح، يكون هذا الزائد متصلًا به، فيتعذر القصاص منه في ذلك، فإن برئت تلك الزيادة على غير عثم؛ وجب أدبه فقط، وإلا أدب مع الحكومة في ماله، وإن جاوزت الثلث.
قلت: هذا مثل ما قاله في الاجتماع على قطع يد رجل، ويعقبه القصاص من الثاني، وقد تقدم جوابه فتذكره.
وسمع أصبغ ابن القاسم: إن قص من اقتص من موضحة عن الحق، وعلم ذلك بالحضرة قبل البرء، ونبات اللحم؛ أتم ذلك، وإلا فلا تمام له، ولا عقل له؛ لأنه قد اجتهد.
أصبغ: لا يعجبني قوله جملة، وأرى إن نقص يسيرًا جدًا، فالقول مما قال، وإن كان
كثيرًا متفاحشًا أو متفاحشًا؛ فإن كان في حرارته ودمه، أتم القصاص، وإن برد وأخذه الدواء، لم يتمه؛ لأني أخاف أن يكون متلفًا أو عذابًا، ويكون الباقي عقلًا، ولا يبطل كمن يقتص فيما ترامى، وبين المقتص منه، وإن كان هذا المقتص لنفسه ممن ناله.
ابن رشد: قول أصبغ حسن؛ هو تفسير لقول ابن القاسم، فما قصر فيه على ثلاثة أقسام يسير جدًا كالعشر، ولا يتمم ولا يأخذ فيه شيئًا، ولو بالقرب قبل أن يبرد ويأخذه الدواء، كما قال أصبغ في اليسير جدًا، ويسر كالربع، وما دون الثلث، إن كان قبل أن يأخذه الدواء، وينبت اللحم؛ اقتص له تمام حقه، وإن أخذه الدواء؛ لم يقتص له تمام حقه، ولا شيء له فيه.
كما قال ابن القاسم، وإن كان كثيرًا كالثلث فما فوقه؛ اقتص له تمام حقه، إن كان قبل أن يبرد، ويأخذه الدواء، وإن كان بعد أن أخذ الجرح الدواء؛ عقل له تمام حقه كما قال أصبغ.
قلت: ظاهر قول أصبغ لا يعجبني قوله جملة، إن قوله عنده خلاف لا تفسير، وفي الموازية والمجموعة، قال أصحاب مالك عنه: المجمع عليه عندهم، أن ليس في العين القائمة التي ذهب بصرها إن فقئت، وفي اليد الشلاء تقطع، إلا الاجتهاد، وكذا الأصابع، إذا تم شللها ثم قطعت، وكذا ذكر الخصي، ولسان الأخرس.
قال مالك: وذكر الخصي هذا عسيب، قطعت حشفته.
وفي كتاب الجراحات منها: في شلل الأصابع ديتها كاملة، ثم إن قطعت بعد ذلك عمدًا أو خطأ؛ ففيها حكومة لا قود في عمده.
القاضي عن ابن القصار: في اليد الشلامء حكومة، وبه قال أهل العلم كافة، وحكي عن داود أن فيها دية صحيحة، ولا تقطع الصحيحة بها، وبه قال أهل العلم كافة، وحكي عن قوم: أنه يقاد من الصحيحة بالشلاء، وينبغي أن يكون هذا مذهب داود.
الشيخ في المجموعة لابن القاسم وأشهب: في أشل اليد أو الأصابع يقطعها صحيح، لا قود فيها إذ لا يقدر عليه بقدر ما بقي منها، وله من العقل بقدر ما بقي منها، وله من العقل بقدر ما بقي بالاجتهاد.
وروى ابن القاسم في مال الجااني: يريد وإن تم شللها؛ ففيها حكومة وفي دياتها، وإن قطع أشل اليد اليمنى يمين رجل؛ فله العقل ولا قود له.
الشيخ: قال يحيى بن يحيى: عن ابن القاسم: إن كان الجاني أشل اليد خير مقطوع اليد السليمة في القود منها أو العقل، وفي الموازية أنها له العقل.
ومثله في الأسدية، قال محمد: وقال مالك وابن القاسم وأشهب، وقاله ابن عبدوس، وقال أشهب في الكتابين: إن كان شللًا رأسًا أو كثيرًا؛ أذهب أكثر منافع يده، وأما الخفيف؛ فله أن يقتص.
وكذا عين فاقئ عين سليمة، إن كانت ناقصة النظر، وهو ينظر بها وبها بياض أم لا؛ له القود فإن ذهب أكثرها؛ فلا قود.
ولابن رشد في سماع القرينين: إن كانت جل منفعة عين الجاني أو يده باقيا؛ فالمجني عليه بالخيار في القود والعقل اتفاقًا، وإن ذهب كل منفعتها أو جلها؛ ففي تخيير مطلقًا، وإن بقيت فيها منفعة.
ولو قلت: ثالثها ما لم يذهب جل منفعتها لسماع يحيى ابن القاسم، وهذا السماع وأشهب في الموازية والمجموعة، وفي دياتها إن قطع أقطع الكف اليمنى يمين رجل صحيح من المرفق؛ فللمجني عليه العقل أو قطع الذراع الناقصة من المرفق، ومثله في الموازية.
وقال أشهب في الموازية والمجموعة: ليس له إلاى العقل، ونقل ابن الحاجب قولها في مسألة أقطع الكف إثر قوله، وقيل: يخير في قطع الشلاء، فيفهم عنه بعضهم بذلك مناقضته قولها في الشلاء، وقولها في أقطع الكف.
وفي تعليقه أبي عمران: الفرق بين من قطع يمين رجل، ويمينه شلاء؛ أنه ليس للمقطوعة يده إلا العقل، وبين من قطع يمين رجل، ويمينه مقطوعة الكف، أو الثلاثة الأصابع منها؛ أنه مخير في القود والعقل، أن اليد الشلاء كالميت، والميت لا يقتص منه، والذي قطعت أصابعه أو كفه بقيت تدعوه هو بعض حقه.
وقال ابن الحاجب: الذكر المقطوع الحشفة، كالأقطع الكف، وعين الأعمى