المختصر الفقهي لابن عرفةصفحات 301-340

كتاب الشهادات

صفحات 301-340

المازري: ورد الشهادة بتهمة الحرص علي قبولها ما قد قيل، إذا حلف الشاهد على صحة شهادته إن حلفه قادح فيها؛ لأن حلفه كالعلم على التعصب والحمية.
قال: واختلف إذا قاموا الشهود، وخاصموا في حقوق الله، فأسقط ابن القاسم شهادتهم؛ لأن خصامهم علم على شدة الحرص على إنفاذ شهادتهم، والحكم بها، وشدة الحرص على إنفاذها قد يحمل على تحريفها أو زيادة فيها.
وقال مطرف: شهادتهم تامة؛ لأنه في أمور الآخرة، وقد قدمنا أن العداوة في حق الله لا تؤثر في الشهادة، وذكر الباجي في قول عمر: لا تجوز شهادة خصم، ولا ظنين من قام يطب حقاً لله؛ لم تقبل شهادته فيه، قاله ابن القاسم في العتيبة، وقال مطف: شهادته جائزة.
قلت: ونحوه لابن رشد، وتقدم ذكر كلامه في ذكر الخصومة، فجعل المازري المانع حرصه على القبول خلاف كونه الخصومة، وقول ابن الحاجب في مانعية الحرص على الشهادة في القبول، وفي القبول؛ كمخاصمة المشهود عليه في حق الآدمي، إن أراد بتوكيل من المشهود له، فهو نقل الباجي عن ابن وهب: الوكيل على خصومة لا تقبل شهادته فيما يخاصم فيه، وإلا فهو أحرى في عدم القبول.
السابع: المازري: تعرض التهمة من جهة الشذوذ في العادة، ومخالفة الشهادة، ومنه نقل ابن حبيب حديث أبي هريرة: ((لا تقبل شهادة البدوي على القروي)).
قلت: خرجه أبو داود بلفظ: ((لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية)) (1)، وصححه عبد الحق بالسكوت عنه، ولم يتعقبه ابن القطان.
الشيخ عن ابن عبد الحكم: مالك: فتأويل ذلك في الحقوق إذا شهدوا في الحاضرة؛ لأنها تهمة إن شهد أهل البادية دون من معه من أهل الحاضرة، وأجازها في الدماء والجراح، وحيث تطلب الخلوات، والبعد من العدول، وروى نحوه ابن وهب.

وفي المجموعة: شهادة البدوي على القروي بالبادية؛ جائزة مثل أن يحضره بها الوفاة، فيوصي، أو يبيع فيها، أو يبتاع.
قال ابن القاسم في الكتابين: وتجوز شهادتهم في رؤية الهلال إن كانوا عدولاً، ورواه محمد.
ولابن رشد في رسم القبلة من سماع ابن القاسم حاصل هذا السماع، وما ذكره ابن حبيب عن مالك وأصحابه: أن شهادة البادية في ما يقصد إلى إشهادهم عليه دون الحاضرة فيما يقع بالحاضرة من عقود معاوضة، ووصية، وعتق، وتدبير، وشبهه؛ لا تجوز، فلا شهادة لبدوي في حضر على حضري، ولا على بدوي لحضري، ولا بدوي إلا في الجراح، والقتل، والزنا، وشب الخمر، والضرب، والشتم، وشبهه مما لا يقصد الإشهاد عليه، ويجوز فيما يقع بالبادية من ذلك كله على حضري أو بدوي، فعلى هذا لو حضر أهل بادية شيئاً مما يقع في الحاضرة بين أهلها، وغيرهم من معاملة، وغيرها دون أن يحضروا ذلك، أو يقصد إلى إشهادهمو فشهدوا بما حضروا؛ جازت شهادتهم إن كانوا عدولاً.
وقال ابن وهب: وروى ابن القاسم خلاف هذا: أنه لا تجوز شهادة البدوي على الحضري لما فيه من الظنة؛ يريد إذا شهد على حضرى لبدوي مثله في شئ من الأشياء في حضر أو بادية، ومن هذا المعنى شهادة العالم على العالم في المبسوطة من قول ابن وهب: لا تجوز شهادة القارئ على القارئ؛ يعني العلماء؛ لأنهم أشد الناس تحاسداً وتباغياً، وقاله سفيان الثوري، ومالك بن دينار.
وفيها: لا تجوز شهادة السؤال إلا في التافه اليسير إن كانوا عدولاً، ونحوه في سماع يحيي لان وهب، وفي فظه اضطراب.
ابن رشد: تبع من أدركناه من الشيوخ تأويل ابن حارث قول ابن وهب، فقالوا: المسألة العامة تبطل الشهادة اتفاقاً، والخاصة كذلك في أحد قولي ابن وهب غير مفرقين بين صريح السؤال والتعريض به، والتلطف فيه مع التستر، وتأويل المسألة عندي أن من عرف بالتصريح بالسؤال في خاص أو عام؛ ردت شهادته إلا أن يكون لسبب يعذر

به فلا ترد.
قال في المجموعة: من نزلت به مصيبة الحاجة، فسأل بعض إخوانه غير مشهور بالمسألة؛ لم ترد شهادته، وقاله ابن كنانة في المجموعة، وكتاب ابن سحنون، وكذا إن رزي برزية كدية وقعت عليه، ومن أخذ الصدقات بكل ما يقدر عليه من التعريض والإلطاف مع التستر عن السؤال؛ جازت شهادته، قلت: ذكر قوله.
قال في المجموعة إثر كلام لا يصلح معه عود ضمير قال: إلا على قول ابن وهب، وهو في النوادر لابن أبي حازم، لا لابن وهب.
اللخمي: اختلف في الفقير المتكفف، قيل: تجوز شهادته في اليسير.
وقال ابن وهب في الحسن الحال الظاهر الصلاح: يسأل الصدقة ممن يعطيها لأهل الحاجة، أو يسأل الرجل الشريف الصدقة، وهو معروف بالمسألة، ولا يتكفف الناس؛ ترد شهادته إلا أن يكون ممن يطلب الصدقة عند الإمام، أو إذا فرقت وصية، والمعترض لأخوانه؛ جازت شهادته، وأرى إن كان لا يسأل، وإن أعطى أخذ؛ جازت شهادته، ولا تجوز شهادة أحد من هؤلاء لمن عادته رفقه أو يرجوه منه.
قال: والفقير الذي لا يقبل الصدقة شهادته في اليسير جائزة، واختلف في الكثير قيل: يجوز.
وقال ابن كنانة: لا تقبل في الكثير كخمسمائة دينار؛ يريد: إن كانت بوثيقة؛ لأن العادة أن يقصد بالوثائق غير هؤلاء، ولو قال: سمعته أقر بذلك؛ رأيت قبولها، ولو كثر، وكذا إن كان منقطعاً في الصلاح، أو ممن اشتهر بالشهادة، ويقصد بالكتب للوثائق.
المازري: ظاهر المذهب قبول شهادته مطلقاً، وقول ابن كنانة: لا تقبل في الكثير إن لم يكن ظاهر العدالة قول انفرد به بعيد عن ظاهر الشرع وقاعده.
قد قال جماعة من العلماء: إن الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر، قد افتقر أبو بكر رضي الله عنه حتى تخلل بالعباء، وما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم ثلاث ليال متواليات (1).

قلت: ذكره أبو بكر في هذا المقام غير مناسب؛ بل كل من كان فقره بإخراجه ماله طوعاً في الله، الثقة بشهادته أكثر من الثقة بشهادة الغني الباقي ماله بيده، وما محل النزاع مع ابن كنانة إلا الفقير الأصلي.
ونقل المارزي قوله: لا تقبل في الكثير إذا لم يكن ظاهر العدالة أصوب من نقله.
اللخمي: لا يقبل في الكثير مطلقاً؛ لأنه في النوادر كما نقله المازري.
وجرحه الفسق تزول بالتوبة الشرعية: وهي مستوفاة في علم الكلام الذي هو أصل أصل الفقه.
المازري: لا تقبل شهادته بمجرد قوله: ثبت إنما تقبل بدلالة حاله، والقرائن على صدقه مع اتصافه بصفات العدالة، ولا توقيت في ذلك، ووقته بعض العلماء بسنة، وبعضهم بشطرها، والصحيح ما قلنا: قلت.
الشيخ في المجموعة عن ابن كنانة: من كان يعرف بالصلاح، فمعرفة توبته من قذف يطول ليس كمن كان معلناً السوء؛ لأن من عرف بالخير؛ لا يتبين تزيده فيه إلا بالترداد عليه، وقول ابن الحاجب: وقيل: لابد من مضي سنة، وقيل: ستة أشهر؛ ظاهره أنه في المذهب، وليس كذلك.
وفي الرجم منها مع المجموعة عن ابن القاسم وأشهب: لا ترد شهادة القاذف حتى يجلد، وقاله سحنون.
وقال عبد الملك: يقذفه سقطت، وثبوت توبته؛ يوجب قبولها، وتقدم فيه قول ابن كنانة.
المازري: المعتبر في توبته ما تقدم في غيره، فإن كان قبل قذفه عدلاً صالحاً زكياً؛ فتوبته بزيادة درجة في الصلاح عن ما كان عليه.
قلت: هذا إن كان حده بقذفه جرأة، أو سباً، أو غضباً، ولو كان في ذلك بانقلاب شهادته قذفاً؛ لرجوع أحد الثلاثة معه، أو اختلاله في وصف الزاني؛ فالأظهر عدم

اعتبار زيادة صالحه.
وفي شرط توبته بإكذابه نفسه في قذفه المازري عن القاضي إسماعيل كالشافعي، وقول مالك.
وفي سرقته: ما لو حد نصراني في قذف، ثم أسلم بالقرب؛ قبلت شهادته، فلم يقيدها الصقلي.
وقال الشيخ في مختصره عن سحنون: يتوقف في شهادته حتى يعلم صلاحه، وقد تقدم هذا.
ابن الحاجب: وزوال العداوة كالفسق.
قلت: لا أعرف هذا لغيره، وتقدم سماع أشهب في الرجلين يختصمان، ثم يشهد أحدهما على صاحبه بعد سنين.
قال: إن صار أمرهما إلى سلامة وصلح؛ فذلك جائز.
ابن رشد: صيرورة أمرهما إلى صلح هو أن يرجعا إلى ما كانا عليه قبل الخصومة، ومثله في سماع سحنون، ونوازل أصبغ، وفي إجزائها.
ابن الحاجب: على رفع الفسق نظر؛ لأن ثبوت عدالة الشاهد شرط في قبول شهادته ينظر القاضي في ثبوتها ضرورة، وهو مستلزم لرفع فسقه أو بقائه، وأما العداوة؛ فلا نظر للقاضي في رفعها؛ لأنها مانع يبديه المشهود عليه، فإن أثبتها، ثم شهد عليه بعد ذلك؛ احتمل النظر في تكيفه إثباتها ثانياً؛ لاحتمال ارتفاعها، وعدمه؛ لاحتمال بقائها، والأظهر تخريجها على حكم من عدل في شهادة، ثم شهد شهادة أخرى هل تستصحب عدالته أو يستأنف إثباتها؟ وقد تقدمت.
وفي الرجم منها: إن علم بعد الجلد أو الرجم أن أحدهم عبد حد الشهود أجمعون اللخمي: إن ثبت أن أحدهم عبد نقض الحكم، قاله مالك وأصحابه ولو قيل بمضيه؛ كان له وجه؛ بل هو أولى من إمضائه إن ثبتت جرحته؛ لأن شهادة الفاسق مردودة اتفاقاً، والعبد أجاز شهادته علي، وأنس، وشريح، وزرارة بن أبي أوفي، وابن سيرين، وأجازها الحسن، وإبراهيم في اليسير.

وحكى ابن القطان عن أحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وداود: أنها تقبل في كل ا?شياء كالحر.
وذكر ابن عبد السلام تخريج اللخمي، ورده إدراك الحاكم حرية الشاهد تحصل له بعلم أو ظن قريب منه، والعدالة خفية لا تدركها إلا بظن أضعف من ظن الحرية، فخطؤه في الحرية؛ كخطئه في أمر قطعي أو شبهه، فوجب نقضه وخطؤه في العدالة؛ كخطئه في أمر ظني؛ فلا يجب نقضه.
قلت: هذا الذي تعقب به كلام اللخمي أشار إليه المازري فقال ما نصه: ليس الأمر كما تصور؛ لأن الأصول تقتضي أن الحكم الثاني إذا لم يقطع فيه بالإصابة؛ لم ينقض به الأول؛ كالغالط في القبلة في الوقت، والغالط في الوقت يعيد أبداً؛ لأن الغلط في القبلة لا يؤمن من الغلط في الإعادة لأجله، كمالم يؤمن في أدائه، والغلط في الوقت؛ تعاد الصلاة لأجله أبداً؛ لأن الإعادة فيه بتحقق دخول الوقت فيه لأمن الغلط فيه، والتعديل والتجريح أمر يعول فيه القاضي على الظن والاجتهاد غالباً، فلا يأمن من الغلط فيه ثانياً، والعبد مقطوع بكونه عبداً؛ فلذا اتفق المذهب على نقض الحكم، وهو كنص ظهر بخلاف الاجتهاد.
قلت: قوله (والعبد مقطوع بكونه عبداً) فيه نظر، والصواب على مأخذه الذي قرره أن تقول، والحر مقطوع بكونه حراً، فصار كدخول الوقت بعد الغلط فيه.
والعدل غير مقطوع بكونه عدلاً، فصار كجهة القبلة بعد الغلط فيها.
والروايات واضحة بأن ظهور كونهما صبيين أو أحدهما، ككونهما أو أحدهما كافراً.
وفي الرجم منها: إن حكم بمال، ثم تبين أن أحدهما عبد، أو ممن لا تجوز شهادته؛ حلف الطالب مع الباقي، فإن نكل؛ حلف المطلوب، واسترجع المال.
اللخمي: مختلف إن ثبت أنهما أو أحدهما مولى عليه، ففي كتاب ابن سحنون ينقض الحكم، وهذا أبعد منه في العبد، وقد أجاز مالك وغيره من أصحابه شهادته ابتداء، وهو أحسن، ولو ظهر بعد الحكم بشهادته أنه مسخوط؛ ففي نقض حكمه نقلا

الشيخ عن ابن القاسم، وسحنون في موضع مع أشهب محتجاً بقوله: قال مالك في بعض أقواله: المسخوط لوث يوجب القسامة، والعبد والنصراني ليسا بلوث.
اللخمي: إن ثبت تقدم جرحتهما، فقال مالك في كتاب الشهادات: ينقض الحكم.
وقال في كتاب الحدود: يمضي، وبه أخذ سحنون، وعلى هذا يجري ثبوت أن بينه وبين المشهود عليه عداوة، أو بينه وبين المشهود له قرابة.
وقا المازري إثر كلامه السابق: وهذا الذي أريناك هو التحقيق عندنا، فتجريه في القرابة والعداوة؛ وكون الشاهد مولى عليه، فموضع القطع بالغلط يجب به النقض، وموضع تجويز الغلط لا يجب النقض فيه، وهذا يمنع إجراء شيخنا الخلاف في القرابة من الخلاف في التجريح.
اللخمي: إن كانت القضية على غائب، فقدم وطلب تجريح البينة بإسفاه، أو شرب خمر أو غيره؛ فقيل: له ذلك، ومنعه ابن الماجشون، إلا أن يثبت أنهم كفار، أو عبيد، أو مولى عليهم، والأول أحسن.
الشيخ: في المجموعة لأشهب: إن شهدت بينة عند قاض، ثم جنت أو جنت خطأ؛ لم ترد شهادتها، وإن أحدثت بعد أدائها قبل الحكم بها بعد تعديها، أو قبل ما يمكن إسراره؛ كشرب خمر، أو زنا، أو سرقة؛ ردت شهادتها.
محمد: لأنه مما يظن أنه فعله قديماً، وليس مما يعلنه، وإن كان مما لا يمكن إسراره، قال عبد الملك: كقتل على نائرة، أو قذف، أو قتال من شهد عليه؛ ففي ردها بذلك نقلا الشيخ عن مطرف مع أشهب قائلاً: لو تأكلت المشهود عليه قبل الحكم عليه؛ لم تبطل به شهادتها عليه، وعن ابن الماجشون.
قلت: وعن ابن رشد في نوازل أصبغ: الأول له، ولابن القاسم.
وسمع سحنون ابن القاسم: من شهد وهو عدل، فلم يحكم الحاكم بشهادته حتى وقع بينه وبين المحكوم عليه خصومة؛ لم ترد بذلك شهادته، فلم يزد فيها ابن رشد شيئاً.
وفي نوازل أصبغ: من شهد لامرأة بشهادة عند القاضي فأثبتها، ولم يحكم بها حتى

تزوجها من شهد لها؛ لم ترد شهادته، وحكم لها بها.
ابن رشد: التهمة بالعداوة تحدث والظنة تقع، لا تؤثر في إجازة الشهادة إلا أن يعلم لذلك سبب قبل أدائها، كمن شهد لامرأة، ثم تزوجها، فشهد عليه أنه كان يخطبها قبل أن يشهد لها وشبه ذلك؛ فتبطل شهادته لذلك بدليل قول ابن القاسم في سماع حسين حسين ابن عاصم فيمن شهد على رجل أنه حلف بطلاق امرأة البتة إن تزوجها قبل أن يتزوجها، فشهد للمشهود عليه أن الشاهد؛ كان يخطب هذه المرأة قبل أن يتزوجها هو؛ أن شهادته باطلة.
ولأصبغ: إن خاصم الشاهد المشهود عليه بعد الشهادة؛ لم تبطل شهادته إلا أن يقر أن ما يطالبه به كان قبل إيقاع الشهادة.
وفي أول سرقتها: إن ارتد الشهود، أو فسقوا قبل الحكم؛ لم يحكم بشهادتهم وسقطت، وإن ظهر منهم فسق، أو أخذوا يشربون خمراً، وذلك بعد حكم الإمام بإقامة الحد أو القصاص، إلا أن ذلك لم يقم بعد، فإن ذلك ينفذ، ويقام الحد والقصاص، وكذا في الحقوق؛ لأنه حكم نفذ الأمر به، ومثله للشيخ عن ابن حبيب لابن القاسم، وأشهب، وقاله أصبغ في حقوق العباد.
قال: وأما الحدود؛ فلا تنفذ.
وقال مطرف وابن حبيب: قال عن ابن الماجشون: من أشهد على شهادته قوماً أو سمعوها منه قبل ذلك، ثم عاداه، فشهد عليه بعد العداوة؛ فشهادته جائزة، كما لو قام بها عند السلطان، فوقعت في ديوانه قبل العداوة، وكذا كل ما أحدث مما لا يستتر به؛ كالقتل والقذف، وقول مطرف أحب إلى، ومن حكم بقول ابن الماجشون: لم يخطئ.
وفي المجموعة لابن الماجشون: من شهد على رجل بالبتة، وقبله الحاكم، فأحلف المشهود عليه، ثم فسق الشاهد، ثم شهد آخر مثل ما شهد به؛ لم يقبل الأول عليه؛ لأنه يوم تضم شهادته غير عدل.
وفي الرجم منها: إن حكم بشاهدين في المال، ثم تبين أن أحدهما عبد، أو ممن لا تجوز شهادته، حلف الطالب مع شهادة الباقي، ونفذ في الحكم، فإن نكل؛ حلف

المطلوب وأخذ المال، وإن شهد عليه بقطع يد رجل عمداً، فاقتص منه، ثم تبين أن أحدهما عبد، أو ممن لا تجوز شهادته؛ لم يكن على متولي القطع شئ، وهذا من خطأ الإمام.
قال اللخمي: فيما يريد: إن لم يعلم الحر أن الذي معه عبد، واستشكل قولها: إنه من خطأ الإمام، ولم يقل: يحلف المقتضى له مع الشاهد الباقي، كما قال في المال؛ لأن قوله فيها: إن جراح العمد تثبت بالشاهد واليمين كالمال، ويجاب بأن المال يمكن رده، فكان المشهود له منتفعاً بيمينه؛ فصح حلفه، والقطع لا يمكن رده؛ فلا نفع للمشهود له بحلفه، فسقط، ويلزم عليه إن كان المشهود له من عاقلة الإمام أن يحلف؛ لأنه ينتفع برفع غرم ما يجب عليه مع العاقلة، فتسقط الدية بحلفه عنه وعنها، وفي المسألة اضطراب.
اللخمي عن ابن سحنون: إن كان أحدهم عبداً أو ذمياً، أو مولى عليه، فإن حلف المشهود له بالقطع مع الباقي، أو المقضي له بالقتل مع رجل من عصبته خمسين يميناً، ثم الحكم له، ونفذ، وإن نكل في القطع، ولم يعلم أن شاهده عبد لظهور حريته، وحلف المقتص منه في اليد أن ما شهد به عليه الشاهد باطل، ونكل المحكوم له بالقتل عن القسامة؛ انتقض الحكم كأنه لم يكن.
قال أصحابنا: ولا غرم إلا على الشاهد إن جهل شهادة العبد أو الذمي.
وقال بعض أصحابنا: ذلك على عاقلة الإمام، وقيل: إنه هدر لا غرم على الحاكم، ولا على البينة، ولا على المحكوم له، ولا خطأ على الإمام؛ إنما خطأه لو أجاز شهادة من لا تجوز شهادته، وهو يرى أن ذلك جائز؛ كإجازته شهادة العبد والذمي لظنه إجازتها.
قلت: القول بأنه هدر، عزاه الشيخ في نوادره لأشهب قال: ما أخطأ به من إجازة شهادة من لا تجوز شهادته؛ فهو هدر بعد أن قال: ما أخطأ به من حدود الله حملته عاقلته الثلث فصاعداً، وما لزم عاقلته من ذلك؛ ودي معهم.
قال: وقال ابن الماجشون: العقل على الإمام دون من تجوز شهادته، وقال سحنون: عقل اليد على المحكوم له إن لم يحلف مع الآخر.

قلت: فالأقوال خمسة، وتعيين ناقلها وعزوها واضح.
وسادسها: نقل الشيخ عن ابن القاسم في أربعة شهدوا بزنا من يرجم في شهادتهم، ثم ظهر أن أحدهم عبد أو نصراني، أو ولد زنى، أو زوج، ولم يلا عن؛ الدية على عاقلة الإمام إلا أن يكون من بقي من الأربعة علموا أن رابعهم عبد، فتكون الدية في أموالهم، قاله في كتاب الرجم، وكتاب الأقضية قال فيه: ولا شئ على العبد.
زاد اللخمي: وقال ابن سحنون: قيل: لا شئ على الحاكم، ولا على البينة إن لم يعلموا أن معهم عبداً، أو ذمياً، أو علموا، أو جهلوا رد شهادتهم مع العبد، وإن تعمدوا أن معهم عبداً، وأن شهادتهم معه لا تجوز؛ فالدية عليه، وإن علم العبد وحده أن شهادته لا تجوز، وجهل ذلك البينة؛ فكل الدية جناية في رقبته، وإن علمت البينة معه ذلك؛ فالدية على جميعهم أرباعاً، وهو قول أبي مصعب أن على العبد ربع الدية، وتقدم حكم ظهور خلل الشهادة بعد الحكم بها قبل نفوذه، ومن شهد بحق، وشهد به معه غير عدل؛ ففي وجوب إخبار العدل الحاكم بجرحة من شهد معه؛ رجوع سحنون إليه عن قوله: لا يخبره قائلاً: لا فرق: ألا ترى أنه لو شهد معه عبد أو كافر، والحاكم يجهل ذلك؛ أن على العدل إخباره بذلك، قاله اللخمي.
وفي سرقتها: ما بلغ من خطأ الإمام ثلث الدية؛ فعلى عاقلته كالطيب والمعلم والخاتن.
ابن القاسم: وأبى مالك أن يجيبنا في خطأ الإمام بشئ.
وفي رجمها: وإن أقر القاضي أنه جدل أو رجم أو قطع الأيدي تعمداً للجور؛ أقيد منه، ونحوه في النوادر عن الواضحة لأصبغ قائلاً: هذا قولنا، وقول جماعة العلماء، وإنه إن تعمد حداً بقتل، أو قطع، أو جرح بغير حق، ولا شبهة يخطئ بها إلا تعمداً للظلم؛ أقيد منه، وما أخطأ به في الدم، وما دونه، وما تعمد من إتلاف مال بلا شبهة؛ ففي ماله يأخذ به المظلوم القاضي أو المحكوم له به.
ابن شاس: والعدد شرط في كل شهادة؛ فلا يثبت بشهادة واحد حكم أصلاً،

فاختصره ابن الحاجب بقوله: لا يثبت حكم بشهادة واحد منفردة، ونقض قوله بالقول بقبول القائف الواحد، والشاهد الواحد على تجويز بينة استحقاق ربع الربع، والقول بقبول شهادة المرأة الواحدة في الرضاع، وأجيب بأن القائف عند من قبله مخبر؛ ولذا الكشف وشاهد التجويز عن ما استأمنه عليه القاضي، وشهادة المرأة في الرضاع لابد فيها من زيادة عليها وهي الفشو.
وشرط بينة الزنا: كونها أربعة بنص التنزيل وحكم عمر.
المازري: ولا خلاف فيه.
اللخمي: هذا إن كانت بالإصابة طوعاً، وإن كانت على الإكراه؛ فكذلك على حد الرجل في الإكراه، والأصح في ذلك رجلان لما تستحقه المرأة من مهر على الواطئ، أو على مكرهه.
وفي شرط الشهادة على إقرار من أنكر إقراره بالزنا، ولا عذر له: يرجع به بأربعة، وصحتها باثنين قولان، وفي شرط حد من ثبت زناه.
وفيها: ووجه الشهادة في الزنا أن يأتي الأربعة الشهداء في وقت واحد يشهدون على وطء واحد، في موضع واحد بصفة واحدة بهذا تتم الشهادة، ومثله سمع عيسي، ابن القاسم مع قوله: وبلغني ذلك عن مال.
ابن رشد: وقيل: الشهادة تامة، وإن تفرق الشهود، ولم يأتوا معاً، وهو قول ابن الماجشون، وعليه أن يأتي قول ابن القاسم في سماع يحيى.
اللخمي: لأشهب في الموازية: تجمع شهادة الأربعة، وإن أتوا مفترقين، ويحد المشهود عليه، ولا ينبغي للإمام تأخير حد من شهد قبل تمام الشهادة، فإن هو أخره حتى تمت الشهادة؛ حد المشهود عليه.
وقال أبو الفرج: لو سأل الثلاثة أن ينظرهم حتى يأتوا برابع كان معهم؛ وجب عليه إنظارهم، وجمعت الشهادة، وحد المشهود عليه، وهو أحسن.
ولا وجه لمبادرة حدهم، وهو ظلم عليهم.
قلت: سماع يحيي هو قوله: سألته عن ثلاثة شهدوا أنهم رأوا رجلاً يزني، فحدوا،

ثم جاء رابع عدل زعم أنه كان معهم؛ إذ راوه يزني، فقال: تقبل شهادتهم بعد الضرب، ويكونون عدولاً، وتشهر عدالتهم، ويعلم الناس أن سقط التجريح عنهم، وتمت شهادتهم بالرابع.
ابن رشد: هذا خلاف قوله في سماع عيسى، والذي يأتي على سماع عيسى: أن يحد الرابع، وهو قول محمد، ولو جاء الرابع على هذا السماع قبل حد الثلاثة؛ سقط حدهم، وحد المشهود عليه، ونص عليه ابن القاسم في الموازية.
قلت: وقال ابن حارث: اتفقوا على أنه إن شهد ثلاثة بزنا رجل، فحدوا للقذف، ثم أتى ذلك أربعة شهدوا أنهم كانوا مع الثلاثة في ذلك المقام، رأوه يزني؛ أنه يحد المشهود عليه، وتسقط جرحة الثلاثة المحدودين قبل، وتظهر عدالتهم، واختلف إن لم يكن الجائي غير شاهد واحد، فصار رابع الثلاثة المحدودين.
فقال ابن القاسم في شهادات المستخرجة: يحد المشهود عليه، وينبغي للحاكم أن يظهر عدالة الشهود، ويسقط جرحتهم.
وقال ابن الماجشون: يحد الرابع، ولا يخرجهم من الجرحة إلا أربعة سواهم.
قلت: هذا خلاف ظاهر ما حمل عليه ابن رشد سماع يحيى على ظاهره، من أن ضم شهادة الرابع إلى متقدم شهادة الثلاثة؛ إنما هو في رفع جرحتهم فقط دون حد المشهود عليه.
قلت: ففي بطلان شهادة الأربعة بتفريقهم مطلقاً، فيحد كل منهم بنفس شهادته، ولا ترتفع جرحتهم بتمامهم، وصحتها مطلقاً، فيجب بسؤال الثلاثة إنظارهم؛ لإتيانهم برابع إنظار الحاكم إياهم لذلك.
ثالثها: وجوب تعجيل الحاكم حد من شهد منهم قبل تمامهم، فإن لم يعجله؛ صحت بتمامهم، وحد من شهدوا عليه.
ورابعها: إن حدوا قبل تمامهم، ثم تموا؛ صحت في رفع جرحتهم دون حد المشهود عليه.
وخامسها: فيهما لمشهور المذهب، واللخمي عن أبي الفرج مع ظاهر لفظ ابن

رشد عن ابن الماجشون، واللخمي عن أشهب، ولابن رشد عن فهمه سماع يحيى، وابن حارث عن ابن القاسم في العتبية.
وسادسها: نقل الشيخ رواية ابن حبيب عن الأخوين: إن كان افتراقهم قريباً بعضهم من بعض؛ جازت شهادتهم.
وفيها: ينبغي للقاضي أن يكشف بالزنا عن شهادتهم، كيف رأوه، وكيف صنع؟ فإن رأى في شهادتهم ما يبطلها أبطلها.
وللشيخ عن المجموعة: قال ابن القاسم: كل الشهود لا يفرقون، ولا يسألون إن كانوا عدولاً إلا في الزنا؛ فإنهم يفرقون ويسألون.
قلت: في سرقتها: وإذا شهدت البينة في الحدود؛ لم يفرقهم الإمام، إذا كانوا عدولاً بينة عدالتهم، واختصرها أبو سعيد عدولاً مبرزين.
وسمع عيسى ابن القاسم في الشهادات: الشهادة في الزنا لا تجوز حتى يشهد أربعة في موضع واحد، ويوم واحد، وساعة واحدة في موقف واحد على صفة واحدة.
ابن رشد: ليس من شرطها تسمية الموضع، ولا اليوم، ولا الساعة؛ إنما شرطها عند ابن القاسم: أن لا تختلف الأربعة في ذلك، فإن قالوا: رأيناه معاً يزني بفلانة عاينا فرجه في فرجها؛ كالمرود في المكحلة؛ تمت شهادتهم، وإن قالوا: لا نذكر اليوم، ولا نحد الموضع.
وإن قالوا: في موضع كذا، في ساعة كذا، من يوم كذا كان أتم.
وإن اختلفوا في المواضع أو الأيام فقال بعضهم: كان ذلك في موضع كذا، وقال بعضهم: في موضع كذا، وقال بعضهم: بل كان في يوم كذا، وقال بعضهم: بل كان في يوم كذا؛ بطلت شهادتهم عند ابن القاسم، وجازت عند ابن الماجشون.
قال: لأنهم اختلفوا فيما لو لم يذكروه؛ تمت شهادتهم، ولم يلزم الحاكم أن يسألهم عنه، فيحتمل أنه يريد لا يلزمهم أن يسألهم عنه إن اتفقوا على أن رؤيتهم إياه؛ إنما كانت معاً بزنى واحد، ويحتمل أن يريد أنه لا يلزمه أن يسألهم عن ذلك بحال إذا شهدوا عنده، فقال كل واحد منهم: إنه رآه يزني كالمرود في المكحلة، ويكون مذهبه أن

الأفعال تلفق في الشهادة؛ كالأقوال والأول أبين.
الشيخ: روي محمد: لا تتم شهادتهم حتى يقولوا: كالمرود في المكحلة في البكر والثيب، فإن نفوا هذا؛ فهو النكال.
محمد: على المشهود عليه، وذلك إن لم يكن في شهادتهم أنه زنا، ولا ذكروا زنا، وإنما شهدوا على ما وصفوا.
ولعيسى عن ابن القاسم: إن شهد شاهدان أنهما رأياه مع امرأة تحت لحاف، أو رأيا رجليها على عنقه، أو ما هو دون الزنا؛ لم يكن عليهما شيء؛ لأنهمالم يقذفا، ويعاقب الرجل والمرأة، ولو قالا: رأيناه يزني بها؛ كالمرود في المكحلة؛ حدا ثمانين.
وفي «الموازية»: إن قال أحدهم: زنا بها متكئة، وبعضهم مستلقية؛ بطلت الشهادة وحدوا للقذف.
قلت: قول ابن رشد هو لفظ الشَّيخ رواية محمد، ويجب حمله على الاكتفاء بمغيب الحشفة فقط كذلك.
وسمع عيسى ابن القاسم: إن شهد أربعة بزنا رجل بامرأة شهد اثنان بأنها طاوعته، واثنان بأنه اغتصبها حد الأربعة، وسمعه أبو زيد إن شهد أربعة أنه زنا بامرأة، فأخذ الرجل، وهربت المرأة، فقال اثنان: رأيناه يزني بفلانة التي هربت، وقال الآخران: رأيناه يزني بامرأة، وشهادتهم معتدلة في موضع واحد، إلا أنهما لا يدريان أهي فلانة أو غيرها ولا يعرفان المرأة؟ حد الشهود؛ لأنهم قذفوا المراة.
ابن رشد: يحدون للرجل؛ لسقوط شهادتهم بقذفهم المرأة التي شهدوا أنها زنا بها؛ إذ لم يعينها منهم إلا اثنان، ولو عينوها جميعاً، أو لم يعينها واحد منهم، جازت شهادتهم في الزنا، وحد الرجل، وحدت المرأة إن عينوها جميعاً، وإسقاط شهادتهم في الزنا بقذفهم للمرأة خلاف المشهور أن شهادة القاذف لا تسقط إلا بإقامة الحد، والآتي في المسألة على المشهور في ذلك أن تجوز شهادتهم على الرجل؛ فيحد، فإن كان الاثنان منهم قاذفين للمرأة التي شهدا أنه زنا بها وعرفاها فهربت، فإن أتت، وقامت بحدها عليهما؛ حدا لها، ومضت شهادتهما قبل في الزنا على الرجل، وإسقاط ابن القاسم في هذه

المسألة شهادتهما قبل في الزنا بمجرد قذفهما معاً مثله لأصبغ وسحنون وابن الماجشون.
وحمل بعض أهل النظر قوله: (يحد الشهود)؛ لأنهم قدفه للمرأة على ظاهره، وتعقب المسألة فقال: انظر قوله: يحد الشهود، ومن أصله أن لا يحد في القذف لغائب، وهم إذالم يحدوا كيف يستجرحون؟ فتدبر ذلك، والمعنى في المسألة؛ إنما هو ما ذكرته.
قلت: ما ذكره لبعض أهل النظر هو نص قول الشيخ في نوادره من عند نفسه، وشهرة الاحتجاج في حكم الشهادة في الزنا بحكم عمر رضي الله عنه في نازلة المغيرة، يقتضي ذكر معرفتها.
قال الطبري: ما حاصل المحتاج لذكره أن المغيرة كان على البصرة والياً، وله مشربة تقابل مشربة لأبي بكرة، لكل منهما كوة تقابل كوة الأخرى، فكان مع أبي بكرة في مشربته نافع بن كلدة، وشبل بن معبد، وزياد أخو أبي بكرة لأمه يتحدثون، فصفقت الريح باب كوتة، فقام ليصفقها، فبصر بالمغيرة لفتح الريح باب كوة مشربته بين رجلي امرأة توسطها، فقال للنفر: قوموا انظروا واشهدوا، فنظروا فقالوا: من هذه؟ قال: أم جميل بنت الأفقم كانت تغشى المغيرة، وأشراف الأمراء، فلما تقدم المغيرة للصلاة منعه أبو بكرة، وبلغ الأمر عمر، فأشخصهم، وبعث أبا موسى والياً على البصرة، فلما حضروه قال المغيرة يا أمير المؤمنين سل هؤلاء العبد كيف رأوني، وهل عرفوا المرأة فإن كانوا مستقبلي فكيف لم أستتر؟ وإن كانوا مستدبري، فبأي شئ استحلوا النظر إلي على امرأتي؟ والله ما كانت إلا زوجتي، وهي تشبهها، فبدأ عمر بأبي بكرة، فشهد أنه رآه بين رجلي أم جميل، وهو يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة، قال: كيف رأيتهما؟ قال: مستدبر هما، قال: كيف استنبت رأسها؟ قال: تحاملت حتى رأيتها، ثم شهد شبل ونافع كذلك، وشهد زياد بأن قال: رأيته بين رجلي امرأة، وقدماها مخضوبتان تخفقان، وأستين مكشوفتين، وسمعت حفزاناً شديداً.
قال: هل رأيت كالميل في المكحلة؟ قال: لا قال: هل تعرف المرأة؟ قال: لا، ولكن أشبهها، قاله له: تنح وأمر بالثلاثة؛ فجلدوا وتلا قوله تعالى: (فإذ لم يأتوا بالشهداء) الآية [النور: 13]، فقال المغيرة: اشفني من الأعبد يا أمير المؤمنين، فقال له:

اسكت أسكت الله نأمتك، والله لو تمت الشهادة؛ لرميتك بأحجارك قال الجوهري: يقال: أسكت الله نأمته؛ أي: صوته.
قال الطبري: ورد عمر شهادتهم، ثم استتابهم، فتاب نافع وشبل، فقبل شهادتهما، واستتاب أبا بكرة فأبى، قال غيره: قال له: تب، واقبل شهادتك، فأبى، وكرر شهادته، وإلى هذه الإباية أشار ابن التلمساني في مسألة الإجماع السكوتي في شرح المعالم بقوله كقول علي لعمر رضى الله عنهما لما رأى جلد أبي بكرة: إن جلدته، فارجم صاحبك، فكان شخينا ابن عبد السلام يستشكل صحة الملازمة في قول علي مع قبوله عمر رضى الله عنهما، ويحكي استشكالها عن شيخه أبي الحسن البودري، وكانت له مشاركة حسنة في الأصلين، ولم يجيبا عنه بشئ، وكان يجري لنا جوابه بما اقوله، وهو أن القذف الموجب للحد قسمان: قدف صدر من قائله على وجه التنقص للمقذوف، وقذف طلب على وجه شهادة؛ لم تتم، وهو الواقع في النازلة، فما كرر أبو بكرة شهادته، أراد عمر جلده للقذف بقوله هذا، فقاله له علي: إن جلدته، فارجم صاحبك؛ أي: إن أردت جلده؛ لزم إرادتك ذلك رجم صاحبك؛ لأن إراده جلده؛ إما أن يكون لسابق شهادته من حيث كونه أحد الثلاثة، أو لشهادته لا من حيث كونه أحد الثلاثة، فإن كان الأول لم يحد؛ لأنه قد حد لها، وإن كان لا من حيث كونه أحد الثلاثة؛ لزم كونه من حيث كونه زائداً عليها، وكلما كان زائداً عليها كان رابعاً، وكلما كان رابعاً؛ لزم تمام النصاب، فيجب حد المغيرة، وهذا التقرير يدل عى صحة قول ابن الماجشون بصحة افتراق بينة الزنا في الأداء، وأن عليه، وتقدم ذكر الخلاف فيه.
وفي الشهادة بالزنا التزاماً لا نصاً اختلاف في إجرائه بعض المتأخرين على الخلاف في كون دلالة الالتزام مهجورة في العلوم تكلف، وإن كان في بعض أبحاث المازري مثله، حسب ما نبهنا عليه في غير هذا الموضع.
اللخمي: في ثبوت زنا من ثبت زناه عند قاض بأربعة شهداء بثبوت كتابه به بأربعة شهداء، أو باثنين فقط قولان لكتاب ابن سحنون، ومحمد مع اختياره.

قلت: واختاره ابن رشد، وجعله الجاري على قول ابن القاسم بثبوت حد من شهد عليه ثلاثة بالزنا مع نقل اثنين عن رابعهم.
قال: ومن قذف رجلاً، فأقام شهيدين يحده قاض في الزنا بأربعة شهداء في حده مع شهيديه ثالثها: القاذف فقط لرواية محمد معه، وأبي مصعب، ورواية ابن حبيب معه.
قائلاً: وكذا لو أقام القاذف أربعة شهدوا أن سيده إذ باعه تبرأ من زناه.
قلت: يريد: كان عبداً وعتق؛ إذ لا يباع حر، ولا يحد قاذف عبد، ولو شهد شاهدان على رجل بطلاقه امرأته معترفاً بوطئها، أو بعتقه أمته معترفاً بوطئها، أو بغصبه أمة معترفاً بوطئها؛ ففي حده قولان على القولين في حده بهما على إقراره بالزنا.
قلت: الأصوب قولان على القول بحده بهما في إقراره بالزنا؛ لأنها على إقراره أقوى منها على غيره ملزوماً له ضرورة قوة دلالة المطابقة على دلالة الالتزام.
قال: ولأشهب فى الموازية: لا يحد السيد؛ لإمكان نسيانه العتق، ولو شهد أربعة بطلاقه، وهو مقر بالوطء؛ حد.
وروى علي بن زياد: من شهد عليه أربعة بطلاقه امرأته البتة، وأنهم رأوه يزني بها بعد ذلك، أو أقر بالمسيس؛ فرق بينهما، ولم يحد.
سحنون: أصحابنا يأبون هذه الرواية، ويرون عليه الحد، ومحمل قول مالك على ما في الموازية: أنه يحتمل أنه نسي، والنسيان يحسن إن كان الطلاق والعتق بيمين، ويبعد في غير اليمين، واختلف إن أنكر العتق والطلاق والإصابة، وشهد عليه شاهدان بذلك، فقال عبد الملك: لا تصح شهادتهما؛ لأني أجزتها حددتهما، وشهادة المحدود لا تجوز، وصارت المرأة زوجة لحالها والأمة رقاً، ولأن من قذف رجلاً بامرأته أو أمته؛ لم يكن قاذفاً.
محمد: وفيه اختلاف؛ لأن من قول ابن القاسم شهادة القاذف مقبولة حتى يحد؛ يريد؛ أنه يقضي بالطلاق والعتق، ثم ينظر في القذف، فقد يوجب عليهما الحد، أو يسقطه؛ لإقراره الآخرين أن الزوجة والملك باق بحاله.

ولأصبغ في العتيبة: لا تجوز شهادتهما ويحدان.
محمد: ولو قال الزوج: طلقت وما أصبت، والسيد: أعتقت وما أصبت؛ حد الشاهدان.
وفيها: قيل: فإن شهدوا أربعة على رجل بالزنا، فقالوا: تعمدنا النظر إليهما؛ لنثبت الشهادة.
قال: كيف تشهد الشهود إلا هكذا، فناقضها ابن هارون بعدم إجازته في اختلاف الزوجين في عيوب الفرج، نظر النساء إليه ليشهدن بما رأين من ذلك، وكذا إذا اختلفا في الإصابة وهي بكر.
قال: تصدق، ولا ينظر النساء إليها، قال: والفرق بين ذلك مشكل.
وقال في كتاب الخيار: إن نظر المبتاع إلى فرج الأمة؛ فذلك رضي منه بها؛ إذ لا ينظر إليها النساء، أو من يحل له الوطء، فأجاز نظر النساء إليه، وأورده ابن عبد السلام وأجاب بقوله: إن طرق الحكم هنا منحصرة في الشهادة، ولا تقبل إلا بصفتها الخاصة، وطريق الحكم في تلك الصور غير منحصرة في الشهادة؛ بل لها غير ذلك من الوجوه التي ذكها الفقهاء في محلها، فلا ينبغي أن يرتكب محرم، وهو النظر للفرج من غير ضرورة.
قلت: يرد بأن صورة النقض؛ إنما هي إذا لم يمكن إثبات العيب لا بالنظر، وكان يجري لنا الجواب بثلاثة أوجه: الأول: أن الحد حق لله، وثبوت العيب حق لآدمي، وحق الله آكد لقولها فيمن سرق، وقطع يمين رجل عمداً يقطع للسرقة، ويسقط القصاص.
الثاني: ما لأجله النظر؛ وهو الزنا محقق الوجود أو راجحه، وثبوت العيب محتمل على السوية.
الثالث: المنظور إليه في الزنا؛ إنما هو مغيب الحشفة، ولا يستلزم ذلك من الإحاطة بالنظر إلى الفرج ما يستلزمه النظر للعيب.
اللخمي: قوله: وكيف يشهد الشهود إلا هكذا؟ يريد: أن تعمد النظر لا يبطل

الشهادة لما كان المراد إقامة الحد، وهذا حسن فيمن كان معروفاً بالفساد، ومن لم يكن معروفاً به فيه نظر يصح أن يقال: لا يكشفون، ولا تحقق عليهم الشهادة؛ لأنهم لو تبين لهم ذلك؛ استحب لهم أن لا يبلغوا الشهادة، ويصح أن يقال: يكشفون عن تحقيق ذلك، فإن قذفه أحد بعد اليوم بلغوا الشهادة، فم يحد القاذف والستر أولى؛ لأن مراعاة قذفه نادر.
قلت: ولقولها: من قذف وهو يعلم أنه زنا حلال له القيام بحد من قذفه.
المازري: تعمد نظر البينة لفعل الزاني، ظاهر المذهب أنه غير ممنوع؛ لأنه لا تصح الشهادة إلا به، ونظرة الفجأة لا يكاد يحصل بها ما تتم به الشهادة، ومنع بعض الناس النظر للعورة في ذلك لما نبه الشرع عليه من استحسان الستر.
وقال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام في قواعده: إنما يجوز للشهود أن يظروا من ذلك ما يحصل وجوب الحد، وهو مغيب الحشفة فقط، والنظر الزائد على ذلك حرام.
قلت: وهذا كله إن عجز الشهود عن منع الفاعلين إتمام ما قصداه، أو ابتداءه من الفعل، ولو قدروا على ذلك بفعل أو قول، فلم يفعلا؛ بطلت شهادتهما لعصيانهما بعدم تغيير هذا المنكر، إلا أن يكون فعلهما بحيث لا يمنعه التغيير لسرعتهما.
وروى محمد: معها الشهادة في اللواط كالزنا.
وفيها: قال مالك في الشهود في الزنا: ينبغي للإمام أن يسألهم عن شهادتهم.
قال ابن القاسم: كيف رآه وكيف صنع؟ فإن كان في ذلك ما يدرأ به الحد درأه.
وفيها: وينبغي أن يكون سؤاله إياهم سراً لا في جمع من الناس.
محمد: إن غابوا قبل أن يسألهم غيبة بعيدة، أو ماتوا أقاموا الحد بشهادتهم.
اللخمي: يريد: إن كانوا من أهل العلم بموجب الحد؛ إذ قد يرونه عليها، فيشهدون بالزنا، وهو لا يوجب الحد.
قلت: وهو قول التونسي في كتاب السرقة إثر نقله قول محمد، قال: وفيه نظر إلا أن يكونوا من أهل العلم، ولا يخفى عليهم ما يجب به الحد.
ابن الحاجب: وينبغي للحاكم أن يسألهم.

وفي السرقة: ما هي وكيف أخذها ومن أين وإلى أني؟ وقال سحنون: إن كان ممن يجهل.
قلت: قول سحنون إنما نقله الصقلي وغيره عنه في السرقة.
الصقلي: قال بعض فقهائنا: ينبغي أن يكشفوا، وإن كانوا لا يجهلون؛ إذ قد يكون رأي الحاكم فيه نفي القطع أو ثبوته، ورأيه خلاف رأيهم.
قلت: سياق كلام سحنون أنه إنما يقوله حيث يكون الحاكم، والشهود أهل مذهب واحد، وقول ابن عبد السلام: رأى بعض الشيوخ أن غيبة أربعة منهم لا تمنع سؤال من حضر؛ لاحتمال أن يذكر الحاضرون إذا سئلوا ما يوجب الوقف عن شهادة الحاضرين والغائبين جميعاً لا أعرف هذا البعض من الشيوخ في كلامه، وسقوط تعليله واضح؛ لنقل الصقلي عن محمد ما نصه: إن كان الشهود أكثر من أربعة، فغاب منهم أربعة بعد أن شهدوا لم يسأل من حضر ولم يكشف، وكان الحد ثابتاً؛ لأن من حضر لو رجع عن شهادته؛ كان الحد ثابتاً بمن غاب، وكذا لو كانوا غابوا كلهم؛ فرجع بعضهم، وبقي أربعة؛ لم يسقط الحد.
قلت: فإذا كان تصريح من زاد على الأربعة بالرجوع لا يقدح في شهادة الأربعة، كيف يقبل قوله؛ لاحتمال أن يذكر الحاضرون ما يوجب الوقف عن شهادة الحاضرين والغائبين فتأمله منصفاً، وتقدم الخلاف في شهادة الاثنين في الإقرار.
ومتعلق الشهادة بالذات محكوماً به إن لم يكن مالاً، ولا زنا، ولا قرينه، ولا مختصاً باطلاع النساء، فشرط شهادته اثنان رجلان.
ابن شاس: المرتبة الثانية ما عدا الزنا مما ليس بمال، ولا يؤول إليه، كالنكاح، والرجعة، والطلاق، والعتق، والإسلام، والردة، والبلوغ، والولاء، واالعدة، والجرح، والتعديل، والعفو عن القصاص، وثبوته في النفس، والأطراف على خلاف فيهما، والنسب، والموت، والكتابة، والتدبير، وشبه ذلك، وكذا الوكالة والوصية عند أشهب وعبد الملك، شرط كل ذلك العدد والذكورية، فاختصره ابن الحاجب، ولم يذكر في القصاص خلافاً، وتمام ذلك في فصل الشاهد واليمين.

قال ابن عبد السلام: عرف هذه المرتبة بقيدين عدميين ما ليس بزنا ولا مال، ولا ينقض تعريفه بدخول بعض ما في المرتبة؛ كالولادة وعيوب النساء؛ لأن المقسوم عنده؛ إنما هو مراتب البينة، ولا ندخل لما نقض به فيها.
قلت: يرد بعدم اقتصاره على كونها قسماً من مراتب البينة؛ لقوله إثر تمام عدها وشرطها اثنان ذكران، فإن سلم اندراج ما ذكر به النقض تحت لفظ منه كذب فيه قوله: شرطه اثنان ذكران، والأظهر جعل قوله: كالنكاح إلخ؛ تفسيراً لقوله: ما ليس زنا ولاء آئلاً عليه، وعد المازري في هذا النوع الإحلال، والإحصان، والإيلاء، والظهار، وتقدم عد ابن شاس فيه العدة.
قال المازري: يشهد بانقضائها أو ثبوتها، قال: وحد الخمر، والسرقة، والقذف، وعد فيها الرجعة؛ كالمعونة، ولم يذكرا فيها خلافاً.
وقال ابن حارث: اختلف في شهادتهن في الارتجاع، فسمع أشهب لا تجوز، وقال ابن نافع في غير المستخرجة: هي جائزة فيه، وما متعلقه مال أو آئل إليه تتم فيه برجل وامرأتين.
فيها: لا تجوز شهادة النساء في الحدود، والقصاص، والطلاق، والنكاح، والنسب، والولاء.
قال مالك: لا تجوز إلا حيث ذكر الله في الدين، وما لا يطلع عليه إلا هن، ويحلف الطالب مع شهادة امرأتين في الأموال، ويقضى له.
وفي شفعتها: وتجوز شهادتهن على أخذ الشفعة أو تسليمها، أو على أنه شفيع، وعلى إقرار المبتاع أن فلاناً شفيع هذه الدار.
الشيخ في الموازية: تجوز شهادتهن في المال، ولو كثر، وكذا في الوكالة على المال في رواية ابن القاسم، وقوله وقول ابن وهب، وقال أشهب وعبد الملك: لا تجوز فيها.
الشيخ عن ابن وهب: قال ابن الماجشون: لم يقل مالك، ولا أحد من علمائنا بجواز شهادتهن على الوكالة في المال، ولا على إشهاد الوصايا.
وروى ابن عبدوس في الموصي برقبة معينة، أو مبهمة لعتق: أن شهادة رجل

وامرأتين في ذلك جائزة، كما لو شهدوا أنه قال: بيعوا عبدي فلاناً رقبة.
وفي الموازية: إن شهدن مع رجل أنه أوصى بشراء رقبة بخمسين فتعتق؛ لم يجز؛ لأنه إذا اشترى؛ لم يعتق بشهادتهم، وإن كان عبد فلان؛ جازت على شرائه، وزيادة ثلث ثمنه لربه إن لم يسم ثمناً، ولا يعتق بقولهم.
ابن حبيب عن ابن الماجشون: لا تجوز شهادتهن مع رجل على وصية بثلث للمساكين، كما لا تجوز فيه يمين.
وسمع سحنون ابن القاسم: لا تجوز شهادتهن في جراح العمد، وتجوز في الخطأ جراحه وقتله.
سحنون: هي في جراح العمد جائزة، وأصل قولنا ما جاز فيه اليمين مع الشاهد؛ جازت فيه شهادتهن، وما سقط في اليمين مع الشاهد؛ سقطت فيه، فما جاز الشاهد واليمين في جراح العمد؛ جازت شهادة النساء فيه.
وقاله ابن الماجشون: ولو شهدت امرأتان ورجل بوصية للمساكين؛ لم تجز الوصية؛ لأنه ليس فيها يمين مع الشاهد.
ابن رشد: هذا الأصل الذي التزمه سحنون وابن الماجشون، لم يقله ابن القاسم؛ لأنه لم تجز في هذه الرواية شهادة امرأتين في جراح العمد؛ ويجيز القصاص فيها بالشاهد واليمين، واختلف قوله في إجازة شهادتهن في ذلك.
وقع في المجموعة، وكتاب ابن سحنون اختلاف قوله في ذلك، والذي رجع إليه سقوطها، فيحتمل أن يكون إجازته إياها، ومنعه على القولين إجازة الشاهد واليمين فيها، ومنع ابن الماجشون في الوصية للمساكين إغراق في طرد أصله ويبعد، وليس بثابت في جميع الروايات، والصواب إجازتها على أصله؛ لأن اليمين مع الشاهد إنما سقط؛ لأن رب الحق غير معين، لا لأن الوصية بالمال، لا تستحق باليمين مع الشاهد، فمذهب سحنون وابن الماجشون ملازمة جواز الشاهد واليمين؛ لجواز شهادة النساء، وتلازمهما في السقوط، وعلى مشهور قول ابن القاسم ما جاز فيه الشاهد واليمين؛ جازت فيه شهادة النساء، ولا ينعكس ما يجوز فيه شهادتهن أعم وأكثر مما يجوز فيه

الشهادة واليمين؛ لأن شهادة النساء تجوز عنده على الوكالة في المال، وعلى شهادة الشاهد بالمال، ولا يجوز فيها الشاهد واليمين، وإذا قلنا على مذهبه في هذه الرواية أنه يجيز القصاص باليمين مع الشاهد، ولا يجيز شهادة النساء في ذلك؛ فليس أيضاً كل ما تجوز فيه اليمين مع الشاهد؛ تجوز فيه شهادة النساء، فعلى هذا من الأشياء ما يجوز فيه الأمران، ومنها ما لا يجوز فيه واحد منهما، ومنهما ما يجوز فيه أحدهما دون الآخر وعكسه.
الشيخ في المجموعة: لأشهب: تجوز شهادتهن في كل عمد لا قود فيه، وإن انفردن حلف المجروح، ووجبت له ديته.
الباجي: إن شهد رجل وامرأتان أن الزوج اشترى زوجته من سيدها؛ ثبت الشراء، ولا يفسخ النكاح، وإن كانت شهادة النساء لا تجوز في الطلاق.
سحنون عن عبد الملك: إنما الشهادة في مال جر إلى الفراق.
سحنون: وكذا شهادتهن فيمن غر بحرية أنه مملوك لفلان، يحلف معهن، ويرق له، ويبطل حد من قذفه.
ابن الماجشون: ولو شهدن على أداء كتابة مكاتب؛ حلف وتم عتقه، ولو شهدن مع رجل فيمن حلف بطلاق، أو عتق على أداء حق إلى أجل بعد انقضائه؛ سقط الحق.
وفي سقوط حنثه عنه: روايتا اللخمي.
وفي الولاء منها: من مات وترك ابنتين، فادعى رجل أنه مولاه أعتقه، وأقرت البنتان أنه مولاه، وهما عدلتان؛ حلف معهما، وورث الثلث الباقي، إن لم يأت أحد بأقل من ذلك من ولاء، ولا عصبة، ولا نسب معروف، ولا يستحق بذلك الولاء.
وقال غيره: لا يحلف مع إقرارهم، او لا يرث الثلث الباقي؛ لأنهما شهدتا على عتق، وشهادتهما فيه لا تجوز.
قلت: فحاصله أنها في المال غير آيل إليه جائزة اتفاقاً، فإن آلت إليه؛ ففي إعمالها فيما آلت إليه متقدم قول سحنون في الغار بالحرية مع متقدم قول ابن الماجشون في أداء الكتابة، وإحدى الروايتين.

وفي سر الحالف على الأداء لأجل وآخراهما: وفي غيره: إن لم تؤل إليه؛ لا تجوز اتفاقاً، إلا في الارتجاع عن ابن نافع خلاف قول ابن رشد في رسم الأقضية.
الثالث من سماع أشهب: لا يجوز في الارتجاع اتفاقاً، وإن آل إليه؛ ففي قبولها وردها قولا ابن القاسم وسحنون مع أشهب وابن الماجشون، وقولها في مسألة البنتين ثالث؛ لأنه قبلها في المال دون سببه، وهو الولاء، وقبلها في الوكالة على المال، وليست نفسه.
الشيخ لأشهب في سماع عبد الملك: إن شهدت امرأتان على امرأة بضربها بطن امرأة، فألقت مضغة؛ حلفت معها، واستحقت الغرة، ولا كفارة على الضاربة.
ولم يزد فيها ابن رشد في معنى الشهادة شيئاً.
وفي الأيمان بالطلاق منها: إلا في الأموال، وفيها يغيب عليه النساء من الولادة والاستهلال والعيوب، ومثله في كتاب ابن سحنون، وذكر فيه الحيضة والعذرة، والسقط قائلاً: لا يجوز في ذلك أقل من امرأتين.
الشيخ عن الأخوين، وابن عبد الحكم، وأصبغ: لو شهدت امرأة ورجل باستهلال صبي؛ لم تجز شهادتهما.
ابن حبيب: حضور الرجل أبطل شهادة المرأة، والرجل الواحد لا تجوز.
قلت: زاد المازري ما نصه: وذكر ابن حبيب عمن يرضاه من أهل العلم أنه قبل شهادة المرأة مع الرجل، واختار ابن حبيب هذا المذهب.
قال: لأن المرأة لو انضاف إليها امرأة؛ قبلت الشهادة اتفاقاً، فانضياف الرجل إليها أقوى لما ثبت في الشرع أن شهادة المرأة كنصف شهادة الرجل.
اللخمي: تجوز شهادتهن على الولادة مع وجود الولد أن هذه ولدته، فإن لم يكن موجوداً؛ ففي جوازها قولا ابن القاسم وسحنون، وأرى إن كانت المناكرة بقرب الولادة أن لا تجوز، وإن كانت بعد طول القدوم من أنكرها، أو كانت الأم مقرة، ثم أنكرت أن تجوز.
وصحة شهادتهن على أن الولد ذكر ثالثها: إن كان مستحق التعصيب بيت

المال أو البعيد من العشيرة، وتعذر إخراجه من قبره؛ لتغيره بطول إقباره.
اللخمي عن ابن القاسم قائلاً: ويحلف المشهود له معهن، وأشهب على أصله في لغوها على غير مال يستحق به مال وأصبغ.
قلت: سمعه أصبغ: تجوز شهادتهن باستهلال الولد، قيل: وبأنه غلام، قال: نعم مع يمينه.
أصبغ: قال لي ابن القاسم: والقياس ألا تجوز؛ لأنه يصير نسباً قبل ألا يصير مالاً.
وفيها: إن مات؛ فبأي شيء يرث ويورث، قال: بأدنى المنزلتين، إلا أن يكون لا يبقى، ويخاف عليه الحوالة إن حبس، إلى أن يوجد رجال يشهدون على رؤيته؛ فتجوز شهادتهن حينئذ.
ابن القاسم: وكذا المرأة تلد، ثم تهلك هي وولدها في ساعة؛ يحلف أبو الصبي أو ورثته مع شهادتهم أن الأم ماتت قبله، فيستحقون إرثه من أمه؛ لأنه مال، قال: إنما تجوز شهادتهن على الولادة والاستهلال إن كان البدن قائماً، ورأى الناس أن قد كمل جسده، وكذا شهادتهن في القتل.
ابن رشد: إجازة ابن القاسم شهادة امرأتين على استهلال الصبي، وعلى أنه غلام مع اليمين؛ يدل على صحتها على الاستهلال، ولو فات البدن؛ إذ لو كان حاضراً؛ لاستغني عن شهادة النساء فيه أنه غلام بنظر الرجال إليه، وكذا قتل الخطأ لا يشترط في صحة شهادة النساء فيه حضور البدن على مذهبه.
قال في المدونة: لأنه مال شهادتهم في المال جائزة، خلاف قول ربيعة وسحنون في المدونة: إنها لا تجوز في الاستهلال والخطأ إلا مع حضور البدن، فعلى قولهما؛ لا تجوز في أنه ذكر أو أنثى، وهي رواية مطرف وأشهب، وقول ابن هرمز: وهو القياس على ما قاله ابن القاسم هنا، فإذا جوز شهادتهن مع مغيب البدن آل ذلك إلى جوازها في غير المال من الموت الذي يقطع العصمة بينه وبين أزواجه، فيكون لهن أن يتزوجن، وقد يكون له أمهات أولاد ومدبرون، فيعتقون، وقد يوصي بعتق وتزويج بناته، قول إجازة شهادتهن في قتل الخطأ إذا لم يعرف الموت بحضور البدن ميتاً إلى أن تجوز شهادتهن في

ذلك كله، وشهادتهن في غير المال لا تجوز، ففي ذلك من قول ابن القاسم نظر، وهو استحسان، والقياس قول سحنون وربيعة: لا تجوز إلا في صفة القتل إن لم يعرف الموت، وكذا الشاهد الواحد في قتل الخطأ.
وأما شهادة النساء في المرأة تلد ثم تهلك هي وولدها في ساعة على أيهما مات أولاً، فجائزة اتفاقاً؛ لأنها على ما لا يتعدى إلى غير المال.
قلت: قوله: (اتفاقاً) خلاف ما يأتي لابن حاجب.
شهادتهن في العيوب قال اللخمي: أما عيب فرج الحرة يدعيه الزوج؛ ليرد به؛ فينظرها النساء.
سحنون: أصحابنا يصدقونها، وأرى أن ينظرها النساء؛ لأنها تتهم، وإن كان العيب بغير الفرج؛ ففي شق الثوب عن محله؛ ليراه الرجال والاكتفاء فيه بشهادة النساء قولان لغير أصبغ، وله، وعزاهما المازري لغير الموازية ولها.
قلت: وهو ظاهر الأيمان بالطلاق من المدونة.
اللخمي: وأما الإماء، فإن كان العيب بالفرج، ولا يعلمه إلا النساء، فإن كانت شهادتهم عن فائت؛ لأن الأمة ماتت أو غابت، أو كان القائم بعيبها هو الآتي بهن ليشهدن له؛ لم يقبل فيه أقل من امرأتين، ولا يمين عليه، وإن كان القائم بعيبها هو الآتي بهن ليشهدن له؛ لم يقبل فيه أقل من امرأتين، ولا يمين عليه، وإن كان الحاكم هو الباعث في كشف ذلك؛ كان في قبول امرأة واحدة في ذلك قولان.
ولا يقبل اليوم أقل من امرأتين؛ لضعف العدالة.
وإن كان العيب مما يعلمه الرجل؛ كالبكارة، يقول: وجدتها ثيباً، وكذبه البائع، ولم يبعث الحاكم في ذلك؛ لم يقبل فيه أقل من امرأتين.
واختلف في اليمين، قال: وأجاز محمد في المرأة تدعي أن زوجها بني بها، وأرخى الستر؛ شهادة امرأتين ويميناً لما كان ذلك مما لا يطلع عليه إلا النساء، والزوج يدعي المعرفة، وقيل في هذا الأصل: لا يمين عليها، والمرأتان كالرجلين.
قلت: في النوادر: روي محمد: تجوز شهادة امرأتين فيما لا يطلع عليه الرجال بغير يمين من ولادة، وحمل، وعيب فرج، واستهلال، وإن شهدت امرأتان على إرخاء ستر؛

لم يقض للزوجة إلا بيمينها.
قلت: قوله أولاً: تجوز دون يمين فيما لا يطلع عليه النساء مع إيجابه اليمين في إرخاء الستر يدل على أن إرخاء الستر لا يختص به النساء، وهو خلاف قول اللخمي، ونحوه قول المازري إثر نقله اليمين في مسألة الستر: أشار بعض أشياخي إلى أنه اختلف في هذا الأصل في اليمين فيه مع شهادة امرأتين لأجل إرخاء الستر، وزق الزوجة على الزوج، ولا يحضره غالباً إلا النساء، ويندرج تحت شهادتين بذلك أحكام أخرى، والإحصان، والإحلال، وغيرهما مما يتكلم عليه في موضعه.
قلت: تقدم في مسائل إرخاء الستور أن سبب الخلاف في لزوم يمين الزوجية مع ثبوت إرخاء الستر؛ إنما هو بناء على أن دلالة الحالة العرفية على ثبوت أمر كدلالة شهيدين أو شاهد واحد سواء؛ كان ثبوت إرخاء الستر بشهادة النساء، أو شهادة رجلين، وكذا دلالة الشواهد في البناء، والوصف في اللقطة، ونحو ذلك.
قال ابن الحاجب: الرابعة: ما لا يظهر للرجال؛ كالولادة وعيوب النساء، والاستهلال، والحيض، فيثبت بأمرين، ويثبت الميراث، والنسب له وعليه، فلم يتعرض ابن عبد السلام لشرح قوله: (ويثبت الميراث والنسب له وعليه)، وقرره ابن هارون بقوله: مثل أن تشهد امرأتان بولادة أمة أقر السيد بوطنها، وأنكر الولادة؛ فإن نسب الولد لاحق به، وكذا موارثته إياه له وعليه.

باب فيما تصير به الأمة أم ولد

قلت: نحو ما قرر به كلامه، قولها في أواخر أمهات الأولاد: وإن ادعت الأمة أنها ولدت من سيدها، فأنكر؛ لم أحلفه لها إلا إن يقيم رجلين على إقرار السيد بالوطء، وامرأتين على الولادة؛ فتصير أم ولد، ويثبت نسب الولد إن كان معها وتلد، إلا أ، يدعي السيد استبراء بعد الوطء، فيكون ذلك له، هذا نص في جواز شهادتين فيما لا تجوز فيه شهادتين إذا كان لازماً لما تجوز فيه شهادتهن، وتقدم نحوه، وهو في

الموطأ وغيره.
قال ابن الحاجب: (وفي قبولها بأنه ابن فلان قولان).
قال ابن هارون: معناه: إذا كان المقصود من الشهادة استحقاق المال فقط، كما لو شهدتا فيمن مات أن هذا ابنه، لا وارث له في علمها غيره، فقول ابن القاسم، يحلف الولد، ويرث كشاهد له بذلك، ولا يثبت له نسب، وعلى قول أشهب لا يرث شيئاً؛ لأنه إنما يثبت بالنسب، والنسب لا يثبت بشهادتهما.
قلت: قال اللخمي في أوائل ترجمة شهادة النساء: اختلف في شهادتهن في ما ليس بمال، ويستحق به مال، فإن شهد رجل وامرأتان في ميت بنسبه أن هذا ابنه، أو أخوه ولا وارث له ثابت النسب؛ صحت الشهادة على قول ابن القاسم، وثبت له الميراث، ولم يجز على قول أشهب؛ لأنه قال: لا يستحق الميراث إلا بعد ثبوت الأصل بشهادة رجلين، فإن ثبت ذلك، ثم شهد واحد أنه لا يعلم له وارثاً سوى هذا؛ جازت، واستحق المال.
وقال ابن عبد السلام: هذا كلام مشكل، ولعله يرجع إلى الخلاف في الذكورة والأنوثة.
قلت: الأظهر تفسيره بما تقدم للخمي، وإن كان ظاهره مخالفاً لظاهر الوارد في الروايات في آخر سماع أشهب من رسم الأقضية الثالث؛ لأنه لا تجوز شهادة النساء في الأنساب، ومثله في النوادر.

زاد الشيخ عن ابن الماجشون: تجوز في الميراث إن ثبت النسب بغيرهن، كما تجوز في قتل الخطأ إن ثبت الموت بغيرهن، وإذا اختصم في تعدد الولاء لمن ورثوه عنه؛ جاز في ذلك شهادتهن، أو شاهد ويمين، وإن لم يثبت الولاء بغيرهن؛ لم تجز.
ولابن سحنون عنه: يجوز في الوراثة شاهد ويمين وشهادة النساء؛ لأنها على مال؛ لأن النسب يثبت بغيرهن.
ومثله قولها في الشهادات: تجوز شهادتهن في الموارثة إن ثبت النسب بغيرهن؛ لأنها في مال.
وفي السرقة منها: إن شهد رجل وامرأتان على رجل بالسرقة؛ لم يقطع، وضمن قيمة ذلك، ولا يمين على صاحب المتاع.
قال ابن الحاجب: وكذا قتل عبد عمداً، ويثبت المال دون القصاص.
قلت: هذا كنقل الشيخ عن محمد عن ابن القاسم: ويقضى بشاهد ويمين في قتل العبد، ويستحق قيمته من الحر، ورقبة العبد القاتل، إلا أن يفديه سيده بقيمة المقتول، ولا يقتص من العبد بذلك.
الشيخ عن سحنون: كل ما جاز فيه شاهد ويمين؛ جازت فيه شهادة النساء.
اللخمي: ومن الشهادة ما ليس بمال، ويستحق به مال أن يشهد رجل وامرأتان بنكاح بعد موت الزوج أو الزوجة، أو على ميت أن فلاناً أعتقه، أو على نسب أن هذا ابن الميت أو أخوه، فالشهادة على قول ابن القاسم صحيحة، وعلى قول أشهب؛ لا تجوز، وتقدم الكلام في شهادتهن؛ لتقدم موت أحد الوارثين على الآخر.
وقول ابن رشد: تجوز فيه شهادتهن اتفاقاً.
وقال ابن الحاجب: في ثبوت الميراث بذلك قولان لابن القاسم وأشهب.
وقبله ابن عبد السلام وابن هارون، ولا أعرف من نقله عن أشهب نصاً، ولا يبعد إجراؤه على أصله، وأخذه من قول اللخمي: واختلف في شهادتهن على التاريخ على الاختلاف فيما ليس بمال، ويستحق به مال نظر، ويقرب أخذه من قوله فيما يستحق به مال، ومنعه عبد الملك وسحنون، وقالا: كل ما لا يجوز فيه شاهد ويمين، لا تجوز فيه

شهادة النساء.
وفي وصاياها: الأصل: إن شهدت امرأتان مع رجل على موت ميت، فإن لم يكن له زوجة ولا أوصى بعتق ونحوه، وليس إلا قسمة التركة؛ فشهادتهن جائزة، وقال غيره: لا تجوز، وتقدم نحوه في شهادتها، قال غير واحد: إبطاله شهادتهن بالموت إن كان للميت زوجة، أو وصية لفوم؛ ردت في العتق، وجازت في الوصايا لقوم، فإن ضاق الثلث؛ فإنما لهم منه ما فضل عن العتق، وإنما تبطل كلها أن لو شهد لنفسه فيها، وكان بعض من لقيناه يشير إلى ما يفرق به بينهما، وهو أن الوصية بالعتق والمال ارتباطهما في الشهادة بهما ارتباط اتفاقي، كارتباط كون الإنسان ناطقاً بكون الفرس صاهلاً، وكارتباط كون الأخت مع البنت عاصبة بكون الأب مع الولد الذكر غير عاصب، لا لزومي كقولنا: كل ما كان هذا إنساناً كان حيواناً، وكلما كان هذا الحر مالكاً نصاباً من العين لا دين عليه؛ كان مخاطباً بزكاته؛ لصحة تعلق شهادتهن بأحدهما دون الآخر على تقدير وجودهما في الواقع، وارتباط إرث المال، وتنفيذ العتق الموصى به بغير شهادة في الشهادة بالموت؛ ارتباط لزومي؛ إذ لا يصح إيجاب الموت أحدهما دون الآخر على تقدير وجودهما في الواقع بحال، ولا يلزم من صحة التفريق بين مرتبطين ارتباطاً اتفاقياً لعارض صحته في المرتبطين ارتباطاً لزومياً، وإلا لما كان فرق بين اللزومية والاتفاقية؛ ولذا لم يطرد عندهم قياس اقتراني من الاتفاقيات، بخلاف اللزوميات.
قال أبو إبراهيم وأبو الحسن الصغير: يقوم من قولها مثل قول ابن الماجشون في الواضحة في عدل شهد أن فلاناً قتل فلاناً، ونحن في سفر، فمات مقعصاً ودفناه أنه لا قسامة فيه بالشاهد العدل، قال: وإنما تكون القسامة إذا كان الموت معروفاً، أريت لو جعلنا القسامة بشهادته على القتل، فأقسم الولاة، وقتلوا أتعتق أم ولده ومدبرته، ويفرق بينه وبين زوجته بالشاهد الواحد؟ هذا لا يكون.
قال أصبغ: يستأني السلطان في ذلك، فإن جاء ما هو أثبت من هذا؛ وإلا حكم بالقسامة مع الشاهد وبموته، وتعتد زوجته، وتعتق أم ولده، وينكحن، وقيل: يقسم

ولاته، ويقتل قاتله، ولا يموت في زوجته ورقيقه، وهو ضعيف.
قلت: ما أقاماه من قولها؛ يرد بأنه لا يلزم من إلغاء شهادتهن بالموت الموجب إعمالها في عتق، ونحوه إلغاء شهادة العدل بالموت الموجب إعمال شهادته فيما لا تجوز فيه من رفع العصمة والعتق؛ لأن ما أعملت فيه شهادته، وهو الموت هو مما يثبت شهادته؛ فلا يمنع إعماله فيه كونه موجباً لما لا تعمل فيه شهادته؛ لأنه حينئذ كشهادة النساء بما تجوز فيها شهادتهن، وهو يؤدي إلى ما لا يجوز فيه شهادتهن، وهذا كشهادتهن بأداء الكتابة الموجبة للعتق، وبثبوت الدين الموجب لنقض العتق، وإن كان ابن زرقون حكي عن إسماعيل القاضي: أنه لا يرد العتق بما يثبت عليه برجل وامرأتين، ولا شاهد ويمين؛ وإنما يرد بذلك ما يحدث من عتق بعد الحكم بالمال.
وشهادتهن بموت: يوجب عتقاً شهادة بما لا تجوز فيه شهادتهن مع كونه موجباً لما لا تجوز فيه شهادتهن؛ كشهادتهن بعتق يوجب طلاقاً، وهذا كشهادة امرأتين مع رجل بعتق عبد من حلف بالطلاق على عدم عتقه، أ، بعتق أمة تحت عبد، وتقدم لابن رشد على قول ابن القاسم في إجازته شهادتهن في قتل الخطأ مع غيبة البدن: أنها آيلة إلى جواز شهادتهن فيما عدا المال من الموت الذي يقطع العصمة بينه وبين نسائه، ويوجب عتق أمهات أولاده ومدبريه إلى غير ذلك مما لا تجوز شهادتهم فيه، وهو نحو ما زعموه من مساواته مسألة اللوث لمسألة كتاب الوصايا؛ فتأمله، وكون شهادتهن لوثا يأتي في اللوث إن شاء الله تعالى.
قال ابن الحاجب: (ولو أقام شاهداً، فطولب بالتزكية؛ أجيب إلى الحيلولة في المشهور به).
قلت: كذا هو في سائر النسخ شاهداً بالإفراد.
وقال ابن شاس: من أقام شاهدين، وطولب التزكية؛ فله أن يطلب الحيلولة، فيوقف الحيوان والعروض التي تطلب بعينها، ويشهد عليها.
فأما الحيلولة بإقامة مدعيها بشاهدين عدلين؛ فهو نقل غير واحد عن المذهب، وهذا قبل تعديلها حسبما نقله ابن شاس، وهو قولها: وإن كان أقام شاهدين، فكان

القاضي ينظر في تعديلهما، وخاف على المدعي فيه الفساد أمر أميناً فباعه وقبض ثمنه، ووضعه على يدي عدل، ويأتي لابن رشد خلافه.
وفي الحيلولة بإقامته شاهداً واحداً عدلاً: خلاف ابن سهل اختلف في العقلة بشاهد واحد عدل، ففي أحكام ابن زياد قولنا: وجوب العقل بها، وهو في الدور بالإقفال لها، وفي الأرض يمنع حرثها، وقاله عبيد الله بن يحيي، وأيوب بن سليمان، ولابن بطال عن ابن لبابة: لا تجب العقلة إلا بشاهدين، وقال سليمان: هو قول ابن القاسم.
وفي وثائق ابن العطار: لا تجب العقلة بشاهد واحد، ولكنه يمنع المطلوب أن يحدث في العقار بناءً أو بيعاً، أو شبه ذلك بالقول، ولا يخرج عن يده.
ولابن سحنون عنه: إن أقام المدعي شاهداً عدلاً عقل على المدعي عليه ما شهد به الشهود الذين ثبت بعضهم، قال: وسمع عيسى ابن القاسم: من أدعى أصل زيتون وثمرته، وأثبت شاهداً واحداً، وطلب أن يجعل وكيلاً على الثمرة يحوزها في الجنا والقص، وطلب من هي بيده أن يقوم عليها ليبيعها، قال: إن كان الشاهد عدلاً؛ حلف معه المدعي، وأخذ الثمرة، وإن كان الحاكم لا يقضي بالشاهد واليمين؛ نظر إلى ما فيه النماء والفضل في بيعة أو عصره، فوكل به من يثق به.
وفي مسائل ابن زرب: إنما حكم بالعقلة في هذه المسألة خوف فساد الثمرة، وتفويت المطلوب لها، وكذا يوقف كل ما يغاب عليه من عرض، وغيره بشاهد عدل، والأصول لا تعتقل إلا بعدلين وحيازتها إلا أن الشاهد العدل يمنع الحاكم به المطلوب أن يحدث بيعاً أو شيئاً يفوته، فإن أحدث فيه شيئاً بعد تقدمه إليه؛ لم ينفذ.
وقال في موضه آخر: اختلف في توقيف العقار بشاهد عدل؛ فقال بعضهم: العقلة فيه واجبة بذلك، واحتجوا بقول ابن القاسم في مسألة الزيتون، وقال بعضهم: لا تكون إلا بشاهدي عدل، وحيازتهما به جرى القضاء ببلدنا، والحجة فيه أن الغلة للمطلوب حتى يقضي عليه، وضمانها منه قبل ذلك، ولا تكون لطالب إلا إذا كان الضمان منه، ولا يكون منه إلا بشاهدي عدل وحيازتهما، ونزلت المسألة في دار بقرطبة،

فأفتيت فيها بالعقلة بشاهد عدل واحد، وخالفني بعض أصحابنا، وقال: لا تجوز العقلة بشاهد واحد، واحتج بما ذكرته من المقرب، وقال: إنه لم يقل أحد بذلك، وجهل جميع ما قدمناه من قول سحنون وابن زرب.
ولابن رشد في سماع عيسى المتقدم: اختلف في تأويل هذه المسألة، قيل معناها أن المدعي ادعي الأصول والثمرة معاً، كدعواه أنه اشتراها بثمرتها، وأقام على ذلك شاهداً واحداً، وقيل: بل ادعى الأصول فقط، فرأى توقيف الثمرة بشاهد واحد، وهو الآتي عل ما له في آخر رسم العرية بعد هذا فيمن أدعى دابة، وأقام عليها شاهداً واحداً، فماتت قبل القضاء له باليمين مع الشاهد أنه يحلف، وتكون المصيبة فيها منه؛ لأنه إذا رأى الضمان منه بالشاهد الواحد؛ فالتوقيف والغلة تابعان له.
واختلف في الحد يدخل فيه الشيء المستحق في ضمان المستحق، وتكون الغلة له، ويجب التوقيف به على ثلاثة أقوال: أحدهما: أنه لا يدخل في ضمانه، ولا تجب له الغلة حتى يقضي له به، وهو الآتي على قول مالك في الغلة التي هي بيده حتى يقضي بها للطالب؛ فعليه لا يجب توقيف الأصل المستحق توقيفاً يحال بينه وبينه، ولا توقيف غلته، وهو قول ابن القاسم في المدونة: إن الربع الذي لا يحول، ولا يزاول، ولا يوقف مثل ما يحول ويزول، وإنما يوقف وقفاً يمنع فيه من الإحداث.
والثاني: أنه يدخل في ضمانه، وتكون له الغلة، ويجب توقيفه، يحال بينه وبينه إذا ثبت له بشاهدين، أو بشاهد وامرأتين، وهو ظاهر قول مالك في الموطأ؛ إذا قال فيه: إن الغلة للمبتاع إلى يوم يثبت الحق، وقول غير ابن القاسم فيها؛ إذ قال: إن التوقيف يجب إذا أثبت المدعي حقه، وكلف المدعي عليه المدفع، وعلى هذا القول جرى عندنا الحكم.
والثالث: أنه يدخل في ضمانه، وتجب له الغلة، والتوقيف بشهادة شاهد واحد، وهو الآتي على قول ابن القاسم في رسم العرية في الضمان حسبما ذكرناه.
قلت: فمتقضى نقله أن على القول الثاني لا يجب التوقيف بمجرد شهادة شهيدي

عدل، وحكى ابن عبد السلام: الاتفاق على التوقيف بشهادة شاهدين.
وأما التوقيف بشهادة شاهد واحد لم تثبت عدالته؛ فنقل ابن الحاجب عن المذهب ثبوته، ولما ذكر ابن عبد السلام الخلاف في التوقيف بشهادة الواحد، قال: وهذا كله في شهادة العدل أو العدلين، وأما من يحتاج إلى تزكية؛ فلا تجب بشهادته حيلولة، وظاهر كلام بعض المتأخرين مثل ظاهر كلام المؤلف في مجهول الحال.
قلت: هو ظاهر بعض ألفاظها فيها ما نصه: قال ابن القاسم: ثم يوقف له العبد؛ لأن مالكاً حين قال: يدفع إليه رأيت الوقف له إذا قال الطالب: أنا آتي ببينتي إذا كان قد أثبت بسماع، أو جاء بشاهد، وظاهر ما تقدم من نقل ابن سهل أن لا وقف بالشاهد الواحد إذا لم تثبت عدالته.
ابن الحاجب إثر قوله: (أجيب إلى الحيلولة في المشهور به) ما نصه: (ولا يمنع من قبض أجرة العقار).
قال ابن عبد السلام: لعله إذا سبق عقد الكراء الخصام، وأما إذا أراد أن يعقد الكراء بعد الشروع في الخصام؛ فلا يبعد ذلك على ظاهر المدونة، وفي كتاب الأحكام خلاف ذلك: أنه يقفل الموضع.
قلت: تقدم نقل ابن سهل عن عبيد الله بن يحيي وغيره: العقل بشاهد عدل، وأنه في الدور بالإقفال، وفي الأرض يمنع حرثها، وظاهره: مطلقاً، كانت أكريت قبل ذلك أم لا؟، وما نسبه لظاهر المدونة من إجازة عقد الكراء بعد الشروع في الخصام هو ظاهر ما عزاه ابن رشد لابن القاسم في المدونة.
ويجب عندي أن يكون ذلك مقيداً بالمدة التي لا يخشي بقاؤها بعد فصل الخصومة كما تقدم في كراء الوصي ربع يتيمه، وهو ظاهر قول ابن شاس: ولمن هو بيده قبض أجرته إلى حيث ما ينفذ القضاء.
اللخمي: روى محمد في العبد أو الجارية يدعيان الحرية، وبينه غائبة، ويريدان أن يمكنا من طلبهما: فليس لهما ذلك إلا أن يأتيا بشبهة بالحق وحميل، وإن أثبتا شاهداً، زادعيا آخر بعيد الغيبة؛ لم يقبل منه، ومكن سيده منه إلا أن يأتي بشاهد آخر، وقال

أيضاً: يحبس ولا يخلي يذهب، ويوكل من يطلب شهوده.
وإن كانت جارية وأثبتت شاهداً؛ وقف السيد عنها، وإن كان مأموناً أمر؛ بلكف عنها، وإن كان غير مأمون؛ وقف، ويضرب له أجل الشهرين ونحوهما.
وقال أصبغ: إن كانت من الوخش؛ فهي كالعبد يخلي سبيلها، تطلب إذا أتت بحميل، وإن كانت رائعة؛ فلا، وأمرت أن توكل، ويجعل لها السلطان محتسباً.
وسمع ابن القاسم في رسم سلف من كتاب الاستحقاق في العبد يدعي الحرية، ويذكر بينة غائبة، والجارية مثل ذلك: لا يقبل قول العبد إلا أن يأتي ببينة، أو أمر يشبه فيه وجه الحق إن أتى بذلك رأيت له ذلك، واستحب في الجارية وقف ربها عنها، وإن كان مأموناً أمر بالكف عنها، وإن كان غير مأمون، وجاءت بأمر قوي في الشهادة؛ رأيت أن توضع في يدي امرأة، ويضرب في ذلك أجل الشهرين والثلاثة مثل الشاهد العدل.
ابن رشد: قوله: (لا يقبل قول العبد إلا أ، يأتي ببينة، أو أمر يشبه فيه وجه الحق، فإن أتى بذلك؛ رأيت له ذلك)؛ كلام وقع على غير تحصيل؛ إذ لا يصح أن يقبل قول العبد في دعواه الحرية إلا ببينة عدلة، لا إذا أتى عليه ببينة غير عدلة، أو أمر يشبه فيه وجه الحق، والحكم يفترق في ذلك بين أن يأتي ببينة غير عدلة أو بشاهد عدل، أ، بين أن لا يأتي بمن يشهد له ويشبه قوله، وبين أن لا يأتي بمن يشهد له، ولا يشبه قوله حسبما مصي تحصيله في سماع عبد الملك في الأقضية.
قلت: قال فيه ما نصه: إن أدعت الجارية أو العبد الحرية، فإن سميا لذلك سبباً كالشاهد العدل أو الشهود غير العدول؛ وقف السيد عن الجارية، وأمر بالكف عن وطئها إن كان مأموناً، وإن لم يكن مأموناً؛ وضعت على يدي امرأة، وضرب في ذلك أجل الشهرين والثلاثة، قاله مالك.
وإن سألت أن ترفع مع سيدها لموضع بينتها؛ فلها ذلك إن قرب الموضع، وإن بعد موضعها؛ فقيل ترفع مع سيدها إليه، قاله أصبغ، وقيل: لا يلزم سيدها رفعه إليه، ويقال له: ضع حميلاً يضمنك، واذهب لموضع بينك، وهو ظاهر قول ابن وهب في

سماع يحيى في رسم الأقضية من كتاب الشهادات: وإن لم يأت بحميل؛ طرح في السجن، ووكل من يقوم بأمره، قاله مالك فيما سأله عنه ابن كنانة لابن غانم، ومعناه: إن أدعى إلى ذلك السيد، وقال: أخشى أن يهرب لادعائه الحرية، وإن لم يسبب لذلك سبباً من بينة، ولم يأتيا بسوي الدعوى، فإن ادعيا لذلك وجهاً يشبه ويعرف؛ كادعائهما أنهما من أهل بلد عرف واليه بالتعسف على أهل ذمة ذلك البلد وبيعه لهم، أو ينتسب إلى قوم معروفين، ويأتي على ذلك بأمارة معروفة، وكان موضع بينتها قريباً؛ أخذ الإمام من ربهما حميلاً ألا يخرج بهما ولا يفربها، ويكتب لهما كتاباً لذلك الموضع، فإن جاء جواب كتابه بما يستوجب به الرفع مع سيده، أو الذهاب بحميل يأخذه منهم بقيمته؛ حكم بذلك، وإن لم يكن لما ادعياه وجه يعرف، والموضع بعيد؛ لم يلزم ربهما شيء.
واختلف إن لم يكن لدعواهما وجه، والموضع قريب؛ فقيل: لا يلزم ربهما شيء، وهو دليل قول ابن القاسم في هذه الرواية: إن كان الذي ذكره العبد قريباً على مسيرة اليوم وشبهه؛ فعسى به إن جاء بأمر يعرف، فلعل هذا يكتب له؛ يريد: يؤخذ من سيده حميل، وقول ابن الماجشون: وقيل: يكتب لهما، ويتخذ على سيدهما حميل أن لا يفوتهما، قاله عيسى في كتاب الجدار، وإن كان لما ادعيا وجه، والموضع بعيد؛ فقيل: لا يلزم السيد شيء، وهو دليل هذه الرواية؛ لأنه لم ير أن يكتب له غلا قرب الموضع، وأتى بأمر يعرف، وقال ابن حبيب عن مطرف وأصبغ: يكتب لهما، ويؤخذ من سيدهما حميل بهما.
والنظر: إن أخذ من العبد حميل بقيمته، فذهب لمحل بينته، فهرب، أو مات بالطريق، أو قتل، أو حدث به عيب، ولم تصح دعواه من شيء ما الحكم في ذلك؟ والذي أراه على ما يوجبه النظر، والقياس أن يضمن الحميل قيمته إن أبق، أو قتل، وما حدث به من عيوب بسبب سفره، ولا شيء عليه مما حدث بغير سبب سفره، ولا في موته إن مات.
قال ابن الحاجب: وتحال الأمة، وإن لم تطلب، إلا أ، يكون مأموناً عليها، وقيل:

تحال الرائعة مطلقاً.
ابن عبد السلام: يعني: أن من بيده أمة، فنوزع فيها، وشهد عليه شاهد كما تقدم وينبغي إن كان مكذباً لمن شهد لخصمه؛ أن يحال بينهما.
قلت: فظاهره: أنه حمل المسألة على أن الأمة أدعى مدع ملكها، لا أنها أدعت الحرية، ولا أعرف المسألة إلا من الموازية والعتبية، وهي فيهما في دعوى الحرية حسبما ذكرناه، وهو ظاهر قول ابن الحاجب: (وإن لم تطلب).
ولو كانت الدعوى لمن يدعى ملكها؛ لم تجب الحيلولة إلا بطلبة، هذا تحقيق النقل، وإن كان لا فرق في ذلك بين العتق وغيره.
وفيها: إن كانت الدعوى فيما يفسد من اللحم، ورطب الفواكه، وأقام شاهداً واحداً أو أثبت لطخاً، وقال: لي بينة ما لم يخف الفساد على ذلك الذي أدعى واستؤني، فإن أحضر ما ينتفع به، وإلا خلي بين المدعي عليه، وبين متاعه إن كان هو البائع، ونهي المستري أن يعرض له، وإن كان أقام شاهدين، فكان القاضي ينظر في تعديلهما، وخاف عليه الفساد؛ أمر ببيعه، وأخذ من المشتري الثمن الذي شهدت به البينة؛ قضي للمشتري بالثمن إن كان هو المدعي، وأخذ من المشتري الثمن الذي شهدت به البينة يدفع للبائع، كان أقل أو أكثر، ويقال للبائع: أنت أعلم بما زاد ثمن المشتري الذي جحدته البيع على ثمن سلعتك، وإن لم تزك البينة على الشراء؛ دفع القاضي الثمن للبائع، فإن ضاع الثمن قبل القضاء به لأحدهما؛ كان ممن يقضي به له.
عياض: قوله في توقيف ما يسرع إليه الفساد إذا قال المدعي: عندي شاهد واحد، ولا أحلف معه؛ أنه يؤجله ما لم يخف عليه الفساد، وإلا خلي بين المدعي عليه وبين متاعه.
معنى قوله: (وبل أحلف معه)؛ أي: البتة، ولو أراد: لا أحلف معه الآن؛ لأني أرجو شاهداً آخر، فإن وجدته، وإلا حلفت مع شاهدي؛ بيه حينئذ، ووقف ثمنه إن خشي فساده، وليس هذا بأضعف من شاهدين يطلب تعديلهما، فقد جعله يبيعه هنا،

ونحن على شك من تعديلهما، وهو إن لم يثبت؛ بطل الحق، وشاهد واحد في الأول ثابت بكل حال، والحلف معه ممكن إن لم يجد آخر، ويثبت الحق؛ فحاصله إن لم يقم المدعي إلا لطخاً قاصراً عن شاهد عدل، وعن شهيدين ممكن تعديلهما؛ وقف المدعي فيه ما لم يخش فساده، فإن خشي فساده؛ خلي بينه وبين المدعي عليه، وكذا إن أقام شاهداً عدلاً، وقال: لا أحلف معه بوجه، وإن قال: أحلف معه أو أتي بشاهدين؛ ينظر في تعديلهما بيع ووقف ثمنه حسبما ذكره في الأم.
ومثل ما ذكره عياض عن المذهب ذكر أبو حفص العطار، وزاد: إن كان أتى الطالب بشاهد واحد ولم يزكه، وهو قابل للتزكية؛ فهو كقيام شهيدين؛ ينظر في تزكيتهما، يباع المدعي فيه لخوف فساده، ونقل أبو إبراهيم قول عياض ولم يتعقبه.
وقال ابن الحاجب: (وما يفسد من طعام وغيره، قالوا: يباع وبوقف ثمنه إن كان شاهدان، ويستحلف ويخلي إن كان شاهد)، ف 1 كره ابن هارون فقبله، ولم يزد فيها حرفاً.
وقال ابن عبد السلام: تبرأ المؤلف من هذا القسم بقوله: (قالوا)؛ لأنهم مكنوا من الطعام بيده بعد قيام شاهد عليه، ولم يمكنوه منه إن قام عليه شاهدان؛ بل قالوا: يباع ويوقف ثمنه، ومن المعلوم أن شاهداً واحداً أضعف من شاهدين، قال: فإن قلت: لأجل أنه أضعف منهما؛ أبقوا الطعام بيد المدعي عليه، وألغوا أثر شهادة الشاهد.
قلت: لو كان هذا صحيحاً؛ لزم مثله فيما لا يخشى فساده أن يحلف من هو بيده، ويترك يفعل فيه ما أحب، غير أنه يمكن أن يجاب عن أهل المذهب بأن ما يخشى فساده؛ تعذر القضاء بعينه لمدعيه؛ لما يخشى من فساده قبل ثبوت دعواه، فلم يبق إلا النزاع في ثمنه، فهو إذن كدين على من هو بيده، فيمكن منه بعد أن يحلف؛ ليسقط حق المدعي في تعجيله، ولا يقال: يلزم مثله فيما قام عليه شاهدان؛ لأن حق المدعي فيه أقوى من حق المدعي عليه.
قلت: حاصل كلامه: أن المذهب عنده هو ما نصه ابن الحاجب، وأشار إلى التبري منه، وهو أن الشاهد الواحد فيما يخشى فساده يوجب عدم تمامه حين خوف فساد

المدعى فيه بتسليمه للمدعي عليه دون بيعه، وإن عدم تمام شهادة الشاهدين حينئذ لا يوجب ذلك؛ بل يوجب بيعه، ووقف ثمنه.
ومن تأمل كلام عياض وأبي حفص العطار مراعياً أصول المذهب؛ علم أن ما فهمه الشيخ عن المذهب، وفسر به كلام ابن الحاجب، وما أشار إليه من التبري غير صحيح، وظاهر كلام الشيخ عموم ذلك في الشاهد العدل، والمنظور في عدالته، وظاهر عطف ابن الحاجب الشاهد على الشاهدين أنه منظور في عدالته، وقول ابن عبد السلام في سؤاله وجوابه.
قلت: لو كان هذا صحيحاً؛ لزم فيما لا يخشى فساده واضح رده بأن الحكم المذكور؛ وهو تسليمه للمدعي عليه، أو بيعه ووقف ثمنه؛ معلل في كل الروايات بخوف فساده حين عدم تمام حجة المدعي عدماً لا يوجب تعجيزه، وهذه العلة مفقودة فيما لا يخشى فساده، وقوله: غير أنه يمكن أن يجاب الخ؛ هو بناء على فهمه المذهب بالتفرقة بين الشاهد الواحد والشاهدين، وتقدم رده، وعلى تسليمه يرد جوابه بأن اللازم حينئذ كونه كدين على من هو بيده، وهذا إنما يوجب عدم بيعه عليه لا الزيادة الثابتة في رواية المدونة، وهي قوله: ونهي المشتري أن يتعرض له؛ لأن ظاهرها: أنه لا يعرض له مطلقاً، لا فيعين المدعي فيه، ولا تعلقه بذمته، ولو بقيت دعواه في ثمنه؛ لوقف ثمنه، ولاسيما إن كان المدعي عليه غير ملي ثمنه، وموجب كلام الشيخ بما كتبه عدم وقوفه على كلام عياض، والله أعلم بمن اهتدى.
ابن شاس: تقبل شهادة الأصم في الأفعال، وهو نحو قول المازري عن المذهب: تجوز شهادة البصير فيما يصح أن يعلمه البصير.
وفي الزاهي لابن شعبان: شهادة الأخرس جائزة إذا عرفت إشارته، يكرر عليه حتى يستيقن، وإن كان يكتب؛ فالاختيار أن يكتب.
قلت: وقبول شهادته كصحة عقد نكاحه، وثبوت طلاقه وقذفه وكلاهما فيها.
وشهادة الأعمى بما تيقنه بما هو مسموع فيها مع غيرها؛ قبولها، وهو نص سماع ابن القاسم احتجاج مالك بقوله: وكان ابن أن مكتوم أعمى إماماً مؤذناً على عهد

رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال مالك: وكذا رجل يشهد على المرأة من وراء الستر، وعرفها وعرف صوتها، وأثبتها قبل ذلك، وكان الناس يدخلون على أزواجه صلى الله عليه وسلم بعد موته وبينهم وبينهن حجاب يسمعون منهن ويتحدثون عنهن.
ابن رشد: مثله في اللعان منها، وهو مما لا اختلاف فيه في المذهب، وما احتج به مالك صحيح لا خروج لأحد عنه.
وقال ربيعة: لو لم تجز شهادته ما جاز له وطء أمته، ولا زوجته.
قال المغيرة: سواء ولد أعمى أو لا، ونحوه للمازري.
وقال المتيطي في فصل صفة من يستحق القضاء ما نصه: واختلف في استقضاء الأعمى، فقال مالك في موضع: لا يجوز أن يستقضي، وفي الأحكام السلطانية جواز قضائه، والمشهور عن مالك جواز قضائه، وحكي أبو عبيد من رواية ابن أبي مريم عن مالك منع شهادته، كذا وقع في غير نسخة منع شهادته التي هي قسيمة الرواية لا منع قضائه المتكلم فيه، وفي النفس من هذا النقل شيء؛ لأن المتيطي لما تعرض لذكر شهادته لم يحك إلا جوازها، واستدلال مالك على ذلك.
وفي الأقضية منها: وإذا عرف الشاهد خطه في كتاب فيه شهادته؛ فلا يشهد حتى يذكر الشهادة ويوقن بها، ولكن يؤديها كما علم، ثم لا تنفع الطالب.
ابن رشد في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم من الشهادات: وأما شهادة الشاهد على خطه إذا لم يذكر الشهادة، فقال مالك: أول زمانه يشهد إن كان الكتاب نقياً، ولا يجد فيه ما يريبه، ثم رجع فقال: لا يشهد، وإن عرف خطه حتى يذكر الشهادة أو بعضها أو ما يدله على حقيقتها، وينفي التهمة عنها؛ فأخذ بالأول عامة أصحابه الأخوان، والمغيرة وابن أبي حازم وابن دينار وابن وهب، واختاره ابن حبيب وسحنون في نوازله.
قال مطرف: وعليه جماعة الناس، قال مع ابن الماجشون: وليقم بالشهادة تامة بأن يقول ما فيه حق، وإن لم يحفظ مما في الكتاب عدداً ولا مقعداً، ولا يعلم السلطان بأنه لم يعرف عين خطه، فإن أعلمه بذلك، وأنه لم يسترب في شيء لزم الحاكم ردها.

جارٍ التحميل