المفيت الرد بالعيب، نقلا اللخمي عن ابن القاسم ومحمد مع عبد الحق وابن محرز عن المذهب بناء على الحكم له بعوض المعيب لوصف كونه لو كان قائمًا رد لرد معيب غيره أو بمعيب؛ لأنه تبع له ولو كان عوض المتعدد المعيب بعضه عرضا، ففيها لابن القاسم جوابًا عن السؤال عن قول مالك من باع عبدًا بثوبين، وجد أعلاهما معيبًا وفات أدناهما، العبد قائم رد المعيب وقيمة الأدنى ورد العبد وإن فات بحوالة سوق فأعلى وقيمة الثوب الباقي من التالف، ثلثًا أو ربعًا رجع بقدر ذلك من قيمة لا في العبد، وإن كان المعيب وأعلى الثوبين باق لم يفت، ولا بحوالة سوق، وفات أدناهما رد العبد وأعلى الثوبين وقيمة أدناهما وإن الباقي بحوالة سوق أو كان أدناهما ردت قيمتهما مكانهما.
اللخمي: إن كان المعيب الأعلى وفات الأدنى وفات العبد رد المعيب وأخذ منابه من قيمة العبد، وعلى القول الآخر للمبتاع رد قيمته وأخذ قيمة عبده إن نقصت عن منابه من قيمة العبد.
قُلتُ: ويجري في ثاني الثلاثة وإن كان المعيب الأدنى والعبد قائم رده، وفي رجوعه بمنابه في قيمة العبد أو عينه، ثالثها هذا ويخير مبتاعه في الرضا بضرر الشركة، ورده لها، ولنقل ابن رُشْد مع الصقلي والتونسي عن أشهب والمازري عن أحد قولي ابن القاسم مع اللخمي عنه مع أشهب قائلًا ما قيل في ذلك أن لا خيارله؛ لأن العيب من سببه غير حسن؛ لأن البائع إن لم يدلس فلم يقصد لبقاء شركة فيه، وإن دلس فهو راج خفاءه والاطلاع عليه فيجري على حكم الرد بالعيب لا يؤخذ في المعيب بغير ما باع به كما لا يجبر على إسقاط قيمة العيب مع القيام، وإن كان المعيب العبد ورد، رد العبدان الثوبان وقيمتهما إن فاتا بحوالة سوق إلا أن يحب البائع أخذ الأدنى فله ذلك، لأن المقال فيه له واختلف في الأدنى إن كان قائمًا، قيل يرد قيمته، وقيل لمشتريه رده؛ لأن انتزاع الأجود من يده عيب عليه في الأدنى.
قُلتُ: يريد بانتزاع الاجود من يده فسخ البيع فيه لرده، وحكم سماع عيسى ابن القاسم فيمن اشترى جارية بجاريتين في عيب إحداهن، وهلاكها كمسألة العبد بالثوبين.
وحدوث العيب في المواضعة كعيب قديم.
الشَّيخ في الموَّازية: إن وجد بإحدى الجاريتين عيبًا وماتت الأخرى واختلفا في قيمتها وصفاتها، فإن اختلفا صدق البائع مع يمينه وإن لم ينتقد، وأنكر محمد فرق ابن القاسم بين النقد وعدمه، وكذا قال ابن حبيب وأصبغ.
قُلتُ: وعزاه التونسي لمحمد وأشهب في مسألة نصف حمل في الوكلات تفرقة ابن القاسم نصها في العيوب، وسمع أَصْبَغ ابن القاسم: إن اختلفا في قدر ثمن المردود بالعيب أو نوعه صدق البائع مع يمينه فيما يشبه.
أصبغ: إن يشبه صدق المبتاع فيما يشبه، فإن لم يشبه، ولم يقارب فقيمته يوم قبضه معيبًا.
ابن رُشْد: يريد بيوم قبضه يوم باعه؛ لأنه بيع صحيح، وذلك بعد أيمانهما معًا أو نكولهما، ومن نكل صدق خصمه مع يمينه وإن لم يشبه وسمعه عيسى إن مات بائع المعيب ومبتاعه وجهل ورثتهما ثمنه، جهله فوت، ولو كان العبد قائًما يرجع بقيمة العيب ينظر كم قيمته يوم قبضه مبتاعه فإن كان أرفع قيمته يومئذ خمسين دينارًا وأدناها أربعين كان ثمنه خمسة وأرعين ورجع بقدر العيب من ذلك.
عيسى: لا ينظر في هذا إلى وسط القيمة؛ لكن إلى قيمة يوم بيع تجعل القيمة ثمنه، ويرجع بقدر العيب في القيمة.
ابن رُشْد عن ابن القاسم: ليس جهل الثمن فوتًا ويرد العبد ويرجع بقيمة وسط، والقيمة يوم البيع لا يوم القبض؛ لأنه بيع صحيح ولم يذكر في هذا يمينًا، واليمين فيه واجبة على القول بلحقوق يمين التهمة فلا يحكم بما قال من رد العبد والرجوع بقيمته أو يوم مساكه والرجوع بقيمة العيب من القيمة على هذا القول إلا بعد أيمانهما أو نكولهما، فإن حلف ورثة البائع أنهم لا يعلمون عدة الثمن، ونكل ورثة المشتري لم يكن لهم شيء حتى يحلفوا، وإن حلف ونكل ورثة البائع اشترى بما يؤدي إليه اجتهاد الحاكم من الثمن ولو تصادقوا على جهله، وعدم قبضه، والسلعة قائمة حلفوا جميعًا ورد البيع على قولها في تضمين الصناع، وإن فاتت فهي لورثة المشتري بقيمتها وحكم في العيب كما تقدم، وقول عيسى: لا ينظر في شيء من هذا إلى وسط القيمة يرجع لقول ابن القاسم
في المعنى لا تخالفه إلا في صفة التقويم؛ لأنه لا يقول إنه يقوم أعلى القيم التي توجد في النادر ولا أدناها التي يبيع بها المضطر إنما يقول إنه يقول على الوسط من ذلك في الوكالة منها من ابتاع بمائة طعامًا رده بعيب وهو نصف حمل فقال بائعه: إنما بعتك بها حملًا فالقول قول المشتري إن أشبه؛ لأن البائع أقر له بالمائة كما لو رد عبدًا بعيب ابتاعه بمائة فقال بائعه: بعتكه وآخر معه بها، وإن لم يشبه قوله: وتفاحش صدق البائع بيمينه، ويرد نصف الثمن ولا غرم على المشتري في النصف الثاني إن حلف؛ لأن البائع مدع عبد الحق عن بعض شُيُوخه إن حلف البائع لنكول المشتري المشبه قوله في الطعام أو العبدين والمردود أعلاهما فلا يمين للمشتري لنكوله، ولا شيء له في الثمن إلا برد ما ادعاه البائع لتهمته على حبس ما ليس له حبسه، وإن كان أدناهما رجع بمنابه من الثمن، ولو حلف البائع لعدم شبه قول المشتري حلف ليرجع بمناب المردود وإلا فكنكوله مع شبه قوله، وقال غيره من شُيُوخنا: قولها: حلف البائع ولا يرد من الثمن إلا نصفه ولا غرم على المبتاع إذا حلف وليس يعني إن حلف البائع؛ لأن المشتري أتى بما لا يشبه أن اليمين على المشتري، وفي نقل الصقلي عن بعض الفقهاء: أنه إذا حلف البائع؛ لأن المشتري لم يشبه قوله: قيل للمشتري احلف وتبرأ من نصف حمل ويرجع بنصف الثمن فإن نكل لزمه المعيب بجميع الثمن.
قال الصقلي: يريد إلا قيمة العيب، وهذا أبين وأشبه بظاهر الكتاب من قول بعض الفقهاء.
قوله: (ولا غرم على المبتاع إذا حلف) عائد على أول المسألة إذا أتى المبتاع بما يشبه.
التونسي: فائدة يمين المبتاع إذا أتى بما لا يشبه بعد حلف البائع ليرد على البائع المعيب ويرجع بمنابه من الثمن، في الموَّازيَّة إن الطعام إن كان مكيلًا وأتى بما لا يشبه كان عليه حمل كامل، ويقدم تضعيفه في كتاب السلم، وعزاه اللخمي لمحمد، وعبر بأنه مخير بين يمسك ولا شيء له أو يرد نصفًا سالمًا مع المعيب.
قال: لأن إيتان المشتري بما لا يشبه، دليل على أن مع المردود غيره فلما لم يعينه مبتاعه قبل قول البائع في تعينه، ولو كان الطعام جزافًا لكان للمشتري رد المعيب وحده؛ لأن الجزاف في الفوت
كالسلع، وصار كمن اشترى سلعتين ظهر بإحداهما عيب.
قُلتُ: فيفرق بين كون العيب وجه الصفقة أو لا.
عياض: عن أبي عمران ظاهر الكتاب أن لا فرق بين المكيل والجزاف هنا خلاف قول محمد.
وقال ابن الماجِشُون: يلزمه تمام الحمل في المكيل، والموزون.
عبد الحق: ينبغي أن يفرق في المسألة بين نقد المبتاع وعدمه لتفرقة ابن القاسم فيمن اشترى عبدين هلك أحدهما ورد الآخر بعيب فاختلفا في صفة الهالك، وقاله بعض شُيُوخنا القرويين، فإن قيل: قوله: إذا حلف البائع يرد نصف الثمن دليل انتقاده قيل معناه بحكم الحاكم يرده وإلا ناقصت قوله في العبدين ونحوه للتونسي ولابن رُشْد في آخر مسألة من أول مسألة من نوازل أَصْبَغ في العيوب ظاهر قول ابن القاسم في أن القول قول المبتاع أنه نقد لقوله: ، وإن كان قد تأول أنه يرد بحكم الحاكم، وذكر عياض القياس على مسألة العبدين ثم قال: وقد فرقوا بين هذه المسألة يعني مسألة الحمل وبين غيرها بفروق كثيرة معلومة في كتاب البيوع.
قُلتُ: ولم أقف على هذه الفروق ولا بعضها ولاذكر شيئًا منه تقدم ذكره في المسألة؛ بل الظاهر أن القياس أحروي لتمام غرض البائع في مضي بيعه وهو الفائت بخلاف مسألة الطعام وتفريق أبي عمران بأن المبتاع في مسألة العبدين مقر مدع يرد بمنع كونه مقرًا بحال لقولها: إن قال الغاصب: غصبت الثوب خلقًا، وقال ربه: جديدًا فالقول قول الغاصب، وفيها مع غيرها: إنكار البائع ما رد عليه بعيب أنه معيبه مقبول بيمينه.
ابن عتاب: إن قال: أشك في كونه المبيع رد عليه ابن سهل.
قلت له: بيمين المبتاع.
قال: قد تتوجه اليمين وقد لا تتوجه.
قلت له: إن قال رجل لي عليك عشرة دنانير، فقال: المطلوب لا أدري أعشرة أم خمسة؟ قال: تلزمه عشرة، وقال لي ابن مالك في قول البائع: لا أعلم أهو الذي بعت منك أو غيره؟ يحلف المشتري.
ابن سهل: هذا أصل مختلف فيه الواضحة والموَّازية وغيرهما تركته خوف التطويل.
المتيطىي: إن اختلفا في قدر ثمن المردود بالعيب أو جنسه فلمحمد عن ابن القاسم يصدق البائع مع يمينه إن أتى بما يشبه وإلا صدق المبتاع بيمينه فيما يشبه وإلا فله قيمة المبيع سليمًا من العيب يوم البيع.
وفيها: مع سماع ابن القاسم في جامع البيوع من رد معيبًا دفع عن ثمنه الدنانير دراهم أو عرضا، رجع في الدراهم بها، وفي العروض بالدنانير زاد في السماع إلا أن لا يشبه كونه ثمنًا فما عليه إلا قيمة العرض.
ابن القاسم: يريد أخذه على وجه التجاوز والتخفيف ككونه معسرًا.
ابن رُشْد: هذا كقولها في العيوب والاستحقاق والرواحل والدور والتفرقة؛ لأنه في الدراهم صرف، وفي العرض بيع؛ لأن استحقاق السلعة المبيعة بالدنانير أو وجود عيب بها يسقط الدنانير عن المبتاع فتصير كأنها فوجب إن دفع فيها دراهم أن يرجع بالدراهم؛ لأنه صرف استحقت؛ لأن استحقاق الثمن في البيع لا يوجب نقضه؛ بل الرجوع بمثل المستحق، وقول مالك إلا أن يكون العرض لا يشبه كونه ثمنًا فيرجع بقيمته يوم قبضه صحيح لا يخنلف فيه، ومعناه إن فات العرض وإن كان قائمًا رجع في عينه، وروى أشهب يرجع بعينه أو قيمته إن فات ولو قبضه على غير التجاوز، وإلى هذا الخلاف أشار في العيوب منها بقوله: (وإنما اختلف الناس في السلعة الأولى) ولو باع سلعة بسلعة أخذ بها دنانير فاستحقت السلعة الأولى لرجع بالدنانير؛ لأن المبتاع يستحق السلعة الفائتة، فيرجع بثمنها وهو الدنانير.
قُلتُ: وكذا ردها بعيب وسمع أَصْبَغ ابن القاسم من أحال على ثمن عبد باعه بنصف دينار قضى عنه المبتاع دراهم ثم وجد به عيب رده رجع بصف دينار.
ابن رُشْد: سمع عيسى ابن القاسم يرجع بالدراهم وفيها مع غيرها: من ابتاع سلعًا صفقة واحدة وسميا ما لكل سلعة من الثمن المسمى، فهي لكل سلعة لغو في عيب بعضها أو استحقاقه؛ بل المعتبر مناب قيمة كل منها من المسمى لجميعها،
وفرضها المتيطي في العبيد ثم قال: إلا أن يقول بثمن كذا المملوك الفلاني منهم بكذا والفلاني بكذا والفلاني بكذا اتفقا على هذه التسمية أنفذاها على أنفسهما بعد أن حققا ذلك من قيمة كل واحد رضيا به فتنفذ التسمية عليهما فيهما، وتقدم اعتبار التسمية في نكاح امرأتين في عقد، وجمع الرجلين سلعتيهما في البيع، ولو كان المعيب قبض عن سليم في الذمة، كمن اطلع على عيب بعد موته قبضه من سليم، ففي رد قيمته لأخذ سليم، ورجوعه بقدر العيب جزاء في عبد سليم، ثالثها يرجع بقدر العيب عينًا للشيخ عن «الموَّازيَّة» وسَحنون وابن الحَكم قائلًا: إن قوم سليما بمائتين ومعيبا بمائة، رجع بمائة والعتق والإيلاد كالموت.
الشَّيخ: لا وجه له؛ لأن المقبوض إن كان غير صفقته لزم قول ابن القاسم، وإلا كان بعض صفقته، وهو قول سَحنون، وخرج المازري وغيره الأولين على رعي ضرر الشركة ولغوه.
الشَّيخ عن الواضحة: من أخذ عبدًا من دين سلف أو بيع أو دية خطأ فوجد به عيبًا فإن أشبه كونه ثمنًا لما أخذ منه رجع بجميعه، وإن لم يشبه أخذه إلا على الهضم البين لعدم أو صلة رجع بقيمته، وفيه اختلاف وهذا أحب إليَّ وذكر عن مالك.
وفيها: إن بعت عبدك من نفسه بأمة له فوجدت بها عيبًا أو استحقت، فلا رد لك وكأنه انتزاع وعتق ولو كانت حينئذ لغيره رجعت عليه بقيمتها، كما لو قاطعت مكاتبك على أمة بيده فاستحقت أو ظهر بها عيب، وسمع عيسى ابن القاسم: من اطلع على عيب مبيع كان عند بائعه وبائعه مفلس فأراد رده على الأول أو تغرمه أرش العيب لفوت المبيع لا يقبل قول المفلس أنه اشتراه بالبراءة من ذلك العيب إلا ببينة على قوله ذلك قبل التفليس أو على شرائه كذلك.
ابن رُشْد: لا خلاف في رجوعه على الأول ونحوه في سماع يحيي وأَصْبَغ وقوله: لا يقبل قوله بعد التفليس صحيح على أصولهم لا خلاف فيه إلا أنه رده على الأول لم يرجع عليه إلا بالأقل من الثمنين ثمنه بيعه، وثمن بيع المفلس إن كان الأول عشرة والثاني خمسة عشر رجع على الأول بعشرة وتبع المفلس بخمسة، وإن كانا بالعكس رجع عليه بعشرة والخمسة للمفلس على الأول يأخذها منه غرماؤه، وإن فات المبيع
رجع على الأول بالأقل من أرش العيب من الثمن الأول يوم بيعه ومن أرشه من الثمن الثاني يوم بيعه، وسمع عيسى رواية ابن القاسم: من اشترى جارية بستين وباعها بثمانين، فأراد مبتاعها ردها بعيب، فقال له بائعها أولًا: أنا أقيلك فرضي رجع عليه بستين لا بثمانين.
ابن القاسم: ولا يرجع على الثاني بشيء.
ابن رُشْد: هذا إن علم أن ثمنها أولًا ستون ولو جهله، وقال: ظننت ثمنها ستين حلف على ذلك، فإن أعطاه البائع الثاني بقية ثمنه لزمته الإقالة وإلا فلا.
قُلتُ: لهذه المسألة شبه بمسألة تعدي الوكيا على الإنكاح في زيادته في الصداق، ودخول الزوج عالمًا بتعدي الوكيل دون الزوجه وعكسه وعلمها، وجهلهما فتأمله فإن في تقريره طولًا.
وفيها: وفي شركتها مع غيرها إن ظهر عيب أنه لا يحدث مثله عند المبتاع فله رده به، وإن كان مما يمكن حدوثه عند أحدهما فإن كان ظاهرًا حلف البائع على البت، وإن كان يخفى مثله حلف على العلم.
زاد في سماع عيسى التصريح بمفهوم قولها فقال: إن كان مثله يحدث عند المشتري لطول مدته بيده فلا رد له.
ابن رُشْد: ما يمكن قدمه وحدوثه من عيب بدني يحلف فيه البائع اتفاقًا، وفي كون حلفه على البت مطلقًا أو على العلم، ثالثها: الأول: في الظاهر، والثاني: في الخفي، لابن نافع مع يحيي عن ابن القاسم وأشهب وابن القاسم أيضًا.
الباجي: سأل حبيب سَحنونا عن الحفر في الفم، والأضراس الساقطة، وعيب الفرج، وجري الجوف هل من الظاهر؟
قال: يسأل عنه أهل المعرفة.
ابن رُشْد: إن نكل ففي رجوعها على المبتاع بصفتها على البائع أو على العلم مطلقًا قولا ابن القاسم في المدنيَّة مع ابن حبيب وسماع عيسى، وعز الباجي الأول ليحيي عن ابن القاسم، وقال عن ابن نافع: يحلف المبتاع في العيوب على البت ولم يفرق وبه قال ابن أبي حازم وغيره من المدنيين.
فإن نكل المبتاع فقال ابن القاسم في المدينة: لزمه البيع
وهذا يقتضي أن لا حلف له بعد نكوله، ولابن نافع في المدنيَّة إن نكل المبتاع لم يرده أبدًا حتى يحلف، وهذا يقتضي أن له الحلف بعد نكوله.
اللخمي عن محمد: من ابتاع سلعة ممن باعها منه بأقل من ثمنها فظهر بها عيب مشكوك فيه حلف فإن نكل حلف الآخر وأخذ بقية ثمنه يريد شك هل هو في الصفقة الأولى أو حدث عند المشتري أولا وأحب التماسك وإن أحب الرد حلفا معًا، فإن نكل بائعها أولا وحلف مشتريها أخذ بقية الثمن وإن حلف البائع ونكل المشتري ردها وأخذ الثمن الثاني، وإن شك هل كان عند المشتري أو البائع في الصفقة الأخيرة حلف المشتري أولا وحده وبرئ فإن نكل حلف الأخر أنه لا يعلم أنه حدث عنده ويرد، وإن شك هل كان عند البائع قبل البيع أوفي الصفقة الثانية أو عند المشتري حلفا معًا ويحلف البائع أنه لا يعلم أنه حدث عنده ويبرآن، فإن نكل البائع في الوجهين معًا حلف المشتري ورجع على البائع ببقية الثمن وإن حلف ونكل المشتري فللبائع أن يرد
عليه ويرجع بالثمن ولا يغرم شيئًا، وإن حلف البائع أنه لا يعلمه كان في الصفقة الأولى، ونكل عن الحلف أنه لا يعلمه حدث في الأخير ولم يعلم يغرم ولا يرد ولا يمين على المشتري؛ لأنه ينكل فيرد تلك اليمين على من نكل عنها، وسمع عيسى ابن القاسم: من ابتاع عبدًا ظهر به عيب قديم، وآخر يمكن حدوثه وقدمه، فله الرد بالقديم ولا شيء عليه في الأخير إلا حلفه: ما علمت أنه حدث عندي.
ابن رُشْد: لأنه وجب له الرد بالقديم وأخذ جميع الثمن، والبائع يريد نقصه من الثمن بقوله: (... عندك) فهو مدع.
قُلتُ: سبقه بهذا التوجيه الباجي.
الصقلي: قال بعض أصحابنا: لا يقبل قول المبتاع في المشكوك فيه؛ لأنه إذا طلب رده بالقديم طلبه البائع بأرش المشكوك فيه فيحلف ويرده، وهو بين في سماع عيسى.
ابن رُشْد: فإن نكل المبتاع حلف البائع أنه ما يعلم العيب عنده أو ما كان عنده إن كان ظاهرًا وثبت حكم حدوثه عند المبتاع، فإن نكل البائع لزمه العيبان حسبما في سماع عيسى.
اللخمي: لو قال المشتري في الممكن حدوثه هو حديث وأنا أتمسك وأرجع بقيمة
العيب القديم، وقال البائع: هو قديم فأمسك ولا شيء أورد ولاشيء عليك، فالقول قول البائع على قول ابن القاسم وعلى قول ابن وَهْب، وعيسى القول قول المشتري مع يمينه فيرجع بالقديم.
التونسي: لوثبت معهما عيب حادث فإن رد كان القول قوله في المشكوك فيه مع يمينه وغرم ما يخص الحادث عنده، وإن أمسك ورجع بقيمة العيب القديم فالقول قول البائع في المشكوك فيه مع يمينه.
ابن محرز والمازري: إيجاب حلف البائع مع الشك في حدوث العيب وعدم تحقيق الدعوى عليه لشبهة شك أهل المعرفة في قدم العيب مع تحقيق وجوده بخلاف من شك في ثبوت حق له على غيره لا يمين له عليه اتفاقًا، والصواب فيمن شك في قضائه دينا عليه أن لا يمين له على رب الدين.
المازري: في تحليفه اختلاف في المذهب من نفاه رأي الشك لا شبهة له، ومن أثبته رأى أن الشك في القضاء يصير الدين مشكوكًا في ثبوته قلت: قوله: يصير الدين مشكوكًا في ثبوته، واضح ضعفه.
ابن الحاجب: إن تنازعا في العيب الخفي أو قدمه فالقول قول البائع.
ابن عبد السلام: لا مفهوم لقوله: (الخفي)؛ لأن العيب الظاهر لا رجوع به، وهو قول ابن حبيب، وغير واحد من الموثقين.
قُلتُ: عزاه لابن حبيب، الصقلي وصوبه، وعزا لمالك خلافه في مسألة الزلاء في المدَوَّونة، وفيما ذكره عن غير واحد من الموثقين نظر، لأن المتيطي وغيره منهم وابن سهل، وغيره من الأندلسيين أوجبوا اليمين على البت، في العيب الظاهر، ومثله لابن عات في غير موضع من الطرر منها قوله: من امتنع من دفع ثمن ما ابتاعه لدعوى عيب به إن كان ظاهرًا لا طول في القيام به لم يلزمه دفعه حتى يحاكمه، وقاله ابن رُشْد إن كان شيئًا ينقضي من ساعته، والحق أنه لا خلاف في الرد بالعيب الظاهر وكلام المتقدمين والمتأخرين يدل على أن العيب الظاهر مشترك أو مشكك يطلق على الظاهر الذي لا يخفى غالبًا على كل من اختبر المبيع تقليبًا ككون العبد مقعدًا أو مطموس العينين، وعلى مايخفى عند التقليب على من لم يتأمل، ولا يخفى غالبًا على من تأمل ككونه أعمى وهو
قائم العينين فالأول لا قيام به، والثاني يقام به اتفاقًا فيهما، ومما يدل على ذلك قول اللخمي:
قال مالك: يرد بالعيب الظاهر لا يخفى.
محمد: ولو طالت إقامته.
ابن القاسم: لا يمين له أن يكون من الظاهر الذي لا يشك أنه لا يخفى كقطع اليد والرجل والعور.
اللخمي: إن كان مطموس العينين لم يرد به إلا بفور الشراء، ولو قيل لا يصدق أنه لم يره كان وجهًا، وكذا أقطع إن قلب يديه، وإن قال: كتمني العبد هذه اليد حلف على ذلك فيما قرب، وقطع الرجل أبين أن لا يمكن من الرد إلا أن يكون بفوز تصرفه عند
العقد والشراء وهو جالس، وروى محمد: إن ابتاع نحاس غلامًا فأقام عنده ثلاثة أشهر حتى صرع ونقص حاله فوجد به عيبًا فلا رد له؛ لأنه يشتري فإن وجد ربحًا باع، وإلا خاصم.
ابن القاسم: أحب إلىَّ إن كان عيبًا يخفى حلف ما رآه ورده، وللصقلي في ترجمة الرد بالعيب والتداعي فيه ما نصه: قال ابن حبيب: وهذا فيما يخفى، وأما في الظاهر الرد بالعيب والتداعي فيه ما نصه: قال ابن حبيب: وهذا فيما يخفى، وأما في الظاهر فاليمن على البت فما نقله أولًا عن ابن حبيب هو في القسم الأول، وما نقله عنه ثانيًا هو في الثاني، فلو تأمل نقله ما حمل قوله: (أولًا) على الخلاف ثم وقفت على نقل ابن الحاج في نوازله عن أبي زَمَنْين ما نصه: من اشترى شيئًا وأشهد على نفسه أنه قلب ورضي ثم وجد عيبًا مثله يخفى عند التقليب حلف ما رآه، ورده إن أحب، وإن كان ظاهرًا مثله لا يخفى عند التقليب لزمه، ولا رد له، وإن لم يشهد أنه قلبه رد من الأمرين معًا قاله عبد الملك وأصبغ.
[باب فيما يثبت
... العيب عند المبيع في سماع عيسى أهل البصر.
الباجي: ما يطلع عليه الرجال قال محمد: لا يثبت إلا بعدلين من أهل العلم بعيوب تلك السلعة فيما يستوي الناس في معرفته، فإن اختصت معرفته بأهل العلم
كالأمراض المختصة بمعرفتها الأطباء لم يقبل إلا أهل المعرفة بها إن كانوا عدولًا فهو أتم وإن لم يوجد فيهم عدول قبل غيرهم، وإن لم يكونوا مسلمين؛ لأنه خبر عما ينفردون بعلمه ... .
قُلتُ: ظاهر قوله: فهو أتم صحة الاجتزاء بغير العدل مع وجوده، ولفظ المازري إن لم يوجد من يعرف هذا إلا من ليس بعدل من أهل الإسلام أو غيرهم اكتفى بهم للضرورة كقبول شهادة الصبيان في الجراح للضرورة ونحوه قول ابن رُشْد: القياس قبول قول القائف وإن كان غير عدل كقبول قول النصراني الطبيب فيما يحتاج لمعرفته كالعيوب، ولفظ المتيطي: يقبل في الشهادات بالعيوب أهل المعرفة بها عدولًا كانوا أول غير عدول، ويقبل في ذلك أهل الكتاب إذا لم يوجد سواهم يقتضي قبول غير العدول لا بشرط عدم العدول لإطلاقه أولا وتقييده في أهل الكتاب.
قُلتُ: والواجب في قبول غير العدل عند الحاجة إليه سلامته من جرحة الكذب، وإلا لم يقبل اتفاقًا ولذا علله الباجي بأنه خبر ولا خلاف في لغو خبر المجروح بالكذب، قال: وإن كان مما لا يطلع عليه الرجال كعيب جسد المرأة فظاهر قول مالك أن ما تحت الثوب من عيب تقبل فيه شهادة امرأتين.
وقال سَحنون: إن كان في الحسد بقر عنه ينظر إليه الرجال وما بالفرج يشهد فيه النساء، وعندي إن أمكن ستر ما حواليه وإظهار موضع العيب فقط لم يبقر الثوب فإن كان العيب الذي يشهد به النساء مما يستوي فيه النساء قبل فيه امرأتان من عدولهن دون يمين وإن كان من العيوب التي ينفرد بمعرفتها الرجال شهدت امرأتان بصفته وسأل أهل العلم عن حكمها، وسمع القرينان: من قبض جارية ابتاعها على أنها عذراء فقال:
وجدتها ثيبًا وأكذبه بائعها، وقال: لعلك افترعتها أو غيرك؟ نظرها النساء إن قلن نرى
أثرًا قريبًا من افتراعها حلف البائع، ولزمن المبتاع.
ابن رُشْد: جعل شهادة النساء موجبة لقبول قول من شهدن له مع يمينه كالشاهد الواحد واليد والرَّهن وإرخاء الستر ومعرفة العفاص والوكاء وشبهه.
قلت في قوله: (ومعرفة العفاص والوكاء) نظر؛ لأن المعروف أنه لا يحلف معه إذ ليس فيه منازع قال: ولو كان ما رأه النساء منها أمرًا فيما لا يشككن في قدمه أو حدوثه إذ ذلك مما تعرف حقيقة بالنظر لكانت شهادتهن بذلك عاملة دون يمين على ما سمعه عسي، وكان من أدركناه من الشُيُوخ ومن لم ندرك من المتقدمين يحملون هذا السماع على الخلاف لرواية عيسى، وعلى ذلك اختلفوا في الحائط، بين داري رجلين يدعيه كل منهما ملكًا له وتشهد البينة بأنه لأحدهما من حقوق داره بدليل عقود البناء وشبهه هل يقضى له بذلك مع يمينه أو دون يمين، وهذه عندي مسألة أخرى لا ينبغي أن يختلف في إيجاب اليمين فيها، إذ لا يمكن البينة أن تشهد بالملك من جهة دليل البناء إذ قد تكون لمن لا دليل له فيه بشرط في مقاسمة الدار أو بيع أو هبة أو شبه ذلك، وباليمين أفتى أبو عمر الأشبيلي وهو نص ابن الماجِشُون ولو كان المتداعيان في الحائط لا يدعيه كل واحد ملكًا لنفسه إنما يقول أنه من حقوق داره، يقضي له دون يمين.
قُلتُ: كونه من حقوق داره ملزوم؛ لأنه ملك لما تقرر أن المملوك للآدمي إنما هو منافع الذات ما دمت موجودة لا الذات.
ابن عات: أخبرت عن بعض الشُيُوخ من ادعى في أمة ابتاعها استرخاءءها عند الجماع أي تغوط وأنكره البائع إنها تطعم أيامًا متوالية لما يعتبر به ذلك كالبقل، ونحوه ثم يجامعها فإذا فرغ نظر النساء ثيابها فإن رأين أثر ذلك ردت.
قُلتُ: في قوله: (نظر النساء) نظر، والصواب الرجال، وتقدم نحوه في عيوب الزوجة.
الباجي عن ابن الماجِشُون إن كان العبد المعيب حيًا حاضرًا أجرأ فيه قول واحد من أهل المعرفة وإلا لم يثبت إلا بعدلين.
قال بعضهم: هذا إن كان القاضي أرسله ليقف عليه، وإن كان المبتاع وقفه عليه لنفسه، فلا يثبت إلا بعدلين اتفاقًا من أصحاب مالك، وفي أحكام ابن زياد: قام عندي مدعي عيب أمة فبعثت امرأة وثقت بها لتنظرها
فشهدت بأن بها عيبًا قديمًا يرد بمثله فأجاب.
ابن لبابة: بالحكم لمبتاعها بالرد، فتعقبه ابن سهل: بأن شهادة المرأة الواحدة في العيب لا يحكم بها.
قُلتُ: لعله جعله خبرًا لا شهادة؛ لأنه ببعث القاضي، وخبر المرأة كالرجل، ثم رأيت لابن عات عن أبي زيد وابن حبيب عن ابن الماجِشُون، إن كان المعيب قائمًا والعيب من أمور النساء سأل القاضي عنه أهل البصر وأخذ فيه بقول المرأة الواحدة، وقال المتيطي: معه عن بعضهم على قول مالك في الأمة الموقوفة للاستبراء يكفي فيها قول امرأة واحدة يثبت العيب بامرأة ويرد بأن في العيب منازعًا، والاستبراء لا منازع فيه، وعاب ابن سهل: قضاء القضاة بشهادة البينة بالعيب وإنه يحط من الثمن ويوجب الرد، وخطأ ابن لبابة في قبوله ذلك، وفتواه بعض القضاة على ذلك، وقال: الخطأ على ابن لبابة أقبح منه على القاضي إذ كان عليه أن يرشده، وقد أنكره ابن عتاب في شهادة شهود، وصلوا به شهاداتهم في عيب حوانيت وأنكرته أنا على شهود في حائط وقمطه أنه لفلان منهما، وقلت: ليس ذلك إليهم ولا يسمع منهم إنما يؤدون الشهادة بما عاينوا من حال البناء ووضعه ثم يفتي الفقيه على ذلك؛ لكني رأيت هذا المعنى كثر عند الحكام، ولا ينكرونه، وبلغني عن بعضهم أنه قال: لم تزال الشهادة تؤدى على هذا، والشُيُوخ متوافرون لا ينكرونه، ورأيت جواب جاهل بحال الفتيا أفتى في قناة ظهرت بدار مبيعة بقرب بئرها.
قال: يقال للشهود هل يجب بذلك الرد قالوا ردت فليت شعري ما الذي استفتى هو فيه؟ وإذا ثبتت الجهالة في الناس ظنت حقًا وحسبت سنة
قُلتُ: لعل ذلك عندهم في الشهود الذين يعلم أنهم يعلمون ما يفرقون به بين ما يجب به الرد وما لا.
المتيطي: قولنا في شهادة الطبيب إن العيب الذي شهد به ينقص الثمن، حسن، وقال بعض المفتين: إنما يجب أن يبين صفة الداء فقط، ويشهد بنقص الثمن عدلان سواه، بعد أن تصف البينة لهما الداء؛ لأن الضرورة ارتفعت في هذه الزيادة، قال بعض الموثقين: الأول أحسن؛ لأن من لا يدري الداء كيف يدري نقص الثمن.
الباجي: إن شهد بقدم العيب شاهد واحد.
قال محمد: يحلف معه المبتاع على
البت، وإن كان خفيًا، فإن نكل ففي حلف البائع على البت، أو العلم قولا محمد وأصبغ.
اللخمي: ليس هذا ببين، وأرى أن كانت الشهادة على قدمه وعلم البائع به، وقال المشتري: نعلم صحة الشهادة؛ لأن البائع اعترف عندي بذلك فحلف المشتري على البت وردها عند النكول كذلك، وإن قال الشاهد: علمته قبل البيع، ولا أدري هل رآه البائع، وقال المشتري: لا علم لي إلا بقول الشاهد لم يحلف مع شهادته على الصحيح من المذهب؛ لأنه يكلف اليمين على بت الشهادة ولا علم عنده من صدق الشاهد واليمين هنا في جنبة البائع على العلم، وكأنه لم يشهد بها شاهد، وإن قال الشاهد: علم بذلك البائع ولا علم عند المشتري من صدقه كانت اليمين في جنبة البائع فيحلف على البت في تكذيب الشاهد وعلى العلم في قدم العيب فإن نكل عن العيب وحلف على تكذيب الشاهد رجعت اليمين على المشتري على العلم بمنزلتها لو لم يشهد بذلك شاهد، وإن نكل عن تكذيب الشاهد رد البيع ولم ترد اليمين، وإن قطع المشتري بصدق الشاهد ولم يقطع بمعرفة البائع حلف المشتري على البت، فإن نكل حلف البائع على العلم، ولو اختلف أهل البصر في العيب، فقال بعضهم: يوجب الرد، وقال بعضهم: لا
يوجبه فللمتيطي عن الموَّازيَّة وابن مزين وغيرهما يسقطان؛ لأنه تكاذيب قال بعض الموثقين، إن تكافأتا في العدالة وإلا حكم بالأعدل.
قُلتُ: الجاري على قول الغير فيها في اختلاف المكاتب وسيدة في قول المكاتب نجمت على في عشرة أنجم، وقال السيد: في خمسة، أن تقدم بينة السيد؛ لأنها زادت.
وفي من مات وترك ولدين مسلمًا ونصرانيًا كلاهما يدعي أن الأب مات على دينه وأقاما على ذلك بينه من المسلمين وتكافأتا في العدالة، أن المال للمسلم أن تقدم بينة الرد؛ لأنها زادت لقولها الأصل السلامة ثم وجدت لابن سهل أن ابن القطان أفتى بذلك، وقال هو معنى المدَوَّنة والعتبية.
ابن سهل: الذي أشار إليه في المدَوَّنة هو قولها في اختلاف المقومين في السرقة، وقوله: في سماع عيسى: إن اجتمع رجلان على القيمة لم يلتفت لمن خالفهما، وفي نوازل سَحنون من شهد عليه بقتل عمدًا فأتى بينة أنه كان ببلد نائية عن موضع القتيل إذا
حق الحق لم يبطل إلا بجرح الشهود، وتمامها في الشهادات، ثم قال عن محمد: من أحضر حقًا لقضائه ربه فقال شاهدان: هو رديء، وقال آخران: هو جيد لم يقض بقبوله، ولو قبضه، فلما قلبه وجده رديئًا بزعمه، وشهد له به شاهدان وشهد آخران أنه جيد لم يقض له رده.
اللخمي: وكذا من باع ثوبًا لجنس فأراه مشتريه لأهل البصر، فاختلفوا فيه، إن تكافئوا في العدالة لزم المشتري، فأما إن لم يشتره على التصديق وإنما اشتراه بشرط إن كان من ذلك الجنس فلا يلزمه إذا اختلفا، ويلزمه ذلك إن ذلك إن اشتراه على التصديق؛ لأن اختلاف أهل المعرفة فيه عيب.
قُلتُ: عيب حادث لا قديم والأظهر إن كان الجنس المشترط هو غالب موضع التبايع فلا رد له، كقولها في اختلافهما في حدوث العيب وقدمه وإلا فله الرد.
ابن سهل: شهادة شاهد بعيب قديم وشهادة آخر قديم لغو، لعدم اجتماعهما على عيب واحد، وأشار ابن عتاب لتخريجها على قولي سَحنون في إعمال شهادة شاهد بجرحة رجل بشيء معين وآخر بآخر، ويرد بملزوميته الشيئين في الجرحة لوصف زائد عليهما هو الفسق، فاجتمعا على شيء واحد والعيبان لا شركة بينهما في أمر زائد عليهما.
وفيها: من ابتاع عبدًا فأبق بقرب البيع فقال له لبائعه أخشى أن يكون أبق عندك فاحلف لي، فلا يمين عليه، وما جهل أمره فهو على السلامة حتى تقوم بينة، وسمع ابن القاسم: من اشترى عبدًا فأبق منه فزعم العبد أنه أبق عند بائعه، فعلى بائعه اليمن.
ابن رُشْد: قول ابن القاسم بإيجاب اليمن على البائع ولو لم يعلم إباقه عند المشتري إلا بقوله مثل ظاهر سماعه هذا إذا لم يفرق بين ثبوت إباقه عند المشتري وعدمه خلاف ما في المدَوَّنة، وقول أشهب لا يمين عليه مثل سماعه في رسم الأقضية، ومثل ما في المدَوَّنة، وقول أشهب لا يمين عليه مثل سماعه في رسم الأقضية، ومثل ما في المدَونَّة حكى ذلك محمد عنهما، وقال: من رأيه قولًا ثالثًا، لا يمين عليه إلا أن يظهر العيب عند المشتري وما في المدَوَّنة إنما هو لأشهب لا لابن القاسم، وكذا القول في السرقة والزنا وعيوب الأخلاق، وقول بعض الشُيُوخ ليست هذه الرواية بخلاف لما في المدَوَّنة؛ لأنه إنما أوجب فيها اليمين على البائع لقول العبد أنه أبق عند بائعه فهي شبهة غلط ظاهر لا أثر لقول العبد لتهمته على إرادة رجوعه لبائعه.
اللخمي: إن سرق عبد أو أبق عند مبتاعه فادعى علم أنه فعل ذلك عند بائعه فعليه اليمين وإن لم يظهر ذلك عنده، وقال: يمكن أنه فعله عندك فلا يمين عليه اتفاقًا فيهما وإن قال: فعل ذلك عندي وأخبرت أنه أحدث مثله عندك فأصل ابن القاسم أنه يحلف، وقال أشهب: لا يمين عليه، ولابن القاسم في الموَّازيَّة إن قال: أبق عند البائع أو سرق أو زنى أو جن أو غير ذلك مما لا يعلم إلا بقوله: حلف البائع على علمه.
وقال ابن القاسم: لا يمين عليه وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدَوَّنة، وذكر ما حكاه ابن رُشْد عن محمد وصوبه، قال: وكذا إن قال المشتري سرق عندي وهو من أهل الدين والثقة فأرى أن يحلفه.
باب صفة يمين البائع في العيب
وصفة يمين البائع: قال أبو عمر: يحلف لقد باعه وما به عيب، أو ما به ذلك العيب.
قُلتُ: هذا مقتضى الأصول؛ لأن متعلق اليمين إنما هو نقيض نفس الدعوى، وقول ابن الحاجب: يمينه بعته وأقبضته وما به عيب، خلاف المذهب في قوله، وأقبضته لما علم من نصوص المذهب أن الضمان فيما ليس فيه حق توفية وهو حاضر أنه بالعقد لا بالقبض، وكذا اقتصاره على قوله: وما به عيب إنما الواجب عليه نفى العيب المخصوص فإن نفاه بصيغة العموم كفاه حسبما تقدم لأبي عمر.
وفيها: من رد عبدًا بعيب فادعى بائعه أنه رضيه فلا يمين عليه إلا أن يدعي علم رضاه بمخبر أنه أخبره أنه تسوق به بعد علمه بالعيب أو رضيه أو تقول بينته له فريضه.
اللخمي: لأشهب في المَّوازيَّة لا يمين له عليه، وإن ادعى أن مخبرًا أخبره وهو أصوب لإمكان كذبه ليحلفه وعليه أن يحضر من أخبره، فإن كان عدلًا فله أن يحلف معه، وإن كان حسن الحال غير عدل أحلفه به، وإن كان ساقط الحال فهو لغو وعزًا
الصقلي قولها للواضحة أيضًا، قال: وقال ابن أبي زمنين: ويحلف البائع لقد أخبره بذلك مخبر، ورواه يحيي بن عمر عن ابن القاسم، وقال بعض شُيُوخنا: ويزيد البائع في يمينه مخبر صدق، ولو عين من أخبره سقطت يمنه، ولو مسخوطًا.
قُلتُ: ونقله الباجي بلفظ واشترط فيه بعض المتأخرين أن يحلف أخبرني مخبر صدق خوف الإلغاز يقيم صبيًا أو مسخوطًا يخبره بذلك.
قال: وإن أظهر الذي أخبره بذلك لزم المشتري أن يحلف.
وإن كان المخبر مسخوطًا، ويجب على هذا التعليل إن كان المخبر ممن لا يعبأ لم تجب اليمين.
قُلتُ: ففي حلفه بقول البائع أخبرت برضاك العيب مطلقًا، ثالثها إن عين المخبر ولو كان مسخوطًا أو حلف أن مخبرًا أخبره بذلك، ورابعها هذا بزيادة مخبر صدق، وخامسها لا يحلف إلا بتعيين مخبر مستور لها مع الواضحة، ولأشهب ولابن أبي زَمَنَيْن مع ابن القاسم وبعض الشُيُوخ، واللخمي: ولما ذكر المتيطي بعض ما تقدم قال: وفي العتبيَّة قال سَحنون: أخبرني أشهب وابن نافع عن مالك: من أراد تحليف من رد عليه جارية بعيب أنه ما وطئها منذ رأى العيب، فلا يمين عليه له، قال سَحنون: جيدة.
وقال ابن القاسم في سماع عيسى: إن كان متهمًا حلف وإلا فلا.
قُلتُ: هذا يدل دلالة واضحة أن سماع عيسى عنده فيمن رد على حاضر، وليس الأمر كذلك إنما هو فيمن رد جارية بعيب على غائب، وتقدمت في الرد على الغائب.
قُلتُ: هو جواب سَحنون واحتجاجه برواية أشهب وابن نافع فإن قلت قول ابن رُشْد احتجاج سَحنون بذلك صحيح، لأن الإمام إنما يحلف فيما لو كان حاضرًا وإن أراد أن يحلفه فيه؛ لكن له أن يحلفه فيه، يدل على مساواة تحليفه للغائب لتحليفه للحاضر، وهذا موافق لنقل المتيطي.
قُلتُ: إن سلم ما قاله ابن رُشْد فإنما يوافقه قياسًا وتخريجًا لا نصًا، والمتيطي إنما ساقه مساق النص، وذكرها بن سهل على الصواب.
قال في أحكام ابن زياد: إذا رد جارية بعيب مبتاعها يحلف أنه ما وطئها، قاله محمد بن وليد وأيوب بن سليمان.
وقال ابن لبابة: إن كانت من الوخش، فلا يمين عليه إلا أن يكون متهمًا.
قال ابن سهل: قول ابن لبابة هو قول ابن القاسم في سماع عيسى في جارية ابتاعها، وغاب بائعها، ووصل بها في العتبيَّة سئل عنها سَحنون فذكر ما تقدم.
قال ابن سهل: فأسقط مالك وسَحنون اليمين والبائع يدعو إليها فاتهامه بوطء الجارية.
أما في مسألة ابن لبابة وأصحابه فلا يمين فيها على حال إذ ليس في مسألتهم أن البائع دعا إلى ذلك، وأظهر اتهام المبتاع بالوطء فلمن يحلف إذا لم يطلبه المبتاع؟ وأخل المتيطي بعدم ذكر تعقب ابن سهل.
قال الباجي: وإن اتفق الشاهدان على تاريخ العيب، واختلف المتبايعان في تاريخ البيع، فعلى قول أشهب القول قول البائع انتقد أو لم ينتقد، وعلى قول ابن القاسم إت انتقد فالقول قوله، وإلا فالقول قول المبتاع، وقد قال كل منهما في هذا الأصل بالقولين.
قُلتُ: وتمامها في عهدة الثلاث والمذهب ما اغتله مبتاع من حادث في مبيعه بعد عقده لا شيء عليه منه إن رده بعيب لحدث الترمذي بسنده عن مخلد بن خفاف عن عروة عن عائشة رضي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قضى أن الخراج بالضمان» ... .
عبد الحق: مخلد بن خفاف معروف بهذا الحديث لا يعرف له غيره، وقال أبو عيسى فيه: حديث حسن.
ابن القطان: ليس في هذا الكلام ما يبين حكم هذا الخبر عنده ومخلد مدني ثقة، ذكره المنتجالي عن أحمد بن خالد عن ابن وضاح وليس في هذا الحديث من ينظر فيه سواه فهو صحيح.
قُلتُ: هذا يقتضي أن ليس لعبد الحق فيه من الكلام غير ما نقل من كلامه وليس كذلك؛ لأنه أتبعه بقوله ورواه الترمذي أيضًا من حديث عمر بن علي المقدمي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما يعرف هذا بمسلم بن خالد
الزنجي عن هشام: ومسلم بن خالد لا يحتج به وعمر بن علي كان يدلس، وبه ضعفه من ضعفه وكان ابن حنبل يثني عليه، ويذكر تدليسه، وقال الترمذي في حديث عمر بن علي هذا الذي رواه عن هشام بمثل رواية مخلد بن خفاف: حديث حسن صحيح.
قُلتُ: فقد صرح بنقل صحته، وحديث مسلم بن خالد ذكره أبو داود عن مسلم بن خالد قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة أن رجلًا ابتاع غلامًا فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم ثم وجد عيبًا فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: فرده عليه فقال له الرجل يا رسول الله قد استغل غلامى فقال رسول الله صلى الله وسلم: «الخراج بالضمان».
الترمذي: تفسيره أن العبد لو هلك هلك من مال المشتري.
وفيها: غلة ما رد بعيب من عبد أو دار عند مبتاعه له، والولد كأمه ولا غرم للولادة إلا أن يفقصها.
الصقلي: ويجبر بالولد كقوله في الأمة.
ابن رُشْد: الغلة أقسام: ما لا يتولد عن المبيع كالعبد يؤاجر والمسكن يكرى لمباعه إلى يوم رده، وعليه نفقته، وما يتولد عنه، وشأنه قبضه كلما تولد كالبن كما لا يتولد، وما شأنه أن لا يقبض إلا في أوقات معهودة من صوف نبات كالنحل، فإن لم يكن بها ثمر يوم البيع ولا يوم الرد فلا شيء في سقيها، وقيل: يرجع به على مذهب ابن القاسم وهو جار على كون الرد نقض بيع أو ابتداء بيع بقاء الثمرة للمبتاع وقاله أَصْبَغ في البيع الفاسد، والرد على أنه نقض مثله، وفي جده ما تقدم وفي جده قبل إباره، ولو كان أبر وطاب فهو للمبتاع هذا قول ابن القاسم، فيها لا أعرف له خلافه وعلى قوله في الموَّازيَّة في الاستحقاق أن يرده ما لم ييأس ويرجع بالسقي والعلاج وعلى ما لأبي زيد عنه في الاستحقاق أن يرده ويرجع ما لم تجد كقول أشهب فيها أنه إذا اشترى الثمرة وقد أبرت، ولا فرق على مذهبه في هذا بين شراء النخل ولا ثمرة فيها أو فيها ثمرة أبرت أم لا؛ لأنه رآها ما لم تطب تبعًا للأصول لا حصة لها من الثمن وإن لم
تجب له بعد الإبار إلا باشتراطه إذ لا يصح بيعها مفردة عن الأصل وقاله ابن الماجِشُون في البيع الفاسد: أنه يرد الثمرة ما لم تجد، ولا فرق في الرد بالعيب وبفساد البيع، وبالاستحقاق، ففي صيرورة الثمرة غلة في الثلاثة بلإبار أو الطيب أو اليبس، رابعها: لا إلا بالجذاذ وإن كان بها ثمر يوم البيع وردها ولم تؤبر ففي رجوعه بها نقل فضل عن ابن القاسم مع أشهب، ودليل قول القاسم فيها: فإن جده كان كعيب حدث عنده، ولو أبرت قبل الرد أو طابت، فكما تقدم إذا اشتراها ولا ثمر فيها، فأبرت قبل الرد أو طابت اتفاقًا واختلافًا وإن كان بها يوم البيع ثمر أبر وقام بالعيب قبل طيبه رد معها اتفاقًا، ويرجع بها عند ابن القاسم وأشهب فإن جده كا كعيب حدث عنده فإن قام به بعد طيبه ففي رده معها، ولو جد ومكيلته إن فات، وقيمته إن جهلت، ويرجع بها، وكونه غلة، ثالثها مضيه بمنابه من الثمن إن يبس لابن القاسم وأشهب، وتخريج سَحنون على قول ابن القاسم في الشفعة لعده ذلك تناقضًا منه، وعلى كونها غلة أو مضيها بالثمن في حد ذلك بالطيب أو اليبس، ثالثها بالجد ولو ذهب الثمر في هذا الوجه بجائحة رد المعيب، ورجع بجميع الثمن اتفاقًا ولو كان بها يوم البيع ثمر طاب، رده معها ومثله إن فات، فإن جهلت مكيلته ففي مضيه بمنابه من الثمن، ورد قيمته بدله قولان وحكم الرد لفساد البع كالرد بالعيب إلا أن رده للفساد لازم، فهو نقض بيع اتفاقًا، وجد الثمرة فيه قبل الإبار أو بعده فوت يوجب تصحيحه بالقيمة، ورجع اللخمي: كون الثمرة بالطيب غلة وجعله المازري المشهور، قال: وكذا في البيع الفاسد، وفي الاستحقاق والشفعة، ترد ما لم تيبس، وفي التفليس ترد ولو يبست ما لم تجد، وقد اختلف في هذه المسائل فقيل الإبار فيها فوت، وكان أشياخي يرون أنه لا يتحقق فرق يقتضي اختلاف أجوبة هذه المسائل الخمس فيدخل في جميعها الفوت بالطيب، وباليبس وبالجداد والإبار قول وقع في المذهب من غير تخريج، وهو مقتضى كون الرد بالعيب ابتداء بيع وكذا في الشفعة، ولا يتصور هذا في الاستحقاق والبيع الفاسد، ولما ذكر اللخمي قولي ابن القاسم، وأشهب إذا اشتراها وبها ثمر أبر، قال: إن لم يزد ثمرها في ثمنها شيئًا أو زاد ما لا خطب له كان له بغير ثمن وإلا كان مبيعًا، وأرى أن يمضي بما ينوبه من الثمن يوم البيع وأصل مالك وابن القاسم في العيوب عدم
تهمتهما في البيع وإذا لم يتهما على إظهار البيع في الرقاب ليتوصلا لبيع الثمر قبل بدو صلاحه مضى بمنابه من الثمن.
الباجي: لا يجوز ترك التمر بحصته من الثمن؛ لأنه لا يجوز إفراده قبل بدو صلاحه بالبيع.
ولما ذكر قول ابن القاسم إذا رد الثمن رجع بالسقي والعلاج قال:
وعندي أنه لا يكون له من العمل إلا ما لولا الثمرة لم يعلمه؛ لأنهم لم يذكروا في الغنم الرجوع بالرعي والسقي.
وفيها: لو هلكت الثمرة المأبورة يوم البيع ثم وجد بالنخل عيبًا ردها ولا شيء عليه في الثمر: ابن محرز عن بعض المذاكرين قوله في هلاك الثمرة من غير سببه لا شيء عليع فيها يدل على أنها لا حصة لها من الثمن إذ لو كان لها حصة لكان لها ضامنًا، وقال بعضهم: هذا لا دلالة فيه وإنما لم يضمنه؛ لأنها غير مقبوضة له، ألا ترى أنه لا يجوز شراؤها مع أصلها بطعام نقدًا.
ابن محرز: كل هذا غير صحيح، أما القول الأول فقد نص ابن القاسم على خلافه، وهو قوله: لو جدها كان لها ضامنًا فلو لم تكن لها حصة من الثمن ما اختلف حكمها إذا هلكت قبل جدها أو بعده، ولقوله: لو جدها بعد طيبها ثم جاء شفيع حط عنه من الثمن ما ينوبها يوم البيع، والقول الثاني متناقض لأنه يجب إذا كان الضمان على البائع أن يرجع المشتري عليه بما ينوبه من الثمن.
قلت: يرد رده الأول بأنها قبل الجد تابعة فلم يكن لها حظ من الثمن وبعده مستقلة فإن هلكت ضمنها، كمال العبد يهلك قبل انتزاعه أو بعده، وإيه أشار فيها بقوله: وهي كمال العبد إن انتزعته رددته معه فإن هلك المال قبل انتزاعه لم يلزمك له نقص إن رددته بعيب، وكذلك ما يأتي على الثمرة من أمر الله قبل جدادها، وذكر المازري ما ذكره ابن محرز ولم يجب عنه، قال: وذكر بعض المتأخرين لو اشتراها بعد الزهو ضمنها وإن لم تفارق الشجر إذا هلكت بأمر من الله.
قُلتُ: هو الصقلي: وفيها: لا شيء عليك فيما حلبت من لبن ولو كان في ضروعها يوم البيع ولا فيما انتفعت به من زبد أو سمن.
اللخمي: إن لم تكن حين البيع مصراة؛ لأنه حينئذ مبيع على الصحيح من المذهب وإن كانت حين الرد مصراة فله أن يحلبها ثم يرد؛ لأنه قد جمع ولم يبق فيه إلا حلبه.
وفيها: ولا فيما جززت من صوف أو وبر، وإن كان يوم الصفقة تامًا رددته بردها بعيب أو مثله إن فات.
اللخمي: ما حدث بعد العقد فهو غلة بجزازه ولو جزه قبل وقته، وما لم يجزه في كونه غلة بتمامه أو تعسامه أو جزه ثلاثة قياسًا على الطيب واليبس والجد في التمر، وفي رد ما كان تامًا يوم البيع قول ابن القاسم وأشهب فيها وعلى الأول يرده أو مثله إن فات، وقول اللخمي: الأول أحسن؛ لأنه يزاد في الثمن لأجله، وللمشتري غرم مثله؛ لأن خطبه قريب كالقول في الجلد المستثنى يغرم مثله أو قيمته، وإن وجد العيب بعد أن صار عليها صوف وتم ردها ولا شيء عليه للأول وهذا أبين من جبر العيب بالولد.
الباجي: لم يذكروا الرجوع بالرعي والسقي وإنما يرجع بالجز عندي ولم أرفيه نصًا وبه استدل على ما تقدم له في السقي، والعلاج.
قال: وما تلف قبل الجز فلا شيء عليه.
وفيها: إن هلك مال العبد قبل انتزاعه فلا شيء عليه فيه في رده بعيب، وإن انتزعته رددته معه.
الباجي: ما وهبه له غير المبتاع أو تصدق به عليه أو ربحه فيما بيده كما بيده يوم البيع وما وهبه له مبتاعه أو أفاده من عمله أو ربحه في مال دفعه له مبتاعه فله إمساكه.
المازري: هذا بناء على أن ماله تبع له وأن لا حصة له من الثمن ولذا جاز اشتراطه ولو كان مجهولًا ولو كان فيه عبد أبق.
قُلتُ: ومنه قولها في آخر شراء الغائب: من اشترى عبدًا واستثنى ماله، وماله دنانير ودراهم، وعروض ورقيق بدراهم نقدًا أو إلى أجل جاز.
الصقلي عن «الموَّازيَّة» لو استثنى ماله وله جارية رهنها البائع إن افتكها فهي للعبد.
محمد: عليه افتكاكها من ماله، ولو كانت حاملًا منه فهي تبع له وولدها للبائع؛ لأنه ليس بمال له ولا يفسخ البيع؛ لأنه لو استثنى ماله وفيه عبد آبق فلا بأس بذلك.
محمد: وأظنها رواية أبي زيد عن ابن القاسم وأتوقف عنها، وعزا المازري: ما في الموَّازيَّة لمالك قال: وتوقف محمد في مسألة الجارية دون الآبق فلعله يفرق بينهما فإن الإباق الظاهر عدمه فلا يقصد بشيء من الثمن، والجارية معينة فلها حصة من الثمن فلا يجوز بيع أمة استثنى البائع جنينها مع انعقاده على تفرقة الولد منها.
قُلتُ: تفرقته بأن الجارية لها حصة من الثمن خلاف ما تقدم من قولها في شراء الغائب وقولها في الجنايات: إن أذن أحد الشريكين في العبد لصاحبه في أخذ حصته من ماله، وترك الآخر نصيبه بيد العبد جاز؛ لأنه هبة منه أو مقاسمة ثم إن باعها العبد بعد ذلك واشترط المبتاع ماله فالثمن بينهما نصفان؛ لأن ما له ملغى لا حصة له من الثمن، وتفرقته بأن في الجارية تفرقة بين الأم وولدها صواب به يجاب عن معارضة محمد: في توقفة مع أجازة ابن القاسم في أمهات الأولاد: شراء الولد زوجته الحامل منه من أبيه؛ لأن استثناء الولد فيها للحرية والتفرقة بالحرية جائزة حسبما في التجارة بأرض الحرب منها ولم يذكر المازري في كون مال العبد لا حصة له من الثمن خلافًا لما ذكره اللخمي، قال: ولابن القاسم في كتاب الجوائح أنه يزاد في الثمن لأجله.
قُلتُ: إن قيل أين ذكر ذلك في الجوائح؟ بل نص في الجوائح منها على أنه: لا حصة له من الثمن وهو لفظ أبي سعيد كمكتري الدار وفيها: نخل لم يطب وهو تبع للكراء فاشتراطها فذلك جائز ولا جائحة في ثمرها إذ لا حصة لذلك من الثمن في الكراء، وكمن ابتاع عبدًا فاستثنى ماله ثم هلك ماله ثم رده بعيب أو استحق فإنه يرجع بجميع الثمن ولا يحط لمال العبد من الثمن شيء إذ لا حصة له منه.
قُلتُ: هذا السؤال عارض لمن قصر نظره على المختصرات دون أصولها؛ لأن أبا سعيد أجل بذكر ما أخذ منه.
اللخمي: مدعاه؛ لأن لفظها في المدَوَّنة ما نصه، ومما يبين ذلك أن الرجل يشتري العبد ويشتثنى ماله فيصاب مال العبد ثم يجد به عيبًا أو يستحق فيرجع المشتري بالثمن كله فلا يوضع عن البائع شيء لمال العبد الذي تلف وهو لم ستثنه كان للبائع، وفيه زيادة في الثمن فلا يوضع عنه شيء قال اللخمي: وكذلك في الموَّازية، وقال في العبد الرَّهن يجني فيسلمه سيده فيفتديه المرتهن دون إذن سيده إنه يباع بماله ويفض الثمن فما ناب المال دخل معه فيه الغرماء وهو أحسن؛ لأن ذلك معلوم أن ثمنه بماله أكثر من ثمنه دونه وأرى أنه مبيع معه كسلعة أخرى فيتقى فيه الربا والجهالة فيمنع شراؤه بالعين إذا كان ماله عينًا لوجهين: أحدهما مراعاة الخلاف للقول: إن العبد لا يملك، الثاني مراعاة لأحد قولي ابن القاسم في العبد المأذون له يشتري ابنة مولاه أنها تعتق على
السيد ولا يطؤها العبد وكل هذا إذا اشتراه بماله، وإن قال: اشتريه وماله لم يجز إلا كأنه سلعة بيعت منه قولًا واحدًا.
الصقلي: لأصْبَغ عن ابن القاسم من قال: أبيعك عبدي هذا وله مائة دينار أو فيكها لم يجز، يريد والثمن عين، قال بعض أصحابنا: لأن قوله أوفيكها كالانتزاع ولو لم يذكر ذلك لجاز، وعن بعض القرويين لو قال: أبيعك عبدي هذا وله مائة دينار لم يجز، وقال بعض أصحابنا عن بعض شُيُوخنا: إنه جائز بناء على أن ذكرها موجب لها من الثمن قدرًا في دخول ما رد بعيب في ضمان بائعه بقول مبتاعه رددته أو بالحكم به، ثالثها يقبضه بائعه.
للخمي عن ابن القُصَّار، مقيدًا له بكون عيب رد لا شك فيه، وعنا مع إحدى روايتي الموَّازيَّة وأخراهما المقدمات في دخوله في ضمان البائع بإشهاد مبتاعه أنه غير راض به ولم يطل أمره بحيث يرى أنه رضيه أو بإثباته عند السلطان، ثالثها بالقضاء به أو رضا بائعه بقبضه لأَصْبَغ وغيره، وسمع ابن القاسم من وجد بعبد ابتاعه عيبًا فلقى صاحبه فأشهد عليه أنه غير راض به وأنه برئ منه، فأقبل ليأخذ عبده فوجده هلك بعد قول المشتري أو امتنع البائع من قبضه، فذهب المشتري ليستعدي عليه فهلك العبد، فالعبد من مشتريه حتى يرده لبائعه بقضاء السلطان أو قبض البائع عبده.
ابن القاسم قال لي مالك: إذا قضى به السلطان فهو من البائع وإن لم يقبضه.
مبين قوله: قبل ذلك حتى يرده إلى البائع بقضاء السلطان.
وفيما يدخل به المردود بالعيب في ضمان البائع أربعة:
أحدها: بإشهاد المبتاع على العيب وأنه غير راض به وهو قول أصبغ.
الثاني: برضا البائع بقبضه أو بثبوت العيب عند السلطان، وإن لم يحكم برده وهو الآتي على قول مالك في الموطأ وقول ابن القاسم في شهادات المدَوَّنة.
الثالث: إن رضي بقبضه، فحتى يمضي من المدة ما يمكنه فيه قبضه، وإن ثبت العيب عند السلطان فحتى يقضي فيه برده، ويمضي ما يمكنه فيه قبضه، وهو معنى ما في هذه الرواية، ولا خلاف في هذا؛ لأن حكم الحاكم لا يفتقر لحيازة وإنما يختلف إذا رضي البائع بأخذ مبيعه دون حكم هل يدخل في ضانه بنفس رضاه أو حتى يقبضه أو
يمضي ما يمكنه فيه قبضه أو حتى يقبضه، وإن مضى من المدة ما فيه قبضه فقيل يدخل في ضمانه بنفس الرضا دون القبض، وقيل أو يمضي من المدة ما فيه قبضه، وقيل حتى يقبضه، وإن مضى ما فيه قبضه، وهو ظاهر قوله في هذه الرواية أو بأمر يعرفه صاحب العبد فيقبض عبده، وهذا هو القول الرابع على القول إن الرد بالعيب ابتداء بيع، وإن على البائع في المبيع حق توفية، وجه الأول أن المبتاع لما كان بالخيار بين الرد والإمساك شاء البائع أو أبى لم يكن لاعتبار رضاه معنى ووجب بإشهاد المبتاع أنه رد نقض البيع، وكون المصيبة من البائع والثاني على أن الرد نقض بيع فإذا وجب بثبوت العيب أو بإقرار البائع به وجب كون الضمان منه.
والثالث على القول إن الرد ابتداء بيع، وإن البائع ليس عليه حق توفية، فإذا مضى ما يمكنه فيه قبضه فالمصيبة منه وإن لم يقبضه، والرابع على أن الرد ابتداء بيع وإن على البائع فيما باعه حق توفية فالمصيبة منه ما لم يقبض المبتاع، وإن مضى ما يمكنه فيه القبض، وهذا الاختلاف جار على اختلافهم في المكيال يسقط في يد المشتري بعد امتلائه، وقبل تفريغه في إنائه، فسمع يحيي ابن القاسم ضمانه من البائع وعليه يأتي قوله في هذه الرواية فيقبض عبده، ولسَحنون في نوازله: ضمانه من المشتري فعليه يدخل المردود بالعيب في ضمان البائع بنفس رضاه بقبضه، وقد قيل على البائع في العروض حق توفية وهي في ضمانه، وإن طال الأمر، وكان قبض الثمن ما لم يقبضها لمبتاع أو يدعوه البائع لقبضها فيأبى قاله أشهب في ديوانه، وعليه يأتي القول الرابع حسبما بيناه.
وقال ابن دحون: قوله في هذه الرواية: ويقبض العبد قول غريب يوجب أن من اشترى شيئًا بعينه فمات قبل قبض المشتري إنه من بائعه، ولا خلاف في ذلك إلا في هذه القولة النادرة وليس قوله بصحيح إذا قد بينا الاختلاف فيه، وإنه قول من رأى أن على البائع حق توفية في العروض.
قال ابن دحون: وإنما الخلاف إذا احتبسه البائع بالثمن.
قال ابن القاسم: حكمه كالرهن، وقال غيره: هو من البائع.
ابن رُشْد: القولان لمالك في كتاب العيوب من المدَوَّنة فلو كان البائع لما رضي بقبض عبده أبي المبتاع دفعه حتى يرد الثمن فهلك فيما بين ذلك لجرى الأمر فيه على
هذا الاختلاف.
وفيها: إن رددت السلعة بعيب رد السمسار الجعل على البائع فأخذ منها كونه عند عدم الشرط، والعرف على البائع، وخرجه غير واحد على أن الرد بالعيب نقض بيع، وعلى أنه ابتداء بيع لا يرده، وتخريج ابن الحاجب عدم رده على أنه نقض له الآن غير بين الصقلي عن ابن اللباد معنى قولها إن لم يدلس فإن دلس لم يرد الجعل.
القابسي: وهذا إذا لم يعلم السمسار بالعيب، وإن علمه فإن رد البيع فلا جعل له وإلا فله أجر مثله.
الصقلي: أرى له ما سمى له كما كان للبائع المدلس الثمن لا القيمة إلا أن يتعامل البائع والسمسار على التدليس فيكون له أجر مثله؛ لأن البائع قال له: دلس فإن تم البيع فلك كذا، وإن رد فلا شيء لك فهو غرر.
قُلتُ: يرد بأن هذا شأن الجعل أنه لا يثبت إلا بتمام العمل إلا أن يقال هذا الغرر عارض عن شيء تسبب فيه، بخلاف الغرر الناشئ عن نفس تمام العمل، وبعد رده، ولسَحنون إنما يرد جعل السمسار برد المعيب إذا رد بقضية، وأما بتبرع فلا؛ لأنه كإقالة، قال: ولو استحق المبيع فرجع المشتري بالثمن رجع بالجعل، ولو فات بيد المشتري فؤجع بقيمة العيب بقضية رجع بنسبة ذلك الجزء من الجعل، وقال بعض أصحابنا: لو حدث عند المشتري عيب واطلع على عيب قديم فإن أمسك ورجع بقيمة العيب، فكما تقدم، وإن رد المعيب وما نقصه العيب الحادث رد السمسار الجعل إلا قدر ما نقصه العيب.
وفيها: من باع لرجل سلعة بأمره من رجل إن أعلمه في العقد أنها لفلان فالعهدة على ربها إن ردت بعيب، فعليه ترد وعليه اليمين لا على الوكيل، وإن لم يعلمه حلف الوكيل، وإلا ردت عليه.
الصقلي عن الشَّيخ هذا إن بيعت بالبراءة أو كان عيبًا مشكوكًا في قدمه، فإن حلف فللمشتري تحليف الآمر ما علم بالعيب، وقاله محمد وروى يحلف الوكيل ولو بين أنه لغيره، وصوب عدم حلفه بأنه ليس له أن يقر ولو أقر إنه كان يعلم بالعيب لينقض البيع ما قبل قوله، وناقضه التونسي بقولها في الوكيل على دفع دراهم سلمًا أتى البائع
قال: هي زائفة إن عرفها الوكيل لزمت الآمر فما الفرق وقد انقضت وكالته كما انقضت هنا بعقد البيع.
الصقلي: يحتمل أنه اختلاف قول.
قُلتُ: يفرق بانقطاع ما وكل عليه في مسألة العهدة فصار كأجنبي وعدمه في مسألة الوكالات، فإن قلت: بل هو منقطع في مسألة الوكالات؛ لأنه إنما وكل على دفع الدراهم حسبما نص عليه التونسي في نقله لها، وكذا في لفظ الصقلي قال ما نصه: قال بعض فقهائنا القرويين: قال في المدَوَّنة: قال في الوكيل: على دفع دراهم سلمًا في طعام.
قُلتُ: أرأيت إن وكلت رجلًا يسلم لي في طعام إلى أجل، ودفعت إليه الدراهم وذكر المسألة، وظاهر قول المازري كالصقلي أنها اختلاف قول وذكر في كتاب الوكالات عن بعض المتأخرين إنه إنما صدقه في مسألة الوكالات؛ لأن الطعام المسلم فيه لم يقبض فبقى بعض أفعال الوكيل لم ينقض فصدق، ولو قبض الطعام انقطعت وكالته ولا يصدق.
قُلتُ: وهذا مثل ما فرقت به قبل أن أراه، قال المازري: ومن المتأخرين من أنكر هذا وقال: ظاهرها تصديق الوكيل، ولو قبض الطعام.
محمد: وإن لم يبين أنه لغيره ثم ثبت ذلك ببينة فللمشتري رد البيع إلا أن يرضى الوكيل العهدة عليه، ولا يلزمه ذلك.
المازري: إنما لم تلزمه العهدة إن أبى مع أن سكةته عن ذكر ذلك في العقد يوجبها عليه إن لم تقم بينة بأنه وكيل؛ لأن دلالة البينة وكيل أقوى من دلالة السكوت أنها عليه.
التونسي: جعل للمبتاع حجة في العهدة، وقال: إن أجاز المغصوب منه بيع الغاصب ما غصبه لم يكن للمبتاع حجة بانتقال عهدته على المستحق؛ لأن ذمة المستحق خير من ذمة الغاصب وتعقبه ابن عبد السلام بأن البائع لو كان غير غاصب لما كان للمشتري أيضًا حجة في انتقال العهدة، قال: وكان يمشي في مجالس المذاكرات إن احتمال الاستحقاق قائم في كل البياعات عسر الاحتراز منه بعيب انتقال العهدة فيه
كالعيب الذي يستوي فيه المتبايعان في الجهل به فلم يكن فيه مقال، واحتمال الوكالة ضعيف؛ لأن غالب متولي البيع مالك المبيع فعيب العهدة فيه، كالعيب الذي يمكن الإطلاع عليه وهذا ضعيف أقل ما فيه عدم تناوله مسألة الغاصب.
قُلتُ: وكان يجري لي الفرق بأن انتقال العهدة عن الوكيل أشق على المبتاع من انتقالها عن غيره من غاصب وغيره، وهذا؛ لأن كل ما يظهر من عيب قبل عقد البيع ولو بساعة لا مطالبة للمشتري به على الوكيل بحال، ولو تعذر عليه الموكل، وفي غيره له المطالبة به على بائعه منه كان غاصبًا أو غيره إن تعذر عليه المستحق بفرقة المذكور قوله، ولذا أجاز لمن أخذ من رجل دراهم سلمًا في طعام لفلان وشرط عليه الدافع إن أقر له فلان وإلا فالسلم عليك، ولم يجعل ذلك غررًا في البيع فلعله يريد لتساوي الذمتين وأنكره سَحنون.
قُلتُ: انظر قوله لتساوي الذمتين هل هو تقييد لحكم المسألة بما إذا تساوت الذمتان، وأنهما لو اختلفا لم تجز أو تقرير له بأن حكم الذمم التساوي وتصور اختلافها لغو، فإن كان الأول لزم إشكال ثبوت مقال المشتري في مسألة من ظهر أنه وكيل.
قُلتُ: الأظهر الأول، وجواب الإشكال أن عهدة العيب والاستحقاق أخف؛ لندور الطلب بهما لقلة وقوعهما، وتحقق الطلب في مسألة السلم، وعارض التونسي صرف العهدة عن البائع لغيره بإعلامه المبتاع أن المبيع لغيره بقولها: من ابتاع لغره سلعة فالثمن عليه ولو كان مؤجلًا وذكر للبائع أن الشراء لغيره إلا أن يقول: هو ينقدك دوني، قال: فلم يجعل ذكره أن الشراء لغيره يصرف عنه المطالبة بالثمن لمن أعلم أنه نائب عنه وصرف عنه العهدة له بقوله ذلك، وأجاب بأن غالب العادة أن من أمر غيره بشراء سلعة دفع له ثمنها إلا أن يقول لست من الثمن في شيء أو يقول بعثني إليك لتبيعه فهذا لا يتبع بالثمن ولو قال: لا أشتري منك إلا لفلان فرضي أن يبيع لفلان فيتبع أيهما شاء إلا أن يقول قد دفعت الثمن فيحلف ويبرأ ويتبع البائع المأمور ولم يذكر في الموَّازيَّة هل قبض الآمر السلعة أم لا؟ أَصْبَغ له في العتبيَّة عن ابن القاسم في قبض
الآمر السلعة، وقال: دفعت ثمنها للمأمور إن كان المأمور دفع الثمن للبائع صدق الآمر مع يمينه، وإن لم ينقد حلف المأمور أني ما قبضت، وأخذ سَحنون إن أشهد حين دفع الثمن إنه إنما ينتقد من ماله لم يقبل قول الآمر أنه دفعه إليه.
التونسي: وما في الموَّازيَّة خلاف هذا؛ لأنه ذكر أن الثمن لم يدفعه المأمور للبائع، وجعل القول قول الآمر، وذلك أن السلعة ليست رهنا في يد المأمور على قوله، ويشبه إذا لم يدفع السلعة أن يكون القول قوله على مذهب أشهب؛ لأنه يراها كالرَّهن بيده له حبسها حتى يقبض الثمن، وأما على قول ابن القاسم فليس له حبسها فيكون القول قول الآمر فيجب إذا دفع السلعة للآمر أن يكون القول قوله إذا لم يبق بيد المأمور عوض عما دفعه عما هو مجبور على دفعه، وجعل في العتبيَّة القول قوله: بعد دفع السلعة أذا كان هو لم يدفع الثمن للبائع فكأنه أحله محل البائع إذ الثمن لا يسقط عن المشتري بقبض السلعة منه فمتى كان الثمن لم يقبض كان القول قول المأمور، وقال: من قال: خذ لي دراهم سلما عن طعام إن الطعام لا يلزم المأمور وهو مشتر للدراهم بالطعام وبقول لو اشترى سلعة بثمن إلى أجل وأخبر أن الشراء لغيره فالثمن عليه وإن أخبر أنه لغيره حتى يقول لست من الثمن في شيء ولا فرق إلا أن يقال: القياس فيمن أخبر أن شراءه لغيره أن لا شيء عليه من الثمن؛ لكن جرت العادة أن من أمر بالشراء دفع ثمنه إليه في غير السلم فبقي على أصله.
قُلتُ: سمع أبو زيد ابن القاسم في جامع البيوع من استعان رجلًا يبتاع له سلعة فلما ابتاعها واستوجبها قال لبائعها: خذ ذهبك من هذا هو رب السلعة فادفعها إليه، يعلمه ذلك كان عليه بدلها.
ابن رُشْد: يريد: إن لم يغلمه عند الشراء أنه إنما يشتري منه لفلان وأنه إليه يدفع ومنه يقبض فعليه البدل، ولا ينفعه ذلك بعد الشراء إلا أن يصدقه في ذلك، ولو قال عند الشراء: إنما اشتريتها لفلان ودفع إليه هو الثمن وقال: إنه مال فلان، فوجد فيه نقصًا وقد غاب فلان لوجب على المشتري البدل ما لم يصدقه البائع على ذلك ويبيعه عليه بتصريح على قياس قول أَصْبغ في نوازله مثل هذا خلاف قول ابن الماجِشُون.
وفيها: ما باع الطوافون والنخاسون، ومن يعلم أنه يبيع للناس لا عهدة فيه عليهم في عيب ولا استحقاق والتباعة على ربها إن وجد وإلا اتبع.
قُلتُ: ذكرها الأكثر ولم يقيدوها بشيء، وقال المازري: لكن يؤمرون بإعلام مشتري السلعة من وكلهم على بيعها ليحاكموه فيها.
قُلتُ: انظر إن عجزوا عن تعيين البائع هل تلزمهم العهدة أم لا؟ وكثيرًا ما ينزل ذلك، والأظهر أن يشدد عليهم في طلب تعيينه وأن يؤمروا بأخذ الضامن ممن لا يغرفونه من بائع فإن لم يفعلوا ذلك بعد التقدم إليهم في ذلك كانت العهدة عليهم؛ لأن ذلك مصلحة عامة حاجية كتضمين الصناع، ولابن أبي زَمَنَيْن عن كثير من شُيُوخه إن قال السمسار: لا أعرف البائع حلف، فإن نكل واستريب سجن قدر ما يراه السلطان.
وفيها: لا عهدة على قاض ولا وصي فيما وليا بيعه، والعهدة في مال الأيتام.
اللخمي والمتيطي: القاضي كالوصي في أن لا تباعة عليه.
المازري: اختار محمد إثبات العهدة عليهم وعلى الوكيل المفرض إليه، وكان بعض أشياخي يشير إلى أن العهدة عليهم إنما يتصور فيما باعوه من أموال اليتامى لتجارة لفعلهم ذلك اختيارًا، إذ لا يلزم الوصي التجر بمال يتيمه وإذا فعل ذلك صار
كالوكيل المفوض إليه الذي يقضي بالعهدة عليه؛ لأنه أحل نفسه محل مالك السلعة.
قُلتُ: ما ذكره عن محمد في إثبات العهدة على الوصي لا أعرفه لغيره ولم يذكره اللخمي نصًا إنما قال: وكذلك الوصي يبيع لنفقة من يلي عليه أو لبعض مؤنه، أو لصدقة ويبين ذلك فلا تباعة عليه، إنما يرجع في عين ذلك الشيء، إن وجد قائمًا فإن أنفقوه لم يرجع عليهم بشيء، ولو اتباع به رقبة وأعتقته ففي نقضه عتقها قول وصاياها، وقول الموَّازيَّة لا يرد ويغرم الوصي، انتهى.
قُلتُ: فقوله: ويغرم الوصي يدل على أن العهدة عليه، ثم قال: إن تجر الوصي ليتمه أتبعت ذمته كالوكيل المفوض إليه ولابن حارث عن محمد الذي يأخذ به أن الوصي والوكيل المفوض إليه تلزمهما اليمين وإن أخبرا أنه لغيرهما إلا أن يشترط ذو الفضل منهم أن لا يمين عليه فأجيز له ذلك، وذكره اللخمي رواية لمحمد قال: وإن كان البيع لإنفاذ ديون على مفلس رجع على الغرماء، ولو استهلكوا المال أو ضاع لهم
وبيع العامل في القراض كبيعه ملك نفسه، وإن كان رد المال صفقة لربه، فللمشتري أن يتبعه أو رب المال ما لم يجاوز ما قبضه رب المال فيتبعه العامل بالزائد، ويبيع أحد الشريكين في معين حظ شريكه كوكيل عليه، وفي غير معين كبيعه ملك نفسه، ونقل المازري كاللخمي، وسمع أَصْبَغ ابن القاسم: من باع عبدًا سرقه لربه أجازه بيعه ولا رد لمشتريه وعهدته على ربه.
باب الفوات في المبيع
أَصْبَغ: أن فات العبد حتى يكون المستحق مخيرًا في الثمن أو القيمة فالعهدة على السارق، وإن اختار ربه الثمن.
ابن رُشْد: أن أخذ ربه الثمن ففي نقد العهدة إليه عن الغاصب قولان لظاهر هذا السماع ودليل قولها في الاستحقاق.
ورواية سَحنون غائبًا ما في استحقاقها، وإذا لم تنتقل عهدة في القيام فأحرى في الفوت وهو دليل قولها في الغصب أن المستحق إذا أجاز البيع لزم المشتري الشراء؛ لأن الذي يوجبه النظر إذا انتقلت العهدة عن البائع إلى المستحق أن يكون المشتري بالخيار إن كانت ذمة المستحق معيبة بعدم أو حرام، فقول ابن القاسم في هذا السماع بانتقال العهدة للمستحق معناه: إن لم تكن ذمة المستحق أدنى من ذمة السارق، وقول أَصْبَغ صحيح؛ لأن العبد إذا فات لم يكن للمستحق أخذه فلا خلاف في عدم انتقالها عن السارق ولو اختار المستحق أخذ الثمن، وكان القياس إذا لم يفت العبد أو فات بزيادة أن لا يختلف في عدم انتقالها للمستحق؛ إذ ليس له أن يضمن الغاصب قيمته؛ فكأنه هو البائع إلا أن يقال: إذا باعه على أنه له فقد رضي بالتزام الدرك إن جاء له طالب وهو بعيد إنها يتصور الاختلاف في انتقال العهدة إذا أجاز المستحق البيع إذا كان العبد قد فات، وكان سيده مخيرًا في تضمينه الغاصب، وفي إجازته البيع، وفي أخذه عبده فاحفظ أنها ثلاثة أوجه: إذا أجاز المستحق البيع وأخذ الثمن، وجه تنتقل فيه العهدة ووجه لا تنتقل فيه اتفاقاً فيهما.
ووجه فيه خلاف.
هذا موجب النظر عندي في هذه المسألة، وكان بعض من مضى يحصل في انتقالها ثلاثة أقوال، ثالثها: الفرق بين أن يكون العبد قائماً أو فائتاً لا يفرق في فوته بين أن يكون المستحق أخذه أولا، وإذا أخذ المستحق القيمة من الغاصب فالعهدة عليه اتفاقاً؛ لأن العبد وجب له بالقيمة التي أخذت منه فيه، فإن استحق العبد من يد المشتري من الغاصب على القول أن العهدة لا تنتقل عن الغاصب فرجع المشتري على الغاصب بالثمن رجع به الغاصب على المستحق، فالإعذار فيما أثبته المستحق الثاني على المشتري
من الغاصب إنما يكون على المستحق الأول الذي رجع عليه الغاصب لا على الغاصب؛ لأن من حجته أن يقول أنا لا أدفع إذ لي على من أرجع، فإن خاصم ودفع لم يكن له رجوع إلا على الخلاف المتقدم في سماع عيسى من كتاب الاستحقاق والذي يفوت به العبد عند مشتريه من الغاصب، فوتاً لا يكون للمغصوب منه أخذه أن تضهب عينه أو يحصل في حال لا يجوز بيعه من إباق أو مرض مخوف على القول: إنه لا يجوز بيع المريض؛ لأنه كأخذه يكون مبتاعاً له بما وجب له على الغاصب من القيمة أو الثمن ويتخرج في هذا قولان على اختلافهما فيمن باع عبداً أبق عند المشتري ثم فلس هل له أخذه وترك محاصة العرماء أم لا؟ وسمع عيسى ابن القاسم في السلم والآجال من أسلم في سلعة بعينها أو طعام عند مواجبة بيعه أو ولاه فعهدته على البائع الأول وإن باعه إياه فهي على المشتري الأول إلا أن يشترطها على البائع الأول بحضرة البيع الأول فذلك جائز، ومن انقلب بسلعة ابتاعها أو فارق بائعها ثم أشرك فيها أو ولاها أو باعها فعهدته على الذي ولاه أو أشركه أو باع منه.
ابن رُشْد: تحصيلها أن من باع ما ابتاع بحصرة ابتياعه فالعهدة عليه اتفاقاً، ولو شرطها على بائعها، ففي إعمال شرطة قولا ابن القاسم، وابن حبيب وعنى الأول أن لم يفضل الثمن الثاني الأول فأن فضله ففضله ساقط عن الأول إلا برضاه حمالته، وعلى الثاني يجوز كونها على الأول برضاه حاملة إن استحق المبيع خير المشتري في اتباعه بقدر الثمن الأول بائعه أو الأول؛ لأنه غريم غريمه ولا يتبعه بفضل الثمن الثاني إلا في عدم بائعه؛ لأنه حمالة، ومن أشرك أو ولي بحضرة ابتياعه، ففي كون العهدة على من باعه بشرط أو دونه قولان، وإن طال الأمر أو افترقا فالمشهور كونها على الثاني في المبيع والشركة والتولية، لا يجوز شرطها على الأول إلا برضاه حمالة فيخير المبتاع الثاني، والمشرك والمولى في اتباعه ما شاء منهما بما للثاني أن يتبع به الأول ولا يتبعه إلا بما زاد إلا بحكم الحمالة حسبما مر، وكان روى عن مالك جواز اشتراطها عليه، وإن كان غائباً إن كان معروفاً يريد إن طرأ استحقاق إلا بما زاد على الثمن الأول، قال: وإن لم يكن معروفاً فسخ البيع، ثم رجع فقال: الشرط باطل إذا لم يكن بحضرة البيع.
قُلتُ: الضمير المجرور في قوله: فلا يرجع عليه إن طرأ استحقاق عائد على
المشترط لا على الغائب.
ابن رُشْد: ففي اشتراطها على البائع ثلاثة أقوال: أحدها: إن ذلك جائز وهو للبائع لازم ولو افترقا وطال الأمر، والثاني: أن ذلك لا يجوز ولو بحضرة البيع إلا برضاه حاملة، والثالث: الفرق بين شرطها بحضرة البيع أو بعد الافتراق والطول.
وفي الشركة والتولية قولان على من تكون بالحضرة، وقولان في اشتراطها على البائع الأول بعد الأفتراق أو الطول، وقيل: إذا لم يطل فلا يراعي الافتراق، ويجوز شرطها على البائع الأول وهو ظاهر قول أَصْبَغ في نوازله من جامع البيوع، وفى كون اشتراط البائع العهدة على أجنبي في عقد بيعه كفالة حتى يبن البائع براءته منها أو على العكس نقلا ابن رُشْد: عن سماع ابن القاسم أول كتاب الكفالة وعن أَصْبَغ، وحيث كونها على البراءة في فساد البيع به؛ لأنه ذمة بذمة وصحته؛ لأنه إنما بيع على أنها على الأجنبي لا على البائع ثم نقلت نقلاه عنهما مصوباً صحته.
الغبن في البيع إن كان بسبب الجهل بقيمة المبيع ففيه طرق:
ابن رُشْد: في آخر مسألة من أول رسم من سماع ابن القاسم من جامع البيوع لا يعذر أحد المتبايعين فيه إن كان في بيع مكايسة، هذا ظاهر المذهب، ولبعض البغداديين أنه يجب الرد بالغبن إذا كان أكثر من الثلث، وأقامه بعض الشُيُوخ من سماع أشهب في الرهون، وليس بصحيح؛ لأنها مسألة لها معنى من أجله وجب الرد بالغبن.
قُلتُ: سماع أشهب هو قوله من رهن حائطه من رجل في دين له عليه وأحلفه بالطلاق ليوفينه الثمن لأجل كذا، فلما قرب وخاف الحنث باعه الحائط الرهن بالدين، ثم قال له إنما بعتك حين خفت الحنث وأنا أظنك سترد علي مالي وأقضيت حقك، وقال المشتري: ابتعت منك بالبينة إن طابت نفس الحالف بالحنث، وكان الحائط كثير الفضل عن من باعه به، لا يشبه تغابن الناس في البيوع فله رد ماله ويقضيه دينه، ويقع حنثه.
ابن رُشْد: تعقبه ابن دحون، وقال: هذه مسألة ضعيفة، كيف يفسخ البيع للغبن، وذلك جائز بين كل متبايعين إلا ما خصته السنة بالرد، أو اشترى رجل من غير مولى عليه ما يساوي مائة درهم بدرهم لزم ذلك، ولم يفسخ ولم يختلف فيه وتقدم توجيهها
في سماع ابن القاسم.
قُلتُ: هو قوله في أول رسم منه: لو باع رجل جارية قيمتها خمسون ديناراً بألف درهم وأرتهن رهناً، ومشتريها من غير أهل السفه جاز ذلك.
ابن رُشْد: هذا يدل على أن لا قيام في بيع المكايسة بالغبن، ولا أعرف فيه في المذهب نص خلاف، وحمل بعض الشًيُوخ مسألة سماع أشهب على الخلاف، وتناول منها وجوب القايم بالغبن في بيع المكايسة، وليس بصحيح؛ لأنه إنما رأى له الرد بالغبن فيها من أجل إضطراره إلي البيع خوف الحنث على ما ذكر في الرواية كتضعيفهم وكالة الراهن للمرتهن على بيع الرهن، وحكاية بعض البغداديين، وأراه ابن القُصَّار إنه يجب الرد بالغبن إذا كان أكثر من الثلث ليس بصحيح.
أبو عمر: الغبن في بيع المستسلم المستنصح يوجب للمغبون الخيار فيه، وبيع غيره، المالك أمر نفسه لا أعلم في لزومه خلافاً، ولو كا بأضعاف القيمة، وسمعه عيسى ابن القاسم في كتاب الرهون الباجي عن القاضي في لزوم البيع بما لا يتغابن بمثله أبداً عادة وأحدهما لا يعلم سعر ذلك إذا زاد الغبن على الثلث، أو خرج عن العادة والمتعارف فيه قولان لأصحابنا، وبالأول قال ابن حبيب.
قُلتُ: ظاهر قوله: أو خرج عن العادة والمتعارف فيه أن الغبن يتقرر بدون ما زاد على الثلث.
وقال أبو عمر: اتفق أهل العلم أن النائب عن غيره في بيع أو شراء من وكيل أو وصي إذا باع أو اشترى بما لا يتغابن الناس بمثله أنه مردود، وكان أبو بكر الأبهري وأصحابه يذهبون إلي أن ما لا يتغابن الناس بمثله هو الثلث فأكثر من قيمة المبيع وما كان دون ذلك لم يرد فيه البيع إذا لم يقصد إليه ويمضي في اجتهاد الوصي والوكيل وأشباههما.
قُلتُ: هذا نص منه أن قدر التغابن هو الثلث لا أكثر منه ففي حده بالأكثر أو بالثلث، ثالثها: ما دونه أن خرج عن المعتاد والمتعارف لنقل ابن رُشْد عن بعض البغداديين مع أبي عمر عن الأبهري والباجي عن القاضي هذا على ظاهر استعمالهم في قوله بعه بعشرة فصاعدا أن له بيعه بعشرة وعلى قول بعضهم أن الفاء في قوله: فصاعدًا
عاطفة، فلا يجوز له بيعه إلا بأكثر من عشرة فيكون نقل أبي عمر كنقل ابن رُشْد وهذا قول ابن الصائغ في تعقبه على ابن عصفور رسمه الأعمال في المقرب.
وظاهر قول أبي عمران قدر الغبن في الوصي والوكيل كقدره في بيع من باع ملك نفسه وكان بعض من لقيناه ينكر ذلك ويقول غير بيع الوصي والوكيل ما نقص عن القيمة نقصا بينا وإن لم يبلغ الثلث وهو صواب؛ لأنه مقتضى الروايات في المدوَّنة وغيرها كقولها إذا باع الوكيل أو ابتاع بما لا يشبه من الثمن لم يلزمك ويأتي لابن رُشْد كلام فيه احتمال.
المتيطي: قولنا في وثيقة التبايع وعرف كل منهما قدر هذا التبايع يسقط دعوى أحدهما الجهل بالمبيع إلا أن يدعي على صاحبه أنه علم بجهله فيجب له عليه اليمين أنه ما علم بجهله، فإن نكل، حلف الآخر وفسخ البيع.
قال بعض الموثقين: وتنازع البغداديون في ذلك، قال بعضهم: لا قيام بذلك، والبيع لازم؛ إذ كان له أن يسأل ويتثبت، وقال بعضهم: فذكر قول القاضي المتقدم قال: وبه قال منذر بن سعيد، قال هو وابن عات عن ابن مغيث: والأصل في ذلك أن ينظر إلي مدعي الجهل، فإن كان معروفاً بذلك اجتهد الحاكم، وإن كان من أهل البصر، والمعرفة لم تسمع منه حجة، وسئل ابن رُشْد عمن باع أملاكاً ورثها وأشهد على نفسه في عقد بيعها أنه عرف قدرها، ومبلغها ثم ادعى أنه ما دخلها ولا عرف قدرها ولا مبلغها، وشهد له كل أهل موضعها بما قال، فأجاب بأنه لا يلتفت لقوله والبيع له لازم.
قُلتُ: دعوى جهل المبيع راجع لدعوى الفساد، وجعله المتيطي، وغيره من دعوى الغبن ليس كذلك فتأمله، وسأل ابن رُشْد عن وصي باع على محجوره ربعاً من شريكه فيه بموجب بيعه ثم باع نصف جميعه ثم رشد اليتيم بعد أعوام وأثبت أن ربعه يساوي يوم بيع أمثال ثمنه، وأراد نقض بيعه بذلك في جميع ما بيع عليه والشفعة فيما باع من شريكه من حظه، فأجاب بأن له نقض البيع فيما هو قائم بيد المبتاع من الوصي لا فيما باعه من ذلك، وله فيما باعه فضل قيمته على ثمنه، يوم بيعه لفوته بالبيع؛ لأنه بيع جائز فيه غبن على من بيع عليه يرد ما دام قائماً، على اختلاف فيه، قيل للمبتاع: أن يوفي
تمام القيمة، ولا يرد البيع وإن لم يفت، وقيل: يمضي له بقدر الثمن من قيمته يوم البيع؛ وهذه الأقوال قائمة من العتبيَّة لابن القاسم وسَحنون في سماعه وسماع أبي زيد، ولها في المدَوَّنة نظائر.
والنصف المردود على اليتيم من حصته؛ إنما يرجع إليه بملك مستأنف لا على الملك الأول فلا شفعة لها به على المبتاع الثاني لا في بقية حصتها، ولا في سائر المبيع ولا له عليها فيه شفعة بصفقته المتقدمة؛ إذ ليس ببيع محض؛ لأن البيع المحض ما تراضى عليه البائعان والمشتري الأول مغلوب على إخراج هذه الحصة من يده فهو بيع في حق اليتيم لكونه أخذه اليتيم بأختيار ونقض بيع في حق المشتري؛ لأنه مغلوب على ذلك، والقول أن بيع الغبن يفيته واضح؛ لأنه إذا فات، البيع الفاسد، وقد قيل: أنه ليس ببيع فأحرى بيع الغبن؛ لأنه لا ينقص إلا بأختيار أحدهما، والبيع الفاسد ينقض جبراً.
وفيها: من أخطأ فباع سلعته مرابحة بأقل من ثمنها، ثم قام على المبتاع له الرجوع في سلعته أن لم تفت، ويفيتها ما يفيت البيع الفاسد، ولا فرق بين الغبن على الأيتام فيما باعه الوصي، وبين الرجل فيما باعه لنفسه فيما يوجبه الحكم في ذلك على القول بوجوب الرجوع بالغبن، وفى ثالث سلمها إن أسلم إليك رجل مائة درهم، في مائة أردب قيمتها مائتا درهم، فأقالك في مرضه ثم مات ولا مال له غيرها، فإما أجاز الورثة وأخذوا منك رأس المال، وإلا قطعوا لك بثلث ما عليك من الطعام فأخذ منه عدم القيام بالغبن، ومن قولها في الصرف: ومن اشترى بدينار مائة درهم أو ديناراً بدرهمين أو بدرهم، أو كان له على رجل ذهب حال فأعطاه بها دراهم فقال: لا أقبل إلا كذا.
والغبن بسبب جهل حال المبيع سمع فيه القرينان: باع مصلى ثم قال له مشتريه: هو خز، فقال البائع: ما علمت أنه خز لو علمته ما بعته بهذا الثمن هو للمشتري لا شيء للبائع عليه لو شاء تثبت قبل بيعه وكذا لو باع مروياً، ثم قال: لم أعلم أنه مروي إنما ظننته كذا، أرأيت لو قال مبتاعه: والله ما اشتريته إلا طناً أنه خز وليس بخز فهذا مثله، وكذا من باع حجراً بثمن يسير، ثم هو ياقوتة أو زبر جدة فبلغ مالاً كثيراً بخلاف من قال: أخرج لي ثوباً مروياً بدينار فأخرج له ثوباً أعطاه إياه ثم وجده من أثمان أربعة دنانير، فقال: أخطأت، هذا يحلف ويأخذ ثوبه.
ابن رُشْد: في سماع أبي زيد خلافه أن من اشترى ياقوتة وهو يظنها ياقوتة ولا يعرفها البائع ولا المبتاع فيجدها على غير ذلك أو يشتري القرط يظنه ذهباً فيجده نحاساً أن البيع يرد فيهما معاً، وهذا الاختلاف إنما هو إذا لم يسم أحدهما الشيء بغير اسمه، وسماه بما يصلح له على كل حال كقول البائع، أبيعك هذا الحجر وكقول المشتري: بع مني هذا الحجر فيشتريه وهو يظنه ياقوتة فيجده غير ياقوتة أو يبيع البائع ظناً أنه غير ياقوتة فإذا هو ياقوتة فيلزمهما البيع في الحالين على سماع أشهب، ولا يلزمهما على سماع أبي زيد، ولو سمى أحدهما الشيء بغير اسمه، كقول البائع: أبيعك هذه الياقوتة فيجدها المشتري غير ياقوتة وكقول المشتري: بع مني هذه الزجاجة ثم يعلم البائه أنها ياقوتة لم يلزم البيع اتفاقاً، واختلف إن لغز أحدهما لصاحبه في التسمية ولم يصرح، فقال ابن حبيب: يوجب الرد كالتصريح، وحكى أن شريحاً اختصم إليه في رجل مر برجل معه ثوب مصبوغ الصبغ الهروي فقال له: بكم هذا الثوب الهروي؟ فقال بكذا وكذا، فاشتراه بذلك ثم تبين أنه ليس بهروي، وإنما صبغ صبغ الهروي فأجاز بيعه، ولو استطاع أن يزين ثوبه بأكثر من هذه الزينة، قال عبد الملك؛ لأنه إنما باعه هروي الصبغ ولو قال: هروي سداه كان له رده وهو عندي اختلاف من قوله.
وقال بعض الشُيوُخ: إذا بيع الحجر في سوق الجوهر فوجده صخرة؛ فلمبتاعه القيام، وإن لم يشترط أنه جوهر، وإن باعه في غير سوق الجوهر ميراث أو غيره لم يكن له قيام وهذا عندي يجري على الخلاف في الألغاز.
والفرق بين الذي يبيع الياقوتة جهلاً بها، وبين من قصد إخراج ثوب بدينار فأخرج ثوباً بأربعة دنانير أن الأول جهل وقصر ولم يسأل من يعلم ما هو؟ والثالث غالط، والغلط لا يمكن التوقي منه فيحلف، ويأخذ ثوبه إن أتى بدليل صدقه من رسم أو شهادة قوم على حضور ما صار إليه في مقاسمة وشبه ذلك، ويرجع بالغلط في بيع المرابحة اتفاقاً، وفى بيع المساومة باختلاف، وتقدم في سماع ابن القاسم.
قُلتُ: هو سماعه من باع ثوباً فأمر بعض قومته بدفعه لمبتاعه، ثم قال بعد انصرافه: إنما دفع إليك غير الثوب الذي بعتك أو كان هو دفعه إليه إن دفعه المأمور حلف الآمر، ورد عليه الثوب وإن دفعه البائع فقوله باطل إلا أن يأتي بأمر معروف من رسم أكثر مما
باع به أو شهادة من قوم قاسموه أو عرفوا ما قام به عليه فيحلف ويرد ثوبه.
ابن رُشْد: إن دفعه بعض قومته فلا خلاف في قبول قوله: مع يمينه، فإن حلف رد الثوب، ودفع الثوب الذي زعم أنه المبيع، فإن نكل؛ فلا شيء له إن كان المبتاع لم يكذب البائع فيما ادعى ولا يصدقه وإن كذبه حلفا معاً، فإن حلف أو نكلا؛ فلا بيع بينهما، وإن نكل أحدهما؛ فالقول قول الحالف إن كان البائع لزم المبتاع الثوب الذي عينه البائع ورد الآخر، وإن كان المبتاع أخذ الثوب المدفوع ولم يلزمه الآخر، وكذا لو أمر التاجر بعض قومته أن يرى رجلاً ثوباً فأراه ثم باعه على تلك الرؤية ثم ادعى أنه غير الثوب الذي أمره أن يريه إياه، وأما إن باعه الثوب ثم دفعه هو، وادعى أنه غلط، فإن لم تكن له شبهة رسم ولا شيء لم يصدق، وإن كانت له شبة فكما لو دفعه وكيله في الوجوه كلها، وفي كون دعوى الغلط في بيع المساومة كالمرابحة ولغوه قولان لظاهر هذا السماع مع نوازل سَحنون في كتاب العيوب في بعض الروايات، وما في الأقضية من المدَوَّنة، وقول ابن حبيب: وما في رسم الأقضية الثاني من سماع أشهب هنا محتمل أبو داود عن الحسن عن عقبة بن عامر: أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: ((عهدة الرقيق ثلاثة أيام)).
عبد الحق: وأبو عمر عن المحدثين: لم يسمع الحسن من عقبة بن أبي شيبة عن الحسن عن سمرة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) عهدة الرقيق ثلاثة.
أبو عمر: اختلفوا في سماع الحسن من سمرة.
الباجي: معنى العهدة: تعلق المبيع بضمان البائع، والبيع فيما يبين فيه لازم لا خيار فيه، لكنه إن سلم في مدة العهدة علم لزومه المتبايعين معاً، وإن أصابه نقص ثبت خيار المبتاع كعيب قديم، وفي القضاء بها روايات.
الصقلي: روى محمد إنما عهدة الثلاث والسنة في الرقيق بالمدينة وأعراضها الذين جروا عليها لا يلزم بغيرها إلا بشرط.
ابن حبيب: روى المصريون لا تلزم حتى يحملهم السلطان عليها.
وروى المدنيون يقضى بها في كل بلد وإن لم يعرفوها، وعلى الإمام أن يحكم بها ولو على من جهلها.
ابن رُشْد: سمع أشهب: لا يحمل الناس عليها.
وروى المدنيون يحملون عليها، ومثله سماع ابن القاسم في كتاب السلطان وددت ذلك وفي وجوب الحاكم بها فيما بيع حيث لا يعمل بها قبل الحمل عليها، ثالثها: إن اشترطوها للمدنيين مع روايتهم وابن القاسم في الموازيَّة ورواية المصريين.
وقال ابن عبد الحَكم: عهدة السنة حرام ورواية المدنيين هو الآتي على أصل مذهب مالك وغيرها استحسان ومراعاة للخلاف، ولو شرط إسقاطها، حيث العادة ثبوتها ففي سقوطها ولزومها، ثالثها: يفسد البيع لنقلي اللخمي وتخريجه على فساد البيع بفساد شرطه.
وأشار المازري لرده بأن ذلك في الشرط المتفق على فساده، وإن كان مختلفاً فيه اختلافاً مشهوراً لم يوجب فساداً؛ لأن الخلاف المشهور تحسن مراعاته، وإن شذ وضعف في النظر سقطت مراعاة.
الباجي: هنا معنى يحتاج إلي بيانه وهو إن شرط الضمان المتفق على محله مفسد للعقد، كشرط ضمان المبيع بعد قبضه على بائعه، وما اختلف في محله إن كان فيه عرف جاز نقله بالشرط كشرط ضمان الغائب على غير ما يقتضيه العقد، وإن كان ثم عرف يوافق مقتضى العقد عند القائل بذلك فلا يجوز اشتراط نقله، فإن شرط نقله في عقد بيع عما يقتضيه العرف صح العقد وبطل الشرط، وإن كان العرف يخالف مقتضى العقد فشرط نقله إلي ما يقتضيه العقد والشرط، وإن شرط نقله عما يقتضيه العقد إلي العرف فإن كان العرف وجه صحيح صح العقد والشرط، وإن لم يكن له وجه صحيح بطل الشرط وصح العقد، فعل هذا إن شرط العهدة في غير بلدها، فعلى قول المصريين يثبت العقد ويسقط الشرط؛ لأنه شرط ما يخالف مقتضى العقد والعرف من ضمان البائع للمبيع بعد القبض وعلى قول المدنيين يثبت العقد والشرط؛ لأنه شرط مقتضى العقد دون العرف، وإن شرط البراءة بالمدينة، فعلى قول المصريين يثبت الشرط والعقد، وعلى