المختصر الفقهي لابن عرفةصفحات 429-470

كتاب الحُبُس

صفحات 429-470

الحُبُس: الوقف مصدرًا إعطاء منفعة شيء مدة وجوده لازمًا بقاؤه في ملك معطيه، ولو تقديرًا، فتخرج عطية الذوات والعارية والعمرى والعبد المخدم حياته

يموت قبل موت ربه لعدم لزوم بقائه في ملكه معطية لجواز بيعه برضاه مع معطاه.
وقول ابن عبد السلام: إعطاء منافع على سبيل التأبيد يبطل طرده بالمخدم حياته، ولا يرد بأن جواز بيعه يمنع اندراجه تحت التأبيد؛ لأن التأبيد إنما هو في الإعطاء، وهو صادق على المخدم المذكور لا في لزوم بقائه في ملك معطيه، وهو أسمى ما أعطيت منفعته مدة إلى آخره.
وصرح الباجي: ببقاء ملك المحبس على حبسه، وهو لازم تزكية حوائط الأحباس على ملك محبسها، وقول اللخمي آخر الشفعة: الحُبُس يسقط ملك المحبس غلط، وهو مندوب إليه؛ لأنه من الصدقة، ويتعذر عروض وجوبه بخلاف الصدقة.
روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له)، وروى مع البخاري، واللفظ له عن ابن عمر قال: أصاب عمر بخيبر أرضًا فأتى إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: أصبت أرضًا لم أصب مالاً قط أنفس منه فكيف تأمرني به.
قال: (إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها)، فتصدق عمر على أنه لا يباع أصلها، ولا يوهب، ولا يورث في الفقراء والقربى، والرقاب، وفي سبيل الله، والضيف وابن السبيل لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يعطهم صديقًا غير متمول فيه.
وللخمي والمتيطي: استدلال وهمي يذكر إن شاء الله، وهو مندوب إليه بحبسه

الصدقة، ويتعذر عروض وجوبه بخلافها.

باب في المحبس

المحبس: اللخمي: الأرض وما يتعلق بها كالدور، والحوانيت، والحوائط، والآبار، والمقابر، والطرق.
قُلتُ: كذا فيها رأيت من نسخ اللخمي، وزاد المتيطى عنه، ولا خلاف فيه بين أصحاب مالك.
قُلتُ: ويريد بالمقابر المتخذة حيث يجوز اتخاذها.
سمع ابن القاسم في كتاب الأقضية: إن أحدثت قبور بفناء قوم كانوا يرمون به في غيبتهم، ثم قدموا فلهم تسوية قديمها للرمي عليها، ولا أحب تسوية جديدها.
ابن رُشْد: إنما كرهه في الجديد؛ لأنها في الأفنية، ولو كانت في الأملاك الحوزة لم يكرهه.
وقد قال على ابن أبي طالب - رضي الله عنه -: واروا في بطنها وانتفعوا بظهرها.
ابن رُشْد: ولو كان دفن في الأملاك المحوزة بغير إذن ربها لكان عليه تحويلهم إلى مقابر المسلمين، وفعل ذلك بقتلى أحد لما أراد معاوية إجراء العين التي بجانب أحد أمر من ينادي بالمدينة من كان له قتيل فليخرجه، وليحوله.
قال جابر: فأخرجناهم من قبورهم رطابًا ينثنون يعني شهداء أحد.
قُلتُ: في استدلاله بفعل معاوية نظر؛ لأن قتلى أحد ما أقبروا إلا حيث جاز إقبارهم، واستدلاله بإخراجهم يوهم كون القبر غير حبس.
والأقرب: أنه فعله لتحصيل منفعة عامة حاجية حسبما يأتي في بيعا لحُبُس لتوسعة جامع الخطبة.

ولابن عات: سئل بعضهم أيجوز حرث البقيع بعد أربعين سنة دون دفن فيه وأخذ ترابه للبناء.
قال الحسن: لا يجوز أن يتملك.
وفي أحكام ابن سهل: أفتى الفقهاء بالمشي على أسنة القبور، وقال: كان (صلى الله عليه وسلم) يشق المقابر على أسنمتها لا بينها.
وقال غيره: المشي على المقابر لمن كان له قبر ضرورة، ويؤمر بالتحفظ من المشي عليها لئلا يهدمها، وللضرورة أحكام، ولم يتعقب ابن سهل ذلك.
قُلتُ: وأفتى بعض شُيُوخنا: بعض أهل الخير بنى دارًا له فوجد في بقعة منها عظام آدمي يكون محله حبسًا لا ينتفع به، ولا بهواه فتركه، وهواءه براجًا.
الباجي: تحبيس الرباع جائز اتفاقًا، وقول ابن الحاجب: يصح في العقار المملوك لا المستأجر.
اختصار لقول بان شاس: لا يجوز وقف الدار المستأجر، وفي كون مراد ابن شاس نفي وقف مالك منفعتها أو بائعها نظر، وفسره ابن عبد السلام في لفظ ابن الحاجب بالأول، وهو بعيد لخروجه بالمملوك.
والأظهر: الثاني، وفي نقله الحكم بإبطاله نظر؛ لأن الحُبُس إعطاء منفعته دائمًا وأمر الإجارة خاص، فالزائد عليه يتعلق به الحُبُس لسلامته عن المعارض، ثم في لغو حوزه المستأجر للحبس فيفتقر لحوزه بعد أمد الإجارة وصحته له، فيتم من حين عقده قولان مخرجان على قولي ابن القاسم وأشهب في لغو حوز المستأجر ما في إجارته لمن وهب له بعد إجارته وصحته له.
وإطلاق ابن شاس وابن الحاجب إجازته في الشائع كقولها في آخر الشفعة قال مال: إن حبس أحد الشريكين في دار حظه منها على رجل وولده، وولد ولده فباع شريكه حظه منها فليس له، ولا للمحبس عليهم أخذه بالشفعة إلا أن يأخذه المحبس فيجعله في مثل ما جعل حظه فيه.
اللخمي: إن كانت الدار تحمل القسم جاز الحُبُس إذ لا ضرر على شريكه بذلك

إن كره البقاء على الشركة قاسم.
قُلتُ: هذا على أن القسم تمييز حق بين، وعلى أنه بيع يؤدي إلى بيع الحُبُس إلا أن يقال الممنوع منه بيعه ما كان معينًا لا المعروض للقسم؛ لأنه كالمأذون في بيعه من محبسه حسبما يذكر في بيع الحُبُس قال: وإن كان لا ينقسم فللشريك رد الحُبُس للضرر؛ لأنه لا يقدر على بيع الجميع، وإن فسد فيه شيء لم يجد من يصلح معه.
قُلتُ: ومثله في نوازل الشعبي قال: وإن كان علو وسفل لرجلين فلرب العلو رد تحبيس ذي السفل سفله؛ لأنه إن فسد منه شيء لم يجد من يصلح له، ومن حقه أن يحمل له علوه ولرب السفل رد تحبيس ذي العلو علوه للضرر متى، وهي سقط منه ما يفسد سفله، والحائط كالدار فيما ينقسم وما لا.
قُلتُ: ومثل إطلاقها في تحبيس الشريك في الدار وقع في رسم كتب عليه ذكر حق في سماع ابن القاسم من الشفعة، فتكلم فيه ابن رُشْد بحكم الشفعة وأعرض عن حكم تحبيس المشاع.
ولابن سهل عن ابن زَرْب: اختلف أهل العلم فيمن له حصة في دار لا تنقسم فحبسها، فقال بعضهم: لا ينفد تحبيسه، وأجازه بعضهم، وبإجازته أقول.
ولابن حبيب: قال لي ابن الماجِشُون: من حبس شركا له مشاعًا في نخل، ودور مع قوم بعضهم غائب، فإن كان من الشركاء من يريد القسم قسم بينهم، وقسم السلطان للغائب إن تعذر حضوره وتوكيله فما أصاب المحبس كان حبسًا، وما لا ينقسم يباع فما أصاب المحبس اشترى به ما يجعل حبسًا كما سبله.
قُلتُ: ففي جواز تحبيس مشاع ربع مشترك فيه مطلقًا، ووقفه على إذن شريكه فيما لا ينقسم في مثل ما حبسه فيه، وإلا بطل، ثالثها: يجوز مطلقًا، ويجعل ثمن الحظ المحبس مما لا ينقسم في مثل ما حبسه فيه لظاهر هما مع ظاهر سماع ابن القاسم.
ونص ابن زَرْب واللخمي عن المذهب، وابن حبيب مع ابن الماجِشُون: ويتخرج القول بالجواز في العلو والسفل.
المتيطي: إن أقر بعض الورثة بتحبيس ربع ورثوه نفذ إقراره في حظه فقط.

قُلتُ: مثله في النوادر لعبد الملك، وظاهره نفوذه مطلقًا، ولو كان فيما لا ينقسم، وهذا على القول بجوازه مطلقًا في تحبيس المشاع واضح وعلى وقفه على إذن شريكه فيه نظر.
قال: وأشد ما على المنكر الحلف أنه لا يعرف أن الحُبُس حبس عليهم.
قُلتُ: يريد: إن كان ممن يظن به العلم.
قال: وليس له رد اليمين؛ لأن المحبس لا يملك ملك المبيع؛ لأن تصييره للأعقاب والمرجع، ولا يحلف أحد عن أحد، ولو نكل إذا ردت اليمين عليه لم يبطل الحُبُس بنكوله فهذه وجوه تمنع رد اليمين في الحبس، وللباجي اختلف هل على المنكر يمين، فقال بعضهم عليه اليمين، وقال بعضهم: لا يمين عليه.
ابن زَرْب: نزلت في رجل حبس مالاً وثبت حوزه فادعى بعض ورثته أن الحُبُس رجع عليه وسكنه حتى مات، وأراد تحليف المحبس عليهم، فقلت: لا يمين عليه، وقال بعض فقهاء: عصرنا عليه اليمين، وهو عندي خطأ، وفي الثياب طريقان.
اللخمي: في جوازه فيها ومنعه قولان لها، ولنقل ابن القُصَّار مع الصقلي.
الباجي لابن القاسم في العتبيَّة: لم أسمع من مالك في الثياب شيئًا، ولا بأس به، وأجازه أشهب، فقيل: يجوازه يلزم لموافقته الشرع، وكونه من العقود اللازمة، وعلى كراهته، ففي جوازه ولزومه روايتان.
قُلتُ: يريد بالجواز عدم اللزوم، لا أحد أقسام الحكم الخمسة، وإلا لزم كون قسيم الشيء قسمًا منه، وهو محال، وتبعه ابن شاس في ذلك، وفرضه في الحيوان.
ابن زرقون: في جوازه فيه وكراهته، ثالثها: في الخيل ويكره في غيرها، ورابعها: يكره في الرقيق فقط لأشهب مع ظاهرها ورواية محمد.
ونقل القاضي: قال بعض أصحابنا: يجوز في الخيل اتفاقًا، إنما الخلاف في غيره، ولمالك أيضًا، ولما ذكر ابن رُشْد هذا الخلاف أول مسألة في الحُبُس قال: إنما الخلاف في الحُبُس المعقب، أو على نفر بأعيانهم، وأما تحبيس كل ذلك لينتفع بعينه في السبيل، أو تصرف غلته في إصلاح الطرق، ومنافع المساجد، أو ليفرق على المساكين وشبه

ذلك، فجائز اتفاقًا إلا في الرقيق، ويكره لرجاء العتق فيه، فإن وقع وفات ومضى، وإن لم يفت استحب لمحبسه صرفه لما هو أفضل.
قُلتُ: يريد بفوته بالحوز لا بالموت.
وقول اللخمي والمتيطي: الأصل في تحبيس ما سوى الأرض قوله (صلى الله عليه وسلم): (من حبس فرسًا في سبيل الله إيمانًا بالله وتصديقًا بوعده فإن سبعه وروثه في ميراثه يوم القيامة) أخرجه البخاري.
وهم شنيع في فهمه إن ضبط باء حبس بالتخفيف، وفي روايته إن ضبطها بالتشديد، وفي مثل هذا كان بعض من لقيناه يحكي عن بعض شُيُوخه أنه كان يقول بعض استدلالات بعض شُيُوخ مذهبنا، لا ينبغي ذكرها خوف اعتقاد سامعها، ولا سما من هو من غير أهل المذهب؛ لأن حال أهل المذهب أو جلهم مثل هذا المستدل.
قال: ولقد رأيت لبعض متقدمي المتكلمين ردًا على المنجمين، وودت أنه لم يقله لسخافته، ورأيت للآدمي ردا عليهم ليس منصفًا وقف عليه.
ابن شاس وابن الحاجب: لا يصح وقف الطعام قال: لأن منفعته باستهلاكه.
قُلتُ: نقصها، وهي كسلف، وذلك جائز إن شاء قبلها على ذلك أو ردها.
قُلتُ: ومثله في رسم استأذن من سماع عيسى ولا بن رُشْد في أول مسألة من سماع ابن القاسم: وأما الدنانير والدراهم، وما لا يعرف بعينه فتحبيسه مكروه وإن وقع كان لآخر العقب ملكًا إن كان معقبًا، وإن لم يكن معقبًا، وكان على معينين رجع إليه بعد انقراض المحبس عليهم.
قُلتُ: رجوعه ملكًا ظاهر في جواز بيعه اختيارًا بعد رجوعه، وذلك يمنع كونه حبسًا حقيقة؛ لأن خاصته تمنع مبيعه اختيارًا.

[

باب في المحبس عليه

] المحبس عليه ما جاز صرف منفعة الحُبُس له أو فيه، وإن كان معينًا يصح رده اعتبر قبوله.
ابن شاس: لا يشترط في صحة الوقف عليه قبوله إلا أن يكون معينًا أهلاً للرد والقبول، وفي كون قبوله شرطًا في اختصايه به أو في أصل الوقف خلاف في الموازيَّة من قال: أعطوا فرسي فلانًا فلم يقبله.
قال مال: إن كان حبسًا أعطي لغيره، ولمُطَرَّف في الواضحة من حبس حجرًا فلم يقبلها المحبس عليه لنفقتها رجعت ميراثًا.
قُلتُ: ما ذكره عن الموازيَّة لفظه في النوادر هنا من أوصى بفرسه في السبيل فقال: أعطوه فلانًا فلم يقبله، فإن كان حبسًا أعطى لغيره، وإن لم يكن حبسًا رد إلى ورثته، وما ذكره عن مُطَرَّف لفظه من حبس على رجل حجرًا عرض عليه أن يكون عليه علفها، فإن أبي كانت ميراثًا، وقاله أَصْبَغ، ورواه عن ابن القاسم.
اللخمي: إن حبس فرسًا أو عبدًا على رجل بعينه فلم يقبله، فإنه يختلف هل يصرف لغيره أو يرجع لربه أو وراثه إن أوصى به فذكر ما تقدم لمُطَرَّف، ولم يعزه لغيره، وما تقدم لمحمد قال: وأرى إن أعطاه له ليركبه لا ليغزو عليه رجع ميراثًا، وإن كان ليغزو عليه فهو محل الخلاف؛ لأن الحُبُس يتضمن نفع المحبس عليه كمن أوصى أن يحج عنه فلان بكذا، والموصي غير ضرورة.
قال ابن القاسم: يرجع المال ميراثًا، وقال غيره: يدفع لآخر يحج به عنه،

وهو أحسن.
قُلتُ: لابن رُشْد عن الشَّيخ: من أمر بشيء لسائلٍ فلم يقبله دفع لغيره.
المتيطي: المشهور المعمول عليه صحته على الحمل.
ابن الهندي: زعم بعضهم أنه لا يجوز على الحمل، والروايات واضحة بصحته على من سيولد وبها احتج الجمهور على الحمل، وفي لزومه يعقده على من يولد قبل ولادته قولا ابن القاسم ومالك لنقل الشَّيخ.
روى محمد بن المواز، وابن عبدوس: لمن حبس على ولده، ولا ولد له بيع ما حبسه ما لم يولد له، ومنعه ابن القاسم قائلاً: لو جاز لجاز بعد وجود الولد وموته.
قُلتُ: يرد بأنه لما لزم بوجوده واستمر ثبوته لوجود متعلقه، وقبله لا وجود لمتعلقه فلم يلزم والأولى: احتجاج غيره، فإنه حبس قد صار على مجهول من يأتي فصار موقوفًا أبدًا ومرجعه لأولى الناس بالمحبس، ولهم فيه متكلم.
وتبع ابن الحاجب: ابن شاس في قوله: يجوز الوقف على الذمي، وقبله ابن عبد السلام، ولا أعرف فيه نصًّا للمتقدمين.
والأظهر: جريها على حكم الوصية.
سمع ابن القاسم: كراهة الوصية لليهودي والنصراني.
قال سَحنون: قال ابن القاسم: وكان قبل ذلك يجيزه، ولا أرى به بأسًا إن كان على وجه الصلة للرحم كأبيه وأخيه وأراه حسنًا، وأما لغير هذا فلا.
وقال عنه عيسى: لا بأس به لأحد أبويه وأخيه وشبه ذلك من قرابته، ولا يعجبني في الأباعد، وليتعطف به على أهل الإسلام.
ابن رُشْد: قوله الأول بالجواز دون كراهة هي رواية ابن وَهْب، واحتج بالحلة التي كساها عمر أخًا له مشركًا بمكة، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم، قوله قبل ذلك، وأراه حسنًا.
قول ثالث: رأى أجر وصيته لصلة رحمه، وإن كانوا ذميين أكثر من الأجر في المسلم الأجنبي.

وأما الوصية للأباعد من الذميين فلا خلاف في كراهة ذلك باعتبار أنها إيثار للذمي على المسلم إلا في نفس الوصية؛ لأن فيها الأجر بكل حال في موطأ ابن وَهْب عن مالك: من نذر صدقةً على كافر لزمه.
وقال أيضًا: من قال: مالي صدقة على فقراء اليهود لزمته الصدقة عليهم بثلث ماله قال الله سبحانه وتعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) [الإنسان: 8]، والأسير الكافر، وأجاز أشهب الوصية للذميين، ولو كانوا أجانب إجازة مطلقة دون كراهة، ومعناه في الأجانب إن كان لهم حق من جوار أو يد سلفت وشبه ذلك، وإن لم يكن لذلك سبب فالوصية لهم محظورة إذ لا يؤثر الكافر على المسلم دون سبب إلا مسلم سوء مريض الإيمان لقوله تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) الآية [المجادلة: 22].
الباجي: لو حبس مسلم على كنيسة، فالأظهر عندي رده؛ لأنه معصية كما لو صرفها إلى أهل الفسق.
قُلتُ: عادة الأشياخ أنهم لا يقولون الأظهر عندي إلا فيما فيه نظر ما لا في الأمر الضروري، ورد هذا الحُبُس ضروري من القواعد الأصولية؛ لأنه تسبب في معصية أو إعانة عليها خالية عن مصلحة شرعية، وما هذا شأنه حرام إجماعًا.
وكذا من القواعد الفروعية سمع عيسى ابن القاسم: من أوصى أن يقام بلهو عرس رجل أو مناحة ميت لا تنفذ وصيته، وقوله باطل.
ابن رُشْد: لا خلاف في ردها بمناحة الميت؛ لأنها محرمة.
وفي الموازيَّة: من أوصى لرجل بمال على أن يصوم عنه لم يجز ذلك.

باب في المحبس

المحبس: من صح تبرعه، وقبوله منه، فيصبح من الإمام لسماع محمد بن خالد

من ابن القاسم صحة تحبيسه الخيل في الجهاد.
وأنكره بعض مفتي بلدنا حين إشهاد إمامها بتحبيسه بعض ريعها على بناء سورها فوقفته على السماع فرجع، وشهد فيه معنا، فلا يصح من محجور عليه، ولا من مدين أحاط عليه دينه بماله، ولا كافر في قربة دينية ولو كانت في منفعة عامة دنيوية كبناء القناطر، ففي ردها نظر.
والأظهر: إن لم يحتج إليها ردت.
الباجي: سمع ابن القاسم: إن حبس ذمي دارًا على مسجد ردت، ورواه معن بن موسي في نصرانية بعثت بدينار للكعبة رد إليها، وهو على وارث وحده في المرض مردود كهبته فيه فلو كان على غيره فهو معه فهو كالمشهورة بمسألة ولد الأعيان، وهي ذو دار حبسها في مرض موته على ولده، وولد ولده، وحملها ثلاثة، وترك معهم أمًا وزوجة فصورها الشَّيخ والصقلي على أن الولد ثلاثة، وكذلك ولد الولد فتقسم غلتها على عدد المحبس عليهم.
سمع عيسى ابن القاسم: والذكر كالأنثى، وفي قسمه بالسوية مطلقًا أو إن استوت حالتهم نقلاً.
ابن رُشْد: عن ظاهر سماع عيسى ابن القاسم مع قول ابن الماجِشُون، ومشهور

قول ابن القاسم: ودخلت الأم والزوجة على ولد الاعيان فيما صار لهم بحظيهما إرثًا، فإن مات أحد الأعيان تعلق بحظه حق ولد الولد لوجوب صرف كل حبس على عدد عند موت بعضه على من بقي، وفي صرفه لهم بنقص القسم الأول، وقسمه على من بقي من الأعيان، وولد ليقسم حظهم بمقتضى إرثهم والميت معهم مقدرة حياته يستحق وارثه حظه من ذلك، وتدخل الأم والزوجة عليهم فيه بحظيهما كما مر، أو ببقائه، ويقسم حظ الميت مردود إليه سدسه وثمنه.
كذلك نقلا الصقلي عن سَحنون مع محمد، ويحيى عن ابن القاسم، وظاهر سماع عيسى ابن القاسم، وبه فسره الشَّيخ الصقلي، وقول سَحنون في المجموعة: يضم ولد الأعيان لما صار لهما من قسم سهم الميت عليهما مع ولد الولد للسدسين اللذين بأيديهما مردودًا إليهما ما أخذه منهما الأم والزوجة يخرج من كل ذلك لها سدسهما وثمنهما، ويقسم الباقي عليهما مع الميت مقدرة حياته حظه لوراثه عائد إلى نقض القسم.
قال الشَّيخ: ولا يختلف معنى نقص القسم من بقائه بالنسبة إلى الأم والزوجة وولد الولد إنما يختلفان بالنسبة إلى ولد الاعيان وولد الميت، وبيانه يقسم الحُبُس بموت الجد على أنه فريضة صحت من ألفين ومائة وستين لكل من الأعيان، وولد الولد سدسها ثلاثمائة، وستون للزوجة ثمن ما بيد كل واحد من الولد جميعه مائة وخمسة وثلاثون وللأم سدس ما بيد كل من الولد جميعه مائة وثمانون، فإن مات أحد الأولاد ردت إليه الزوجة ما أخذت منه، وذلك خمسة وأربعون، وترد الأم إليه ستين فيعود السدس كما كان ينقسم على خمسة اثنان وسبعون لكل واحد من ولد الولد وولد الأعيان فتأخذ الأم سدس ما بيد كل واحد من ولدي الاعيان، وذلك اثنى عشر والزوجة ثمنها تسعة يبقى لكل واحد عشرون جميع ذلك مائة وسهمان يأخذ كل واحد ثلثه أربعة وثلاثين، ولوارث الميت مثل ذلك، فيصير لكل واحد منهما مائتان وسبعة وثمانين للزوجة مائة وثمانية، وللأم مائة وأربعة وأربعون، ولكل واحد من ولد الولد أربعمائة واثنان وثلاثون هذا على بقاء القسم، وعلى نقضه تقسم ذلك على خمسة خمسه أربعمائة واثنان وثلاثون، وكذا كان لكل واحد من ولد الولد في القسم الأول، ثم تأخذ

الزوجة من كل واحد من ولد الأعيان ثمن مابيده، وهو أربعة وخمسون يجتمع لها مائة وثمانية، وهو ما كان لها في القسم الأول، وتأخذ الأم منهما سدس ما بأيديهما مائة وأربعة وأربعين، وهو ما كان لها في القسم الأول، ثم الباقي بيد ولد الأعيان ستمائة واثنا عشر ثلثها لورثة الميت منهما مائتان وأربعة فرادهما نقض القسم على بقائه مائة وسبعين؛ لأنه إنما كان لهم أربعة وثلاثون هذه الزيادة كانت عند عميهما ونقص كل واحد منهما خمسة وثمانون عما كان بيده في القسم الأول فالذي نقصهما هو ما زاد ورثة أخيهما، وهذا أشبه لوجوب مساواة حق الميت لحقيهما فيما يستحقانه بالإرث.
قُلتُ: هذا الكلام بطولة إنما المطلوب منه بيان اختلاف قدر ما يجب لورثة الميت من ولد الأعيان والباقي منهم على نقض القسم وبقائه وإدراكه باخصر من ذلك واضح؛ لأن الواجب لورثة الميت منهم على نقض القسم ثلث خمسي المال، وعلى بقائه ثلث خمسي سدسه، والمال أكثر من سدسه ضرورة أن الكل أعظم من الجزء، وأن جزء الاصغر من قدر المسمى لجزء الأكبر أصغر من جزء الأكبر، واختلاف حال الوارث ملزوم لاختلاف حال ولد الأعيان؛ لاتحاد حال من سواهم فيهما ضرورة مساواة الجزء المأخوذ من كل لمجموع الأجزاء السمية له مأخوذة له من كل أجزائه كثمانية وأربعين ثمنها وسدسها كثمن أربعة وعشرين مرتين وسدسهما.
ولابن رُشْد في رسم سماع القطعان من سماع عيسى: أن ولد الأعيان ثلاثة، وولد الولد أربعة.
قال ابن دحون: قوله إن مات أحد ولد الأعيان قسم حظه فذكر ما تقدم من قسمه على القول بنقض القسم الأول هذا غلط والواجب رد الورثه كل ما بأيديهم، وذكر ما تقدم في معنى نقض القسم.
ابن رُشْد: إنما قال ابن دحون هذا؛ لأنه تأول قول ابن القاسم على رد جميع ما بيد الميت من ولد الأعيان، ويضاف له ثلث سدس الأم، وثلث ثمن الزوجة فيصير سبعًا تامًا، ويقسم على ما ذكر في السماع؛ ولذا قال قوله يقسم الجزآن غلط؛ بل يرد الورثة كل ما بيديهم إلى الجزءين، ويقسم ذلك على فرائض الله.

كما تأول التونسي: المدَوَّنة: وهو تأويل غلط، تفسد به المسألة، والذي يصح حمل كلام المدَوَّنة عليه أنه لا يؤخذ من الميت من ولد الأعيان كل مابيده إنما يؤخذ سهمه الذي صار من السبعة الأجزاء حين قسم الحُبُس على ولد الأعيان، وعلى ولد الولد مما بيده ومما بيد الباقين من ولد الأعيان، ومما بيد الأم والزوجة؛ لأنه قد قسم ذلك عليهم أجمعين مع السبعين الأخرين اللذين كانا صارا لولدي الأعيان؛ فيؤخذ مما بيد كل واحد ثلثه؛ لأن ولد الأعيان ثلاثة فيكمل السبع على هذا فيقسم على الباقين من ولد الأعيان وولد الولد ومناب ولد الأعيان منه يقسم عليهما مع الميت من ولد الأعيان وعلى الأم والزوجة كما تقدم، فيتساووا على هذا في قدر مواريثهم كتساويهم في بعض القسم.
قُلتُ: قوله وإنما يؤخذ سهمه الصائر له من السبعة الأجزاء إلى آخره كذا وجدته في غير نسخة واحدة، وظاهره أخذ كل ما بيده؛ لأنه الصائر له من قسم السبعة الأخرى، وهو مناف للمعنى الذي صوبه، ولنص قوله بعده فيؤخذ مما بيد كل واحد ثلثه إلى آخره، ولو قال: إنما يؤخذ منه تسمية الصائر له من السهم السابع من السبعة الأجزاء إلى آخره كان واضحًا؛ فتأمله.
وحاصله: أنه يؤخذ مما بيد كل واحد من ولد الاعيان ميتهم وحيهم من الأم والزوجة الجزء المسمى لعدد ولد الأعيان؛ لأن الجزء الصائر لكل منهم من السهم الذي بان بموت أحد ولد الأعيان استحقاق ولد الولد فيه حقًا مع الباقين من ولد الأعيان بمقتضى التحبيس على عددهم.
الصقلي عن سَحنون في المجموعة: إنما هو في الثمار وشبهها من الغلل يقسم عند كل غلة على من وجد حينئذ حيًا من ولد الأعيان، وولد الولد، ثم يقسم حظ ولد الأعيان على الفرائض، فأما ما يسكن من دار أو يزرع من أرض فلا بد من نقض قسمه.
الصقلي: وهذا إنما يصح على قول من لا يرى نقض القسم.
الصقلي: وقول سَحنون في المجموعة؛ كنقض القسم سواء فانظره.

قُلتُ: قوله إنما يصح على قول من لا يرى نقض القسم وهم؛ لأن حاصل قول سَحنون الذي قرره في الثمار هو نفس نقض القسم؛ فكيف يتصور صحته على عدمه، ويمكن تقرير قول سَحنون على الصواب، أن معنى قوله: وهذا إنما يصح؛ يريد: بقاء الربع المحبس بينهم بعد موت أحد ولد الأعيان على ما كان عليه قبل موته إذا كان نفس المقسوم بينهم غلة الربع كدار السكنى وشبهه؛ يريد: ككراء الدور ونحوها أما إن كان المقسوم بينهم نفس الربع كدار السكنى لهم، وأرض الزرع لهم فلا بد من نقض قسمه؛ يريد: فلا بد من تحويله عن حالته في قسمه بينهم بموت أحد ولد الأعيان فلا يبقى على ما كان عليه بينهم؛ لأن الصائر لكل منهم حيث المقسوم بالغلة لا تختلف الأغراض فيه لتعدد قسمه فوجب بقاء الربع المحبس على حاله والصائر لكل منهم حيث المقسوم بينهم الربع نفسه تختلف الأغراض فيه في تعدد قسمه فوجب نقضه عن بقاء حاله قبل موت أحد ولد الأعيان؛ فتأمله.
ابن رُشْد: وقوله في هذا السماع أن هذا القسم لا ينتقض بموت من مات، وإنما يقسم حظه معناه إن كان ينقسم خلاف ظاهر سماع عيسى يحيى أن القسم ينتقض كله كما إذا زاد ولد الولد، وإن لم ينقسم حظ من مات من الولد أو ولد الولد انتقض كل القسم من أصله اتفاقًا كما ينتقض، كذلك إذا زاد ولد الولد، وسماع يحيى ليس مخالف لسماع عيسى فما يخرجه القسم لكل واحد في قتله وكثرته إنما اختلفا في صفة العمل، وسماع يحيى أولى لما في ترك القسم من التشعب والعناء بما لا فائدة فيه، وفي سماع عيسى المذكور ما صار لورثة الميت من ولد الأعيان يستمتعون به ما عاش واحد من ولد الأعيان.
ابن رُشْد: فيه نظر، إذ لا يستمتعون بجميعه ما عاش واحد من ولد الأعيان، كما قال: لأنه إن مات واحد من أعيان الولد بعد ذلك وجب أن يردوا مما صار لهم ما يجب من ذلك لولد الولد، وإنما يستمتع كل من صار بيده من الورثة شيء من الحُبُس بجميع ما صار له ما بقي واحد من أعيان الولد إن مات جميع ولد الولد يرجع جميع الحُبُس للولد، وفي السماع المذكور سئل عنها سَحنون فقال: هذه من حسان المسائل قل من

يعرفها، وهي لابن القاسم في غير موضع فهي في بعض كتبه خطأ، وفي بعضها صواب، الصواب فيها: إن كان ولده ثلاثة وولد ولده ثلاثة وحالهم واحدة قسم الحُبُس على ستة إلى آخره.
ابن رُشْد: قيل: قوله هذا تفسير لقول ابن القاسم، وقيل: خلافه إذ قال يقسم على عددهم، ولم يشترط تساوي حالهم، وقيل: ابن القاسم فرق بين الحُبُس في المرض؛ لأنه فيه بمعنى الوصية فسوى فيه بين فقيرهم وعنيهم بخلاف حبس الصحة، واتفقا على أن لا يفضل الولد على ولد الولد في هذه المسألة، وهو خلاف قول ابن القاسم في المدَوَّنة وروايته فيها مثل قول المخزومي وغيره في قوله، وكان المغيرة وغيره يسوي بينهم فلو مات ثان من البنين فعلى النقض يقسم كل الحُبُس على أربعة، ثلاثة الحفدة والابن الوارث كما مر وبموته يخلص كل الربع للحفدة، وعلى بقائه فعلى تفسيره.
ابن رُشْد: يؤخذ من حظ الميت وسائر من بيده حظ غير الحفدة الجزء المسمى للخارج من تسوية الواحد من عدد البنين حيهم وميتهم يقسم كما مر، وعلى قول الأخوين يقسم كل حظ الميت مع الجزء المذكور ممن ذكر حيهم وميتهم غير ابن حي يقسم كذلك فلو مات أحد ولد الولد والبنون أحياء ففي نقض القسم فيقسم الحُبُس على خمسة كما مر، وبقائه ويقسم حظ الميت كذلك نقلاً الصقلي عن محمد مع غيره، وسماع عيسى ابن القاسم وعليه في دخول الأم والزوجة على ولد الأعيان فيما صار لهم نقلاه عنه مع سَحنون في المجموعة، وعنه في العتبيَّة قائلاً: لأن الوصية نفدت أولاً وارتفعت التهمة.
الصقلي: يريد: إنما رجع عليهم بالولاية.
قال غيره: وعليه يؤثر ذو الحاجة من ولد الموصي؛ لأنه سنة مرجع الأحباس.
الصقلي: قوله في المجموعة: أحسن، وهو ما قاله محمد: من نقض القسم سواء فيما يصير للأم والزوجة إذ لا فرق بين أخذ سدس وثمن من كل مجموعًا، ومن كل أجزائه مفرقة فالقول بنقض القسم أخصر.
قُلتُ: لم يبين وجه كون ما في المجموعة: أحسن، ووجهه إن أخذ ولد الأعيان في

موت أحد ولد الولد لو كان بمعنى استحقاق مراجع الأحباس لا ختصوا بكل ما ترك الميت دون بقية ولد الولد، وفي عزوه الثاني لسَحنون في العتبيَّة نظر؛ لأنه إنما قاله فيها: إن مات جميعهم، ولو مات ثان منهم فذكلك، والقسم على أربعة، ولو انقرض جميعهم رجع كل الحُبُس لولد الأعيان، وفي دخول الأم والزوجة عليهم.
الصقلي: قولا سَحنون في المجموعة مع سماع عيسى ابن القاسم، وقول سَحنون في العتبيَّة، ولما ذكره ابن رُشْد قال: يريد: وكذا لو مات واحد منهم على ما قاله في غير هذا الكتاب، وقوله: لأن وصية الميت نفذت لهم وسقطت المحاباة غلط بين؛ لأنه إنما يرجع الحُبُس إلى أقرب الناس بالمحبس إن انقرض كل المحبس عليهم، وأما ما بقي منهم أحد فهو راجع على جهة الوصية.
وقال الشَّيخ في المختصر: إنما قال سَحنون بعدم دخول الأم والزوجة فيما يصيب ولد الأعيان من قبل ولد الولد إن ماتو كلهم لا في موت أحدهم، فإنهما يدخلان فيه في قول جميعهم؛ لأن أسباب المواريث قائمة بينهم، وكذا تأول عليه ابن دحنون، وهو تأويل لا يعضده نظر وترده الرواية الموجودة عن سَحنون بعدم دخول الأم والزوجة في موت أحدهم.
قال ابن رُشْد: وقول سَحنون إن مات واحد من ولد الأعيان؛ يريد: بعد انقراض ولد الولد أخذ ما في يديه؛ يريد: جميع السدس الصائر له حين قسم الحُبُس على الولد وولد الولد فيقسم على فرائض الله، للأم سدسه، وللزوجة ثمنه؛ يريد: وقد أخذتا ذلك فلا يسترد منهما، ولولد الأعيان ما بقي؛ يريد: ما صار له بالإرث دون ما صار له من رجوع الحُبُس من قبل ولد الولد، وقوله: إن هلك الثاني أخذت الأم مما بيده سدسه غلط بل تأخذ الثلث إلا أن يموت هذا الثاني عن ولد، وقوله: إنما تتقاسم الأم والزوجة ولد الأعيان إن هلك الأول، وبقي اثنان، وإذا هلك الثاني، وبقي واحد صحيح، وفي السماع لسَحنون: إن هلك الثاني، وبقي واحد أخذ ما في أيديهم من النصف الأول الذي صار لهم، وأما ما صار لهم من حق ولد الولد فلا تدخل فيه الأم ولا الزوجة؛ لأنه رجع إليهم من وصية أنفذت لم يكن فيها محاباه لوارث.

قال ابن رُشْد ما نصه: قوله: إن هلك الثاني، وبقي واحد أخذ ما في أيديهم من النصف الأول؛ يريد: فإذا هلك ذلك الواجد فلا تدخل فيه الأم والزوجة الذي بقي أخذ ما في أيديهم من النصف؛ يريد: الذي صار لهم؛ يريد: أنه يؤخذ منهم فيكون ميراثًا عن الحُبُس لورثته وورثة من مات من ورثته.
قُلتُ: كذا وجدته في غير نسخة وفيه نظر؛ لأنه لا يؤخذ شيء من الحُبُس بالإرث عن المحبس إلا إذا صار لوارث له وبموت كل ولد الأعيان بطل تعلق الحُبُس بوارث له، وإذا بطل كونه على وراثه وجب صرفه بمعنى مراجع الأحباس؛ فتأمله.
قال ووقع في النوادر: قال سَحنون في العتبيَّة: إن انقرض ولد الولد وصار ما بأيديهم لولد الأعيان، ثم مات واحد منهم أخذت الأم والزوجة ميراثهما مما بيده من السدس الذي أخذ أولاً لا مما صار إليه عن ولد الولد فما بقي قسم بين ولد الأعيان.
قال أبو محمد: ينبغي أن يكون إنما أخذ أولاً هذا السدس بالإرث فعند الأم سدسه، وعند الزوجة ثمنه، فلا يرد منهما؛ لأنقراض ولد الولد الذي لهم في ذلك حجة فيقسم ما بيده من بقية ذلك السدس على ورثته لأمه سدسه، ولزوجته ربعه، ولبقية ورثته ما بقي، فإن كان إخوته هذين فهو لها، وما بيده عن ولد الولد، وهو سدس ثان فهو كسبيل الأحباس عنده في رواية العُتْبِيّ لا شيء لورثته فيه، ويرد إلى أولى الناس بالمحبس، وهما أخو هذا الميت ورثته بينهما نصفين، كذا وقع قول سَحنون في النوادر، وهو يبين قوله في الكتاب ففيه لبس، وقول ابن أبي زيد مفسر لقول سَحنون لا خلاف له.
قال الصقلي: قالوا: وينتقض القسم لحدوث ولد لبعض ولد الأعيان أو لبعض ولد الولد اتفاقًا، ويقسم على عدد الولد وولد الولد الأولين والذين حدثوا، ولو شرط أن لا حق لمتزوجة إلا أن تتأيم بموت أو طلاق فتزوجت ابنة له انتقض القسم، ولم يقسم لها في قسم الحُبُس شيء، وما صار للأعيان دخلت عليهم بحق إرثها؛ لأنها أخت لهم فلو تأيمت انتقض القسم، وقسم لها فلو كان في المرض على وارثين فقط، ففي وقفه يقسمون غلته بمقتضى الإرث حتى ينقرضوا فيرجع مرجع الأحباس، وبطلانه فيورث

ملكاً، ثالثها: إن قال حبساً لا يباع ولا يورث لتخريج اللخمي على أنه على معين يرجع مرجع الأحباس لا يورث والمعروف.
والشيخ عن ابن كنانه قائلاً: من مات منهم فحظه لورثته على إرثهم حبساً.
قلت: يريد: ما بقى منهم أحد، وإلا رجع مرجع الأحباس، ويرد تخريج اللخمي بأنه لا يلزم من رجوعه مرجع الأحباس، وهو على معين كونه كذلك، وهو على وارث لصحته على المعين وفساده على الوارث، ولا يلزم من ثبوت لازم العقد صحيحاً ثبوت لازمه كذلك فاسداً لجواز كون الصحة هي علاقة اللزوم أو جزؤها ولجواز استلزام المحال المحلل في العقليات فأحرى الظنيات فيستلزم الفاسد نقيض لازم الصحيح، وهو على نفس المحبس وحده باطل اتفاقاً، وفيه مع غيره، ثالثها: إن نص على نفسه صح للمعروف.
ونقل ابن شعبان: دخول من حبس على بني أبيه معهم واختياره.
الباجي: لا يصح وقف الرجل ملكه على نفسه.
وقال ابن شعبان: من حبس على نفسه، وغيره صح حبسهن ودخل معه.
قلت: ظاهر المذهب بطلان كل حبس من حبس على نفسه، وغيره إن لم يحز عنه، فإن حيز صح ما على غيره فقط.
وفي الزاهي لابن شعبان: من حبس على نفسه، وعلى الفقراء، فإن كان فقيراً وشرط خروجه عنه بغناه، ويعود إلى من معه عاد إليهم إن استغنى أو مات، لأن الموت الغني عنه، وهذا استحسان لا قياس، وإن جعل نفسه معهم على الغنى والفقر بطل جزؤه بموته إن علم قدره، كقوله على فقراء بني فلان أو ولد فيعرفون، وإن جعله على الفقراء مطلقاً، فجزؤه لا يعرف، وفي بطلان كل الحبس وإمضاء جميعه إذ لا يرد كثير بقليل قولان بأولهما أقول.
وسمع ابن لقاسم: من حبس شيئاً في السبيل، وأنفذ فيه زماناً فله الانتفاع به مع الناس إن كان محتاجاً.
ابن رشد: ينتفع به فيما سبله فيه لا فيما سواه من منافعه إن كان من حاجة، لأن

الاختيار فيما جعل في السبيل أن لا شيء فيه إلا لأهل الحاجة، فإن استعمله لحاجته لم يكن رجوعاً فيما حبس، ولا عود له في صدقته وللشيخ في المجموعة من رواية ابن وهب وابن القاسم والمتيطي وغيره عن المذهب: ويجوز للمحبس استثناؤه من حبسه ما يسكنه أو ينتفع به حياته على لحوقه بالحبس بعد موته بعقده الأول إن كان ثلث قيمته فأقل وعاينت البينة ما لم يستثنه خالياً من متاعه، فإن كان أكثر بطل جميعه إن كان باقية لصغير ولده، وإن كان لغيره صح إن حيز عنه، وإن لم يلحقه به بعقده الأول وأبقاه على أن يلحقه به بعد وفاته فهو وصية بتحبيسه.
وفيها: يكره لمن حبس إخراج البنات من تحبيسه.
وسمع ابن القاسم: من حبس حبساً على ذكور ولده، وأخرج منه من يتزوج من بناته لا يجوز هو من أمر الجاهلية.
قلت له: فيبطل ويسجن.
قال: نعم.
ابن القاسم: وذلك إن فات فهو على ماحبس.
ابن القاسم: إن كان المحبس حياً، ولم يجز الحبس فسخ، ودخل فيه البنات، وإن حيز أو فات فهو فوت، وهو على ما جعله عليه.
ابن رشد: ظاهر قول مالك إبطاله على كل حال خلاف قول ابن القاسم أنه يمضي إن فات وفوته عنده حوزه عن المحبس على ما قاله في هذه الرواية إذ رأى أن الحبس يبطل ما لم يحز عن المحبس، ويدخل الإناث فيه ظاهره، ولو كره المحبس عليهم لرعي القول بأن الهبة والصدقة والحبس لا يجب الحكم به حتى يقبض، وعن مالك أنه مكروه فعليه لا يفسخ إلا أن يرضى المحبس عليه بفسخه، وهم كبار.
وقال محمد: ليس ذلك باختلاف من قوله، ومعنى قوله: بفسخه ما لم يأب عليه من حبس عليهم، فإن أبو أبقى حبساً، ولم يفسخ، وإن كان حياً إلا أن يرضوا، وهم كبار.
قال مالك: إن لم يخاصم رد حبسه حتى يجعله على صواب ظاهره، ولو لم يحز عنه،

وهو على قياس قوله أنه مكروه.
قلت: في قوله: هو على قياس.
قوله: أنه مكروه، نظر، لأن المكروه إذا وقع أمضى، ولم يفسخ.
قال: وقال ابن القاسم: إن خوصم أقر على حاله، ومعناه على مذهبه إن حيز عنه وتأويلي على ابن القاسم أنه في فسخه فرق بين أن تحاز عنه أو لا تحاز هو ظاهر قوله: إن كان المحبس حياً، ولم يحز الحبس فسخ، ودخل فيه الإناث، وإن كان حيزا وفات، يريد: أو مات بعد أن حيز فقد فات، وهو على ما جعل عليه، وقد تأول على ما حكاه محمد عن مالك وابن القاسم أنه ليس له فسخه، وإن كان لم يحز عنه إلا برضى المحبس عليهم، وقد تأول أن له فسخه، وإن حيز عنه، وأبى المحبس عليهم رعياً لمن لا يرى إعمال الحبس جملة، وهو ظاهر قول ابن القاسم في رسم شك بعد هذا، وفي رسم نذر، وتأول على ظاهر قول مالك في هذه الرواية: أنه يفسخ على كل حال، وإن مات المحبس بعد أن حيز عنه الحبس، فيتحصل في المسألة أربعة أقوال هذا، ويفسخه ويدخل فيه الإناث، وإن حيز عنه، وهذا ما لم يحز عنه، فإن حيز عنه لم يفعل ذلك إلا برضى المحبس عليهم، ورابعها: لا يفسخه ويدخل فيه الإناث، وإن لم يحز عنه إلا برضى المحبس عليهم، وذكرها ابن زرقون وقال: الأولان تأولا على قول مالك في سماع ابن القاسم، والثالث ظاهر قول ابن القاسم في سماعه، والرابع قول محمد، وللباجي قبل ذكرها.
ابن زرقون قال: قال ابن القاسم: إن فات ذلك مضى على شرطه، وإن كان حيا، ولم يجز عنه فأرى أن يرده، ويدخل فيه البنات، ونحوه لعيسى عن ابن القاسم، وأنكره سحنون.
قلت: انظر هل هذا زائد على الأربعة أو هو تقييد لما سوى الأول منها، وأن الثلاثة إنما هي ما لم يمت فإن مات مضى، وهو أبين.
الباجي: وهذا مبني على ما تقدم من الخلاف فيمن وهب بعض بنيه دون بعض.
قلت: هذا خلاف قول ابن رشد إخراج البنات من الحبس عند مالك أشد كراهة

من هبة الرجل بعض ولده دون بعض إذ لم يختلف قوله أن هبة الشيء من ماله لبعض ولده دون بعض جائزة، وإن كرهت.
اللخمي: في إخراج البنات من الحبس اختلاف.
روى ابن عبدوس كراهته، وروى العتبي: إن أخرجهن إن تزوجن بطل الحبس، وقاله ابن شعبان ابن القاسم.
إن حيز أو مات فات، وكان كما شرط، وإلا فأرى أن يفسخه، ويدخل فيه البنات، وقال أيضاً: إن كان المحبس حياً فليفسخه ويجعله مسجلاً، وإن مات لم يفسخ فجعل له رده بعد الحوز وجعله مسجلاً ما لم يمت، وعلى هذا تجري الصدقة على الذكور فقط أو على بعضهم فعلى الأول تكره، وعلى الثاني تبطل وعلى أحد قولي ابن القاسم تفسخ ما لم تحز وعلى القول الأخر يفسخ ولو حيز.
وروى محمد: لا بأس أن ينجل بعض ماله إنما يكره أن ينحل جل ماله، وفي كون العدل بين الذكر والأنثى بالسوية في القدر أو كالميراث قولا ابن القصار وابن شعبان، وهو أحسن.
ابن شاس: في مختصر الوقار جائز أن يحبس على الذكر دون الإناث، وعكسه.
قلت: ففي الحبس على البنين دون البنات مطلقاً أو إن تزوجن أربعة.
ابن رشد: وخامسها: جوازه، وسادسها: كراهته، وسابعها: فوته بحوزه، وإلا فسخه، ودخل فيه البنات للوقار، ورواية ابن عبدوس واللخمي عن أول قولي ابن القاسم.

باب في الحوز المطلق

وشرطه كجنسه العطية حوزه: وحقيقته رفع خاصية تصرف الملك فيه عنه بصرف التمكن فيه للمعطي أو نائبه.

باب في وقت الحوز

ووقته قبل فلسه وموته ومرضه.

باب في الحوز الفعلي الحسي

وهو حسي وحكمي فالأول في الصلاة منها: لا يورث المسجد إن كان صاحبه أباحه للناس.
اللخمي في كتاب الجعل والإجارة: يريد: إن لم يبحه ورث، وهو أصل كل ما أوجبه الإنسان لله، ولم يعنيه لا يجبر على إنفاذه.
ولابن القاسم مرة ما جعله للمساكين في غير عين جبر على إنفاذه فعليه يجبر باني المسجد على إنفاذه، وإن مات قبل اختياره أو كان على إنفاذه فمات قبل حوزه، ففي

إمضائه حبساً وجعله ميراثاً قولان من الصدقة إن مات قبل تفريط في حوزها.
وله في كتاب الحبس: حوز المساجد والقناطير والمواجل والآبار رفع يد المحبس عنها وتخليته بين الناس وبينها، وحوز غيرها على معين يرفع يده بتسليمه لغيره، وعدم عوده إليه لنفعه به نحوه ما كان قبل تحبيسه.
وفيها: إن حبس في صحته ما لا غلة له كالسلاح والخيل، ولم يخرجها من يده حتى مات فهي ميراث، وإن كان يخرجه في وجوهه ويرجع إليه فهو نافذ، وإن أخرج بعضه دون بعض صح ما أخرج، وما لم يخرجه فهو ميراث.
اللخمي: يصح ما أخرج، ولو قل.
قال: وهو على غير معين كالخيل يغزى عليها، والسلاح يقاتل بها، والكتب يقرأ فيها يصح أن تعود ليد محبسه بعد قبضه، ويختلف إن لم يأت وقت إنفاذه للجهاد أو لم يطلب ما للغزاة لها حتى مات المحبس هل تبطل، ولو كان يركب الدابة في عودها إليه لرياضتها لم تبطل، وإن كان يركبها حسبما كان يفعل المالك بطل، وقراءة الكتب إن صارت إليه خفيف.
قلت: ويكون فيها لحفظها من السوس فيصير كرياضته الدابة.
الصقلي: لأشهب في الموازية والمجموعة: ما كان يرد إليه بعد القفول فيعلف الخيل من عنده، ويرم السلاح، وينتفع بذلك في حوائجه، ويعير ذلك لإخوانه فيموت فهو ميراث.
اللخمي: ما حبس على غير معين لتفرق في آحاده كغلة الحوانيت والثمار وخراج العبيد إن أبانه عنه لمن يقدم عليه، ويفرق غلته صح، وإن أبقاه بيده وجهل إنفاذه غلته بطل، ولو علم صرفه غلته في مصرفها أو جعله على يدي غيره يده وباشر هو صرف غلته مصرفها ففي بطلانها، ثالثها: إن بقى بيده لا إن أسلمه لأشهب مع ابن القاسم وأحد قولي مالك في المبسوط، وثانيهما مع المغيرة ومحمد بن مسلمة ورواية محمد، وعن الصقلي رواية محمد لرواية ابن عبد الحكم.

ابن الحاجب: وإن كان يصرف منفعته في مصرفها، فثالثها فيها: إن كان غلة يصرفها فليس بحوز، وإن كان كفرس أو سلاح فحوز.
قلت: وذكرها ابن شاس روايات، وقبلها ابن عبد السلام وابن هارون، ولا أعرف بطلانها في الفرس، والسلاح إن أخرجها، وعادت غليه لذلك بحال.

باب في الحوز الحكمي

والحكمي: حوز ذي ولاية لمن هي عليه.
في الهبة منها: والأب يجوز لصغار ولده، ومن بلغ من أبكار بناته ما وهبهم وأشهد عليه، ولا يزول حتى يؤنس رشدهم.
والوصي ومن يحوز أمره عليه كأبيه، وفي الهبة تمامه.
المتيطي: إن عمر المحبس على ابنه الصغير الحبس لنفسه، وأدخل غلته في مصالحه، فإن موته يبطل الحبس هذا هو المشهور المعمول به.
وقال ابن العطار: لولا اجتماع الشيوخ عليه لكان القياس عدم بطلانه بتعديه على غلة وجبت لولده.
المتيطي: ولقول ابن العطار ذهب أحد بن يبقي.
وفي خامس الثمانية: قال عبد الملك: من صدق على صغار بنيه بحائط أشهد به فكان بيده يتصرف فيه كتصرفه قبل الصدقة بالبيع، والأكل حتى مات فالصدقة ماضية إلا أن يكون جعل حوزها، والنظر فيها لغيره: فإن فعل فيها فعله قبل الصدقة بطلت.
وقال أصبغ: إنما ذلك إن علم أنه فعله لنفسه انتزاعاً له منه، وإن لم يعلم ذلك فهو على الحيازة أبداً، ولو طالت حيازتها الأجنبي لهم، ثم رجع الأب لهم فيها يملكها حتى مات لم يبطل ذلك الصدقة أو الحبس.

المتيطي: وفي قول عبد الملك دليل لما ذهب إليه ابن العطار وابن يبقى.
قلت: وفي الهبة من هذا زيادة، وفي بطلان قبض السفيه ما حبس عليه لنفسه وصحته نقل المتيطي عن وثائق الباجي، وعن سحنون مع الأخوين.
قال: ونزلت أيام القاضي منذر بن سعيد فشاور فيها فأجمع له الجمع من فقهاء بلده بصحته إلا إسحاق بن إبراهيم التجيبي أفتى ببطلانه فحكم بقول الجمع، قاله ابن عاصم.
وفيها: حوز الوصي ليتيمه ما وهبه كأبيه، فإن كانا وصيين، ففي صحة حوز أحدهما له ما وهبه وكونه فيه كأجنبي نقلا المتيطي.
قلت: قد يتخرجان على ما في وصاياها الأول.
قال يحيى بن سعيد: إن كانا وصيين فأوصى أحدهما بماله من تلك الوصية لغير شريكه في الوصية جاز ذلك، وأباه سحنون.
المتيطي: إن كان الصغير لا ولي له فقدم المحبس أجنبياً فقبض له جاز ذلك.
قلت: مفهوم قوله: لو كان له ولي لم يصح حوز الأجنبي له، وهو خلاف قولها: من وهب لابنه الصغير العبد هبة لم يكن حائزاً له، لأن سيده حازه ماله دون أبيه، فإن جعل الأب هذه الهبة بيد أجنبي يحوزها الصبي كان حوزاً، ولو كره سيده قال: ويصح حوز الحبس بعقد كرائه أو مزارعته إن كان بياضاً أو فيه سواد تبع له، وإن تبع بياضه سواده فبمساقاته، ويغني عن حوزه بالوقوف على معاينة نزول المحبس عليه فيها هذا المشهور المعمول به، وقاله ابن العطار وغيره وحكاه ابن أبي زمنين عن بعض الموثقين، وقال عن بعضهم: أنه لغو، ولا يغني عن الحيازة حتى تشهد البنية بنزول المكتري أو المزارع أو المساقي في الأرض، ومعاينة البنية ذلك، وقاله ابن لبابة وغيره قال: والكراء في الأرض لعامين وأزيد أقوى.
ابن العطار: إن عقده لعام واحد ولم يزرع إلا الورقة الواحدة، ومات المحبس قبل أن يعمل الورقة الثانية لم ينفد إلا ما عمل إلا أن يقل ما لم يعمل كالثلث ونحوه فينفد الحبس كله.

ابن العطار: وجرت الفتيا بأن تطوف البنية على الأرض.
وتخلي المحبس عنها باللفظ إلى المحبس عليه بمحضر البنية حوز تام، ولو لم تعاين البنية نزوله فيها، وفي الحبس والصدقة منها لمالك: إن لم يتمكن المحبس عليه أو المعطي عمارة الأرض، ومات المحبس قبل أوان الحرث، وإمكانه ولم يمكن المحبس عليه منحها وهبتها يعني هبة الانتفاع بها فالحبس نافد، وإن لم يحز.
وقال ابن الهندي: من أعطى ربع كراء أو حرث إن حيز بمعاينة بينة لم يبطل بتركه كراءه أو حرثه إن مات معطيه مطلقاً، وإن لم يحزه بذلك بطل بموته إن ترك كراءه وحرثه بعد إمكان أحدهما لا قبله، وتمام الحوز في الهبة.

باب في صيغة الحبس

الصيغة: ما دل على ماهيته قولاً أو فعلاً، لتسميتهم ما يفهم من حال

الشيء كلاماً.
في آخر صلاتها الأول: والمسجد حبس لا يورث إن أباحه صاحبه للناس.
الباجي لمُطَرف: من بنى مسجداًّ، ثم صلي فيه تأبد حبساً؛ يريد: أباحه لمن صلى فيه، وفي ظاهر قول مُطَرف معها: لا يلزم وتحبيسه بمجرد بنائه، نظر، وكان يجب أن يلزم بمجرد بنائه، ويتم حوزه بإباحته، وإقام الصلاة فيه، ويحتمل أن لا يلزم به لمن جوز أن يبني مثل هذا البناء مسجداًّ لنفسه بداره، وما في المسجد من بيت للماء أو لزينة وحصره وآلته وسلاسله وقناديله تبعٌ له.
قُلتُ: ولتشخص متعلق لفظه، وكونه كلياً أثر في دلالته عليه.
الجلاب: مالي حبس في وجه كذا في كونه مؤبداً، ورجوعه لمحبسه أو وارثه إن انقرض ذلك الوجه روايتان.
ولو قال: وقف تأبد.
ابن رُشْد: معنى لفظ الحُبُس والوقف واحد لا يفترقان في وجه.
وقول القاضي: لا يكون الوقف أبداً إلا محرماً غير صحيح لا فرق بين وقفت هذه الدار على فلان، أو حبستها عليه، وفي كون حبسها عليه مؤبداً، أو يرجع إليه أو إلى وارثه، ثالثها: إن لم يقل حياته لروايتين ومحمد.
اللخمي: إن قال: حبساً على هؤلاء النفر، وضرب أجلاً أو قال: حياتهم رجع ملكاً اتفاقاً، واختلف إن لم يسم أجلاً ولا حياة.
الباجي: من قال: حبست هذه الدار، ولم يقل على شيء ما صح حبساً، قاله أشهب ورواه محمد، وذكر قول القاضي في تأبيد لفظ الوقف، ولم يتعقبه، وتعقبه ابن زرقون كابن رُشْد.
وفيهما لربيعة: والصدقة على قوم بأعيانهم، ومعناه ما عاشوا، ولم يذكر تعقيباً فهو تعميم.
اللخمي: إن قال: صدقة على فلان وفلان فهو ملك لهما.
الباجي: لفظ الصدقة إن أراد به تمليك الرقبة فهو هبة، وأن أراد به معنى الحُبُس

فهو كلفظه.
قُلتُ: بقي عليه إن لم يرد أحدهما.
ابن رُشْد: إن قال: صدقة على فلان فهي تمليك اتفاقاً، ولو قال: حبساً صدقة أو حبساً لا يباع، ولا يوهب ففيها يتأبد.
ابن رُشْد: قول ابن القاسم فيها: لم يختلف فيه قول مالك غير صحيح.
وروى ابن عبد الحَكم في حبساً صدقة أنها ترجع ملكاً.
ولابن وَهْب في حبساً لا يباع ولا يوهب: يرجع ملكاً لاحتمال قوله لا يباع، ولا يوهب حياة المحبس عليه.
قُلتُ: في عزوه لم يختلف فيه قول مالك لابن القاسم نظر؛ لأنه في بعض نسخ المدَوَّنة لسَحنون نصاًّ، وفي بعضها ظاهراً.
قُلتُ: ونقل الباجي عن ابن حبيب: قال ابن الماجِشُون في حبساً صدقة: هي عمري إن لم يذكر صدقة تعقيباً، ولا منع البيع، وقاله ابن كنانة ثالث في اللفظين.
وفي المقدمات لابن رُشْد: ما حبسه على مجهولين غير محصورين كالمساكين أو في السبيل أو على بني زهرة فهو صدقة محرمة مؤبدة اتفاقاً، وما حبسه على محصورين غير معينين كولد فلان أو عقبه أو بنيه أو نسله أو ذريته فهو كذلك إلا أن يقول: حياتهم.
فقال ابن الماجِشُون: ترجع ملكاً بعد العقب والصدقة على غير معينين، ولا محصورين كهذه الدار على المساكين يسكنونها أو يستغلونها حبس لا تباع، وعلى محصورين غير معينين كداري صدقة على فلان، وعقبه في رجوعها بانقراضهم كالحبس أو لآخر العقب ملكاً، ثالثها: هي عمري تورث بذلك على ملك معطيها لراوية ابن عبدوس وغيرها.
قُلتُ: عزا الصقلي الثاني لبعض أصحاب ابن عبدوس، وعزاه ابن رُشْد في رسم سلف من سماع ابن القاسم لسماع أشهب، وعزا فيه الأول لبعض رجال مالك فيها، ولابن عبدوس عن أكثر أصحاب مالك، وعزا عياض الثالث لرواية الجلاب.
اللخمي: روى محمد: إن قال: "صدقة عليك وعلى ولدك أو عليك وعلى عقبك"

كان ملكاً إلا أن يقال: "لا تباع ولا تورث".
محمد: إن عقب الصدقة فهي حبس إلا أن يقول بتلا له ولعقبه، فإن كان بيتاً فله أن ينتفع به.
قُلتُ: يريد بالبيع وغيره.
قال: ولابن القاسم في الموازيَّة، إن قال: "صدقة على فلان وولده"، فهي حبس والأول أحسن أن يكون ملكاً، ومحملها على الموجود من الطبقة العليا؛ لأن أصل الصدقة التمليك لا التعقيب، وكذا إن أدخل العقب يكون للأول هبة منافع، فإن مات كانت لمن بعده، فإن لم يبق إلا بنت أو من لا يولد لمثله كانت ملكاً يجيء الأولون بالذكر، ويسقم على جميعهم.
قُلتُ: ظاهره: إن صارت لبنت أو من لا يولد له قسمت حينئذ، وفيه نظر.
والصواب بقاؤها بيده ينتفع بها ما دام حياً كمن كان قبله، فإن انقرض قسمت كما ذكر.
قال: وعلى القول الآخر تكون ملكاً لآخرهم، والمعهود من هذا اللفظ التمليك لمن هو موجود من الولد.
وسمع ابن القاسم: من تصدق بدار على رجل وولده فهي ميراث لمن تصدق بها عليه.
ابن القاسم: تورث عنهم كما لو اشتروها.
ابن رُشْد: اتفاقاً إن عرف عدد الولد وأعيانهم، وإن لم يعرفا إلا بعد الإحصاء، والبحث ففي كونهم كذلك، وقسم الصدقة عليهم بقدر الحاجة قولان من ثاني وصاياها.
قُلتُ: ما تقدم لابن رُشْد من الاتفاق في ولد فلان خلاف نقل عياض.
قال: إن جعل لفظ الحُبُس في محصور غير معين يتوقع انقراضه، كقوله على بني زيد أو بنى عمرو وولده أو عقبه أو على من يطلب العلم بموضع كذا فهو حبس مؤبد هذا قوله فيها وفي غيرها، واختلف فيه قدماء أصحابه، ونقل اللخمي رواية الجلاب أنه

يعود ملكاً.
وقيل: هي على من وجد كما لو عين، وهو الذي له في المجموعة.
واختلف إن قال: "بنو زيد" هل هو كقوله: ولد زيد فيمن وجد، وفيمن لم يوجد فيكون مؤبداً.
قُلتُ: قوله: اختلف فيه قدماء أصحابه خلاف نص ابن رُشْد على اتفاقهم أنه مؤبد.
ونقل عياض وهم، إنما ذلك في لفظ الصدقة حسبما تقدم، وما ذكره من نقل اللخمي عن ابن الجلاب صحيح، وفيه على اللخمي تعقب بيانه أنه قال: إن كان الحُبُس على مجهولين فقال: حبس على فلان وعقبه فانقرض ذلك العقب، ففيها لمالك لا يرجع ملكاً، وذكر ابن الجلاب قولاً آخر أنه يعود ملكاً.
قُلتُ: لفظ الجلاب من قال: مالي حبس في وجه كذا، ففيها روايتان حسبما قدمناه.
وقوله: في وجه كذا يحتمل أن يريد في وجع معين.
عياض: لو حبس على معدوم بعد موجود غير محصور كقوله: على أولادي وبعدهم للمساكين، ولم يترك ولداً أو أو أيس له منه، ففي رجوعه ملكاً ونفوذه حبساً قولا ابن القاسم وعبد الملك، ولو قال: بدل هو حبس هو موقوف، فحكى البغداديون نفوذه حبساً، ولو كان على معين، وحكى غيرهم من شُيُوخنا: هما سواء وكل ما لا يتأبد مرجعه لمالكه أو وارثه كعمري.
وما يتأبد في الهبات منها: إن قال: حبس عليك، وعلى عقبك.
قال: مع ذلك صدقة أو لا، فإنها ترجع بعد انقراضهم لأولى الناس بالمحبس يوم المرجع من ولد أو عصبة ذكورهم وإناثهم سواء يدخلون في ذلك حبساً، ولو لم تكن إلا ابنة واحدة كانت لها حبساً لا ترجع إلى المحبس، وإن كان حياً هي لذوي الحاجة من أهل المرجع دون الأغنياء، فإن كانوا كلهم أغنياء فهي لأقرب الناس بهم من الفقراء.
ابن رُشْد: في أول رسم من سماع ابن القاسم في قصر رجوعه على عصبة المحبس

الرجال ودخول من يرثه من ذوي نسبه من الإناث معهم، ثالثها: يدخل من يرثه منهن لو كان ذكراً كبنت المولى المعتق لسماع أَصْبَغ ابن وَهْب، وسماع سَحنون ابن القاسم، وللآتي على قياس قولي ابن القاسم في سماعه.
قُلتُ: ظاهرها كسماع ابن سَحنون، وعزا الباجي سماع أَصْبَغ لابن القاسم، وإنما هو لابن وَهْب كنقل ابن رُشْد.
قال ابن رُشْد: وإنما يدخل بعد موت الأقرب من الرجال والنساء فيما فضل عنه أو عنها، وإن كان الرجال والنساء في درجة واحدة فالذكر كالأنثى.
قُلتُ: عزاه الباجي لرواية محمد.
قال ابن رُشْد: وفي دخول الأمهات والجدات، ثالثها: الأم لا الجدة لها لسماع ابن القاسم وعبد الملك مع رواية أشهب، وابن القاسم في الواضحة.
ابن زرقون: تأول على سماع عيسى ابن القاسم دخول الأم دون الجدة، ولا يدخل فيه من لا يشارك المحبس في نسب، ولو كان ذكرا كالأخ للأم اتفاقاً.
وفي لغة مانعية الغناء من الدخول وشرطه بالفقر، ثالثها: إن كان المستحق سكنى، ولا مسكن للغني لرواية ابن نافع بقيد تبدئة الفقير على الغني.
والمشهور مع قول ابن القاسم وروايته فيها وغيرهما.
ابن رُشْد: هذا إن لم يخص المحبس حبسه بالفقير منهم، ولو قال: هو على الفقراء من ولدي وولد ولدي أو على محتاجي إلى فلان وشبهه لم يرجع إلا إلى أقرب الناس به من الفقراء.
الصقلي: إن لم يكن فيهم فقير ردت إليهم إن استووا في الغنى الأقرب فالأقرب، وللشيخ عن ابن القاسم في الواضحة: كل حبس يرجع حبساً يرجع لأقرب الناس بالمحبس يوم المرجع إن كانوا بناتاً وعصبة فهو بينهم إن كان فيه سعة، وإلا فالبنات أولى، وتدخل معهن الأم لا الجدة للأب، وإن رجع إلى عصبة ذكور دخل معهم أخواتهم، فإن رجع إلى ولد المولى المعتق دخل معهم بناته، فإن كان النساء أقرب من العصبة فقال مالك: يدخلون كلهم إلا أن يكون فيه سعة فيبدأ بإناث ذكور ولده على

العصبة، ثم الأقرب فالأقرب، وإن لم يكن إلا النساء كان كله لهن على قدر الحاجة إلا أن يفضل عنهن.
أَصْبَغ: لا يعجبني قوله: إلا أن يفضل عنهن ما فضل عن سد خلتهن رجع إليهن؛ لأن ذوي الأحباس إذا استووا في الغنى، والحاجة لم يصرف إلى غيرهم من السبيل.
قُلتُ: ولو لم يكن قريب بوجه فهو لمطلق الفقراء لقول اللخمي: المرجع لا شرط فيه هو فيه كحبس لم يبين مصرفه؛ لأن المحبس مات ظاناً أن العقب لا ينقرض فصرف في الأقربين لحديث أبي طلحة، ولذا قال مالك: الذكر كالأنثى، ولو اشترط فيه أن له ضعف حظها، ولو انقرض المحبس عليهم إلا امرأة واحدة اختصت به، ولو شرط أن للذكر ضعف حظ الأنثى؛ لأن معناه: إن كان معها ذكر.
ابن الحاجب: والوقف لازم، ولو قال: ولي الخيار.
ابن عبد السلام: ظاهره لو قال في عقده: حبست داري هذه على الجذماء ولي الخيار لزمه، ولا خيار له، وفيه نظر؛ لأنه إلزام له غير ما التزم.
قُلتُ: في لفظ المؤلف والشارح إجمال لعدم تعرضهما لمتعلق خياره بالذات، والصواب عبارة ابن شاس: لا يقع الوقت إلا لازماً لو قال: على أني بالخيار في الرجوع عنه وإبطال شرط لزم وبطل الشرط.
قُلتُ: فهذا واضح على ضروري قواعد المذهب في لغو الشرط المنافي للعقد فيه إن لم يؤثر فساداً، كقول عتقها الثاني: من أعتق أمته على أن تنكحه أو تنكح فلاناً فهي حرة ولا يلزمها نكاح، ولا أعرف هذا الفرع في المذهب نصاً إنما ذكره الغزالي في وجيزه فلفظ ابن شاس، وتعقب ابن عبد السلام بقوله: إنه إلزام له غير ما التزم، يرد بمنعه بل هو إلزام له ما التزم؛ لأن حبست إن شاء يجب مدلوله به، فشرط فيه خياره لا يفيده،

كقولها: وإن أعطته شيئاً على أن يطلق ويشترط الرجعة أو خالعها، وشرط إن طلبته شيئاً عادت زوجة أو شرط رجعتها، فشرطه باطل، ولو بين قبل لفظه أن خياره إنما هو في إثباته لا في رفعه عكس ظاهر لفظ ابن شاس: لم يلزمه.
ويؤيده ما ذكره المتيطي، وغيره من الموثقين قال: من أشهد مسترعياً أنه متى حبس ملكه كذا، ووصفه بما يعينه فهو غير ملتزم له إنما يعقده لتخوفه على نفسه أو عقاره، وليحل عقده عند أمنه لم يلزمه ما يظهر من تحبيسه إياه بعد ذلك، وانفسخ بقيامه بهذا الاسترعاء إن لم يثبت المحبس عليه فيه مدفعاً، ويصدق المسترعي فيما يدعيه من التخوف، وإن لم يعرفه الشهود في الاسترعاء.
قُلتُ: كذا قال غير واحد من الموثقين: وكان يمشي لنا في الإقراء أخذ خلاف ذلك من قولها في العتق الأول أنه لا يقبل قوله فيما يتقيه من التخوف إلا بدليل يدل عليه وهو قولها: ولو مر على عاشر بأمة فقال: هي حرة، وهو لا يريد بذلك حريتها لم تعتق عليه فيما بينه وبين الله.
قُلتُ: فإن قامت عليه بينة أتعتق عليه؟ قال: إن عرف أنه دفع بقوله مظلمة عن نفسه لم تعتق عليه في رأيي وتقرير أخذه إن تقدم قوله أنه غير ملتزم له قرينة دالة على عدم التزامه عقد التحبيس لدفع ضرر يتوقعه فوجب أن لا يقبل قوله فيه إلا بدليل يدل على صدقه أنه غير ملتزم له قياساً على مسألة العتق بجامع أنه عقد إنشاء ادعى عدم التزامه لقرينة دالة عليه، وهي صدور لفظ إنشائه عند مروره بالجارية على العاشر، وهذه القرينة أقوى من قرينة تقدم قوله: لا أريد به الحبس؛ لأنه هذه يمكن كذبها عادة وقرينة المرور على العاشر لا يمكن كذبها عادة.
وسمع ابن القاسم: من لحق عبده بدار الحرب فقال له: اخرج إلي وأنت حر، فلما خرج قال: إنما أردت أن أستخرجك.
قال: إن كان شهد أنه أراد أن يستنقذه فلا عتق عليه وإلا فهو حر.
ابن رُشْد: هذا أصل مختلف فيه.

قال مالك: فيمن له على رجل حق فجحده فصالحه وشهوده غيب فأشهد في السر أنه إنما يصالحه، لأنه جحده فخاف ذهاب حقه، وأنه على حقه إن حضرت بينته أن الصلح يلزمه، ولا ينتفع بذلك.
وقال: أَصْبَغ: ينتفع في الغيبة البعيدة وللتحرز من هذا الخلاف يكتب في الاصطلاحات، وأسقط عنه الاسترعاء والاسترعاء في الاسترعاء، ومن الكتاب من يزيد ما تكرر وتناهى، ولا معنى له؛ لأن الاسترعاء هو أن يشهد قبل الصلح سراً إنما يصالح لوجد كذا، وأنه غير ملتزم للصلح والاسترعاء في الاسترعاء أن يشهد أنه لا يلتزم الصلح، وأنه متى صالح، وأشهد على نفسه في كتاب الصلح أنه أسقط عنه الاسترعاء في السر، فإنه غير ملتزم ذلك، ولا يسقط عنه القيام به، فلا يتصور في ذلك منزلة ثالثة.
وهذا الاسترعاء في السر إنما يقع عند من رآه نافعاً فيما خرج على غير عوض، وما خرج على عوض لا ينفع فيه اتفاقاً.
قال ابن الحاجب كابن شاس: ولا يشترط التنجيز كقوله: إن جاء رأس الشهر فهو وقف.
ابن عبد السلام: كمعتق لأجل في الأمة والعبد لا يضره استحداث سيده ديناً قبل الأجل، وذلك يضر عقده الحبس.
قُلتُ: ما قاله ظاهر إن لم يجز الحُبُس عنه، ولو حوزه عنه، فإن بتل منفعته في الأجل لغيره لم يضره حدوث الدين، وإن أبقاها لنفسه بطل بحدوث الدين على المشهور في لغو حوز المستأجر لغيره، وعلى إعماله لا يبطل به.
والروايات واردة بإطلاق لفظ الحُبُس على ما حبس مدة يصير بعدها ملكاً لمن حبس عليه أو على غيره، أو راجع لمحبسه، وهو مجاز لكونه على المؤبد حقيقة اتفاقاً دفعاً للاشتراك.
الشَّيخ في الموازيَّة والمجموعة عن عبد الملك: من قال: داري حبس على عقبي، وهي لأحدهم ملك فهي لآخرهم كذلك، وقيل: ذلك محبسة إن كان آخرهم امرأة فلها

بيعها وهبتها، وإن كان رجلاً يرجى عقبه وقفت عليه إن مات دونه ورثت عنه.
وفي المجموعة: وروى ابن القاسم: من قال لرجلين: عبدي حبس عليكما، وهو للآخر منكما؛ جاز، وكان له ملكاً.
وقاله أشهب: قال: إلا أن يقول: حبس عليكما حياتكما، وهو للآخر منكما فلا يكون له إلا حبساً عليه حياته.
وفي الموازيَّة: إلا أن يكون قوله: وهو للآخر منكما بعد أن ثبت قوله الأول فلا يكون للآخر إلا حبساً.
وسمع عيسى ابن القاسم: من حبس بعض ماله على أن مرجعه إليه يجعله حيث شاء فجعل مرجعه في مرضه لوارث لم يجز شيء منه له إلا برضى الورثة لقول مالك: من أخدم عبده رجلاً حياته فجعل مرجعه في مرضه، ولآخر هو في ثلثه.
ابن رُشْد: إن استثنى فيما حبس مرجعه لنفسه ليجعله حيث شاء فهو كقول مالك في المخدم إن صرف لوارث بطل، ولغيره هو من الثلث يقوم قيمة صحيحة إن كان رجع وعلى الرجاء والخوف إن كان لم يرجع، ولو استثنى مرجعه لنفسه ليجعله حيث شاء فجعله في مرضه حيث شاء على غير وارث، ففي كونه في ثلثه أو رأس ماله قولا ابن القاسم وأَصْبَغ، وتقدم قولا مالك وابن القاسم فيمن حبس على ولده ولا ولد له فهي محبسة تخرج من يده، وثالثها: ننقل الشَّيخ عن المجموعة: قال عبد الملك: من قال: صدقتي هذه على ولدي، ولا ولد له فهي محبسة تخرج من يده ليد ثقة، يوقف فضل غلتها عن مصلحتها إن مات، ولم يلد كانت وغلتها لأولى الناس به يوم حبسها، فإن كان أخاً، ومات قبله فصار أولى الناس به ابن أخ أخذ ورثة الأخ منها تعمير الأخ من يوم حبس ليوم موته، وأخذ ورثة ابن الأخ تعميره من يوم موت الأخ ليوم موت ابن الأخ، وأخذ العم من غلته من يوم موت ابن الأخ ليوم موت المحبس؛ لأنا لو علمنا يوم حبس أنه لا ينسل عملنا هذا إن وجد له ولد، وقد اجتمع منها غلة فلم يأخذوها حتى انقرضوا، ولم يعقبوا هم، ولا أبوهم فالغلة لورثتهم لاستحقاقهم إياه، ولا تكون لأولى الناس بالمحبس.

ومصرفه: إن عين فواضح، وإلا اعتبر عرفه إن كان.
فيها: من قال: داري حبس، ولم يجعل لها مخرجاً نسياناً أو جهل الشهود أن يذكروه ذلك.
قال مالك: هي حبس في الفقراء والمساكين.
قيل له: هي بالإسكندرية وجل ما يحبس بها في سبيل الله.
قال: يجتهد فيه فيما يرى الوالي، وأرجو له في ذلك سعة.
اللخمي: قال مالك في قوله: داري حبس، ولم يجعل لها مخرجا فذكر ما تقدم.
وقال: قوله ربيعة في المبسوط: يسكنها الولد والقرابة والرحم أحسن لحديث أبي طلحة قال: إن أحب أموالي إلي بير حاء الحديث فأمره صلى الله عليه وسلم أن يجعلها في الأقربين، ولا يمنع مالك أن يبتدئ بالأقارب والرحم، ولو قال: حبس في سبيل الله، وقال: نويت كذا صرفه فيه، وإلا ففيها لمالك: يجعل في الغزو.
اللخمي: وقال أشهب: القياس في أي سبيل الخير وضع جاز، وذكر قولها: إن كانت بالإسكندرية.
قال: وقال أشهب: يجعل في سبيل الله.
الشَّيخ: في المجموعة لابن كنانة من حبس داراً في سبيل الله ليسكنها المجاهدون والمرابطون، ومن مات منهم لم تخرج امرأته حتى تتم عدتها، ويخرج من ليس بمجاهد، ولا مرابط وصغر ولد الميت.
اللخمي: هذا إن كانت للسكنى، وإن كانت للغلة فرق كراؤها على أهل الغزو إن كانت في المواجيز، وإن لم تكن في المواجيز وشأنهم أن يبعثوا إلى أهل الغزو، وكانت دار الغلة والسكنى سواء تبعت غلتها، وإن لم يكن الشأن البعث إليهم سكنها الفقراء إن كانت للسكنى، وفرق كراؤها عليهم إن كانت للغلة، وإن جعلت غلتها في إصلاح المساجد والقناطير أو غير ذلك جاز.
ابن الحاجب: ولا يشترط تعيين المصرف لفظاً لو قال: وقفت صرف إلى الفقراء، وقيل: في وجوه الخير.
قال ابن عبد السلام: ظاهره أنه لابد من تعيينه قصداً؛ لأنه إنما نفى شرط تعيينه

لفظاً، وهو خلاف ظاهر المدَوَّنة من قال: داري حبس فقط، ولم يجعل لها مخرجاً، ومثله في العتبيَّة.
قُلتُ: ظاهر قوله: أن ظاهر لفظ ابن الحاجب أنه لابد من تعيينه قصداً إلى آخره، يرد بأن آخر كلامه يدل على خلاف ذلك، وهو قوله: صرف إلى الفقراء؛ لأنه لو كان لا بد عنده من تعيينه قصداً لما استقام قوله: صرف للفقراء بل الواجب حينئذ أن يقول سئل عن قصده، فإن تعذر صرف للفقراء.
قال: وقوله: وقيل في وجوه الخير بعده خلافاً، وليس كذلك إنما المذهب سؤال المحبس عن قصده فيعمل عليه، فإن تعذر حمل على غالب حبس الناس في تلك الجهة، فإن لم يكن غالب صرف على الفقراء.
قُلتُ: حاصله رده ما ذكر من الخلاف بزعمه نفي الخلاف، وهو مردود بنقل ابن شاس: من قال: وقفت ولم يعين له مصرفاً صرف للفقراء.
قال مالك في المدَوَّنة: وقال القاضي أبو محمد: يصرف في وجوه الخير.
قُلتُ: فما نقله عن المدَوَّنة واضح، وما نقله عن القاضي هو نصه في المعونة: من قال: حبساً فقط صرف في وجوه الخير والبر.
وشبيه المصرف مثله إن تعذر: في نوازل الشعبي عن ابن المكري: من حبس أرضاً على مسجد فخرب، وذهب أهله وصار ما حوله مزرعة لطول العهد يجتهد القاضي في حبسه بما يره.
وقال ابن الهندي: توقف عليه لعله يبني وصرفها لغيره تبديل.
الباجي: لو كانت أرض محبسة لدفن الموتى فضاقت بأهلها فلا بأس أن يدفنوا بمسجد بجانبها، وذلك حبس كله، قاله ابن الماجِشُون.
ول أَصْبَغ عن ابن القاسم في مقبرة عفت: لا بأس ببنائها مسجداًّ وكل ما كان لله فلا بأس أن يستعان ببعضه على بعض.
ابن الحاجب: لو حبس على زيد وعمرو، ثم على الفقراء، ثم مات أحدهما فحصته للفقراء إن كانت غلةً، وإن كانت كركوب دابة وشبهه فروايتان.

قُلتُ: كذا نقلها ابن شاس، ولا أعلم من نقلها قبله غير القاضي في المعونة، ويؤخذان من قولي مالك فيها: من حبس حائطاً على قوم معينين فكانوا يلونه ويسقونه، ومات أحدهم قبل طيب الثمرة، فجميعها لبقية أصحابه، وإن لم يلوا عملها، وإنما تقسم عليهم الغلة فنصيب الميت لرب النخل، ثم رجع مالك إلى رد ذلك لمن بقي وبهذا أخذ ابن القاسم.
قُلتُ: ففي نقل حظ معين من طبقة بموته لمن بقي فيها أو لمن بعدها القولان بالأول أفتى ابن الحاج، وبالثاني أفتى ابن رُشْد، وألف كل منهما على صاحبه.
قال ابن رُشْد في مسألة من أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب الحُبُس ما نصه: وفيها معنى وينبغي أن يوقف عليه، وهو قوله: إن هلك رجل من الورثة الذين أوصى لهم بحظه لولده، وهو قد حبس عليهم، ثم على أولادهم من بعدهم إذ لا يقتضي قوله: على أولادهم أن لا يدخلوا ولد من مات منهم في الحُبُس حتى يموتوا كلهم؛ لأن قوله ذلك يحتمل أن يريد به، ثم على أعقابهم من بعد انقراض جميعهم وأن يريد، ثم على أعقاب من انقرض منهم إلى أن ينقرض جميعهم؛ لاحتمال اللفظ المعنيين معاً بالسوية، وكذلك في عطف كل جمع على جمع، ويجوز أن يعبر به عن كل واحد من الوجهين، وهو بين من قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: 28]؛ لأنه قد علم أنه تعالى أراد بقوله: ﴿فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ أنه أمات كل واحد منهم بعد أن أحياه قبل أن يحيي بقيتهم، وأنه تعالى أراد بقوله: ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ أنه لا يحيي منهم حتى يميت جميعهم، والصيغة واحدة فلولا أن كل واحدة فيهما محتملة للوجهين لما صح أن يريد بالواحدة غير مراده بالأخرى، وهذا أبين من أن يخفى، فإذا كان قوله على أولاده محتملاً للوجهين وجب أن يكون حظ من مات منهم لولده لا يرجع على إخوته؛ لأن ما هلك عنه الرجل ولده أحق به من إخوته فترجح بذلك أحد الاحتمالين؛ لأن الأظهر من قصد المحبس أن ذلك بينهم على سبيل الميراث فقال: على أعقابهم فلا يدخل الولد مع والده في الحُبُس حتى يموت، ولو أراد أن لا يدخل في الحُبُس حتى يموت والده، وجميع أعمامه المحبس

جارٍ التحميل