المختصر الفقهي لابن عرفةصفحات 18-45

كتاب الحُبُس

صفحات 18-45

والمخدم حقه في منافعه.
وما لا نفقة فيه كالدار والثوب إن رضي معطي المنفعة حوزه له؛ صح، وإلا فلا.
قلت: ففي صحة حوز المخدم عطية الرقبة مطلقًا أو بشرط كون الإعطاءين في عقد.
ثالثها: بشرط كون النفقة على المخدم، ورضاه بالحوز.
وفيما لا نفقة فيه بمجرد رضاه وعزوها واضح.
وفي نوازل سحنون: من أعطى رجلاً غلة كرمه سنين معلومة أو سكنى داره كذلك، ثم تصدق بالرقبة على ابن له صغير، فقبض الرجل ذلك حوز للصغير، ولو لم يصرح الأب بجعله جائزًا له، وتصريحه أحسن.
ابن رشد: إن كان ذلك في عقد واحد؛ فهو حوز اتفاقًا.
وإن تقدم الإسكان والإخدام في العبد؛ ففي كونه كذلك قولان لها، ولغيرها بناء على اقتضاء ذي المنفعة على ملك المتصدق عليه، أو على ملك المتصدق، وعليها لو جنى على العبد جناية في كون أرشها للمتصدق أو للمتصدق عليه.
والمستعير كالمخدم وقال التونسي: لم يشترط ابن القاسم علم المخدم والمستعير بالصدقة، كما شرط علم المودع؛ لأنهما إنما حازا الرقاب لمنافعها لو قالا: لا تحوز للموهوب لم يلتفت لقولهما إلا أن يبطلا ما لهما من المنافع، ولا يقدران على ذلك؛ لتقدم قبولهما، فصار علمهما غير مفيد، والمودع لو شاء قال: خذ ما أودعتني لا أحوزه لهذا.
وفيها: ليس قبض المرتهن قبضًا للموهوب له؛ لأن للمرتهن حقًا في الرقبة بخلاف المخدم.
ولو وهبته عبدًا أجرته من رجل؛ لم يكن حوز المستأجر حوزًا للموهوب إلا أن يسلم إليه الإجارة الصقلي والباجي عن أشهب قبض: المستأجر حوز كالمودع، ولم يقيد الصقلي قولها: إلا أن يسلم إليه الإجارة بين لوضوحه.
وقال عياض: قالوا: معناه: أن الإجارة لم تقبض، فاقتضاء الموهوب له الإجارة من المستأجر حيازة.

ولو قبض الواهب الإجارة، فسواء دفعها مع الرقبة، أولا؛ لا تكون حوزًا.
ولابن رشد في سماع محمد بن خالد: لو باع المتصدق عليه الصدقة، فمات المتصدق قبل قبضها مبتاعها، فقال الأخوان وعيسى بن دينار وابن حبيب: البيع حوز.
وقال أصبغ: ليس بجوز.
وفي العيوب منها دليل القولين.
قال مطرف: وكذا لو وهبه.
وقال ابن الماجشون: لا تكون الهبة حوزًا؛ لأنها تحتاج إلى حوز بخلاف البيع والعتق.
وقال أصبغ: لا يكون حوزًا إلا العتق.
قلت: عزا الباجي كون البيع حوزًا لرواية ابن وهب.
وفي الصدقة منها: من بعث بهدية أو صلة لغائب، فمات المعطي أو المعطى قبل وصولها، فإن كان أشهد حين بعث بها على إنفاذها؛ فهي للمبعوث إليه أو وارثه، وإن لم يشهد عليها حين بعث بها؛ فهي للباعث أو وارثه.
قلت: في جعل هذا الإشهاد حوزًا للغائب مطلقًا، وإن كان ممن يحوز له الواهب، ثالثها: على أنه أشهد على إعطاء المال، ثم اشترى به الهدية للصقلي عن ظاهرها مع ابن رشد عنه مع سماع ابن القاسم، والصقلي عن يحيى عن ابن القاسم مع ابن رشد عن رواية على بن زياد، والصقلي عن أصحابنا.
وعلل الصقلي الأول بغرر المعطي لغيبته.
وقال ابن رشد: لا لإشكال في مسألة الرسول؛ لأنه حائز للمبعوث إليه.
الصقلي: قول الموازية: إن لم يشهد بذلك إشهادًا؛ إنما كان بذكره للعدول عند الشراء أو غيره، فمن مات منهما أولاً؛ رجع لوارثه أبين من قولها؛ لأن العطية لا تبطل بموت المعطي.
وفي باب آخر منها: إن مات الموهوب له قبل قبض الهبة؛ فلوارثه قبضها، وكذا السيد العبد إن مات قبل قبضه ما وهبه.

عياض: في الموازية لأشهب: كقولها وقالوا: وهذا على غير أصله، ومذهبه المحقق أنه لا يعتبر موت الموهوب له، ووارثه مثله.
وفي الواضحة من مات منهما؛ رجعت لوارثه، وهذا هو الجاري على الأصل المتقدم.
عياض: لعل معنى قوله هنا: أن الباعث قال: إنما أردت بصلتي المبعوث إليه بعينه إن وجد حيًا فيصدق؛ إذ لا يلزمه من المعروف إلا ما أقر به.
وقول ابن الحاجب: المرسل بهدية يموت أحدهما قبل وصولها في المدونة ترجع للمهدي أو ورثته، وعلل بفوت الحوز أو بعدم القبول لا يخفى قصوره وإجماله؛ لأنه إن حمل على حالتي الإشهاد وعدمه؛ لم يصدق، وإن حمل على الثاني فقط؛ صدق، وكان إطلاقًا في محل التقييد وهو مغلطة.
وابن شاس: ذكر لفظ المدونة على وجه لا كإجمال ابن الحاجب.
وفي كون الإشهاد بإعطاء ما تسلفه المعطي من غيره أمرًا له بدفعه للمعطي حوزًا.
ولغوه قولا ابن القاسم وغيره في المديان منها: وصفة الإشهاد الذي جعله حوزًا.
روى أشهب: هو أن يكون أشهدهما إشهادًا.
الصقلي: وكذا روى ابن القاسم فيما اشترى من هدايا الحج لأهله: لانتفع الشهادة حتى يشهدوا أنه أشهدهم.
قال: ولو قالوا: سمعناه يقول: هذا لامرأتي، وهذا لابني؛ لم ينفعه حتى يقولا: أشهدنا على ذلك.
وروى محمد: لو أشهد الباعث أنها هدية لفلان، ثم لب استرجاعها من الرسول قبل أن يخرج؛ فليس له ذلك.
محمد: لو بعث بها مع رجلين أشهدهما إن قال: اشهدا علي؛ فهو على الإنفاذ.
ولابن عبد الحكم عن ابن القاسم: إن قال: ادفعا ذلك إليه، فإني وهبته؛ فهي شهادة، وإن لم يذكر بأي وجه؛ فليس بشيء.
قلت: ففي لغو القبول في ملك المعطي العطية؛ كالإرث وشرطه منه أو من وارثه.

ثالثها: منه فقط لابن رشد عن سماع ابن القاسم، فظاهر قولها في الصدقة، ونصه في هبتها مع معروف المذهب.
وفي كون البعث حوزًا للغائب مشروطًا بالإشهاد عليه، أو بمجرد التصريح للبينة بأنه هبة، قولان لروايتي ابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكم عن ابن القاسم.
وفيها: ما اشترى الرجل من هدية لأهله في سفره من كسوة ونحوها، فمات قبل وصوله لبلده إن أشهد على ذلك؛ فهو لمن اشتراه له، وإلا فهو ميراث، فذكر الصقلي فيه ما في هبة الباعث.

باب في الحوز الفعلي في عطية غير الإبن

وحقيقة الحوز في عطية غير الابن رفع تصرف المعطي في العطية تصرف التمكن منه للمعطى أو نائبه كما مر في الحبس.

سمع عيسى ابن القاسم: دفع المتصدق بدار مفتاحها لمن تصدق بها عليه حوز ولو لم يسكنها.
ابن رشد: اتفاقًا.
وقال في آخر رسم تأخير صلاة العشاء من سماع ابن القاسم: حوز الدار الحاضرة بالقبض أو القفل عليها ووكيله كنفسه.
وإن كانت غائبة؛ ففي كونها كذلك تبطل بموت المعطي، ولو لم يفرط في قبضها أم إن فرط.
ثالثها: إن لم يخرج هو أو وكيله لحوزها قبل موت المعطي، ولو لم يفرط لها ولأشهب وغيره.
قلت: عزا ابن حارث لابن الماجشون.
وزاد عن ابن حبيب: إن جهل هل فرط حمل على التفريط.
ابن رشد: إن أعطيت وقت إمكان عمارتها بحرث أو كراء أو شبهه؛ فهي كالدار حاضرة وغائبة، وإن كانت في وقت لا يمكن فيها ذلك؛ فقبول المعطي حوز إن مات معطيها قبل وقت حيازتها.
وقال مطرف وأصبغ: إن حددها الشهود، وأوقفهم عليها؛ فهو أقوى، وإن لم يوقفهم؛ فهو حوز دون الأول، وإن لم يمت المعطي حتى أتى وقت حوزها، فلم يحزها بالعمل حتى مات معطيها؛ بطلت عطيتها.
قلت: عزاه اللخمي لابن القاسم وقال: القياس ألا تبطل إلا أن يعود يد الواهب بحرز لها بحرث أو غيره.
والبستان كالدار يكفي غلقه: ابن زرقون مع ابن رشد: تفريق ابن القاسم بين

الأرض والدار الغائبتين بإبطاله عطية الدار بموت المعطي قبل قبضها معطاها، ولو لم يفرط وعدم بطلانها في الأرض بعد قبضها قبل موته إن لم يفرط، واكتفائه بالإشهاد فيها اختلاف قول ابن رشد، ورأيت ذلك لابن زرب.
والصدقة بالأرض الغائبة قبل وقت حوزها لا يضر التراخي في الخروج لحوزها إن خرج في وقت يصل فيه قرب إمكان حوزها بالعمل؛ لأنه لو وصل قبل إمكان حوزها؛ لاكتفى في حوزها بالقبول ما لم يأت وقت حوزها.
الباجيي عن أصبغ: إن منع المعطي من العمل؛ لم يبطل حوزه، ويبقى على حال طلبه بحيث يعلم أنه غير تارك للعمل، فإن ضعف عن العمل، وأمكنه الكراء أو السكني فترك؛ بطل حوزه.
وإن عجز عن جميع ذلك؛ كفاه الإشهاد قاله يحيى عن ابن القاسم.
أصبغ: ما لم ينتفع بها معطيها.
الباجي عن ابن الماجشون: حوز الابن يعطي بطلبه والإشهاد.
ولو قبضه بعد موت معطيه؛ لأنه لم يكن بيده كالدين.
وحوز وكيل المعطي على حوزه حوز: ابن حارث: اتفقوا أن حوز الزوج ما وهب لامرأته بتوكيلها إياه على قبضه حوز.
ولو حاز ذلك من غير توكيل ولا إذن؛ ففي صحته لها قولا ابن الماجشون وأصبغ مع ابن القاسم: ومن تصدق بدار على رجلين أحدهما غائب؛ ففي كون قبض الحاضر حوزًا قولان لابن القاسم فيها، وابن حارث عن عبد الملك.
وتحويز المعطي العطية غير معطاها بحضرته مع منعه دفعها له إلا بإذنه يبطلها وإلا بعد موته وصية.
ومع السكت فيها تصح.
وفيها: تبطل.
عياض: قيل: اختلاف، وإليه نحا اللخمي.
وقيل: الأولى: العطية كانت بيد معطيها فأخرجها، والثانية: إنما كانت بيد غاضب.

وفيها: حوز المشاع مما باقيه لغير المعطي بحلول معطاه محل المعطي، ورفع تصرفه فيه، وما باقيه له في شرطه برفع يد المعطي، وصحته بتصرفه مع المعطى كشريكين، ولا يضر استقلال معطيه به في أيام قسمه قولان للخمي عن سحنون، ومحمد مع عياض عن ابن مزين قائلاً: هو قول ابن القاسم وعيسى.
والعطية هبة وصدقة: اللخمي: الهبة ما قصد به وجه المعطي في جواز رجوعها للواهب بغير إرث وكراهته، ثالثها: إن كانت برغبة من الموهوب له للخمي عن رواية محمد، ونقل القاضي عن المذهب، واختيار اللخمي.

باب الاعتصار

والاعتصار ارتجاع المعطي عطيته دون عوض لا بطوع المعطي

باب صيغة الاعتصار

ما دل عليه لفظًا

وفي لغو الدلالة عليه التزامًا نقلا ابن عات عن بعض فقهاء الشوري، وابن ورد قال لبعض فقهاء الشوري: من شرط في هبة ابنه الصغير الاعتصار، ثم باعها باسم نفسه ومات، فثمنها للإبن في ماله، وليس ذلك عصرة إلا أن يشهد عند بيعه أو قبله أن بيعه اعتصار، ولا يجوز اعتصارها بعد بيعها، ولا يكون اعتصارًا لا بإشهاد، وفي الاستغناء رأيت لابن ورد ما ظاهره خلاف هذا قال: إن باع الأب مال ابنه ونسبه لنفسه، وأفصح بذلك والمبيع؛ لم يصر للإبن من قبل أبيه بهبة بجوز اعتصارها، فيختلف في ذلك.
والأظهر أنه بيع عداء يتعقبه حكم الاستحقاق.
قلت: بالأول أفتى ابن الحاج في نوازله، والمذهب صحته للأب في هبته ابنه كبيرًا أو صغيرًا.
وفي كون الأم مثله مطلقًا، أو بشرط عدم حوز الأب الهبة قولان لمعروف المذهب، ونقل ابن حارث وغيره عن ابن الماجشون.
قال ابن رشد في نوازل ابن الماجشون: حوز الوصي ولابن الكبير؛ كالأب.
وفي كون الجد والجدة كالأبوين أو الأجنبي؛ فلا يعتصر.
نقل الباجي رواية أشهب مع قول ابن عبد الحكم ورواية ابن وهب، وعزا اللخمي الأول لرواية ابن القاسم.
قلت: هو نص روايتها، ويمنعه رفع ملك الموهوب عن الهبة؛ كتلفها أو خروجها عن ملكه، ولو بغير عوض.

وتغير حال ملكه يعارض معتبر: سمع عيسى ابن القاسم: من نحل ابنته نحلة، فتزوجها رجل عليها، ثم طلقها أو مات عنها.
وهي بيدها؛ لا اعتصار له فيها.
ونقل اللخمي: منع نكاح الابنة الاعتصار بأن النكاح لأجل الهبة كالنزاع.
وفي رسم باع من سماع عيسى: ممن نحل ابنه التاجر المالك ألف دينار ما قدره ثلاثون دينارًا، ثم تزوج وهو ممن لا يزوج لتلك النحلة فيما يرى الناس اعتصار تلك النحلة.
قلت: وظاهر قوله: للأب اعتصار ما وهبه لوالده الكبار ما لم ينكخوا، ومثله في الجلاب مثله خلاف ذلك.
وفي مانعية نكاح الابن مطلقًا ولغوه، ثالثها: لغوه إن لم يتزوج للهبة لقتلها أو كثرتها، وهو بين اليسار إلا أن تكون كثيرة، ولولا هي لم يتزوج لظاهرها مع الجلاب وغيره والصقلي، وللخمي، وابن رشد عن ابن دينار، واختيار اللخمي.
ابن رشد: إن نكح بغير سبب الهبة، ككونها يسيرة يعلم أنه لم يتزوج لأجلها، ففي لغو مانعيته قولان لأصبغ مع ابن القاسم، ومطرف، وروايته، وقول ابن الماجشون.
لأجلها مانع، وما ليس لأجلها قال فيه ابن رشد ما قال في النكاح عن قائليه فيه اللخمي عن محمد: إنما يمنع إن داينه الناس لأجلها، وأرى لغوه إن استدان، وله وفاء بدينه؛ لأن له هبة الهبة، إنما يمتنع الاعتصار إن تعلق للغريم حق، وكذا إن لم يكن عنده سوى الهبة، ثم اشترى سلعة تجر؛ لأنه موسر بها، ولو كان الدين بطعام يأكله، أو ثياب يلبسها منع الاعتصار.
الباجي عن ابن حبيب عن ابن الماجشون: لو وهب ابنته المتزوجة، أو ابنه المريض أو المديان؛ لم يعتصر كما لو تقدمت الهبة هذه الحوادث.
وقال أصبغ: له الاعتصار.
ابن رشد: اختار ابن حبيب قول ابن الماجشون.

وابن رشد وابن زرقون عن أصبغ: زوال الدين لا يعيد الاعتصار.
وعزاه ابن رشد لابن القاسم.
وفي مانعيه مرض الوالد أو الولد، ولغو مرض الوالد، والوقف في مرض الولد سماع عيسى ابن القاسم مع قول سحنون، وابن رشد عن المشهور، ونقل محمد رواية أشهب، وثالثها: قول اللخمي: أرى وقف اعتصاره إن مات؛ سقط، وإن صح؛ ثبت.
اللخمي وابن رشد على قول ابن نافع: للسيد اعتصار مال مدبره، وأم ولده في مرضه للأب ذلك في مرضه.
ورده ابن عبد السلام بقوله: تسلط حق السيد على مال مدبره، وأم ولده أقوى منه على مال ولده، وإن كان وهبه له؛ لأن العبد غير مالك، وإما مالك على توقف.
والولد مالك حقيقة، وقدرة الأب على الاعتصار لا توجب ضعفًا في ملكه، ويرد بأن القياس؛ إنما هو في ملك الولد للهبة من قبل أبيه، وموجب قوة تسلط السيد عنده كون ملك العبد على ترقب.
وهذا المعنى موجود في ملك الود هذه الهبة، فيجب استواؤها في التسلط ضرورة.
ووجوب استواء الحكم في صورتي استواء علته فيهما، بقوله: وقدرة الأب إلى آخره دعوى دليل نقيضها قائم، فسقوطها واجب فتأمله.
والاعتصار من العبد أشد ضررًا عليه من الاعتصار على الولد؛ لأنه إن ماك لم يرث العبد شيئًا مما اعتصر منه، والوالد يرث منه.
وعلى مانعيه المرض لو زال، ففي عود الاعتصار ثالثها: في زوال مرض المعتصر لابن رشد عن ابن القاسم مع مرطف، والمغيرة، وابن دينار، وأصبغ مع ابن الماجشون وروايته وسحنون.
ابن رشد: ولو قيل: توقف الاعتصار في المرض لصحته أو موته؛ لكان وجه القياس والنظر.
قلت: تقدم جزم اللخمي به، والفرق بين زوال المرض، وبين زوال النكاح

والدين المتفق على بقاء مانعيتهما: أن زوال المرض يصيره؛ كأنه لم يكن؛ لعدم بقاء أحكامه؛ لأن العطية فيه من الثلث، فإن زال صارت من رأس المال، وزوال النكاح والدين ليس كذلك لبقاء أحكامهما من الحرمة والعهدة وغيرهما.
وتقدم عن الباجي حكم الهبة على هذه الأحوال.
وتغير الأسواق لغو، وظاهر قول ابن رشد واللخمي وغيرهما الاتفاق عليه، وصرح به عياض، وقال ابن حارث: اتفقوا على أنه إن كانت الهبة قائمة بعينها لم تتغير أن الاعتصار جائز.
وقول ابن عبد السلام لا يبعد تخريج الخلاف فيه حقه أن يبين الأصل الذي يتخرج منه الخلاف، وذكره دون تعيينه ساقطه نص متأخروا الأصوليين على أن القياس المنكر، وهو القياس على صورة غير معينة باطل، ومثلوه بقول المستدل: الزكاة واجبة في الحلي بالقياس على صورة من صور الوجوب، فيسقط بيسير معارضته مثله، وهو القياس على صورة من صور عدم الوجوب.
وللأصبهاني شارح العميري في ذلك كلام حسن ليس هذا موضعه.
وفي قوته بتغير الزيادة والنقص نقلا ابن رشد عن أصبغ مع سماع سحنون ابن القاسم، وظاهر قولها: ما لم يحدثوا دينًا، أو ينكحوا أو تتغير عن حالها والأخوين.
وسمع سحنون ابن القاسم: نحل الأب ابنه الدنانير، وجعلها على يدي غيره أو الابنة، ثم يصوغها له حليًا؛ بقيت اعتصارهما.
ابن رشد: إن صاغهما بمال للولد؛ فلا اعتصار اتفاقًا.
وإن صاغهما بمال نفسه أو منهما؛ تخرجا على الخلاف في تغير الهبة بنقص أو نماء غير ناشيء عن نفقة من مال الابن.
فإن نشأ عن ماله ككونه هزيلاً، فينفق عليه من ماله حتى يسمن أو دارًا فيصلحها ببناء؛ فلا اعتصار اتفاقًا.
اللخمي: غرس الأرض وبنائها فوت، وإن كانت دارًا، فانهدمت؛ لم يكن فوتًا.
ولو هدمها الأب أشبه كونه فوتًا؛ لأنه أخرج فيه ثمنًا إلا أن يعتصر

العرصة وحدها.
وفي الجلاب: خلط الولد الدنانير والدراهم، أو ماله مثل بمثله يمنع رجعة الأب فيه، ولا يكون للولد شريكاً بقدره.
وعزاه الباجي للقاضي، وأخذ بعضهم خلافه من قولها في المأذون: من اتاباع زيتًا، فصبه بمحضر بينة على زيت، ثم فلس؛ فالبائع أحق بقدر زيته، وهو كعين قائمة، وكذا خلط الدنانير.
اللخمي: لمالك في كتب المدنيين: لمن وهب جارية اعتصارها، ولم يبين هل ذلك من زوج أو وزنًا؟ قال: وكذا التزويج على أحد القولين؛ لأنه عيب.
ولا يعتصر الولد؛ لأنه نما بمال السيد؛ لأنه المنفق عليه إلا أن يعتصره بفور الولادة.
قلت: في البيع الفاسد والإقالة من الطعام الولادة فوت؛ فعليه يمنع الاعتصار.
وإيلاد الولد الأمة لغو: القاضي: وكتابته إياها.
الباجي: وعليه العتق والتدبير.
وفي فوته بوطء الابن: نقل الباجي عن ابن القاسم مع مالك وأكثر أصحابه: ولو كانت ثيبًا، والمغيرة مع ابن الماجشون: وتوقف للاستبراء إن بان بها حمل؛ فاتت.
وعزا ابن رشد الأول أيضًا لأصبغ والمدونة، والثاني للأخوين، ولم يفرقا بين بكر وثيب.
اللخمي: الأول أحسن إن كانت من العلي؛ لتهمتهما على الإحلال، وهو في الوخش أخف.
ابن عبد السلام: الأقرب أنه في البكر متفق عليه.
وفيها: إن أحدث في البكر نقصًا؛ كان كالنقص يختلف فيه، وإن لم يحدث نقصًا فواضح فأين الاتفاق.
وقد قال في آخر المرابحة: إن وطئ الأمة؛ لم يبين إلا أن يكون افتضها، وهى

ممن ينقصها.
وأما الوخش الذي كان ربما أزيد لثمنها؛ فلا يتبين عليه.
الصقلي: قول الابن الكبير في غيبته عليها وطئتها: يمنع اعتصارها، ولم أطأها يثبته.
قلت: ظاهره لغو الغيبة عليها.
ومثله قول استبرائها: إن اعتصرها، وقد غاب عليها ابنه الكبير؛ فعليه استبراؤها، وإن وطأها؛ فلا اعتصار له.
وعلى نقل ابن رشد عن أصبغ: فوتها في هبة الثواب بالغيبة عليها مثل الوطء يتخرج فوت اعتصارها بها بقياس التسوية كما مر في عتق الأمة في الصلاة.
وهو في الهبة لغير ثواب أحرى؛ لأن الغيبة عليها مظنة للوطء بنفسها غير متوفقة على بت عقد ذي الحلال.
وفي هبة الثواب: هي متوقفة عليه، وطروء اليتم وهو موت أبي الطفل.
قال الباجي: يمنع اعتصار الأم قال: ولو كبر في حياة أبيه، ثم مات؛ لم يمنعه، والصدقة تقدم تعريفها.
فيها: لا يعتصر الأبوان ما تصدقا به على ولد صغير أو كبير، وأما الهبة والعطية والنحل؛ ففيها الاعتصار والحبس إن كان بمعنى الصدقة؛ لم يعتصر، وإن كان بمعنى الهبة يكون سكني أو عمري إلى مدة، ثم مرجعها إليه؛ فإنه يعتصر.
أبو عمر: لا أعلم خلافًا أن الصدقة وكل هبة أريد بها وجه الله؛ فالرجوع فيها حرام.
ولابن زرقون بعد نقله هذا: قال مطرف: إن قال: هبة لله أو لوجه الله؛ فله الاعتصار.
عياض: خرج بعض شيوخنا من إجازة مالك في العتبية أكل ما تصدق به على ابنه الصغير، جواز الاعتصار في الصدقة.
قلت: في نوازل سحنون: له هبته لابنه للصلة لا يجوز اعتصارها، وكذا هبته

لضعفه، وخوف الخصاصة عليه.
ولابن الماجشون: كل هبة لوجه الله، أو لطلب الأجر أو لصلة رحمن؛ لا يعتصر.
ابن رشد: هذا مثل قول عمر في المدونة، ونحوه في مختصر ابن عبد الحكم وهو أظهر من قول مطرف.
وزاد في قول مطرف: أنه إذا وهب ولده لوجه الله أو لصلة؛ أن له الاعتصار أبدًا حتى يسميها صدقة، ثم وجه القولين بأنهما بناء على أن الهبة ما قصد به الموهوب له فقط أو ولو كان مع طلب الثواب من الله تعالى.
وفيها: لا يشتري الرجل صدقته من المتصدق عليه، ولا من غيره.
اللخمي: اختلف هل النهي على الندب أو على الوجوب؟ فقال مالك: لا ينبغي أن يشتريها.
وقال: يكره.
وقال الداودي: هو حرام.
وظاهر الموازية: أنه لا يجوز والأول أحسن؛ لأن المثل ضربه لها بما ليس بحرام.
قلت: التعليل يدل على ذم الفاعل بتشبيهه بالكلب العائد في قيئه، والذم على الفعل يدل على منعه، وقاله عز الدين بن عبد السلام، ولبعد اللخمي عن ذكر قواعد أصول الفقه حسبما قاله المازري في صلاة الجنائز قال هذا، والله أعلم.
قلت: ظاهر قول اللخمي فيما حكاه عن الموازية: أن معنى لا يجوز الحرمة، وهو لفظ المدونة، وسماع ابن القاسم، وعبر ابن عبد السلام عن المشهور بالكراهة، وفيه نظر.
ولم يحك ابن رشد في سماع عيسى غير لفظ: لا يجوز.
اللخمي: قال مالك في كتاب الزكاة: لا يشتري الرجل صدقة حائطه، ولا زرعه، ولا ماشيته.
وقال ابن القاسم في كتاب النذور: كره مالك: أن يشتري صدقة التطوع؛ فهذا أشد كراهة.
ابن رشد: وفي جواز شراء الصدقة من غير الذي تصدق بها عليه.
رواية ابن

وهب: لا بأس بذلك، وقولها: لا يجوز.
قال: وشراء غلة ما تصدق به من المتصدق عليه؛ قيل: جائز كالعرية بخرصها، وكرهه أشهب، وهو الصواب.
قلت: مسألة العرية؛ إنما هي من العود في عين الصدقة لا في غلتها.
الصقلي عن محمد: لو تصدق بالغلة فقط عمره أو أجلاً؛ فله شراؤه، قاله مالك وأصحابه إلا عبد الملك.
قلت: أخذه بعضهم من قولها: من تصدق على أجنبي بصدقة؛ لم يجز له أن يأكل من ثمرها، ولا يركبها، ولا ينتفع بشيء منها.
وفيها: من تصدق على ابنه الصغير بجارية، فتبعتها نفسه فلا بأس أن يقومها على نفسه، ويشهد ويستقضي للابن.
الصقلي: لمحمد عن ابن القاسم: إنما أرخص في هذا الولد الصغير، ولو كان كبيرًا ما حل له ذلك.
وقال مالك: ونقل قولها في سماع ابن القاسم: والموهوب عبد.
ابن رشد: قولها في الجارية: أعذر منه في العبد؛ لتعلق نفسه بها لو تبعتها نفسه والصدقة بها على أجنبي لما بعد شراؤه لها بخلاف العبد، والولد بخلاف الأجنبي؛ للشبهة التي له في مال ابنه؛ ولذا أجاز في رسم نذر سنة: أن يكتسي من صوف ما تصدق به على ابنه من الغنم، ويأكل من لحمها، ويشرب من لبنها، ومثله لمالك في رسم شهد من سماع عيسى.
وفي رسم نذر سنة: إن تصدق بالحائط؛ فله الأكل من ثمره إن أطعمه.
وفي الموازية: إن رضي ابنه وهو كبير؛ يصح رضاه.
اللخمي: لابن نافع في شرح ابن مزين: أكره أن ينتفع بصدقته على ولده كانت أو أجنبي، وهو أحسن لعموم الحديث.
في الهبة وكراهته: نقلا اللخمي عن رواية محمد والقاضي قال: وهذا أحسن إلا أن يكون برغبة من الموهوب له في شرائه منه؛ فيجوز؛ لأنه

معروف ثان.
قلت: وتقدم شيء من هذا في النذور: ورجوعهما بالإرث جائز اتفاقًا؛ لأنه جبري.

باب هبة الثواب

وهبة الثواب: عطية قصد بها عوض مالي وفي شرطها بغير لفظ البيع قولان ذكرا في فضل شرط العوض فيها.
اللخمي: إن اقترن بعطية ما يدل عليه؛ فهي للثواب، وإن اقترن بها ما يدل على نفيه؛ سقطت دعواه، وكذا إن أشكل الأمر لقول عمر رضي الله عنه من وهب هبة يرى أنها للثواب؛ فهو على هبته، فلم يجعل له مقالاً إلا بدليل؛ ولأن أصل الهبة عدم العوض.
الباجي في الجرب: من وهب هبة مطلقة ادعى أنها للثواب حمل على العرف إن كان مثله لا يطلب ذلك؛ قبل قول الموهوب له مع يمينه، وإن كان مثله يطلبه، أو أشكل أمره؛ قبل قول الواهب مع يمينه.
وقسم ابن رشد الهبة أقسامًا منها قوله: إن لم يتبين أن الواهب أراد مجرد التودد فقط، أو التودد والمكافأة كهبة الأغنياء بعضهم بعضًا أجانب أو أقرباء؛ ففيها في هذا القول قول الواهب.
وفي حملها على أنه بيمينه أو دونه تأويلان للأشياخ، والأمر عندي إن قال: أردت ذلك، ولم أشترطه جرى على الخلاف في تعلق يمين التهمة دون تحقيق، وإن قال: شرطته، وأنكره الموهوب له؛ فلا حلف عليه على القول بتوجه يمين التهمة إلا بعد حلف الموهوب له أنه ما اشترط عليه ثوابًا، فإن نكل؛ فالحلف على الواهب، وكان له الثواب دون يمين، وإن قال: شرطت الثواب عليك، وقال الموهوب له؛ بل بينت أن لا ثواب لك علي قبل قول الواهب مع يمينه أنه شرطه، فإن نكل قبل قول الموهوب له أنه

بين له؛ أن لا ثواب عليه، فإن نكل؛ فللواهب الثواب دون يمين على حكم المدعي والمدعى عليه.
قلت: واختلف في ثبوته في صور الاختلاف في اشتمالها على ما ينفيه.
ابن زرقون تابعًا لابن رشد في هبة أحد الزوجين للآخر ثلاثة: قولها لا يصدق إلا أن يظهر ما يدل على صدقه.
وقول ربيعة ومالك والليث فيها: لا يصدق إلا بشرطه.
ونقل المعونة: يصدق، وإن لم يقم ما يدل على صدقه، وعلى هذا الخلاف خرج الباجي قولها في كتاب الأكرية بسقوط طلب الزوجة الزوج بكراء منزل سكنه بها هي فيه بكراء أو ملك.
وقولها في كتاب العدة: إن اعتدت في مسكن بكراء، فطلبته بكرائه؛ لزمه.
قال: وقال بعض الأندلسيين: هما مسألتان مختلفتان، ومعنى ذلك عندي أن المعتدة سكنت في وقت لا يظن بها الصلة.
قلت: ذكر الباجي مسألتي العدة والأكرية يدل على أن الخلاف في المسألة سواء عبر عن لفظ العطية بلفظ الهبة أو لا، وظاهر استدلال اللخمي بقوله: ولأن أصل الهبة عدم العوض على أن محل الخلاف هو ما عبر فيه بلفظ الهبة.
وعلى طريق الباجي يحسن التمسك بقولها في كتاب النكاح الثاني: وإن أنفقت على زوجها في ذاته، وهو ملي أو معدم؛ فلها إتباعه به إلا أن يرى أن ذلك بمعنى الصلة ونحوه في سماع أشهب في كتاب النكاح.
قال ابن رشد فيه: اختلف قول ابن القاسم في هذا الأصل في المدونة: وإذا وجب لها الرجوع بعد يمينها، ومن هذا المعنى دعوى أحد الزوجين فيها وهبه للآخر الثواب، فذكر قولي مالك ونقل المعونة.
وفيها: لا ثواب بين الزوجين.
ابن عات: عن الاستغناء: إن وهبت زوجها صداقها، ثم طلب الثواب؛ لم تصدق كانت عرضًا أو عينًا بخلاف ما وهبته من مالها، أو وهبه إياها من ماله، ففي ذلك ثلاثة

أقوال، واستدلوا في هذا الأصل بحديث الدارقطني عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من وهب هبة؛ فهو أحق بها ما لم يثب منها".
قال عبد الحق: رواثه ثقاة؛ لكنه جعله وهماً.
قال: والصواب عن ابن عمر عن عمر قوله، ورواه من حديث أبي هريرة، وفي سنده إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، ومن حديث ابن عباس، وفي إسناده محمد بن عبيد الله العوزبي، ورفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهما ضعيفان جداً، ولم يتعقبه ابن القطان.
اللخمي: ويختلف في الثواب بين الوالدين والولد كما في الزوجين، ودعوى الابن الثواب أبين من الأب إلا أن يكون الأب قليل ذات اليد، والأب موسر.
وفيها: الهبة في القرابة، وذوي الأرحام إن علم قصد الثواب؛ قضى به، وإن علم نفيه كغني لفقير؛ سقط.
اللخمي: لم يذكر حكم فقد دليل القصدين.
وفيها: لا ثواب في هبة الدنانير والدراهم، ولو من فقير إلا بشرطه، وللثواب في الهبة لغني، ولو من غني.
الباجي لمحمد عن أشهب: لا ثواب فيما وهبه ذو سلطان.
وفي كون الهبة له، كذلك قول ابن شعبان، ونقل الباجي عن ظاهر المذهب.
ابن شعبان: لا ثواب فيما أهدى لفقيه.
اللخمي عن القاضي: وكذا لرجل صالح، وفيما أهداه الثواب.
الباجي: الظاهر: أنه أراد الفقير منهم، والغني كسائر الأغنياء.
قلت: فيلزم لغو كونه فقيهاً، وظاهر مساقه اعتباره، وهو مقتضي العرف إن كان الواهب له غنياً.
زاد المتيطي في كلام ابن شعبان: إلا أن يكون بين فقيهين، وعزاء اللخمي له بلفظ؛ يريد: إلا أن يكون بين فقيهين.

الباجي: لا ثواب فيما أهداه المولى لسيده.
قلت: إن كان المولى غنياً، وإلا فلا.
قال: وما جرت به العادة من الهدايا عند النكاح.
قال ابن العطار: هو على الثواب وبه القضاء؛ يريد: أنه عرف يقضي بقيمة الكبش حين قبضه إن جهل وزنه، وإن علم؛ فبوزنه، وإن كان المهدي إليه بعث للمهدي قدراً من اللحم مطبوخ، أو أكل عنده في العرس؛ حوسب به في قيمة هديته، ولو كان هذا ببلد لا يعرف فيه هذا لم يقض فيه بثواب، وفيما قاله نظر.
اللخمي: الشأن في هذه الولائم، الأعراس، الثواب، ويختلفون في القيام إن لم يثب من علم من مثله عدم الطلب؛ فلا قيام له، ولا لوارثه، ومن يعلم من مثله الطلب؛ فله ذلك ولوارثه، وهي في الصحة على وجهين إن كانت العادة أن الثواب قدر الهبة فأقل؛ جازت، وإن كانت أنه أكثر؛ لم يجز.
المتيطي عن أبي بكر بن عبد الرحمن لو قال له المعطي: لا أعطيك إلا إن حدث لك عرس؛ فله الرجوع بقيمة هديته معجلاً.
وقال ابن عمران: إن كانت المكافأة عرفاً كالشرط؛ فهو فاسد يقضي فيه للقائم بالقيمة فيما يقضي فيه بالقيمة، وبالمثل فيما يقضي فيه بالمثل، وكذا الجفان توجه لأولياء الميت.
وقال الشيخ في مسائله: ما يوجه لأولياء الميت؛ لا رجوع فيه، بخلاف هدايا النفاس والعرس، فإن فيها عرفاً، كالشرط؛ وهي في مختصر ابن عبد الحكم.
وقال القابسي في مسائله لا رجوع في شيء من ذلك كله.
قلت: مقتضي المذهب: أنه إن اقتضى العرف قصد الثواب؛ ثبت، وإلا سقط إن اقتضاه على ما يوجب الفساد في وقته، أو قدره أو نوعه؛ حكم فيه بحكم البيع الفاسد، وإلا حكم بحكم ثواب الهبة، والغالب في صورته ثبوته عرفا الفساد؛ ولذا ينبغي عدم الأكل منه لم حضره، وربما يفرق في ذلك بين حاله قبل فوته، فيتأكد الكف، وبعد فوته؛ فيخف.

وفيها: لا ثواب في هدية فقير لغني الفاكهة والرطب؛ لقدومه من سفر.
ابن القاسم: ولا أخذ ذلك، ولو كان قائماً.
الصقلي عن الشيخ: لابن اللباد عن بعض أصحابنا: له أخذه إن كان قائماً.
قال: وأما القمح والشعير يوهب للثواب؛ فيه الثواب.
اللخمي: اختلف في الهبة للقادم من السفر الفاكهة والطعام وشبهه؛ فقال مالك: لا ثواب، ولابن عبد الحكم في مختصر حمديس: له الثواب، وهو أبين.
والشأن رجاؤه مما يقدم به المسافر.
قلت: مفهومه: إن لم يقدم بشيء؛ فللثواب عليه.
ثم قال: فمن لا يرضى الكلام عليه إن وقعت بينهما مقابحة، فتكلم عليه؛ لم يكن له شيء، ومن يتكلم عليه؛ يقضى له إن طلبه.
والشأن فيما يهديه القدام لجار، أو صديق عدم الثواب.
وفيها: لا ثواب في هبة العين.
ابن القاسم: إلا بشرط، فيثاب عرضاً أو طعاماً.
الصقلي عن الموازية: إن شرط لها ثواباً؛ ردت، وقاله أشهب.
قلت: عزاه الباجي لمحمد عن ابن القاسم، قال: وهو المشهور عن مالك.
وقال ابن القاسم أيضاً: إن اشترطه، فيثاب عرضاً أ, طعماً، ومثله في المدونة، وقال محمد: لا يعجبنا، وهو غير جائر.
وسمع عيسى ابن القاسم: لا ثواب في هبة الصفائح، والنقر والحلي المكسور.
ابن رشد: في الحلي المصوغ على هذا الثواب، وهو نص قولها: والصفائح إن أراد بها المصنوعة من الحديد لشعيل الدواب، فالمعنى أنها كثيرة الوجود لا يتحف بها من أهديت له، ولو أهداها إليه في الغزو عند الحاجة إليها وعدمها؛ لوجب فيها الثواب، وإن أراد صفائح الذهب أي: سبائكه؛ فبين؛ لأنها كنفر الفضة والدنانير والدراهم.
قلت: تعليله عدم الثواب في المصنوعات من الحديد بكثرة وجودها خلاف اقتضاء المذهب ثبوت العوض في كثير الوجود وقليله.

وقدم تقدم للشيخ: أن في هبة القمح والشعير الثواب.
هبة الحلي: قال المتيطي في ثبوت الثواب فيه قولا ابن القاسم وأشهب.
الباجي في الموازية: معها إجازته هبته للثواب.
وقال محمد: لا يجوز بحال وقيام الهبة.
قال ابن رشد: الموهوب له فيه بخير في إثبايته بقيمتها أو ردها، وعلى قول مطرف وروايته: لا يلزم الواهب أخذ قيمتها دون رضاه إلا بعد موتها.
قلت: عزا الباجي الأول لابن القاسم وابن الماجشون قال: وقال مطرف: هو على هبته، ولو أعطى أكثر من القيمة حتى يرضى، ونحوه سمع ابن القاسم.
قلت: هو ظاهر قوله في رسم حلف، وحمله ابن رشد على أنه أعطاه أقل من القيمة، ففي كون الفوت الموجب على الموهوب له قيمتها قبضه إياها، أو حوالة سوقها، أو تغيرها بزيادة أو نقص رابعها: بنقصها فقط لرواية ابن الماجشون ومحمد عن ابن القاسم فيها مع أحد سماعيه عيسى وثانيهما.
قلت: وقال بعد هذا: لو قيل بلزومها له بالقول؛ كان له وجه في القياس على البيع، ويرد بأنه إن أراد على بيع البت؛ منع وجود علة الأصل في الفرع، وإن أراد على بيع الخيار؛ فحكمه عدم اللزوم.
وفي سماع عيسى: إن كانت الهبة الجارية، فوطئها الموهوب له فوت؛ يلزمه قيمتها.
ابن رشد: اتفاقاً.
وقال أصبغ والأخوان: غيبة الموهوب له عليها فوت يوجب قيمتها، ويمنع الرد، ولو لم تحمل؛ لأنه ذريعة لإحلال الفروج بغير ثمن.
وقي المقدمات في لزوم الواهب قبول القيمة: إن بذلها الموهوب له بعقد الهبة أو بقبضها أو بتغيرها بنقص أو زيادة.
رابعها: بقوت عينها أو تقويتها بعتق أو غيره، ولو تلف جلها؛ فله أخذ ما بقي للآتي على لزوم الواهب دفع الهبة قبل قبض عوضها، والمشهور من قول ابن القاسم مع روايته في المدونة وغيرها، وقولها في الشفعة، ولم يعز الرابع، وعزاه في سماع عيسى

لمطرف وروايته، وقرر ما في الشفعة بقولها: لأن الناس إنما يهبون للثواب رجاء ما هو أكثر من قيمة ما أعطوا.
قال: وفي القضاء للواهب بحبس هبته حتى يثاب، ولزوم تسليمها قبله قولان.
قلت: هما للخمي، وعزاهما لأشهب ومحمد.
وقال: إن قبضها المعطي بغير إذن الواهب؛ فقال أشهب: يرتجعها، وقال ابن القاسم: لا يرتجعها، ويتلوم له في الثواب، فإن لم يثبه؛ ردها.
ابن رشد: وعلى الثاني ضمانها الموهوب له بكل حال، وعليه قيمتها يوم الهبة لا يوم القبض باتفاق، وعليه قيمتها يوم الهبة لا يوم القبض باتفاق، وعلى الأول يختلف في ضمانها كمحبوسة بالثمن.
قلت: وقد تقدمت.
وفي تخريج ضمانها: المبتاع في المحبوسة يرد في أنه في عقد يرم، وهبة الثواب غير لازمة للموهوب.
قال: وعلى هذا في كون قيمتها يوم الهبة، أو يوم القبض قولان لسماع ابن القاسم مع سماعه عيسى وأصبغ، وقول مالك في الموطأ مع قولها في الشفعة، واختار محمد أن القيمة يوم القبض، واعتل بعلة غير صحيحة على قول ابن القاسم وروايته، فقال: إنه مخير في ردها قبل فبضها، فيلزم كون قيمتها يوم الفوت؛ لأنه قبله مخير، وهذا لم يقولوه، ولو قالوا؛ كان له وجه، ويتم تعليله على إلزام الموهوب له القيمة بالقبض.
وفيها: إن عرض الموهوب له أقل من الهبة، ثم قام الواهب بطلب تمامها؛ حلف ما سكت إلا انتظاراً، وهو على حقه.
وفي قصر الثواب عند التنازع على العين وعمومه في كل معتبر بالقيمة ثالثها: إلا الحطب والتين، ونحوه لابن رشد عن أشهب وسحنون: ولها، وعلى الأول قال الباجي: يختص بسكة العين الجارية في البلد.
وفي وقف ردها بعد فوتها على تراضيهما على معرفة قيمتها قولا محمد.
ابن رشد: الصواب: وقفه: ولا معنى لغيره، ولا وقف في دفعه عرض غيرها إلا

على قول أشهب.
الباجي: يجوز بعد فوتها ثوابها، فكل ما يصح أن يسلم فيه.
وفيها: منعه بما لا يصح أن تسلم فيه.
وفيها: يثيب عن الحلي عروضًا لا عينًا، وإن كان من غير جنسه.
الباجي: يريد: بعد التفرق، ويجوز قبله بحضرة المحلي.
قلت: وكذا الطعام عن طعام.
الباجي: وفي الموازية: يجوز أن يثيبه عن حلية الذهب ورقًا، وعن حلي الورق ذهبًا.
ابن شاس: إذا أثاب؛ فلا رجوع له في الثواب بعد تعيينه.
قلت: هذا ضروري كتب عند الخيار: ولو كانت الهبة عبدين، ففي منع الموهوب له من رد أحدهما، وحبس الآخر ثالثها: إن كان المردود أدناهما لها، ولأصبغ ولتخريج ابن رشد على قول ابن القاسم فيها: إن باع وجهها؛ لزمته بثمنها، وإن لم يكن وجههما؛ غرم قيمته يوم قبضه، ورده الباقي.
ابن رشد: لأن قوله هذا خلاف قوله: ليس له حبس أحدهما، ورد الآخر مطلقًا؛ ولذا قال سحنون: بيعه أحدهما موجب قيمتهما.
وفيها: للموهوب له رد الهبة بالعيب، وأخذ العوض والعيب بالعوض، إن كان فادحًا؛ لا يعاوض به؛ كالجذام والبرص؛ فله رده، وإن لم يكن فادحًا؛ نظر لقيمته.
الباجي: إن ظهر عيب الهبة قبل ثوابها وفوتها؛ فقال محمد: إن علمه الواهب؛ اعتبرت قيمتها معيبة، وإن جعله؛ اعتبرت سليمة، ولو حال سوقها أو وطئت، قال أصبغ في العتبية: لأن ذلك لا يفيت الرد بالعيب، والواهب على السلامة وهب، وإن ظهر بعد أن أثابه ولم تفت؛ فكالبيع.
محمد: لو فاتت بتغير بدن أو وطء؛ فله قيمتها سليمة؛ إما حبسها بها، وإما ردها؛ لأن ما يوجب قيمتها لا يفيت الرد بالعيب، ولو كانت مما لا يقدر على ردها، وظهر العيب بعد أن أثابه رجع بقدره من الثواب؛ كان أقل من القيمة أو أكثر، ولو ظهر

العيب قبل ثوابها؛ كان عليه قيمتها معيبة، ونحوه لابن رشد في نوازل أصبغ، والله أعلم.

باب الهبة بشرط عوض عيناه

والهبة بشرط عوض عينها: قال ابن رشد وغيره: هي بيع.
وفي كون شرطه غير معين يفسدها؛ لأنه بيع على القيمة، وصحتها كالبيع قولان لابن رشد، وغيره عن ابن الماجشون، وأصبغ مع ابن القاسم.
الباجي عن الشيخ: قول أصبغ هو قول ابن القاسم فيها.
قلت: منه قولها في كتاب الهبة والواهب: إذا شرط الثواب، أو رأى أنه أراده له أخذ هبته إن لم يثبه.
قلت: وفي ترجمة بيع الغرر من المنتقى: لو قال: بعتك السلعة بما شئت، ثم سخط ما أعطاه.
قال ابن القاسم: إن أعطاه القيمة؛ لزمه.
محمد: معناهك إن فاتت، وإلا ردت، فحمله ابن القاسم على المكارمة؛ كهبة الثواب، واعتبر محمد لفظ البيع.
عياض: إن وهب وسكت من يعلم منه طلب الثواب؛ جاز اتفاقًا، ولو قال: أهبك لتثيبني، فقال اللخمي: كالأول.
وظاهر قول عبد الملك: فساده، ولو قال بشرط الثواب، أو على أن تثيبني؛ فهي مسألة عبد الملك: وإن عين العوض؛ فبيع.
وفي كون الإعطاء لتحصيل المعطي مغير مقصود للمعطى هبة تفتقر للحوز، أو معاوضة لا تفتقر قولان لسماع أصبغ ابن القاسم فيمن قال لولده: أصلح نفسك، وتعلم القرآن، ولك كذا؛ ففعل، وقول أصبغ في قوله: من أعطى دار سكناه لامرأته النصرانية على أن تسلم فتسلم؛ لا بد من حوزها.
ونقل ابن رشد عن ابن حبيب مع مطرف في مسألة النصرانية: الدار ثمن

والإشهاد يكفيها دون حوز.

باب العدة

العدة: إخبار عن إنشاء المخبر معروفًا في المستقبل، فيدخل الوعد بالحمالة

وغيرها، الوفاء بها مطلوب اتفاقًا.
ابن رشد في رسم طلق من سماع ابن القاسم من العارية في لزوم القضاء بها مطلقًا: وإن كانت على سبب، ولو لم يدخل بسببها في السبب، أو بشرط دخولها بسببها في السبب رابعها: لا يقضي بها مطلقًا.
لعمر بن عبد العزيز، وأصبغ مع عبد الملك في هذا السماع، ولابن القاسم في هذا السماع قوله: إن اقتعد الغرماء منه على موعد؛ لزمه لأنهم تركوا بوعده إياه التوثق من غريمهم مع قول سحنون، وكسماع القرينين، فعلى قوله ابن القاسم قوله لمدين: أنا أقضي عنك دينك؛ لا يلزمه، وقوله لرب الدين: أقضيك الدين الذي لك؛ يلزمه لإدخاله إياه في ترك التوثق.
وفي نوازل ابن الحاج: ذكر الأقوال الأربعة غير معزوة، وصوب منها.
وفي نكاحها الأول: مما هو حمل لا حمالة قوله: بع من فلان فرسك، فباعه، ثم هلك الضامن؛ كان ذلك في ماله، فإن لم يدع شيئًا؛ فلا شيء على المبتاع، وكذا من وهب لرجل مالًا، فقال لرجل قبل دفعه له: بع فرسك بالذي وهبته له، وأنا ضامن لك حتى أدفعه لك، فقبض الفرس؛ فالثمن على الواهب، فإن لم يقبض البائع الثمن حتى مات الواهب، ولا مال له؛ فلا رجوع للواهب للبائع على الموهوب له بشيء.
عبد الحق: لم يبين إن مات الواهب عديمًا قبل قبض المبتاع الفرس هل له قبضه دون غرم ثمنه أم لا؟، وفيه قولان لغير الشيخ.
قلت: وذكرهما أيضًا في كتاب الجعل والإجارة، وفي لفظها: ولا يكون على قابض السلعة شيء إن مات الواهب عديمًا.
وسمع القرينان في كتاب العدة: من قال لبيعه بعد البيع: بع، ولا نقصان عليك قولًا غارمًا بينًا، وبصدق المبتاع فيما يدعي من نقص إن أشبه.

ابن رشد: لأن المعروف على مذهب مالك وأصحابه لازم لمن أوجبه على نفسه يقضى به ما لم يمت أو يفلس، وقوله ذلك قبل انتقاده كقوله بعده إلا أن يقول له: انقدني وبع، ولا نقض عليك؛ فلا يجوز؛ لأنه بيع معلق.
وفي سماع عيسى: لأنه يكون فيه عيوب، وخصومات، فإن باع فنقص؛ لزمه أن يرد له إن كان انتقد، إن كان لم يغبن في البيع غبنًا بينًا، وباع بالقرب، فإن أخر حتى حالت الأسواق؛ فلا شيء له؛ لأنه فرط، ويقبل قوله بيمينه في النقص فيما يشبه؛ لأنه ائتمنه.
وفي سماع عيسى: إن كان عبدًا، فأبق أو مات، فقال أصبغ: فيه اختلاف، والذي أقول أنه موضوع عن المشتري، ولا يقبل قوله في الثوب إلا ببينة أنه ذهب وإلا فهو منه، وإن كانت أمة؛ لم يحل للمشتري وطؤها إن قبل الشرط.
قال لي ابن القاسم: فإن وطئها؛ لزمته بجميع الثمن؛ لأن بوطئه ترك ما جعل له.
ابن رشد: قوله: أنه موضوع منه هو قول ابن القاسم، وفي السماع المذكور: لو باع منه على أن لا نقص عليه، فقال مالك: ليس بيعًا، فإن باع؛ فله إجازته.
ابن رشد: البيع على هذا لا يجوز اتفاقًا.
وفي كونه إجارة فاسدة، أو بيعًا فاسدًا قولا مالك في هذا السماع مع الموطأ، وفي غيرهما، والقولان لابن القاسم في الواضحة، وفي هذا السماع، فعلى الأول الضمان من البائع، ولا فوت للمبيع، ولو بعيب مفسد، وللمبتاع أجر مثله، فلو فوتها بعطية أو عتق العبد أو حمل الأمة؛ ففي مضية بالقيمة يوم العطية، والعتق والإجبال لرعي القول بأنه بيع فاسد أو بالثمن؛ لأن ذلك رضًى منه به قولا مالك، وابن القاسم في هذا السماع.
وعلى الثاني: عليه القيمة يوم القبض كبيع فاسد اتفاقًا.
وسمع أصبغ أشهب: من أجاب من ابتاع منه كرمًا، فخاف الوضيعة بقوله: بع وأنا أرضيك إن باعه برأس ماله فأكثر؛ فلا شيء له، وإلا فعليه أن يرضيه إن زعم أنه أراد شيئًا سماع؛ فهو ما أراد، وإن لم يرد شيئًا أرضاه بما شاء، وحلف ما أراد أكثر من ذلك يوم قال ذلك.

أصبغ: وقال لي ابن وهب: عليه أن يرضيه بما يشبه تلك السلعة والوضيعة فيها.
أصبغ: هذا أحب إلي.
ابن رشد: قول أشهب: إن زعم أنه أراد شيئًا؛ فهو ما أراد يريد مع يمينه؛ ومعناه: إن لم يسم شيئًا يسيرًا لا يشبه أن يكون أرضى، وعلى قول ابن وهب إن قال: لم أرض بما يقول الناس أنه إرضاء؛ لم يصدق.
ولو حلف ليرضيه؛ لم يبرأ إلا بما يقول الناس، وربما يرضيه.
قلت: هذا على تقديم ظاهر اللفظ على العرف في الأيمان، والمشهور خلافه.

جارٍ التحميل