قال: أحكموه إحكام سوء.
ابن رشد: لأنه غرر بين لا يجوز، والواجب قسم القرعة.
الشيخ: عن ابن عبدوس عن ابن القاسم: إن نزل على العشر؛ لم يكن للإمام مقاسمتهم رقيقاً، ولا غيرها حتى يبيع إلا أن يريد الرجوع بذلك لبلده أو بلد آخر، بخلاف الذمي له الرجوع بذلك دون أخذ منه، وفي أخذه بعشر ما قدم به غير مصنوع استأجر على حياكته أو صوغه أو ضربه أو عشرة معمولاً، ثالثها: لا شيء عليه فيه، للشيخ عن محمد، وعنه عن ابن القاسم وعن أشهب.
الصقلي: روى محمد وابن عبدوس: إن رجع بما قدم أخذ منه عشره، ثم إن نزل بلداً آخر؛ لم يؤخذ منه شيء.
قلت: نقله العتبي عن أصبغ.
ابن رشد: يريد: بلداً آخر من ذلك الأفق، ولو كا في أفق آخر أخذ منه العشر إن اشترى أو باع على قول ابن وهب، وعلى قول ابن القاسم: وإن لم يبع.
الشيخ والصقلي عن أصبغ: يمنع الدوران في السواحل للبيع خوف التكشف على عورة، ولا ينزل إلا حيث تؤمن غرته، ويمنع المشي بغير الأسواق والطريق الواضحة لحوائجه.
محمد عن ابن القاسم: لا ينبغي للإمام إنزالهم على شرطهم ألا عهدة عليهم فيما يبيعون، فإن جهل وأنزلهم عليه؛ وفي لهم وأنذر الناس بذلك، فمن اشترى منهم غير عالم بذلك؛ فلا رد له بعيب خفيف، او خفي كبيع المفلس، وما كان عن تدليس أو عيب ظاهر؛ فله الرد عليه وعلى الإمام.
وسمع عيسى: رجوع ابن القاسم عن قوله في حربي أمن على النزول، وقد كان سرق في أمان نزول سابق عن انصرافه منه عبيداً وأحراراً ينزعون منه كدين كان أدانه من مسلم في أمانه السابق إلى قوله: لا ينزعون.
ابن رشد: على وله الأول: لا ينبغي إنزالهم على عدم نزعهم، فإن فعل وهو عاجز عن حربهم إن ردهم؛ ففي الوفاء لهم بشرطهم ونقضه ثالثها: يخيرهم الإمام بين ردهم أو نزعهم منهم، وعلى الثاني يخيرهم الإمام لقول ابن القاسم ذلك في الذمي.
وسمع أصبغ ان وهب: لو أدان عند نزولهمن مسلم ديناً إلى أن رجع قابلاً، فشرط عند نزوله قابلاً أن لا يعدى عليه غريمه؛ لا ينبغي إنزاله على ذلك، فإن أنزل عليه؛ أعدى القاضي غريمه عليه، وقال له: إن شئت بع أو ارجع.
ابن رشد: لا ينبغي أن يختلف في عدم الوفاء له بذلك الشرط؛ لشرطه إسقاط ما أوجبه على نفسه؛ إنما الخلاف فيما هرب به من ذمي غلبه، ثم نزل على أن لا يعدى عليه، ولو أسلم رقيق من نزل بأمان، ففي تمكينه من الرجوع بهم بعد أخذ عشرهم نقلاً ابن رشد مشهور قول ابن القاسم، وهو سماعه عيسى، وسماعه يحيى، مع قول ابن حبيب، ونقله عن أصحاب مالك قائلاً: لم يتابع ابن القاسم أحد من أصحاب مالك، وحكى هذين القولين أيضاً فيما بيده من أسير مسلم مفسراً الثاني ببيع من أسلم من عبيده عليه وإعطائه قيمة الأسير المسلم، وعزا في سماع يحيى قول مالك لابن حبيب قائلاً: هو إجماع قول مالك وأصحابه.
ولابن سحنون عن مالك خلافه.
زاد الشيخ عن ابن حبيب: ولو شرط عند نزوله عدم التعرض له فيهما بذلك؛ لم يوف له شرطه.
قال: وقاله ابن الماجشون ورواه.
وللشيخ في ترجمة الرهائن عن الموازية: لا يعرض لمن نزل بأمان، وبيده مسلم فيه وله بيعه، فإن باعه من مسلم؛ صار حراً، واتبعه مبتاعه بالثمن، وقاله أصبغ ومحمد.
الشيخ عن ابن حبيب: روى الأخوان: لو قدم بأسير طلب به فداء قريب له بيد مسلم؛ جبره الإمام على أن يأخذ فيه قيمته، ويفدي به المسلم، ولو تشطط الحربيفي الأسير بقريب من القيمة أعطيه وإلا فالقيمة.
ابن سحنون عن عبد الملك: لا يزاد على قيمته إلا الشيء القريب.
ابن سحنون: لو قدم بأسير؛ ليفدي به زوجته وولده، فوجدهما قد أسلما او دبرا أو عتقا إلى أجل؛ فقال مالك وابن القاسم: له رده، وقال غيرهما: يجبر على أخذه منه بالقيمة؛ ومعنى القيمة في هذه المسائل فداء مثله ليس العربي والقرشي كالأسود والمولى.
قلت له: قد فديت الأسارى الذين كانوا بسردانية على قيمتهم عبيداً.
قال: لأنهم غير معروفين عندي من ذوي القدر.
اللخمي: لو قدم بمسلمين أحرار وعبيد؛ ففي تمكينه من الرجوع بهم ثالثهما: بالذكور لا الإناث لابن القاسم وعبد الملك قائلاً: يعطي في كل مسلم أوفر قيمة، وابن سحنون عن ابن القاسم، وسمع يحيى ابن القاسم: إن ظهر فيمن قدم من أهل الحرب لصلح عبد لمسلم كان أبق إليهم؛ رد إليهم دون ربه.
ابن رشد: إن كان كافراً، وفي بيع المسلم عليه خلاف تقدم.
وسمع سحنون رواية ابن القاسم: إن أسلم رسول أهل الحرب؛ رد إليهم.
ابن رشد: وقال ابن حبيب: لا يرد إليهم ولو شرطوه، وثالثهما: إلا أن يشترطوه.
الشيخ عن ابن حبيب: إن نزل بأمان أريق ما معه من خمر، وقتل ما معه من خنازير، وغيبت جيفته، وإن طلب النزول على بقاء ذلك؛ لم ينزل عليه، فإن جهل الإمام وشرط له ذلك، فإن عثر على ذلك بحدثانه قبل أن يبيعوا؛ قيل لهم: إما نزلتم على إراقة الخمر وقتل الخنازير وإلا فانصرفوا، وإن لم يعر على ذلك حتى باعوا بعض متاعهم، وطال لبثهم؛ جبروا على إراقة الخمر وقتل الخنازير، ولا عهد فيما خالف الكتاب والسنة.
قلت: ظاهره: منعهم بيع ذلك، ولو من ذمي، وتقدم لابن نافع خلافه، فيتقرر بهما قول ابن الحاجب: لا يمكنون من بيع خمر لمسلم، والمشهور تمكينهم لغيره، ولو ظهر كون من نزل لعقد هدنة مرتداً أو عبداً لمسلم أو ذمي، ففي رده لمأمنه واستتابته، ورده لربه ثالثها: إن اشترط الأمان، وإن كان كما ظهر.
لابن رشد عن سماع يحيى ابن القاسم مع أحد قولي أشهب وابن حبيب مع روايته عن الأخوين وابن عبد الحكم وأصبغ وأحد قولي أشهب، ورواية عن ابن القاسم مع دليل قول سحنون.
قلت: حكاها الشيخ عن سحنون عن ابن القاسم جواباً لأهل الأندلس، وله عن ابن حبيب: إن ظهر على رسول دين، أو حق لمسلم؛ حكم عيه بحكم الإسلام، وكذا فيما أحدث من زنى أو شرب خمر، أو فاحشة كمستأمن.
الشيخ: يريد ابن حبيب في غير قول ابن القاسم.
وفي كتاب ابن سحنون: يترك الرسول في حاجته بقدر قضائها، فإن أبطأ أمر الأمير بإخراجه، ولا يبيع شيئاً إلى أجل، فإن فعل وقرب أجله؛ أمهل إليه، وإن بعد كالسنة؛ لم يترك، إن شاء وكل أو قدم إذا حل أجله، ولا يدخل إلا بأمان، فإن دخل دونه؛ لم يح؛ لأن له شبهة، ولا يمنع الدخول إلا أن يقتضيه الإمام ويدفعه له.
سحنون: لو رأي رسول عورة في عسكر المسلمين؛ لم يكن للإمام حبسه بعد قضاء أمره حتى يصلحها، ثم قال: إن قرب إصلاحها حبسه إليه، وقال ابنه: يحبسه إليه وإن طال، ولا يقبل يمينه أنه لا يخبر بها، وحبسه بجعل من يحرسه معه دون قيد إلا أن يحضر المسلمين قتال يخاف فيه منه فليقيده، فإن زال القتال؛ أزيل عنه، ولو نقله الإمام من محل بلوغه إلى غيره لقتال نزل؛ فعليه بعد انقضائه نفقة تبليغه إلى المحل الذي نقله منه يعطيها الإمام من تلك الغنيمة؛ لأن حبسه مصلحة لذلك الجيش، ولو أراد الرسول المقام، ورفض ما أرسل إليه؛ لم يمكن من ذلك.
ابن سحنون عنه: لا ينزع من رسول سلاحه التي قدم بها، ولم ينزع صلى الله عليه وسلم من عمير بن وهب إذ قدم بسيفه.
قال: ولا يغار على العدو ورسوله عندنا إن كان ذلك أماناً عندهم وإلا أغير أغير عليه، ولو كان رسولنا عندهم أغير عليهم إن أمن عليه، ومن نزل بنا رهناً في فداء، فخاس راهنه، ففي رقه لمرتهنه مطلقاً، أو إن كان بالغاً، ثالثها: يباع بعد الاستيناء، ويوقف فضل ثمنه على ما رهن فيه لراهنه.
للشيخ عن سحنون، وعن سماع يحيى ابن القاسم، وعن سماع أصبغ ابن القاسم.
سحنون: ولو رهنه على إعطاء الفدية مع إقامة الراهن والرهن على الجزية، فخاس الراهن؛ لم يرق الرهن بحال، والفدية في ذمة الرهن الكبير لا الصغير.
قلت: هذا خلاف إرقاقه الصغار كالكبير، لا يقال: لا ذمة للصغير؛ لأنها له بدليل تعلق عدائه بهما، وإن لم يكن له مال، وعزا الشيخ سماع أصبغ لابن القاسم، وهو في
العتبية لأشهب، ووقع ذكره يف سماع أصبغ ابن القاسم.
ابن رشد: ناقض كثير من أهل النظر سماع يحيى بسماع أصبغ، وإجازتها شراءنا أولاد أهل الحرب من آبائهم الذين لا عهد لهم؛ لأن ما جاز بيعه؛ جاز رهنه، وليس كذلك، والفرق أن الحربي حاكم على ولده في بلده، فمضى حكمه عليه، والأسير لا حكم له فيه، فاعتبر رضى الرهننفسه، ولا رضى لصغير.
قلت: هذا جواب معارضتهم بها، فما جواب معارضتهم بسماع أصبغ، وعزا الشيخ لابن حبيب الثاني قائلاً: إن بان أن الراهن مات، أو منع المجيء أطلق رهنه، وإن كان كبيراً.
قال: وقال الأخوان وأصبغ: إن كان الولد في عهد أو هدنة؛ فإنه يسترق، كان كبيراً أو صغيراً، خاس الأب أو لم يخس، مات أو منع؛ لأن هذا شأن الرهن.
قلت: يريد: أنه رهن في الوفاء بالعهد أو الهدنة.
الشيخ: سمع عيسى: لو نزل بنا من طلب فداء زوجته بأربعة أسارى معينين يأتي بهم، فأتى بثلاثة، وقال: عجزت عن الرابع؛ أعطي زوجته أو رد عليه الثلاثة.
عيسى: بل يعطي زوجته.
الشيخ: وقاله أصبغ وأبو زيد.
قال أبو زيد: وكذا لو لم يأت إلا بواحد.
محمد: إن ظن أن ذلك منه خديعة، فإن طمع أنه لا يترك زوجته؛ لم يعطها إلا بذلك أو بما هو أفضل.
ابن رشد: قول ابن القاسم: ليس هو على ظاهره من التخيير، ومعاه: أنه لا بد من أحد الأمرين، فغن لم يصح أحدهما؛ لزم ااثني، وقول عيسى مبين ذلك؛ لأن قوله في أوله: أحب إلى رد امرأته؛ ليس على ظاهره، ومعناه: الوجوب لقوله أخيراً: ولا ينبغي لهم غير ذلك، وهذا إن لم ينبرم العهد بينهم، وبين الرومي على المعاوضة بذلك، ولو انبرم على ذلك؛ وجب إذا تحقق عجزه عن الرابع أخذه امرأته، وغرم يمة ربعها؛ كالاستحقاق فيمن باع أمة بأربعة أعبد، فاستحق أحدها بعد عتق الأمة، وإن لم يتحقق عجزه؛ حبست زوجته حتى يأتي بالرابع على أصولهم في أن من حق البائع أن يمسك
سلعته حتى يستوفي كل ثمنها.
قلت: هذا نص منه على تبدئة المشتري بدفع الثمن، ولو نقض ذو رهن في صلح صلحه.
ورأي الإمام فسخه كان الرهن فيئاً، وفي جواز قتله إن كان كبيراً عاقلاً، ولو كان شيخاً أو راهباً.
ثالثهما: ان شرط قتله لذلك حين رهنه للشيخ عن سحنون قائلاً: إن كان صغيراً يوم الرهن، وبالغاً يوم النقض؛ لم يقتل، ونقل ابنه عن بعض أصحابنا وعبد الملك، ويف جواز إحداث ذوي الذمة الكنائس ببلد العنوة المقر بها أهلها، وفيما اختطه المسلمون فسكنوه معهم وتركها إن كانت ثالثها: تترك ولا تحدث للخميعنغير ابن القاسم وعن ابن الماجشون قائلاً: ولو كانوا منعزلين عن بلاد المسلمين، وابن القاسم قائلاً: إلا أن يكونوا أعطوا ذلك، ويجوز لهم بأرض الصلح إن لم يكن بها معهم مسلمون، وإلا ففي جوازه قولاً ابن القاسم وابن الماجشون قائلاً: ولو شرط لهم ذلك، ويمنعون من رم قديمها إلا أن يكون شرطاً، فيوفى ويمنعون الزيادة ظاهرة أو باطنة.
وقول الطرطوشي: يمنعون من إعلاء بنائهم على بناء المسلمين.
وفي المساواة قولان، ولو اشتروا عالياً أقر؛ إنما نقله عن الشافعية كالمصوب له.
وسمع أصبغ ابن القاسم: لا يجوز لمسلم شراء ما باعه الأسقف من الديارات المحبسة على إصلاح الكنيسة لخراجهم أو لرم الكنيسة، ولايجوز فيما حبسوه على وجه التقرب إلا ما يجوز للمسلمين.
أصبغ: لا يحكم حكم المسلمين في منع بيعها ولا رده ولا الأمر به، ولا إنفاذ حبسه ولا جوازه.
ابن رشد: لم يجز ابن القاسم في هذه الرواية بيع ذلك لما ذكر، وأجازه في سماعه عيسى؛ والوجه أنه إن أراد من حبسها إبقاءها لصرف غلتها فيما ذكر، وأراد الأسقف بيعها لما ذكر، ورضيا بحكم الإسلام، واختار حكم الإسلام الحكم بينهم أن يحكم ببقائها، وهو معنى قول ابن القاسم: لا يجوز في أحباسهم إلا ما يجوز في أحباس المسلمين؛ لأن المحبس لو أراد أن يرجع فيما حبس لما جاز له لا يصح أن يكون ابن
القاسم أراده، كما تأول عليه الأصبغ؛ لأن الحبس على الكنيسة معصية.
ولو مات مستأمن ففي ذفع ماله وديته إن قتل لوارثه أو لحكامهم، ثالثها: إن ثبت تعين وارثه بينه مسلمين فالأول، وإلا فإلى طاغيتهم، ورابعها: ماله ولارثه، وديته حكامهم، لقياس ابن القاسم فيها على قول مالك في ديته قائلاً: لكنه قال: ويعتق قاتله رقبة.
مع الشيخ عن الموازية والصقلي عن سحنون، مع البراذعي عن غير ابن القاسم، ونص المدونة عن سحنون، والشيخ عن ابن حبيب مع نقله عن مالك وابن القاسم وأصبغ، والصقلي عن الشيخ عن سحنون.
أبو عمران: قوله: غير ابن القاسم وفاق له؛ لأن بحكامهم يعرف وارثه، وظاهر قول غيره أنه خلاف، وفسر الصقيل المذهب بقول سحنون: إن استأمن على المقام أو طال مقامه عندنا، أو كان شأن المستأمنين المقام، أو لم يعرف حالهم، ولا ذكر رجوعاً لبلده؛ فميراثه للمسلمين.
قلت: زاد في النوادر عنه: إن قدم بذرية على الرجوع، أو كان شأنهم، فمات ردت ذريته وماله لبلده وإلا فلا.
ابن بشير: إن استأمن على دوام إقامته؛ فميراثه للمسلمين إن لم يكن معه وارث، وإن استأمن على رجوعه بانقضاء أربه؛ فماله لأهل الكفر، وفي رده لوارثه أو لحكامهم قولان، ولعله خلاف في حال إن استقل لنا حقيقة توريثهم دفع لوارثه وإلا فلحكامهم، وإن استأمن مطلقاً، فإن كان لأمثالهم عادة في الإقامة أو الرجوع؛ حكم بها وإلا ففي الحكم بمقتضى الرجوع أو الإقامة قولان.
عبد الحق عن محمد: ودية المستأمن خمسمائة دينار.
قال: إنما ذكرته؛ لن لإسماعيل في ديته غير ذلك، والصواب الأول.
ابن حبيب: إن غنم جيش وارثه قبل قبضه إرثه؛ فهو فيء له.
الصقلي عن محمد عن ابن القاسم وأصبغ: حكم ماله عندنا في موته ببلده كموته عندنا، وماله في موته بعد أسره لمن أسره، وعزاه ابن عبدوس.
لعبد الملك أيضاً: ومن له عليه دين في كونه أحق بماله يذكر في الغنيمة إن شاء الله
تعالى، ولو قتل في المعركة، ففي كونه لوارثه أو فيئاً؛ لا يخمس نقلاً الشيخ عن محمد وابن حبيب، مع نقله عن ابن القاسم وأصبغ.
قلت: الأول سماع يحيى ابن القاسم.
ابن الحاجب: لو ترك وديعة؛ فهي له، فإن قتل أو أسر، فثالثها: إن قتل كانت فئاً، ورابعها: عكسه.
ابن عبد السلام: الأول أنه فيء قتل أو أسر، والثاني لوارثه في الوجهين، والثالث فيء في القتل وميراث في الأسر، والرابع عكسه.
قلت: لا أعرف في أسره خلافاً أنه لمن أسره زتفسيره كونه لوارثه في الأسر لا يعقل؛ لأنه إن أراد أنه لوارثه بعد موته أسيراً فغير صحيح؛ لأنه عبد مات، وكل عبد مات؛ فماله لمالكه لا لوارثه، وإن أراد قبل موته فأبعد، والثالث كذلك، وتفسيرها ابن هارون بقوله: الأول أنها له إن أسر، ولوارثه إن قتل، والثاني فيء فيهما، والثالث: له إن أسر وفيء إن قتل، والرابع عكسه صواب.
وسمع يحيى ابن القاسم: إن بيع مستأمن غنم بعد رجوعه لأرضه كان ترك بأرض الإسلام وديعة؛ فهي فيء للمسلمين بأخذهم إياه، ومال العبد لبائعه إن لم يشترطه مبتاعه، وكذا إن قتل بعد أسره، ولو تل في المعركة دون أسر؛ فهي لوارثه.
ابن رشد: معنى قوله: (هي فيء)؛ أنها غنيمة تخمس، ويجري فيها السهام، اله ابن حبيب، وحكاه عن ابن الماجشون وأصبغ وابن القاسم، وهو بين قائم من قوله في الكتاب.
وحمل فضب قول ابن القاسم على ظاهره: أنه لا يخمس، وهو بعيد في المعنى، وإن قتل مستأمن مسلماً أوذمياً عمداً؛ قتل به.
وفي كون الدية في خطئه على عاقلته متى قدر عليها، أو في ماله إن كان ملياً وذمته إن كان عديماً نقلاً الشيخ عن الموازية مع أشهب قائلاً: إن عجز عن عاقلته؛ فعليه قدر مصابه منها معهم.
وسحنون قائلاً: لأن العواقل ثلاث عشيرة الجاني وأهلي جزية النصراني وبيت المال لمن لا عشيرة له؛ لأنها وارثه، والمستأمن ليس كذلك، وعزاه الصقلي لابن القاسم
قائلاً: يمنع الرجوع لبلده قبل دفعها، وفي حده لقذفه، وقطعه لسرقة من مسلم أو ذمي، وقطع من سرق منه نقلاً الشيخ عن ابن القاسم مع عبد الملك وأشهب قائلاً: يؤدب في القذف.
محمد: إن نزل مستأمن بأهله وولده؛ جاز شراء صغار بنيه منه لا زوجته ولا كبير ابنه ولا ابنته التي وليت نفسها إلا برضاهما؛ لأن نزولهم معه بالأمان نزول واحد.
قلت: ظاهر قولها: إن نزل بنا من لا عهد له ببلده، فلنا أن نشتري منهم الأبناء والآباء والنساء وأمهات الأولاد، وليس نزولهم على التجارة ببلدنا بعهد، ثم ينصرفون؛ كالعهد الجاري لهم ببلدهم؛ بل هو كدخولنا لهم بتجارة بعهد فلنا شراؤهم منهم هنالك حلافه.
وفي الموازية: المعاهد سنتين أو ثلاثاً في ولده وزوجته كمستأمن نزل بهم.
قلت: ظاهره: جواز شراء ولده الصغير لا الكبير ولا الزوجة.
وظاهر قولها: لو صالحنا قوم على مائة رأس كل عام؛ لم ينبغ أن نأخذ منهم أبناءهم ونساءهم؛ إذ لهم من العهد ما لآبائهم إلا أن يكون الصلح لسنة أو سنتين، فيجوز أخذهم منهم خلافه.
زاد الصقلي عقب لفظها، وأباه أشهب، وعزاه اللخمي لكتاب ابن حبيب.
وفي الموازية معها: من صالحنا لغير أمد؛ لم يجز لمن قدم منهم بيع أولادهم لدخولهم في الصلح.
التونسي: إنما جاز في عهدهم سنتين أخذ صغارهم لاختصاصه بكبارهم، وعدم بلوغ صغارهم إياه، ويدخلون في العهد البعيد؛ لبلوغهم قبل انقضائه، ولو كانوا لا يبلغون قبله؛ جاز أخذهم، وفي أخذ نسائهم إشكال إلا أن يكون العهد؛ إنما هو للرجال، كما لو صالحنا بطريق على أن يفعل ببلده ما أراد؛ لجاز أخذ ما أعطانا من أهل مملكته.
الشيخ عن محمد عن أشهب: إن نزلت كافرة بأمان قالت لها: زوج أولاً؛ فلها توزويج مسلم بعد ثلاث حيض من آخر وطئة تصدق فيهم، فإن قدم زوجها قبل تمامها؛ كان أحق بها ما لم تسلم إلا أن يسلم قبل تمامها.
قلت: ظاهرها قبل تمامها من آخر وطئة لا من يوم أسلمت.
ابن حبيب عن أصبغ: لا يتزوجها مسلم بذلك إلا أن تنزل على دوام الإقامة.
قلت: جعل أشهب تزويجها التزاماً لدوامها.
وفي كتاب ابن سحنون: لو نتزوج مسلم، أو من أسلم بدار الحرب حربية، خرج بها؛ فهي حرة ذمية لا رجعة له لأرضها.
قلت: على قول أصبغ: لها الرجوع إن خرجت من عصمته؛ لعدم جعله زواجها بأرضنا التزاماً لدوام الإقامة فيه، ولو قال: أخرجتها كرهاً، وأنكرت؛ لم يسترقها إلا ببينة مسلمين، ولا نكاح بينهما لإقراره أنها ملكه، وللإمام إقرارها على الذمة أو ردها.
باب ما ملك من مال كافر
ما ملك من مال الكافر غنيمة ومختص وفيء، وقول ابن الحاجب: الأموال غنيمة وفيء يبطل بالمختص.
فالغنيمة ما كان بقتال أو بحيث يقاتل عليه، ولازمه تخميسه، فما أخذ بقتال الأحرار الذكور البالغين واضح.
وروى محمد وغيره: ما أخذ من حيث يقاتل عليه، كما بقرب قراهم، كما قوتل عليه.
اللخمي: ما انجلى عنه أهله بعد نزول الجيش في كونه غنيمة له، أو فيئاً لا شيء له فيه قولان، بناءً على اعتار سببية نزول الجش، أو عدم ممانعة العدو.
قال: وقيل: خروج الجيش فيء.
قلت: وبعده وقبل نزوله يتعارض فيه مفهوماً نقله.
قال: ويختلف في خراج أرضهم، وما أخذ عن مصالحتهم بعد النزول، وقبل الخروج إليهم كما أجلوا عنه فيهما.
وما يؤدونه كل عام كخراج أرضهم، وفي تخميس ما غنمه العبيد بإيجاف من أرض الإسلام قولان.
قال: ويختلف في تخميس أنصبائهم، وإن كانوا مع جيش بتقويهم بهم؛ حصلت
الغنيمة.
قلت: أنصابؤهم؛ إنما هي بعد القسم، والقسم بعد التخميس، فلو خمست؛ خمست مرتين.
قال: ويختلف في تخميس ما انفرد النساء والصبيان بغنيمة قتالهم.
قلت: سمع عيسى ابن القاسم: لا يخمس ما خرج به عبد أبق لدار الحرب من رقيق استألفهم أو تاجراً، ومن أسلم بدار الحرب، وتقدم الخلاف فيما خرج به الأسير.
وسمع يحيى ابن القاسم: يخمس ما أصاب العبد المتلصص من قرى العدو لا الآبق لأرض العدو، ويخرج منها بشيء؛ لأن الخمس إنما هو فيما تعمد بخروج لإصابته، وأوجف عليه بخيل أو ركاب.
ابن رشد: في تخميس ما غنمه العبد قولاً ابن القاسم، وأصبغ مع سحنون بناءً على دخوله في خطاب: ﴿واعلموا﴾ كالحر أولاً.
ابن رشد: قول ابن لبابة: العنوة قسمان؛ ما كان منها بقتال خمس، وما كان منها دونه فهو فيء لا يخمس كالصلح؛ بعيد.
وما لحربي غنم من مال أو وديعة بأرض الإسلام غنيمة في تخميسه خلاف ما تقدم.
وسمع عيسى وأصبغ ابن القاسم: غرماؤه أحق به ممن غنمه، وهو أحق منهم مبا أوجف عليه بخيل أو ركاب.
ابن رشد: لأن غرماءه إنما عاملوه على ماله الذي ببلد الإسلام لا على الذي ببلد الحرب، ولا يعارض بقولها في التفليس: من ارتد وهرب بماله فغنم؛ غرماؤه أحق بماله؛ لأنهم عليه عاملوه، فلم يسقط حقهم بهروبه، ولو هرب دون مال، واكتسب بدار الحرب مالاً؛ فلا حق لهم فيه.
ولو هرب المستأمن بالمال الذي داينوه به، وعلم أنه بعينه كانوا أحق به ممن غنمه، وبقية مال المرتد لمن غنمه لا للمسلمين كمال المرتد؛ لأنه مال مسلم مجهول وجد في المغانم.
أصبغ: قيل لأشهب: ما أصابه المسلمون من عدو خرج على المسلمين، فهزمه الله
دون قتال، هل يخمس، أو هو فيء، أو لكل إنسان ما أخذه؟.
قال: هذا لا يكون، ولو كان؛ لكان غنيمة يخمس ويقسم.
ابن رشد: أبعد انهزامهم دون هازم لهم، وهو ممكن كموت رئيسهم، فيتشتت أمرهم، ويرون سواداً يظنونه جيش إسلام، فيفرون متفرقين ملقين أمتعتهم وأموالهم، فما أصيب منهم فيء لا يخمس، ولو نزلوا بثغر مسلمين، فانهزموا دون قتال؛ لتداعي المسلمين عليهم؛ فغنموهم لخمسوا، وكان سلئرهم لأهل المكان الذي تداعى في النفير إليهم؛ لأنهم بهم انهزموا، قاله ابن حبيب في الواضحة، وهو صحيح.
والمختص بآخذه: ما أخذ من مال حربي غير مؤمن دون علمه، وكرهاً دون صلح، ولا قتال مسلم ولا قصده بخروج إليه مطلقاً على رأي، أو بزيادة من أحرار الذكور البالغين على رأي، كما هرب به أسير، أو تاجر، أو من أسلم بدار الحرب، أو ما غنمه الذميون، وفيما غنمه العبيد والنساء والصبيان خلاف تقدم؛ فلا يدخل الركاز.
باب الفيء
ما سواهما منه، فيها: خراج الأرضين والجزية، وما افتتح من أرض بصلح، وخمس غنيمة أو ركاز فيء.
الشيخ: زاد ابن حبيب: وما صولح عليه أهل الحرب، وما أخذ من تجرهم، وتجر الذميين.
قلت: وعزاه في باب آخر لمحمد عن ابن القاسم.
ابن بشير: في قسم الفيء على التسوية أو التفضيل، ثالث أقوال المذهب: تخيير الإمام فيهما.
وفيها: أيسوي بين الناس فيه؟
قال: قال مالك: يفضل بعضهم على بعض، ويبدأ بأهل الحاجة حتى يغنوا، وأهل كل بلدة افتتحوها عنوة أو صلحاً أحق به إلا أن تنزل بقوم حاجة، فينقل إليهم منها بعد إعطاء أهلها ما يغنيهم على وجه النظر.
قال ابن حبيب: مال الله الذي جعله رزقاً لعباده مالان: زكاة لأصناف معينة، وفيء ساوى فيه بين الغني والفقير.
قلت: يريد: في مجرد الأخذ لا في معيته أي باعتبار الزمن.
قال: وقاله مالك وأصحابه.
روى مطرف: يعطي الإمام أقرباء رسول الله صلى الله عليه وسلم قدر ما يرى من كثرة المال وقلته، وكان عمر بن عبد العزيز يخص ولد فاطمة صلى الله عليه وسلم كل عام باثني عشر ألف دينار سوى ما يعطي غيرهم من ذوي القربى.
ابن حبيب: سيرة أئمة العدل في الفيء وشبهه؛ أن يبدأ بسد خلل البلد الذي جبي منه أو أفيء منه وسد حصونه، والزيادة في كراعه وسلاحه، ويقطع منه رزق عماله وقضاته ومؤذنيه، ولمن ولي شيئاً من مصالح المسلمين، ثم يخرج عطاء المقاتلة، ثم للعيال والذرية.
قُلتُ: ظاهره: تبدئة العمال على المقاتلة، ويأتي لابن عبد الحكم عكسه، وهو الصواب.
قال ابن حبيب: ثم سائر المسلمين، ويبدأ الفقير على الغني، فما فضل رفعه لبيت المال يقسمه، فيبدأ فيه بمثل ما بدأ به في البلد الذي أخذ فيه، وإن لم يعم الفقراء والأغنياء آثر الفقير إلا أن تنزل ببلد شدة، وليس عندهم ما يذهبها، فليعطف عليهم من غيرها بقدر ما يراه، وإن اتسع المال أبقى منه في بيت المال لما يعرو من نوائبهم، وبناء المساجد والقناطر، وفك أسير، وغزو وقضاء دين، وموته في عقل جرح، وتزويج عازب، وإعانة حاج.
اللخمي: إن كان المال من أرض صلح؛ لم يصرف في إصلاح ذلك البلد؛ لأنه ملك لأهل الكفر، وإن كان بين أظهرهم مسلمون فقراء أعطوا منه.
ابن عبد الحَكم: يبدأ في الفيء الذي يصير في بيت المال بإعطاء المقاتلين من جميع البلدان يعد فيهم من بلغ خمسة عشر سنة ما يحتاجون في العام، ويفاضل بينهم على قدر الثغر وبعده، ثم النساء والذرية والزمناء بقوام عامهم.
التونسي: قول ابن عبد الحَكم: يقسم بين الغني والفقير بالسوية؛ كإرث بين وارثين غني وفقير ليس بينا.
الشيخ عن ابن حبيب: والأعراب والبوادي كالذرية، وما فضل عم به المسلمين، فقيرهم وغنيهم، الرجال والنساء والذرية، وإن قل آثر الفقراء بعد أن يقيم منه ما يحتاج من مصالح المسلمين.
وفيها: لمالك: يبدأ في الفيء بالفقراء، فما بقي كان بين الناس بالسوية إلا أن يرى الإمام حبسه لنوائب الإسلام.
ابن القاسم: وعربيهم ومولاهم سواء؛ لأن مالكاً حدث أن عمر خطب، فقال:
إني عملت عملاً، وعمل صاحبي عملاً، وإن بقيت لقابل لألحقن أسفل الناس بأعلامهم، ما من أحد إلا له في هذا المال حق أعطيه أو منعه، ولو كان راعياً أو راعية بعدن، فأعجب مالكاً هذا الحديث.
ابن حبيب: إن أصاب الأعراب سنةُ؛ فلا بأس أن يغنيهم منه، وفعله عمر -رضي الله عنه-.
ابن حبيب: روى مالك عن ابن شهاب: كان صلى الله عليه وسلم يأخذ مما أفاء الله عليه نفقته ونفقة أهله سنة، ويسلم ما بقي للمسلمين.
وعن ابن شهاب: قدم أبو عبيدة عليه صلى الله عليه وسلم بجزية مجوس البحرين، قتادة: وهو ثمانون ألفاً.
ابن حبيب: وهو أكثر مال قدم به عليه صلى الله عليه وسلم.
قال قتادة: فصبه على حصير ففرقه، فما حرم منه سائلاً، وجاء العباس فقال: خذ، فجعل يحثي في حجره حتى عجز عن حمله، وقال: هذا خير مما أخذ منا.
الشيخ: رأيت في غير كتاب ابن حبيب: فاستعان بمن يعينه على القيام، فنهاهم صلى الله عليه وسلم حتى نقص منه حتى قوي على النهوض به.
ابن حبيب: سأله صلى الله عليه وسلم حكيم بن حزام أن يعطيه من فتح فيء فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، ثم سأله فقال: "خير لأحدكم أن لا يأخذ من أحد شيئاً.
قال: ولا منك يا رسول الله.
قال: ولا مني"، وكان عمر يعرض عليه العطاء فلا يأخذه.
قُلتُ: فيها كان عمر يدعو حكيم بن حزام ليعطيه عطاءً، فيأبى ذلك حكيم ويقول: تركته على عهد من هو خير منك؛ يريد النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول عمر: أشهدكم عليه.
وروى مسلم عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعطي عمر بن الخطاب العطاء فيقول عمر: أعطه يا رسول الله من هو أفقر إليه مني، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خذه فتمول به أو تصدق به، وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا
سائل؛ فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك".
قال سالم: فمن أجل ذلك كان عمر لا يسأل أحداً شيئاً ولا يرد شيئاً أعطيه.
ابن حبيب: لما ولي أبو بكر قال: من كان له من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعد فليأتني، فقال جابر بن عبد الله: قال لي صلى الله عليه وسلم: "إن جاءني من مال اليمن أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا وحفن بيده"، فلما جاء مال اليمن أعطاه أبو بكر، فحفن له ملء يديه، ثم قال له: عدها، فوجدها خمسمائة فزاده ألفاً، وقدم عليه جملان من مال اليمامة، فما أمسى حتى فرقه جمع المهاجرين والأنصار وأبناء السبيل والمساكين، فيحثي بيديه من المال في ثوب أحدهم حتى فرغ، وكان يساوي بين الناس في القسم.
قال غير ابن حبيب: ولم يكن يكثر في أيامه.
ابن حبيب: لما ولى أبو بكر حضر السوق فقيل له: بالناس إلى نظرك حاجة.
قال: فمن يسعى على عيالي.
قيل: خذ من بيت المال، وفرضوا له درهمين كل يوم، ثم وضع ماله في بيت المال، ومات ولم يستوعبه.
وفي رواية: قالت عائشة: فربح المسلمون على أبي، ولم يربحوا على أحد بعده.
قال: وفضل عمر بين الناس في العطاء.
يحيى بن سعيد: بلغت المغانم يوم جلولاء ثلاثين ألف ألف، بعث سعد بن أبي وقاص خمسها إلى عمر فاستكثره، فصب في المسجد، وغطاه بالمسوح والأنطاع، وبات عليه علي بن أبي طالب، وعثمان، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن أرقم خازن عمر على مال المسلمين، فلما أصبح عمر دعا بالناس، ثم كشف عنه، فإذا فيه حلي وجوهر وتيجان، فلما أصابتها الشمس التهبت، فحمد الله عمر والمسلمون حمداً كثيراً، وفرح المسلمون، واشتد بكاء عمر، فقال عبد الرحمن بن عوف:
يا أمير المؤمنين ليس هذا حين بكاء.
قُلتُ: زاد في الرواية: إنما هو يوم شكر.
ابن حبيب معها: وقال عمر: والله ما فتح هذا على قوم إلا قطعوا أرحامهم، وسفكوا دماءهم، ووقعت العداوة بينهم.
قُلتُ: لعله تفرس نتيجة وهذه، أو أخذه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه أبو عبيدة بجزية مجوس البحرين: "والله ما أخاف عليكم الفقر، ولكني أخاف عليكم الغنى أن تبسط لكم الدنيا كما انبسطت لمن كان قبلكم، فتنافسوا فيها، فتهلككم كما أهلكتهم".
قال ابن حبيب: وكان في المال تاج كسرى وسواراه وفروه، فدعا عمر سراقة بن جعشم، وكان طويلاً طويل الشعر، فألبسه فرو كسرى، ووضع تاجه على رأسه وسواريه في يديه، ثم قال: اللهم لك الحمد أنت سلبت هذا كسرى وألبسته سراقة، اللهم منعت هذا نبيك إكراماً له، وفتحته علي لتسألني عنه، اللهم قني شره، واجعلني أنفقه في حقه، وأمر سراقة، فنبذ ذلك في المال، فما برح حتى لم يبق منه شيء.
قال مالك: كان عمر رضي الله عنه: لا يأتيه مال إلا أظهره، ولا رسول إلا أنزله، وكان يقسم للنساء حتى إن كان ليعطيهن المسك والورس.
قال حذيفة: لم يزل أمركم ينمو صعداً ما كان عليكم خياركم، وكان عمر يستجيد الحلل الرفيعة بخمسمائة إلى ألفين يكسوها الصحابة، ويلبس الخشن المرقع، فخرج الحسن والحسين إلى المسجد وعمر جالس ولم يلبساها، فقال: لم لا تلبسانها؟ فقالا: كبرت علينا يا أمير، فاغتم وأسرع بكتاب إلى عامل اليمن يستحثه في حلتين على قدرهما، فبعث بهما، فكساهما ذلك، وجعل عطاءهما مثر عطاء أبيهما.
ابن حبيب: الحلة رداء ومئزر، ورداء وجبة، لا ثوب واحد.
قال: ولما كثر المال دون للعطاء ديواناً فاضل فيه بين الناس، أمر شباب قريش
بتدوينه، فكتبوا بني هاشم، ثم الصديق وقومه، ثم عمر وقومه، فلما نظره قال: ابدؤوا بقرابته صلى الله عليه وسلم، ثم بالأقرب فالأقرب منه حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله، وابدؤوا من الأنصار بسعد بن معاذ، والأقرب فالأقرب منه، فقال العباس: وصلتك رحم يا أمير المؤمنين، فقال له: يا أبا الفضل: لولا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومكانه الذي وضعه الله به كنا كغيرنا من العرب، إنما تقدمنا بمكاننا منه، فإن لم نعرف لأهل القرابة منه قرابتهم لم تعرف لنا قرابتنا، وقال لأهل مشورته: أشيروا علي، أريد أن أفاضل بين الناس، فقالوا: اذكر ما تريد، فإن كان حسناً تابعناك، وإلا أعلمناك برأينا.
قال: أبدأ بأزواجه صلى الله عليه وسلم، فأفرض لكل واحدة اثني عشر ألف درهم إلا صفية وجويرية أفرض لكل واحدة منهما شطر ذلك، ولكل رجل من آله صلى الله عليه وسلم اثني عشر ألفاً، ولكل رجل من المهاجرين صلبية وحلفاً ومولىً خمسة آلاف، وأنا رجل منهم في الفرض، وأفرض لأهل بدر من قريش وغيرهم صلبية وحلفاً ومولى مثل ذلك.
قُلتُ: كل قرشي بدري مهاجر؛ فيكون له عطاءان، وأفرض للأنصار صلبية وحلفاً ومولى لكل رجل أربعة آلاف، ثم أفرض للناس بقدر منازلهم في الإسلام أجعل أكثرهم حظاً أكثرهم قرآناً وعلماً، وأحسنهم حالاً، فلم ينكروا من رأيه شيئاً، وفرض لصهيب خمسة آلاف، ولسلمان أربعة آلاف، ولابنه عبد الله ثلاث آلاف، ولأسامة بن زيد ثلاثة آلاف وخمسمائة، فقال ابنه: ليس أسامة أقدم مني إسلاماً، ولا شهد ما شهدت، فقال عمر: كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك، وأبوه أحب إليه من أبيك، وفرض لأبناء شهداء بدر وأحد ثلاثة آلاف لكل رجل، ولكل من مهاجرة الفتح ألفين، ثم فرض للقبائل على قدر منازلهم في الإسلام حتى فرض لربيعة العراق ثلاثمائة لعربيهم، ومائتين وخمسين لمولاهم؛ لأن عربهم سبقوا إلى الإسلام.
قال: فقالت ربيعة: جعلتنا أوضع العرب فريضة.
قال: كنتم آخر العرب إسلاماً، وأسلمتم في داركم، ولم تهاجروا، وفرض للمنفوس مائة درهم في السنة، وفرض للعيال لكل ذكر وأنثى جريبتين من بر في كل شهر، وقسطين من زيت، وقسطين من خل، ومائة درهم كل سنة.
ابن حبيب: الجريب: قفيز بالقرطبي.
قُلتُ: فيها: لابن القاسم: قال مالك: مر عمر رضي الله عنه ليلة، فسمع صبياً يبكي، فقال لأهله: ما لكم لا ترضعونه، فقالوا: إن عمر لا يفرض للمنفوس حتى يفطم ففطمناه، فولى عمر قائلاً: كدت والله أن أقتله، ففرض للمنفوس من يومئذ مائة درهم.
ابن القاسم: ويبدأ بالمنفوس الفقير والده.
قال: وذكر مالك أن عمر رضي الله عنه كتب إلى عمرو بن العاص وهو بمصر زمن الرمادة وبلغني أنها كانت ست سنين: واغوثاه ثلاثاً، فكتب له عمرو: لبيك لبيك لبيك، فكان يبعث إليه بالسعير عليها الدقيق في العباء، فكان عمر يدفع البعير بحمله لأهل البيت يقول: كلوا دقيقة، والتحفوا العباء، وانحروا البعير، فائتدموا بشحمه، وكلوا لحمه.
ابن حبيب: لما ولي عمر لم يكفه الدرهمان، فزادوه درهمين، فلما فرض للعيال فرض لعياله، وترك الأربعة دراهم، وكان يكتسي من بيت المال، ويأخذ عطاءه مع أصحابه، ثم ترك ذلك، وجعل طعامه من خالص ماله، فلما احتضر أمر بحصر ما أخذ من بيت المال، فوجد أربعة وثمانين ألفاً، فأمر ابنه عبد الله أن يقضيها من صلب ماله، فإن لم يفِ؛ فليستعن ببني عدي، فباع من ماله بعده بمثل ذلك، وأتى به عثمان فقال: قبلناها منك ووصلناك بها.
قال: لا حاجة لي أن تصلني بأمانة عمر، وولي عثمان.
قال الحسن: فأقام للناس كما فعل عمر، فكان العطاء داراً والعدو منفي، وما على الأرض مؤمن يخاف مؤمناً أن يسل عليه سيفاً.
قال ابن سيرين: كثر المال أيامه حتى بيعت جارية بوزنها، وفرس بمائة ألف درهم.
قال ابن حبيب: وكان على منهاج من قبله في النفقة من ماله قصداً وتنزهاً.
قال: وولي علي رضي الله عنه فسار في قسم المال بالعراق سيرة عمر غير أنه لم يفاضل بين الناس.
قال: وأخبره صاحب بيت ماله بأنه امتلأ من صفراء وبيضاء، ففتحه، ثم قسمه بين الناس وأمر بكنسه، وتنزه أن ينفق من مال الله شيئاً، وقال: قال صلى الله عليه وسلم: "ليس لخليفة
من مال الله إلا قطعتان قطعة يأكل منها وأهله وقطعة للمسلمين"، فترك على القطعة التي له ولأهله، وكان يستنفق من عطائه الذي كان يأخذ مع المسلمين، واشترى قميصاً بثلاثة دراهم وهو خليفة فلبسه وقطع من الكم ما فضل عن أصابعه، وقال الحسن -رضي الله عنه-: ما ترك إلا سبعمائة درهم بقيت من عطائه أراد أن يبتاع بها خادماً.
باب في النفل
النفل: ما يعطي الإمام من خمس الغنيمة مستحقها لمصلحة، وهو جزئي وكلي؛ فالأول ما يثبت بإعطائه بالفعل.
الشيخ عن محمد: لا ينفل الإمام إلا لوجه كالشجاع، أو من اختص لفعل ليزيد إقداماً، ويفعل غيره مثله.
ابن القاسم: له أن ينفل بعض أهل السرية بعد الغنيمة من خمسها لما يراه من شجاعة رجل وشبهه، فأما وحالهم سواء؛ فلا.
اللخمي: هو لاجتهاد الإمام إن رآه، وتساوى فعل أهل السرية أو الجيش أو تقارب نفل جميعهم، وسوى بينهم وإلا فلا، ولا ينفل بعضهم؛ لأنه خروج عن العدل
ومفسدة لقلوبهم، وإن اختلف فعلهم منهم من أبلى أو حفر في موضع، أو جاء برأي كان فيه فتح نفله دون غيره، وإن فعل ذلك عدد نفل جميعهم أو تركهم، فإن اختلف فعلهم؛ جاز أن يفضل بعضهم على بعض، ولا بأس أن يرضخ لغيرهم تطييباً لقلوبهم.
ويستحب كون النفل بما يظهر كالفرس والثوب والعمامة والسيف؛ لأنه أعظم في النفوس من العين ولو كثرت.
وفيها مع الموطأ: يجوز أول المغنم وآخره.
الشيخ: قال سَحنون: ولا ينفل من الأرض شيئاً.
والثاني: ما ثبت بقوله: من قتل قتيلاً؛ فله سلبه؛ لأن المذهب عدم استحقاق سلب القتيل قاتله بقتله؛ بل يقول الإمام ذلك لمصلحة بعد الغنيمة، وفي تخميسه روايتا أبي عمر.
الشيخ عن سَحنون: إن قال الإمام: من قتل قتيلاً؛ فله سلبه لم يكن من أصل الغنيمة؛ بل يكون من الخمس.
عياض: في تخميسه وتخيير الإمام في تخميسه قول مالك، ورواية ابن خويز -منداد، واختارها إسماعيل القاضي.
وفيها: قيل: من قتل قتيلاً أيكون له سلبه؟.
قال: قال مالك: لم يبلغني أنه كان إلا يوم حنين، قاله -صلى الله عليه وسلم- بعدما برد القتال، ولا يجوز إلا من الخمس بعد الغنيمة.
الشيخ: عن كتاب ابن سَحنون: لأمير الجيش والصائفة التنفيل لا لأمير السرية.
اللخمي: لا يعطي الإمام السلب لغير قاتل، فإن كان القتل من عدد نفلهم
أسلابهم إن شاء، وإن اختلف بأسهم؛ جاز تنفيله أشدهم بأساً سلب قتيله، ولا ينفل غيره، ولا يجوز تنفيل أضعفهم بأساً دون غيره.
ويجوز أن يزيد أحدهم على سلب قتيله إن كان أشد بأساً، وقتيله أقل سلباً، والآخر أقل بأساً، وأكثر سلباً.
ويجوز أن يعطي أحدهم جميع سلب قتيله والآخر بعضه، وقد يكون أحد القتلى لا شجاعة عنده وسلبه كثير، فيعطي منه ما يرى أنه سداد لمثله، والآخر له شدة وبأس، ولا يزيد أحدهم ما يحط من سلب الآخر؛ لأنه فساد لقلوبهم.
باب في السلب
والسلب: قال ابن حبيب: كل ثوب عليه، وفرسه الذي هو عليه، أو كان يمسكه لوجه قتال عليه لا ما تجنب، أو كان منفلتاً عنه.
قال هو وسَحنون: ومنه سلاحه.
سَحنون: وفرسه وسرجه ولجامه، وخاتمه ودرعه، وبيضته وسيفه ومنطقته بما لذلك من حلية وساعداه وساقاه وراناه.
اللخمي: والفاتخه والخاتم.
سَحنون: لا ما في منطقته من نفقة، ولا ما في كمه وتكته.
اللخمي عن سَحنون: ولا الطوق والسواران والقرطان والتاج ولو كان عليه.
ابن حبيب: منه سواراه.
اللخمي: فعليه التاج منه وقرطاه.
ابن بشير: يفرق بأن لبس السوارين أكثر من لبس التاج، وعبر عن قول سَحنون بالمشهور، وفي كون الصليب منه نقلا الشيخ عن الوليد وسَحنون.
الباجي: تحقيق مذهب سَحنون أن لباسه المعتاد، وما يستعين به على الحرب من فرس وسلاح منه.
زاد ابن حبيب: ما كان عليه من الحلي والنفقة المعتادة.
سَحنون: لو وضع المبارز بعض سلاحه بالأرض، ثم قاتل المسلم فقتله؛ فليس له إلا ما عليه، ولو جعل فرسه بيده أو ربطه بمنطقته؛ فهو من سلبه.
وفيها: كره مالك قول الإمام: من قاتل بموضع كذا، أو من جاء برأس كافر؛ فله كذا، ولسرية ما غنمتم؛ فلكم نصفه.
محمد عن ابن القاسم: لأنه يفسد النيات.
زاد اللخمي: ويؤدي إلى التحامل على الهلاك.
وقال عمر رضي الله عنه: لا تقدموا جماجم المسلمين للحصون، بقاء مسلم أحب إلي من فتح حصن.
محمد عن ابن القاسم: لا أرى لمن خرج عليه أن يأخذ منه شيئاً.
أَصْبَغ: ما أرى أخذه حراماً.
ابن حبيب: النفل قبل الغنيمة كرهه العلماء، واستخفه بعضهم إن احتاج إليه الإمام؛ كخشية كثرة عدو، وفعله أبو عبيدة يوم اليرموك لما دهمه كثرة العدو حتى قاتل نساء من قريش.
سَحنون: قول الإمام ذلك أول القتال ينهى عنه، فإن نزل مضى.
قُلتُ: ويستحق سلبه بقتله قبل كمال الاستيلاء عليه؛ ولذا قال سَحنون: من أتى بعد ذلك بأسير للإمام فقتله لم يستحق سلبه؛ لأنه لم يقتله، وكذا لو بارزه، فصرعه، فأتى به الإمام فقتله، ولو جر كافراً لعسكر المسلمين أو صفهم، فإن قتله قبل استيلائه عليه؛ فله سلبه وإلا فلا، وكذا لو حمل حربي على صف المسلمين فقتله مسلم.
قُلتُ: ويثبت حكمه لمن صدق عليه لفظ الإمام حتى نفسه.
سَحنون: إن قاله الإمام، ثم قتل قتيلاً؛ فله سلبه ولو في مبارزة، فلو قال: منكم؛ لم يندرج، ولو خص نفسه لم يثبت له، ولو قال بعد ذلك: منكم، ولو عمم بعد ذلك اندرج، فلو قتل قتيلاً قبل تعميمه، وآخر بعده استحق الثاني فقط، ولو قال: إن قتلت
قتيلاً فلي سلبه، ومن قتل منكم قتيلاً؛ فله سلبه، فقتل الأمر قتيلين، وقتل غيره قتيلين؛ فللأمير سلب قتيله الأول لا الثاني، ولغيره سلباً قتيليه؛ لأن الأمير إنما خص نفسه بقتيل واحد.
الشيخ: مقالته هذه في نفسه، وغيره في فور واحد، والأولى فيهما في وقتين، ولو قتل قتيلين متعاقبين من قال له الإمام: إن قتلت قتيلاً فلك سلبه؛ فله سلب الأول فقط، فإن جهل؛ فقيل: له نصفهما، وقيل: أقلهما، ولو قال: من قتل منكم قتيلاً؛ فله سلبه، فلمن قتل منهم قتيلين، أو ثلاثة سلبهم، ولو قال لعشرة هو أحدهم: من قتل قتيلاً؛ فله سلبه، أو زاد: منا؛ فله إن قتل ثلاثة سلبهم كغيره من العشرة.
قُلتُ: إن كان من ضمه إليه ممن لا يتهم في شهادته، له وإقرار له بدين في مرض أو ذوي خصوصيَّة لا يشاركهم فيها غيرهم.
قال: ولو قال: يا فلان إن قتلت قتيلاً؛ فلك سلبه، فقتل اثنين معاً.
فقيل: له نصف سلبهما، وقيل: أكثرهما، وكذا إن أصبت أسيراً، فأصاب اثنين؛ فله نصف كل منهما، إن قلت: أيتخرج من قوله في قتلهما على التعاقب، واختلاطهما أن له أقلهما.
قُلتُ: لا، للفرق باحتمال سقوط الأكثر في الاختلاط، والتعاقب باحتمال تأخره فيسقط، وامتناع سقوطه في المعية لمساواته الأقل في موجب استحقاقه، فوجب تخييره فيهما، فيختار الأكثر كمبتاع ثوبين متقاربين على اختيار أحدهما، والشركة في موجب السلب توجبها فيه.
سَحنون: من أنفذ مقتل علج، وأجهز عليه غيره، فسلبه للأول، ولو جرحه، ولم ينفذ مقتله فبينهما.
قُلتُ: لا يتخرج في الأولى كونه للثاني من رواية قتل من أجهز على من أنفذ غيره مقتله دون من أنفذها لصيرورته بالإنفاذ أسيراً، ولا سلب في قتل أسير؛ بل قد يتخرج عليها حرمانهما معاً.
وقوله: إن لم ينفذ الأول مقتله، فبينهما إن أراد، ولم ينفذ الثاني مقتله فواضح، وإلا فالأظهر للثاني، هو نصه في ترجمة أخرى: إن احتز الثاني رأسه، وجرحه الأول، ولم ينفذ
مقتله فللثاني، ولو تداعى قتله جارحه، ومحتز رأسه، وقد ذهب جسده فبينهما؛ لاحتمال دعواهما، وأهل الشام يرونه للجارح، وإن لم ينفذ مقتله، وغيرهم يراه لمحتز رأسه لتيقن موته به.
قال: ولو عانق مبارزه، فقتله غيره، فإن كان العلج لا يتخلص من معانقه، فسلبه له وإلا فللقاتل.
قُلتُ: الأظهر إن كانت المبارزة بينهما فقط أو بين عدد لعدد والقاتل ليس منه؛ فلا شيء له لتعديه، ولا سيما على قول ابن القاسم أنه يريه حسبما مر، وإلا فالأظهر بينهما.
قال: ولو جر مبارزه بعد صرعه إياه للعسكر فمات، فإن أنفذ مقتله؛ فله سلبه وإلا فلا، ولو قتل اثنان، فأكثر قتيلاً، فسلبه بينهم على السوية، ولو كان إنما قال: من قتل قتيلاً وحده؛ فلا شيء لهم.
ابن سَحنون: لو قال لعشرة: إن قتلتم هؤلاء؛ فلكم أسلابهم، لم يختص منهم القاتل بسلب قتيله؛ بل كل أسلابهم بينهم بالسوية، ولو قتل منهم تسعةٌ تسعة أعلاج وقتل عاشرهم عاشر المسلمين، فالأسلاب للقاتلين فقط، ولوبقي عاشر المسلمين شركهم.
قُلتُ: فيلزم لو مات بعض القاتلين؛ لم يكن لوارثه شيء، وإلا فلا شيء للحي العاشر المعين.
وقُلتُ: وسلب الأجير والتاجر والعبد والمرتد والذمي يلحق بأرض الحرب، والمريض، وأقطع اليد لقاتلهم، وإن لم يقاتلوا، والمرأة والصبي كذلك إن ثبت قتالهما، ولا شيء لقاتل الشيخ الفاني من سلبه إلا عند من يجيز قتله، ولا في الراهب، ولا في المسلم المكره على القتال، إلا أن يكون سلبه لحربي أعاره فهو لقاتله، ولا شيء له من سلب من لم يقاتل من صبي وامرأة وشيخ فان، ولو كان سلبهم عارية لحربي؛ لأنه قصد قتل من لا يحوز قتله.
وسلب القتيل المستحق سلبه إن ثبت أنه غصبه من مسلم، أو استعاره من مباح ماله فلقاتله، وإلا فلربه كمسلم تاجر أو رسول، فإن كان لمن أسلم بدار الحرب؛ فلقاتله عل قول ابن القاسم.
ولو قاتلنا الخوارج مع أهل حرب أعانوهم؛ لم يستحق قاتل خارجي سلبه إلا أن يكون عارية من حربي، ولو كان من سلب الحربيين من خوارج أخذهم الحربيون بعد دخولهم عسكرهم بأمان؛ لم يكن لآخذه؛ لأنه مال مستأمن لا يقسم ويوقف لأهله.
وسلب القتيل ما لم يملك يعده لقاتله.
سَحنون: ومن رمى علجاً في صف الكفار فقتله، ولم يقربه أحد حتى انهزموا؛ فسلبه لقاتله، ولو أخذوه ثم هزموا فأخذ، فإن أخذه وارثه أو وصيه أو ملكهم؛ ففيء لا لقاتله، وإن أخذه غيرهم سارق أو مختلس؛ فلقاتله.
قُلتُ: إن ثبت استحقاقه بمجرد قتله؛ وجب له ولو أخذه وارثه، وإلا فلا ولو أخذه غيره؛ لأنه أخذ مال كافر لا مال مسلم.
قال: ولو جهل آخذه، فما وجد عليه- لقاتله، وما نزع عنه ففيء، ولو وجدت دابته بعد سير العسكر بمرحلتين؛ فلقاتله، وبعد طول ففيء، والقتل الموجب لما رتب عليه إن ثبت بشاهدين فواضح، وإلا فإن كان، قال الإمام: من قتل قتيلاً له عليه بينة؛ لم يثبت دونها.
الباجي: ولا بشاهد ويمين؛ لأن المثبت القتل لا المال، ولا يثبت قتل يمين وإن لم يقل ببينة؛ ففي لزومها نقل الشيخ في باب قول الإمام ذلك قبل القتال
قال سَحنون أيضاً: من جاء بسلب وقال: قتلت صاحبه لم يأخذه إلا ببينة على قتله، وكذا إن جاء برأس، واختلف قوله في الرأس، وقول الباجي: احتجاج بعض أصحابنا بخبر أبي قتادة يدل على ثبوته بخبر الواحد قائلاً: ختلاف قول سَحنون في الرأس هو قوله أولاً له سلبه، والآخر لا يأخذ
إلا ببينة، الفرق بين الرأس والسلب أن الرأس غالباً لا يكون إلا بيد من قتله.
أبوعمر: قول الشيخ: حديث أبي قتادة يدل على أنه حكم فيما مضى لا أمر لازم في المستقبل؛ لأنه أعطاه السلب بشهادة واحد دون يمين؛ يرد بأنه إنما أعطاه؛ لأنه أقر له به من حازه لنفسه في القتال، وكان بيده مالاً من ماله.
ابن زرقون: كيف يكون مالاً له، وهو لم يدعه لنفسه، ولا أتى بشبهة تصدق دعواه.
قُلتُ: ظاهر قول الشيخ في نقل أبي عمر يدل أنه في المستقبل لا يثبت بشاهد واحد.
الشيخ: لو رأى قوم رجلاً يحز رأساً، فقال: أنا قتلته؛ فله سلبه بيمينه في أول قولي سَحنون، ولو رأوه جاء من مكان بعيد لا يقتله من مثله، فاحتز رأسه؛ فلا شيء له من سلبه في قوليه معاً.
ومسمى السلب تقدم، ولفظ غيره في الشرط أو جزائه يعتبر ظاهره في عرف قائله، وفيه فروع.
الشيخ: عن كتاب ابن سَحنون: لو قال الإمام بعد انهزام العدو: من جاء برأس، فله كذا، فأخذوا يقتلون، ويأتون بالرؤوس، فقال الإمام: رؤوس السبي لا رؤوس الرجال؛ لم يقبل قوله حتى يبينه، أو يكون عرف يقتضيه.
قُلتُ: لأنه في الأول حقيقة، وفي الثاني مجاز إطلاق الجزء على الكل.
قال: ولو كان لفظه: من جاء برأس؛ فله نصفه، أو رأس من رأسين، أو كان قوله الأول بعد تفرق جيش العدو، وكف المسلمين عن القتال قبل قوله، ولو عرف بطريقٌ بالنكاية في نصب رأسه، وهن على الكفار، فقال الإمام: من جاء به؛ فله كذا؛ فإن كان بحيث يخاف أن يقاتل عليه؛ كرهناه كراهة شديدة، فمن جاء به؛ فله جعله.
قُلتُ: وتقدم كراهة حمل الرؤوس.
ولفظ الذهب والفضة في قوله: من أصاب ذهباً أو فضة؛ فله كذا؛ يشمل مسماهما مسكوكاً وغيره، وكل محلى به تبعاً لحليته من سيف ومصحف وثوب لا ما هو تبع له، ويشمل خاتم ذلك، ولو عظم فصه؛ لأنه يضاف للذهب أو الفضة مطلقاً، والثوب المنسوج بالذهب إن قل ألغي ذهبه، وإلا اعتبر ونزع منه، والضبة منه أو من فضة بقصعة أو مائدة إن كانت زينة اعتبرت، فنزعت وإلا ألغيت، وأنف الكافر من ذهب معتبر لا ما ربط به أسنانه.
ويشمل مسمى الحلي مرصعة، وتاج المرأة وغيرها، والخاتم والسلك المنظوم والقرط المنظوم، وان لم يكن فيه ذهب.
ويشمل السيف جفنه وحليته التافهة لا الكثيرة إلا أن يعلم الإمام أن سيوف ذلك
العدو كذلك، ولا يشمل الحديد المصنوع غيره ولا غيره المصنوع.
قُلتُ: إن كان ببلد معدنه مثله وإلا شملهما لا نصب السيوف والسكاكين.
ومبهمه الأظهر إلا أن يكون تبعاً.
قال: ويشمل ركوب السرج لا مساميرها ولا مسامير السفن.
ويشمل البز ثياب الكتان والقطن، والثوب ثوب الديباج، والكساء الذي يلبس لا ما للنوم، ولا عمامة ولا قلنسوة، ولا الفرش ولا البسط، ويدخل هذا في المتاع لا الآنية، ويدخل في ثوب البز بطانة جبة منه، ووجهها من غيره، فيستحق مبلغ قيمة بطانتها منها.
ويشمل لفظ جبة حرير كل الجبة وجهها حرير فقط لا التي بطانتها حرير، ولا يشمل الصوف، ولا الشعر جلودهما ولا ثيابهما ولا غزلهما.
ويشمل الفرو الفرو بما ظهر به من حرير أو خز.
وما أراد الإمام قتله من رجال لا يتعلق به النفل، وإن استحياهم؛ تعلق بهم.
ولو قال: من جاء بشيء، فله منه طائفة، أو بعضه أو جزء، أونصيب؛ أعطي منه بقدر اجتهاده، وكذا فله شرك، ولا بأس ببلوغ النصف على غير قول ابن القاسم.
قُلتُ: مقتضى قول غيره لزومه لا استحبابه فضلاً عن جوازه.
وفي أخذه من ثاني سلمها نظرٌ يأتي إن شاء الله.
قال: وفيه فيمن جاء بشيء مثل سهم أحد القوم، وهم رجال فقط، أو فرسان فقط: مثل ما يجب لأحدهم، وإلا ففي استحقاقه سهماً من قسمه على عددهم بالسوية، أو نصف سهم راجل، ونصف سهم فارس قولان من قولي ابن القاسم وغيره في الوصيَّة بمثل نصيب أحد ورثته وفيهم رجال ونساء، ومن لم يبلغ ما جاء به ما جعل له؛ لم يزد عليه إلا لوجه يقصد.
قال فيه: لو قال: من جاء بمائة؛ فله مائتان، أومن جاء بعرض؛ فهو له وكذا، أو من جاء بوصيفة؛ فهي له وكذا، بطل الزائد، وقول هذا خطأ.
ولو قال: من جاء بأسير؛ فهو له، وكذا فخطأ، وإن نزل كان له الزائد؛ لأن فيه تحريضاً.
وفعل من فعل غير ما شرط فعله غير مستلزم له لغو فيه، لو قال: من قتل بطريقاً؛ فله سلبه فقتل غيره، أو من قتل صعلوكاً؛ فله سلبه، فقتل بطريقاً؛ فلا شيء له.
قُلتُ: لأن .. شوكة البطريق أشد، وسلبه أكثر، فلو اتفق كون سلبه كصعلوك؛ كان له،
وفيه: لو قال: من قتل شيخاً، فقتل شاباً؛ فله إلا أن يخص الشيخ لكيده، وفي العكس لا شيء له.
ولو قال: من جاء بأسير؛ فلا شيء لمن جاء بوصيف أو وصيفة، وفي العكس له إلا أن يريد تكثير السبي.
ولو قال: برضيع؛ فلا شيء لمن جاء بوصيف، وفي العكس له.
ولو قال: بوصيف، فجاء بوصيفة؛ فله إن بلغت قيمته وإلا فلا.
وفي من جاء بعشرة من الغنم، فله شاة، فجاء بعشرة من البقر؛ فله جعله.
وفي من جاء بثياب كذا إن جاء بثياب غيرها تبلغ قيمتها؛ فله وإلا فلا.
وفي من جاء بفرس أو برذون، فجاء ببغل أو حمار؛ لا شيء له.
وفي من جاء ببرذون، فجاء بفرس له لا العكس.
وفي من جاء بفرس، فله مائة درهم، فجاء بفرس لم يغنم غيره؛ له ذلك من خمسه إن بلغه.
ابن سَحنون عنه: والنفل قبل الغنيمة لا يبطل بموت الإمام أو عزله، وثبت عليه بعد قوله: (يبطل) ما لم يقبض.
ولو نفل سرية الربع بعد الخمس؛ لم يبطل بقدوم والٍ غيره حتى يلحقوا بالعسكر، فيبطل إلا أن يحدثه الثاني، ولومات أميرهم، واستخلف غيره؛ فالحكم باق إلا أن يبطله المستخلف.
ولو قال باعث الأول: إن مات فلان ففلان بعده؛ بطل تنفيل الأول بموته، ولو أشهد منفل السرية بعد أن فصلت أنه أبطل ذلك نظراً؛ بطل إلا أن يكون بعد أن غنمت.
ابن سَحنون عنه: لا يدخل في قول الإمام: من قتل قتيلاً؛ فله سلبه بعد القتال أو
قبله ذمي ولا امرأة إلا أن ينفذه لهما الإمام لقولة أهل الشام، وعلى قول أشهب يرضخ للذمي من الخمس يدخل؛ لأن السلب نفل.
ولو قال: من قتل كافراً من المسلمين؛ لم يدخل اتفاقاً، وشرط استحقاق التنفيل لأمر يفعل سماع بعض من يصدق عليه قول الإمام لنقل ابن سَحنون عنه: من لم يسمع قول الإمام: (من قتل قتيلاً؛ فله سلبه) كمن سمعه، ولو لم يسمعه أحد؛ فلغو.
ولو جعل لسرية نفلاً ذكره؛ فهو كذلك، وإن لم يعلمه جميعهم، ولو لم يسمعه أحدهم منهم؛ بطل، ولو دخل عسكر ثان لم يسمعوا ما جعل للأول؛ فلهم مثله إن كان أمر العسكرين واحداً.
ولو بعث الإمام سريتين على جزأين مختلفين بقدر صعوبة المواضع، وعين لكل سريه قوماً؛ فلا شيء لمن انتقل لغير موضعه، ولو قال: يخرج في كل سرية من شاء، فلمن دخل في غير سريته النفل مثل أصحابه، ولو ضل من السرية رجل، فترك الأمير من ينتظره، ثم رجع إليه غانماً؛ فلا نفل للضال فيما غنم دونه بخلاف القسم له من الغنيمة، ولمنتظر الضال من النفل ما لأصحابه، ولو غنم الضال اختص بنفله فيه، وضمت غنيمته لغنيمة الجيش، ولا يترك الأمر للضال منتظراً إلا بمحل آمن.
ابن سَحنون: لو ضل رجل من سرية؛ نفلت الربع بعد الخمس لأخرى نفلت الثلث بعده، ورجل من هذه الأولى، فقياس قول سَحنون يصير نفل الضال، وسهمه مع التي ضل إليها وعلى نفلهم.
وقال غيره من أصحابنا: بل يضم الضال نفله من التي ضل إليها إلى التي ضل عنها، فيأخذ نفله معهم كما يأخذون.
سَحنون: لو افترقت سرية من عسكر نفلت قدر فرقتين، فرجعت كل واحدة بغنيمة أو إحداهما؛ فلكل واحدة نفلها وغنيمتها دون الأخرى إن استقلت كل واحدة عن الأخرى، وإن افتقرت كل واحدة للأخرى، فكسرية واحدة.
قُلتُ: قوله: لكل واحدة قيمتها دون الأخرى إن أراد حيث يعرض استقلال كل سرية أو إحداهما بغنيمتها عن الجيش حسبما يأتي إن شاء الله فواضح وإلا فمشكل؛ لأن ضم غنيمتيهما للجيش يوجب مساواتها له، ومساوي المساوي لشيء مساوٍ له.
ابن سَحنون عنه: قول الأمير للسرية: ما غنمتم لكم دون تخميس مردود؛ لأن القول به شاذ.
ابنه: إن مضى به من صدر الأئمة مثل ما مضى في نفل جزء من الخمس مضى.
قالا: وأصحابنا يكرهون أن يبعث سرية، ثم ينفلها جميع الخمس؛ لأنه لم يعمل به سلف، وأما بعضه فجائز، والنفل الراجل فيه والفارس سواء.
محمد: لأنه إعطاء لما ينالهم والراجل أشد عذراً وتعباً، ولو بين في النفل قسمه بينهما كالغنيمة؛ لزم.
والغنيمة أرضاً في عدم قسمها طريقان:
الباجي: توقف لنوائب المسلمين، قاله مالك، وابن القاسم، وأشهب، وابن حبيب، وعزاه الشيخ لرواية محمد، وسماع ابن القاسم.
اللخمي: ما عجز المسلمون عن سكناه مطلقاً هدم وحرق، وما عجز عنه إلا بتمليك ساكنه أقطع لذوي النجدة؛ ليكونوا في نحر العدو مخرجاً من رأس الغنيمة، وما كان قريباً مرغوباً فيه في وقفه للنوائب، وقسمه كالأموال، ثالثها: يخير الإمام فيهما بالأصلح، لها ولبعض الناس، وللمبسوط مع بعض رواياتها، وهي أحسن، وعزا ابن بشر الثلاثة للمذهب معبراً عن الأول بالمشهور.
وفيها: قال: لا علم لي بجزية الأرض كيف كان يصنع فيها؟ إلا أن عمر لم يقسم الأرض بين فاتحيها، وأرى لو نزل هذا بأحد أن يسأل أهل تلك البلدة، وأهل العلم والأمانة كيف كان الأمر فيه؟ فإن وجد علماً يشفيه، وإلا اجتهد في ذلك هو، ومن حضره من المسلمين.
ابن رُشْد: أي لم يثبت عنده قدر ما وضع عمر على الأرض من الخراج؛ لأنه إنما توقف في قدر ذلك، وقيل: إنما توقف هل عليها خراج أو لا خراج عليهم؟ وتترك لهم إعانة على الجزية.
وقيل: إذا توقف في خراجها هل يصرف مصرف الفيء أو الصدقة؟ قاله الداودي.
وحكي عن ابن القاسم: أن الذي ينحو إليه مالك أن مصرفه مصرف الفيء.
قُلتُ: وعزا ابن محرز الثاني لابن شبلون قال: وقال: إنما شك هل يوظف عليها شيء لا يزاد عليه ولا ينقص أو هو بحسب الاجتهاد؟.
وقال غيرهما: يحتمل الأمرين.
وثالثاً: وهو هل يقسم خراجها على فاتحيها فقط أو عليهم وعلى غيرهم؟ وهو دليل قول سَحنون عقب مسألة الفيء والخراج قد أعلمتك ما قال في العنوة.
الباجي: قول مالك: إن مكة عنوة لا صلح لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنما أحلت لي ساعة من نهار".
وقوله يوم الفتح: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن"؛ وفائدة الخلاف هل يجوز للإمام المن بكل الغنيمة مالاً ورجالاً وأرضاً اقتداءً بفعله صلى الله عليه وسلم في مكة؟.
وقال أبو عبيدة: ذلك خاص بمكة؛ لأنها إنما أحلت ساعة من نهار وبعدها رجعت لحرمتها، فحرمت غنيمتها فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أبو عمر: قول أبي عبيدة ضعيف، ثم قال: ما حاصله أنه صلى الله عليه وسلم دخلها مؤمناً من لم يقاتل، آمراً بقتال من يقاتل، فمن اعتبر أمره صلى الله عليه وسلم بالقتال جعلها عنوة، ومن اعتبر كون الواقع في فتحها عدم القتال لسابق التأمين بالشرط المذكور جعلها صلحاً.
وكره مالك كراء بيوت مكة، وقال: كان عمر ينزع أبواب أهل مكة، ثم قال أبو عمر: تبايع أهل مكة لدورهم قديماً وحديثاً أظهر من أن يحتاج فيه لذكر.
قُلتُ: فيها: لمالك: لا يفض كراء الأرض سنين على كل سنة بالسوية؛ بل بقدر نفاقها كل سنة.
قال ابن القاسم: لأن المتكاريين عرفاً ذلك، والناس مثل دور مكة في نفاقها أيام الموسم.
اللخمي: لم يختلف قول مالك وأصحابه أن فتح مكة عنوة وأنها لم تقسم، واختلف هل من بها على أهلها أو أقرت للمسلمين؟.
واختلف في كراء دورها وبيعها؛ فمنعها مالك مرة، وذكر أبو جعفر عنه أنه كرههما، فإن وقعا؛ لم يفسخا، وظاهر قول ابن القاسم فيها الجواز وذكر لفظه فيها.
وفي كون خيبر عنوة أو إلا حصني الوطيح والسلالم نقلاً ابن رُشْد عن ابن عبد البر مع ابن إسحاق، ومالك مع ابن شهاب.
السهيلي عن أبي عبيدة: قسم صلى الله عليه وسلم خيبر أثلاثاً إلا السلالم والوطيح والكتيبة تركها لنوائب المسلمين.
وسمع ابن القاسم: فتحت مصر عنوة.
ابن رُشْد: قال الليث: نحن أعلم بأرضنا إنما كانت صلحاً.
قُلتُ: في التجارة لأرض الحرب منها: لا يجوز شراء أرض مصر، ولا تقطع لأحد.
وإفريقيَّة: قال المازري: شك سَحنون فيها فكان يرى نفسه فيما بيده من سوادها عامل مساقاة.
قُلتُ: في الجعل والإجارة منها لابن القاسم: ما سكنه المسلمون عند افتتاحهم، واختطوه كالفسطاط والبصرة وإفريقيَّة والكوفة، وشبه ذلك من مدن الشام ليس لأهل الذمة إحداث كنيسة فيها إلا أن يكون لهم شيء أعطوه؛ لأن تلك المدائن صارت لأهل الإسلام مالاً يبيعون ويرثون.
قُلتُ: فصوب بعض شيوخنا أخذ بعض أصحاب بعض شُيُوخه منه كون إفريقيَّة عنوة، وهو ظاهر تاريخ الرقيق وابن سعيد وغيرهما.
قُلتُ: ولا يناقض قول تجارتها: لا تباع أرض مصر قول إجارتها: يبيعون ويرثون؛ لأن هذا فيما اختط للسكنى، والاختطاط لها يوجب الملك.
وقوله: في أرض مصر في بياضها وسوادها.
الباجي: أكثر أرض الأندلس عنوة، ومنها صلح كتدمير وغيرها، وقاله ابن حبيب.
ومستحق القسم من الغنيمة
ذو الإسلام والحرية، والذكورية والبلوغ، والعقل والصحة، وحضور الموقعة والخروج للقتال غير زمن اتفاقاً.
وفي العبد والذمي طرق:
اللخمي: في الإسهام لأهل الذمة يكونون في جملة الجيش، ثالثها: إن كان الجيش بحيث لو انفرد عنهم لم يقدر على الغنيمة؛ لقول ابن حبيب: إن نفر الذميون مع صوائفنا ترك لهم ما صار لهم دون تخميس.
وسماع ابن القاسم قائلاً: لا يستعان بالعبيد والذميين مع قول أشهب: ما غنمه عبيد وذميون خرجوا من عسكر لأهله دونهم.
وسَحنون: قلت: ظاهر أول لفظ اللخمي عدم اشتراط قتالهم في الإسهام، ومقتضى قولي قائله اشتراطه، وبه فسر ابن بشير القولين، وحكى المازري الثلاثة، وعزا الثاني للمعروف من المذهب.
وقال عقب ذكره الأول: أشار بعض الأشياخ إلى أن محمل ذلك على أن الإمام أذن لهم في القتال.
قال: وأشار بعض الأشياخ إلى تخريج هذا الخلاف في العبيد.
قُلتُ: حكى ابن العربي الأقوال الثلاثة في العبيد نصاً.
ابن حارث: لا يسهم لأهل الذمة اتفاقاً، وفي وجوب إعطائهم من الخمس شيئاً إن لم يرض الغانمون برضخ لهم من الأربعة الأخماس قولا أشهب وابن القاسم.
قُلتُ: الذي للشيخ عن كتاب ابن سَحنون: للإمام أن يرضخ لهم من الخمس لا وجوبه، وتذكر ما مر في فصل الاستعانة بالكافرين.
ابن رُشْد: لا يسهم للعبيد اتفاقاً.
وفي الإسهام للصبي المطيق للقتال طرق:
ابن رُشْد: لا يسهم له اتفاقاً.
ابن حارث: إن لم يقاتل؛ لم يسهم له اتفاقاً، وإلا فقولان لها، ولسماع ابن القاسم.
قُلتُ: لم أجده فيه.
اللخمي: في ترك الإسهام له، ولو قاتل وثبوته إن راهق، وبلغ مبلغ القتال، ثالثها:
إن قاتل، ورابعها: إن أنبت وبلغ خمس عشرة سنة أسهم له ولو لم يقاتل لها، ولرواية محمد، وله، ولابن حبيب، وأرى أن يسهم له إن قوي على القتال، وحضر الصف، وأخذ أهبة الحرب وإن لم يقاتل.
قُلتُ: عزا الشيخ الأول أيضاً لآخر قولي سَحنون، والثاني لأولهما، والرابع لابن وَهْب.
وفي ... طرق:
ابن رُشْد: لا يسهم لها اتفاقاً.
الباجي: هذا قول جمهور أصحابنا.
وقال ابن حبيب: إن قاتلت قتال الرجال؛ أسهم لها.
قُلتُ: ونقله عنه الشيخ واللخمي وصوبه، واختار أن يسهم لها إن كانت ذات شدة ونصبت للحرب ولو لم تقاتل.
وعزو المازري الثاني للتخريج على قول ابن حبيب: تقتل المرأة الكافرة إن قاتلت؛ يقتضي أنه غير منصوص له، وليس كذلك لما مر.
التونسي: لا خلاف في تخميس ركازٍ وجده صبي أو امرأة.
وفي تخميس ما غنمه نساء بقتالهن وحدهن أو صبيان بقتالهم وحدهم نظر.
المازري: أشار غيره إلى إجرائه على العبيد فيما انفردوا به.
وسمع يحيى ابن القاسم: ما أصابه العبد المتلصص مع حرِّ خمس، ثم قسم بينهما.
قُلتُ: لم قسم بينهما، والعبد لا يقسم له من الغنيمة؟.
قال: لأن الغزو والتلصص واحد.
وقال أَصْبَغ وسَحنون: لا يخمس، ما أصابه العبد المتلصص كالذمي.
ابن رُشْد: لم يكن للعبيد والنصارى في المغنم حق مع الأحرار المسلمين في عسكرهم؛ لأنهم في حيز التبع، فإن لم يكونوا تبعاً؛ فلهم حقهم كالعبد والنصراني مع أربعة أحرار مسلمين.
الشيخ عن كتاب ابن سَحنون: من جن بعد الغنيمة؛ أسهم له فيما تقدم لا المستقبل، ولا يسهم لمطبق، ويسهم للمصاب الأهوج، ومثله يقاتل.
الباجي: المطبق الذي لا يتأتى منه قتال؛ لا يسهم له، ومن معه ما يمكن به القتال؛ أسهم له.
وفي المرض طرق:
الباجي: إن منع القدرة على القتال حالاً ومالاً؛ منع الإسهام وإلا فلا.
اللخمي: اختلف فيمن خرج مريضاً، وأرى ألا شيء له إلا أن يقتدى برأيه: (رب رأي أنفع من قتال)، ومن مرض بعد القتال؛ أسهم له، ويختلف إن مرض بعد الإدراب قبل القتال، فرده الإمام.
قُلتُ: نقل الشيخ وظاهره عن محمد: من مرض بعد الإدراب وقبل القتال، فرده الإمام لبلد الإسلام؛ أسهم له على قول ابن القاسم.
الصقلي: روى ابن سَحنون: يسهم للمريض، ما كل من حضر يقاتل، وقاله سَحنون.
وروى القرينان: لا يسهم له.
وفي كتاب محمد: من دخل دار الحرب، فلم يبلغ العسكر حتى مرض، فخلفوه بالطريق لعله يعيش فيلحقهم، فغنموا ورجعوا؛ فله سهمه، وكذا إن كان يلحقه ببلد الإسلام قبل أن يدرب القتال في بلد الحرب؛ أسهم له.
ابن بشير: إن مرض بعد شهود القتال والإشراف على الغنيمة؛ أسهم له، وإلا فثالثها: إن مرض بعد ابتداء القتال، ورابعها: بعد الدخول في حد أرض الحرب.
قُلتُ: فيها: لمالك: من خرج غازياً، فلم يزل مريضاً حتى غنموا؛ أسهم له.
وفي الموازيَّة: يقسم للزمنى.
اللخمي: ويختلف في الأعمى.
قال سَحنون: يسهم له؛ لأنه يبري النبل، ويكثر الجيش ويدبر، والصواب ألا يسهم له، وإن كان يبري السهم؛ فهو من الخدمة.
سَحنون: يسهم لأقطع اليدين والأعرج والمقعد.
والصواب ألا يسهم لأقطع اليدين، ويسهم لأقطع اليسرى، وللأعرج إن حضر القتال ما لم يجبن عن حضوره لعرجه إلا أن يقاتل فارساً، ويسهم للمقعد إن كان فارساً يقدر على الكر والفر وإلا فلا.
قُلتُ: ظاهره: أن شرط كونه فارساً من عنده، وهو نص نقل الشيخ عن سَحنون قال: يسهم له، وهو يقاتل فارساً.
وزاد عنه: يسهم للمجذوم لا المفلوج يابس الشق.
وعلى المعروف في منع الإسهام قال اللخمي: فيها: لا يرضخ للنساء والصبيان والعبيد، وقال ابن حبيب: يرضخ لهم، وهو أحسن، لحديث ابن عباس: (لم يكن صلى الله عليه وسلم يسهم للعبد والمرأة إلا أن يحذيا من المغانم)، وكذلك كل من للجيش فيه منفعة.
ونص المازري على أن الإرضاخ إنا هو من الخمس.
وفي النوادر عن ابن حبيب: كان صلى الله عليه وسلم يحذي النساء والصبيان والعبيد من الغنيمة.
وروى ابن وَهْب وابن القاسم: ما علمته.
وفي كتاب ابن سَحنون: عن مالك: لا يسهم للمرأة والعبد وإن قاتلا، وإن قاتلا وأحذيا، ولو حذاهم من الخمس؛ فلا بأس به، وله عن أشهب: يرضخ لأهل الذمة إن قاتلوا من الخمس، وكذا العبيد.
ابن سَحنون: لو لم يأذن للعبد سيده في القتال؛ لم يرضخ له في قول أشهب، وينبغي في قياس قوله: أن يرضخ له، كما لو آجر نفسه بغير إذن سيده؛ لكان له أجره.
قُلتُ: إن أراد بقوله: لم يرضخ له في قول أشهب؛ أي: في نص قوله فواضح، وإن أراد في القياس عليه ناقضه قوله ثانياً: (وينبغي في قياس قوله).
إلا أن يريد بالقياس الأول على قوله في الجهاد، وبالقياس الثاني على قوله في الإجارة، ويرد القياس الثاني بأن الإرضاخ لمصلحة عود المرضخ له لمثل ما صدر منه من القتال، وهي منتفية إن كان
قتاله بغير إذن سيده؛ لأنه منه عداء، وهي حاصلة إن كان بإذنه، والأجرة في الإجارة عوض عمله وقد حصل.
وفي الإسهام لمن ضل عن الجيش فيما غنمه الجيش بعده قولها مع الصقلي عن ابن نافع، وله مع اللخمي عن روايته، وتخصيص اللخمي قولها بالضال بأرض العدو يتعقب بأن نصها: (قلت: إن غزا المسلمون أرض العدو فضل منهم رجل؛ ورجع إليهم بعد أن غنموا.
قال: أخبرتك بقول مالك في الذين ردتهم الريح، وهم ببلاد المسلمين أن لهم سهمهم في الغنيمة".
قُلتُ: وكذا نقل الشيخ عن محمد عن أَصْبَغ عن ابن القاسم: سواء ضل بأرض العدو أو أرض الإسلام.
ابن بشير: في القسم له، ثالثها: إن ضل بأرض الحرب.
الشيخ عن أشهب: من ضل من سرية لأخرى من غير عسكرها قبل القتال، ثم قاتل معها؛ فله سهمه معهم يرده لغنيمة سريته التي ضل منها، وذكر ابن سَحنون عن أشهب: لا شيء للضال مما غنمه جيشه الذي ضل عنه بعده، ويختص حكمه بالتي ضل إليها.
وقال التونسي: أما حظه فيما غنمه جيشه الذي ضل منه بعده فصواب؛ لأنه غلب على الكون معهم، وفي رد ما أخذ بعد مع السرية الثانية نظرٌ؛ لأنه لم يتقو بهم فيما غنمه مع السرية الثانية.
قُلتُ: ما صوبه ملزوم لرده ما أخذ مع الأخرى، وإلا كان محكوماً له بأنه منها، ليس منها هذا خلف، ولو ردت الربح بعض السفن لأرض الإسلام، ففي الإسهام لأهلها مما غنمه النافدون قولان لها مع الشيخ عن كتاب ابن سَحنون عن مالك قائلاً: ولو كان المردود سلطانهم، وعن أول قولي سَحنون.
محمد: ولو تكسرت بعض السفن، فأقام أهلها لإصلاحها بأرض الإسلام، فخافوا بعد إصلاحهم أن يلحقوا بأصحابهم؛ فلا شيء لهم فيما غنموه، فإن أسهموهم فلا رجوع عليهم لفوته بإنفاقهم، ولو كان ذلك بعد دخول أرض العدو شركوهم
فيما غنموا.
وفي القسم للتاجر بشهوده القتال، أو إن قاتل نقل اللخمي عن محمد والمدَوَّنة قال: وقال ابن القُصَّار: إن خرج للجهاد والتجر قسم له، ولو لم يحضر القتال وإلا فلا إلا أن يشهد القتال.
وفي الأجير طرق.
اللخمي: إن كان في رحله؛ لم يقسم له وإلا ففيها يقسم له إن حضر القتال.
وروى أشهب: لا قسم له ولو قاتل.
ابن القُصَّار: إن خرج للجهاد والإجارة دون خدمة كالخياط قسم له، ولو لم يحضر القتال وإلا فلا.
وقال سَحنون: لا يقسم لأجير الخدمة إلا أن يقاتل، فيسقط من أجره قدر ترك عمله.
المازري: في القسم للأجير ثلاثة.
قيل: لايقسم له.
محمد: يقسم له إن شهد القتال.
وفيها: إن قاتل.
الصقلي عن كتاب ابن مزين: إن قاتل أسهم له، وفيما غنم قبل قتاله، ولو كان القتال مراراً شهد منها مرة فقط قسم له في جميع تلك الغنيمة.
ابن نافع: لا يقسم له إلا أن يحضر أكثر ذلك.
يحيى: هذه أحسن، وإن قاتل مرة قسم له من غنيمتها فقط.
وسمع القرينان: لا يقسم لأعوان استؤجروا لعمل البحر من قذف، وغيره من أعمال السفن أو لعمل البر من تسوية الطرق، وقطع الشجر، وإصلاح ما فيه ضرر على المسلمين ولو قاتلوا قتالاً عظيماً.
ابن رُشْد: هذا خلاف ما في المدَوَّنة والواضحة.
وقال بعض أهل النظر: ليس خلافهما، ومعنى السماع في الإجارة العامة، وما في المدَوَّنة، وغيرها في الخاصة، وليس بصحيح؛ لأن العامة أقرب إلى القسم من الخاصة.