كتاب الجعل
الجعل: عقد معاوضة على عمل آدمي بعوض غير ناشاء عن محله به لا يجب إلا بتمامه به، فيخرج كراء السفن والمساقاة والقراض، وقولنا به خوف نقض عكسه
الجزء: 8 - الصفحة: 345
بقوله إن أتيتني بعبدي الآبق فلك عمله كذا أو خذ منه شهرًا؛ لأنه جعل فاسد لجهل عوضه والمعروف حقيقته المعروضة للصحة والفساد وأوجز منه معاوضة على عمل آدمي يجب عوضه بتمامه لا بعضه ببعضه فتخرج المساقاة والإجارة لاستحقاق بعضه ببعض فيهما، والقراض لعدم وجوب عوضه لجواز تجره، ولا ربح.
وقول ابن رشد: هو جعل الرجل جعلا على عمل رجل إن لم يكمله لم يكن له شيء، وينتقض بالقراض.
روى البخاري عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه قال: انطلق نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم فلدغ سيد ذلك الحي فسعوا بكل شيء لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعل أن يكون عند بعضهم شيء فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه شيء فهل عند أحد منكم من شيء.
فقال بعضهم: والله إني لراقي، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلا فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه، ويقرأ الحمد لله رب العالمين فكأنما نشط من عقال فانطلق يمشي، وما به قلبة.
قال: فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقسموا، فقال الذي رقى لا تفعلوا حتى نأتي النبي صلى الله عليه وسلم فنذكر الذي كان فننظر ما يأمر، فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له ذلك، فقال: وما يدريك أنها رقية، ثم قال: لقد أصبتم اقسموا لي واضربوا لي
الجزء: 8 - الصفحة: 347
معكم سهما فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قُلتُ: تمسك به غير واحد من أشياخ المذهب في جواز الجعل، وفيه نظر لجواز كون إقراره صلى الله عليه وسلم إياهم على ذلك لاستحقاقهم إياه بالضيافة فأجاز لهم استخلاص ذلك بالرقية، وهو رخصة اتفاقًا.
باب في شرط الجاعل
وشرطه أهلية المعاوضة فيهما.
ابن شاس وابن الحاجب: شرطهما أهلية الاستئجار والعمل.
ابن عبد السلام معنى قوله: والعمل أن عمل الجعالة قد يمتنع من بعض الناس كما لو جوعل ذمي على طلب مصحف ضاع لربه، وكذا الحائض مدة الحيض.
قُلتُ: هذا الامتناع إنما هو شرعي، ولا يتم بعض الجعالة على الجائز منها،
الجزء: 8 - الصفحة: 348
والأظهر اعتبارها من حيث ذاتها، ويفسر الامتناع بالامتناع العادي كمجاعلة من لا يحسن العوم على رفع متاع من قعر بئر كثيرة الماء طويلة.
ابن شاس: ولا يشترط في المجعول له التعيين لمصلحة العقد لو قال: من رد عبدي الآبق فله كذا فمن أحضره بعد قوله: ذلك فله الجعل علم ما جعل فيه أو لم يعلم، وعبر عنه ابن الحاجب بقوله: ولا يشترط في المجعول له التعيين، ولا العلم بالجعالة لو قال: من رد عبدي الآبق فله دينار فمن أحضره استحقه علم بالجعل أو لم يعلم، وقبله ابن عبد السلام وابن هارون وفيه تعقب؛ لأنه يقتضي أن هذا هو كل المذهب أو مشهوره، وليس كذلك لما تعقب عليه.
سمع عيسى ابن القاسم: من جعل في عبد له عشرة دنانير لمن جاء به فجاء به من لم يسمع بالجعل، فإن كان يأتي بالإباق فله جعل مثله، وإلا فليس له إلا نفقته، وإن جاء به من سمعه فله العشرة، ولو كان ممن لا يأخذ الإباق.
ابن رشد: حكى ابن حبيب: أن له الجعل المسمى، وإن لم يعلم به إن أخذه بعد أن جعل فيه، وإن لم يتكلف طلبه عن ابن الكاجشون وأصبغ وغيرهما من أصحاب مالك وأنه قول مالك، وقول ابن القاسم: أظهر؛ لأن الجاعل إنما أراد بقوله تحريض من سمع قوله على طلبه فوجب أن لا يجب ما سمى من الجعل إلا لمن سمعه، فطلبه بعد ذلك فلا حق في الجعل لمن وجد العبد قبل أن يجعل فيه اتفاقًا إذ قد وجب عليه رده لربه قبل أن يجعل فيه الجعل، واختلف إن وجده بعد أن جعل فيه الجعل، فقال ابن القاسم: لا شيء له إلا إن سمع الجعل، ويطلب العبد، وقال ابن الماجشون: ومن ذكر معه له الجعل، ولو لم يسمعه ولا طلب العبد.
قُلتُ: فجعل ابن شاس وابن الحاجب قول ابن الماجشون هو المذهب وليس كذلك.
وسمع ابن القاسم: من جاء بعبد آبق جعل له فيه جعل، وقد أنفق عليه نفقة فنفقته عليه والجعل له فقط، وإن أرسله بعد أخذه عمدًا ضمنه.
ابن رشد: هذا أبين؛ لأن الجعل إنما جعل له على أن يوصله لربه، فإن وجده في
الجزء: 8 - الصفحة: 349
مكان بعيد من سيده تستغرق نفقته إلى وصول لربه الجعل رفعه لقاضي موضعه ينظر فيه لربه بما يراه من سجنه أو بيعه، فإن أرسله آخذه ضمنه.
وتعقب ابن عبد السلام: كون النفقة على المجعول له بأن النفقة حينئذ جزء من العوض، وذلك بيع مقترن بالجعل إلا أن يقال إنه من ضروريات هذا العقد، ولا انفكاك عنه إلا بجعله سلفًا من المجعول له يؤديه على الجاعل صار سلفًا وجعلًا، وهو أشد فسادًا من بيع وجعل.
قُلتُ: يجاب بأن كل العوض من العامل إنما هو نفس الإتيان بالآبق لا مؤنته، ومؤنته أمر يتوقف الإتيان به عليه لا مدخل له في العوضية كأصل المذهب في استئجار العبد على أن يأتيه بالغلة العوض فيها من العدد منافعه لا عوضها.
وكذا قال ابن رشد: إن ساوت مؤنته الجعل رفعه للإمام، ويحكم له بالجعل، وهذا إنما هو مؤنة توصيله لا في نفقة قوته وكسوته التي يقضى بهما على ربه لو كان حاضرًا هذا على ربه مطلقًا فاعلمه.
ولعل الشيخ توهم أن المراد بالنفقة هذا، وليس كذلك فتأمله، فإن لفظ النفقة في هذه المسألة وقعت في كلامهم مشتركة بين نفقة الإيصال ونفقة القوت، وقد علمت أن نفقة القوت واجبة على السيد، وأن من قام عن غيره بنفقة من تجب عليه نفقته تبعه بها.
وفي اللقطة منها: قيل: هل لمن وجد بقاٍ خارج المصر أو في المصر جعل إن طلبه؟
قال: قال مالك: فيه ولم يذكر خارج المصر، ولا داخله إن كان شأنه يطلب الضوال لذلك، ويردها فله الجعل بقدر بعد الموضع الذي أخذه فيه أو قربه، وإن لم يكن ذلك شأنه إنما وجده فأخذه فلا جعل له، وله نفقته.
قُلتُ: يريد: إلا أن يدعه ربه فلا نفقة عليه، وهي مؤنة إيصاله لقوله فيها: ما أنفق على ما التقط من عبد أو أمة أو غيرهما ليس لربه أخذه حتى يدفع ما أنفق عليه أو يسلمه لمن أنفق عليه، ولابن رشد في رسم محض القضاء مع الصقلي عن محمد: لا نفقة له، وعزوه ابن عبد السلام لابن الماجشون لا أعرفه، واختصرها أبو سعيد سؤالًا وجوابًا؛ لأنه أوجب الجعل بمجرد كون الآتي به شأنه ذلك، ولم يعتبر هل ربه ممن يلي
الجزء: 8 - الصفحة: 350
طلبه بنفسه أو بأعوانه أو لا؟
كما تقدم اعتبار ذلك فيمن حرث أرض رجل، واعتبر ذلك اللخمي قاله في مسألة من جوعل على آبق فاستحق من يده حسبما يأتي إن شاء الله.
وفي كتاب اللقطة: سمع عيسى ابن القاسم: من جعل جعلا لرجل على آبق فانقلب به، ثم أفلت فأخذه آخر فأتى به إن أفلت بعيدًا من مكان سيده فكل الجعل للثاني، ولا شيء فيه للأول، وإن أفلت قريبًا منه فالجعل بينهما على قدر شخوص كل منهما.
ابن رشد: هذا بين؛ لأن المجعول له الثاني هو المنتفع بعمل الأول إذا أفلت بالقرب بخلاف المجاعلة على حفر الآبار كما مر في رسم أخذ يشرب خمرًا من سماع ابن القاسم في كتاب الجعل.
قُلتُ: ونقل ابن شاس سماع عيسى فأجاد.
وقال ابن الحاجب: لو أفلت فأخذه آخر فجاء به، فقال مالك: الجعل بينهما بقدر شخوص كل واحد.
ابن عبد السلام: هذا صحيح إن كان العبد لم يبعد عن الموضع الذي أفلت فيه، ولو رجع إلى حيث وجده الأول لابتغى أن لا يكون للأول شيء.
وأشار بعض الشيوخ لرعي هذا المعنى ذكره في مسألة أخرى.
وسمع عيسى ابن القاسم: من جوعل على حفر بئر حتى يدرك ماءها فعمل، وترك ثم جوعل غيره عليها فللأول بقدر ما انتفع الثاني بعمله بالاجتهاد، ولا حد له رب أرض صلبة، وأخرى رخوة.
قال العتبي: وسمع عيسى رواية ابن االقاسم: يكون للآخر جعله كاملا، والجعل من الأول بقدر ما نتفع بحفره، وكنت أقول له قيمة ما عمل يوم عمل، وقال ابن كنانة: بل قيمة ما عمل اليوم فدخلنا على مالك فقال له على قدر ما انتفع بحفره يأخذه الآخر كل جعله، وينظر لقيمة ما انتفع به من عمل الأول فيعطاه لا يلتفت للجعل الأول لو كان الجعل الأول عشرة، وقيمه ما انتفع به من قيمة عمله خمسة عشر فله ذلك
الجزء: 8 - الصفحة: 351
لا يلتفت للجعل الأول.
ابن رشد: معنى قول مالك: ينظر إلى قيمة ما نتفع به من عمل الأول أن ينظر على ما جعل من تمامها للثاني، وعلى ما كان بجعل على حفر كلها لو لم يتقدم فيها حفر يومه ذلك فيكون للأول ما زاد على ذلك على تمامها للثاني؛ لأنه الذي انحط عنه لعمل الأول، وكذا لو أتمها باستئجار فللأول فضل ما يستأجر به على حفر جميعها على ما استأجر به على حفر تمامها، ولو كان أكثر من الجعل الأول، وهو أظهر من قول ابن القاسم وابن كنانة؛ لأنه لما كان لا يجب عليه شيء إن لم ينتفع وجب أن لا يكون عليه إن انتفع إلا قدر ما انتفع به، وإنما يشبه أن يكون عليه قيمة عمله يوم انتفع به أو يوم عمله، إذا انتفع به كما هو دون أن يتمه بإجارة أو جعل في وجه من وجوه المنافع من كنيف يحدثه وشبه ذلك.
والقياس أن يكون له في هذا بحساب ما عمل من جعله الذي جاعل عليه، وشبه هذا الدلال يجعل له الجعل على شيء فيسوقه، ثم يبيعه ربه بغير حضرته، ولو باعه له دلال آخر بجعل أخذه منه كان الجعل بين الدلالين بقدر عنائهما؛ لأن الدلال الثاني هو المنتفع بتسويق الأول دون رب السلعة إذ أدى للثاني جعلًا كاملًا لم ينقص منه بسبب الأول شيئًا، وهو قياس سماع عيسى في كتاب اللقطة فيمن جعل لرجل جعلًا في طلب آبق فيجده فيأتي فينفلت منه، ويذهب ويجعل ربه عليه جعلًا آخر لرجل آخر فيأتي به أنه إن أفلت بعيدًا نمن مكان ربه فالجعل كله للثاني، ولا شيء فيه للأول، وإن أفلت قريبًا من مكانه فالجعل بينهما على ق 4 در شخوص كل واحد منهما بقدر ما يرى.
اللخمي: إن أتى المجعول له بالعبد فأبق منه في بعض الطريق فلا شيء له من الجعل، ولا من نفقته عليه، فإن ترك العمل فجعل ربه فيه لآخر بعد أن رجع للموضع الذي أخذ منه أو قربه، وجعله للثاني في طلبه من مثل الموضع الذي هرب منه كان للأول بقدر ما انتفع به سيده، وإن جاعل الثاني على طلبه حيث يجده قرب أو بعد والجعل الآن مثل الأول فلا شيء للأول، وإن كان الثاني أقل؛ لأنه لا يطلبه إلا في المواضع القريبة فللأول بقدر ما انتفع به في طلبه.
الجزء: 8 - الصفحة: 352
قُلتُ: ويأتي تمام الكلام فيه.
وسمع أصبغ ابن القاسم: من جوعل على آبق فاستحق منه بعد أخذه إياه، وقبل أخذ جعله، وقبضه من جاعله رجع بجعله على من جاعله، ولا شيء على مستحقه.
ابن رشد في الموازية: إثر هذا ويكون على مستحقه الأقل من جعل مثله، والمسمى وناظرت فيها من أرضى فقال مثله.
محمد: لأن كل آت بآبق تكلف طلبه له جعل مثله، ولا نفقة له، وإن جاء به من لم يطلبه فلا جعل له ولا نفقة.
ابن رشد: قوله فيمن لم يطلبه لا نفقة له خلاف قولها، والأظهر قول ابن القاسم؛ لأن المنفعة فيه إنما هي للجاعل دون مستحقه؛ لأن ضمانه منه لو لم يوجد خسر الثمن الذي أدى فيه، فإذا وجد فأخذه مستحقه رجع على بائعه بثمنه، والمستحق إن لم يوجد لم تكن مصيبته منه؛ لأن له إجازة البيع، وأخذ الثمن من بائعه، وهذا الخلاف إنما هو إن أخذه مستحقه، ولو أجاز البيع، وأخذ الثمن كان الجعل على الجاعل اتفاقًا.
ولابن أبي جعفر الدمياطي عن ابن القاسم: من جوعل على بيع ثوب فباعه، ثم استحق فلا جعل له، وهذا بين؛ لأن المستحق إن أخذ ثوبه انتقض البيع، فإن أجاز البيع، وأخذ الثمن ثبت الجعل على الجاعل، ويرجع به على المستحق.
قُلتُ: ذكر اللخمي قول محمد وقال: هذا أبين إلا أن يكون المستحق ممن يطلبه بنفسه أو بغير ذلك بغير أجر، وفي السماع المذكور استحقاقه بحرية كاستحقاقه بملك.
الشيخ عن أصبغ: إن استحق بحرية من الأصل فلا جعل له على أحد.
قُلتُ: ولم يتكلم ابن رشد على استحقاقه بحرية بوجه.
وفي النوادر: قال عبد الملك: من جعل في آبق جعلًا، ثم أعتقه فلا شيء لمن وجده بعد ذلك، وإن لم يعلم بعتقه، ولو أعتقه بعد أن وجده فله جعله، فإن كان عديما فذلك في رقبة العبد؛ لأنه بالقبض وجب له الجعل.
قال أحمد: إن أعتقه بعد قدومه فكما قال: وإن أعتقه بعد علمه أنه وجده لزمه جعله، فإن لم يجد عنده لم يصح عتقه حتى يقبض هذا جعله مبديا على الغرماء.
الجزء: 8 - الصفحة: 353
أحمد: كالرهن.
قُلتُ: وقبله الشيخ، ولم يتكلم عليه بشيء، وكذا الباجي، وذكر قيل: قول عبد الملك عن أصبغ: من جعل على آبق وأعتقه بعد أن عمل وشخص فله جميع الجعل، وإن لم يعمل شيئًا، ولا شخص فلا شيء له وفيه نظر؛ لأن قول أحمد: إن أعتقه بعد قدومه فكما قال: وإن أعتقه بعد علمه إلى آخره نص في قصده مخالفته قول عبد الملك في هذا القسم، وإذا تأملتهما لم تجد بين قول عبد الملك، وما قاله أحمد فرقًا إلا أن الجعل على ظاهر قول عبد الملك في ؤغير العبد: فإن هلك فلا شيء على ربه من جعله كالعبد الجاني في أرش جنايته، وعلى ظاهر قوله أحمد الجعل في ذمة ربه لا يسقط عنه بموت العبد كدين العبد به رهن، ولذا قال أحمد آخر كلامه: كالرهن.
وهذه التفرقة ينبغي كونها على العكس؛ لأنه إذا أعتقه بعد قدومه به كان عتقه إياه بعد تقرر الجعل في ذمته؛ لأنه بنفس رإتيان المجعول له به، ثم عمله فوجب جعله على من جاعله، وتعلق العبد بذمته، وصار العبد بيد المجعول له رهنا لجعل فكان عتق ربه إياه بمنزلة عتق رب العبد عبده الرهن، وإن أعتقه قبل قدومه كان ربه أخرجه من ملكه قبل تمام عمل المجعول له فناسب عدم تعلق الجعل بذمته ضرورة تأخر تقرره عن خروج العبد من ملك ربه فانحصر تعلق الجعل برقبة العبد.
باب في شرط الجعل
وشرط الجعل أن لا غرر فيه.
فيها: ما لا يجوز بيعه لا يجوز أن يكون ثمنًا لإجارة أو جعل.
وذكر ابن رشد لفظ المدونة هذا في أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب الجعل من مسائل منتخبة لابن لبابة قال: رأيت فيها: قال قال ابن القاسم: كل ما جاز
الجزء: 8 - الصفحة: 354
بيعه جاز الاستئجار به، وأن يجعل جعلا، وما لم يجز بيعه لم يجر الاستئجار به، ولا جعله جعلا إلا خصلتان فيمن يجعل لرجل على أن يغرس له أصولا حتى يبلغ حد كذا، ثم هي والأصل بينهما، فإن نصف هذا لا يجوز بيعه، وفيمن يقول القط زيتوني فما لقطت من شيء فلك نصفه فهذا يجوز؛ يريد: وبيعه لا يجوز.
قال: وعن مالك: لا يجوز واتفق.
قوله على جواز: اقتض مائة ولي على فلان، وما اقتضيت لك نصفه، وهما سواء.
ابن رشد: الفرق في لفظ الزيتون غرر، إلا أن أوله أهون من آخره، ولا يدري الجاعل هل يتم العامل العمل أولًا، والأظهر منع الجعل فيه، وهو على الاقتضاء بجزء من المقتضى جائز، ومنعه أشهب لما قررناه؛ لأن اقتضاء أوله أهون من باقية لا لقول أصبغ؛ لأنه رآه من الجعل على الخصومة.
قُلتُ: عزا في غير موضع لأشهب أنه لا يجيزه.
وفي رسم البيوع من سماع أصبغ ما نصه: قال أشهب: لا يعجبني على حال.
قال أصبغ: كرهه من باب الجعل على الخصومة، وعلى الجواز لو قال: اقتض مائة من فلان ولك نصفها، وما اقتضيت، ولك نصفه جاز، ولو لم يزد فلك نصفه، ففي جوازه قولان لابن القاسم كابن وهب.
ابن رشد: بناء على حمله على الإجارة والجعل.
وسمع عيسى ابن القاسم: من قال لرجل: صح على هذه السلعة، فإن بعتها بعشرة دنانير فلك من كل دينار سدسه لا بأس به كأنه قال: بعها ولك دينار وثلثان، فإن باعها بأكثر فليس له إلا ذلك، ولو قال: بعها فما بعتها به من دينار فلك من كل دينار سدسه، ولم يؤقت له ثمنا كان حرامًا لا خير فيه.
ابن رشد: لأن شرط الجعل أن يكون معلومًا.
وفيها: قبل ما تقدم من قال من جاءني بعبدي الآبق فله نصفه لم يجز؛ لأنه لا يدري ما دخله، فإن جاء به فله أجر مثله، وإلا فلا شيء له.
عبد الحق: من قدم به فهلك بيده فله قيمة عنائه في طلبه ونصف قيمة عنائه في
الجزء: 8 - الصفحة: 355
رجوعه لوقت هلاكه، ولربه عليه قيمة نصف عبده يوم قبضه، وهو جعل فاسد على سمع ابن القاسم من جاعل في آبق له فقال: إن وجدته فلك كذا وكذا، وإن لم تجده فلك نفقتك وطعامك وكسوتك لا خير فيه.
ابن القاسم: إن وقع فله جعل مثله إن وجده، وإن لم يجده فله أجر مثله.
أصبغ عن ابن القاسم: لا أجر له.
ابن رشد: في رد فاسد الجعل لحكم نفسه إن أتى به فله جعل مثله، وإلا فلا شيء له أو الحكم الإجارة له أجر مثله، وإن لم يأت به، ثالثها: هذا إن التزم له عوض، وإن لم يأت به كهذه المسألة، وإلا فالأول وجه الأول بناء على جعل دليل الجعل أصلا في نفسه، والثاني على جعله إياه نوعا من الإجارة إجارة ذات غرر بشروط، والثالث على أن لزوم العوض في حالتيه قوي شبهه بالإجارة، وهذا أظهرها، واختاره ابن حبيب، وحكاه عن مالك والأخوين.
والأقوال الثلاثة راجعة لأصل جارية على قياس، وقول ابن القاسم في هذا السماع: له جعل مثله إن وجده، وأجر مثله إن لم يجده لا يرجع لأصل، ولا يجري على قياس، وكذا قوله في المدونة: في إن جئت بعبدي الآبق فلك نصفه له أجر مثله إن أتى به، وإن لم يأت به فلا جعل له، ولا إجارة لا حظ له في نظر ولا قياس.
ابن عبد السلام: معنى قوله فيها: إن جاء به فله أجر مثله أنه إن أتى به، وإن لم يأت به فلا جعل، ولا إجارة عند المحققين جعل مثله؛ لأن أجر المثل يجب، ولو لم يزظهر لعمله فائدة، وجعل مثله لا يجب حتى يظهر له فائدة، وهي الإتيان بالآبق، ولما علق وجوب العوض منه على إتيانه به دل على أنه أطلق لفظ الأجر على الجعل مجازًا.
قُلتُ: ما عزاه للمحققين هوما تقدم لعبد الحق، وهو خلاف ما تقدم لابن رشد، ودليل ابن رشد قوله في المدونة: لا جعل له، ولا إجارة فعطفه الإجارة على الجعل ظاهر في عدم إرادته بالإجارة الجعل.
اللخمي في الموازية: من جعل في آبق أو في اقتضاء دين جعلا، فإن لم يجده أو لم يقبض الدين فله نفقته فسد، وإن وجده أو اقتضاه فله جعل مثله، وإلا فلا شيء له.
الجزء: 8 - الصفحة: 356
وقال في العتبية: إن لم يجده فله أجر مثله فرده فللإجارة الفاسدة لما جعل له جعلًا ثانيًا على كل حال، ورده في القول الآخر إلى الجعل الفاسد، وأن لا شيء له إن لم يجده؛ يريد: إن كانت النفقة يسيرة في قدر الجعل.
ابن زرقون: في الحكم له بحكم الجعل أو الإجارة مطلقًا، ثالثها: إن جاء به فالأول، وإلا فالثاني، ورابعها: عكسه لرواية الواضحة والأخوين وابن القاسم ولها.
قُلتُ: وخامسها: ثالث نقل ابن رشد، وسادسها: إن كان ما التزم على إن لم يأت به يسيرا فالأول، وإلا فالثاني لتفسير اللخمي ما تقدم.
وسمع عيسى ابن القاسم جعل الرجل على آبقين له عشرة دنانير لا أحبه حتى يجعل في كل واحد جعلًا معروفًا، فإن نزل الأول وأتى بأحدهما فله من الجعل بقدر قيمة الذي أتى به من مجموع قيمتها.
ابن رشد: هذا خلاف قول ابن القاسم فيها له قيمة عمله على قدر عنائه، وطلبه.
وقول ابن نافع فيها: له نصف العشرة.
قال: والجعل عليهما لا يخلو من أربعة أوجه، فإن جعل فيهما جعلًا واحدًا على أن لا شيء له إلا أن يأتي بهما معًا فسد اتفاقًا.
وفيه: إن وقع ما تقدم في الفاسد، فإن كان على إن أتى بأحدهما فله نصف الجعل أو على إن أتى بفلان منهما فله منه كذا، وإن أتى بالآخر فله منه كذا جائز.
قُلتُ: زاد التونسي: إن عين كل منهما بعينه قدرًا من الجعل متفاوتًا جاز إن عرفهما المجعول له، فإن جهلهما ففي جوازه قولان الأظهر الثاني.
اللخمي: إن اختلف الجعل فيهما فأجازه في الموازية، ولو جهلهما، ومنعه أحرى، وهو أشبه، ولو استوى واختلف قيمتهما فأجازه في الموازية، ومنعه في غيرها.
ابن رشد: وإن كان على أن له فيما أتى به منهما من الجعل بقدر قيمته من قيمة صاحبه ففي فساده وجوازه.
قال ابن الحاجب تابعًا لابن شاس: وحريم الدار المحفوفة بالموات ما يرتفق به من مطرح أو مصب ميزاب.
الجزء: 8 - الصفحة: 357
قُلتُ: هذا الحكم في هذه الصورة لا أعرفه لأحد من أهل المذهب بحال لكن مسائل المذهب تدل على صحته منها قولها: لمن حفر بئرًا منع من أراد أن يبني أو يحفر بئرًا في حريمها، ولو لم يكن على البئر من حفر بئر أخرى ضرر لصلابة الأرض لما يضر بهم في مناخ الإبل، ومرابض المواشي عند ورودها، ونحو هذا في الأمهات كثير، وتبعا في نص لفظها.
الغزالي: قال في وجيزه: وأما الدار فإن كانت في موات فحريمها مطرح التراب والثلج ومصب الميزاب، والممر في صوب الماء.
ابن الحاجب تابعًا لابن شاس: والمحفوفة بألملاك لا تختص، ولكل الانتفاع بملكه وحريمه.
قُلتُ: في تسويته الانتفاع بحريمه، وملكه بمجرد عطفه عليه نظر؛ لأن مسمى حريمه المغاير لمسمى ملكه لعطفه عليه إنما يصدق على الفناء، وليس انتفاعه كانتفاعه بملك يجوز كراؤه مطلقًا، وأما فناؤه فسمع ابن القاسم لأرباب الأفنية التي انتفاعهم بها لا يضيق على المارة أن يكروها.
ابن رشد: لأن كل ما للرجل أن ينتفع به كان له أن يكريه.
قُلتُ: وهذه الكلية غير صادقة؛ لأن بعض ما للرجل أن ينتفع به لا يجوز له أن يكريه كجلد الأضحية، وبيت المدرسة للطالب ونحوه، وفناء الدار، وهو ما بين يدي بنائها فاضلًا عن ممر الطريق المعد للمرور غالبًا كان بين بابها أو غيره، وكان بعض شيوخنا يشير؛ لأنه الكائن بين يدي بابها، وليس كذلك لقولها في كتاب القسم، وإن قسما دارًا أن يأخذ كل واحد طائفة فمن صارت الأجنحة في حظه فهي له، ولا تعد من الفناء، وإن كانت في هواء الأفنية، وفناء الدار لهم أجمعون الانتفاع به.
ابن رشد: إثر كلامه السابق، وهذا لا أعلم فيه خلافًا، ولا يباح لذى الفناء أن يدخله في داره، فإن فعل وهو يضر بالطريق هدم عليه، ورد كما كان، وإن كان لا يضر ففي تهدمه كذلك قولان لسماع زونان ابن وهب مع أشهب، وأصبغ مع سماعه أشهب: والقائلون بالأول أكثر، والثاني أظهر، ونزلت بقرطبة فأفتى ابن لبابة وأيوب
الجزء: 8 - الصفحة: 358
ابن سليمان، ومحمد بن وليد: بعدم الهدم.
وأفتى عبد الله بن يحيى، وأبيه يحيى، ويحيى بن عبد العزيز، وسعد بن معاذ، وأحمد بن نصر: بالهدم.
وسمع ابن القاسم: في كتاب ابن القاسم: ليس لمن له دار في رحبة لأهل الطريق ارتفاق بها حين ضيق الطريق بالأحمال، وشبهها أن يجعل عليها بابًا حتى تكون الرحبة له فناء، ولم يزد فيها ابن رشد، ونزلت عندنا بتونس في موضعين؛ فحكم بالهدم الباب وإزالته.
وسمع أصبغ: ابن القاسم: في الأقضية لمن له داران بينهما طريق أن يبني على جداريهما غرفة أو مجلسًا فوق الطريق، وإنما يمنع من الإضرار بتضييق الطريق.
ابن رشد: هذا إن رفع بناءه رفعًا يجاوز رأس المار راكبًا، ونحوه في الزاهي، وكذا الأجنحة.
وفيها: كل ما أحدثه ذو عرضة فيها من فرن أو حمام أو أرحية ماء أو غيرها أو كير للحديد أو أفرانا لتسييل الذهب والفضة أو آبارًا أو كنفًا فكل ما أضر بجاره من ذلك منع، واستخف اتخاذ التنور.
وسمع يحيى ابن القاسم في الأقضية: من له دار لاصقة بأندر قوم انتفاع ربه به، ودراسته يمنع من بنائه بأرضه ما يضر الأندر في قطع منفعة ربه به كالريح ونحوه، وقاله ابن نافع وسحنون في آخر قوليه وقال: أولًا له ذلك قائلا: وإحداث الأندر على رب الأندر أو الجنان ضرر يمنع ابن رشد إحداث أندار بإزاء دار أو جنان يضر ما يقع بأحدهما من تبن عند المذر، وبه ضرر وكذا دخان حمام أو فرن أو رائحة دبغ أو إلصاق كنيف بجدار جاره أو رحى تضر بجداره وشبهه اتفاقًا في الجميع، ومنه ضرر الاطلاع كإحداث كوة أو باب يطلع من إحداهما على دار جاره أو يتخد عليه قصبة يشرف منها على عياله، وشذ قول أشهب وابن الماجشون ومحمد بن سلمة ومحمد بن صدقة من أصحاب مالك: أنه لا يمنع، ويقال لجاره استر ععلى نفسك إن شئت.
قُلتُ: في لفظ إن شئت نظر، أشار إليه الصقلي في نحو هذا وقال: الجواب أن يستر
الجزء: 8 - الصفحة: 359
على نفسه، وظاهر قول ابن رشد: على دار جاره قصره على الدور دون البساتين، ونزلت بتونس أوائل هذا القرن على ما أخبرني به بعض شيوخنا أحدث من كان له بعض معرفة بأهل الأمر من التجار في مرج جنانه طاقة يطلع منها على سطح جابية بجنان قاضي الأنكحة حينئذ، وتحاكما لقاضي وقتيهما الفقيه أبي إسحاق بن عبد الرفيع فأبصرت من إثر حكمه ما تربنا بجانب الطاقة المذكورة يمنع الاطلاع على السطح المذكور فما أدري هل كان بالحكم بينهما أو بتراضيهما، وفي الحكم فيه اختلاف حسبما يأتي إن شاء الله تعالى، وأشار لي بعض من لقيت بأن المسألة في نوازل ابن الحاج فيها ما نصه لا خلاف في منع الاطلاع على الدور والفدادين والمزارع لا خلاف في إباحة البناء الذي يطلع منه عليها والجنات مختلف فيها أخبرت به عن ابن الطلاع والكروم والقريبة كالجنات لا سيما عندنا لكثرة تكرار أهلها بعيالهم إليها.
الباجي: عن الأخوين من بنى على شرف يطل منه على موردة القرية على علوة أو علوتين، فإن كان لإشراف مكانه لم يمنع، ولو وجد عنه مندوحة، وكذا لو اطلع من ذلك الشرف على دور جيرانه إن كان ذلك حال الوضع قبل البناء، وغن كان اطلاعه على الموردة بعلية فتح بابها للموردة أو كوى منع ابن عات عن المشاور إنما يمنع الاطلاع إذا تبينت الأشخاص، وإلا فلا.
قُلتُ: انظر هل مراده الأشخاص باعتبار الصنف كالرجل من المرأة أو النوع كالإنسان من غيره، وأما بالجزئية كزيد من عمرو فلا، وانظر مع تحديد الأخوين بالعلوة والعلوة قدرها مائتا ذراع قاله ابن رشد في قصر المسافر.
وسمع عبد الملك بن وهب: من شكا بشجرة بدار جارة لإشراف من يطلعها لاحنائها على داره، وخوف أن يتطرق إليه منها لم يكن له قطعها، وله قطع ما دخل من أغصانها في أرضه.
ابن رشد: له قطع ما طال من الحادثة فأضر حائطه أو دخل هواء حقه، وقلعها إن أضرت حائطه، وإن كانت الشجرة قديمة قبل دار الجار فليس للجار قطعها، ولو أضرت بجدار، وفي قطعه ما أضر به مما طال من أغصانها قولا أصبغ مع مطرف، وابن
الجزء: 8 - الصفحة: 360
الماجشون؛ لأنه علم أن هذا يكون من حال الشجرة فقد جاز ذلك من حريمها، والأول أظهر، واختاره ابن حبيب، ولمن له أرض بجانب شجره في أرض جاره قطع ما دخل في ؤأرضه، وامتد من فروعها على أرضه، ومن كانت في أرضه شجرة لغيره فليس له قطع ما طال، وانبسط منها قاله ابن القاسم وغيره.
وسئل ابن رشد: عن صومعة أحدثت يطلع منها على بعض الدور هل هي كالشجرة يطلع منها حين اجتنائها على دار الجار فأفتى بسد كل ما يطلع منه على دار، وفرق بينهما وبين الشجرة بكثرة صعود الصومعة، وقلة طلوع الشجرة، وفي حريم البئر منها من رفع بناءه ففتح كوى يشرف منها على جاره منع، وكتب عمر في هذا أن يوقف على سرير، فإن نظر منه إلى ما في دار جاره منع، وإلا لم يمنع.
قال مالك: يمنع من ذلك ما فيه ضرر، ونحوه في سماع عتبد الملك ابن وهب من كتاب السلطان.
ابن رشد: مثله لأشهب، وفي حريم البئر منها فذكر له نصها، وقال: لأن الأسرة مما تتخذ في البيوت، فإذا كان ما قام عليها اطلع على دار جاره منع، والمعنى في هذا كله أن ما لا يوصل إليه من الاطلاع إلا بكافة ومؤنة، وقصد إلى الاطلاع بتكليف صعود لا وجه إلا ذلك لم يمنع منه، وقيل: للذي يشكو الاطلاع بتكليف صعود لا وجه إلا ذلك لفم يمنع منه استر على نفسك، فإن أثبت أنه اطلع عليه بقصد إلى ذلك وجب على الإماغم تأديبه حتى لا يعود إليه.
وأفتى الشيوخ عندنا فيمن فتح في قصبته بابًا لا يطلع منه على دار جاره إلا بأن يخرج رأسه من الباب ليطلع أو يخرج إلى السقف أو إخراج أحد منه رأسه ليطلع، وهو أحسن من الفتوى، وإن ثبت ضرر الاطلاع ففي وجوب الحكم بسده، وإزالة أثره خوف دعوى قدمه وعدم وجوب سده، والاكتفاء بجعل أمام ذلك ما يستره قولان لسماع أشهب من الأقضية، وابن الماجشون في الواضحة.
وذكر المتيطي قبل ذكره ما تقدم من كلام ابن رشد ما نصه: من أراد أن يحدث على جاره كوة أو بابًا أو غرفة يشرف منها على ما في دار جاره أو أسطوانة أو غرفته منع من
الجزء: 8 - الصفحة: 361
ذلك، فإن أحدثها قضي بغلق الكوة، والباب بالبناء وقلع عتبة الباب؛ لأنها إن تركت وطال الزمان ونسى الأمر كانت حجة للمحدث، وقال: إنما أغلفته لتعيده متى شئت، وكذا عتبة باب الدار.
قُلتُ: كذا ذكره غير معزو وكأنه المذهب، وذكره الصقلي جوابًا لسحنون عن سؤال حبيب إياه.
وقال ابن رشد في أول رسم من سماع القرينين في الأقضية: هو دليل هذا السماع.
وقال ابن وهب: كتب عمر بن الخطاب؛ فذكر ما تقدم.
وقال عقبة: والعمل على قول مالك.
قُلتُ: فظاهره أن قول مالك خالاف المروي عن عمر، وقال ابن أبي زمنين: قال بعض مشايخنا: السرير في هذا الحديث فرش الغرفة.
قاله بعض المتأخرين: وقيل: السرير السلم وأبواب الغرف أضر من أبواب الدور والضرر الذي يوجب إغلاق أبواب الغرف المحدثة هو أن يقف واقف في الباب المحدث، ويستبين له في دار المحدث عليه الوجوه، فإن لم يظهر الوجوه لم يكن الإحداث ضررًا، وبقي بحاله.
وفي تضمين الصناع منها: من كان له على جاره باب قديم أو كوة قديمة لا منفعة له فيهما، وعلى جاره مضرة بهما لم يمنع منهما؛ لأنه أمر لم يحدثه عليه، ولم أسمعه من مالك.
ابن رشد: ومثله لابن الماجشون قال: الأبواب والكوى القديمة قبل بناء الدار المطلع عليها لا يمنع.
الصقلي في حريم البئر: رأيت بعض فقهائنا يعني ويستحسن أن له منعه من التكشف، وإن كانت قديمة، وإن رضيًا بذلك لم يتركا؛ لأنه رضى بما لا يحل، وهو خلاف المنصوص.
ابن رشد عن ابن الماجشون: لو أراد رب عرصة منع جاره من فتح باب على عرصته قبل بنائها لضرر ذلك عليه إذا بنى لم يكن له ذلك.
الجزء: 8 - الصفحة: 362
وقال مطرف: له منعه قبل البناء وبعده، ولو ترك منعه قبل البناء كان له منعه بعده إلا أن يكون رب العرصة اشتراها على ذلك، وقاله أصبغ وابن حبيب.
ابن زرقون: في منعه قبل بناء القاعة وبعدها وعدمه فيهما، ثالثهما: بعده لا قبله لمطرف وابن الماجشون وابن القاسم.
قُلتُ: نقلها الباجي قائلا: في الثالث أظن أني رأيته لابن القاسم وابن رشد، واختلف على ما في المدونة إن أشكل قدمه وحدوثه، ففي حمله على القدم أو الحدوث قولان لكتاب ابن سحنون وأحكام ابن زياد.
قُلتُ: زاد ابن زرقون: وبه الحكم لحديث "لا ضرر ولا ضرار".
قُلتُ: ويتخرجان على قولي ابن القاسم وأشهب فيهاك فيمن ابتاع سلعة بروبة متقدمة ادعى مبتاعها عند رؤيتها تغيرها.
المتيطي: إن لم تقطع البينة بمعرفة الأحداث، وقالت: رأيت أشياء يدل على الأحداث، وفيه ضرر على فلان وجب قطعه مع يمين القائم على أنه محدث كذا ما يمنع به دار جاره الضوء والشمس، والريح جائز.
ابن رشد: شذ قول ابن نافع بمنعه.
قُلتُ: كذا نكره لا بقيد وللصقلي عن ابن كنانة في المجموعة: إن رفعه ليضر بجاره في ذلك، ولا يقع له في بنائه منع، ومن له حائط به رف خرجت أكلبه لدار جاره في جواز بنائه عليه غرفة أو غيرها، ومنعه نقلا ابن سهل عن ابن العطار، وابن عتاب مع ابن مالك بناء على قصر يملك الهواء على ملك قاعة الأرض إضافة ملك كل هو الملك بنائه.
ابن سهل: الأول أشبه.
الجزء: 8 - الصفحة: 363
قُلتُ: هو دليل قول قسمها في مسألة الأجنحة، وتقدمت.
الصقلي: وسئلت عن من بنى دارًا أو سطحًا على أن يبني فوق السطح فعجز عن البناء، والسطح يكشف جيرانه فلم يقوموا عليه حتى باعها بعد سنة من وقت بنائها فقام على المشتري منهم من يكشف عليه طالبًا له بالستر، فقال: كذا اشتريت، ولم أحدثه عليكم فظهر لي أنه عيب إن لم يبين البائع قرب بنائه، فيخير المشتري في تماسكه، والستر على الجار، وفي رده فيستر البائع إلا أن يمضي لذلك كثير السنين كالعشر سنين ونحوها، ولم يقوموا، وقاله جماعة من أصحابنا.
قُلتُ: لابن رشد في نوازل أصبغ من جامع البيوع في لغو استحقاق ملك الضرر المحدث بالجواز مطلقًا، وملكه بحوزه مما يجاز به الأملاك عشرة أعوام ونحوها أو بالعشرين ونحوها، رابعها: بخمسة عشر، وخامسها: بأربع سنين، وسادسها: قصر استحقاقه بالحوز على ما ضرره على عقد واحد، وما يتزايد أبدًا، كالمطمر إلى جانب الحائط وشببهه هو لغو فيه لابن حبيب، وأحد قولي أصبغ، وثانيهما، وابن الماجشون مع استحسانه.
ابن زرب وابن سحنون عنه وعن غيرهم.
قُلتُ: هذا عزاه ابن سهل لنقل ابن أبي زمنين عن فتوى يحيى بن إبراهيم بن مزين ومثل ما لا يزيد بفتح الأبواب، والكوى، وما لا يزيد كالكنيف ومحل الدبغ.
وفي سماع القرينين من كتاب الأقضية لمن أحدث على أرضه مرور ما سكت عنه أربعين سنة القيام بقطعه.
ابن رشد: هذا على القول أن الضرر لا يجاز.
قُلتُ: وسابعها: مطلق ما زاد على عشر، وثامنها: مطلق ما زاد على عشرين لمفهومي.
نقل ابن سهل عن ابن لبابة قوله: العشر سنين قليل، ونقله عنه سمعت رواية المبسوط وغيرها بناء على القولين في جميع الرجلين سلعتيهما في البيع؛ لأن جملة الجعل معلوم، وما يقع لكل عبد لا يعلم إلا بعد التقويم.
الجزء: 8 - الصفحة: 364
قُلتُ: سبقه التونسي بهذا الأجر أو تقدم رده بأن الجهل إنما يرجع فيؤ السلعتين للبائعين فقط لا للمشتري والجهل هنا راجع لكل من العاقدين.
قال: وإن كان على إطلاق الجعل دون بيان ما يكون إن أتى بأحدهما فاختلف على ما يحمل من الأوجه الثلاثة علمه ابن القاسم فيها على ظاهره من أنه لا شيء له إلا بإتيانه بهما، فجعله فاسد أو حمله في هذا السماع إن وقع ما كراهته ابتداء على قصد أن له في الذي يأتي به منهما من الجعل بقدر قيمته من قيمة الآخر، وحمله ابن نافع على قصدهما ما يجوز، وهو إن له أن أتى بأحدهما نصف الجعل، فأوجب له ذلك.
ومن جعل في آبق له لرجل عشرة، ولآخر خمسة فأتيا به ففي كون الواجب له العشرة بينهما أثلاثا أو لكل واحد نصف جعله قولا ابن القاسم وابن نافع فيها، ورجحه التونسي واللخمي ومحمد وروي: لو عيب العبد بعد أخذه المجعول له أو قبله ونقصت قيمته عن الجعل فله جعله كاملًا.
باب في العمل في الجعل
والعمل فيه لا يشترط فيه علم متعسره بخلاف متيسره كل المذهب جوازه على الآبق مع جهلهما ناحيته بخلافه على استخراج الماء من الأرض.
الجزء: 8 - الصفحة: 365
في "المعونة": يجوز بعد معرفة بعد ماء الأرض وقربه وشدتها ولينها، فإن لم يعرف ذلك لم يجز؛ لأنه جعل لا تدعو ضرورة إليه، وهو نص نقل ابن فتوح عن المذهب، وقول المقدمات: ليس من شرطه كون العمل معلومًا بل يجوز فيه المجهول ظاهره عدم شرط خبرة الأرض، وهو ظاهر ثاني مسألة في رسم أخذ يشرب خمرًا من سماع ابن القاسم، وقوله في المسألة الرابعة من أول رسم من سماع أصبغ.
ابن الحاجب: العمل كعمل الإجارة إلا أنه لا يشترط كونه معلومًا، فإن مسافة الآبق والضالة غير معلومة.
ابن عبد السلام: كلامه يوهم العموم في كل أنواع عمل الجعالة، وليس كذلك مذهب المدونة، ولا يجوز الجعل في حفر البئر لا بعد خبرتها الأرض معًا، وشرط في العتبية استواء حال الجاعل والمجعول له في العلم بحال الأرض.
قُلتُ: عزوه للمدونة شرط الخبرة لا أعرفه في الجعل نصًا ولا ظاهرًا بل بلزوم يأتي محله إنما ذكره في الإجارة، وله اعتد في ذلك على ظاهر لفظ الصقلي قال ما نصه: قال مالك: لا بأس بالإجارة على حفر بئر بموضع كذا، وقد خبر الأرض، وإن لم يخبراها لم يجز.
قال يحيى بن يحيى عن ابن القاسم: إن عرفا الأرض بلين أو شدة إن جهلاها معًا جاز، وإن علم ذلك أحدهما وجهله الآخر لم يجز الجعل فيه انتهى.
وهذا كالنص في حمل مسألة المدونة على الجعل لذكره عليها نقل يحيى عن ابن القاسم في الجعل.
قُلتُ: لفظها في ألم قلت: إن استأجرت من يحفر لي بئرًا بموضع من المواضع.
الجزء: 8 - الصفحة: 367
قال: إن خبروا الأرض فلا بأس، وإن لم يخبروها فلا خير فيه كذا سمعت مالكًا، وسمعته في الإجارة على حفر قفر النخل بحفرها إلى أن يبلغ الماء إن عرف الأرض فلا بأس، وإن لم يعرفها فلا أحبه.
قُلتُ: فلفظ الإجارة مع ذكر قفر النخل كالنص في عدم الجعل؛ لأن حفر قفر النخل إنما يكون في الأرض المملوكة دائمًا أو غالبًا، والجعل على الحفر على المشهور لا يكون فليما يملكه الجاعل.
وتقدم نقل الشيخ عن محمد عن ابن القاسم: إن كانت الأرض للمستأجر لم يجز فيها جعل على بناء أو حفر، وما نسبه لابن الحاجب من إيهام العموم مثله لفظ المقدمات والتلقين.
وسمع عيسى ابن القاسم: من علم موضع دابة ضلت لم ينبغ أن يجاعل على إتيانه بها إنما ذلك في المجهول، ولا ينبغي له كتمه موضعها، وله قيمة عنائه لموضعها إن جاء بها.
اللخمي: هذا أحسن من كلام ابن حبيب لا شيء إن كان ممن لا يخرج ليأتي به، وغن كان ممن يخرج له بنفسه لو علم موضعه، فقول ابن حبيب أحسن.
ولم يحكه ابن رشد بل قال: إن طلب الآبق مجهول لا يجوز الجعل فيه إلا باستوائهما في الجهل بمحله، ومن علمه منهما دون صاحبه، فهو غار له كبيع الصبرة جزافا لا يجوز الجعل فيه إلا باستوائهما في جهل قدرها، فإن كان المجعول له في الآبق أو الضالة ذلك دون الجاعل فله إمضاء الجعل ورده، فإن لم يعلم ذلك حتى جاء بالآبق فله الأقل من قيمة عنائه لذلك الموضع أو المسمى، هذا معنى قوله: لا أنه يكون له قيمة عنائه لذلك الموضع أو المسمى.
هذا معنى قوله: لا أنه يكون له قيمة عنائه إلى ذلك الموضع كان أقل من المسمى أو أكثر إذ ليس بجعل فاسد يرد فيه لأجر مثله أو جعل مثله ما بلغ إنما هو جعل عين المجعول له الجاعل بما كتمه من علمه بمحل العبد، ولو كان الجاعل هو الكاتم موضع العبد أو الضالة كان له الأكثر من قيمة عنائه أو المسمى.
الجزء: 8 - الصفحة: 368
قُلتُ: ظاهر كلام اللخمي الجعل على الآبق جائز علم المجعول له موضعه أو جهله خلاف نقل ابن رُشْد إلا أن يحمل على الموضع الشخصي كتونس، ويحمل الموضع في قول اللخمي على الكلى كأحواز تونس، وظاهر كلام اللخمي جوازه فيما علماه معاً، وظاهر كلام ابن رُشد في غير موضع إن علمها موضعه معاً لم يجز فيه مجاعلة إنما تجوز فيه الإجارة، وأظن اني وقفت عليه رواية، وقولا لبعض الرواة.
وظاهر قول ابن الحاجب جواز الجعل فيه.
وفيها مع غيرها: الجعل لا يكون مؤجلاً؛ لأنه إن مضلا الأجل، ولم يتم عمله ذهب عناؤه باطلاً، وإن عمله في نصفه أخذ الجعل كاملاً، وسقط عن بقية عمل الأجل فهذا خطر إلا أن يكون إن شاء الله أن يرده رده وتقدم الكلام فيها في الإجارة على بيع نصف الثوب، وفي منعه فيما كثر نقلا القاضي مع غيره.
وقول ابن رُشد عن المذهب قائلا: قول القاضي مع غيره.
وقل ابن رُشْد عن المذهب قائلا: قول القاضي مع غيره غير صحيح وبين فيما يتوهم منه صحة نقل القاضي أن المنع فيه؛ لأنه فيما ينتفع فيه الجاعل إن لم يتم العمل.
اللخمي: اختلف فيه كثر أجاز مالك إعطاء الأرض لمن يغرسها مغارسة، وهو أمد يطول، وأجاز الجعل على الآبق، وهو مما يطول ويلزم من قصره على ما قل منع المغارسة والجعل على الآبق.
وقال محمد: لا بأس عند مالك وأصحابه بالشراء على الجعل حاضراً أو على السفر قل أو كثر، وليس كالبيع.
ابن حبيب: من قال لخارج البلد في تجر خذ هذه المائة إن ابتعت لي فيها ثياباً وصفها فلك عشرة دنانير، وإلا فلا خير فيه، وهذا أحسن.
زاد عنه الصقلي: ولو قال له خذ ثوبي فسر به إن بعته بكذا فلك كذا، ولا شيء لك إن لم تبعه لم يجز، وإن لم يخرج لذلك، ولما ذكر في قوله في المائة قال: ونحوه لابن ميسر، وهو خلاف نقل محمد عن مالك وأصحابه جواز الجعل على الشراء فيما كثر في حضر أو سفر.
الجزء: 8 - الصفحة: 369
وفيها لا يجوز الجعل على بيع كثير السلع والدواب والرقيق كالعشرة ونحوها، ولا على ما فيه مشقة سفر ما قليلها، ويجوز في قليلها بالبلد، وإن لم يسم لها ثمنا كالدابة والعبد أو الثوبين إذ لا يقطعه لذلك عن شغلع.
الصقلي عن بعض القرويين: معنى قوله في الجعل على بيع كثير السلع أنه لا يأخذ شيئأً إلا ببيع جميعها، وهو عرفهم، ولو كان على أن ما باع به فله قدره من الجعل، وعلى أنه إن شاء ترك؛ يريد: ولم يتسلم الثياب جاز، وهو عرفهم، ولو كان لا يأخذ شيئاً إلا بشراء الجميع لم يجز فلا فرق بينهما.
الصقلي: ونحوه في لموازيَّة.
قُلتُ: والروايات ناصة بأن شرط الجعل على البيع تسمية الثمن أو تفويضه للمجعول له، وهو نقل ابن رُشْد والصقلي عن المذهب؛ فيجب تقييد قولها: يجوز الجعل في بيع قليل السلع بالسلعة سموا لها ثمناً أم بالتفويض أو فيه.
وفيها: كل ما جاز فيه الجعل جازت فيه الإجارة وليس كل ما جازت فيه الإجارة جاز فيه الجعل.
قلتُ: صدق هذه الكلية على ظاهر ابن الحاجب وابن رُشْد والتقين القائلين بصحة الجعل في العمل المجهول لا يصح، وعلى منعه فيه صدقها واضح ويلزم منه منع الجعل على حفر الأرض لاستخراج ماء ونحوه مع جهل حال الأرض لتقدم نصها بمنع الإجارة على حفرها لذلك مع جهل حالها، فلو جاز الجعل فيه مع الجهل كذبت الكلية لصدق نقيضها أو منافيها، وهو قولنا: بعض ما يجوز فيه الجعل ليس بجائز فيه الإجارة أو غير جائز فيه الإجارة الأول سلب، والثاني عدول وذلك البعض هو الأرض المجهول حالها لهما، ولما شاع زمن قراءتنا صحة قول ابن التلمساني في شرح المعلم الفقهية مهما صدقت القضية صدق عكسها إن كان لها عكس، وعكس نقيضها كان يمشي لنا قراءة، وإقراء اعتبار ذلك في كليات الكتاب فعكس القضية هذه بالمستوى واضح صدقه، وهو قولنا: بعض ما يجوز فيه الجعل،
الجزء: 8 - الصفحة: 370
وعكس نقيضها بالمستوى، وهو قولنا: كل ما لا تجوز فيه الإجارة لا يجوز فيه الجعل وبالمخالف، وهو قولنا: لا شيء مما تجوز فيه الإجارة بغير جائز فيه الجعل صادقاً أيضا في جوازه على الخصومة في شفعة أو غيرها على إدراك حق الجاعل قولا مالك فيها.
ابن رُشْد: وهما قولا ابن القاسم في سماعه يحيى في البضائع والوكالات، وفي الجعل والإجارة مع الهبات، والأظهر جوازه.
وفي لزوم عقده طريقان.
ابن رُشْد: لا يلزم المجعول له بحال، وفي لزومه الجاعل بعقده أو بالشروع في العمل أحد قولي ابن حبيب مع ظاهر سماع عيسى ابن القاسم، ورواية علي مع رواية أشهب وقول سَحنون.
اللخمي: ثالثها: يلزم بالقول كالإجلرة والعقد فيه منحلا كالخيار، ولازما مالإجارة.
ابن الحاجب: ويسقط بالترك إلا أن يستأجر الجاعل على الإتمام فيكون له ما بقى.
وقيل مالم تزد عن نسبة عمله
ابن عبد السلام: قيل إذا هرب الصانع لم يكن له شيء، والمشهور خلافه ففي الجعل أحرى أن يكون له شيء.
قُلتُ: تقدم الاتفاق في الأجير قبل تمام معاملته لم يكن شيء مما عمل؛ لأنه ترك مل كان يجب له بتركه ما عومل عليه، وقاله أبو ميمونة فقيه فاس وغيره والقضاء والاستحسان أن كل من عمل له ما ينتفع به أن يدفع للأجير أجرته، ونحوه من القولين في مؤلفة ابن لبابه، وتقدم حكم إتمام الجعل بعاملين.
وسمع أَصبغ ابن القاسم: من جوعل على حفر بئئئر فحفر بعضها، ثم اعتل لا شيء له إلا أن ينتفع بها صاحبها؛ فيعطيه بقدر ما انتفع به، ولو قال: من جاء بخشبة من ربها، فينتفع بها فله أجره على قدر ما حملها من الطريق.
الجزء: 8 - الصفحة: 371
ابن رُشْد: لم يبين وجه العمل فيه، وتفصيله تقدم في سماع عيسى المذكور في سماع عيسى ابن القاسم، وكذا في الخشبة كالبئر.
ابن عبد السلام: إن كان جعل الأول في الخشبة خمسة، وجعل الثاني عشرة فظاهر العتبيَّة أن للأول عشرة؛ لأنه جعل للثاني على نصف الطريق عشرة، وعلم قطعاً أن للأول مثلها، وهو مراد المؤلف بقوله له ما بقي؛ أي: على نسبته، ويحتمل أن يريد أن للأول ما بقي من جعله بعد طرح الأجرة الثانية منه إن كانت أقل، وإن كانت مساوية أو أكثر لم يكن للأول شيء والتأويل الأول أولى لمساعدته النقل دون الثاني.
قُلتُ: ما عزاه لظاهرة «العتبَّية» هو نص فيها حسبما مر في السماع المتقدم، وقوله له ما بقي؛ أي: على نسبة ما بقي، ولو قال على تسمية ما بقي لكان أبين في تفسير قول ابن الحاجب بما في سماع ابن القاسم، وفسر قول ابن الحاجب، وقيل: ما لم يزد على نسبة عمله بقوله أنه لا يكون للأول ما بقي على الوجه الذي قدمناه إلا بشرط أن لا يزيد على نسبة عمله يعني فلا يكون له على المثال المتقدم إلا درهمان ونصف.
قُلتُ: حاصل القول الثاني على تقسيره أنه لا يكون للأول على حساب تسمية الجعل الثاني مالم يزد على تسمية جعله، وهذا لا ينتج أن يكون له في المثال المفروض درهمان ونصف بل الجاري عليه أن يكون له خمسة، وهي جعله، وتسقط الزيادة عليه من جعل الثاني؛ لأن الغرض أن البناء فيما يأخذه على نسبة ما بقي لا على نسبة ما تقدم، وهذا القول لا أعرفه.
وقال الصقلي: إثر ما في «العتبَّة»: انظر الأول قد رضي بجعله عن كل العمل، فيجب أن يعطى نصفه بعمله نصف العمل، وهو حمله الخشبة لنصف الطريق ولآن المغابنة جائزة في الجعل وغيره، وقد تغلو الإجارة يوم عقد الثاني فكيف يعطى الأول على حساب عمل الثاني.
قُلتُ: ومقتضى هذا البحث أن يكون للأول من جعله بقدر عمله من جهة العمل، فيكون الصقلي: لا على الأصل الذي ذكره الشَّيخ فتأمله.
الجزء: 8 - الصفحة: 372
قُلتُ: تمام عمل مجاعل بفعل من جاعله كبيعة ثوبه بعد نداء مجاعل على بيعه، وبلوغه ثمنا لم يرض ربه ربه، ثم باعه في استحقاقه الجعل وسقوطه، ثالثها: إن باعه بقرب نداء الآول لابن حارث عن قولي أصحاب لقمان بن يوسف، وعنه مع المعاصي له هي الرواية ابن حارث: وإنما هذا الخلاف إن باعه بمثل ما بلغ أو قريب منه أو كان البائع جاهلاً بقيمتها، فإن كان جاهلاً فقد انتفع بما أخرج له من ثمنها، ولو كان عالماً أو باع بأزيد بكثير فلا شيء للمنادي إلا أن يبيع ممن دله المنادي عليهت، فلذلك يوجب حق الدلال، وتقدم قول ابن رُشْد آنفا أن القياس أن للدلال بحساب ما عمل من جعله، وأما تمام عمله فيما يرى بالإجتهاد أو على الجاعل بقدر انتفاعه به، ثالثها: عليه بقيمة عمله يومه، ورابعها: بقيمة اليوم لسماع عيسى ابن القاسم في انفلات الآبق، وسماعه في حفر البئر ومتقدم قوله في هذا السماع ولابن كنانة، وخامسها: اللخمي إن جاعل الثاني محتسباً بعمل الأول فالتاني، وإلا فالأول، وسادسها: الثاني ما لم يزد على الجعل الأول وسابعها: له من جعلهبقدر عمله من العمل لتفسير ابن عبد السلام ثاني نقلي ابن الحاجب.
ومقتضى بحث الصقلي: ولو مات المجعول له على اقتضاء دين قبل اقتضائه ففي كون وراثة مقامه إن كان أمنياً وأتى بأمين مطلقاً أو شرع الميت في عمله تخريج ابن رُشْد على لزوم الجعل الجاعل بالعقد، وسماع أَصبَغ ابن القاسم، وفيه موت المدين المجعول على اقتضاء دينه كحياته، ولو مات الجاعل لم يكن للعامل إتمام ما بقى إنما يلزم الجاعل ما دام حياً.
أَصبَغ: هذا استحسان، وفيه مغمز.
ابن رُشد: لأن الجعل لزم الجاعل باقتضاء البعض، ولو مات قبله، وبعد شخوصه فيه ثبت حقه خوف ذهاب عنائه باطلاً، ولوراثه اقتضاء ما أشرف على اقتضائه، وكذا في طلب الآبق، وحفر البئر له، ولوراثه إتمامه في موت الجاعل لا في حصاد زرع، ولقط زيتون اتفاقاً في الجميع.
الجزء: 8 - الصفحة: 373
قُلتُ: فيلزم عدم لزوم الجعل الجاعل بالشروع، وفي لقط الزيتون ونحوه، وفوت المجعول عليه بفعل الجاعل بعد لزوم عقده يوجب عليه جعله.
سمع القرينان: من جاعل على اقتضاء دين له بثلث ما يقتضيه عم آخر مدينة بعد اقتضاء ثلثي دينه بباقيه للعامل تمام جعله.
ابن رُشد: قول بعضهم ويتقاضى الثلث الباقي عاجلاً؛ لأن تأخيره يضر به غير صحيح؛ لأن التأخير لزم رب الدين، فيقتضي العامل ثلث الباقي، ويسقط تقاضي باقيه.
قُلتُ: يتخرجان على قوليهما في عتق سيد الجاني، الجاني، وموت الآبق قبل إيصاله يسقط جعله لعدم إتمام عمله.
ابن عبد السلام: لو فرضنا أن العقد عليه كان إجارة استأجره على طلبه شهراً فمات العبد في نصف الشهر انفسخت الإجارة هذا الجاري على المذهب لتعذر الحلف غالباً، ويلحق هذا الفرع بالمسائل التي استثنوها.
قُلتُ: ظاهر قوله فرضنا إلى آخره يقتضي أن ما وقع عليه عقد الجعل وقع عليه عقد الإجارة، ولا يصح ذلك؛ لآن العمل في الجعل لا يشترط العلم بقدره، ولا بصفته، وفي الإجازة لا بد منه فلا يصح فرض الإجارة إلا مع العلم بجملة الطلب وصفته، وقوله: انفسخت الإجارة اللا آخره خلاف المنصوص.
سمع عيسى: ابن القاسم: من علم محل آبقه فاستأجر رجلاً بكراء معلوم في طلبه، وقال له: إن جئتني به أو غيره فلك الأجرة؛ فبلغ الأجير قبل بلوغه بعد خروجه إن العبد خالفه، ورجع لربه فرجع الأجير أن للأجير الكراء بتمامه، ويرسله إن شاء في مثل ما قصر من الطريق، قد قيل: ليس له أن يرسل فيها قصر فيه من الطريق إلا برضاه، وقيل: لايجوز وإن رضي لأنه عسخ دين في دين إنما له أن يبعثه في بقية الطريق بعينها أو يعطيه أجره كاملاً، فعلى القول بمنع بعثه في مثل الطريق أو على القول بجوازه برضاه فلم يرض يكون له من الأجر بقدر ما سار من الطريق إلى المحل الذي رجع منه؛ لأنه فات برجوعه سيره ما بقى له من الطريق بعينه، ولو عثر على ذلك قبل رجوعه لم يكن
الجزء: 8 - الصفحة: 374
للمستأجر على هذين القولين إلا سيرة بقية الطريق بعينها أو دفع كل أجرته.
قُلتُ: فنص السماع وما ذكره ابن رُشد من الأقوال خلاف قوله: انفسخت الإجارة، ولا فرق بين موت العبد وإتيانه.
ولابن رُشْد: في سماع أصبغ: لو استأجر رجلاً على تبليغ عبد موضع كذا فمات في بعض الطريق أو أبق، ففي لزوم الإجارة، ويستعمله في مثل ما بقى، وانفساخها، وله من الأجر بقدر ما بلغ، ثالثها: الفرق بين الموت والإباق، ورابعها: تنفسخ في الإباق، ولا يكون له بقدر ما مضى، ولا تنفسخ في الموت لابن القاسم، وابن وَهْب من سماع أَصبغ ابن القاسم ولمالك، وللتخريج على قول مالك في تلف المستأجر على حمله من قبل ما عليه ابن الحاجب إن تنازعا في قدر الجعل تحالفا، ووجب جعل المثل.
قلتُ: تبع فيه ابن شاس قال: إن أنكر المالك سعى العامل في الرد: فالقول قول المالك، وإن تنتزعا في قدر الجعل تحالفا، ورجعاً لجعل المثل.
ابن هارون: القياس قبول الجاعل؛ لأنه غارم، ولأنه كمبتاع سلعة سلعة قبضها، وفاتت بيده؛ فالقول قوله إن ادعى ما يشبه، وإلا فقول خصمه إن ادعى ما يشبه، وإلا كمبتاع سلعة قبضها، وفاتت بيده؛ فالقول قوله إن ادعى ما يشبه، وإلا فقول خصمه إن ادعى ما يشبه، وإلا تحالفا، ورد الجعل المثل.
ابن عبد السلام: إنما يصح ما قاله إن أتيا بما لا يشبه وإلا فإن كان العبد باقياً بيد المجعول له، وأتى بما يشبه يشبه قبل قوله، فإن ادعى ما لا يشبه حكم بما قاله المؤلف هذا الجاري على حكم الإجارة.
قُلتُ: هذا أصوب من قول ابن هارون، والأظهر تخريج المسألة على قولها في القراض: القول قول العامل إن أتى بما يشبه، وفي رد فاسده لحكم نفسه؛ فيجب جعل مثله إن تم عمله، وإلا فلا شيء له أو للإجارة، فيجب أجر مثله فيما عمل، ثالثها: للأول في بعض المسائل، وللثاني في بعض لابن رُشْد في المقدمات قائلا: كالثلاثة في القراض.
الجزء: 8 - الصفحة: 375
قال: وتأتي في فاسد الجعل أقوال خارجة عما أصلناه، وهذا هو الصحيح فيها، وتقدم نقل قوله في البيان.
ابن شاس: مشارطة الطبيب على البرء، والمعلم على تعليم القرآن، والحافر على اسستخراج الماء في أرض معلومة الشدة، واللين وقرب مائها، وبعدها والمغارسة في أرض الجاعل وكراء السفن مختلف في كون جميعها جعلا أو إجارة.
الباجي: في مجاعلة الطبيب على البرء روايتان لها ولسَحنون.
المتيطي: إنما المجاعلة على أنه إن برأ فله كذا، وإن لم يبرأ فلا شيء له، وللعبيدي عن القابسي أن الدواء يكون من عند العليل، ولو كان من عند الطبيب كان غررا، ولا يصلح في حفر بئر أو عين إلا في عين ملك الجاعل، وقاله الجم الغفير.
قال بعض الموثقين: وهو أحسن، وأجاز مالك الجعل في الغرس في ملك الجاعل، وعقد ابن العطار وثيقة جعل في حفر بئر وطيها بالصخر في ملك الجاعل، واشترط الصخر على المعجول له.
قُلتُ: فيدخله أمران الجعل في أرض الجاعل، واجتماع الجعل والبيع.
ابن عات: الجعل على الحفر في أرض يملكها الجاعل خطأ، وما عقده ابن العطار جوزه مالك في المغارسة، وهي في أرض الجاعل.
قُلتُ: إنما جوزها مالك في ملك الجاعل؛ لأن عدم تمام العمل فيها لا يبقي نفعا للجاعل في أرضه بخلاف الحفر فيها، فتأمله فاعتراضهم بها لغو.
الجزء: 8 - الصفحة: 376