كتاب الاعتكاف
الاعتكاف لزوم مسجد مباح لقربة قاصرة بصوم معزوم على دوامة يومًا وليلة, سوى وقت خروجه لجمعة أو لمعينه الممنوع فيه.
الجزء: 2 - الصفحة: 100
وقول ابن الحاجب: لزوم المسلم المميز المسجد للعبادة صائمًا كافا عن الجماع ومقدماته يومًا فما فوقه بالنية؛ يرد بحشو المسلم المميز والنية والجماع لإغناء العبادة والمقدمات عنها؛ ويبطل طرده بلزومه لمجرد العبادة المتعدية, وبأن حال من اعتكف يومًا خرج فيه لحاجة الإنسان حين خروجه- إن كانت اعتكافًا- أبطلت عكسه؛ لعدم لزومه حينئذ, وإلا بطل باعتكافه سائر يومه غير وقت خروجه, ويبطله حال من أتم يومه قبل تمامه.
وقول ابن عبد السلام ذكره الصوم في قيود الرسم يشعر أنه ركن يرد بأن قيود الرسم لا تلزم ركنيتها, لجواز أنها أو بعضها خاصة, وأكثر عباراتهم أنه شرط.
القاضي: هو قربة كالشيخ: نفل هير.
الكافي: في رمضان سنة, وفي غيره جائز.
العارضة: سنة, لا يقال فيه مباح وقول أصحابنا في كتبهم جائز جهل.
ابن عبدوس: روى ابن نافع: ما رأيت صحابيًا اعتكف, وقد اعتكف صلى الله عليه وسلم حتى قبض وهم أشد الناس أتباعًا, فلم أزل أفكر حتى أخذ بنفسي أنه لشدته نهاره وليلة سواء, كالوصال المنهي عنه مع وصاله صلى الله عليه وسلم؛ فأخذ ابن رشد منه كراهته.
مالك: فيصح من المسلم عاقل التقرب, والزوجة وذو رق كغيرهما, ويفتقران- غير المكاتب فيما لا يضر بربه- لإذن الزوج والسيد.
وفيها: إن أذن لهما فليس له قطعة إن دخلا.
ابن شعبان: له منعهما ما لم يدخلا.
ورواه اللخمي في منعه الإحرام بعد إذنه قبله, واختار خلافه.
واحتجاجه بأنه أسقط حقه كقوله: أنت حر اليوم من هذا العمل؛ فإنه لا يستعمله.
قال: وهو في الحج أبين لعظم ثوابه, يرد بمنع لزومه إسقاط عمله؛ لأن كل ما للعبد لربه انتزاعه ما لم يتعلق به حق لغير العبد, ولم يحك عياض عن مالك إلا نقيض قول ابن شعبان في الاعتكاف.
وفيها على الأمة والعبد قضاء نذرهما قبل عتقهما بعده, ويجزئهما فعله بإذنه قبله, ولو منعه ربه اعتكافًا التزمه على نفسه؛ لزمه إن عتق, كقول مالك في من نذرت مشيًا أو
الجزء: 2 - الصفحة: 103
صدقة؛ لربها منعها, فإن عتقت لزماها إن بقي مالها بيدها, وفي عتقها إن حلفت بصدقة مالها؛ لزمها إن حنثت.
ابن القاسم: إن رده ربها بعد حنثها؛ لم يلزمها.
فقال بعض الأندلسيين: تناقض؛ وفرق القرويون بأن مسألة السقوط في مال معين, ومسألة اللزوم غفي غير معين؛ لقوله فيها: إن بقي مالها بيدها, كقول سحنون: إن رد مذره عكوفًا معينًا سقط وإلا فلا.
وقيل: رد في مسألة السقوط صدقتها, وفي مسألة القضاء إنفاذها.
عياض: وقيل تم الكلام بقوله منعها, وما بعده ابتداء.
قلت: استدلاله يمنع ابتدءاه, والاستدلال بشرط بقاء مالها بيدها على عدم التعيين ينتج العكس, والصواب لا تعارض , فلا تناقض, ولا حاجة لفرق؛ لأن مسألة اللزوم لم يذكر فيها ردًا, بخلاف مسألة العتق حسبما تقدم من نصها.
وقول ابن رشد: ليس في مسألة الاعتكاف بيان؛ لأن لا رد فيها وهو معناها, وتأويلها بعضهم على أن معناها بعد الرد لا يصح؛ لأن المعلوم من أقوالهم في عطية الزوجة لا يلزمها إن زالت العصمة بعد رد الزوج إن بقي المال بيدها, وحجر السيد أقوى من الزوج بعيد لظهور نصها في أن لا رد.
ابن محرز: عارض أشهب ابن القاسم في قوله بأن السيد إن حلل عبده من إحرام حج بغير إذنه لزمه قضاؤه إن عتق, وأجاب ابن محرز بحمله على حج كان نذره.
ولا تخرج معتكفة لعدة إلا بعده, فلو تقدمت منعته, ولو نذرت شهرًا معينًا ثم لزمتها قبله؛ ففي لزومها بيتها لها لتقدمها على الشهر ولغو اعتكافها وخروجها له التقدم نذره أول قولي الصقلي وثانيهما.
قلت: الأول: مقتضى قول ابن القاسم فيها من غر بعثار دابته في حمل دهن من مصر إلى فلسطين فعثرت بالعريش ضمن قيمته به.
والثاني: مقتضى قول غيره قيمته بمصر؛ لأنه منها تعدى.
والمعروف لزومه المسجد مطلقًا.
ابن رشد: شذ قول ابن لبابة بنفيه.
الجزء: 2 - الصفحة: 104
وفي كونه ركنًا أو شرطًا:
نص القبس مع ظاهر المقدمات والإكمال والذخيرة.
اللخمي: في استحباب عجزه عن رحبته وعكسه, ثالثها: سواء؛ لرواية ابن عبدوس لم أراه إلا في عجزه, ورواية ابن وهب لم أره إلا في رحبته, ولها.
قلت: نصفها في أول باب: لا بأس به في رحابه وفي آخره وليعتكف في عجزه؛ فظاهرها كالأول.
قال: وفي جواز ضرب الأبنية في رحابة قولان: لها ولا بن وهب.
الباجي: رحابه صحنه.
الموطأ: لا يعتكف فوق ظهره ولا في المنار.
الجلاب: لعلها التي لا يحوزها غلقه.
ومقابل الأشهر في قول ابن الحاجب بخلاف سطحه على الأشهر , لا أعرفه.
الشيخ: روى ابن عبد الحكم أكره دخوله بيت القناديل يعتزل فيه للصلاة, ومن اعتكف بمكة له أن يدخل الكعبة.
الباجي: في إباحة أذانه بالمنار, ومنعه روايتان.
وفيها: كره مالك للمؤذن المعتكف أن يرقى على ظهر المسجد, واختلف قوله فيه وفي صعوده المنار فقال مرة: لا, ومرة: نعم, وجل قوله ورأيي كراهته.
أبو عمر: في جوازه في كل مسجد وقصره على مسجد الجمعة روايتان.
عياض: زاد في رواية ابن عبد الحكم أو رحابه التي تجمع فيها الجمعة.
الباجي: إنما كرهه في مسجد غير الجمعة لمن تلزمه فيه.
اللخمي: إن اعتكف به فأخذته الجمعة في اعتكافه خرج إليها, وفي بطلانه وتمامه بالجامع, ثالثها: بمكانه الأول لرواية المجموعة وابن الجهم مع مالك وعبد الملك.
ابن زرقون: من أخذته الجمعة فيه خرج إليها, وفي بطلانه وصحته بالجامع,
ثالثها: إن اعتكف ما تأخذه فيه, وإن اعتكف مالا تأخذه فيه فمرض فخرج, ثم صح, فرجع فأخذته فيه بنى للمشهور, ورواية ابن الجهم وعبد الملك.
الجزء: 2 - الصفحة: 105
وروى ابن رشد: لا يصح في مساجد البيوت ولا لامرأة.
وفيها: لا يعجبني أن تعتكف في مسجد بيتها, إنما الاعتكاف في المساجد العامة.
ويخرج لحاجة الإنسان:
الباجي: يستحب كونها في غير داره.
وقال ابن كنانة: لا يدخل بيته ويتوضأ في غيره.
الشيخ: روى ابن نافع يكره دخوله منزله المسكون لحاجة الإنسان, فإن دخل أسفله وأهله في علوه؛ فلا بأس.
وفيها: أكرهه في بيته خوف الشغل بأهله, وكان من مضلا يتخذ بيتًا قرب المسجد غير بيته, ويخرج الغريب حيث تيسر عليه, ولا أحب بعده.
وإطلاق لفظ ابن الحاجب: ولو بعد خلافها ولا أعرفه.
الباجي: يستحب أن يستنيب من يشتري له ما لا بد له منه, فإنه تعذر جاز خروجه له.
أبو عمر: إن خرج لشراء فطره أو غسل جنابته أو لجنازة أب أو ابن لا قائم بهما غيره؛ ففي ابتدائه روايتان.
اللخمي: على قول عبد الملك يفسده خروجه للجمعة يفسده لطعامه.
قلت: هذا خلاف ما نقل عنه في الجمعة.
وسمع ابن القاسم لا يعجبني خروجه لأخذ طعامه من بيته, ولا بأس أن يغتسل حيث يخرج لحاجته للجمعة أو تبردًا ولغير ذلك.
وتخريج اللخمي منع خروجه لغسل الجمعة على منعه لصلاة العيد يرد بأن غسل الجمعة تبع لها, وهي من فعل الاعتكاف, بخلاف صلاة العيد.
وفيها: لا ينتظر في خروجه لغسل جنابته جفاف ثوبه, واستحب أن يكون له ثوب آخر.
وروى ابن نافع: لا يعجبني إن أجنب أول الليل أن يؤخر غسله للفجر.
قلت: تعجيله واجب؛ لحرمة مقام الجنب بالمسجد.
الشيخ: روى ابن وهب لا يعجبني دخوله الحمام لغسل جنابته لبرد الشتاء.
الجزء: 2 - الصفحة: 106
وفيها: لا بأس بخروجه لشراء طعامه إن لم يجد كافيًا, ثم قال: لا أراه, وأحب أن ر يعتكف حتى يكمل حوائجه.
قال عنه ابن نافع: لا يخرج لشراء طعام ولا غيره.
ابن رشد: إنما اختلف قوله بالجواز والكراهة لمن لا يجد كافيًا في ابتداء اعتكافه, فإن دخل فلا كراهة في خروجه لذلك, ولا يبطل اعتكافه اتفاقًا.
قلت: هذا خلاف متقدم رواية أبي عمر وتخريج اللخمي وقوله: اختلف قول مالك: فمنع خروجه له مرة ولو مع الضرورة , وأجاز مرة مع القدرة على استعداده.
الباجي: ويأكل بالمسجد, فإن خرج له أو لصلاة؛ بطل اعتكافه.
الشيخ عن المجموعة: كره أن يخرج له بين يدي المسجد , ولا بأس به داخل المنارة ويغلق عليه بابها.
وفيها: لا بأس أن تأكل معه زوجته بالمسجد وتصلح رأسه, ما لم يتلذذ منها ليلًا أو نهارًا.
الصقلي: يريد: ويخرج لها رأسه من باب المسجد.
وروى ابن نافع: لا يخرج لأداء شهادة وليؤدها بمسجده.
اللخمي: روى العتبي: يؤديها به, وتنقل عنه.
ابن محرز: كذي عذر المرض وغيره.
قال: والأولى أنه كغائب وبقية اعتكافه كمسافة الغيبة.
وسمع ابن القاسم: يخرج لمرض أحد أبويه ويبتدئ اعتكافه.
ابن رشد: لأنه لا يفوت , وبرهما يفوت.
وفي الموطأ: لا يخرج لجنازتهما.
ابن رشد: لأنه غير عقوق, ولا يخرج لعيادة مريض.
الشيخ عن ابن القاسم: ولا لعلاج عينيه, وليأته من يعالجه.
وفيها: لا يعود بالمسجد مريضًا, ولا يقوم به ليعزي أو يهنئ أو ينكح, إلا أن يغشاه بمجلسه, ولا بأس أن ينكح ويتطيب, ويبيع ويبتاع ما خف من عيشه, ونقله أبو عمر بإسقاط: من عيشه.
الجزء: 2 - الصفحة: 107
الجلاب: لا يبيع بالمسجد.
وفيها: ولا يأخذ من شعره وأظفاره, ولا يدخل إليه لذلك حجامًا, وإن جمعه وألقاه, وإنما كره ذلك لحرمة المسجد.
الشيخ عن ابن حبيب: أما طيب وحلق شعر, وقص ظفر , وقتل دواب, وعقد نكاح له أو لغيره, فلا يحرم عليه في مجلسه, إلا أنه يكره له الاشتغال بشيء من هذا.
وقول ابن عبد السلام: ظاهره إباحته في المسجد لغير المعتكف؛ يرد بمنعه, ولا يوهم ذلك إلا من مفهوم يكره له الاشتغال بشيء من هذه, فيدل على نفي الكراهة لغيره, فيرد بأن المفهوم هو ثبوت نقيض يكره الاشتغال بشيء من ذلك لغير المعتكف, وهو أعم من ثبوت كل ما ذكر أو بعضه وحرمة الباقي أو كراهته, كمفهوم يكره للمعتكف القيام لعقد النكاح بالمسجد وتزويقه.
وروى ابن نافع: ولا يحكم إلا فيما خف, وابن وهب: لا بأس أن يتزين بالحلي.
وفي قصر عمله على الصلاة والقراءة والذكر وعمومه في عموم كل عبادة المشهور, وقول ابن وهب, وفيها: لا يعجبني أن يصلي بمكانه على جنازة.
ابن نافع عنه: وإن اتصل به المصلون عليها.
وفي المعونة: جوازها به.
وفي أذانه بالمسجد طريقان.
اللخمي: جائز.
عياض: إن كان يرصد الأوقات أو يؤذن بغير معتكفة من رحاب المسجد فيخرج إلى بابه, كره, وإلا فظاهرها جوازه, وكرهه في العتبية.
فضل: اختلف قول مالك فيه.
مطرف: له أن يؤم.
عياض: روى ابن وضاح عن سحنون: لا يجوز أن يؤم في فرض ولا نفل, ثم قال إن كان لا يمشي مع المؤذنين؛ فلا بأس.
الإكمال: منع سحنون إمامته في فرض أو نفل في أحد قوليه, وكذا أذانه في غير منار.
الجزء: 2 - الصفحة: 108
وفيها: أكره أن يقيم الصلاة مع المؤذنين؛ لأنه يمشي إلى الأمام وذلك عمل.
وفيها: لا يجلس مجالس العلماء, ولا يكتب العلم إلا ما خف, وتركه أحب.
الجلاب: لا بأس أن يكتب بالمسجد ويقرئ غيره القرآن بموضعه.
ابن العربي: كل ما جاز في المسجد جاز له من علم وتدريس, إنما الخلاف في ما بخارجه.
والمذهب أن يصوم شرط له, وأسقطه ابن لبابة, وعلى الأول؛ يكفي في تطوعه كونه في واجب رمضان أو غيره, وفي كون منذوره كذلك ولزوم صوم له.
نقلا الصقلي مع ابن حارث عن ابن عبد الحكم وسحنون مع ابن الماجشون وعزو الباجي الأول لمالك تعقبه ابن زرقون: بعدم وجوده له.
ولم يحك اللخمي غير الثاني وقيده بكون الناذر نوى له أنه لا يكون إلا في صوم غير واجب, ولو علم صحته في واجب أو جهل شرط الصوم فيه؛ صح فيه في واجب, وقول ابن القاسم فيها: إن حاضت في شعبان ناذرة عكوفة وصلت قضاءها بما اعتكف وإلا ابتدأت؛ ظاهره الأول.
ولو منع مرض صومه فقط؛ ففي بقائه بمعتكفة وخروجه حتى يصح قولا القاضي مع تخريج اللخمي على قولها: إن صح أو ظهرت , ورواية المجموعة.
باب ما يجب به خروج المعتكف من المسجد
وتخرج منه لطرو حيض أو مرض يمنعه أو إغماء أو جنون:
فإن زال قبل الغروب؛ ففي وجوب رجوعه حينئذ قولها: إن صح أو طهرت رجعا لحينهما قبل الغروب وتخريج اللخمي على رواية المجموعة.
التونسي: ظاهر قول ابن القاسم فيها: إقامته ليلة الفطر بالمسجد, وهو يقول لا يقيم به لامتناع صومه وأيام الذبح ولياليها لمن اعتكف عشر ذي الحجة فمرض ثم صح كليلة الفطر وصومه.
الجزء: 2 - الصفحة: 109
وروى ابن القاسم: من صح قبل يوم الفطر فرجع لتمامه بعده لا يثبت فيه بمعتكفه.
وروى ابن نافع: يرجع بعد صلاة العيد, وذكر التونسي عن عبد الملك في عيد الأضحى: كمن اعتكف عشر ذي الحجة فمرض ثم صح؛ ففرق ابن محرز لخوف إيهام صوم يوم الفطر, والتونسي بعدم قبوله الصوم.
عياض واللخمي: تناقض وأخذه منه صحة اعتكاف من تعذر صومه لكبر أو عطش؛ يرد بانسحاب حكم الصوم قبله وبعده عليه.
ابن حارث عن ابن عبدوس: أخذ سحنون برواية ابن نافع, وقال عنه ابنه: لا يخرج لصلاة عيد.
الجلاب: لو اعتكف خمسًا من رمضان وخمسًا من شوال خرج يوم الفطر باقيًا عليه حرمة العكوف ويرجع قبل الغروب.
وقال عبد الملك: لا يخرج ويومه كليل.
وقول ابن عبد السلام في قول ابن الحاجب: ولو طرأ ما يمنعه الصيام دون المسجد كالمريض إن قدر والحائض تخرج ثم تطهر؛ ففي لزوم المسجد, ثالثها: المشهور يخرجان, فإذا صح وطهرت رجعا تلك الساعة وإلا ابتدأ.
قوله: مشكل غاية؛ لإيهامه أن الخلاف في لزوم الحائض كالمريض؛ وإنما الخلاف في لزوم المريض وفي عودها للمسجد, لا في لزومها له.
وإطلاق اللزوم على العود مجاز بعيد, واستعمال اللفظة في حقيقتها ومجاز يرد بمنع نفي اللزوم عنها؛ لأن لزومه لها هو نقيض مفارقته, وهو متصور فيهما, فكونه في المريض مستصحبًا حسًا وحكمًا وفيها حكمًا فقط؛ لا يكذب قولنا هو لازم لها, فلا يكون مجازًا, فلا بعد ولا جمع بين حقيقة ومجاز, وبأن ظاهر قوله وضوح تصور الأقوال الثلاثة بعد ارتكاب ما ذكر من المجاز المذكور ولا يتضح؛ لأن الثالث هو الأول فيها, ويتصور باعتبار تعميم قوله بما يمنعه الصيام في الصورتين وفي المرض المانع المسجد وتقريرها:
الأول: بقاء ذي المرض مانع الصوم فقط ورجوع ذي المرض المانع المسجد
الجزء: 2 - الصفحة: 110
والتي طهرت؛ لاشتراك الكل في منع مفارقة المسجد, وهو معنى اللزوم.
الثاني: خروج الأول وعدم رجوع الآخرين.
الثالث: خروج الأول ورجوع الآخرين.
باب مبطل الاعتكاف
وتبطله القبلة والمباشرة للذة ولو ليلًا:
ابن رشد: اتفاقًا.
الشيخ عن ابن القاسم: ولو سهوًا.
عياض: اتفاقًا, وفي المقدمات شذ قول ابن لبابة: يصح الاعتكاف بغير المسجد ولا يلزمه ترك المباشرة إلا فيه.
وشك اللخمي في بطلانه بذلك بوجود اللذة خلاف إطلاق مطرف وقبوله.
ابن رشد: كظاهرها.
أبو عمران: وطء المكرهة كالمختارة.
الصقلي: والنائمة كاليقظانة والاحتلام لغو.
عياض: وتقبيله مكرهًا لغو إن لم يلتذ.
ابن محرز: في إبطاله الكبيرة كقذف وشرب قليل خمر قولا البغداديين والمغاربة.
أبو عمر: روى الأول ابن خويز منداد, وفيها: إن سكر ليلًا وصحا قبل الفجر؛ فسد اعتكافه, فقال الأولون: إنه للكبيرة, والآخرون: لتعطيل عمله.
ابن محرز: وعليه لو سكر من لبن أدخله على نفسه؛ أفسده.
اللخمي: إن علم أنه يذهب عقله, قال: ويفسده شرب قليل خمر لا يسكره.
على رواية محمد: إعادة صلاته أبدًا مدة ما يرى بقاءه في بطنه وعلى رأي نجاسة عرق شارب الخمر؛ لبطلان صلاته تلك المدة ويبني بعد ذهاب ذلك على ما مضى من عكوفه.
قلت: في بنائه نظر؛ لأنه إفساد بعمد والحائض كغيرها, وفي قصر حرمته عليها
الجزء: 2 - الصفحة: 111
مدة خروجها في منع لذة الرجال بالقبلة والجسة لا في منع التصرف وعمومه إلا في المسجد فقط سماع أبي زيد ابن القاسم وقول سحنون.
باب ما يوجب ابتداء كل الاعتكاف
؟؟؟؟ اتصال أيامه وابتداء كله بإفساد بعضه عمدًا مطلقًا ونسيانًا بغير فطر الغذاء, وبه يقضي ثانيًا إن كان من رمضان.
الباجي: أو واجب غيره, وإن كان في نفل ففي عدم قضائه نقل الباجي عن ابن الماجشون مع ابن رشد عن ابن سحنون, ورواية ابن زرقون مع ظاهرها عنده, وابن رشد عن ابن القاسم قائلًا بشرط اتصاله.
الصقلي: قول ابن حبيب لا قضاء خلاف قول مالك ويحتمل الوفاق.
ونقل ابن الحاجب سهو غير الأكل كآكل وهم, وما مرض فيه من نذر مبهم أو رمضان قضاه ومن غيره في قضائه, ثالثها: إن مرض بعد دخوله لابن رشد عن رواية ابن وهب فيها وسحنون وتأويل ابن عبدوس قول ابن القاسم فيها.
وفيها: إن مرض شعبان ناذر عكوفه؛ لم يقضه, ومن نذرت عكوف شعبان فحاضت فيه وصلت القضاء بما اعتكفت فيه وإلا ابتدأت.
قال سحنون: هذه مختلطة والأصل لا قضاء.
وفرق ابن عبدوس بما مر, وقاله أبو مصعب وغيره: بأن قضاء الحائض على قضاء ناذر ذي الحجة أيام النحر؛ لأن تكرر الحيض يصيرها كناذرة أيامه, ومال إليه الطابثي ووفق أبو تمام بأن معنى وصلت قضاءها: أي: اعتكاف ما بقي من الشهر لا أيام حيضها.
الجزء: 2 - الصفحة: 112
وشرط منافيه لغو:
عبد الحق عن بعض البغداديين: لو نذره كذلك لم يلزمه إلا بدخوله فيبطل شرطه, والخارج منه في السواحل والثغور لخوف رجع مالك عن ابتدائه لبنائه قائلًا: لا يعتكف في زمن خوف ولا يدع ما خرج له من غزو.
اللخمي: إن ابتدأ في أمن فكمرض, وخروجه لطلب حق يبطله.
وفي ابتداء من أخرجه قاض لحق واستحبابه روايتا:
ابن القاسم وابن نافع فيها, وفيها: لا ينبغي إخراجه إلا أن يعتكف لددا.
اللخمي: إن بقى لتمامه يسير لم يخرجه إلا أن يخاف تغيبه ولم يأت بحميل.
قلت: كقولها: لا يرد عبد بعيب إحرامه إن قرب إحلاله ومن أخر بناءه ابتدأ.
وقول ابن الحاجب: ما اختلف في إيجابه الكفارة اختلف في إيجابه الاستئناف.
نقضوه وحر بالوطء ناسيًا لإيجابه الاستئناف اتفاقًا.
وقوله: وما اختلف في وجوب قضاء صيامه اختلف في قضائه؛ نقضوه بمذي القبلة والمباشرة.
ابن رشد: في كون أقل مستحبة يومًا وليلة أو عشرة قولا ابن حبيب وغيره.
ابن حبيب: وأعلاه عشرة.
ابن رشد: وعلى أنها أقلة؛ أكثره شهر ويكره ما زاد عليه.
قال: وقول مالك مرة أقل الاعتكاف يوم وليلة ومرة عشرة؛ أي: أقل مستحبة لا واجبة؛ إذا لا يلزم من نذر اعتكاف أقل من العشر العشر اتفاقًا, وناذر مبهمة يلزمه على الأول يوم وليلة, وعلى الثانية عشر.
المازري: قولا مالك فيمن نذره مبهمًا ولا حد لأكثره ولا لأقله لمن نذره.
أبو عمر: روى ابن وهب أقله ثلاثة أيام.
اللخمي: مادون العشرة كرهه فيها, وقال في غيرها: لا بأس به ويجب بالنذر وأقله بابتدائه وغيره به مع النية.
الشيخ عن عبد الملك: لا بها فقط.
وقول ابن العربي:" نذر الكافر لا يلزم إجماعًا, وقوله صلى الله عليه وسلم لعمر حين قال نذرت
الجزء: 2 - الصفحة: 113
اعتكافًا في الجاهلية:" أوف بنذرك"؛ لأنه نواه وعزم عليه.
وكل عبادة يتقرب بها العبد تلزمه بمجرد النية العازمة الدائمة كالنذر في العبادات" كالنص في لزومه بمجرد النية.
قال عبد الملك وسحنون: لو ابتدأ خمسًا بقين من رمضان ناويًا خمسًا من شوال أو عشرًا ناويًا فطر خامسها لم تلزمه الخمسة الثانية.
قلت: يناقضان بقولها: لو خرج ناويًا سير عشرين ميلًا وإقامة أربعة أيام ثم سير عشرين ميلًا وإقامة أربعة أيام؛ قصر من حين خروجه, ويجاب بقوة منافاة عدم الاعتكاف؛ لأنها لذاته وضعف منافاة الإقامة حكم السفر؛ لأنها لبلوغها أربعة أيام لا لذاتها, وما مر لعبد الملك في الجلاب لعله بنذر وما نذر منه لزم.
اللخمي: إن كثر ما يضر به ضررًا بينًا؛ سقط ما يضر لرده صلى الله عليه وسلم تبتل عثمان.
قلت: التبتل منهي عنه, والاعتكاف نفل أو سنة, ونذر يوم يوجبه وليلة.
ابن حارث: اتفاقًا وفي كون نذر ليلة كذلك ولغوه قولها وقول سحنون, وتصويبه اللخمي: بأنه إن صح ما نذره أتى به وإلا سقط.
قال ويلزم ابن القاسم من نذر ركعة أو صوم بعض يوم ركعتان وصوم يوم؛ يرد: بأن قوله وإلا سقط يمنع لزومه؛ لأن ما لا يصح إن كان لذاته سقط, وإن كان لكونه جزءًا من طاعة منع سقوطه بل كونه كذلك يوجبه؛ لأن ما لا يتوصل للواجب إلا به وهو مقدور واجب, وظاهر قوله بطلان ما ألزمه ابن القاسم, وليس كذلك؛ بل هو حق يؤيده ما مر لابن رشد في أن العشر أقل مستحبه لا واجبه, واتفاق المذهب على أن النذر كالشروع في الإيجاب, واتفاق المذهب على أن مطلق الشروع فيما لا يتجزأ من
الجزء: 2 - الصفحة: 114
العبادات يوجب كلها فكذا نذره.
وفي شرط يومه بدخوله عند مغرب ليلته أو قبل الفجر قولان؛ لنقل اللخمي عنها يدخل المغرب ويخرج في غير ليلة الفطر مع ابن رشد عن سحنون, والمعونة, مع اللخمي عن رواية المبسوط وابن محرز عن البغداديين.
قلت: ومعنى قول مالك في الموطأ:" يدخل المعتكف معتكفه قبل الغروب" الاستحباب لا اللزوم؛ لنقل الشيخ عن المجموعة: روى ابن وهب: يدخل معتكف العشر إذا غربت الشمس, ولنقل اللخمي عنها اتحاد وقت دخوله وخروجه.
الشيخ عن ابن الماجشون: إن دخله قبل الفجر لم يعتد بيومه فيما التزم من أيامه, وهو في يومه معتكف إن فعل فيه ما يقطع اعتكافه؛ لزمه ما يلزم المعتكف.
قلت: يريد يلزمه بدله يوم وليلة, وقول اللخمي: أرى دخوله عند طلوع الفجر لقول عائشة:" كان صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر وكنت أضرب له خباء فيصلي الصبح ثم يدخله" وهم؛ لأن الضمير للخباء لا للاعتكاف, وفي رواية مسلم:" إّا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه" أي: محل اعتكافه وقاله عياض.
ابن رشد: وحمل قولي سحنون والمعونة على الخلاف أظهر من حمل بعضهم الأول على النذر والثاني على النفل.
قلت: هو الصقلي قائلًا ظاهر الروايات أنها قولان.
باب الجوار في الاعتكاف
والجوار, روى ابن وهب في المجموعة مع ابن القاسم فيها كالاعتكاف, الا جوار مكة يقيم نهاره فقط لا صوم فيه.
وفي إيجاب نيته والدخول فيه بمكة وغيرها يومًا كالصوم أو لا قولا عبد الحق والصقلي عن أبي عمران قال: لأنه ذكر لا صوم فيه يتبعض كالقراءة لا يلزم من نوى
الجزء: 2 - الصفحة: 115
قدرًا منه جميعه, وفيها لمالك: جوار مكة إنما يلزم بالنذر لا بالنية.
ابن القاسم: ونذره بغير مكة لازم إن كان بمسجد بلده.
ابن رشد: إن جعل على نفسه فيه الصيام فكاعتكاف يجب بالنية والدخول.
ومن نذر اعتكافًا بمسجد غير بلده لزم ببلده إلا مسجد مكة أو المدينة أو إيلياء فيه ويخرج في غير العشر الأواخر من رمضان لغروب آخر أيامه.
واختار اللخمي لطلوع فجر تلك الليلة لحديث أبي سعيد: "حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها".
وفي العشر يؤمر بالمكث لطلوع الفجر ليخرج لصلاة العيد.
وفي كونه وجوبًا إن خرج قبله أو أحد منافيًا فسد اعتكافه- أو استحبابًا فلا يفسد بهما- نقل اللخمي عن ابن الماجشون, مع أبي عمر عن رواية المبسوط, وقول سحنون: هي السنة المجمع عليها, والقاضي, مع سماع ابن القاسم, وأبي عمر عن تحصيل مذهب مالك رادًا قول سحنون بوجود الخلاف.
الباجي: روى ابن القاسم وسحنون عنه: لهع الخروج لغروب الشمس.
ابن زرقون: انظر أين روياه إنما في العتبية, وكتاب ابن سحنون: إن خرج لم يضره لا أنه يخرج ابتداء.
الباجي: انظر لو كان مريضًا يقدر على الاعتكاف ويعجز عن المشضي لصلاة العيد, هل يقيم ليلة الفطر أم لا؟
وفيها: إن أوصى ناذر عكوف مات قبل فعله بإطعام أطعم عنه لكل يوم مسكين مدًا نبويًا, ولو نذره عاجزًا عن صومه وأوصى بالإطعام إن لزمه فلا شيء عليه.
الشيخ عن ابن حبيب: أفضله العشر الأواخر من رمضان.
لالتماس ليلة القدر.
الجزء: 2 - الصفحة: 116
روي في الموطأ التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة.
زاد فيها: قال مالك أرى التاسعة ليلة إحدى وعشرين والسابعة ليلة ثلاث وعشرين والخامسة ليلة خمس وعشرين.
الباجي: قال عيسى عن ابن القاسم رجع مالك, وقال: هذا حديث مشرقي لا أعلمه.
الشيخ: روى ابن حبيب التمسوها في تاسعة أو سابعة أو خامسة أو ثالثة أو آخر ليلة وفسره كما تقدم.
ابن رشد: المذهب أنها تنتقل وأغلب انتقالها في العشر الوسطى ليلتي سبع عشرة وتسع عشرة وفي العشر الأواخر في أوتارها.
وقول ابن حبيب: تتحرى جميع لياليها على كمال الشهر, بعيد.
قال: والقول برفعها غير صحيح, وعلى الصحيح.
قيل: لا تنتقل مبهمة في كل العام, وقيل: في كل الشهر, وقيل: في العشر الوسطى والأخرى, وقيل: في الأخرى, وقيل: معينة ليلة إحدى وعشرين, وقيل: ثلاث وعشرين, وقيل: سبع وعشرين, وقيل: ثلاث وعشرين أو سبع وعشرين.
أبو عمر: قول مالك والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور تنتقل في العشر الأواخر.
قلت: فيتحصل فيها تسعة عشر قولًا.
الأول: مبهمة في كل السنة قاله ابن مسعود.
الثاني: لعياض عن ابن عمر وغيره من الصحابة مبهمة في كل الشهر.
الثالث: في العشر الوسطى والأخرى.
الجزء: 2 - الصفحة: 117
الرابع: في الأخرى فقط.
الخامس: روايتها مع رواية ابن حبيب والموطأ.
السادس: لا بن العربي عن الأنصار تنتقل في أشفاع العشر الأواخر.
السابع: نقل ابن رشد عن المذهب.
الثامن: نقله عن ابن حبيب.
التاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر: ما ذكر من أقوال التعين.
والثالث عشر: لا بن العربي عن ابن الزبير ليلة سبع عشرة.
الرابع عشر: لعياض عن علي وابن مسعود ليلة سبع عشرة أو إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين.
الخامس عشر: له عن الحسن وقتادة وغيرهما ليلة أربعة وعشرين.
السادس عشر: لنقل ابن العربي ليلة خمس وعشرين.
السابع عشر: لنقله ليلة تسع وعشرين.
الثامن عشر: ليلة التاسع عشر لنقل عياض.
التاسع عشر: رفعها.
الجزء: 2 - الصفحة: 118