قلت: ظاهره أن لا خلاف في ذلك، إلا ما ذكره عن ابن حبيب.
وفيها: من اكترى دابة على أن يركبها بعد شهر.
قال مالك: لا بأس به إن لم ينقد، وقال غيره: لا يجوز وتقدم هذا، وحكم النقد في مسألة الدولة، وقول ابن الحاجب: يصح إجارة الرقبة، وهي مستأجرة أو مستثني منفعتها مدة تبقى فيها غالباً.
ابن عبد السلام: قوله: الرقبة تشمل الحيوان وغيره واضح، وحكم غير الحيوان في محله، وتبع ابن شاس الغزالي في شرط المنفعة بالقدرة على تسليمها فيمتنع استئجار الأخرس للتعليم والأعمى للحفظ ونحوه.
والعجز الشرعي كالحسي لا يجوز على إزالة عضو محترم أو حائض على كنس مسجد.
قلت: تقدم نحو هذا في أحكام المساجد في الصلاة، وتبع ابن شاس الغزالي في قوله العجز الشرعي كالحسي في الإبطال لو استأجر على قلع سن صحيحة أو قطع يد صحيحة لم يجز، ولو كانت متآكلة والسن متوجعة جازت وإتباعه الغزالي في مسألة اليد وإضافته ذلك للمذهب خير أن يقال فيه لا يحل؛ لأن كل مؤلف في مذهب هو مؤتمن على نقل أقوال أهل ذلك المذهب، فإن لم يجد المسألة لهم ووجدها في غير المذهب وزعم أن مقتضى مذهبنا هو مذهب المخالف ذكر ذلك، كما فعل ابن بشير وغيره في مسألة فاقد مطلق القدرة على الحركة في الصلاة، وعقله ثابت؛ ولذا والله أعلم لم يتبعه ابن الحاجب والمسألة منصوصة عندنا في سماع عبد الملك في كتاب الديات قال: أخبرني من أثق به عن ابن وهب وأشهب من ذهب بعض كفه فخاف على باقي يده لا بأس أن يقطع يده من المفصل إن لم يخف عليه الموت.
ابن رشد: إن كان خوف الموت من بقاء يده كذلك أشد من خوف موته بقطعة فله القطع وفيها لا يعجبني الإجازة على تعليم الفقه والفرائض لكراهة مالك بيع كتبها.
اللخمي: وعليه تكره على كتابته، وروي محمد منع بيعها في الدين، وقال في غير
الموازية: الوارث فيها كغيره إن كان أهلاً لها، وقاله سحنون، وعليه لا يجوز على تعليمه أو كتابته، وقيل: ذلك جائز، وتباع في الدين وغيره لمحمد بن عبد الحكم بيعت كتب ابن وهب بثلاثمائة دينار وأصحابنا متوافرون فلم ينكروه، وكان أبي وصيه فعلى هذا تجوز الإجارة على تعليمه وكتابته وهو أحسن، ولا أرى أن يختلف اليوم فيه؛ لنقص حفظ الناس وفهمهم عن من تقدم.
قال مالك: لم يكن للقاسم ولا لسعيد كتب، وما كنت أكتب في هذه الألواح.
وقلت لابن شهاب: أكنت تكتب العلم.
قال: لا.
قلت: أكنت تطلب أن يعاد عليك الحديث.
قال: لا، فلو فعل الناس هذا ضاع العلم وتلف رسمه والناس اليوم مع كتبهم في قصور والقول في الفروع بالاجتهاد، والقياس واجب، ومعرفة أقوال المتقدمين والترجيح بينها معين في مواضع الاجتهاد يجوز للمفتي أن يكون له أجر من بيت المال.
قلت: في الأجر على الشهادة لاف، وكذلك في الرواية، ومن شغله ذلك عن جل تكسبه فأخذه الأجرة من غير بيت المال لتعذرها عندي خفيف، وهو محمل ما سمعته من غير واحد عن بعض شيوخ شيوخنا، وهو الشيخ الفقيه أبو علي بن علوان أنه كان يأخذ الأجر الخفيف في بعض فتاويه.
وفيها: لا يعجبني على تعليم النوح والشعر أو كتبه.
اللخمي والصقلي عن ابن حبيب: لا باس بها على تعليم الشعر والرسائل وأيام العرب، ويكره شعر الخمر والخنا والهجاء، وعلى قوله: (يجوز على كتبه وبيع كتبه) قلت: كراهة شعر الخمر وما بعده على الحرمة، وانظر هذا مع ترويه كثير من الأشياخ كتاب مقامات الحريري مع فحش بعض ألفاظها ولقد أخبرني بعض ثقات أصحابي أنه رواها على إمام الجامع الأعظم ببلدنا، وهو الشيخ الإمام الخطيب أبو محمد بن البراء قال: فلما انتهيت إلى الموضع الذي يتلو قوله عفا الله عنا وعنه فانظر على أيهما امتنعت من التصريح باللفظ وكنيت عنه فقال لي: لا تكن وانطق بكذا فإني كذا رويته على جدي
أبي أبي الفقيه الشهير أبي القاسم ابن البراء، وكان هذا بدويرة جامع الزيتونة، وعكس هذا أخبرني بعض أشياخي أن بعض الفضلاء نسخ بيده بعض كتب الأدب فوجد فيه مواضع غير مكتتبة فبحث عنها فوجدت أنها ألفاظ فاحشة، وفيها: أكان مالك يعرف الدفاف في الأعراس ويجيز الإجازة فيه.
قال: كرهها والمعازف.
عياض: ظاهره أنه راجع للإجارة وهو أشبه؛ لأنه عين عمل الصالحين والإجارة في هذا مكروهة، وعلى الإجارة اختصرها أكثرهم وإن كان ضرب الدف جائز مما جاء في العرس، فليست الإجارة مثله إذ ليس كل مباح تجوز الإجارة عليه، والإجارة على الأذان والصلاة والقسم تقدمت في مواضعها، وفيها: من قتل رجلاً ظلماً بأجر فلا أجر له وحكم القصاص والأدب في الجراح، وفيها: لا يصلح أن يبني مسجداً ليكريه ممن يصلي فيه ولا بيته وإجارتهما لذلك غير جائزة، وأجازة غيره في البيت.
عياض: لأنه يسبب من مكارم الأخلاق.
اللخمي: من بني مسجداً ليكريه؛ جاز.
قلت: اقتصاره على هذا دون ذكر قولها أنه لا يجوز غير صواب وإن وافق مفهوم نقل الصقلي عن سحنون إنما لم يجز كراء المسجد؛ لأنه حبس لا يباع ولا يكرى والبيت ليس مثله كراؤه جائز.
اللخمي: إن أكرى بيته أو داره ممن يصلي فيهما في أوقات الصلوات فقط كره؛ لأنه ليس من مكارم الأخلاق، فإن نزل مضى وإن أخلا البيت وسلمه جاز.
قلت: هذا خلاف قوله: (من بني مسجداً ليكريه جاز) إلا أن يريد: ليكريه لغير الصلاة وهو بعيد، ولما ذكر عياض معنى كلام اللخمي قال: فعلى هذا يحتمل كون قول الغير وفاقاً بأن تكلم على وجه وتكلم ابن القاسم على آخر أو تكلم على الفعل ابتداء والغير عليه بعد الوقوع، وسقط قوله في رواية يحيي فيها اكتراء الدار؛ لأن يتخذها مسجداً عشر سنين جائز، ولم أسمعه من مالك ونقضها لمن بناها مسجداً عياض أشار حمديس إلى أن قوله في الدور خلاف قوله: في البيت ولا فرق بينهما.
اللخمي: من اكترى أرضاً يتخذها مسجداً أجلاً مسمى جاز، وله بعد الأجل نقض ما لا يصح بناؤه للسكني أو لا يوافق بناء الدور، وما يصح بناؤه للسكني إن لم يجعله حبساً فلرب الأرض أخذه بقيمته منقوضاً واختلف إن كان حبساً، وأن ذلك له أحسن.
قات: قوله: (وله نقض ما لا يصح للسكنى) اتبع فيه التونسي.
قال: لأن رب الأرض لا يقدر أن ينتفع به؛ لأنه على صورة مسجد.
زاد الصقلي عن بعض القرويين: إلا أن يلتزم إبقاءه مسجداً فيأخذه بقيمته منقوضاً، ويلزمه إبقاؤه مسجداً، ولما ذكر الصقلي قولها كان النقض لمن بناه.
قال: وقال سحنون في غير المدونة: فيجعله في غيره.
قال ابن أبي زيد: وقول ابن القاسم أبين، وليس مثل الأرض مستحق، وقد بنيت مسجداً؛ يريد: هذا يجعله في غيره؛ لأنه أخرجه من يده لله تعالى على التأبيد، والآخر إنما جعله في مدة فيرجع إليه بعد تمامها.
الصقلي: كمن دفع فرسه لمن يغزو به غزوة، ثم يرجع إليه.
قلت: فما ذكره الصقلي من قول سحنون، وابن القاسم يفسر قول اللخمي: اختلف إن كان حبساً وفيها لا يعجبني لمن في قرية لأهل الذمة كراء داره أو بيعها ممن يتخذها كنيسة أو بيت نار ولا دابته لركوبها في أعيادهم ولا بيع شاة لذبحها في أعيادهم، فإن نزل بيع الدار أو كراؤها ففي لزوم صدقته بكل الثمن والكراء، أو بجزء الثمن المسمى الخارج من تسميته فضل قيمتها مبيعه لما فرض على قيمتها مبيعه لما يجوز من القيمة الأولى، وكذا في الكراء، ثالثها: هذا في البيع والأول في الكراء للصقلي قائلاً عن شيوخه.
قلت: لم يذكر عبد الحق غير الثالث وجعل كراء الارض؛ لأن تبني كنيسة كبيع الدار لا لكرائها، وفيها: لا يحل إجارة الرجل نفسه في بناء كنيسة لقول مالك: لا يواجر نفسه في محرم ابن القاسم، وأرى إن واجر نفسه أو شيئاً مما يملكه في شيء من الخمر أن لا أجر له، ويفعل بالأجر إن قبض ولم يقبض ما يفعل في ثمن الخمر.
قلت: سنذكره في كتاب الأشربة إن شاء الله تعالى.
عبد الخالق: إن أجر على رعاية خنازير أو عمل خمر وشبهه فسخ متى عثر عليه، فإن فات وقبض الأجر تصدق به عليه، وإن واجر نفسه فيما يمتهنه النصراني فيه تحت يده من خدمة ونحوها فكذلك، ولا يتصدق عليه بالثمن، وإن واجر نفسه فيما لا يكون فيه تحت يده وامتهانه كحراسة وقراض كره، فإن نزل مضى وسمع القرينان جوابه عن المسلمة ترضع ولد النصرانية بأنه إن أعطته ثديها فلا باس به، فإن ذهبت عندهم في بيوتهم فلا يعجبني.
ابن رشد: وهذا كما قال أنه مكروه، فإن وقع فسخ فإن فات مضى ولم تحرم الأجرة، وإجارة المسلم نفسه من الكافر أربعة أقسام جائزة، وهو أن يعمل له في محله كالصانع في حانوته، ولم يستبد به بعمل الكافر ومكروهة، وهو أن يستبد بجميع عمله من غير كونه تحت يده ككونه مقارضاً أو مساقياً له ومحظورة، وهو أن يكون في عمل تحت يده كالخدمة في بيته والإرضاع له فيه تفسخ فإن فاتت مضت وكانت له الأجرة، وحرام كحمل الخمر ورعي الخنازير إن فات يتصدق بالأجر.
قلت: والإجارة على بناء دورهم إن كانت لمجرد سكناهم دون بيع الخمر فيها، فهي كالمساقاة وإلا فهي كبناء الكنيسة.
اللخمي: إن واجره على حمل زق زيت معين بعشرة فظهر أنه خمر تصدق بفضل قيمة حمله خمراً على المسمى، وإن كان على عين معين فأحضر زقاً فحمله، ثم ظهر أنه خمر فله أجر مثله فيه على أنه زيت، وما زاد اللخمي: تصدق به والعقد الأول باق ولو آجره على معين على أنه خمر، ثم ظهر أنه زيت فله أجر مثله والعقد الأول منفسخ، وفيها: أيجوز للعزب إجارة امرأة ولو أمة تخدمه.
قال: كره مالك أن يعادل الرجل المرأة في محل ليس بينهما محرم، فإجارته للخدمة وللأهل له وهو يخلو بها أشد كراهة.
اللخمي: إجارة الرجل المرأة إن كان عازباً لم يجز، وإن كان مأموناً، وإن كان له أهل، وهو مأمون جاز وإلا لم يجز، وإن كانت متجالة لا أرب فيها لرجل جاز، وكذا
الشابة مع شيخ فان ولا تعادل امرأة رجلاً في محمل وإن كان مأموناً لقوله صلى الله عليه وسلم: "باعدوا بين أنفاس الرجال والنساء" وسواء كان معها زوجها أم لا وسمع عيسى ابن القاسم في النكاح: لا بأس أن يقوم الرجل بحوائج المرأة الغريبة الكبيرة تلجأ إليه ويناولها الحاجة وليدخل معه غيره أحب إلي؛ إذ لو تركها الناس لضاعت.
ابن رشد: وهذا إذا غض بصره عن ما لا يحل نظره إليه، وروى ابن القاسم فيها: لا بأس بإجارة العبد الصانع على أن يأتيه بالغلة ما لم يشترط عليه في العقد خراجاً معلوماً/ ولو وصفته عليه بعد إياه ولم تضمنه إياه جاز.
اللخمي: روى الشيخ في مختصره لا ضير في استئجاره على أن يجيبه بالغلة، وهو أصل مالك في كل من اشترى شيئاً على أن يعمله بائعه والمشتري يصير إلى أمر مجهول كالزرع على أن بائعه حصده ودرسه، وقد قالوا من اشترى سلعة على أن يبيعها بائعها أنه فاسد.
ويجوز على تعليم القرآن في حديث البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله".
وفيها: لا بأس بالإجارة على تعليم القرآن كل سنة أو كل شهر بكذا أو على الحذاق للقرآن أو على أن يعلمه كله أو سدسه بكذا ونحوه سمع القرينان ابن رشد: إجارة ذلك هو المذهب، وأجمع عليه أهل المدينة وهم الحجة على من سواهم، واحتج ابن رشد بحديث جواز الجعل على الرقية بالقرآن حسبما هو مذكور في الجعل والإجارة عليه جائزة مشاهرة، ومقاطعة على جميعه أو على جزء منه معلوم نظراً أو ظاهراً ووجيبة لمدة معلومة من الشهور، أو الأعوام فالمشاهرة غير لازمة لأحدهما والوجيبة والمقاطعة لازمة لهما، وأجاز ابن حبيب أن يسمي المقاطعة أجلاً ورواه وهو
خلاف المشهور في توقيت ما أجله فراغه، وقال: يقضي بالحذقة في النظر والظاهر بقدر حال الأب ويسره وقوة حفظ الولد تجويده؛ لأنه مكارمة جرى الناس عليها إلا أن يشترط الأب تركها، فإن أخرج الأب ابنه قرب الحذقة لزمته، وإن بقى له ما له بال كالسدس ونحوه سقطت، وليس عليه حساب ما مضى منها، وإن شرط المعلم عليه الحذقة لم يجز دون تسميتها، وإن أخرج الأب ابنه قبل بلوغها لزمه بحساب ما مضى ولو قل.
قال ابن حبيب: ولا يقضي بالأخطار في الأعياد، وإن كان فعله مستحباً في أعياد المسلمين، ويكره في أعياد النصارى كالنيروز والمهرجان، ولا يجوز لمن فعله ولا يحل لمن قبله؛ لأنه من تعظيم الشرك.
قلت: فلا يحل على قوله قبول هدايا النصارى من أعيادهم للمسلمين، وكذا اليهود وكثير من جهلة المسلمين من يقبل منهم ذلك في عيد الفطيرة عندهم وغيره.
ابن رشد: وجه تفرقة ابن حبيب بين الأخطار والحدقات، وإن كان القياس أن لا فرق بينهما إذا جرى بهما العرف هو أن الحدقة إنما بلغها الصبي بتعليم المعلم، واجتهاده وبلوغه عنده العيد لا عمل له فيه، وفي نوازل سحنون سئل عن المعلم لا يشترط شيئاً فيجري له في الشهر الدرهم والدرهمان أيقضي له بالحذقة.
قال: يحملون على حال البلد وسنتهم إلا أن يشترط شيئاً فله شرطه، وأما بالحذقة فليس فيها شيء معروف إلا على قدر الرجل برجاله.
ابن رشد: إيجابه بالحذقة بالعرف، وإن لم يشترط هو على أحد قولي مالك في القضاء بهدية العرس، وإن لم يشترط إن كانت جارية بالبلد ولم يحكم بها في قوله: يقضي بها بحكم المهر كالمشترطة ولا بحكم الهبة إنما حكم لها بحكم الصلة المقصود بها عين الموصول، فأبطلها بموت أحدهما، وكذا يجب في بالحذقة لا يقضي بها لوارثه إن مات على الأب ولا على ورثة الأب إن مات للمعلم، وعليه يأتي قول ابن حبيب؛ لأنه لا فرق بين بالحذقة المشترطة والواجبة بالعرف في موت الصبي، أو إخراجه قبل بلوغه بالحذقة.
قلت: للصقلي عن محمد: أجاز مالك التعليم مشاهرة ومقاطعة، وكل شهر وكل سنة، فكذا ولكل واحد منهما الترك متى شاء، وظاهره عدم اللزوم في المقاطعة خلاف ما تقدم لابن رشد.
قلت: فاللفظ الذي ذكرته وجدته في غير نسخة وفي لفظ بعض النسخ احتمال، ونصها في النوادر وفي الموازية: أجاز مالك التعليم مشاهرة ومقاطعة وكل شهر وكل سنة بكذا ما لم يقل مثله في سنة أو في سنتين، فإن سميا فلا ترك لأحدهما، وإن قال: كل سنة وكل شهر فلكل منهما الترك.
قلت: مفهوم لفظ الأول يؤيد لفظ الصقلي، ومفهوم لفظ الأخير يؤيد نقل ابن رشد وهو الصواب.
اللخمي: الجائزة على وجهين مشاهرة ومساناة إن لم يذكر قدراً يعمله في تلك المدة، وعلى حدقه شيء معلوم ربع أو نصف أو جميعه كذلك، فإن جمع بين الأجل والقدر الذي يعمله فيه فإن فعل ولا يدري هل يتعلم ذلك القدر في المدة فسدت الإجارة، واختلف إن كان الغالب أنه يتعلمه فيها فأجيز ومنع فإن انقضى الأجل ولم يتعلم فيه ذلك القدر فله أجر مثله ما لم يزد على المسمى، وقال ابن الجلاب: قيل: لا يجوز على التعليم إلا مدة معلومة مشاهرة وغيرها؛ يريد: اختلاف أفهام الصبيان فالمشاهدة أخف غرراً.
الصقلي عن ابن حبيب: إن شارطه المعلم على أن يحذقه، وله كذا فليس لأبيه إخراجه حتى يتم.
قال: ولا يضره في حذقة النظر خطأ الصبي في السورة إلا حرف وليس كمن لا يخطئ، وإن لم يستمر القراءة فلا حذقة له، ورأيت أن أكمل هذا الفصل بالضروري من كلام الشيخ أبي الحسن القابسي في كتابه المشتمل على بيان أحكام المعلمين والمتعلمين على وجه الإيجاز قال: قوله صلى الله عليه وسلم: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" فيشمل الوالد
لتعليمه ولده إياه ولو بأجرة تعليمه العلم، ولقد أجاب ابن سحنون أبا ولد كان يطلب العلم عليه عن قوله له: إني أتولى العمل بنفسي ولا أشغله عما هو فيه، أجرك في ذلك أعظم من الحج والرباط والجهاد القابسي إن ترك الأب تعليم ولده القرآن لشح قبح فعله ولقلة عذر، فإن كان للولد مال فلا يدعه دون تعليم وليه، أو قاضي بلده أو جماعته إن لم يكن قاض، وإن لم يكن له مال توجه حكم الندب على وليه وأمه الأقرب فالأقرب وتعليم من أسلم ما يصلي به فرض كفاية يتعين على من انفرد به دون عوض، وتعليم الأنثى ما تصلي به كالذكر ويتعين على الولي والزائد على ذلك للأنثى حسن، وكذا العلم لا الرسائل والشعر وترك تعليمها الخط أصون ويكون المعلم معهم مهيباً لا في عنف لا يكون عبوساً مغضباً ولا منبسطاً مرفقاً بالصبيان دون لين.
قلت: ويكتفى في إباحة انتصابه بستر الحال للمتزوج ويسأل عن غيره، فإن لم يسمع منع إلا العفاف أبيح له، ويمنع من يتحدث عنه بسوء مطلقاً وبهذا جرى العمل وهو الحق.
قال: وعليه أن يزجر المتخاذل في حفظه أو صفة كتبه بالوعيد والتقريع لا بالشتم كقول بعض المعلمين للصبي يا قرد، فإن لم يفد القول انتقل للضرب والضرب بالسوط من واحد إلى ثلاثة ضرب إيلام فقط دون تأثير في العضو فإن لم يفد زاد إلى عشر.
قلت: ضرب معلم صبياً بالسوط في رجله لتكرر قلة حفظه فحدث برجله من ضربه قرحة صارت فاصولاً أشك في موته به.
قال: ومن ناهز الحلم وغلظ خلقه ولم ترعه العشر فلا باس بالزيادة عليها.
قلت: الصواب اعتبار حال الصبيان شاهدت غير واحد من معلمينا الصلحاء يضرب الصبي نحو العشرين وأزيد، وكان معلمنا يضرب من عظم جرمه بالعصى في
سطح أسفل رجليه العشرين وأكثر، ومنعه الزجر بقول يا قرد الصواب فعل بعضهم ذلك، وقد أجازوه للقاضي لمن يستحقه مع قدرته على ضربه، وكذا كان بعض شيوخنا يزجر به في مجلس إقرائه من يستحق الزجر لتعذر الضرب ونقلوه عن بعض شيوخهم وسمعنا منهم في ذلك عن شيوخهم مقالات ممن نقل لنا عنه شائعًا الشيخ الفقيه العدل الخطيب أبو محمد البرجيني، والشيخ النحوي المشهور بالزلدوي، وكان يصدر كثيرًا من شيخنا أبي عبد الله بن الحباب وقليلا من شيخنا أبي عبد الله بن عبد السلام - رحمهما الله - وفائدة ذلك واضحة لمن أنصف؛ لأنها تكسب تثبت الطالب فيما يريد أن يقوله من بحث أو نقل، وقد والله سمعت شيخنا ابن عبد السلام زجر بعض أهل مجلسنا في مدرسة الشماعين في قول قاله ما يقول هذا مسلم، وكان هذا المقول له حينئذ متصفًا بعدالة الشهود المنتصبين للشهادة، وخطة القضاء بالبلاد المعتبرة ولم يترك لذلك مجلسه إلى أن توفي رحمهما الله تعالى، والأعمال في ذلك بالنيات.
قال: ومن اتصف من الصبيان بأذى أو لعب أو هروب من المكتب استشار وليه في قدر ما يرى من الزيادة في ضربه قدر ما يطيق.
قُلتُ: أما في الإذاية فلا يستشيره؛ لأنه حق عليه ويتعذر طلبه عند غير المعلم لتعسر إثبات موجبه، واستحب سحنون أن لا يولي أحدًا من الصبيان ضرب غيره منهم سحنون ولا يضرب وجهًا ولا رأسًا، ومن حسن النظر التفريق بين الذكور والإناث.
قال سحنون: أكره خلطهم؛ لأنه فساد.
قُلتُ: أما من بلغ حد التفرقة في المضجع فواجب تفريقه منهم.
قال: ويحترز من يخاف فساده على الصبيان ممن قارب الحلم إذا كان ذا جرأة.
قُلتُ: الصواب في هذا منع تعليمه معهم.
قال: ولا تقبل شهادة بعضهم إلا من عرف بالصدق فيقبل قوله وينهاهم عن الربا في تبايعهم طعامًا بطعام وبفسخه، وما فات فهو في مال مفوته أو ذمته.
سحنون: وشراء الفلقة والدرة وكراء موضع التعليم على المعلم فإن استؤجر على صبيان معلومين سنة معلومة فعلى أوليائهم كراء الموضع، وأما تعليمهم في المسجد
فروى ابن القاسم: إن بلغ الصبي مبلغ الأدب فلا بأس أن يؤتى به المسجد، وإن كان صغيرًا لا يقر فيه ويعبث فلا أحب ذلك، وروى سحنون: لا يجوز تعليمهم فيه؛ لأنهم لا يتحفظون من النجاسة، وهذا هو الصحيح، ى وأجاب سحنون عن معلم أراد أن ينتقل من موضع لآخر: بأنه إن لم يضر ببعض الصبيان لبعده من داره فله ذلك، وإلا فإن كان عقد إجارته مع من يتضرر بذلك على اللزوم فليس له ذلك إلا بإذن وليه وإلا جاز دون إذنه، وذكر القابسي هنا: حكم جنايته على الصبي، وهو مذكور في الجراح ومتعلق تعليمه بالذات قراءة القرآن حفظًا أو نظرًا.
ابن سحنون: ينبغي أن يعلمهم إعراب القرآن، ويلزمه ذلك والشكل والهجاء والخط الحسن وحسن القراءة بالترتيل، وأحكام الوضوء والصلاة وفرائضها وسننها وصلاة الجنائز ودعائها وصلاة الاستسقاء والخسوف.
قُلتُ: حمل قوله: عندي إعراب القرآن هو بتعليمه معربًا احترازًا من اللحن والإعراب النحوي متعذر وحسن القراءة إن أراد به التجويد فهو غير لازم في عرفنا إلا على من شهر بتعليمه، وأما أحكام الوضوء وما بعده فواضح عدم لزومه وكثير من المعلمين لا يقومون بذلك.
قال: ويجب عدله بينهم في التعليم لا يفضل فيه بعضهم على بعض، ولو تفاضلوا في الجعل إلا أن يبين ذلك لوليه في عقده أو يكون تفضيله في وقت غير وقت تعليمه، ولا يعلمهم قراءته بالألحان لنهي مالك عنها ابن سحنون عنه ولا يعلمهم أباجاد ونهى عن ذلك؛ لأني سمعت حفص بن غياث يحدث أن أباجاد أسماء الشياطين ألقوها على ألسنة العرب في الجاهلية فكتبوها.
قال محمد: وسمعت بعض أهل العلم يقول هي أسماء ولد سابور ملك فارس أمر من في طاعته من العرب بكتبها فكتبوها.
قال محمد: فكتبها حرام وأخبرني سحنون عن ابن وهب عن يحيى بن أيوب عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: قوم ينظرون في النجوم ويكتبون أباجاد لا خلاق لهم.
قُلتُ: لعل الأستاذ الشاطبي لم يصح هذا عنده، أو لم يبلغه أو رأى النهي إنما هو باعتبار استعمالها على أصل ما وضعت له لا مع تغيرها بالنقل لمعنى صحيح، وعلى هذا يسوغ استعمالها عددًا كسراج الدين في التحصيل، واختصار الأربعين وغيره.
عقدها: يجوز مؤجلًا لمدة معلومة فيلزم، ومشاهرة فلا يلزم أحدهما.
ابن حبيب: قال مالك: يجوز أن يشارط المعلم على الحذقة ظاهرًا أو نظرًا ولو سميا أجلًا أصبغ إن تم الأجل ولم يحذقه فله أجر مثله.
القابسي: ففرق أصبغ بين ضرب الأجل للمعلم والخياط إذا كان الفعل يمكن الفراغ منه فيه.
قُلتُ: قد سوى اللخمي وابن رشد بينهما.
قال القابسي: والحذقة كل ظاهرا حفظ كل القرآن ونظرا قراءته في المصحف.
وقدر عوضها ما شرطاه، فإن لم يشترط فهي على حال الأب في كسبه وحفظ الصبي وقراءته مع اعتبار حسن خطه، فإن نقص تعلم الصبي في أحدهما فلمعلمه من الحذقة بقدر ما تعلم، فإن لم يستمر الصبي في الحفظ أو في القراءة في المصحف فلا شيء لمعلمه ويؤنب المعلم علي تفريطه إن كان يحسن التعليم وعلى تغريره إن لم يحسنه، فإن اعتذر بدله الصبي اختبر، فإن بان صدقه فله من الأجر بقدر حرزه وتأديبه إلا أن يكون عرف أباه ببلهه.
قُلتُ: أو يكون الأب عرف ذلك.
قال: ومحل الحذقة من السور ما غررت فيه عرفًا مثل لم يكن وعم وتبارك والفتح والصافات.
قُلتُ: فلم يذكر الفاتحة وهي حذقة في عرفنا.
قال: وكذا عطية العيد تثبت بالعرف، وقول سحنون: لا يلزم الحذقة إلا في ختم القرآن وغيرها تفضل معناه: إن لم تكن عادة بغيرها، وكذا قول ابن حبيب لا يجب الإخطار ولا يجوز إعطاء في عيد العجم حدث أسد بن موسى عن الحسن بن دينار عن الحسن البصري: أنه كان يكره إعطاء المعلم في النيروز والمهرجان إنما كان المسلمون
يعرفون حق المعلم في العيدين ورمضان، وقدوم غائب القابسي إنما المعروف العيدان، وأما غيرهما وعاشوراء ففعل الخاصة، وأجاب القابسي عمن علمه معلم بعض القرآن ثم أكمله له غيره بأن: لكل منهما من الحذقة بقدر ما علم أنصافًا أو أثلاثًا، ونحوه وربما استحقها الأول فقط إن بلغ من تعليمه مقاربة الختم بحيث بلغ ما يستغنى به عن المعلم وربما استحقها الثاني فقط إن قل لبثه عند الأول ولم ينل من تعليمه ما له بال، وقال ابن حبيب: إن شورط المعلم على أجر معلوم في كل شهر أو شهرين، وعلى قدر معلوم في الحدقة فلوليه إخراجه، وعليه من الحذقة بقدر ما قرأ منها، ولو لم يقرأ منها إلا الثلث أو الربع فعليه بحسابه لاشتراطه ما سمى مع إخراجه، ولو شارطه على أن يحدقه بكذا أو كذا لم يكن لوليه أن يخرجه حتى يتم حذقته.
القابسي: فرق هذا التفريق ولم يذكر حجة عليه، وقال: ما حاصله أنهما سواء لاشتراكهما في التزام الولي الحدقة، واختصاص أحد الصورتين بزيادة قدر في كل شهر لا يوجب حل ما لزم بالتزام الحذقية، وأن لوليه إخراجه وعليه بقدر ما بلغ منها.
قُلتُ: يمكن تقرير وجه تفرقته أنه إذا شارطه على الحدقة فقط كان أمدها العرفي كمدة معينة عاقدة عليها غير مقرونة بما يدل على انحلال عقدها، فإذا ضما عليها شرطقدر في كل شهر كان دليلًا على عدم لزوم عقدها، وصرفه لحكم عقد المشاهرة.
قال: وإنما حصلت له بقدر ما بلغ إذا أخرجه في المشارطة على الحدقة لا في رأيته من تجويز الإجارة التي لم يشترط لها غاية فما حصل منها كان عليه من الأجر بقدره.
وأما حكم بطالة الصبيان فقال سحنون: تسريحهم يوم الجمعة سنة المعلمين.
ابن عبد الحكم: لمن استؤجر شهرًا بطالة يوم الجمعة وتركهم من عشي يوم الخميس؛ لأنه أمر معروف وبطالته لهم كل يومه بعيد؛ لأن عرضهم أجزائهم فيه من عشي يوم الأربعاء وبطالتهم في الأهياد هي على العرف هي في الفطر ثلاثة أيام، وكذا في الأضحى ولا بأس بالخمسة.
سحنون: من عمل الناس بطالة الصبيان في الختمة اليوم وبعضه، ولا يجوز أكثر من ذلك إلا بإذن أولياء الصبيان، فقيل له: ربما أهدى الصبي للمعلم ليزيده في البطالة.
قال: هذا لا يجوز.
القابسي: ومن هنا سقطت شهادة أكثر المعلمين؛ لأنهم غير مؤدين ما يجب عليهم إلا من عصمه الله، وبعثهم لمن تزوج أو ولد له ولد ليعطوا شيئًا ليأتون به مؤدبهم لا يجوز، وكذا ما يأتون به من بيوت آبائهم إلا بإذنهم.
قُلتُ: بعثهم لدار بعض الأولاد لختمة أو لنفاس أو ختان أمر معروف في بلدنا، والغالب أنه لا يكون مسير الولد لذلك إلا بعلم من وليه؛ لأنهم لا يمشون لذلك بمعهود ثيابهم بل بثياب التجمل والتزين في الأعياد.
قال: واتخاذه بعضهم يملي على بعض حسن، ولا يجوز بعثهم في حوائجه، ولا ينبغي أن يتشاغل عن تعليمهم بشيء، وإن نزلت به ضرورة استناب مثله فيما قرب.
قال سحنون: ولمن استؤجر على تعليم صبيان تعليمه غيرهم إن لم يضر بهم ولم يشترط عليه عدم الزيادة عليهم.
وشركة المعلمين جائزة إن كانوا بمكان واحد وإن كان بعضهم أجود تعليما من بعض؛ لأن فيه رفقاء يمرض بعضهم فيقوم الصحيح مقامه، وإن كان بعضهم عربي القراءة والآخر ليس كذلك؛ لكنه لا يلحن فلا بأس بذلك، قاله مالك وابن القاسم، وعن مالك: لا يصح حتى يستويا في العلم، فإن كان أحدهما أعلم لم يصلح إلا أن يكون لأهلهما فضل من الكسب بقدر عمله على صاحبه القابسي إن لم يكن لأحدهما من الزيادة إلا أنه يعرب قراءته والآخر لا يعربها ولا يلحن أو أحدهما رفيع الخط والآخر ليس كذلك إلا أنه يكتب ويتهجا فهذا قريب مغتفر في الشركة في الصنائع والتجارات، ولو كان أحدهما يقوم بالشكل والهجاء وعلم العربية والشعر والنحو والحساب، وما لو انفرد معلم القراءة بجميعه لجاز شرط تعليمه إياه مع تعليم القرآن؛ لأنه يعين عل ضبطه وحسن معرفته هذا إن شارك من لا يحسن إلا قراءة القرآن والكتب كانت الإجارة بينهما متفاضلة على هذه الرواية على قدر علم كل منهما، ولو استؤجر أحدهما لتعليم النحو والشعر وشبهه والآخر على تعليم القرآن والحساب ما صحت شركتهما، وقيل: لأنس كيف كان المؤدبون على عهد أبي بكر وعمر وعثمان
وعلي رضي الله عنهم قال: كان للمؤدب إجانة يجيء كل صبي يوم نوبته بماء طاهر يصبه فيها، يمحون به ألواحهم، ثم يصبون ذلك الماء في حفرة من الأرض فينشف.
قُلتُ: قال الجوهري: الإجان واحدة الأجاجين، ولا يقال: إنجانة، وقال في باب آخر: المركن بالكسر الإجانة التي تغسل فيها الثياب ابن سيدة.
يقال: إجانة وإنجانة وينبغي أن يصب ذلك الماء بالمواضع البعيدة عن النجاسة، وكان معلمنا يأمر بصبه في حفرة بين القبور وينبغي أن يحفظ منه؛ لأن غالب الصبيان لا يتحفظون في أيديهم من نجاسة أبوالهم.
قال محمد بن سحنون: حدثنا موسى عن جرير عن منصور قال: كان إبراهيم النخعي يقول من المروءة أن يرى في ثوب الرجل وشفتيه مداد.
وتجوز الإجارة على عمل في جزء من معين شائع إن لم يشترط عدم قسمة فيها تجوز إجارة شريك في طعام شريكه على عمله لبيعه ببلد آخر إن ضرب له أجلًا، وعلى أنه متى شاء قسمه فإن شرط عدمه لم يجز، فإن نزل ففيه كراء المثل، وكذا في طحنه.
الصقلي: يريد ضرب الأجل بعد الوصول للبلد ولا ينقده إجارة البيع، وفيها: وكذا في رعاية غنم بينهما إن شرط خلف ما هلك من حظه.
قال غيره: واعتدلت في القسم.
الصقلي: قال بعض أصحابنا: محلها عند ابن القاسم على الاعتدال فيه، وأن الإجارة على نصف عددها، فإن قسما وصار له أكثر من نصف عددها لم يلزم الأجير ما زاد على نصفها، وإن صار له أقل منه فله إتمامه.
قُلتُ: وتقدم في مساقاة نخل بينهما بحث فيها فتذكره، وفيها: لا تجوز عتلى حمل طعام إلى بلد كذا بنصفه إلا أن ينقده نصفه مكانه؛ لأنه بيع معين تعلى تأخير قبضه لأجل.
الصقلي: إن وقع بينهما جاز على قول أشهب وابن حبيب.
اللخمي: إن لم يشترط قسمه ولا بقاءه جاز وحمله وطحنه إذ لا غرض في بقائه.
الصقلي: قال ابن أخي هشام: إن حمله إلى البلد فللحمال نصفه، ويغرم مثله إلى
المحل الذي حمله منه وله كراؤه في النصف الآخر ما بلغ، وعابه بعض شيوخنا وقال: يلزمه إن هلك الطعام ضمان نصفه؛ لأنه على قوله بالقبض لزم ذمته وهو بعيد؛ لأن علة الفساد منع الحامل من قبض حظه إلى أن يصل إلى البلد المحمول إليها فكيف يضمن هلاكه قبل البلد وقبله.
الصقلي: ويرد بمنع ملزومية قول ابن أخي هشام ضمانه قبل وصوله الذي جعل بطلانه يوجب بطلان قول ابن أخي هشام، وسند المنع ما هو بين به الراد عليه بطلان تضمينه، ولا يلزم من عدم ضمانه وصول بطلان قول ابن أخي هشام؛ لأنه بوصوله للبلد زال حجر منعه قبضه لتوقيته بعدم وصوله فكونه تحت يده بمحل وصوله هو قبض له وهو حينئذ بحالة مخالفة لحالته يوم بيعه وهي صيرورته منقولًا، فصدق أنه مبيع بيعًا فاسدًا فات بالنقل فتأمله.
وعلم المنفعة بصنفها وقدرها شرط حصوله بالنص واضح كخياطة رومية أو عربية فيها إن واجرته على إن خاطه اليوم فبدرهم وإن خاطه غدا فنصف درهم، وإن خاطه خياطة رومية فبدرهم وإن خاطه خياطة عربية فنصف درهم لم يجز، وهو من وجه بيعتين في بيعة إن خاطه له أجر مثله ما بلغ.
قال غيره: في الأولى إلا أن يزيد على الدرهم أو ينقص عن نصفه فلا يزاد ولا ينقص.
الصقلي: عن الشيخ: قال بعض الأندلسيين في قول غير ابن القاسم: يعني إن خاطه اليوم قيل: ما قيمة خياطته على تعجيلها اليوم فلا يزاد على درهم ولا ينقص من نصفه، وإن خاطه غدًا قيل: ما قيمتها إلى غد على ما ذكرنا ولابن أبي زمنين عن بعض الأندلسيين تفسير غير هذا وهو أصوب.
قُلتُ: لم أقف على تفسير ابن أبي زمنين وقول ابن القاسم مثل نص قولها في الرواحل: إن اكتريت من رجل على أنه إن أدخلك مكة في عشرة أيام فله عشرة دنانير، وإن أدخلك في أكثر فله خمسة فسخ، فإن نزل فله كراء مثله في سرعته وإبطائه، وقال بعض الفاسيين في تأويل قول الغير: ثلاثة أقوال: الأول أن له أجر مثله ما لم يزد على
الدرهم، أو ينقص عن نصف درهم خاطه في اليوم الأول أو الثاني القول الثاني ما لم يزد على الدرهم في اليوم الأول أو ينقص عنه أو يزيد على نصف درهم في اليوم الثاني أو ينقص عنه القول الثالث ما لم يزد على الدرهم في اليوم الثاني، ويأخذ أقل منه مطلقًا أو ينقص عن نصف درهم في اليوم الأول، ويأخذ ما زاد عليه مطلقًا، وذكر ابن رشد قولها في الرواحل: على أنه متفق على منعه للشك في سعة الأجل للوصول فيه.
قال: فإن فات بالسير فعلى قول غيره في كتاب الجعل له أجر مثله ما لم ينقص عن الأقل، وما لم يزد على الأكثر، وللشيوخ في تأويل قوله: أوجه الول هذا سواء بلغ الأجل أو لا الثاني إن بلغ فيه المثل ما لم ينقص عن الأقل، وإلا فله الأقل من اكتراء الكراءين أو المثل ولو فضله الأقل الثالث إن بلغ فيه فأكثر الكراءين وإلا فأقلهما، وعزا الثاني لابن أبي زمنين.
ويطب في أجل المنفعة كونه يسعها:
قال ابن رشد: في أول مسألة من سماع ابن القاسم الإجارة عشيء بعينه كخياطة ثوب أو نسخ غزل أو طحن قمح وشبهه مما الفراغ منه معلوم لا يجوز تأجيله بوقت يشك في سعته له اتفاقًا، وإن كان لا إشكال في سعته إياه ففي جوازه قولان لظاهر هذا السماع من سماع عيسى ابن القاسم، ودليل قولها فيمن استأجر ثورًا على أن يطحن له كل يوم إردبين فوجده لا يطحن إلا إردبا له رده؛ لأنه جعل في الإردب الذي طحن ما ينوبه ولم يفسخ الإجارة، وقول ابن حبيب بإجازة مشارطة المعلم على إحذاق الولد في أجل مسمى، ونقله عن أصبغ والمشهور مع سماعه بعد هذا في رسم سلف ورسم المحرم وسمع القرينين.
قُلتُ: ذكر اللخمي القولين غير معزوين وقال: أرى أن يمضى؛ لأن الغرض أن يشرع في تلك المدة فإن خاطه بعد الأجل حط من المسمى بقدر ما بين قيمتي عمله في الوقت المشترط ووقت عمله، ولابن حبيب عن ابن الماجشون: إنما له أجر المثل، وسمع ابن القاسم من قال: لمن استخاطه ثوبًا بدرهم بعد عقده عجله اليوم وأزيدك نصف درهم أرجو خفته، ولا بأس به ولم يره كالرسول يزاد لسرعة السير، ولا أحب
إن يتكاراه على تبليغ كتاب لبلد بدينار، ويقول له إن بلغته يوم كذا فلك زيادة نصف دينار، وأكرهه سحنون: لا بأس به بعد وجوب الكراء.
ابن رشد: أجازه في تعجيل الثوب؛ لأنه ممكن ولا ينبغي له مطله؛ لأنه إضرار به لغير سبب، وله أن يتسع في عمله، ويؤخره لعمله غيره أو لبعض حوائجه على عرف تراخي الصناع فزيادته على تفرغه لعمله جائز، وكرهه في تعجيل توصيل الكتاب معناه: إن لم يكن على يقين من إدراك إأيصاله ذلك اليوم إن أسرع، ولو كان على يقين جاز كالثوب، ولو شك في تعجيل الثوب في ذلك اليوم كان كالرسول يبين ذلك قوله في التفسير ليحيى إن كثرت الثياب كره ذلك فيها، ولا فرق بين الثياب الكثيرة والثوب إلا الشك في الثياب الكثيرة هل يفرغ منها في ذلك الوقت، ومعنى إجازة سحنون ذلك في الرسول أنه على يقين من وصوله ذلك اليوم فالأقوال كلها متفقة.
الصقلي: عن ابن ميسر مسألة الرسول والثوب سواء، وقال ابن عبد الحكم: خفف ذلك فيهما وكره، وإجازته أحب إلي وبه أخذ سحنون.
قُلتُك ظاهره أنه حمله على الخلاف.
وعلم صفة العمل بوصفه المنضبط أو عرف، كذلك إن تماثل وإن اختلف لزم بيان قدرتهما كخياطة وحرز شهرًا أو خدمة حضر وسفر فيها يستعمل أجيرًا لخدمة على عرف الناس من خدمة الليل والنهار كمناولة الثوب والماء لا فيما يمنعه النوم إلا أن يعرض له الحاجة المرة بعد المرة، ولا بأس أن يستعمله فيها في بعض الليل على وجه ما يعرف الناس، ولم أسمعه إنما سمعته في العبد يستعمل في النهار استطحنه بالليل.
قال: لا بأس به في العبد الخفيف العمل لا في الثقيل العمل الزرنوق يطلع وينزل والأخير في اشتراطه على أجير الخدمة ما يريده من سفر أو حرث لتباعد هذه الأعمال، ولا بأس بما تقارب ككنس البيت والعجن وشبهه.
اللخمي: إن استأجره على خدمة شهر إن شاء في الحضر، وإن شاء في السفر لم يجز، وإن شرطهما معا جاز إن لم ينقده شيئًا؛ لأن الشهر الثاني لا يجوز نقد أجره لمخالفته الأول وما ينقده واجب فضه ولو استأجره شهرًا في السفر بعد عقده شهرًا في الحضر
دون نقد جاز، بخلاف منع غير ابن القاسم كراء راحلة يركبها بعد شهر للتحجير، ولا يدرى في هل يسلم أم لا ولا حجر فيما تقدم كراؤه واستخدام الأجير فيما خف ليلًا، إنما هو فيمن انقطع إليه ومبيته عنده لا فيمن ينصرف عنه ليلًا، وفي سماع أصبغ عن أشهب: إن اشترط على أجير الخدمة سفر شهر أو شهرين في السنة فلا بأس بذلك.
ابن رشد: إنما جاز؛ لأن الشرط إنما هو شهران ولا يضر كون المستأجر بالخيار في شهر؛ لأنه حق له تركه بعد العقد على شيء معلوم، ودليله قوله تعالى على أن تأجرني ثمان حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك واشترالطه الشهرين دون تسميتهما يجوز على قول ابن القاسم: يجوز شرط السفر في أول السنة، وبعد مضى بعضها لا على قول ابن الماجشون: لا يجوز شرطه إلا في أول السنة أو قربه لا بعد مضي شهر منها.
قُلتُ: فاستئجار أجير معين على عملين متباعدين صفقة واحدة امداد لهما ما لا يجوز شرط النقد مع تأخير الشروع لمثل أمده بشرط نقد شيء من الأجر لا يجوز حسبما تقدم.
اللخمي: ودون شرطه إن لم يعين زمن كل من العملين لم يجز اتفاقًا فيهما، فإن عينه ففي جوازه قولان لمحمد، وابن حبيب عن ابن الماجشون.
الشيخ عن ابن القاسم في الموازية: لا ينبغي أن يشترط عليه في عملين متباعدين أنه بالخيار؛ لأنه خطر.
محمد: ولا يشترط عليه في الخدمة سفر أيام يسميها في وسط السنة، ولا على عملين متباعدين كقوله: يحرس لي كرمي ويبني لي هذا البيت.
محمد: يجوز إن شرط في شهر بعينه في السنة عملًا آخر سماه.
قد قال مالك: يجوز أن يكري داره على إن احتاج إليها في شهر من السنة سماه سكنها، وكذا السفينة ابن حبيب من واجر رجلًا شهرين يعمل فيهما عملين سماهما أو واجره على الثاني بعد مواجرته على الأول فإن تقارب العملان جاز في الصورتين، وإن تباعدا لم يجز فيهما؛ لأنه كمن واجره على عمل لا يسرع فيه إلى شهر، وقاله ابن الماجشون.
قُلتُ: ظاهر منعه في المتباعدين ولو لم ينقد، وقول محمد قبله: الصقلي: وفيه نظر؛ لأن ظاهر قوله: أولا لا يشترط سفر أيام يسميها يقتضي منعه في المختلفين، ولو عين وقتيهما خلاف قوله بعده يجوز في شهر بعينه إلا أن يجعل قوله: يسميها؛ أي: عددها لا أعيان أزمنتها، وقال ابن رشد: في رسم البيع والصرف لو استأجره شهرين يعمل في أولهما عملًا سماه وفي الآخر عملًا آخر بعيد\ًا من الأول، ففي جوازه قولا ابن القاسم وابن الماجشون، وهما قائمان من قولها من اكترى راحلة يركبها بعد شهر، وروى محمد: إن اشترط مكتري أرض بها غلمان إن احتاج إلى عملهم في أرض له أخرى استعملهم فلا ضير فيه، وشرط النقد فيما يتأخر الشروع فيه لتمام عمل مماثل له والعاقد واحد جائز لنقل الشيخ عن ابن حبيب: إن واجره تمام سنة كأن واجره على أقلها ونقد أجرته جاز في مثل العمل الأول، ولا يجوز لغيره، وسمع عيسى ابن القاسم لمن استأجر أجيرًا لعمل من الأعمال أن يرسله يعمل للناس، ويأتيه بما عمل أو يكريه في مثله ابن رشد؛ لأنه استأجره في عمل غير معين فمن حقه أن يواجره ممن شاء، ولا يلزم الأجير أن يواجر نفسه له ويأتيه بالأجرة، ولو رضي بذلك جاز ونقله بخلاف عمله.
قال الصقلي: وظاهره عن الموازية: أن نقله إلى ما هو من نوع الأول فله ذلك لما شاء منه، فإن قال الأجير فيما يحوله إليه لا أحسنه كالحصاد والحرث والقصل،
فللمستأجر فسخ إجارته إلا فيما قل ولا خطب له فلا فسخ له وفيها لا يجوز فسخ إجارة على خياطة في قصارة أو غيرها؛ لأنه دين بدين إلا فيما هو يوم ونحوه؛ لأنه لا يكون فسخ دين في دين.
قُلتُ: ظاهره ولا لما يقاربه.
الشيخ عن محمند عن ابن القاسم: لا يجوز نقله إلى عمل لا يقارب الأول إلا في مثل اليوم مما لا يكون دينًا بدين، وروى محمد: وقال ابن القاسم: إن واجره يوما لنقل تراب فله نقله لخياطه لقربه.
ابن حبيب: برضاهما.
اللخمي: في جواز نقل خديم الحضر للسفر برضاه، ثالثها: فيما قل لابن حبيب
والآتي على قول سحنون وابن القاسم، وفي سماع أصبغ عن أشهب: إن ماتت دواب استؤجر على علوفتها فرضي الأجير التحول إلى عمل غيره فلا بأس.
ابن رشد: معناه: فيما يشبه العلوفة: قاله الشيخ، وهو صحيح على قولها من اكترى دابة لموضع ليس له ركوبها لغيره، ولو كان مثله في السهولة والوعورة إلا برضى الكراء خلاف قول مالك في أول رسم من سماع ابن القاسم، وخلاف ما لابن حبيب من اكترى أجيرًا لعمل سماه نقله لما يشبهه إلا أن يشترط الأخير عدم نقله عن المسمى وما لا يشبه العلوفة غلا يجوز وإن رضيا؛ لأنه فسخ دين في دين سواء انتقد أو لا في هذه المسألة؛ لأن الحلف فيها واجب والكراء قائم.
قُلتُ: ظاهر نقله عن ابن حبيب أنه لا يجوز نقله إلى ما يباعد الأول ولو رضي الأجير، خلاف نقل اللخمي عنه مع المتيطي: وما أحال عليه من سماع ابن القاسم هو سماعه من استؤجر على أن يأني برقيق فلم يجدهم أو وجدهم ببعض الطريق فلمن استأجره مؤاجرته في مثله.
ابن رشد: قوله: مؤاجرته في مثله خلاف قولها ليس لمن اكترى دابة لموضع ركوبها لغيره إلا برضى الكراء، فعليه لا يؤاجره إلا برضاه.
قُلتُ: ففي نقله لمماثله بقيد رضاه أو دونه، ثالثها: إن تعذر الأول بفقده محله للتخريج على قوله في الدابة، ولابن حبيب وسماع ابن القاسم مع سماع أصبغ أشهب.
المتيطي: إن جاء الأجير يمن يعمل مكانه، فقال ابن القاسم: لا يجوز.
سحنون: ولو رضي المستأجر، وأجازه ابن حبيب إن رضي فيها مكررًا.
قال مالك: لا بأس بإجارة العبد عشر سنين وخمس عشرة، وهو في الدور أبين وسمع القرينان إجارة الأجير خمسة عشر عامًا كثير لا يصلح، ولا بأس أن يستأجره سنة ونقده إجارته.
ابن رشد: قوله: لا بأس به سنة وينقده دليل أنه إنما كرهه في الخمسة عشر مع النقد، وظاهر قولها إجازة النقد في الخمسة عشر عامًا خلاف قول غيره فيها.
اللخمي: أمد الإجارة مختلف باختلاف أمن المستأحر أوسعها الأرضون يجوز
لأربعين سنة دون نقد، ويجوز في المأمونة السرب به ومثلها الدور جديدة لأمنها والقديمة دونه بقدر أمن سلامته غالبًا، واختلف في العبيد في الموازية جوازه لعشرين سنة بالنقد، وفيها خمسة عشر ومنعه غير ابن القاسم في العشر.
قُلتُك عزاه المتيطي لأشهب.
اللخمي: وأرى اعتبار السن يجوز في ابن عشرين وما قاربها عشرون على استثقال فيه والصغير والكهل لا يجوز فيهما إلا ما قارب، ويمنع ما لا يقارب في الصغير لتغيره عند البلوغ في نشاط أو قوة أو غير ذلك في الكبير لعدم أمن تغيره، وخمس سنين ونحوها في ذلك حسن.
والحيوان مختلف أوسع أنواعه أجلًا البغال لطول أعمارها والحمير دونها والإبل دونها ويفترق الأجل في الثياب الحرير والكتان والصوف والجديد والقديم، وأجل ربعا لحبس في كتابه.
وفي تعيين ما تستوفى به المنفعة تفصيل:
ابن رشد في رسم العتق من سماع عيسى: هو على أربعة أوجه أولها في معين لا غاية له إلا بتأجيله كرعاية غنم بأعيانها أو تجر في مال بعينه في شرط جواز الإجارة عليه بشرط خلفه أو لا والحكم خلفه قولان لابن القاسم مع روايته فيها، وفي غيرها ولسحنون مع ابن حبيب وسماع أصبغ أشهب: إلا في أربع مسائل يفسخ فيها بموت المستأجر له الصبي المستأجر على إرضاعه، والصبي المستأجر على تعليمه والدابة المستأجر على رياضتها والرمكة المستأجر على أكوام عليها معدودة تعق قبل تمامها.
المتيطي: إن مات الصبي المستأجر على إرضاعه، ففي كتاب ابن سحنون على الأب خلفه.
ابن رشد: الثاني الاستئجار على عمل في معين لا غاية له إلا بتسمية الموضع كحمل شيء بعينه يجوز إلا بشرط الخلف اتفاقًا والثالث كذلك، إلا أنه لا غاية له إلا بضرب الأجل كالإجارة على بيع هذا الثوب أو العبد في هذا الشهر في البلد أو بلد آخر بثمن سماه أو بما رآه في هذا السماع إن شرط أنه إن تلف العبد أو الثوب انفسخت
الإجارة لم يجز، وإن شرط خلفه جاز وسكت عن حكم السكت عن الأمرين وظاهر المدونة: الجواز ووجوب الخلف والجاري على قوله في رعاية غنم بأعيانها أن الإجارة لا تجوز إلا بشرط الخلف، فإن باع قبل تمام الأجل انفسخت الإجارة في باقي الأجل، وله من الأجر بقدر ما مضى منه.
قال فيها: والآتي على قول سحنون في هذه المسألة أن الإجارة لا تنفسخ في باقي الأجل، ويستعمله بقيته فيما يشبه، وإن شرط فسخ الإجارة في باقيه إن باع قبل تمامه لم يجز عنده، ولو لم ينتقد على قوله فيمن اكترى دابة في حاجة إلى بلد، وشرط إن وجدها في الطريق رجع وكان عليه بقدر ما مضى من الكراء، ولو واجره على بيع الدابة أو الثوب بذلك البلد أو ببلد آخر على أنه له أجره ولو لم يبع جاز، ولو لم يسم للتسويق والبيع أجلًا؛ لأن قدر ذلك معروف، قاله أشهب في أول سماع أصبغ، ومضى هذا في أول رسم من سماع ابن القاسم، ونحوه في سماع ابن خالد الرابع الاستئجار على عمل في معين له غاية معلومة كخياطة ثوب بعينه، أو طحن قمح بعينه ونحوه لا يجب شرط خلفه اتفاقًا، فإن تلف قبل العمل أو قبل تمامه فالمشهور فسخ الإجارة فيها، أو فيما بقي منه، وهو قول مالك في رسم المحرم من سماع ابن القاسم، وفي سماع يحيى ابن القاسم في مسألة الزرع أم الإجارة لا تفسخ، ويستعمله في مثله، وهو شذوذ والنقد في هذه الإجارة جائز؛ لأن التلف نادر.
والإجارة على رعاية غنم: قال اللخمي: أقسام:
إن قال: علي رعاية غنم ولم يسم عددًا جاز، وحمل على منافعه ويأتيه المستأجر بما يقدر الأجير على رعيه من الغنم بشرط علم المستأجر بما يقدر على رعيه قبل استئجاره، وليس للراعي رعي غيرها معها فإن فعل فأجر ذلك لمن واجره أولا.
قُلتُ: نحوه قول عبد الحق عن بعض شيوخه: إن ضم الراعي لنفسه تحت يده فليس عليه تسمية عدد الغنم، ورأيت لابن حبيب ونحوه.
اللخمي: وإن واجره على رعاية مائة معينة أو غير معينة فله رعي غيرها معها إن لم يضشر بالأولى، وإن شرط عليه الأول أن لا يرعى معها غيرها لزمه الوفاء بشرطه، فإن
رعى غيرها ففي كون أجر الثانية للشارط، أو للراعي إن لم يضر بالأول قول ابن القاسم وغيره وفيه نظر؛ لأن الأجير يحط للأول من الأجر لراحته بعدم رعي ما زاد على عدده، ولزيادة الشارط احتياطًا لغنمه فلا يبطل حق أحدهما، وأرى تخيير الشارط في فسخ ما زاد لمكان الشرط وأخذ قيمة تلك الزيادة، وأخذ ما باعها به إن قيل أجر مثله على الأولى وحدها عشرة، وعلى أن يرعى معها الثانية ثمانية، والمسمى اثنا عشر فسخ عن نفسه خمس المسمى؛ لأنه أكثر، وإن كان المسمى أقل من عشرة أخذه بدينارين؛ لأنه أكثر من خمس المسمى، فإن أحب أخذ ما باعها به قيل ما أجر مثله في الثانية إن قيل: أربعة دنانير كان أجر الثانية نصفين؛ لأن للأول فيها ما قيمته ديناران فإن أجر على الثانية بأكثر من أربعة أخذ نصفه، فإن نقصت الأةلى برعي الثانية معها، وأحب أخذ نصف ما أجر به على الثانية لم يأخذ مع ذلك نقصها؛ لأنه بأخذه ما أجر به نفسه أجاز فعله فسقط حكم تعديه، وإن أحب فسخ مناب الشرط عنه، أو أخذ قيمة تلك الزيادة فله ذلك مع قيمة النقص هذا ظاهر المذهب وليس بقياس؛ لأنه إذا أخذ معها قيمة النقص صار كأنه أخذها سليمة، وهو لم يكن يقدر أن يأخذها بعد الأجل سليمة إلا بأن لا يرعى فلا يصح أن يأخذها سليمة من العيب بغير أجر.
قُلتُ: تعقبه صحيح وهو يمنع كونه ظاهر المذهب؛ لأن كونه ظاهر المذهب إنما هو بمقتضي قواعده لا بنصوص تعين ما زعم أنه ظاهر المذهب، والصواب أن ينظر فإن كان ما نزل بها من النقص هو المعتاد في رعي ما رعى معها فليس له أخذه مع اختياره أحد الأمرين، وهما فسخه عن نفسه مناب الشرط، وأخذ قيمة الزيادة، وإن كان نقصها أكثر من النقص المعتاد فله أخذه بالزائد على المعتاد مع اختياره أحد الأمرين المذكورين.
اللخمي: وإن كان النقص كثيرًا ضمن قيمتها يوم أخذ الثانية، ويصح هنا أن يسترجع الأجرة ويأخذ قيمتها، وإن كان النقص يسيرًا لم يضمن قيمتها، ولو ترك الأولى فلم يرعها، ورعى الثانية فلربها فسخ الإجارة عن نفسه أو أخذ قيمتها أو ما أجر به نفسه، فإن أخذ ما أجر به نفسه، وقد نقصت الأولى لم يضمنه؛ لأنه بأخذه ما أجر به
نفسه مجيز لفله، وإن قال أستأجرك على رعي هذه الغنم، فقيل: جائز وقوله هذه كالصفة، ويخلف غيرها إن أصيبت ولا يتعين، وقيل: يتعين والإجارة فاسدة؛ لأن فيه تحجيرًا على ربها لا يقدر على بيعها، وقيل: جائزة ويتعين؛ لأن ربها يشترط ذلك خوف تكلفه الخلف، وقيل: إن قرب أمد الإجارة جاز، وإن بعد لم يجز، وكذا قوله تحمل هذه الأحمال لبلد كذا في كتاب الرواحل منها لا يتعين، وعلى قوله في الغنم: يتعين وتجري فيها الأقوال الثلاثة، وأرى الجواز فيما قرب وفيما بعد إن كان الشرط من رب الغنم، وفيها: إن كان العرف رعاية ولد الغنم معها لزمت وإلا فلا، وفي الرواحل منها إن ولدت المرأة حمل ولدها معها، ففي كونها كالغنم مقيدة بالعرف أو مطلقة ويفرق بأن ولد المرأة كان محمولًا معها أو لا فرق، وهو تناقض أقوال المتأخرين.
شيوخ الفاسيين: في الأظهر التفريق بما ذكر مع زيادة اعتبار منع التفرقة في الآدمية.
المتيطي عن بعض الموثقين: مقتضى المدونة: لزوم رعي أولادها كولد المرأة المخدومة.
قُلتُ: عزاه ابن عات لابن مغيث.
الصقلي: إن لم يكن عرف برعي ولد الغنم ولا شرط، فقال ابن اللباد: على ربها أن يأتي براع معه للأولاد للتفرقة.
قُلتُ: معناه: أن التفرقة تعذيب لها فهو من النهي عن تعذيب الحيوان.
المتيطي: إن شرط رعي أولادها معها، فقيل: جائز للعرف، وعقده ابن العطار بقوله، وعليه رعاية ولدها وخدمتها على المعروف عند الناس حتى تبلغ شيئًا باستقلالها عند الناس، وقيل: لا يجوز شرطه؛ لأنها مجهولة وليس ما وقع به الحكم عند النزول كالشرط، وقيل: يرفع الخلاف شرط رعي يخال عددها كعدة الأمهات مع تسمية المدة من وقت ولادتها إلى وقت فطامها.
ابن عات: عن المشاور وغيره إن كان بقرية نعم ليس لكل واحد من مالكها ما يرعاه له راع فأخذ بعضهم من يرعى نعمهم إلا رجلين كرهو إدخالهما معهم فلهم
ذلك، وكذا إن كره ذلك الراعي لم يجبر لهما، وكذا أهل الأفران والأرحى والحمامات لا يجبرون على الاستئجار، وإن لم يكن بالموضع غيرهم، وكذا الصناع كلهم ولغيرهم نحوه إلا ما كان من المباحات للناس كالفرن والرحى والحمام إن لم يكن بالموضع غيره جبر على الطبخ بما يطبخه به مثله لا يزاد عليه؛ لأنه ضرر على جاره والقياس الأول، وهذا استحسان والقضاء بطليطلة جبر الفران على طبخ خبز جاره بأجر مثله، وفيها: لا ضمان على الراعي، ولا فيما سرق إلا ببنية أنه فرط أو تعدى، ولو خاف موت الشاة فأتى بها مذبوحة صدق ولم يضمن، وقال غيره: يضمن ما ذبح ويصدق فيما هلك أو سرق، ولو قال: ذبحتها ثم سرقت صدق، وقال غيره: بالذبح ضمن، وفي النوادر: عزو قول الغير ل أصبغ وابن كنانة.
المتيطي: يصدق في ذبح المريضصة، واختلف في الصحيحة.
الصقلي عن سحنون: إن هربت شاة من الذود فطلبها قليلًا، ثم رجع للذود، وقال: خفت ضياعه لم يضمنها وليس هذا بتفريط.
قُلتُ: ما لم يكن الذود بمحل أمن مع بعد الراعي عنه.
قال عن ابن حبيب: ولا يضمن إن نام فضاعت ولو نام نهارًا في أيام النوم، إلا أن يأتي من ذلك ما يستنكر أو بموضع خوف فيضمن.
اللخمي: إن خرج عن المعتاد في نومه ضمن، وإن نام بالشتاء أو في الشصيف أول النهار أو آخره ضمن، وفي القائلة: لم يضمن إلا أن يطول، ولما ذكر اللخمي قولي ابن القاسم والغير في الذبح قال: ولابن حبيب: من أتى بثور مذبوح استعاره للحرث، وقال: خفت موته ضمن إلا أن يأتي بسبب لذلك أو لطخ ظاهر.
قال: بخلاف الراعي؛ لأنه مؤتمن مفوض إليه فيما استرعي، وإن ذبح الشاة الراعي شاة مريضة صدق قولًا واحدًا، وأرى في اتلصحيحة أن يصدق إذ لا فائدة له إلا أن يكون وقع بينه وبين رب الغنم شنآن، ولو كانت عادتهم فيما سقط وذبح أن الراعي يأخذ سواقطه، ففي كونه تعديًا إشكال.
قُلتُ: ومقتضى قولي ابن القاسم وغيره: لا ضمان عليه فيما أتى به منها ميتًا، فإن
كان مع عدم إمكان ذكاته فواضح، وإن ثبت تفريطه في ذكاته ضمن، وهل يجب عليه أن يجمل معه سكينًا لذكاة ما يخشى موته اعتبر في ذلك عرف موضعه فإن لم يكن عرف فالأظهر سقوطه.
قال بعضهم: إلا أن يكثر فيها الموت.
وفيها: إن شرط رعيه بموضع فرعى في غيره ضمن يوم التعدي، وله أجره إلى يومه، وروى ابن وهب: لا ضمان على العبد الراعي كالحر.
ابن فتوح: من استدعى صبيًا فخالفه في أمره فعطبت الغنم لم يضمن شيئًا إلا أن يستهلكا استهلاكًا فيضمن.
قُلتُ: الأظهر أنه لا شيء عليه فيما استهلكه منها لوضعها ربها تحت يده كالوديعة حسبما ذكره اللخمي آخر كتاب الوديعة وغيره.
وسمع القرينان في البضائع والوكالات: إن بعث مع عبد لا يزال يبعث معه بعيرين فأتى فقال: تهشم في صحراء الطريق فخفت موته فنحرته، وأكلت منه ضمنه كحر نعير بعير رجل، وقال: خفت موته
قيل: إن العبد مؤتمن على تبليغه.
قال: ليس على مثل هذا أو ثمن ولو تركه حتى مات لم يضمنه، وغرم ما ضمنه على سيده.
ابن رشد: لأنه ليس له نحره، ولو خاف موته فهو متعد ولعله لو لم ينحره لم يمت، وهو كمن ذبح بعير رجل، وقال: وجدته يموت وسواء كانت للعبد بينة بأنه خشي عليه الموت، وأنه لذلك نحره، أو لم تكن وضمانه إن لم تكن له بينة ولا أحد يعلم ذلك أبين، ومعنى: قوله: غرم ذلك على سيده أنها جناية في رقبته لا أن غرم قيمة البعير على سيده، وإنما جعله في رقبة العبد؛ لأنه لم يصدقه أنه خشي موته، ولو صدقه في ذلك لأشبه كونه أيضًا في رقبته على قول أشهب، ورواية ابن وهب في الراعي: يخشى موت الغنم فيذبحها أنه ضامن إن لم يؤذن له في ذلك، وما في هذا السماع شبه ما لابن القاسم وأشهب في سماع سحنون من العارية في العبد: يقول للرجل أرسلني إليك سيدي في
كذا فيعطاه فيتلف عنده أو يزعه أنه دفعه لسيده، وينكر سيده أن ذلك في رقبته، واحتج ابن القاسم في سماع سحنون في الجنايات بقول مالك: لهذا أنه في رقبته وأشبه المسائل بهذه المسألة استهلاك العبد ما أودع في غير منفعة في كونها في ذمته أو في رقبته.
قولا ابن القاسم وابن الماجشون: فقول مالك في هذه كقول ابن الماجشون وابن فتوح إن وكل الراعي من ليس مثله على الغنم ضمن، وإن كان مثله ففي ضمانه قولا أبي صالح وابن لبابة.
قُلتُ: للمتيطي عن ابن حبيب كأبي صالح.
وفيها: إن أنزى الراعي على الغنم بغير إذن أهلها ضمن.
أشهب: لا يضمن.
قُلتُ: إن تقرر عرف بالإذن أو المنع فلا اختلاف، وإلا فالقولان، وينبغي إن كان الفحل لغير رب الأنثى أن يضمنه اتفاقًا.
وفي الرواحل منها: كل ما صنعه الراعي مما لا يجوز فعله فعاب الغنم ضمنه، وما يجوز فعله فلا ضمان عليه.
اللخمي: يريد: بما لا يجوز له أن يفعله أن يرمي الشاة نفسها، ويختلف إن رمى قدامها أو جانبها لترجع بموضع فوقعت عليها؛ لأنه خطأ فيما أذن فيه ولو تقربت للضربة فوقعت عليها لم يضمن، ولابن حبيب: إن رمى كرمي الراعي فأصابها خطأ ولم تكن؛ يريد: الشاة حادث إليها ضمن، وقد أجاز الله ضرب النساء للنشوز ولو شجها ضمن، ولو كان خطأ.
اللخمي: ليس مثله فعل الزوج لحق نفسه وهي مجبورة على ذلك، والراعي وكيل لرب الغنم، ففعل ما يراه حسن نظر لربها كفعل ربها.
زاد الشيخ عن ابن حبيب: ولا يضمن ما حدث عن رميه مثل أن تنزو الشاة لرميه أو تحيد فتقع في مهواة فتنكسر، أو تغرق في نهر أو تنطح صخرة هذا إن رمى كرمي الرعاة، ولو رماها عبثًا ضمن مطلقًا كأجنبي، ويدل على ضمانه ما أصابت رميته أنه لو رمى صيدًا فأصاب شاة ضمنها.
الصقلي: قوله خلاف قول مالك والفرقبين رمية الغنم والصيد أن الراعي لا يستقيم رعيه إلا بذلك لو ذهب لرد كل شاة تعذر فكان ذلك من عادتهم فصار بالعرف كمأذون فيه، ورميه الصيد ليس من مصالحها ويضعف تفرقته بين ما أصابت رميته وما تولد عنها استواؤها في رمي المحرم الصيد.
قال: فإن قيل: الراعي مأذون له والمحرم منهي عنه.
قُلتُ: هذا لا يشبه كما لو رمى ظبيًا يظنه سبعًا فوقع بمهواة فعليه جزاؤه؛ فإن قيل: الخطأ في الصيد كالعمد، قيل: وكذا في أموال الناس أبو إبراهيم لفظها في الأم كل شيء صنعه الراعي أخذه من الوجه الذي لا يجوز له فعله كذا.
لإبراهيم: ابن قاسم: قال لنا أحمد: هو غلط إنما هو أن يقول من غير الوجه الذي يجوز له أن يفعله أو من الوجه الذي لا يجوز له أن يفعله هو من كتاب أبي عمر الإشبيلي فعلى الرواية بإثباته لا يقتضي قوله: أنه ضامن إن ادعى أنه فعل ما يجوز له، ولا يصدق في ذلك، وفي نوازل سحنون في الجنايات فيمن ضرب بطن امرأته أو شجها وقال: فعلته أدبًا، وقالت: تعديًا، اختلف فيها قول سحنون وفيها في الراعي: يذبح الشاة ويدعي أنها تموت، القولان كذا في مدونة الشيخ أبي محمد فينكره.
قُلتُ: ما ذكره من قول أحمد في إثبات لا غلط كذا هو في حاشية المدونة عندي، وليس هو بحيث يقتصر فيه بالغلط لاحتمال كونها تأكيدًا أو زائدة كقوله تعالى ما منعك ألا تسجد، وقوله وفيها في الراعي يذبح الشاة ويدعي أنها تموت.
القولان يقتضي أن القولين في تصديقه أنها تموت فيدل أن لو قامت له بذلك بينة أنه لا يضمن، وقد تقدم لابن رشد ضمانه، وقال في طرة مدونة الشيخ أبي محمد: قال ابن زرب: الراعي على التعدي حتى يثبت غيره وهو معنى ما في المدونة، وفي كتاب ابن وضاح للراعي رعيها، ولا ضمان عليه، وكذا راكب الدابة يضربها فتعطب لا ضمان عليه، وظاهره خلاف قول ابن زرب.
قُلتُ: قبول قول ابن زرب الراعي على التعدي إلى آخره، يرد بقولها في كتاب الجعل والإجارة، ولا ضمان على الرعاة إلا فيما تعد\وا فيه أو فرطوا إن كان الراعي
خاصًا برجل أو عامًا للناس.
قُلتُ: والمستثنى منه أكثر من المستثني، وفيها شرط ضمانه أو عدم تصديقه في التلف أو فيما لا يأتي تسميته لغو وتفسد الإجارة.
ابن القاسم: وله أجر مثله بغير ضمان ولو فضل المسمى غيره لا شيء له من فضله، ومحال أن يفضله، وكذا نقله الصقلي.
وفي غير نسخة للخمي قال ابن القاسم: له الأكثر إن عمل من المسمى أو أجر المثل، وقيل: له أجر المثل قل أو كثر ويجري فيها القول بجواز الشرط، ويضمن إن لم يأت بالقيمة لقدرته على ذلك كقول المستأجر انكسرت الجفنة، ولم يات بفلفتها بخلاف قوله ذهبت وهي حية أو ضاعت الجفنة، وفيها لمالك: لا يعجبني أن يستسقي مار براع من لبن ما يرعى.
اللخمي: يريد: إن كان الغالب إباحته كره لاحتمال منع ربها ذلك ولم يحرم لغلبة الإباحة، وإن كانوا يمنعونه أو أكثرهم لم يجز، وإن كانوا يبيحونه ولا يمنعونه لم يكره، وفيها: لا يضمن أجير الخدمة ما كسر من آنية أو أفسد من طحن أو أهراق من ماء أو لبن أو ما وطاء عليه فكسره أو أحرقه إلا أن يتعدى.
قال غيره: ما وطاء عليه أو عثر عليه ضمنه، وسمع عيسى في كتاب الرواحل: منع ابن وهب من اكترى دابة لحمل خشبه فانقلبت من يده فسقطت من ظهر الدابة فكسرت رجلها فهو ضامن لها.
ابن رشد: لأن الخطأ والعمد في أموال الناس سواء، ولو ضرب الدابة ضربًا يجوز له فعطبت لم يضمن، ولو أخطأ في ضربه ضمن.
قُلتُ: فالواجب إن وضع الخشبة على الدابة وضع مثلها لم يضمن، فتأمله وفيها إجارة الأطباء على العلاج إنما هو على البرء إن براء فله حقه، وإلا فلا شيء له إلا ان يشترط شرطًا حلالًا فينفذ كشرطه أن يكحله شهرًا بكذا فيجوز إن لم ينفذه، وهذه إجارة أن براء قبل الأجل أخذ بحسابه، إلا أن يواجره وهو صحيح العينين بكحله شهرا بكذا فيجوز فيه النقد، ويلزم تمام الشهر.
اللخمي: لا يشترط النقد لإمكان البرء في بعض الأجل، ولا بأس أن يشترط من النقد ما الغالب أن لا يبرأ فيه، وفي منعه على الجعالة قولا الجلاب لا بأس بالمجاعلة على البرء، وقيل: لا يجوز إلا إلى مدة معلومة مشاهرة أو غيرها.
اللخمي: المعروف في المسألة الجواز وفي أصلها المنع من ثلاثة أوجه كونه مما يطول أو يشغل، وكونه فيما لا يملكه الجاعل كأرضهح ولأنه قد يترك في نصف البرء فينتفع العليل بلا غرم، وعلى الجواز إن ترك قبل تمام البرء فبراء بمجاعلة آخر فمختلف هل يكون للأول بقدر ما انتفع بعمله كعامل المساقاة يعجز قبل تمام العمل.
قال مالك: لا شيء له فأحرى مع الترك اختيارًا.
قُلتُ: تمامها في الجعل.
قال: ولا يجوز شرط نقد عوضه، ويختلف في الطوع به.
قال أشهب: لا خير فيه لما كان العامل بالخيار فيصير كابتداء أخذ منافع عن دين.
قيل: لا يكون كذلك إلا بعدده بعد تركه.
قُلتُ: ما نقله عن أشهب هو المعروف من المذهب حسبما تقدم في الخيار منع الطوع بالنقد في أربع مسائل منها الكراء على خيار، وما نقله عن غيره هو أصل أشهب لإجارته أخذ منافع عن دين.
قال: ويجوز كون الدواء من عند الطبيب.
قال مالك في شرح ابن مزين: مؤاجرة الطبيب على إن براء فله كذا، وإلا فله أجر دوابه هذا من شرطين في بيع، إنما يجوز مجاعلته على إن براء فله، وإن لم يبرأ فلا شيء له، وأجاز جعله والدواء من عند الطبيب، وكذا الجعل على الآبق إن وجد العبد اتفق عليه، وكان له الجعل دون النفقة إذ قد تكثر النفقة أو يأبق العبد قرب المدينة فلا يكون له شيء.
قُلتُ: في سماع عيسى: قال ابن وهب وابن القاسم: مشارطة الطبيب العليل على إن براء فله كذا وإلا فله ثمن الدواء من بيعتين في بيعة، وأجاز مالك مشارطته على شيء معلوم إن صح أخذه، وإلا لم يكن له شيء.
ابن القاسم: لا خير فيه.
ابن رشد: كونه من بيعتين في بيعة يدخله الغرر، لا يدري الطبيب هل يحصل له الأجر المسمى أو ثمن أدويته، فإن نزل فسخ متى عثر عليه وله ثمن ما عالج به من أدويته، وقيمة عمله في علاجه، ولم يتعرض لقول ابن القاسم لا خير فيه كأنه ساقط.
فيها: لا بأس بإجارة الفحل للإنزاء فرسًا أو تيس أو حمارًا أو بعيرًا على نزو أكوام معروفة، أو شهر بكذا وإن شرطه حتى تعق الأنثى لم يجز.
اللخمي: قول ابن حبيب: إن سمى زمنًا لم يجز تسمية النزوات فاسد، ولا يجوز إلا تسميتها لاختلاف الإجارة بقلتها وكثرتها.
قُلتُ: إن كانت حركة الفحل لذلك مأمونة، فقول ابن حبيب صواب كأحد القولين في منع خياطة ثوبين في وقت يمكن أن يسع خياطتهما، وإن لم تكن مأمونة منع اتفاقًا كما مر في التوقيت في خياطتهما.
قال: وروى ابن حبيب: يكره بيع عسيب الفحل، وثبت النهي عن بيعه، وقد يحمل على الندب، وليس من مكارم الأخلاق أخذ عوض عنه، فإن فعل لم تفسخ الإجارة، وإن أخذها لم ترد، ولسحنون: إن استأجره لنزوين فعقت بعد نزو لم يلزمه الثاني وانفسخ فيه العقد كالصبي في الرضاع.
قُلتُ: تقدم فيه الخلاف من نقل المتيطي: عياض: وتعق الرمكة بكسر العين تحمل، وسمع ابن القاسم: جواز نزو البغل على البغلة، وفي كراهة الإجارة عليه، ثالثها: الوقف لأول قولي ابن القاسم وعيسى، وثانيهما: وصوب ابن رشد الثاني.
والإجارة على البناء إن كانت على العمل فقط والآلة على ربه وجب معرفتهما صفته بشرط أو عرف، والأجل في مطلقه بالزمان كخدمة حرث غير مقيد بمحل معين وفي مقيده بشكل معين كبيت أو دار بتمامه.
المتيطي: وما انهدم من هذه الدار قبل تمامها فللأجير بحسب ما عمل، ولا يلزمه إعادة بنائه وتفسخ الإجارة فيما بقي إن تعذر على صاحب العمل ما بنى فيه مثل ذلك، وإن أمكن مثله أتمه فيه وغن رضي رب العمل أن يبني له أسفل مثل ما بنى فوقه لزمه؛
لأنه أهون والدلو والفأس والقفاف على رب الدار إلا أن يكون عرف فيقضى به.
قُلتُ: وقاله اللخمي، وفرضه في بناء حائط لا دار.
قُلتُ: ومعناه: أن انهدامه لا بسبب سوء صنعته، فإن ثبت كونه به فلا أجر له وغرم قيمة ما أتلف من آلة كقولها في الصانع يفسد نسج الغزل ونحوه لابن فتوح وعياض واللخمي، وإن كان مقاطعة فقال: إن بنيته كاملًا فلك الأجر، وإلا فلا شيء لك جاز كالمقاطعة على الخياطة لا تستحق شيئًا إلا بتمام بنائه، وإن انهدم لزم بناؤه من أوله.
قُلتُ: مقتضى هذا أنه جعالة، وصرح به ابن فتوح فقال: معنى ذلك: أنه على معنى الجعل، وهو مشكل كما قرره.
اللخمي: في جعل الطبيب؛ لأنه فيما يملكه الجاعل، وفيها من استأجر رجلًا على بناء وصفه له فلما بنى نصفه انهدم فله من الأجر بقدر ما عمل، وليس عليه بناؤه ثانية كان الأجر والطين من عندك أو من عنده.
قال غيره: لا يكون هذا إلا في عمل رجل بعينه لا يكون مضمونًا.
عياضك كذا عندنا سحنون، وعليه فيه مضمونًا تمام العمل كذا في روايتنا من كتاب ابن عتاب وابن المرابط، وسقط اسم سحنون لابن المرابط والدباغ والأبياني، وبهذا اللفظ نقلها ابن لبابة، وعلى معناه اختصرها الشيخ، وفي بعض الأمهات، وقال غيره: لا يكون هذا في عمل رجل بعينه لا يكون إلا مضمونًا، وعليه فيه تمام العمل، وجاء الكلام في المضمون كله لابن القاسم، وفي كتاب ابن عتاب: أمر سحنون بطرح قول الغير.
ابن وضاح: قرأناه عليه مرة فأمر بطرحهن وقال: لا أعرفه، وفي كتاب ابن سهل: ثبت قول غيره لابن باز، ولابن المرابط كان موقوفًا في كتاب ابن وضاح، وفيه قال ابن وضاح: قال سحنون: مسألة الغير أصح مسائلها، وهو أصل جيد، وذهب بعض المتأخرين إلى أن قول الغير وفاق، إلا على اختصار الشيخ فهو خلاف عياض، إنما قول الغير على مقتضى أول المسألة في أن ما يبنى به العامل فأجازه مالك وابن القاسم،
وقال غيره: إن كان على وجه القبالة يعني الضمان لا على عمل رجل بعينه فلا بأس به إن قدم نقده فحملها أنها كالسلم تجب فيه شروطه، ولم يذكر فيها ضرب الأجل؛ لأنه رأى المعجل منها تبعًا لما بقي، وأمد فراغها وما يدخل فيها من جص وأجر معلوم وعادة وابن القاسم لم يراع هذا، ورآه إجارة وبيعًا كانت بعمل رجل بعينه، أو بغير عينه وشبهه بيع السلعة للحاجة إلى ذلك؛ لأن أمد فراغها، وما يدخلها معلوم وهو يسرع في العمل، وقال ابن أبي زمنين: هذه مسألة لا يحملها القياس، وهي استحسان.
وقال سحنون: لا تحملها الأصول، ومنعها عبد الملك في الثانية، وكذلك معنى قول الغير عندي أو أن أصل هذه المسألة لا تجوز هذه الإجارة في عمل رجل بعينه إن لم يكن مضمونًا، وإنما تجوز الإجارة في المضمون، وهذا بين على روايات الأمهات، ويكون خلافًا وعلى ما عندنا، واختصار الشيخ لا يكون خلافًا وعلى الخلاف حملها سحنون، وقال: اردد مسألة الحائط لمسألة الغير هي أصح مسائلنا، وفي الأسدية زيادة حسنة، وهي إن تشاحا فعليه بناء ما بقي من العمل فيما يشبه، وله أجره كله إلا أن يكون سقوطه من سوء البناء فعليه أن يعيده ثانية.
قُلتُ: فإن لم يكن من سوء البناء فعليه أن يبني له ما بقي من ذلك العمل فيما يشبه وله أجره إذا تشاحا.
قال: نعم.
قُلتُ: سمع أصبغ ابن القاسم لا بأس أن يواجر البناء على البناء مقاطعة هو من عمل الناس، فإن طال ذلك ضرب له أجل أيام.
ابن رشد: كونه مقاطعة صحيح، ولا يصح فيما قل ويفرغ منه في بعض اليوم لا مقاطعة، وما كثر يجوز مقاطعة إذا وصف العمل أو عجل النقد، وشرع في العمل ويجوز فيه بالأيام فمعنى قوله: إن طال ذلك ضرب له أجل أيام أبي إن طال جازت مؤاجرته فيه بالأيام لا أنه يجوز أن يؤاجره فيه إلى تمامه مع تأجيله بالأيام لمنعه ذلك بعد هذا وتقدم ما فيه.
قُلتُ: مقتضى السماع وتفسير ابن رشد أن معنى المقاطعة: تأجيل البناء بفراغ بناء
المبنى الموصوف ومقابلة تأجيله بالأيام، وهو مقتضى ما تقدم للمتيطي ما انهدم من الدار قبل تمامها فللأجير بحساب ما عمل خلاف ما تقدم للخمي من تفسير المقاطعة من أنه لا يستحق فيها شيئاً من الأجر، إلا بتمام البناء وأنه إن انهدم شيء لزمه بناؤه إلا أن يحمل كلام اللخمي على المقاطعة المقيدة بما ذكر من قوله أن يبنيه كاملاً فلك الأجر وإلا فلا شيء لك لا على مطلق المقاطعة، وأيا ما كان فقوله مشكل إن حمل على مطلق المقاطعة كان خلاف السماع المذكور، وإن حمل على المقاطعة المقيدة بما ذكر فهي فاسدة؛ لأنها آئلة إلى الجعالة فيما يملكه الجاعل حسبما ذكره هو في مجاعلة الطبيب، وهذا كله ومادة البناء من رب العرصة، وإن كان على أنه على العامل فحكمه ما تقرر في فصل السلم في المصنوع وباستحضار حكمه، وحكم أجير العمل يتضح لك الحق في مسألة قول الغير، وسمع عيسى ابن القاسم أخذ عرصة على أن يبنيها ليسكنها مما ينفق فيها جائز إن سماه، وما لكل سنة منه وإلا فلا خير فيه ابن رُشْد؛ لأنه إن لم يسمها كان كراء مجهولاً، وجاز دون وصف البناء؛ لأنه وكيل عليه أن يبني بما يليق بالعرصة صح كوكالته على شراء جارية دون صفة ولو وصف البناء مدة السكنى جاز، ولو لم يسم ما يبني به ولا ما لكل سنة مدة بل لا يجوز مع ذلك تسميته ما يبني به؛ لأنه يصير من بيعتين في بيعة وفيها لا بأس بالإجارة على حفر بئر عمقها كذا إن خبر أرضها، وإلا فلا خير فيه كقول مالك في الإجارة على حفرها لبلوغ الماء إن عرفا أرضها فلا بأس وإلا لواجبة.
الصقلي: ليحيى عن ابن القاسم إن عرفا الأرض بلين أو شدة أو جهلاها معا جاز وإن جهلها أحدهما لم يجز الجعل فيه.
الشَّيخ في الموازيَّة عن ابن القاسم: إن كانت الأرض للمستأجر لم يجز له فيها جعل على بناء أو حفر، وتجوز له الإجارة والمقاطعة، فإن عامله على أنه إن نض الماء وتم البناء فالبئر بينهما ببنائها ومائها، فإن عرفا قرب الماء وبعده وشدة الأرض وسميا للماء قدراً معلوماً جاز، وإلا فلا خير فيه، وقد أجازه مالك إن أشكل الأمر على الأذرع.
ابن حبيب: الإجارة على الحفر أن يقول أو أجرك على حفر هذه البئر مع طيها أو
دونه، أو على عمل عشرة أيام وما يحتاج إليه من حبل وقفاف وأجره على رب البئر وكذا البناء، ولو مات الأجير أو منعته صخرة من التمادي فله بقدر ما عمل.
اللخمي: حفر الآبار على ثلاثة أوجه جعل، وإجارة ومقاطعة هذان يلزمان بالعقد إن علما بعد الماء، وصفة الأرض جازت مطلقاً دون شرط، إن قال أستأجرك على حفر بئر بهذه الأرض، ولم يزد جاز إلا أن تختلف عادتهم في سعتها فتذكر.
قُلتُ: ويعين محل الحفر منها، وإن علما صفة الأرض دون بعد الماء لم يجز إلا مذراعة.
قُلتُ: أو بالزمان قال: وفي العكس جائز إن سموا للشديدة أجرة وللرخوة أجرة فما حفر من كل صنف فله حسابه.
قُلتُ: في جواز هذا نظر؛ لأنه كصبرتين مختلفتي الصفة والسوم في كل قفيز منهما، ولا ضرورة لذلك لقدرتهما على الإجارة مذراعة.
المتيطي: إن أغفل في العقد ذكر معرفة صفة الأرض، فقال: الأجير ظننتها رخوة وألفاها صلبة أو قريبة الماء وألفاها بعيدته، فإن اتفقا على تعيين المكان لزمه ما لم تختلف الآبار حوله، فإن اختلفت ولم يكن الأجير ممن يعرف تلك الجهة أو ادعى الجهل فسخ، ولنرجع إلى مقصدنا الأول في محاذات كلام ابن الحاجب فلا يجوز كراء الأرض لحرث بطعام أو ما تنبته لغير طول فيها لا يجوز كراؤها بشيء مما تنبته، ولو كان من غير الطعام من قطن أو كتاب أقضب أو قرط أو تبن أو علف ولا بزعفران؛ لأنه مما تنبته ولا بطيب يشبهه ولا بعض ولا بطعام ولو لم تنبته لا يجوز بلبن أو سمن أو عسل أو تمر أو صبر أو ملح أو بشيء من الأنبذة أو فلفل أو زريعة كتان أو ريت الفجل أو طير الماء الذي للذبح أو شاة لحم.
ابن رُشْد: هذا قول جمهور أصحابه.
الصقلي: عن ابن حبيب: هو قول مالك وابن القاسم وأشهب وابن وَهْب وأَصْبَغ وابن عبد الحَكم والآخرون.
ابن رَشْد: وقيل: تجوز بكل شيء معلوم إلا بالجزء مما يخرج منها، وهو ظاهر قول
مالك في "الموطأ" في كتاب المساقاة قال فيه: لا ينبغي أن يساقي الأرض البيضاء؛ لأنه لا يحل لصاحبها كراؤها بالعين وشبهها من الأثمان المعلومة إلا أن ذلك غير معلوم من مذهبه.
قُلتُ: تبع في هذا أبا عمر؛ لأنه قال إثر قول مالك: ظاهره أنه يجيز كراءها بكل شيء معلوم وإن كان طعاماً.
قُلتُ: وفي قولهما نظر؛ لأن الطعام لا يشبه الدنانير والدراهم.
أبو عمر: قال ابن نافع: تجوز بالطعام والإدام وغيره إلا الحنطة وأخواتها يعني البر والشعير والسلت ونقله ابن رُشْد عنه.
الصقلي: بزيادة على أن يزرع فيها بخلاف ما اكتريت به.
أبو عمر: قال ابن كنانة: تجوز بكل ما لو أعيد إليها لم ينبت من طعام أو غيره.
ابن رُشْد: واختاره عيسى ابن دينار.
المتيطي: وحكاه سَحنون عن الغير.
ابن مزين: وقاله يحيى بن يحيى، ورواه عن مالك ابن مزين وبه أقول.
الباجي: قال ابن حبيب: كره مالك كراؤها بالطعام؛ لأنه طعام بطعام لأجل، وقال ابن الماجِشُون: إنما كرهه؛ لأنه من المحاقلة إلا في أرض لا تنبت ذلك الشيء كالقطن والزعفران في أرض لا تنبتهما.
الباحي: ولا تكرى بشيء من الحشيش، وقال محمد: لا بأس أن تكرى بالخضر.
الشَّيخ: يريد من الكلأ؛ لأنه ليس بطعام ولا مما يزرع وعلى منع كرائها بالكتان.
قال محمد: يجوز بثيابه.
الباجي: لأنه استحال عن أصله.
اللخمي: يجوز بما تنبته الأرض ولا ينبته الناس كالذهب والفضة والرصاص والنحاس والكبريت والحشيش والحلفاء.
قُلتُ: قوله: (يجوز بالحشيش) خلاف نقل الباجي، إلا أن يريد الحشيش الذي هو طعام.
وفيها: لا بأس بكرائها بالعود والصندل والحطب والخشب والجذوع.
الصقلي: قال ابن سَحنون لأبيه: لم أجازها بهذه وهي مما تنبتها الأرض.
قال: لطول مكثها.
قال غيره: ويجوز كراؤها شهرين بشيء لا يمكن إلا في سنة من غير الطعام، وشدد سَحنون في كرائها بالجزء مما يخرج منها وخرج فاعله.
الشَّيخ: يريد إن كان عالماً أنه لا يجوز، وهو مذهبه أو قول من قلده.
قال ابن سَحنون: ولا يؤكل طعامه ولا يشترى منه الطعام الذي أخذ في كرائها، وإن نزل فإنما له كراؤها بالعين.
الشَّيخ: ذكر غير واحد عن عيسى بن مسكين وغيره من قضاة أصحابنا بإفريقيَّة أنهم حكموا بأن يعطاه قيمة ما يقع له من ذلك بجزء ثلث أو ربع دراهم.
قالوا: لأنها لا يعرف لها بالمغرب قيمة كراء بالعين ولم يعتبروا كراءها يوم العقد؛ لأنه لا كراء على المكتري في العقد إن لم يصب فيها شيئاً، ولا بأس بكرائها بالماء قلت ولا يتخرج منعها به على أنه طعام؛ لأنه قول ابن نافع وهو يجيزها بالطعام غير الحنطة وجنسها، ولما ذكر المتيطي قضاء ابن مسكين قال: قال بعض الموثقين أرض الأندلس عندي بخلاف ذلك الكراء فيها معروف فيجب أن يقضى فيها بكراء المثل.
قُلتُ: وكذا الأمر عندنا في أراضي تونس، وفي قولهم ينظر إلى ما يقع له من ذلك الجزء ثلث أو ربع دراهم نظر؛ لأن ظاهره البناء على ما دخلا عليه من الجزء هو عقد فاسد فيجب لغو ما دخلا عليه فيه، وينظر إلى قيمتها بالجزء أن لو جاز فيها، ثم ينظر إلى قيمة ذلك الجزء ففي قصر جواز كرائها على غير مطلق طعام، وما يستنبت فيها لا عن طول أو على غير الجزء مما يخرج منها أو على غير القمح والشعير والسلت، رابعها: هذا بقيد أن يزرع فيها غير ما أكريت به، وخامسها: على ما لو أعيد فيها لم ينبت ولو كان طعاماً، وسادسها: يجوز بالجزء مما يخرج منها المشهور مع أكثر الرواة، وابن رُشْد مع أبي عمر عن ظاهر الموطأ، وله عن ابن نافع، ولابن رُشْد مع الأكثر عنه، ولابن كنانة مع عيسى، والمغيرة ويحيى بن يحيى، وعياض عن الداودي مع الأصيلي ويحيى بن يحيى،
وجعل ابن الحاجب وابن شاس القصب كالجذوع، وقبوله ابن هارون لا أعرفه بل قولها لا يجوز كراؤها، وقول اللخمي يجوز كراؤها بالمصطكى مضى في أنه غير طعام وفضل حكم المنفعة تقدم منه مسائل.
واستئجار الأرض للحرث:
فيها: لا بأس لكراء أرض المطر عشر سنين إن لم ينقد، فإن شرط النقد فسد الكراء.
قال غيره: لا تكرى أرض المطر التي تروي مرة وتعطش أخرى إلا قرب توقع الغيث إن لم ينقد.
الباجي: المأمونة يجوز عقد كرائها قبل إبان الحرث لعشر سنين وأكثر ما لم تكثر جداً، وغير المأمونة كأرض المطر ذكر فيها قول ابن القاسم معزواً لأكثر الرواة.
ابن رُشْد: لا يفرق ابن القاسم بين الأرضين في جواز العقد لعام أو لأعوام كثيرة، ولو كانت غير مأمونة، وهي في جواز النقد قسمان فالمأمونة كأرض النيل، والمطر المأمون والسقي بالأنهار، والعيون الثابتة والآبار المعينة النقد فيها للأعوام الكثيرة جائز، وغير المأمونة لا يجوز النقد فيها إلا نقداً بعد ريها، وإمكان حرثها كانت من أرض النيل أو المطر أو العيون والآبار، وهي في وجوبه قسمان أرض النيل يجب فيها إذا رويت؛ لأنها لا تفتقر لسقي بربها يكون للمكتري قابضاً إن اكترى وأرض السقي والمطر لا يجب فيها حتى يتم الزرع، ويستغنى عن الماء، وكذا ما يزرع بطوناً لا يلزمه في البطن حتى يستغني عن الماء ووافقه ابن الماجِشُون في أرض النيل وفي أرض المطر والسقي غير المأمون، وخالفه في أرض السقي المأمون جعلها ابن القاسم كأرض المطر والسقي غير المأمون، وجعلها ابن الماجِشُون كأرض النيل والأرض على قول ابن الماجِشُون أربع أرض النيل المأمونة يجوز كراؤها للأعوام الكثيرة، ولو بالنقد قرب إبان شربها أو بعد، قاله في المدَوَّنة، وأرض السقي بالآبار والأنهار يجوز كراؤها لعشرة أعوام لا أكثر والنقد فيها على مذهبه جائز قاله الفضل، وأرض السقي بالعيون لا يجوز كراؤها لثلاثة أعوام أو أربعة ولا ينتقد إلا سنة بسنة؛ يريد: ينقد للسنة الثانية قيل تمام
الأولى بيسير، وإن لم تروا الأرض هذا قوله في الواضحة، وأرض المطر لا يجوز كراؤها إلا لعام واحد قرب إبان ربها، ولا يجوز النقد فيها حتى تروى رياً مبلغاً لزرعها أو لأكثره مع رجاء وقوع غيره، قاله في المدَوَّنة.
قُلتُ: فتفسير الغير فيها بابن الماجِشُون، وفسره المتيطي بأشهب، ولابن فتوح قيل: في الأرض المأمونة كأرض النيل لا تجوز قبالتها إلا لعام واحد، ولا يجوز النقد فيها إلا لعام واحد، وقال سَحنون: هذا تضييق بل يجوز كراؤها سنة، والنقد فيها وفيها الأرض الغرقة إن كانت لا يشك في انكشاف الماء عنها جاز نقد كرائها.
اللخمي: إن كان انكشافه مأموناً كالنيل جاز شرط النقد إن كان فيما حصل غنى عن سواه وكذا إن كان لا يكفيها والغالب أن مكيل المطر بعده بكفي، ومعنى قول ابن القاسم يلزم النقد في أرض النيل إن رويت إذا انكشف الماء عنها وأمكن قبض المنافع، والقياس أن لا يلزم النقد فيها بربها؛ لأن المكتري اشترى شيئين الماء ومنافع الأرض فلا يلزمه النقد بقبض أحدهما، وقد يجعل القول بلزوم النقد بها؛ لأن المكتري على قول مالك ليس للصانع تقديم أجره حتى يبدأ في العمل.
قُلتُ: ما ذكره من موجب القياس سبقه به التونسي بما يتقى جواباً عنه.
قال: إن قيل منافع الأرض إنما يقبضها المكتري شيئاً فشيئاً فأشبهت الدار للسكنى إذا لم يشترط نقد كرائها فلا يجب من نقده إلا بقدر ما سكن.
قُلتُ: السكنى إنما يأخذها المكتري شيئاً بعد شيء فصارت كسلع يدفع من ثمنها بقدر ما دفع منها، والماء هنا مكرى مع الأرض، وقد سلمها المكري للمكتري والمكتري هو الذي يقبضه لزرعه شيئاَ بعد شيء، فإن قيل: لم يفعل هذا ابن القاسم في البئر مع الأرض المكراة بها قيل؛ لأن البئر تشبه السكنى التي تأتي شيئاً بعد شيء ما لم يصل ماؤها للأرض، وفيها: لا أحب كراء أرض قل ماء بئرها يخاف أن لا يكفي زرعها.
ابن القاسم: كرهه لمخاطرة إذ لو علم ربها كفايته لم يكرها إلا بضعف كرائها، والتي ماؤها مأمون إن قل ماؤها فللمكتري إصلاحها بكرائها، ولو كره مكريها وليس