المختصر الفقهي لابن عرفةصفحات 417-428

كتاب إحياء الموات

صفحات 417-428

وقال ابن كنانة: بلغنا أنه إذا سقى بالسيل الزرع أمسك حتى يبلغ الماء شراك النعل، وإن سقى المخل والشجر، وما له أصل فحتى يبلغ الكعبين، وأحب إلينا أنه في الزرع كذلك.
وللباجي واللخمي واللفظ للخمي: قال ابن سَحنون: إن كانت السيول من ماء المطر تأتي من الأرض المملوكة فلكل واحد أن يمسك ماءه في أرضه وإن كثر، ولا يرسله إلى من تحته إلا أن يتطوع، فإن أرسله كان للمرسل إليه حبسه كالأول، وجعل المعنى في مهزور ومزينبب أن يكون يجري بين البساتين فيردوا إلى حوائطهم بخلاف أن يدخل إليهم من غير رد.
قُلتُ: وعزاه الباجي لسَحنون لا لابنه.
اللخمي: وفي المجموعة في قوم لهم سرج له واد إن أتت السيول يسقى مرجهم، وانصرف عنه ليس سد مصرفه عن مرج الآخرين إن انصرف عنهم قبل أن يدخل إلى أرضهم، وإن دخل إليهم كانوا أحق به، ولا يصرف عن قوم ما صرفه الله إليهم، ولا ينقلوه من مكان بعيد فيصرفوه إليهم دون من هو أقرب إليه منهم.
قُلتُ: ففي كون الماء الداخل بنفسه من أرض لأرض رجل أحق به، ولو كثر لا يجب عليه إرسال شيء منه، ووجوب إرسال جميعه بعد بلوغه الكعبين أو ما زاد عليهما، رابعها: هذا في الشجر وفي الزرع حتى يبلغ شراك النعل، وخامسها: ما زاد على الكعبين بعد الري لا قبله، وسادسها: يرسل ما زاد على الري مطلقًا اللخمي: عن ابن سَحنون، وابن رُشْد عن ابن القاسم وعن الأخوين مع ابن وَهْب والباجي مع اللخمي عن ابن كنانة عن عيسى في المدنيَّة، وله عن رواية زياد قال سَحنون: فإن كان بعض الحائط أعلى من بعض أمر ربه أن يعدل أرضه، ولا يحبس على كل أرضه إلى الكعبين.
الباجي: إن تعذرت عليه التسوية سقى كل مكان مستو على حدة.
قال: وتقديم الأعلى فالأعلى إنما هو إن كان إحياؤهم معًا أو إحياء الأعلى قبل، قاله مالك وأصحابه.

قال ابن نافع: وهذا حكم النيل، فإن أحيا رجل بماء سيل، ثم أحيا فوقه غيره، وإن أراد أن ينفرد بالماء، ويسقي قبل الأسفل الذي أحيا قبله، وذلك يبطل عمل الثاني، ويتلف زرعه، فقال سَحنون: القديم أولى بالماء، ولابن سَحنون عنه أن الجنان متقابلين في ماء حكمه أن يكون للأعلى فالأعلى قسم الماء بينهما، وإن كان الأسفل مقابلًا لبعض الأعلى حكم لما كان أعلى بحكم الأعلى، ولما كان متقابلًا بحكم المتقابلين.
وسمع يحيى ابن القاسم: من لع رحى قديمة ليس لغيره أن يحدث فوقها أو تحتها رحى إن غير القديمة عن حالها في بعض طحن أو يكثر بذلك مؤنة عملها أو يضر بصاحبها ضررًا يتبين عند أهل المعرفة بالأرحى.
ابن رُشْد: هذا مشهور المذهب، ومثله لابن حبيب عن ابن الماجِشُون، وحكي عن أَصْبَغ أنه لا يمنع إلا أن يبطل عليه بذلك عليه رحاه أو يمنعه جل منفعته.
قال: لأن حوزها مع الأنهار، وليس بحث ثابت كحق ذي الخطة إذا بني عليه في قناة ما يضر به إنما هو كالموات واحتج بقوله ?: ((يمسك الأعلى حتى يبلغ الكعبين ثم يرسل على الأسفل)) ألا ترى لو أراد رجل أن ينشء في حقه حائطًا فوق حائط صاحبه لم يكن لصاحب الأسفل حجة بقوله: لا تنشئ في حقك حائطًا فوق حائطي؛ لأنك تستأثر بالماء علي حتى تسقي به حائطك، ولا يلزم ابن القاسم ما احتج به أَصْبَغ من الحديث؛ لأنه يخالفه في تأويله، ومعناه عنده إذا أنشأ الأعلى حائطه قبل الأسفل إن أنشآ معًا، وإن أنشأ الأسفل قبل الأعلى لم يمد عنده الأعلى بالسقي عليه إلا أن يكون فيما يفضل عنه ما يكفي الأسفل، وذلك ظاهر قوله في أول سماع أَصْبَغ بعد هذا.
قُلتُ: بل هو نص فيه.
قال ابن رُشْد: فيه وهو أظهر من قول أَصْبَغ ماء ذلك الوادي سيقي به غرسه فجاء رجل يغرس في ذلك الوادي قال: ليس له أن يحدث على الأول ما يقطع ماءه إلا أن يكون فيه ما يكفيهما معًا.
قال أَصْبَغ: وذلك إذا انفرد الأول بالإحياء والغرس والانتفاع بالماء.
ابن رُشْد: قول أَصْبَغ مبين لقول ابن القاسم أن الثاني إنما يمنع إذا كان غرس

الأول قد انتفع بالماء ونبت به وحى من أجله، ول أَصْبَغ في الواضحة خلاف قول ابن القاسم، هذا وقول ابن القاسم اظهر؛ لأن في إحداث الثاني فوق الأول ما يقطع عنه الماء ضررًا به، وقد نهى (ص)) عن الضرر والضرار فوجب أن يخص بنهيه ههذا عموم قوله (ص) يمسك الأعلى حتى يبلغ الكعبين.
قُلتُ: في جعل ابن رُشْد قول أََصْبَغ، وذلك إذا انفرد الأول إلى آخره تفسيراً لقول ابن القاسم نظر، بل ظاهر قول ابن القاسم الإطلاق، وهو مقتضى ما تقدم من نقل الباجي فتأمله.
وفي أجوبة ابن رُشْد: إن أنشاء قوم جنان على ما سبقهم إليه ذو رحى بإنشائها قبل إنشائهم قدموا في السقي على أصحاب الرحى، فإذا استغنوا عن السقى ضربو الماء لأرباب الأرحى لقضائه (ص) أن يمسك الماء الأعلى للكعبين، ثم يرسله للأسفل فلم يخص الأعلى بقوله بكل الماء دون الأسفل فكذا أصحاب الأرحى لا يختصوا بجميع الماء لأرحائهم: قال ابن الحاجب: فإذا حدث إحياء الأعلى فالأقدم أحق؛ فتعقبه ابن عبد السلام بتركه ما قيده به سَحنون من خوف هلاك زرع الأول حسبما تقدم لسَحنون.
قُلتُ: يرد التعقيب باحتمال كون ابن الحاجب اتبع ظاهر قول ابن القاسم في سماع أَصْبَغ المتقدم، ففي شرط تقدم الأسفل على الأعلى بمجرد تقدم إحيائه على الأعلى أو مع خوف هلاك زرعه، ثالثها: مع انفراده بالانتفاع بالماء لنقل ابن الحاجب مع ظاهر سماع أَصْبَغ ابن القاسم، وقول سَحنون وتفسير أَصْبَغ قول ابن القاسم.
وسئل ابن رُشْد عن قوم ابتاعو ملكًا من بائع واحد صفقة واحدة، وهو على نهر فاقتسموا الملك فصار بعضهم فوق بعض، وفي حظ كل منهم ثمر وأرحى ونضب بعض ماء النهر، وليس يفوت الكل أيقسمون الماء على حصصهم إذ رب الملك واحد أم لا يبدأ الأعلى فالأعلى فأجاب يبدأ الأعلى إن لم يقسموا على أن السقي على الحصص.
قال ابن الحاجب.
فإن كان مسيله من مملوكه فلله حبسه متى شاء، وإرساله، ومثله لابن شاس، وتقدم عزوه الباجي لسَحنون، وفيه؛ لأنه صار احق بدخوله في أرضه.

قُلتُ: وهذه العلة موجودة فيما كان مسيلة من غير مملوكة.
والأظهر: أنه خلاف المشهور حسبما تقدم في تحصيل الخلاف، وهو ظاهر قول اللخمي، وجعل ابن سَحنون الجواب في السيل يدخل ارض رجل مثل ذلك إذا كان يصل من أرض قوم آخرين.
الباجي: ما مسيله بأرض قوم معينين كقوم أخرجوا ماء من بثر حملوه في أرضهم أو أرض مبورة ملكوها بسبق ساقية فيها هم أحق بمائهم لا يقدم الاعلى على الأسفل يقسمونه كما يقسم ما يملك أصله من العيون والآبار.
قال سَحنون: يقتسمونه على قدر ملكهم بالقلد لايقدم أحد على أحد يصنع كل منهم بمائه ماشاء.
قالل ابن القاسم وأشه ب: في أرض مقسومه بين قوم، ولهم شرب أراد أحدهم صرف مائه لأرض له أخرى، فذلك له، وإن عطل حصته من هذه.
الشيخ: لأن له بيعه فكذا يصرفه حيث شاء ما لم يمر به حصة غيره، وإن كانت الأرض مشاعة بينهم لم يكن لأحدهم صرف حصته من ذلك الماء؛ لأنه يضر بحضتهم منها، والقلد ضبطه عياض في كتاب الشفعة بكسر القاف وسكون اللام قال غير واحد: هي القدر التي يقسم بها الماء، وهو أكثر المراد هنا، وكذا جاء مفسراً في بعض نسخ الكتاب.
وقال ابن دريد: هو الحظ من الماء، وقال ابن قتيبة: هو سقي الزرع وقت حاجته.
قُلتُ: هو في استعمال الفقهاء عبارة عن الآلة التي يتوصل بها للإعطاء لكل ذي حظ ن الماء قدر حظه من غير نقص ولا زيادة وللمتقدمين، والمتأخرين في حقيقته أقوال، وتعقبات باختلاف جري الماء الذي القسم بمدته لقلته وكثرته وسرعة حركته بالليل وبطئها بالنهار حسبما ذكره عياض وغيره.
والتحقيق عندي أن فيه إن كان الماء غير متنافس فيه جيدا فالتقارب فيه كاف بأحد الوجوه المذكورة فيه، وإن عو ثمنه ابتغى تحقيقه، واقرب ما يحقق به إن يقسم ماء الليل وحده وماء النهار وحده بالساعات الرملية المحققة، ولما نقل ابن عبد السلام قولهم أن

من وقع منهم نصيبه في الليل حصل له أكثر ممن وقع نصيبه في النهار ولا بد من ذلك.
قال بعضهم: ولا يمنع ذلك من القسمة كما لابمنع من قسمة الدار الواحدة مع أنه يعلم أن لبعضهم أفضل مما لبعض إذ قد يكون بعض بيوت الدار احسن من بقيتها، وقال: وهذا لا يلزم؛ لأن من يأخذ أحسن البيوت إنما يأخذه بقيمته فهو بالضرورة يأخذ أقل في القدر من غيره، ولاكذلك من يأخذ نصيبه من الماء في الليل مع من يأخذ نصيبه في النهار.
قُلتُ: إنما عرف هذا الكلام الذي أشار إلى تعقبه لعياض؛ ولفظه إذا جعل قسم الليل على حدة، وقسم النهار على حدة سلم من الاعتراض؛ إلا أن يقول الضرورة دعت إلى هذا، وهو غاية المقدور كقسم الدار الواحدة، وبعضها جيد البناء، وبعضها واهٍ، والأرض الواحدة بعضها كريم، وبعضها دنيء مع اختلاف الاغراض في ذلك.
قُثلتُ: تشبيه اغتفار اختلاف معنى الليل والنهار باعتبار اختلاف الأغراض في قسم الدار المذكورة لا يكون من بعض بيوت الدار أحسن ليتجه رده بأن القيمة اعتبر فيها الحسن فلا اغتفار فيه؛ بل شهه باختلاف الأغراض، واختلاف الأغراض لا يرتفع بالقيمة بحال فتأمله.
عياض: وابتداء زمن الحظ من الماء من حين ابتداء جرية لأرض ذي الحظ، ولو بعدت إن كان أصل أراضيهم شركة، ثم قسمت بعد شركتهم في الماء؛ لأن على ذلك قومت الأرض حين قسمها، وإلا فمن حين وصوله لأرضه.
ابن الماجِشُون: لو قسموا الأرض وماؤها يكفي بعيدها فصار لا يكفيه لم ينقص قسمهم الأرض بل قسم الماء فيقسم بحيث يستوي فيه القريب والبعيد فيكون حظ البعيد أكثر.
عياض: وعليه لا يقسم الماء، ولا جميع ما يخرج من القلد، حتى يصل الماء للبعيد بإعلام أمينة ذلك بصوت، وفي التجارة بأرض الحرب ما حفر في الفيافي والطرق من المواجل، كمواجل طريق المغرب، كره مالك بيع مائها، ولم يره حرامًا بيناً، وهي مثل آبار الماشية في المهامة، وكره بيع أصل بئر الماشية اومائها او فضلها، حفرت في

جاهلية أو إسلام قربت من العمران أو بعدت وأهلها أحق بمائها حتى يرووا، وما فضل بين الناس بالسواء إلا من شربهم لسقيهم ودوابهم فلا يمنعون؛ ولما ذكر الباجي قولها في المواجل قال: وروى ابن نافع في حباب البادية االتي للماشية نحوه قيل له: فالجباب التي تجعل لماء السماء؛ قال: بعد ذلك أبعد.
وقال المغيرة: له منع ذلك، وليس كالبئر، وروى ابن القاسم في المجموعة: لا تورث بئر الماشية ولا توهب، ولا تباع، وإن احتاج؛ يريد: لا تورث على معنى الملك ولا حظ فيها لزوجه، ولا زوج إن لم يكن من ذلك البطن.
قاله ابن الماجِشُون.
ابن حبيب: قال جميع أصحابنا ورووا: حافرها او ورثته أحق بحاجتهم من مائها.
وقال ابن الماجِشُون: لا إرث في بثر الماشية بمعنى الملك، ومن استغنى منهم عن حظه فليس له أن يعطيه أحداً، وساثر أهل البثر أولى منه، وممن غاب.
وسئل أشهب عن الوصية، فقال: قال مالك: لا تباع، ولا تورث بمعنى لا تنفد فيها الوصية، وظاهر المدَونة: أن المنع من بيعها على الكراهة، وقال في الجعل والإجارة: لا أرى بيعها حراماً، وظاهر المجموعة خلاف ذلك لقول مالك فيها: لايجوز بيع بئر الماشية، وهو قول القاضي، وعلله اشهب بأن ما يشتريه مجهول؛ لانه إنما اشترى من مائها ما يرويه، وهومجهول، ولو كان كذلك لجاز أن تورث وتوهب؛ لأن الجهالة لا تمنع ذلك، وقاله ابن القاسم: لا تباع لأن للناس فيها منافع.
الباجي: وعندي أن الكراهة إذا حفر على معنى الانفراد به، إن حكم بحكم الإباحة لفضله وجب حملة على التحريم وحكم لتبدية فيه.
قال ابن الماجِشون: إن كانت لهم سنة من تقديم ذي المال الكثير أو قوم على قوم اوكبير على صغير حملوا عليها وإلا استهموا.
وروى ابن وَهْب: لا يمنع ابن السبيل من ماء بثر الماشية، وكان يكتب على من احتفر أن أول من يشرب منها أبناء السبيل.
ققال ابن القاسم: لايمنع من مائها ابن السبيل بعد ري أهلها، فإن منعوه بعده لم

يكن عليهم دية جراحهم؛ لحديث: " لا يمنع نقع بئر"، ولو منعوا المسافرين حتى ماتوا عطشاً فدياتهم على عواقل المانعين، وعلى كل رجل كفارة عن كل نفس مع وجيع الأدب.
ولأشهب في المجموعة: لابن السبيل أن يشرب ويسقي دوابه من فضل الآبار والمواجل إلا أن يكون فضل، واضطرب دوابهم إليه، ومسافة ماء آخر بعيدة؛ فيكون ذلك أسوة بينهم إلا ان لايكون لأهل تلك المياه غوث أقرب من غوث السفر، فيكون السفر أولى به في أنفسهم ودوابهم.
وكتب عمر بن عبد العزيز في الآبار بين مكة والمدينة ابن السبيل أولى من شرب بها، وهو حسن لاضطراره إليه، ويتزود منه، وليس لأهل القرية مثل تلك الضرورة لقرب غوثهم وحمام بثرهم.
وسمع القرينان: لا تباع مياه المواشي إنما يشرب بها، ويشرب بها ابناء السبيل، ولاتمنع من أحد، ولا يصلح فيها عطاء.
ابن رُشْد: مياه المواشي: هي الآبار والمواجر والجياب يضعها الرجل في البوادي للماشية هو احق بما يحتاج للماشية، ويدع الفضل للناس، وليس مراده في السماع تساوي أهل الماء وغيرهم فيه إنما يريد أنه يشرب أهلها، ثم يشرب ابن السبيل.
قالوا: وفي لفظه للترتيب لا للتشريك، فإن تشاح أهل البثر في التبدية بذي الأقرب فالأقرب إلى حافرها.
قلت: ماشيتُه أو كثرت، فإن استووا في القرب استهموا.
وفي المقدمات: إثر قول ابن الماجِشُون استهموا قال: هذا عندي إن استوى فعددهم من حافرها، وإلا قدم الأقرب فالأقرب.
وقال اللخمي: إثر قول ابن الماجِشُون استهموا أرى أن يقسم بينهم، فإن كانت غنم أحدهما مائة وغنم الآخر مائتان والماء إنما يكفي مائة قسم بينهما أنصافاً،

وكذا في الزرع.
قال: وإن كان كفاية لمائتى شاة، أولجميع زرع أحدهما، ونصف الآخر اقتسماه أثلاثاً.
قُلتُ: يريد: أن غنم أحدهما ضعف غنم الآخر، والماء يكفي غنم أكثرهما فقط كذي مائتين مع ذي مائة، والماء يكفي مائتين فقط، ولا يتوهم قسمه بينهما أرباعاً على قاعدة اعتبار التسليم في التداعي بتسليم ذي المائة نصف الماء؛ لأن ذلك إنما كان في التداعي لدعوى أحدهما تحقيق ملكه كل المدعى فيه، واستحالته هنا بل هذه كمن أوصى لولد أخيه بعشرة، ولكل من ولدي أخيه الآخر بعشرة عشرة، ولم يترك إلا ما ثلثه عشرون، فهي بينهم أثلاثاً اتفاقاً لا أرباعاً.
قال ابن رُشْد في البيان: إن اجتمع أهل الماء والمارة والماء يكفيهم بدئ أنفس أهل الماء، ثم أنفس المارة، ثم دوابهما، كذلك، ثم مواشي الناس، وبدأ أشهب دواب المسافرين قبل دواب أهل الماء، وإن لم يكف جميعهم وتبدئة أحدهم بجهد الآخرين بدئ من الجهد عليه أكثر بتبدئة صاحبه، فإن استووا في الجهد، فقيل: يتواسون في ذلك، وقيل: يبدأ أهل الماء لأنفسهم، ودوابهم، وعزا في المقدمات الأول لأشهب، والثاني لابن لبابة قال: ولو خيف على البعض بتبدئة البعض أخذ أهل الماء؛ لأنفسهم قدر ما يذهب الخوف عنهم، فإن فضل فضل أخذ أهل الماء لدوابهم بقدر ما يذهب الخوف عنهم، فإن فضل فضل أخذ المسافرون لدوابهم بقدر ما يذهب الخوف عنهم، ولا خلاف في هذا الوجه والبئر والماجل والجب عند مالك سواء.
وقال المغيرة: لرب الماشية منع فضل صاحب الماشية.
قال في المقدمات: لأن نفقة الجب كثيرة، وليس بمعنى كالبثر إذا ترف منه شيء عاد مثله فلا يحمل على أنه أراد الصدقة إلا ببيان، بخلاف البئر، ولو أشهد عند حفرها أنه يحفرها لنفسه لم يمنع من بيع مائها، واستحقها ملك بالإحياء، وقولها: أكره بيع ماء بئر الماشية، وقوله في المجموعة: لا يجوز ذلك قبل اختلاف قول والصحيح عوده لنهيه حفره للصدقة أو غيرها.

قُلتُ: وللخمي: إن لم يجعل فضل ماء بئر الماشية صدقة فاختلف فيه.
ققال مالك مرة: له حبسه، وروى ابن حبيب: ليس له حبسه.
قُلتُ: فقولها يكره ثالث: وفي ردها للوفاق بعد، وقال ابن الحاجب: مال لبئر التى حفرت في الفيافي لا تباع وصاحبها أو ورثته أحق بكفايتهم.
قال ابن عبد السلام: قيل: إن ورثة حافرها لا يختصون بما كان لحافرها.
قُلتُ: لا أعرف هذا القول إلا ما تقدم لابن القاسم في المجموعة من قوله: لا تورث، وقيده الباجي بقوله: يريد على وجه الملك، وكذا نقله الصقلي، وغيره عن ابن الماجِشُون.
وفي النوادر: روى ابن وَهْب: أن النبي (ص) قال: " لاتقطع طريق، ولا يمنع فضل ماء"، ولابن السبيل عارية الدلو والرشاء والحوض إن لم يكن له أداة تعينة، وتخلي بينه وبين الركية فيسقي (1). قال ابن عبد السلام: ظاهر إطلاقات أهل المذهب وجوب عارية هذ الآلة للملى والفقير، ولعل هذا لأن مالكها لم يتخذها للكراء بل لتحصيل منفعتها فقط، وإلا فالاصل عدم خروج منفعة ملك الإنسان إلا بعوض.
قُلتُ: مقتضاه لو أتخدها مالكها للكراء لم تجب عليه عاريتها للمسافر، ومقتضي الرواية خلافه؛ لأن ظاهرها تعليل وجوب عاريتها باضطرار المسافر لها بمحل هو مظنة لعدم اتخاذ الآلة للكراء فلا ينتقض ذلك بنذور اتخاذه الآلة للكراء في ذلك المحل حسبما تقررفي التعليل بالمظنة.
س الباجي: ما حفره الرجل في أرضه فهو على ملكه له بيعه حتى يتبين انه للصدقة، وما حفره بغير أرضه لماشيته او للشرب فقط لالإحياء زرع أو غرس، فالظاهر أنه حفرها ليكون فضلها عن حاجته للناس فلا تصرف عن معتادها هذا إلا بشرط، ولو أشهد أنه يريد بها التمليك فلم أر فيه نصاً، وعندي أنه على شرطه كمن أحيا أرضاً، فإن

كان بالبعد لم يعترض، وإن كان بالقرب نظر فيه الإمام.
قُلتُ: ما اختاره هو ما تقدم من نقل ابن رُشْد عن المذهب، وقواعد المذهب واضحة به.
فإن قلت: ظاهر لفظ التهذيب في التجارة بأرض الحرب خلاف هذا؛ لان فيه ما نصه، وأما من حفرها في ارضه، فإن أراد بها الصدقة فهي كذا، وإن أراد أن ينتفع هو بها فله منعها وبيع مائها بخلاف ما حفر في الفيافي فلو كان ما قصد به الملك مما حفر في الفيافي ملكاً له لم يكن بخلافها.
قُلتُ: لفظ أبي سعيد هذا يجب تعقبه لإيهامه بما ذكر، ولفظ المدونة بخلافه، ونصه سمعت مالكاً يقول: لا تباع بئر الماشية، وإن حفرت من قرب؛ يريد بقوله: من قرب قرب المنازل، ولا تباع إن كان إنما حفرها للصدقة، فأما من احتفر لغير الصدقة إنما احتفرها لمنفعة في أرضه يبيع ماءها، ويسقي بها ماشيته فلا أرى ببيعها بأسًا، ولو منعته بيع هذه لمنعته أن يبيع بئره التي احتفرها في داره لنفسه.
قُلتُ: فتقسيمه احتفارها للصدقة، ولغير الصدقة كالنص فيما زعم الباجي أنه لم ير فيه نصا ونحوه نقل اللخمي: إن كانت بئر الماشية فيما لا يملك من الأرضين لم يكن له حبس الفضل.
قال ابن القاسم في المجموعة: هذا إن جعلها للصدقة؛ يريد أن له حبسها إن لم ينو به الصدقة كبئر الزرع؛ لأن حفر تلك البقعة إحياء لها، فإن لم ينو الصدقة كانت كغيرها من الأملاك، وكذا بئر الزرع له الفضل إلا أن ينوي به الصدقة.
قُلتُ: هو قولها في التجارة لأرض الحرب، ويجوز بيع فضل ماء بئر الزرع وعينه، وبيع رقابهما وفي حريم البئر لا بأس ببيع بئر الزرع.
وفيها: الشفعة إن لم تقسم الأرض.
وقول اللخمي: صاحب بئر الماشية، والزرع والشفة أحق بمائها يروي ماشيته أو زرعه أو ما جعلها له، ويفترق الجواب في الفضلة، فإن جعلها صدقة أنفذت فيا جعلها فيه، وإن لم يجعله في وجه من الوجوه كان في حبسه عن من احتاج إليه لماشية أو

زرع قولان.
قال مالك مرة: له حبسه، وقال الواضحة: ليس ذلك له.
قُلتُ: فظاهر أن في فضل بئر الزرع روايتان، والحيتان بالأنهار غير المملوكة لا يمنع صيدها من أراده، ومن سبق إليه أحق به.
عزاه الشيخ لابن حبيب، والاخوين، وأصْبَغ، وابن القاسم وهو المذهب، وفي التجارة لأرض في الحرب منها: إن كان في أرضك دير أو بحيرة أو بركة فيها سمك، لم يعجبنى بيع سمكها، ولا منع من يصيده، ولا الشرب منها.
الباجي: في منعه من يصيد منها، ثالثهما: إن كان طرح فيها ما توالد منها ما فيها، وإلا فلا؛ إلا أن يضر به الصائد لسَحنون، وابن القاسم، وأشهب، وعزا اللخمي الأول للأخوين أيضاً، وأخذ به، وفي الدور والأرضين منها: للرجل يبيع مراعي أرضه وفدادينه؛ إن بلغ خصبها أن يرعى لا قبل ذلك ببيعه سنة لا أزيد.
وسمع ابن القاسم في كتاب السداد: أترى للرجل حبس عشب ارضه.
قال: نعم إن كان له بها حاجة، وإلا فلا.
ابن رُُشْد: الكلأ بأرض غير مملوكة كالبراري الناس فيها سواء اتفاقاً ليس لأحد بيعه، فإن جاء رجلان لرعي كلا موضع كانا فيه أسوة، فلو سبقه أحدهما فنزله، وجعل يرعى ما حوله أو حفر به بئراً، ففى كونه أحق بقدر حاجته منها، ثالثهما: إن حفر به بئراً لأشهب، وقول ابن القاسم مع روايته في حريم البئر منها، والمغيرة: ومعنى قول أشهب إن قصد ذلك الموضع من بعد لا إن مر به فنزله، وقد تأول قوله أنه ليس معناه أنه بمجرد سقيه لنزوله أحق بل معناه أن رعيه إحياء، فيكون أحق بما يحدث في ذلك الموضع من كلا مرة أخرى بقدر حاجته، وأعدلها الثالث؛ لأنه لا يقدر على المقام على الماء إن لم يكن له بذلك الموضع مرعى فتدهب نفقته في البئر باطلاً، وكذا لوسبق بالنزول به وبنى به بناء وأنفق فيه نفقة لوجب كونه أحق بحاجته من كلا ذلك الموضع والله أعلم، وما بالأرض المملوكة أقسام فالمحظرة بحيطان كالحوائط الجنات فربها أحق بما فيها من الكلا له بيعه ومنعه ممن يريده لرعي أو احتشاش، وإن لم يحتج إليه ربه،

وأما العفاء والمسرح من أرض قريبة، فليس له بيع مائها من كلا، ولا منع أحد من فضل حاجته اتفاقاً إلا من يضره بدابة أو ماشية في زرع في شيء يكون له حواليه بالمرور عليه، وأما الأرض التي بورها للرعي، وترك زراعتها لذلك، ففي منع غيره إن احتاج إليه أو وجد من يشتريه والأجير على تركه للناس أو إن احتاج إليه أو وجد من يشتريه والأجير على تركه لللناس أو إن احتاج اليه فقط لا إن وجد من يشتريه قولا ابن القاسم مع ابن الماجِشُون وأشهب، وأما فحوض أرضه وفدادينه التي لم يبورها للرعي ففي شرط بيعه إياه بحاجته وجوازه مطلقاًً قولا أشهب مع ابن القاسم وابن الماجِشُون فأشهب يمنع فيه كلا مراعي ارضه بورها للكلا أو لم يبورها له وابن الماجِِشُون يحيزه فيهما، وابن القاسم يفرق في إجازه البيع له إذا استغنى عنه بين الأرض التي بورها للرعي وبين التي لم يبورها له ففي مجموع الطرفين ثلاثة أقوال، وقول مالك في حريم البئر منهاك لا بأس أيبيع الرجل كلا أرضه إن احتاج إليها، وإلا فليخل بينها وبين الناس مع قوله فيه: لا بأس أن يبيع الرجل خصب أرضه ممن يرعاه ذلك العام لا عامين قيل: هما اختلاف أجاز بيعه مرة وقف أرضه للرعي أو لا لابن الماجِشُون ومرة منعه فيهما كأشهب، وقيل: وفاق فرق بين وقفها وعدمه كابن القاسم، وهو تاويل عيسي بن دينار.
قُلتُ: حمله اللخمي على الخلاف، وقال: إن ضاق الكلا عن أهل القرية فلهم منع الطارئ منه؛ لأنهم إن تركوا أضر أهل الموضع الانتجاع لمواشيهم.

جارٍ التحميل