إحياء الموات: لقب لتعمير أثر الأرض بما يقتضي عدم انصراف المعمر عن انتفاعه بها.
باب موات الأرض
وموات الأرض: قال ابن رُشْد: في رسم الدور من سماع يحيى ابن القاسم من كتاب السداد والأنهار: روى ابن غانم: موات الأرض هي التي لا نبات بها، لقوله تعالى ﴿وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [النحل: 65] فلا يصح الإحياء إلا في البور.
البخاري عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((من أعمر أرضاً ليست لأحد فهو أحق))
قال عروة: قضى به عمر في خلافته.
النسائي عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحيا أرضا ميتة ليست لأحد فهو أحق بها)، وفي رواية: ((وليس لعرق ظالم حق))، وخرجه أبو داود، وصححه عبد الحق بقبوله إياه، ولم يتعقبه ابن القطان.
ابن الحاجب: الموات الأرض المنفكة عن الأختصاص، فتبع ابن شاس الغزالي، وتركا رواية ابن غانم، وهي أجلى لعدم توقف تصور مجلولها على الاختصاص وموجبه.
باب في معروض الإحياء
ومعروض الإحياء ما لم يتعلق به حق ذي حق، ويمتنع فيما يتعلق به ملك بغير إحياء، ولا يصح بتبوره بالتراك.
الباجي: من اشترى أرضاً لم يرتفع ملكه لها باندارسها اتفاقاً.
ابن رُشْد: غيها: ما استحق أصله بخطه أو شراء لم يزل ملكه عه بتركه حتى عاد لحالته الأولى ولا أعلم فيه نص خلاف، ويدخله بالمعنى من الصيد يند من يديه فيتوحش ويصيد غيره.
قال محمد: هو للثاني، ولم يفرق بين ملك الأول وإياه بصيد أو ابتياع فيلزم مثله في موات الأرض، ففي كون الأول أحق به أو الثاني، ثالثها: إن كان الأول اختطه أو اشتراه.
ومحمد بن عبد الحكم: يرى الأول أحق به في الصيد على كل حال، ففي الصيد، ثالثها الفرق بين كون الأول ابتاعه أو صاده، وقد يفرق على قول ابن عبد الحَكم بأن الصيد غلب ربه على بقائه بيده والموات ربه تركه فيتحصل فيهما بالثلاثة، ورابعها: الفرق بين الصيد والموات، الثاني أحق بالصيد والأول أحق بالموات، وهو الآتي على حكاية ابن عبدوس حيث قال عن سَحنون: من أحيا مواتاً لم يخرج عن ملكه بتعطيله.
ولو عمره غيره.
ابن عبدوس: قلت له: أولاً يشبه الصيد إن ند من يد صاحبه؟
قال: لا، وخامسها: الثاني أحق بالموت، والأول أحق بالصيد، وإنما يكون الثاني أحق بالموات، والأول أحق بالصيد، وإنما يكون الثاني أحق بالموات، عند قائله إن طالت مدة عودة عوده لحالته الأولى، ولو أحياه الثاني بحدثان عوده لحالته الأولى، فإن كان عن جهل منه بلأول فله قيمة عمارته قائماً؛ لأن له شبهة، وإن كان عن علم منه بذلك فقيمته منقوضاً بعد حلف الأول ما تركه إسلاماً منه لحقه فيه، وأنه كان على إعادة عمارته، ولا يصدق إن طالت المدة في ذلك.
قُلتُ: لما ذكر الصقلي قولها: إنها لمحييها ثانياً بعد عودتها لحالتها الأولى.
وقل سَحنون: إنها للأول قال: وقال الأخوان: إن كان إحياء الثاني بحدثان ترك الأول فهي له، وللثاني قيمة عمارته قائماً إن كان جاهلاً ومنقوضاً إن كان عالماً، وإن عمر بعد طول من ترك الأول، وكان تركه كالإسلام لها فهي للآخر.
قُلتُ: فظاهره أنه قول ثالث، وذكر ابن رزقون قولي ابن القاسم وسَحنون، وقال: وحكى ابن رُشْد قولاً ثالثاً الفرق بين القريب والبعيد.
قال ابن عبدوس: قلت لسَحنون: أولا يشبه الصيد إن ند من ربه؟
قال: لا
قُلتٌ: ونقل هذا الثالث على نحو ما ذكره ابن رزقون بكلام ابن عبدوس.
ابن عبد السلام عن ابن رشد: لا بواسطة.
ابن رزقون: ولم أجد لابن رشد ما ذكراه عنه؛ بل قال: إثر سماع يحيى ابن القاسم: من استحق مواتاً بعمله فتركه حتى صار خراباً ليس يكون لمن أحب أن يعمره.
قال: يلي ما نصه هذا مثل ما في المدَوِّنة وقال سَحنون: معناه فيما بعد من العمران، وما قرب لا يبطل استحقاقه له بتركه حتى عاد لحاله الأولى، وقوله صحيح على معنى ما في المدَّونة، وقال سحنون: معناه فيما بعد العمران، وما قرب لا يبطل استحقاقه له بتركه حتى عاد لحاله الأولى، وقوله صحيح على معنى ما في المدَوَّنة فيما قرب من العمران ليس لأحد أن يحييه إلا بقطيعة من
الإمام؛ لأن الإمام إذا أقطعه إياه صار بمنزلة ما اختلط أو اشترى، ونص في المدونة على أن ما استحق اصله بخطط أو اشتراه لا يزول ملكه بتركه حتى يعود لحالته الأولى، ولو أحيا القريب من العمران بغير إذن الإمام على قول من يرى له ذلك لبطل حقه فيه بتركه إياه، ولا فرق بين القريب والبعيد على قول من لا يرى استئذان الإمام، وأحيانا فيما قرب انتهى.
قُلتُ: فهذا نص في عدم التفرقة بين القريب والبعيد، ويمتنع في حريم المعمور.
قال ابن رُشْد: في ثاني مسأله من سماع يحيى: قال ابن حبيب: الشعراء المجاورة للقرى أو المتوسطة بينها لا يقطع الإمام م نها شيئاً؛ لأنها ليست كالعفا من الأرض الذي هو لعامة المسلمين إنما هي حق من حقوقهم كالساحة للدور أنما العفا من بعد.
وتعقب الفضل قوله: ليس للإمام أن يقطع شيئاً من الشعر القريبة جداً؛ لأن إقطاعها ضرر في قطع مرافقهم التي يختصون بعا لقربهم على ما نذكره في أول مسألة من رسم الدور.
قُلتُ: قال فيه: القريب من العمران قسمان، فذكر في الثاني ما نصه: القريب الذي في إحيائه ضرر كالأفنية التي أخذ شيء منها ضرر بالطريق وشبهه لا يجوز إحياؤه بحال ولا يبيحه الإمام، ونحوه نقل الباجي عن ابن القاسم: ينظر فيما قرب، فإن كان فيه على أهل القرى ضرر في مسرح أو محتطب منع.
زقال ابن الحاجب في وجوه الاختصاص المانعة من الإحياء الثاني حريم عمارة، وحريم البلد ما يرتفق به لرعي مواشيهم ومحتطبهم مما تلحقه غدَّوا ورواحاً، ومثله لابن شاس.
قال ابن عبد السلام عن سَحنون: ما كان من العمارة على يوم، ولا تدركه الماشية في غدوها ورواحها فهو بعيد، وما تدركه الماشية في غدوها ورواحها فهو بعيد، وما تدركه فيهما وأبعد من ذلك قليلاً مما فيه المرفق لأهل العمارة فهو قريب، ونحوه لابن القاسم.
وقال أبو يوسف: الحد في ذلك أن يصبح الصائح من طرف العكران فلا يسمع
من بالموضع الآخر صوته.
قُلتُ: هذا الذي نقله من كلام سَحنون إلى آخره، إنما هو في القسم الأول من مسمى القريب حيث قسمه ابن رُشْد: في أول نسألة من رسم الدور، وهو خلاف في صحة الإحياء بإذن الإمام، واختلفت فيه دونه، وفي ساقه الصقلي.
وكذا ابن رُشْدحيث جعله مقابل البعيد فقال: حد البعيد من العمران ما لم ينته إليه سرح ماشية العمران، واحتطاب المحتطبين إذا رجعوا لمبيتهم من العمران.
وقال أبو حنيفة: هو أن يصيح صائح إلى آخر ما تقدم عن أبي يوسف ونحوه للباجي قال: من أحيا أرضا في الفيافي فليس لغيره أن يحيى بقربه إلا بإذن الإمام قاله سَحنون في المجموعة، وله في كتاب ابنه ما رأيت من وقت حد القرب والبعد من أصحابنا، وما كان من العمارة عن يوم، وما لا تدركه الماشية في غدوها ورواحها فهو بعيد وما تدركه فيها، وأبعد من ذلك قليلاً مما فيه مرفق أهل العمارة فهو القريب ونحوه لابن القاسم، وقال أبو يوسف فذكر ما تقدم والإنصاف أن في كلام الباجي إجمالاً فيه ما يجب حمله على القريب المتوسط، وما يجب حمله على القريب الأقرب والأصوب تقسيم ابن رُشْد القريب إليهما، وبه يفهم كلام ابن الحاجب هذا مع ذكره بعد هذا جواز الإحياء في القريب بعض شُيُوخنا المفتييت يقول: لا يستحق الصرر بالعشرين إلا بما زاد، وذكر ابن سهل الفتوى بالثاني لعبيد الله بن يحيى، وابن لبابة، وأيوب بن سليمان، وابن الوليد قال: والقول الآخر ل أَصبغ في آخر كتاب الاستحقاق فيمن أحدث كوةً أو باباً على دار غيره أو أندراً على جنانه أو ميازيب على حائطه، وهو ينظر ولا ينكر لا يستحق هذا بعشرين سنة بعد أن يحلف انه ما كان عن رضى، ولا تسليم إلا أن يطول بالدهور الكثيرة جدّاً فيستحقه.
قُلتُ: والأظهر عده تاسعلً.
المتيطي: من كانت له كوة قديمة يشرف منها على جاره فلا قيام له عليه فيها، ولا له جارة، إن بنى داره وعلاها مقابل تلك الكوة حتى ينقطع دخول الضوء عليه قيام، ونحو لمالك في العتبيَّة.
وقال أبو عمر في كافيه: إلا أن تكون الكوة للضوء، وهو يحتاج إليها فيمنع جاره من إلصاق بنائه إليها، فإن عمل في جداره كوة في قدرها، وإزائه يتأدى إليه ما كان ينال من الكوة من الضوء وغيره فله ذلك.
قُلتُ: قوله: ونحوه لمالك في العتبيَّة هو سماه يخيى رواية ابن القاسم في كتاب السلطان: من فتح في جداره موة إلى الدار أو الزقاق للضوء والشمس لم يمنع غيره من بناء جدار له يظلم به تلك الكوة.
ابن رُشْد: هذا صحيح على معنى ما في المدوَّنة، وفيه اختلاف تحصيله في رسم المكاتب من سماع يحيى من كتاب الأقضية، وفي ضرر صوت الحركات طرق.
الباجي: روى ابن القاسم في المجموعة: من احدث رحى تضر بجاره منع.
الباجي: إن أضرت بالجدار منع، وأما صوتها؛ فلا.
ابن حبيب عن الأخوين في الغسال: والضراب يؤذي جاره رفع صوتها لا يمنعان، وتحتمل رواية ابن القاسم خلاف؛ لأنه لم يبين وج الضرر الذي يمنع منه ووجه الأول أن ذلك في الصوت الضعيف ليس له كبير مضرو، أو نا لا يستدام، وما كان صوتاً شديديً مستداماً، كالكمادين والصفارين والرحى ذات الصوت الشديد، فهو ضر يمنع كالرائحة، ولم يحك الصقلي غير نقل ابن حبيب عن الأخوين، ولم يقيده بشيء.
حكى أب حبيب انه لا يمنع، ورواه مُطرِّف، وذهب بعض الفقهاء المتأخرين إلى منع ضرر الصوت، واحتج بقول سعيد بن المسيب لبرد: اطرد هذا القاريء عني فقد آذاني.
قُلتٌ: سمع أشهب في كتاب الصلاة: كان عمر بن عبد العزيز يخرج في الليل في آخره، وكان حسن الصوت يصلي جهراً، فقال سعيد بن المسيب لبرد: اطرد هذا القاريء عني فقد
آذاني، فقال له برد: إن المسجد ليس لنا إنما هو للناس، فسمع ذلك عمر فأخذ نعليه وتنحى.
ابن رشد: أمر سعيد بطرد القارئ عنه، يريد: من جواره لا من المسجد جملة، ولم ينتبه لمكانه من الخلافة لجزالته وقوته في الحق، وقلة مبالاته بالأئمة، ولا أنف عمر بن عبد العزيز من قوله وفضله وانقياده للحق.
قلت: انظر هذا مع قول مالك: كان الناس في الزمن الأول يتواعدون لقيامهم لأسفارهم بقيام القراء بالمسجد بالأسحار تسمع أصواتهم من كل منزل استدل به ابن عتاب على رفع الصوت بالذكر في المساجد، وقاله ابن رشد.
واستدل بعض الشيوخ بهذه الحكاية على أن الأصوات من الضرر الذي يجب الحكم على الجار بقطعه عن جاره كالحدادين والكمادين والندافين وشبه ذلك، وليس بدليل بين؛ لأن ما يفعله الرجل في داره مما يتأذى به جاره بخلاف ما يفعله في المسجد من رفع صوته لتساوي الناس في المسجد، ولو رفع رجل في داره صوته بالقراءة لما وجب لجاره منعه، والرواية منصوصة في أنه ليس للرجل منع جاره الحداد من ضرب الحديد في داره، وإن أضر به.
قلت: وما في رسم المكاتب من سماع عيسى من الأقضية: رأيت لابن دحون قال: لم يختلف في الكماد والطحان أنهما لا يمنعان، وإن كان محدثا يضر بأسماع الجيران، فإن أضر بالبناء منع.
المتيطي في ثمانية: أبي زيد عن مطرف: سألت مالكا عن الحداد جار الرجل فيعمل في بيته، وليس بينهما إلا حائط يضرب الحديد الليل والنهار فيؤذي جاره فيقول: لا أقدر أن أنام فهل يمنع من ذلك؟
قال: لا، هذا رجل يعمل لمعاشه لا يريد بذلك الضرر لا يمنع.
وقال ابن عتاب: تنازع الشيوخ ببلدنا قديما وحديثا فيمن يجعل بداره رحى، وشبهها مما له دوي أو صوت يضر به جاره كالحداد وشبهه.
فقال بعضهم: يمنع إذا عمل به بالليل والنهار، وقال طائفة: لا يمنع، وقال
أصبغ بن سعيد: اتفق شيوخنا على منعه بالليل إن أضر جاره، ولا يمنع بالنهار، وقاله ابن عبد ربه.
وقال أبو بكر بن عبد الرحمن أحد الفقهاء السبعة: إذا اجتمع ضرران أسقط الأكبر، ومنع الرجل من الانتفاع بماله، وصنعته أكثر ضررا من التأذي بدوي ما يصنع.
ابن عتاب: الذي أقوله: وأتقلده من مذهب مالك أن جميع الضرر يجب قطعه إلا رفع البناء المانع من الريح وضوء الشمس، وما في معناهما فلا يقطع على مذهب ابن القاسم إلا أن يثبت قصد محدثه ضرر جاره، وكذا كل ضرر يؤول للفساد كالكماد والنداف.
ابن عات في كتاب كراء الدور من المدونة: للرجل أن يصنع في الدار المكتراة ما شاء من الأمتعة والدواب والحيوان والحدادين والقصارين ما لم يكن ضررا بالدار فلا.
ابن عبد الغفور: على هذا يكون لرب الدار أن ينصب فيها ما شاء من الصنائع ما لم يضر بحيطان جاره، ولا يمنع من رفع صوت أو دوي رحى أو كمد لصوته، وكذا ما أشبهه.
قال المشاور: مثله كله.
وفي المجالس: قضى شيوخ الفتيا بطليطلة: يمنع الكماد إذا استضرت بهم الجيران والأول أولى.
قلت: ما حكاه من لفظ المدونة أخذه منه حسن، وترك من لفظها عطفها على القصارين والأرحية، وذكر مثله في مكترى الحانوت.
قلت: ففي لغو إحداث ضرر صوت الحركة، ومنعه مطلقا، ثالثها: إن عمل ليلا لا نهارا، ورابعها: إن حق ولم يكن فيه كبير مضرة للمتيطي مع ابن رشد عن رواية مطرف مع ابن عتاب عن بعض الشيوخ، وابن رشد عن ابن دحون قائلا: اتفاقا، وابن عات عن أخذه ابن عبد الغفور منها كالمشاور، والمتيطي عما تقلده ابن عتاب من مذهب مالك مع ابن عات عن فتوى شيوخ طليطلة في الكمادين، والمتيطي عن أصبغ بن سعيد قائلا: اتفق عليه شيوخنا، واختيار الباجي: ورفع الصوت بالدعاء والذكر في
المسجد آخر الليل مع حسن النية قربة، وفي جوازه بعسعسة الليل بعد مضي نصفه.
ومنعه نقلا ابن سهل عن ابن عتاب محتجا بقول مالك بعدم منع صوت ضرب الحداد مع الصقلي وابن دحون مع ابن فرج محتجين بوجوب الاقتصار على فعل السلف الصالح، وفي قسمها: ليس لك في سكة غير نافذة فتح باب يقابل باب جارك أو يقاربه، ولا تحويل بابك هنالك، وذلك في النافذة جائز.
ابن رشد: في منع فتح باب في غير النافذة مطلقا إلا بإذن جميع أهل الزقاق، وجوازه ما لم يقارب باب جاره بحيث يقطع به مرفقا له، ثالثها: له تحويل بابه كذا إن سد الأول لا فتح باب لم يكن لابن زرب مستدلا بقولها في الدارين إحداهما في جوف الأخرى فيقسم الداخلة أهلها؛ فيريد كل منهم أن يفتح لداره بابا في الدار الخارجة ليس لهم ذلك إنما لهم الممر الذي كانوا يمرون عليه، وبه جرى عمل أهل قرطبة، ولابن القاسم فيها مع سماع عبد الملك ابن وهب في كتاب السلطان، وظاهر قول أشهب في هذا السماع.
قلت: لم يحك المتيطي إلا منع إحداثه أو تحويل القديم لقرب باب جاره بحيث يضره ذلك، ثم قال: ولو حوله عن بعد من باب جاره لم يكن عليه قيام؛ لأنه لم يزده شيئا على ما كان عليه.
قال: وقال أبو عمر في كافيه: ولا يحدث في غير النافذة عسكر، وهو الذي يدعى التابوت والجناح والأسقفية، فإن أذن بعضهم في ذلك، وأبى البعض، فإن كان الآذنون آخر الزقاق، وممرهم لمنازلهم على الموضع المحدث قبل إذنهم.
ابن رشد: وفي فتحه بابا أو حانوتا قبالة باب جاره في الزقاق النافد، ومنعه إلا أن ينكب عن ذلك، ثالثها: إن كانت السكة واسعة لابن القاسم فيها مع أشهب في السماع المتقدم، وسحنون وابن وهب في السماع المذكور.
ابن سهل عن يحيى بن إبراهيم: من فتح بابا في زقاق، ولو كان غير نافد يطل منه على جاره، وجدار داره مضير نحو الحائطين، وهو إن بنى ثالثا لم يطل عليه جبر جاره على بناء ثالث، ولا يمنع فاتح الباب من فتحه.
وأجاب ابن رشد فيمن أحدث بداره بابا وحانوتين قبالة باب جار له بينهما زقاق نافد، ولا يخرج احد من دار الجار، ولا يدخلها إلا على نظر الحائطين الحالين بالحانوتين لعمل صنعتهم، وهو ضرر بين برب الدار بأن يؤمر أن ينكب بابه وحانوتيه عن مقابلة باب جاره، فإن لم يقدر على ذلك لم يحكم عليه بغلقها، وترك بينهما زقاق نافد، ولا يخرج أحد من دار الجار.
ابن رشد: والسكة الواسعة سبعة أذرع لحديث ابن عباس في مسند ابن أبي شيبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الطريق الميتاء سبع أذرع)، ولما ذكر المتيطي الحديث قال: الميتاء: الواسعة.
قال ابن الهندي: حضرت الفتيا بذلك.
الباجي: للشيخ في نوادره: اختلف في ذلك قيل: الواسعة ثمانية أشبار، وقيل: سبعة أشبار.
قلت: حديث سبع أذرع إنما ذكره عبد الحق عن مصنف عبد الرزاق، وقال في سنده جابر الجعفي، ولم يزد، وقال المزني في كتاب (رجال الكتب الستة): هو أكبر علماء الشيعة، وثقة شعبة وتركه جماعة وروى عنه شعبة والسفيانان، وفي كون إحداث حمام أو فرن قرب دار تجاوره لا يضرها بحال إلا أنه يحط من ثمنها ضررا يمنع أو لا نقلا المتيطي مع ابن سهل عن أبي المطرف مع بعض شيوخ ابن عتاب، وله مع بعض شيوخه.
الباجي: من باع داره، وقد أحدث عليه مطلع أو مجرى ماء أو غيره من الضرر، فقال الأخوان وأصبغ: إن لم يقم حتى باع فلا قيام للمشتري، ولو كان خاصم فيه فلم يتم له الحكم، فباع فللمشتري القيام، ويحل محله.
ابن زرقون في أحكام ابن بطال: معناه: أن الحكم قضي به، وأعذر وبقي التسجيل والإشهاد، ولو بقي شيء من المدافع والحجج لم يجز البيع؛ لأنه بيع ما فيه خصومة،
وهذا أصل فيه تنازع.
فيها: من أقام بينة غير قاطعة في أرض فلمن هي بيده بيعها.
وقال سحنون: بيعها حينئذ غرر هذا إن كان البائع في المسألة الأولى قام على محدث الضرر، وإن باع قبل أن يعلم ذلك، ففي صحة قيام المبتاع على المحدث، ومنزلته منزلة البائع، ولغو قيامه عليه، ثالثها: إنما له الرد على البائع لحبيب عن سحنون، ومتقدم قول الأخوين، وقولها في العبد يتزوج بغير إذن سيده، ثم يبيعه قبل أن يعلم أن لمشتريه رده بالعيب، فإن رده فلبائعه القيام به كذا أخذته عمن أرضى من شيوخنا أنها ثلاثة أقوال، وتأملت قول الأخوين، وظاهره أن البائع باع بعد عمله بإحداث الضرر، ولم يقم فيه، وهذا لا يختلف في سقوط القيام فيه فتأمله.
ابن سهل: نزل أن رجلا فتح بابا في زقاق غير نافد، وسكت عنه أهل دوره نحو ثلاثة أعوام، وباعوا دورهم فأراد مبتاعوها سد الباب المحدث.
فأجاب ابن عتاب: لا كلام فيه للمبتاع إنما الكلام للبائعين، فإن لم يفعلوا حتى باعوا فهو رضى منهم.
وقال أحمد بن رشيق فقيه المرية مثله.
وقال ابن مالك: روى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ: لا قيام في ذلك إلا أن يكون البائعون باعوا، وقد خاصموا في ذلك، وعلى أن ليس لهم ذلك يدل ما في النكاح الأول من المدونة.
ابن سهل: يريد مسألة العبد يتزوج بغير إذن سيده، وفي سماع القرينين من الأقضية ما يدل على خلافه، وكذا في وثائق المعروف بالملون للمبتاع القيام على محدث الضرر كوكيل البائع على ذلك.
قلت: وما أشار إليه من سماع القرينين فيه سكوت ذي أرض على إحداث مرور ماء على أرضه أربعين عاما، ثم باع أرضه تلك لا يمنع القيام عليه، فقال ابن رشد: لم يلزمه ذلك وجعل للمشتري أن يمنع منه، ولم يجعل بيعه الأرض رضى بترك القيام على المار بالماء في أرضه خلاف قول الأخوين وأصبغ في أن من أحدث عليه ضرر فلم
يتكلم فيه حتى باع لزم المشتري، ولم يكن له فيه قيام، ثم ذكر الثلاثة الأقوال لسماع القرينين والأخوين من أصبغ، ولها في نكاحها الأول.
قلت: وزعم ابن زرقون أن يبيعه بعد علمه بالإحداث مع عدم قيامه به يسقط القيام اتفاقا، يرد بأنه إنما يصح هذا أن لو كان ضرر الإحداث يجاز بالعلم به مع السكوت عنه اتفاقا، وليس الأمر كذلك لما قاله ابن رشد هنا، وفي نوازل أصبغ حسبما تقدم، والعجب من قول ابن زرقون هذا مع كثرة اعتماده على كلام ابن رشد.
قال ابن زرقون في زاهي ابن شعبان: إن كان لإحدى الدارين باب في دار أخرى لما يستحق أرباب الدار التطرق إلا ببينة، فإن قامت بينة بالتطرق منه، ولم يقولوا بحق، فقيل: هي لغو إذ قد يتطرق بإذن رب الدار، وبغير إذنه، وقيل: يترك له على ما يثبت له بحق، ولا يمنع إلا بحق، وهذا كقول ابن سحنون فيما أشكل قدمه، وحدوثه أنه على القدم.
وفي منع المالك إحداث بئر يملكه في غير الفلاة تضر ببئر سابقه لجاره وجوازه، ثالثها: إن استفرغ ماء بئر جاره، ورابعها: إن وجد بدا من احتفاره، ولم يضطر إليه، لابن رشد عنها، وعن ابن كنانة وسماع القرينين في السداد، والأنهار وأشهب.
واللخمي: قال مالك: من أمر الناس اتخاذ أبراج الحمام، وإن عمرت من حمام الناس فلا بأس به.
اللخمي: يريد: أن كل من بنى برجا بعد تقدمه غيره فلا ينفك أن يصير إليه من برج من تقدمه، ولا يقدر على الامتناع منه، وهذا إذا لم يحدث الثاني بقرب الأول، فإن فعل منع؛ لأن فيه ضررا عليه.
ابن حدير: سئل أصبغ بن محمد من شيوخ الأندلسيين عن المسألة، وقول اللخمي فيها؛ فأجاب بأن للثاني أن يبني بقرب الأول، وقال: إن أراد اللخمي أن المنع لضرر الاطلاع أو إذاية الزرع أو الثمرة فله وجه، وإلا فلا.
قلت: الأظهر أن إحداث برج قرب برج أقدم منه يجري على ما تقدم في إحداث بئر قرب بئر سابقة.
اللخمي: ونصب الأجباح يجري على ما تقدم في الأبراج.
ولابن كنانة: لا ينصبها قرب أجباح الناس بل بعيدا من العمران.
وقال أشهب: إن فعل وليس هناك إلا نحل مربوب فهو فيما دخل إليه أسوة غيره، وإن كان فيه نحل كثير غير مربوب، ونحل مربوب فلينصب، وما دخل إليه هو له؛ يريد: لأن الذي يدخل إليه غير المربوب؛ لأن الشأن في المربوب أن أصحابه يرصدونه، وإن دخل حمام برج في برج آخر، فإن عرف وقدر على رده رد قولا واحدا، وإن عرف وعجز عن رده ففي كونه ملكا لمن صار إليه ووجوب رد أفراخه قولا ابن القاسم وابن حبيب: وإن جهل أو جهل عشه فهو لمن ثبت عنده.
وقول مالك: إن عرف وقدر على رده رد للأول، كقول ابن عبد الحكم في الصيد أنه للأول وإن لم يتأنس عنده لا يزول ملكه عنه؛ لأنه في حال كونه في برج الأول على حال التوحش؛ فينبغي على قول مالك أن يكون لمن صار إليه بل هو في هذا أضعف؛ لأن ما في البرج ليس بملك محقق ورد ما تقرر ملكه أولى.
وقول ابن حبيب برد الفراخ حسن على قول ابن عبد الحكم، وأحسن ذلك أن لا يرد للأول شيء، وإن قدر على رده؛ لأنها غير مملوكة للأول إنما هي عنده على وجه الإيواء، وتأوي اليوم بموضع وغدا بآخر، وإن أوى حمام برج لدار رجل آخر إن علم أنه بري أو جهل صاحبه جاز له ملكه، وإن عرف برجه على قول مالك.
وقال ابن القاسم وأشهب: يرده إن عرف برجه، وإلا تصدق بقيمته، ومحمل قوليهما على أنه طالت إقامته، وإن كان بحدثان أخذه، ولم يقصه أرسله فالشأن عوده لو كره، وإن كان من حمام البيوت تأوي إليه، ولم يتعرض لحبسه فحكمه حكم اللقطة يخير في بيعه والصدقة بثمنه أو حبسه والصدقة بقيمته وحبسه دون الصدقة بشيء واسع، واستخف مالك حبسه كيسير اللقطة.
وقال صلى الله عليه وسلم في الثمرة: لولا أن تكون من الصدقة لأكلتها، وإن دخل فرخ جبح لبيت آخر، فقال سحنون: هو لمن دخل إليه.
ابن حبيب: يرده إن عرف موضعه، وإن لم يقدر رد فراخه ويلزمه رد قدر ما يكون
من عسله، وأرى إن رضي من صار إليه أن يعطي صاحبه قيمته كان ذلك له، والحكم للأول في النحل أقوى من الأبراج؛ لأن تلك إنما تأوي إليها، وهذه تصاد وتملك، ثم تجعل هناك؛ فينبغي أن تجري على حكم المربوب.
قلت: وتقدم شيء من هذا في كتاب الصيد حيث ذكره اللخمي.
الباجي: والحيوان الذي لا تستطاع حراسته كالنحل يضر شجر القوم، وفرخ الحمام والعصافير تضر بالزرع والدجاج الطائرة والأوز وشبهها.
قال مطرف: يمنع من اتخاذها؛ لأن هذا طائر لا يستطاع الاحتراز منه كما يستطاع في الماشية.
وقد قال مالك في الدابة الضارية: تعرب وتباع، وهذا أشد، واختاره ابن حبيب.
وقال أصبغ وابن القاسم: النحل والحمام والدجاج كالماشية لا يمنع من اتخاذها، وإن أضرت وعلى أهل القرية حفظ زروعهم وشجرهم، ومثله لابن كنانة، وقال: وما أحب أن يؤذي أحد.
قلت: كثيرا ما تقع هذه النازلة، والصواب أن يحكم فيها بقول مطرف وابن حبيب: وإن كان خلاف قول ابن القاسم؛ لأن منع أرباب الحيوان أخف ضررا من ضرر أرباب الزرع والثمار؛ لأنهم لا يتأتى لهم حفظها، ولا نقل زروعهم ولا أشجارهم، وأرباب الحيوان يمكنهم قص دجاجهم وإوزهم والاستغناء عن عصافيرهم، ونقل أجباحهم، وإذا عرض ضرران ارتكب أخفهما، وبعضهم يذكره أثرا، وبعضهم يذكره حديثا، وبعضهم يذكره حكما مجمعا عليه.
عبد الحق: ذكر الزهري عن سعيد بن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: حريم البئر المحدثة خمس وعشرون ذراعا، وحريم البئر العادية خمسون ذراعا، وحريم الزرع ثلثمائة ذراع، وحريم العين السيح ستمائة ذراع هذا الحديث يروي مسندا عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويروي مرسلا كما تقدم والمرسل أشبه ذكر
الحديث والتعليل الدارقطني، وذكره أبو داود في المراسيل عن الزهري.
وحريم البئر: ما يستحقه مستحقها من أرض هي محل انتفاعه بها.
فيها: لأهل البئر منع من أراد أن يبني أو يحفر بئرا في ذلك الحريم؛ لأنه حق للبئر وضرر بهم، ولو لم يكن على البئر من حفر بئر أخرى ضرر لصلابة الأرض كان له منعهم لما يضر بهم في مناخ الإبل، ومرابض المواشي عند ورودها.
وفي حده بما يضر إحداث غير مستحقها فيه مستحقها في انتفاعه بها أو بالقيس قولان لها ولغيرها.
وفيها: ليس للآبار في المدونة عند مالك حريم محدود، ولا للعيون إلا ما لا يضر بها.
قال مالك: لأن منها ما هو في أرض رخوة، وما في أرض صلبة أو في صفاء.
عياض: الذي في أصل ابن عتاب وغيره من الأصول، وعليه كثير من المختصرين ورواية يحيى: إلا ما لا يضر بها قال: كذا روى سحنون والصواب إلا ما يضر بها.
قال فضل: كذا قرأناه على غير يحيى.
عياض: كلاهما صواب معناه لا يضر أنه من حريمها، ومعنى ألا يضر حد حريمها، وعلى القياس في كونه في العادية، وهي القديمة خمسون ذراعا، وفي البادية وهي التي ابتدئ حفرها نصفها أو العكس، نقلاه عن ابن نافع وأبي مصعب قائلا في بئر الزرع خمسمائة ذراع.
وقاله ابن المسيب.
وعنه أيضا: ثلاثمائة ذراع.
قلت: زاد اللخمي من كل نواحيها.
قال ابن شهاب: وكان يقال: حريم الأنهار ألف ذراع، وقول مالك أحسن
لاختلاف حال الآبار فمن ماء في أرض لا غياض فيها، ولا شعراء، ولم يعمل أكثر من الحفر ترك له سقي ذلك الماء أو ما يستطيع عمارته، وحمى شجر ما ابتدئ غرسه بموات.
روى اللخمي: ما يرى فيه مصلحتها، ولا يضرها.
وسئل فيه أهل المعرفة، وقد قالوا: اثني عشر ذراعا من نواحيها إلى عشرة، ويسأل عن الكرم، وعن كل شجرة أهل العلم بذلك؛ فيكون لها بقدر مصلحتها، فإن كان عشرة أمر محدث غيرها قربها أن يبعد عنها بقدر حريمها، فإن لم يفعل قطع على الثاني ما دخل من شجره في حريم الأول بباطنه أو هواه، ولو باع نخلة وشرط حقوقها وفناءها جعل لها على هذا القول عشرة أذرع من جميع نواحيها.
وفي نوازل الشعبي جوابا لسحنون: حريم شجرة رجل في أرض آخر هو ما أخذ ظلها حين استواء الشمس عليها قبل فيئها.
قلت: ذكر عبد الحق للطحاوي عن أبي سعيد الخدري قال: اختصم رجلان إلى النبي صلى الله عليه وسلم في نخيلة فقطع منها جريدة، ثم ذرع بها النخيلة، فإذا فيها خمسة أذرع فجعلها حريما، وقال أبو داود: خمس أذرع أو سبع، وصححه بسكوته عنه، ولم يتعقبه ابن القطان.
قلت: وفيه متمسك لجواب سحنون، ومستند ما ذكره اللخمي حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا ضرر ولا ضرار) خرجه الدارقطني.
قال عبد الحق: في إسناده إبراهيم بن إسماعيل هو ابن أبي حبيبة، وثقه أحمد بن حنبل وضعفه أبو حاتم، وقال: هو منكر الحديث لا يحتج به.
ورواه عبد الملك بن معاذ النصيبي عن الداوودي عن عمرو بن يحيى عن أبيه
عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا ضرر ولا ضرار)، وذكره أبو عمر، ورواه مالك عن عمرو بن يحيى بن يحيى عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا ضرر ولا ضرار) كذا رواه مرسلا.
قلت: تعقبه ابن القطان بأن عبد الملك هذا لا تعرف حاله، ولا أعرف من ذكره.
اللخمي: من أحيا للسكنى، فقال لمن أراد أن يحيى بعده: ابعد عني فإنك تكشفني إن قربت مني كان له ذلك قضى عمر بن عبد العزيز فيه أن ينزل عنه نحو مائة ذراع قال: حيث لا تتبين امرأة، ولا يسمع كلام الحي، وإن شكى أنه ضيق عليه في المرعى أبعد عنه، وأرى أن يبعد إذا خاف الكشف أكثر من مائة ذراع، ولا يضيق على النساء في تصرفهن هناك.
قلت: هذا الذي ذكره اللخمي كأنه المذهب عنده خلاف ما تبع فيه ابن شاس وابن الحاجب الغزالي، وجعلاه المذهب، وهو قولهما: حريم المحفوفة بالموات ما يرتفق به من مطرح تراب ومصب ميزاب والحق عندي أن الإحياء إن كان أذن الإمام فيه أو مقتضى حال الموضع المحيا فيه جعل ذلك الموضع مدينة أو قرية لا تتقرر غالبا إلا باجتماع الساكنين، واتصال مساكنهم فالحق ما قاله ابن شاس وابن الحاجب، وإن لم يكن الأمر كذلك كما ذكر لي عن مساكن أهل الجبال، كجبال زواوة ونحوها فالحق ما قاله اللخمي.
باب التحجير
التحجير: هو ضرب حدود حول ما يريد إحياءه، وهو ممن لا يقوى على الإحياء لغو اتفاقا، وما يقوى عليه وتأخيره بيسير الأيام لتليين الأرض أو لرخص الأجير معتبر لسماع يحيى ابن القاسم، ونقل اللخمي والباجي عن أشهب.
وفي السماع مع اللخمي: إن حجر كثيرا وعمر منه يسيرا فالزائد عليه كمنفرد عنه، والتحجير لأكثر من ذلك في لغوه مطلقا أو إن زاد على ثلاثة أعوام سماع يحيى ابن القاسم، مع قولها، ونقل ابن رشد عن الواضحة مع اللخمي عن الأخوين.
الباجي: لأشهب في المجموعة عن عمر فيمن حجر أرضا ينتظر به ثلاث سنين ورآه حسنا.
زاد ابن رشد: وأنكر ابن القاسم في المدونة أن يكون سمع من مالك في ذلك شيئا.
قلت: فلأشهب القولان صرح بهما عياض عنه.
باب الإقطاع
والإقطاع: تمليك الإمام جزءا من الأرض، لا يصح فيما هو موقوف لمصالح
المسلمين في التجارة لأرض الحرب لا يجوز شراء أرض مصر، ولا تقطع لأحد.
قال غير واحد: لأنها فتحت عنوة.
وسمع يحيى ابن القاسم في كتاب السداد والأنهار: ما قارب الأمصار والمدن من الموات التي لا يجوز إحياؤه إلا بإذن الإمام إن أقطعه رجلا فله بيعه، ويورث عنه، ويكون أحق به، وإن لم يعمره، وليس حاله كحال المعادن.
ابن رشد: الإقطاع يكون في البراري والمعمور إلا معمور أرض العنوة التي حكمها أن تكون موقوفة.
قلت: يريد: إقطاع التمليك، وأما إقطاعها للانتفاع بها مدة فجائز.
قاله الطرطوشي وغيره وابن رشد: فإذا أقطع أحدا شيئا من الأرض المعمورة فلا كلام في أن المقطع يستحقه بنفس الإقطاع، وإن أقطعه شيئا من الموات ليحييه استحقه بنفس الإقطاع، وإرث يورث عنه، وله بيعه وإعطاؤه إلا أن للإمام أخذه بإحيائه، فإن لم يفعل أو عجز أقطعه لغيره لما روي انه صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث من العقيق ما يصلح للعمل فلم يعمله فقال له عمر: إن قويت على عمله فاعمله وإلا أقتطعه للناس، فقال له: أقطعينه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له عمر: إنه صلى الله عليه وسلم اشترط عليك فيه شرطا فأقطعه عمر للناس، فإن باعها أو وهبها بعد عجزه قبل نظر الإمام في ذلك مضى ذلك وحل
المبتاع والموهوب له فيه محل البائع أو الواهب، فقوله في السماع: يكون أحق به، وإن لم يعمره معناه إن قال: أعمرها، ولو قال: لا أعمرها أو عجز عنها فللإمام أن يقطعها غيره.
ولو أحياها غيره بعد عجزه دون قطيعة من الإمام جرى على الخلاف فيمن أحيا ما قرب من العمران دون إذن الإمام.
قلت: وللخمي عن الأخوين: من أقطعه الإمام أرضا على عمارتها فله بيعها وهبتها والصدقة بها ما لم ينظر في عجزه فيقطعها غيره.
قال: وظاهر المذهب أن من أقطع أرضا ليملكها لا بشرط العمارة كانت له، وإن عجز عن عمارتها، وذكر قصة بلال وعمر عن ابن وهب.
قلت: كذا ذكر اللخمي في غير نسخة قول الأخوين أن الإقطاع مقيد بأنه على العمارة.
وقال الباجي ما نصه: ما افتتح ملكه على قسمين إقطاع، وإحياء فما يملك بإقطاع من الإمام.
سمع يحيى ابن القاسم: أنها للمقطع، وإن لم يعمرها، ويبيع ذلك، ويورث عنه.
وقال ابن حبيب عن الأخوين: من أقطعه الإمام فلم يقدر على عمارته فله أن يبيع ويهب ويتصدق ما لم ينظر في عجزه عنها فيقطع غيره، فرأى ابن القاسم الإقطاع تمليكا تاما، ورآه الأخوان إذنا في الإحياء، ومن شرطه العمل.
ابن زرقون: ورآه غير واحد من الشيوخ وفاقا، وجعلوا قول الأخوين تفسيرا.
قلت: فذكر الباجي قول الأخوين في الإقطاع العري عن شرط العمارة، وجعله خلاف قول ابن القاسم، ونقله اللخمي مقيدا به كما مر.
وفسر ابن رشد سماع يحيى بمعنى قول الأخوين.
وذكر ابن شاس عن الأستاذ أبي بكر أنه حمل سماع يحيى على ملك المقطع ما أقطعه.
قال: كانت الأرض المقطعة من فيافي الأرض أو مما قرب من العمران، ولا يطالبه الإمام بعمارتها بخلاف الإحياء فالحاصل إن شرط في الإقطاع العمارة اعتبرت، وإن نص على لغوها سقطت اتفاقا فيهما.
وإن لم يذكر شرطها ولا لغوها، ففي لزوم اعتبارها طريقان لابن رشد مع ابن زرقون عن غير واحد من الشيوخ وابن شاس عن الأستاذ أبي بكر مع الباجي، وهو ظاهر السماع، ونقل اللخمي عن المذهب.
وذكر ابن عبد السلام لفظ الأخوين على ما ذكره اللخمي، وقول ابن زرقون: وفيه نظر؛ لأن ابن زرقون ما ذكر كونه تفسيرا إلا على ما حكى الباجي في لفظ الأخوين عريا من الشرط، وهو الذي يحتمل الخلاف، ويفتقر إلى بيان كونه تفسيرا، وأما على ما ذكره اللخمي فهو غني عن البيان؛ لأن مفهوم كلامهما هو نفس سماع يحيى فتأمله.
قال ابن الحاجب: لا يقطع غير الموات تمليكا لكن امتناعا.
ابن هارون: لأن غير الموات عنوة أو صلح والعنوة موقوفة.
قلت: معناه: أرض العنوة التي كانت بيد أهل الحرب يعتملونها لا مواتا.
وقال ابن عبد السلام: هذا جار على المشهور إن كانت أرض عنوة، وإن كانت غيرها فلا مانع من إقطاعه تمليكا.
قلت: قوله: على المشهور يقتضي وجود نص القول بمقابله.
ابن رشد: لا يكون إقطاع في معمور أرض العنوة، وقاله الداودي، وذكره ابن حبيب رواية لابن القاسم، وإنما لم يجز ذلك؛ لأن عمر رضي الله عنه أوقفها للمسلمين، ورأيت للخمي جواز إقطاعها، وليس بصحيح على مذهب مالك.
الباجي: ما أحاطت به العمارة.
قال أصبغ وداود بن سعيد والأخوان: يقسم.
ابن حبيب: لأنها أفنيتهم ومحتطبهم ومراعيهم، ولذا لم يكن للإمام أن يقطع شيئا منها؛ لأنه حق لهم كأفنية الدور.
ابن زرقون: قال أبو محمد قوله: لا يقطعه الإمام غير صحيح.
قُلتُ: وفي النوادر ما نصه: قال سَحنون: إنما الإقطاع فيما فضل عن منافع أهل تلك الأرض من المسارح والمراعي، وقد أقطع النبي صلى الله عليه وسلم الزبير أرضاً فيها نخل من أموال بني النضير، وأقطع عمر للناس العقيق أجمع.
الباجي في المدنيَّة: لا بأس أن يقطع الإمام الأغنياء إن كان أقطع الفقراء ما يكفيهم، ولعل هذا في الإقطاع دون الإحياء؛ لأن الإحياء لا تملك به الأرض إلا بإنفاق وعمل، فالغني أقدر عليه، والإقطاع تملك به الأرض دون نفقة.
قُلتُ: الإقطاع لا يكون إلا لمصلحة المسلمين، فإن تعدد ذوو المصلحة، وتقاربوا في تحصيلها بدئ بفقيرهم قبل غنيهم، ولو انفرد الغني بتحصيل تلك المصلحة دون الفقير صح تبدئته عليه كمصلحة الجهاد، وفي ذوي الفروسية وقتال عدو الدين، ومصلحة خدمة العلم تعلماً وتعليماً، وتقدم شيء من هذا المعنى في قسم الفيء في الجهاد.
باب الحمى
الحمى: الباجي هو أن يحمي موضعاً لا يقع به التضييق على الناس للحاجة العامة لذلك لماشية الصدقة والخيل التي يحمل عليها.
قُلتُ: قوله: (لماشية الصدقة) يقوم منه دون تأخير صرف الزكاة إذا كان لترجي مصرفها.
أبو داود عن الصعب بن جثامة أن النبي صلى الله عليه وسلم حمى البقيع، وقال: لا حمى إلا الله ولرسوله.
وقال علي بن عبد العزيز في المنتخب: حمى البقيع لخيل المسلمين ترعى فيه.
قال عبد الحق: هذا أصح أحاديث الحمى، وهو الذي يعول عليه.
قُلتُ: لفظ النقيع وجدته في نسخة صحيحة من الباجي، ومن أحكام عبد الحق بالنون قبل القاف، وذكره البكري بالباء قبل القاف، وكذا وجدته في نسخة صحيحة عتيقة من النوادر، وهو مقتضى نقل اللغويين.
قال الجوهري: في حرف الباء: والبقيع موضع فيه أروم الشجر من ضروب شتى، وبه سمي بقيع الغرقد، وهي مقبرة بالمدينة، ونحوه في مختصر العين، ومثله لابن سيدة، وزاد: والغرقد: شجر له شوك كان ينبت هنالك فذهب، وبقي الاسم لازمًا للموضع.
ولم يذكر أحد منهم النقيع بالنون قبل القاف أنه اسم لموضع مع كثرة ما جلب فيه ابن سيده في المحكم.
وقال الباجي: في آخر الموطأ في ترجمة ما يتقى من دعوة المظلوم، وفيه ذكر الحمى، فقال الباجي، وهذا الحمى هو النقيع بالنون، ولم يتكلم عياض في مشارقه على هذه الكلمة لعدم وقوعها في الموطأ والصحيحين.
الشَّيخ: روى ابن وَهْب أنه صلى الله عليه وسلم حما البقيع، وهو قدر ثمانية أميال، ثم زاد فيها الولاة، وحمى أبو بكر الربذة لما يحمل عليه في سبيل الله نحو خمسة أميال في مثلها، وحماه عمر لإبل الصدقة وحمى أيضاً السرف، ثم ذكر ما في آخر الموطأ في ترجمة ما يتقى
من دعوة المظلوم فيه عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل مولىً له يدعى هبيًا على الحمى فقال: يا هبي اضمم جناحك عن الناس واتق دعوة المظلوم، فإن دعوة المظلوم مجابة، وأدخل رب الصريمة والغنيمة وإياي ونعم ابن عوف وابن عفان، فإنها إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى المدينة إلى زرع ونخل، وإن رب الصريمة والغنيمة إن تهلك ماشيته يأتيني ببينة فيقول: يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين أفأتركهم أنا لا أبا لك فالماء والكلأ أيسر علي من الذهب والورق وايم الله إنهم ليرون أني قد ظلمتهم، إنها لبلادهم ومياههم قاتلوا عليها في الجاهلية، وأسلموا عليها في الإسلام، والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبراً.
أبو عمر: فيه ما كان عليه عمر من التقى، وأنه لا يخاف في الله لومة لائم؛ لأنه لم يداهن عثمان ولا عبد الرحمن وآثر المساكين والضعفاء وبين وجه ذلك، وامتثل قوله صلى الله عليه وسلم: لا حمى إلا لله ولرسوله يعني إبل الصدقة، وقوله: اضمم جناحك يقول لا تستطل على أحد لمكانك مني، والإحياء في بعيد الموات: في افتقاره لإذن الإمام طريقان:
اللخمي وابن رُشْد: لا يفتقر.
ابن حبيب عن الأخوين: يستحب.
الباجي: لا يفتقر.
وليحيى عن ابن القاسم: لا يحيا إلا بإذن الإمام، فإن عمرها بغير إذن، فروى ابن سَحنون ما علمت اختلافا في أن ذلك له.
ولابن مزين عن ابن نافع مثله، وقال في الذي يقتطع الموات البعيد فيحييه بغير إذن الإمام ينظر فيه الإمام إن رأى إخراجه أخرجه.
قُلتُ: فيكون فيه بعد الوقوع لابن نافع قولان، وفي قريبه طريقان.
الباجي: لابن سَحنون عن مالك، وابن القاسم وأشهب لا يحيا إلا بإذن الإمام.
ابن عبدوس عن أشهب: يحييها من شاء بغير إذنه.
سَحنون: وقاله كثير من العلماء من أصحابنا وغيرهم.
ابن رُشْد: المشهور في القريب الذي لا ضرر في إحيائه على أحد لا يجوز إلا بإذن الإمام، وقيل: استئذانه مستحب لا واجب.
قُلتُ: عزاه اللخمي لأشهب وأَصْبَغ، وتقدم حد القرب.
وقال اللخمي: هو ما كان في المحتطب والمرعى.
الباجي: لابن سَحنون عن ابن القاسم ما قرب من العمران لا يدخل في الحديث، وأنكره سَحنون وقال: المعروف أنه لا يجوز إحياؤه إلا بإذن الإمام.
وقد قال مالك: معنى الحديث في فيافي الأرض، وما بعد عن العمران الذي أنكر سَحنون حمل قول ابن القاسم على أنه لا يجوز الإحياء فيما قرب، وإن أذن فيه الإمام.
قُلتُ: في قبول الباجي إنكار سَحنون قول ابن القاسم مع احتجاجه على ذلك بقول مالك: "معنى الحديث فيما بعد عن العمران" نظر؛ لأن قول ابن القاسم: ما قرب لا يدخل في الحديث، هو نفس رواية سَحنون معنى الحديث فيما بعد عن العمران.
قُلتُ: في النوادر من كتاب ابن سَحنون: ما قرب من العمران لا يحيا إلا بإذن من الإمام ما أضر بأهل القرى في مسرح ومرعى ومحتطب، ونحوه منع منه.
قال سَحنون في المجموعة: كانت أرض صلح أو عنوة أو أرض أسلم عليها أهلها.
قال اللخمي: لأن البعيد خارج عن ما انعقد عليه الصلح أو أسلم عليه؛ لأنه لم يكن فيه منتفع ولا حمىً ولا دب، وعلى المشهور إن وقع دون إذن ففي إمضائه، ولزوم إخراجه، ثالثهما: للإمام إمضاؤه وإزالته وإعطاؤه غيره أو بيعه للمسلمين للباجي عن ابن حبيب عن أَصْبَغ، ولابن سَحنون عن ابن القاسم ولابن حبيب عن الأخوين مع مالك.
ابن زرقون: للمغيرة وأشهب ك أَصْبَغ.
قُلتُ: هو نقل ابن رُشْد اللخمي عن الأخوين يخير الإمام في أربعة في إبقائه أو جعله للمسلمين مع إعطائه قيمة بنائه منقوضاً أو أمره قلع نقضه أو إعطائه غيره، وله
قيمته منقوضاً.
قال: وأرى إن كان في إبقائه ضرر؛ لأنه ضيق المرعى أو المسكن لمن كان يسكن بأهله وماشيته أو لما يعلم من شره وحاله أو لأنه غني عنه وغيره فقير أخرج، وإن كان فقيراً لا تخشى ناحيته، ولا يضيق على الناس أو كان الإحياء للحرث لا للسكنى الشيء اليسير لم ينتزع.
قُلتُ: ليس هذا بخلاف لقول الأخوين بل هو تقرير لتعلق التخيير؛ لأنه للمصلحة لا للتشهي إلا أنه فيه خلافاً لنقل الباجي عن الأخوين يعطى قيمة عمله منقوضاً يعطيه ذلك الإمام أو غيره ولا آمره بقلعه.
ابن رُشْد: على إخراجه يكون له قيمته منقوضاً، وهو القياس، ولو قيل قائماً للشبهة لكان له وجه.
قُلتُ: قاله اللخمي أيضاً.
فيها: إحياء الأرض شق العيون، وحفر الآبار، وغرس الشجر، والبناء، والحرث.
عياض: اتفق على سبعة تفجير الماء، وإخراجه عن غائرها، والبناء، والغرس، والحرث مثله تحريك الأرض بالحفر، وقطع شجرها، وسابعها: كسر حجرها وتسوية حروفها، وتعديل أراضيها.
وفي رعي كلائها وحفر بئر ماشية: قولا أشهب وابن القاسم.
الباجي: لابن سَحنون عن أشهب وابن القاسم وجميع أصحابنا: ليس الرعي إحياء.
ولأشهب: من نزل أرضاً فرعى ما حولها فرعيهم إحياء؛ لأنهم ينتظرون أن يزرعوا.
قال في المجموعة: ألا ترى المعدن إن عمل فيه كان له ما قام عليه، ولم يعجب سَحنونا قول أشهب.
قال ابن القاسم وأشهب: وليس حفر بئر الماشية إحياء.
قُلتُ: هذا خلاف متقدم نقل عياض عن أشهب.
وإحياء الذمي في جزيرة العرب لغو:
روى اللخمي: هي الحجاز والمدينة واليمن، وزاد الشَّيخ ولابن حبيب.
قال الأخوان: جزيرة العرب مكة والمدينة والحجاز كله، والنجود واليمن إن عمر فيه أعطى قيمة عمارته وأخرج.
ولابن القاسم في المجموعة: له ما أحيا في موات أرض الإسلام غيرها.
ولابن حبيب عن الأخوين: له ما أحيا في بعيد العمران، ويخرج مما عمر في قريبه ويعطى قيمته
منقوضاً؛ لأن الذمي لا يقطعه الإمام؛ لأن ما قرب كالفيء ولا حق له في الفيء فقبله الشَّيخ.
وقال الباجي: فيه نظر؛ لأنه لو كان كفيء الأرض لم يجز تملكه، ولا قسمه، ولا بيعه عند مالك، ويلزم أن لا يحييه عبد ولا امرأة؛ لأنهما ليسا من أهله، ولو قيل: حكم الذمي كالمسلم في القريب لم يبعد، ثم قال: وفي إحياء غير المسلم ما قرب مضرة فلا يأذن فيه الإمام.
قُلتُ: هذا خلاف قوله: لم يبعد.
اللخمي: يخرج إن عمر فيما قرب.
ولابن القُصَّار: لا يجوز للإمام الإذن لأهل الذمة في الإحياء غير مفرق بين قريب، ولا بعيد.
قُلتُ: ففي جوازه له مطلقاً، ومنعه مطلقاً، ثالثهما: فيما بعد لقول الباجي: لو قيل: حكم الذمي فيما قرب كالمسلم لم يبعد، وقول ابن القُصَّار والمشهور.
وعزا ابن شاس الأول لابن القاسم لقوله: قال ابن القاسم: الذمي كالمسلم لعموم الخبر إلا في جزيرة العرب.
وقال بعد نقله قول ابن القُصَّار: قال ابن حبيب عن الأخوين: إن عمر فيما بعد فذلك له، وفيما قرب يخرج، ولو كان بإذن الإمام؛ لأنه فيء، وتبع ابن الحاجب ابن شاس.
والطرق: الشَّيخ في المجموعة والواضحة: روى ابن وَهْب أنه صلى الله عليه وسلم قال: "من
اقتطع من طريق المسلمين أو أفنيتهم شبرًا من الأرض طوقه الله يوم القيامة من سبع أرضين"، وقضى عمر رضي الله عنه بالأفنية لأرباب الدور.
ابن حبيب: تفسيره يعني بالانتفاع في المجالس والمرابط والمساطب وجلوس الباعة للبيع الخفيف.
ومر عمر بكير حداد في السوق فأمر به فهدم، وقال: يضيقون على الناس السوق.
اللخمي: ما بين الدور من الرحبات، والشوارع من أخذ منه شيئاً لداره، وهو يضر بالمارة أو بأهل الموضع منع وهدم عليه، وإن لم يضر، ففي جوازه وكراهته، ثالثها: يمنع ويهدم لقولي مالك، وظاهر قول أَصْبَغ مع ابن القاسم وسَحنون مع الأخوين.
وقال أشهب مرة بالثاني، وآخرًا بالثالث.
وصوّب اللخمي الكراهة.
قُلتُ: واستمر عمل قضاة العدل على المنع والهدم وجرحة فاعله إن لم يعذر بجهل، والمستحق فيما أبيح للباعة بالسبقية إليه كما لا يخرج أحد لأحد من مستنجى حبس يسكن، وكالطعام للحاجة في الغنيمة قبل قسمه والصيد.
وفي استمرار حقية الموضع بالسبقية إليه بغية الدوام دون تخلل تركه نقلا بعض من لقيناه عن المتأخرين.
قُلتُ: ولعياض ومن حديث أبي واقد الليثي في الثلاثة من كتاب الأدب، قال مالك في حديث: "إذا قام أحدكم من مجلسه فهو أحق به"هو على الندب، وخصه ابن مسلمة بالقائم إن قام لحاجة لا تاركًا له.
ولمالك: من ارتسم بموضع من المسجد لإقراء القرآن أو تدريس أو فتوى هو أحق به، والجمهور على أنه استحسان، لا واجب، ولعله مراد مالك.
ومن قعد من الباعة بأفنية الطرق، وأصحاب المرافق هو أحق به، فإن قام ونيته
الرجوع، فحكى الماوردي عن مالك: هو أحق به حتى يتم غرضه قطعا للنزاع، وقيل: هو وغيره سواء، وهو قول الجمهور.
قُلتُ: ويؤخذ الاستحقاق بالنية من قولها: من خرج لمكة، ونوى أن يسير يومًا ويقيم يومًا قضى في سائر سفره فكما لم يمنع يوم الإقامة اتصال ما بعده بما قبله كذا سبقية الثاني لا تمنع اتصال أحقية إتيان الأول بعد الثاني بإتيانه الأول، وكلما اتصل به كان أحق به، وربما يتخرج على مسألة من أحيا أرضا بعد مواتها بعد إحياء لغوه فتأمله.
وتقدم كثير من أحكام ما يباح فعله في المسجد، وما لا في كتاب الصلاة.
وسمع ابن القاسم: كتب ذكر الحق في المسجد ما خف منه لا بأس به، وما طال لا أحبه، وقضاء الرجل فيه ذهبًا لا بأس به، وما كان على وجه التجر، والصرف لا أحبه.
وسمع أشهب: في كتاب الصلاة في استحباب كون النصارى الذين يبنون في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجازوا إلى موضع منه، ويدخلوا مما يليه، ولا يختلفوا ما لا عمل لهم فيه.
ابن رُشْد: إنما لم ينكر مالك دخولهم مسجده صلى الله عليه وسلم، ووسع فيه وإن كان مذهبهم منعهم من دخول المساجد مراعاة لاختلاف أهل العلم في ذلك منهم من أباح دخولهم المساجد إلا المسجد الحرام، ومنهم من لم يستثنه، وفي السماع المذكور، وكراهة كشف سقف قبره صلى الله عليه وسلم، ورأى من صونه أن يكون مغطى، ولم ير أن يكتفى فى ذلك بالخيش، وقال: ينبغي أن ينظر في أمره.
ابن رُشْد: كأنه رأى أن يغطى كتغطية البيوت المسكونة، وأخبرني من أثق به أنه اليوم لا سقف له تحت سقف المسجد، وفي الزكاة منها ما ظهر من المعادن بأرض العرب أو البربر فالإمام يليها، ويقطعها لمن يرى ظهرت في الجاهلية أو بعد الإسلام، وما ظهر منها في أرض الصلح فهو لأهل الصلح دون الإمام، ولهم أن يمنعوها من الناس، وما ظهر منها بأرض العنوة فهو للإمام.
وسمع يحيى ابن القاسم في الزكاة: الأمر كله لله في كل المعادن كانت بأرض رجل خاصة أو بأرض أهل ذمة من عنوة أو في أرض موات ليست لأحد إلا بقطيعة من
الإمام، وليست لمن أقطعها إلا بحال ما وصفت لك من الانتفاع بنيلها ما عمل، ثم إن ترك العمل أو مات عنها أقطعها الإمام من شاء.
قال سَحنون: إنما ذلك في المعادن التي بالأرض التي لا تملك كالموات، وأما الرجل له الأرض يملكها يظهر فيها معدن فهو له يمنعه، ويعمل فيه، ولا يجوز له بيعه؛ لأنه غرر لا يدري ما فيه، ولا كم يدوم له.
ابن القاسم: وأهل الصلح ما كانوا على دينهم فلهم صلحهم والوفاء بعهدهم، فإن أسلم من المعدن في أرضه رجع أمره للإمام.
ابن رُشْد: مذهب ابن القاسم أن أمر المعادن للإمام كانت بأرض مملوكة أو غير مملوكة يقطعها من يعمل فيها لا على وجه التمليك إلا أن تكون بأرض صلح فأهل الصلح أملك بأرضهم، فإن أسلموا رجع أمرها للإمام هذا قول ابن القاسم في هذا السماع، ولا يلتئم على أصله أن يرجع إليه منها إلا ما ظهر في أرضهم بعد إسلامهم، وأما ما ظهر قبله فالواجب على أصله أنه لهم؛ لأنهم أسلموا عليه، ومثل ذلك روى محمد، وظن بعض أهل النظر أن قول مالك في الموازيَّة في أهل الصلح إن أسلموا على أرضهم، وفيها معادن أنها لهم.
خلاف قول ابن القاسم مثل قول سَحنون، وليس بصحيح؛ بل قول مالك هو الصحيح على أصل ابن القاسم في أن مالك الأرض لا يملك بملكها ما كان فيها من مجهول لم يعلم به كالمعدن، وشبهه خلاف مذهب سَحنون أنه يملكه بملكها، وهو قول ابن حبيب، وفي السماع المذكور هل للإمام أن يزيل منها الذي يقطعه إياها إذا طال عمله فيها، ولم يتركها، ولا مات عنها، ولا يقطعها غيره فلم يجبه عن ذلك.
وروى أشهب: أن ذلك له، وهو ظاهر في الوجهين معًا؛ لأنه إن طال عمله فيه فقد انتفع بما أقطع، ولم يستحق ملك المعدن بذلك الإقطاع، ولا العمل فيه حياته إلا أن يقطعه إياه حياته، وأما إن مات ففي كتاب الشركة منها للإمام أن يقطعه لمن يشاء، ولم يبين إن كان أدرك نيلًا أم لا.
وقال سَحنون: إن كان أدرك نيلًا لم يكن للإمام أن يقطعه لمن يشاء، ولم يبين
إلا لورثته.
وقال أشهب: وورثته أحق، وإن مات قبل أن يدرك النيل وهو القياس؛ لأنه إذا أقطعه غير ورثته، وقد عمل فيه ذهب عمله باطلًا إلا أن يكون قد أدرك النيل، ومضى له مدة أو شاء الإمام أن يقطعه غيره قبل أن يموت كان له ذلك؛ فيكون له أن يقطعه لغير ورثته.
الباجي: ما كان منها بأرض جميع المسلمين كالبراري والموات، وأرض العنوة فالإمام يقطعه من شاء للانتفاع مدة محدودة، ولا يملكه رقبتها؛ لأنها كأرض المسلمين يحبسها الإمام لمنافعهم لا يبيعها عليهم، ولا يملكها بعضهم، وما كان منها بأرض الصلح، فقال ابن حبيب: يقطعها الإمام من شاء، وذكره عمن لقي من أصحاب مالك.
وقال ابن القاسم: لا حق للإمام فيها، وهي لأهل الصلح.
ابن زرقون: انظر ما حكاه عن ابن حبيب إنما ذكر ابن حبيب هذا في فيافي أرض الصلح لا في أرضهم المتملكة، ولا خلاف أعلمه في معادن فيافي أرض أهل الصلح أنها للإمام، ولا خلاف في معادن أرض الصلح المتملكة أنها لأهل الصلح.
الباجي: قال ابن القاسم: ومن أسلم منهم وبيده معدن أخرج عنه، وأقطعه الإمام من شاء.
ابن زرقون: وروى محمد: يبقى للصلحي الذي أسلم.
الباجي: ما كان منها بأرض رجل من المسلمين، فقال ابن القاسم: لا يملكه، وقال مالك: هو له، وله منعه.
ابن زرقون: هو قول سَحنون، وشُيُوخ ابن حبيب.
الباجي: ومن أقطع منها شيئًا لم يكن له بيعه؛ لأنه لا يملكه.
قال ابن القاسم: ولا يورث عنه.
وقال أشهب: يورث عنه، ولعله يريد: أن يتركه الإمام بيد وارثه بمنزلة إقطاع لهم لا حقيقة الإرث؛ لأن مورثهم لم يملكه.
ابن زرقون: هذا هو ظاهر قول أشهب؛ لأنه قال: ورثته أحق به بعد موته، ولم يقل يورث عنه، ولعله يريد: هم أحق أن يقطعهم الإمام إياها، وإنما اختلفا في إرث النيل ولو مات، ولم يدرك نيلا فلا خلاف أنه لا شيء لوارثه، وللشيخ بعد ذكره مسائل من المجموعة وغيرها.
قال ابن القاسم: في معادن الزرنيخ والكحل والنحاس والرصاص والجواهر أنها كمعادن الذهب والفضة السلطان يقطعها لمن يعمل فيها.
قال سَحنون: إنما كان السلطان يلي معادن الذهب والفضة لينظر في زكاتها ويحوطها، وكذا قال ابن نافع: فأما هذه الأشياء فليس فيها زكاة، ولو كان يلي هذا كان له أن ينظر فيما يخرج من البحر من العنبر واللؤلؤ.
قُلتُ: في عطفه اللؤلؤ على الرصاص نظر؛ لأن اللؤلؤ لا معدن له إلا أن يريد محله من البحر، ويبعد فيه الملك.
ابن الحاجب: وأما المعادن؛ فثالثها: إن كان ذهبًا أو فضة فإلى الإمام، وإن كان غيره فلصاحب الأرض أو لأهل الصلح؛ فقبل ابن عبد السلام فقوله، وقال ابن هارون بعد ذكره قولي ابن القاسم وسَحنون مع ابن نافع في معادن غير الذهب والفضة: لا أعلم هذا الخلاف الذي ذكره على هذا التفصيل، وإنما صوابه ما قدمناه.
قُلتُ: لا إشكال في وجود القولين في المعادن غير الذهب والفضة ولابن بشير: حكم المعدن بالأرض الغير مملوكة للإمام اتفاقًا، وإن كانت مملوكة لغير معين، فثالثها: إن كان معدن ذهب أو فضة كأرض العنوة، ففي كونه كالأول أو لمن فتح تلك الأرض قولان.
وإن كان بمملوكة لمالك معين، فثالثها: إن كان معدن ذهب أو فضة فللإمام، وإلا لمالك تلك الأرض، فنقل ابن الحاجب الثلاثة مطلقًا لا يصح ابن الحاجب لا ينظر الإمام فيما يخرج من البحر من عنبر ولؤلؤ.
قُلتُ: ما تقدم من احتجاج ابن نافع على عدم نظر الإمام في معادن غير الذهب والفضة بقوله: لو كان له ذلك لكان له النظر فيما يخرج من البحر من عنبر ولؤلؤ يقتضي
الاتفاق على عدم نظره فيهما.
ابن هارون: وروى أشهب ما لفظه البحر من أموال أهل الكفر لواجده يخمس منه الذهب والفضة لا غيرهما إلا أن يكون بقرب قرية لهم إلا أن يكون يسيرًا.
قُلتُ: عزاه الصقلي للموازية، واقتصار ابن هارون على نقله يوهم أنه المذهب أو مشهوره وليس كذلك؛ لأن في لقطتها ما نصه من أخذ متاعًا مما عطب بساحل البحر فهو لربه، وإن كان لأهل الشرك نظر فيه الإمام، ولم يكن لمن وجده والماء في آنية لربه يختص به، ويتعلق به حكم المواساة، وما بأرض مملوكة إن كان باستخراج منها كحفر أصله فالمعروف كما الآنية، ولم يحك الباجي، وغير واحد فيه خلافًا، وهو نصها في حريم البئر والتجارة بأرض الحرب.
وفي المقدمات حمل جماعة من أهل العلم قوله ?: ((لا يمنع نقع بئر ولا رهو ماء)) على عمومه.
فقالوا: لا يحل بيع الماء، ولا منعه بحال كان من بئر أو غدير أو عين كان في أرض متملكه أو غيرها إلا أنه في المتملكة أحق بقدر حاجته منه، وهو قول يحيى بن يحيى في العتبيَّة: أربع لا يمنعن الماء والنار والحطب والكلأ.
قُلتُ: الأظهر أن لا خلاف في أن رب الماء المستخرج بحفر في أرضه أحق به كالماء في الآنية، وهو ظاهر قول عياض في الإكمال، ونقل الباجي واللخمي وإياهم.
تبع ابن شاس وابن هارون: يرد باحتمال حمله على الماء في الأرض المملوكة بنزول مطر أو تفجر فيها دون تسبب فيه بحفر ونحوه، ولذا قرنه بالنار والحطب والكلأ، وهو معنى قول اللخمي، وأما الماء في الأرض المملوكة فهو عند أشهب
كالكلأ لا يمنع فضله، ونحوه قول الباجي.
أشهب: لا يبيح بيع الكلأ بحال، وإن كان بأرضه وحماه كالماء الذي يخرجه الله على وجه الأرض وعلى المعروف.
قال ابن رُشْد: يستحب له أن يمنع الشرب من العين والغدير تكون في أرضه لأحد من الناس، ولا يقضى عليه بذلك، وله في واجب الحكم منعه.
قُلتُ: انظر قوله هذا، وله في واجب الحكم منعه مع ظاهر قولها في التجارة بأرض الحرب من في أرضه بركة أو غديرة لا يمنع من شرب منها ولا صيد ما فيها، فإن وجبت في فضله مواساة لزمت فيها من حفر بأرضه بئرًا فله منع المارة ماءها إلا بثمن، إلا قومًا لا ثمن معهم، وإن تركوا إلى أن يردوا ماء غيره يهلكوا فلا يمنعوا، ولهم جهاد من منعهم، فإن لم يقو المسافرون على دفعتهم حتى ماتوا عطاشًا فدياتهم على عواقل المانعين، والكفارة عن كل نفس منهم على كل واحد منهم من أهل الماء مع وجيه الأدب.
الصقلي: واجب على من خاف على مسلم موته إحياؤه بما قدر عليه، فإن كان الماء يجوز بيعه وجب عليهم بيعه للمسافرين بما يسوى، ولا يشتطوا في ثمنه، وأوجب عليهم الثمن إن كان معهم.
وقال فيمن انهارت بئره، وخاف على زرعه أن له السقي بماء جاره الجائز بيعه دون ثمن، وإحياء النفس آكد، والأولي فيهما الثمن كموت جمله بالصحراء واجب على أهل الرفقة أن يكروا منه، وإن لم يكن مع المسافرين ثمن لم يتبعوا بثمنه، ولو كان لهم أموال ببلدهم؛ لأنهم اليوم أبناء سبيل يجوز أخذ الزكاة.
وقال بعض الفقهاء القرويين: إنما لزمت الديات عواقل المانعين؛ لأنهم لم يقصدوا قتل المسافرين بل تأولوا أن لهم منعهم؛ لأنه أمر يخفى على الناس، ولو علموا أنه لا يحل لهم منعهم وموتهم عطشًا إن منعوا أمكن أن يقتلوا بهم، وإن لم يلوا القتل بأيديهم.
واختلف فيمن تعمد الزور بشهادة حتى قتل المشهود عليه بها قيل يقتل، وفي المدَوَّنة لا يقتل.
وقال اللخمي: في فضل ماء بئر الماشية والزرع إن خيف على المسافرين إن صرفوا لغيره فلهم أخذه بثمن إن كان شأنهم البيع، ومع المسافرين الثمن، وإلا أتبعوا به إن كانوا أملياء ببلدهم، وإن كانوا فقراء، ففي اتباعهم به قولان قياسًا على من وجبت مواساته لفقره، وإن لم يقدروا على أخذ الماء إلا بقتال أربابه، ففي إجازته وكراهته قولا ابن القاسم وأشهب فيمن قتل من المسافرين القصاص إلا أن يظن قاتله أنه له منعه، وإن ماتوا عطسًا، وعلم المانعون مبلغه منهم، وأنهم لا يجوز منعهم، ففي لزوم القصاص والداية في أموالهم قولان من شاهدي الزور بزنا محصن.
وفيها: إن حرث جارك على غير أصل ماء فلك منه سقيه بفضل مائك إلا بثمن إن شئت، ولو حرث ولأرضه بئر فانهارت فخاف على زرعه قضي له عليك بفضل ماء بئرك بغير ثمن، وإن لم يكن في مائك فضل فلا شيء عليك.
في المقدمات في كون القضاء بثمن روايتان، وفي البيان في سماع عيسى لابن رُشْد: يقضى له به إلى أن يصلح بئره، وفي كونه بثمن قولان في المدَوَّنة، ومعنى ذلك عندي إن كان يجد له ثمنًا عند سواه، وإلا فلا ثمن له قولًا واحدًا، وقيل: أن ذلك ليس باختلاف، ومعنى القول بالقضاء إن وجد له ثمن عند سواه، والقول بسقوطه إن لم يوجد.
والأظهر: أنه اختلاف قول كما ذكرناه، وهو بناء على اختلافهم في قوله ?: ((لا يمنع نقع بئر، ولا رهو ماء)) فمن حمله على هذا الموضوع أسقط الثمن، ومن حمله على البئر بين الشريكين يسقي أحدهما بمائه يومه، فيروي أحدهما حائطه ف بعض يومه ويستغني عن الماء بقية يومه أن ليس له منع شريكه بقية يومه.
قال: يقضى له بالثمن.
قُلتُ: عزا هذا القول الباجي لابن حبيب عن رواية مُطَرِّف الباجي: والسقي لغير الشريك بشروط أربعة الأول أن يكون زرع أو غرس على أصل ماء فتعذر، ولو أو زرع أو غرس على غير أصل ماء لم يكن له ذلك، قاله ابن الماجِشُون، وابن عبد الحَكم، وأَصْبَغ، وابن القاسم، وأشهب ورووه.
الثاني: خوفه على زرعه أو نخله من عدم الماء، فإن لم يكن يخف لم يكن له شيء في فضل ماء جاره رواه أشهب.
الثالث: كون ماء جاره فاضلًا عن حاجته مستغنى عنه، فإن لم يفضل عنه فلا شيء لجاره رواه ابن القاسم وابن وَهْب وابن نافع وأشهب.
الرابع: أن يشرع من انهارت بئره أو غارت عينه في إصلاحها على المعروف والإمكان، فإن لم يفعل واعتمد على السقي بفضل ماء جاره، فروى أشهب ليس له أن يسقيها إن كانت وديا حتى تبلغ، وإنما ينظر في هذا إلى قدر ما ينزل.
وقال مُطَرِّف: يسقى بذلك إلى أن يبني بئره، وقاله مالك.
قُلتُ: وعلى الأول في القصالة بقدر مدة مؤنة الإخراج إن كانت فيه فائدة نظر وبحث.
قال: وفي القضاء به على جاره بذلك، وأمره به دون قضاء رواية أَصْبَغ عن ابن القاسم عن مالك، وقول عيسى في المدنيه مع روايته عن ابن نافع، وعليه قال عيسى في المدنيَّة: إن باعه كان جاره الذي انقطع ماؤه أولى به بالثمن.
قُلتُ: وسمع عيسى ابن القاسم من كتاب السداد من غرس بماء قوم قريب من أرضه فنبت به شرجه، وهم لا يعلمون فأرادوا حبس مائهم؛ فقال: لهم تركتموني حتى غرست ليس لهم حبس ماء فضل عنهم إلى أجل يحتفر فيه بئرًا أو عينًا، وما لا فضل فيه عنهم هو أولى به، ولو لم يعلموا بذلك، فإن لم يكن لهم في فضل مائهم منفعة فهو أولى به، وإن كان لهم فيه منفعة فهم أحق به، ولا قول لهم فيه، وإن باعوه إلا أن يبيعوه منه.
قال عيسى: أرى أهل الغرس أولى بالماء، بالثمن الذي بيبعه به أهله.
ابن رُشْد: قوله غرس بمائهم؛ يريد: بفضل مائهم، وقوله أرادوا حبس مائهم معناه: حبس فضل مائهم إذ لا خلاف في أن الرجل أحق بجميع مائه إن لم يكن فيه فضل عن حاجته، وما فضل عنه إن لم لكن لغيره إليه حاجة إلا ما يريده من ابتداء الانتفاع به منزرع يزرعه أو نخل يغرسها عليه فلربه منعه إلا بثمن بواجبه عليه وجد فيه ثمنًا عند غيره أو لم يجد، وإن كان لغير حاجة إليه لسقي نخل كان غرسها عليه
فنبتت به، فإن كان يعلم صاحب الماء فهو أحق به دون ثمن إلا أن يستخرج ماء وجد ربه به ثمنًا عند سواه أو لم يجد، وإن لم يكن يعلمه كان أحق به دون ثمن إلى أن يستخرج ماء إن لم يجد ربه فيه ثمنًا عند سواه، وإن وجده عند سواه كان أحق بفضل مائه ببيعه ممن شاء، وما لم ينفذ فيه البيع فهو أحق به بالثمن الذي يعطي فيه غيره على ما قاله عيسى هذا معنى قوله عندي لا أنه يكون له أخذه بعد نفوذ بيعه كالشفعة.
قُلتُ: ما حمل عليه قول عيسى خلاف ما تقدم للباجي عن عيسى باعتبار متعلقه وحقيقته متعلقه عند الباجي من انهارت بئره، ومتعلقه عند ابن رُشْد من غرس على ماء غيره، وحقيقته عن الباجي: أنه أحق كالشفيع، وعند ابن رُشْد: أنه أحق قبل نفوذ البيع لا بعده، وليس كالشفيع.
المتيطي: قال ابن حبيب: سألت أَصْبَغ عن عين بجنان رجل، وهي في سفح جبل ولرجل تحته دار أو جنان؛ فأسال ساقية العين إلى داره أو جنانه يسقى بها زمانًا هل لرب العين قطعها عنه بلا حاجة إليها؟
قال: ذلك له، ولو غرس الثاني عليها غرسًا ما لم يأذن له في ذلك، وليس علمه بذلك إذنًا له بعد حلفه ما سكت إذنًا له في ذلك، وقاله ابن القاسم وابن نافع: وله قطع مائه عنه ما لم يكن في الشجر ثمر يخاف هلاكه، فيترك له الماء إلى جداده، وفي الزرع إلى حصاده.
قال فضل: ورواه أَصْبَغ عن ابن القاسم، وروي عنه في سماعه ليس له قطعه إن رآه يغرس عليه، وقاله ابن كنانة وسمع محمد بن خالد: من غرس على فضل ماء رجل بعطية منه فيطعم الغرس، فيريد رب الماء قطعه عنه ليس له ذلك إلا أن يحتاج إليه.
ابن رُشْد: القياس أن لا يكون له قطع فضلته عنه، وإن احتاج إليها؛ لأنه أعطاه إياها، ومعنى ذلك عندي إن لم يصرح له بعطية الفضلة إنما قال له اغرس على فضل مائي أو خذ فضل مائي أو اغرس عليه فمن حقه أن يقول إنما أردت أخذه على وجه العارية إلى أن أحتاج إليها أو طول ما استغنى عنه؛ فيحلف على ذلك، ويأخذه إن
احتاج إليه، ولو صرح بالعطية أو الهبة، فقال وهبتك فضل مائي أو أعطيتك إياه لم يكن له أخذه منه، ولو احتاج إليه، ولو صرح بالعارية كان له أخذه إن انقضت مدة عاريته أو ما يعار إليه إن لم يضرب لها أجلًا.
وقد قال ابن أبي زيد قوله: يعطيته؛ يريد: العارية لا التمليك والعارية في هذا على التأبيد إلا أن يحتاج إليه إلا أن هؤلاء اتفقوا وغرسوا، وهو يعلم، ولا ماء لهم غيرهم فهذا كأنه تسليم، والله أعلم.
قاله ابن أبي زيد، وقال: أعرف نحوه لسَحنون، والماء غير مستخرج، ولا مستنبت في جريه.
روى مالك فيه عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه بلغه أن رسول الله ? قال: ((في سيل مهزوز ومزيليب يمسك حتى الكعبين ثم يرسل الأعلى على الأسفل)).
أبو عمر: هما واديان بالمدينة مستويان يسيلان بالمطر يتنافس أهل المدينة في سيلهما، وروى عبد الرازق عن أبي حازم القرطبي عن أبيه عن جده أن رسول الله ?: قضى في سيل مهزوز أن يحبس في كل حائط حتى يبلغ الكعبين، ثم يرسل وغيره من السيول كذبك، وصححه عبد الحق بسكوته عنه.
وقال ابن القطان: ما من رواته الذين أبرز من يعرف له، وله طريق أحسن من ذلك، وروى مسلم عن عبد الله بن الزبير أن رجلًا خاصم الزبير في شراج الجره التي يسقون بها النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر فأبى عليه فاختصموا عند رسول الله ?، فقال رسول الله ? للزبير: اسق يازبير، ثم أرسل الماء إلى جارك، فغضب الأنصاري، فقال يا رسول الله: أن كان ابن عمتك؟ فتلوَّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم
قال: يازبير اسق، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، فقال الزبير: والله إني لأحسب.
هذه الآية نزلت في ذلك ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾] النساء: 65 [.
فقال غير واحد: واللفظ للمقدمات: حكم كل ماء غير متملك يجري على قوم إلى قوم أن من دخل أرضه أولًا أحق به حتى يبلغ في أرضه الكعبين، ثم في وجوب إرساله جميعه إلى الأسفل منه وقصر وجوب إرساله على ما زاد على الكعبين قولا ابن القاسم والأخوين مع ابن وَهْب.
ابن رُشْد: وهو اظهر، وروي زياد أن معنى الحديث أن يجري الأقرب إلى الماء منه في ساقيته إلى حائطه بقدر ما يكون الماء في الساقية إلى حد كعبيه حتى يروي حائطه، ثم يفعل الذي يليه كذلك ما بقي من الماء شيء، ويحتمل أن يكون معنى هذه الرواية إن كان ماء الوادي كثيرًا فوق ما يتأتى به السقي لواحد فلا تكون مخالفة لما تقدم.
والأظهر: أنه اختلاف قول، وزدنا هذا بينًا في سماع عيسى من كتاب السداد.
قُلتُ: لم يذكر فيه زيادة على هذا بوجه بل نقض منه قوله.
والأظهر: أنه اختلاف قول الباجي اختلف أصحابنا في قوله ?: "حتى الكعبين"، فلابن حبيب عن ابن وَهْب والأخوين: أنه إذا بلغ الماء في الحائط الأعلى إلى الكعبين أغلق مدخل الماء، ولعيسى في المدنيَّة عن ابن وَهْب: يسقي الأول حتى يروي حائطه، ويمسك بعد ريه ما كان من الكعبين إلى أسفل، ثم يرسل.
وروى زياد: يجرى الأول من الماء في ساقيته إلى حائطه قدر ما يكون الماء في الساقية إلى الكعبين حتى يروي حائطه، أو يفنى الماء، فإذا روى أرسله كله.
قال ابن مزين: هذا أحسن.